← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر قال العبد الفقير إلى ربه، المستغفر من ذنبه، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن أبي الإصبع عفا الله عنه: الحمد لله حمداً يستعذب الحامد مساغه، وصلى الله على من كانت أعظم آياته البلاغة وعلى آله وصحبه مازان حلى الكلام من صيغ له ومن صاغه. وبعد، فإني رأيت ألقاب محاسن الكلام التي نعتت بالبديع قد انتهت إلى عدد منه أصول وفروع: فأصوله، ما أشار إليها ابن المعتز في بديعه وقدامة في نقده، لأنهما أول من عني بتأليف ذلك. أما ابن المعتز فهو الذي سماه البديع، واقتصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب، وهي: الاستعارة منفرداً بها،، على أن قدامة ذكر الاستعارة ولم يبوب عنها في المحاسن، وإنما جاء بها في ذكر المعاظلة من العيوب، وزعم أن المعاظلة ما استبشع من الاستعارة،، فاقتضى كلامه أن من الاستعارة

стр. 2

قبيحاً وحسناً، فحسنها من المحاسن، وقبيحها من العيوب، ولم يذكرها في المحاسن، وابن المعتز ذكرها والتجنيس، والطباق متوارداً عن قدامة عليهما، ورد الأعجاز على الصدور منفرداً به، وختما بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي منفرداً به، وإن كان ما قبله من الأسماء الأربعة قد سبقت العرب إلى وضعها، وربما سبق ابن المعتز إلى نقلها وعدها. وقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين وأول من نسخه مني علي بن يحيى بن منصور المنجم، ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: ونحن الآن نذكر محاسن الكلام والشعر وإن كانت محاسنهما كثيرة لا ينبغي للعاقل العالم أن يدعي الإحاطة بها حتى يتبرأ من شرود بعضها عن علمه، وأحببنا بذلك أن نكثر فوائد كتابنا للمتأدبين ويعلم الناظر فيه أنا قد اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختياراً من غير جهل بالطريقة، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر على تلك الخمسة بالبديع فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئاً إلى البديع وارتأى غير رأينا فله اختياره، وهذا حين ذكر الماسن ثم ذكر الالتفات، وقد توارد عليه هو وقدامة، وذكر اعتراض كلام في كلام

стр. 3

لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة، وهذا الباب سماه قدامة التمام وسماه الحاتمي في الحلية التتميم. وهو مما توارد عليه قدامة، وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى معنى، وهو الذي سماه الحاتمي الاستطراد، ناقلاً تسميته لا مخترعاً وهو من أفراد ابن المعتز، ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفرداً به وذكر تجاهل العارف، وهو الذي سماه المتأخرون الإعنات والتشكيك وهذه التسمية غير مطابقة من كل وجه، والتشكيك باب مفرد بينه وبين تجاهل العارف فرق سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وهو من إفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به الجد منفرداً به، وذكر حسن التضمين منفرداً به، وذكر الكناية منفرداً بها، وذكر الإفراط في الصفة متوارداً عليها مع قدامة، وسماها قدامة المبالغة، وذكر التشبيه متوارداً هو وقدامة عليه، وذكر عتاب المرء نفسه منفرداً به، وذكر حسن الابتداءات، منفرداً به، وسماه من بعده براعة الاستهلال على اختلاف في شواهده، فهذه اثنا عشر باباً من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة فيصير بها ما اخترع ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر باباً. وأما قدامة فضمن كتابه الموسوم بنقد الشعر عشرين باباً، وهي: التشبيه والتمام، والمبالغة، والطباق، الجناس متوارداً هو وابن المعتز

стр. 4

عليهن جميعاً، وبقية العشرين مما انفرد به قدامة، وهي: التكافؤ، وإن كان هذا الباب تداخل على قدامة في باب الطباق، وسأبين ذلك في موضعه، وصحة الأقسام، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرع منه قدامة ستة أبواب، وهي المساواة، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، ثم فرع من باب ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضاً: الطباق، والجناس، وقد مضى ذكر توارده مع ابن المعتز عليهما، وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وقد جعل المتأخرون هذين البابين باباً واحداً، وسموه والتهذيب والتأديب. لكن قدامة خص بهما الشعر، ومن سماهما تهذيباً وتأديباً لا يخص بهما الشعر دون النثر، ولا النثر دون الشعر، بشرط أن يعم بالتسمية فيقول: ائتلاف اللفظ مع المعنى مطلقاً، من غير أن يذكر الوزن وائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقد سماه من بعده التمكين وخص به الشعر أيضاً وهو لا يخصه وفرع قدامة من هذا الباب بأبي التوشيح والإيغال فهذه ثلاثة عشر باباً صحت لقدامة منفرداً بها، بعد إسقاط ما تداخل عليه، وهو التكافؤ، وإذا أضيفت إلى ما قدمه ابن المعتز من البديع وأضافه إليه من المحاسن صارت عدة الأصول من كتابيهما بعد حذف ما

стр. 5

تواردا عليه ثلاثين باباً سليمة من التداخل، وهذه أصول ما ساقه الناس في كتبهم من البديع إلى هلم جرا، ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله: فمن أحب أن يضيف شيئاً من هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع فليفعل فأضاف الناس المحاسن إلى البديع، وفرعوا من الجميع أبواباً أخرى، وركبوا منها تراكيب شتى، واستنبطوا غيرها بالاستقراء من الكلام والشعر حتى كثرت الفوائد، ورأوا ابن المعتز قد غلب اسم البديع على اسم المحاسن فسمى كتابه البديع وهو جامع لهما معاً فاقتدوا به، لأنه المخترع الأول للتصنيف، فسمى كل من وضع كتاباً في ذلك باسم إما مصرح بالبديع أو راجع معناه إليه، وكذلك فعل كل من عرف نوعاً منه عند سؤاله عنه، فإنه يقول: هذا الضرب الفلاني من البديع إلا من ألف في مجموع البلاغة، أو تعرف كنه الفصاحة، أو في النقد كتاباً، فإن له أن يسميه ما شاء، ولقد وقفت من هذا العلم على أربعين كتاباً منها ما هو منفرد به، وما هذا العلم أو بعضه داخل في بعضه كنقدي قدامة وبديع ابن المعتز، وحلية المحاضرة

стр. 6

وكشفت عن الحالي والعاطل الذي ذكره الحاتمي في الحلية فلم أجد من يعترف بوقوفه عليه سوى ابن منقذ في بديعه، وكالصناعتين للعسكري، والعمدة لابن رشيق، وتزييف نقد قدامة له، ورسالة ابن بشر الآمدي التي رد بها على قدامة، وكشف الظلامة للموفق البغدادي، والنكت في الإعجاز للرماني، والجامع الكبير في التفسير له، والتعريف والإعلام للسهيلي، ودرة التنزيل وغرة التأويل للخطيب.

стр. 7

وأعجاز القرآن للبالقداني، والكشاف للزمخشري، وإعجاز الجرجاني المسمى بدلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة له، ونظم القرآن للجاحظ، والبيان والتبيين له، وإعجاز ابن الخطيب، ورسالة الصولي التي قدمها على شعر أبي نواس، ورسالته في أخبار أبي تمام، ورسالة ابن أفلح،

стр. 8

وشروح أبي العلاء الثلاثة، وهي: ذكرى حبيب، وعبث الوليد، ومعجز أحمد، والمنصف لابن وكيع، والموازنة، للآمدي، والوساطة للجرجاني، والغرر والدرر للمرتضى، وكتاب الصرفة له، والمجاز لأخيه الرضى، وشرح حديث أم زرع للقاضي عياض ﵀ وما لخصه في آخره من بديع الحديث، والحديقة للحجاري براء مهملة صاحب المسهب في أخبار أهل المغرب، وبديع التبريزي، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي

стр. 9

والمثل السائر لابن الأثير الجزري، والإقناع للصاحب ابن عباد، وبديع أبي إسحاق الأجدابي، وبديع شرف الدين التيفاشي، وهو آخر من ألف فيه تأليفاً في غالب ظني، وجمع ما لم يجمعه غيره لولا مواضع نقلها كما وجدها ولم ينعم النظر فيها، وبعض الأبواب التي تداخلت عليه. وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد العظيم، والجمع من أشتات الخطإ وأنواعه من التوارد والتداخل، وضم غير البديع والمحاسن إلى البديع، كأنواع من العيوب، وأصناف من السرقات، ومخالفة الشواهد للتراجم، وفنون من الزلل والخلل يعرف صحتها من وقف على كتابه وأنعم النظر فيه، لا جرم أني لم أعتد بكتابه في عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت منها كتاباً خلا عن موضع نقد، بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد من عدت سقاطته، " وما أبرئ نفسي " ولا أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ونقحت ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب على ما قدمت من الشرائط، فكان ما جمعته من ذلك ستين باباً فروعاً بعد ما قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، والتفويف، والتسهيم، والتورية، والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والمماثلة، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتعليل، والتطريز، والتوشيح، والاشتراك، والتلفيف، والعكس، والإغراق، والغلو، والقسم، والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، والإدماج والازدواج، والاتساع، والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، والإغراب، والطرفة. وأنعم النظر فيه، لا جرم أني لم أعتد بكتابه في عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت منها كتاباً خلا عن موضع نقد، بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد من عدت سقاطته، " وما أبرئ نفسي " ولا أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ونقحت

стр. 10

ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب على ما قدمت من الشرائط، فكان ما جمعته من ذلك ستين باباً فروعاً بعد ما قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، والتفويف، والتسهيم، والتورية، والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والمماثلة، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتعليل، والتطريز، والتوشيح، والاشتراك، والتلفيف، والعكس، والإغراق، والغلو، والقسم، والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، والإدماج والازدواج، والاتساع، والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، والإغراب، والطرفة. وأضفت هذه الأبواب الفروع إلى تلك الثلاثين الأصول فصارت الفذلكة تسعين باباً، ورأيت الأجدابي قد ذكر من محاسن القافية أربعة أبواب منها بابان هما باب واحد سماهما بتسميتين غير مطابقتين لمعناهما، فجعلتهما باباً واحداً على حكم ما أخذت به نفسي من حذف المتداخل، وسميته

стр. 11

الالتزام وعند ذكر شواهده يعلم مطابقة تسميته لمسماه، وبابان معناهما حسن سمي أحدهما بتسمية أيضاً غير لائقة، فسميته تشابه الأطراف وسنبين حسن هذه التسمية. وباب أيضاً سماه بما لا يوافق، فسميته التوأم فسلمت له ثلاثة أبواب عوضت بها ما تداخل في باب التهذيب من ائتلاف اللفظ مع الوزن، والمعنى مع الوزن، وما تداخل في باب التمكين من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت لتصح العدة على شرط السلامة تسعين باباً كلها من المحاسن ليس فيها شيء من ضروب العيوب، وهي عند من لا يجعل التهذيب باباً واحداً، وليس ذلك بممتنع، ثلاثة وتسعون باباً ولما أمرني من لا محيد لي عن أمره، ولا محيص عن رسمه، سيد الفضلاء وقدوة البلغاء، وملجأ الأدباء، ومحط رحال الغرباء، وإمام الكرماء، القاضي الأجل الفاضل شرف الدين أبي الحسن بن القاضي الأجل الفقيه الإمام الورع العدل الرضي جلال الدين المكرم أبي الحسن موسى بن الحسن بن سناء الملك: كامل نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عموداً

стр. 12

أمتعه الله بفضائله، كما أمتع الفضلاء بفواضله، ورحم سلفه، كما رحم به من عرفه، بجمع ما في كتب الناس من ذلك على سبيل الاختصار من الشواهد، وتجنب الإطالة بذكر كل الاشتقاق، إلا إيضاح مشكل، أو كشف غامض، أو زيادة بسط في الكلام، على أنه من كتاب الله تعالى، أو في بيت قد أهمل تقصي الكلام عليه، بادرت إلى امتثال أمره، واستخرت الله حالة الشروع في مرسومه، وسألته الإعانة على بلوغ غرضه، والهداية إلى ما يترجح عنده. ولما أخذت في ذلك عن لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد، ويكثر بها الإمتاع، نسجاً على منوال من تقدمني، واتباعاً لسنة من سبقني، ففتح علي من ذلك بثلاثين باباً، سليمة من التداخل والتوارد، لم أسبق في غلبة ظني إلى شيء منها، اللهم إلا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف على شيء مما اخترعته، فأكون أنا ومن سبقني إليه متواردين عليه، وما أظن ذلك، والله أعلم. ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد، أمسكت عن الفكر في ذلك ليكون ما أتيت به وفق عدد الأصول من هذا الشأن، وهذا أوان سياقة أبوابي التي استنبطتها، وضروبي التي استخرجتها؛ وهي: التخيير، والتدبيج، والتمزيج والاستقصاء، والبسط، والهجاء في معرض المدح، والعنوان، والإيضاح والفرائد، والحيدة والانتقال، والشماتة، والتهكم، والتندير، والإسجال بعد المغالطة، والإلغاز والتعمية، والتصرف، والنزاهة، والتسليم، والافتنان، والمراجعة، والسلب والإيجاب، والإبهام، والقول بالموجب، وحصر الجزئي وإلحاقه بالكلي، والمقارنة، والمناقضة، والانفصال، والإبداع، وحسن

стр. 13

الخاتمة، وألحقت ذلك بما تقدم من الأبواب، فصارت عدة أبواب هذا الكتاب مائة باب وثلاثة وعشرين باباً سوى إذا انشعب من أبواب الائتلاف من الجناس والطباق، والتصدير، ووسمته بتحرير التحبير، وبعض هذه الأبواب وهو الأقل يخص الشعر، وباقيها وهو الأكثر يعم الشعر والنثر، يعلم ذلك من تبحر في هذا الكتاب، فالذي يخص الموزون منها ثلاثة وعشرون باباً مراعاة لاشتراك القرآن العزيز مع النثر ودخوله في بابه، ولانفراد الموزون عن المنثور من كلام المخلوقين فثلاثة عشر باباً لا غير، والله أعلم، وهي: المواربة براء مهملة، والتسميط، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتطريز، والعكس، والإغراق، والغلو، والاستدراك، والاطراد، والتفريع والإيداع، والاستعانة، والموازنة، والمشاكلة، والمواردة من الفروع، ومن الأصول الهزل الذي يراد به الجد، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى

стр. 14

مع الوزن، وباقي الأبواب وهي مائة باب تعم الموزون والمنثور، وتوجد في الكتاب العزيز إلا الأقل لمن دقق النظر في الاستنباط والله المسئول في حسن التوفيق إلى التحقيق لنهتدي إلى سبيل الرشد ونهج الصواب وسعادة يرزق بها هذا التأليف حسن القبول من ذوي الألباب، إنه الكريم الوهاب، وهذا حين الشروع في تفصيل جملة الأبواب.

стр. 15

الجزء الاول باب الاستعارة حد الرماني الاستعارة بأن قال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل. وقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها وقال ابن الخطيب في إعجازه: الاستعارة ذكر الشيء باسم غيره وإثبات ما لغيره له للمبالغة في التشبيه. وقال أيضاً: الاستعارة جعل الشيءِ الشيءَ، أو جعل الشيء للشيء لأجل المبالغة في التشبيه. وقلت: هي تسمية المرجوح الخفي باسم الراجح الجلي للمبالغة في التشبيه، كقول الله تعالى " وإنه في أم الكتاب " وكقوله سبحانه:

стр. 16

" واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " وكقوله : " واشتعل الرأس شيباً ". ولا بد في الاستعارة من اعتبار ثلاثة أشياء أصول: مستعار، ومستعار منه، ومستعار له. فالمستعار في الآية الأخيرة: الاشتعال، والمستعار منه: النار، والمستعار له: الشيب، والجامع بين المستعار منه والمستعار له مشابهة ضوء النار لبياض الشيب، وفائدة ذلك وحكمته وصف ما هو أخفى بالتشبيه لما هو أظهر، وقد جاء الكلام في الاستعارة التي في الآية الأخيرة على غير وجهه، فإن وجه الكلام فيها أن يقال: واشتعل شيب الرأس، وإنما قلب لما يحصل في قلبه من المبالغة لكونه في حالة القلب يستفاد منه عموم الشيب لجميع الرأس، ولو جاء الكلام على وجهه لم يفد ذلك العموم، ومثال ذلك أنك لو قلت في مثاله اشتعلت النار في البيت: لصدق هذا القول على اشتعال النار في جانب واحد من البيت دون بقية جوانبه، وإذا قلت: اشتعل البيت ناراً أفاد هذا القول أن النار قد شملت جميع نواحي البيت

стр. 17

وجهاته، وعلى هذا فاعتبر الاستعارة لتعلم أنها على قسمين: قسم يجيء الكلام فيه على وجهه فلا يفيد سوى إظهار الخفي فقط، أو المبالغة فحسب، وقسم يأتي الكلام فيه على غير وجهه فيفيد المعنيين معاً، وأحسنها ما قرب منها دون ما بعد ولم يسمع سامع في الاستعارة كقوله تعالى " والصبح إذا تنفس " فإن ظهور الأنوار في المشرق من أشعة الشمس قليلاً قليلاً بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة. وأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة كقوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم " فإن الاستعارة الأولى وهي لفظة الشراء رشحت الثانية وهي لفظتا الربح والتجارة للاستعارة. والله أعلم. ومن أمثله الاستعارة في السنة النبوية قوله ﵇: " ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء " فاستعار ﷺ للعشاء الفحمة لقصد حسن البيان، لأن الفحمة هاهنا أظهر للحس من الظلمة فإن الظلمة تدرك بحاسة البصر فقط والفحمة تدرك بحاستي

стр. 18

البصر واللمس لأنها جسم والظلمة عرض فكان ذكرها أعني الفحمة أحسن بياناً من ذكر الظلمة. ومن أمثلة الاستعارة الشعرية قول امرئ القيس: طويل ؟ وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل فإن هذا الشاعر استعار لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار والمستعار له من اجتماعهما في منع الأبصار من الإبصار، وفائدة هذه الاستعارة نقل الأخفى إلى الأظهر، لأن السدول يدرك بحاستي البصر واللمس، والظلمة تدرك بأحديهما دون الأخرى، ثم تمم بكونه جعل السدول مرخاة لأن ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع رؤية ما وراءها، لاحتمال أن تكون مرفوعة، وكذلك قصد في البيت الثاني بقوله تمطي بصلبه ... البيت فإنه أراد وصف الليل بالطول فاستعار له صلباً يتمطى به، إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في طوله بأن جعل له أعجازاً يردف بعضها بعضاً، فهو كلما نفد عجز ردفه عجز، فلا تفني أعجازه، ولا تنتهي إلى طرف، كما قيل في قوله تعالى " لابثين فيها أحقاباً " قال قتادة: لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.

стр. 19

وقال الحسن البصري: أما الأحقاب فليس لها عدد إلا الخلود، ثم أراد أن يصف الليل بعد نهاية الطول بالثقل على قلب ساهره، والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلاً ينوء به، ولأجل هذه المعاني كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة والعدول إليها أولى لما تعطي من المعاني التي لا تحصل من لفظ الحقيقة. والاستعارة منها كثيف، وهو استعارة الأسماء للأسماء. وكل ما مر من الأمثلة غير الآية الأخيرة فهو شاهد لها. ولطيف، وهو استعارة الأفعال للأسماء كقول الله تعالى: " فما بكت عليهم السماء والأرض " وكقول أبي تمام بسيط من كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب

стр. 20

؟ باب التجنيس حد الرماني التجنيس بأن قال: هو بيان المعاني بأنواع من الكلام يجمعها أصل واحد من اللغة، وجعله قسمين: جناس مزاوجة، وجناس مناسبة، فالمزاوجة كقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وكقول عمرو بن كلثوم وافر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا والمناسبة كقوله سبحانه: " يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار " وأما قدامة وابن المعتز وإن اختلفا في تسمية هذا الباب فقد اتفقا على

стр. 21

معناه، فقال قدامة في حده: هو اشتراك المعاني في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق كقول زهير: بسيط كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما همو لو أنهم أمم وهذا الحد بعينه هو تجنيس المناسبة الذي ذكره الرماني، ولولا قول قدامة على جهة الاشتقاق لكان حده بعينه هو حد الرماني المطلق. وقال ابن المعتز هو أن تجيء الكلمة مجانسة أختها كقول الله تعالى: " فأقم وجهك للدين القيم " وكقول النعمان بن بشير لمعاوية: طويل: ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم وهذا بعينه هو تجنيس المناسبة من جهة الاشتقاق ولم يخرج من جاء بعد هؤلاء عما حدوه به، لكنهم فرعوه ثمانية فروع، وعلى هذا التفريع أكثر المتأخرين سوى التبريزي، فإنه نقص من هذه الأقسام أربعة وأثبت أربعة، وخلط في الشواهد، وغير الأسماء، هذا وإن كان متأخراً عمن قسم التجنيس ثمانية أقسام، واخترع أسماءها، فإني لم أقف على صحة

стр. 22

ذلك، ورأيت ابن منقذ قد أتى على الأقسام الثمانية، وفاته قسم تاسع أتى به التبريزي، وسنأتي به في موضعه. فمن فروع التجنيس تجنيس التغاير، وهو أن تكون إحدى الكلمتين اسماً، والأخرى فعلاً، وهذا سماه التبريزي التجنيس المطلق، كقوله تعالى: " إني وجهت وجهي " وكقوله تعالى: " أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " وكقول الرسول ﵊: " عصية عصت الله ورسوله " و " غفار غفر الله لها " و " أسلم سالمها الله "، وكقول جرير وافر: كأنك لم تسر ببلاد نجد ... ولم تنظر بناظرة الخياما وقد فرع التبريزي من هذا القسم ضرباً سماه التجنيس المستوفي، وهو أن تتشابه الكلمتان لفظاً وخطاً، وإحداهما اسم والأخرى فعل، وأنشد فيه قول أبي تمام: كامل ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله وهذا الفرع وإن وضعت له تسمية تخالف تسميات الأقسام الثمانية،

стр. 23

وكانت له صورة مثاله غير صور الأمثلة، فإنه داخل في القسم الذي إحدى كلمتيه اسم والأخرى فعل، فلذلك لم يعتد به قسماً مستقلاً. وتجنيس التماثل، وهو أن يكون الكلمتان اسمين أو فعلين، وهو على ضربين: ضرب تتماثل فيه الكلمتان سواء كانتا اسمين أم فعلين في اللفظ والخط كقول الشاعر: خفيف: عينه تقتل النفوس وفوه ... منه تحيى عين الحياة النفوسا وضرب لا تتماثل فيه الكلمتان إلا من جهة الاشتقاق، سواء أكانتا اسمين أم فعلين، كقوله تعالى " فروح وريحان " وقوله سبحانه: " وجنى الجنتين دان " وكقول رسول الله ﷺ : " الظلم ظلمات " وكقوله ﵇: " أسلم تسلم " وكقول البحتري وافر: نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول وهذان التجنيسان أعني التغاير والتماثل فرعان من التجنيس الذي أصله قدامة وابن المعتز، وباقي الثمانية استخرجها المتأخرون بالاستقراء، وهي تجنيس التصحيف، ولم يذكره التبريزي في أقسام التجنيس، وجعل التصحيف باباً مفرداً، تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط فارقاً بين الكلمتين كقوله تعالى:

стр. 24

" وهم يحسبون أنهم يحسنون " وكقوله ﷺ : " لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويتحلى بما لا يغنيه " وكقول البحتري: طويل ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه وتجنيس التحريف، وهو أن يكون الشكل فارقاً بين الكلمتين أو بعضهما، وهذا أيضاً لم يذكره التبريزي، ومثاله قوله سبحانه: " إن ربهم بهم " وقوله تعالى: " ولكنا كنا مرسلين " وأما قوله سبحانه: " ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فهو الغاية التي لا تدرك وكقول الرسول ﷺ : " الظلم ظلمات " وكقول أبي تمام: كامل هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تبدل فيه الحركة بالحركة وقسم تبدل فيه الحركة بالسكون، وقسم يبدل فيه التخفيف بالتشديد، مثال الأول قول الشاعر: جبة البرد جنة البرد والبرد والبرد أردت.

стр. 25

ومثال الثاني قولهم: البدعة شرك الشرك. ومثال الثالث قولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرط والآيات الثلاث من القسم الأول، والحديث من الثاني، والبيت من الأول أيضاً. وتجنيس التصريف مما لم يذكره التبريزي أيضاً، وهو اختلاف صيغة الكلمتين بإبدال حرف من حرف إما من مخرجه أو من قريب منه، كقوله تعالى: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " وكقول الرسول ﵇ " الخيل معقود بنواصيها الخير ". وكقول الشاعر: بسيط لا يذكر الرمل إلا حن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان وتجنيس الترجيع، وهو الذي سماه التبريزي التجنيس الناقص، وسماه قوم تجنيس التذييل، وهو على الحقيقة الذي يوجد في إحدى كلمتيه حرف لا يوجد في الأخرى، وجميع حروف الأخرى موجود في الأولى، وقسم في وسطها وقسم في آخرها: مثال الأول قوله تعالى: " والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق " ومثال الثاني قولهم: من جد وجد، ومثال الثالث البيت الذي ذكر لأبي تمام وهو قوله: " يمدون من أيد " البيت. وقد تكون الزيادة حرفين: فإما أن يقعا في أول الكلمة ويكونا متقاربين

стр. 26

كقولهم: ليل دامس، وطريق طامس، وإما أن يقعا في وسطها كقولهم: ما خصصتني بل خسستني. أو آخر الكلمة ويكونا متباعدين كقولهم: سالب وساكب. أو متقاربين كقولهم: شاحب وشاغب. ومن القسم الذي توسط في هذا الحرف الواحد قوله تعالى: " وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد " وقالوا: هو الذي يرجع فيه لفظ الكلمة الأولى في الكلمة الأخرى، كقول أبي تمام: طويل يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وعندي أن تسميته تجنيس التداخل لدخول إحدى الكلمتين في الأخرى أو تجنيس التضمين لتضمن إحدى الكلمتين لفظ الأخرى أولى بالاشتقاق، إذ لا معنى لقولهم: يرجع لفظ إحدى الكلمتين في لفظ الأخرى لأن ظاهر الرجوع يؤذن بذهاب قبله ولا ذهاب، أو كما قالوا: تجنيس التذييل وتجنيس العكس، وهو مما لم يذكره التبريزي، وتعريفه أن تكون إحدى الكلمتين عكس الأخرى بتقديم بعض حروفها على بعض: كقوله تعالى: " أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " وكقول عبد الله بن رواحة يمدح رسول الله ﷺ : بسيط تحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم

стр. 27

وفي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن مكرم وكقول البحتري: طويل إذا احتربت يوماً فغاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها أخذ البحتري معنى البيت الأول من رجل من بني عقيل، وقصر حيث قال: وافر ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي والبيت الثاني من بيتي البحتري أردت. وتجنيس التركيب مما لم يذكره التبريزي، وهو أن تركب كلمة من كلمتين ليماثل بها كلمة مفردة في الهجاء واللفظ، وهو قسمان: قسم تتشابه الكلمتان فيه لفظاً وخطاً، وقسم يتشابهان فيه لفظاً لا خطاً. فالأول كقول القائل: مجزوء الكامل يا من تدل بوجنة ... وأنامل من عندم كفى جعلت لك الفدا ... ألحاظ عينك عن دمي

стр. 28

وكقول الآخر: متقارب إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه ومثال الثاني قول الشاعر: رمل مجزوء كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا وما الذي ضر مدير ال ... جام لو جاملنا والأبيات الأولى من القسم الأول، والأخرى من القسم الثاني. فهذه أقسام التجنيس الثمانية. وأما القسم الذي جعلته لها تاسعاً، وهو الذي ذكره التبريزي وسماه التجنيس المضاف، وأنشد فيه قول البحتري: وافر أيا قمر التمام أعنت ظلماً ... على تطاول الليل التمام فهو مع قطع النظر عن الإضافة من تجنيس التحريف، لكن هو قسم قائم بذاته، لاتصال المضاف بالمضاف إليه. والله أعلم.

стр. 29

باب الطباق الطباق اللغوي الذي أخذ منه الصناعي هو قول العرب: طابق البعير في مشيه إذا وضع خف رجله موضع خف يده، وقد رد ابن الأثير على كل من ألف في الصناعة هذا الباب، وقال: إن الجمع من تسميتهم الضدين في هذا الباب خطأ محض، لأن أصل الاشتقاق يقتضي الموافقة لا المضادة، وهو أولى بالخطإ منهم، لأن القوم رأوا أن البعير قد جمع بين الرجل واليد في موطئ واحد، والرجل واليد ضدان، أو في معنى الضدين، فرأوا أن الكلام الذي قد جمع فيه بين الضدين يحسن أن يسمى مطابقاً لأن المتكلم به قد طابق فيه بني الضدين، وهو على ضربين: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز، فما كان منه بلفظ الحقيقة سمي طباقاً، وما كان بلفظ المجاز سمي تكافؤاً، فمثال التكافؤ قول أبي الشغب العبسي من إنشادات قدامة كامل:

стр. 30

حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق: طويل وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج لما كان قوله " حلو " و " مر " خارجاً مخرج الاستعارة إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسة الذوق، كان هذا تكافؤاً. وكل أمثلة التكافؤ صالحة لأن تكون أمثلة لباب المقارنة من الأبواب التي استنبطتها، وستأتي في آخر الكتاب. وأما الطباق الذي يأتي بألفاظ الحقيقة فقد قسموه إلى ثلاثة أقسام: طباق الإيجاب، وطباق السلب، وطباق الترديد. فمثال طباق الإيجاب قوله تعالى " وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيى "، وكقول الرسول ﷺ للأنصار ﵃: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع "، فانظروا إلى فضل هذه العبارة كيف أتت المناسبة التامة فيها ضمن المطابقة. وكقول علي كرم الله وجهه: من رضي عن نفسه كثر من يسخط عليه، وكقول دعبل الخزاعي: كامل

стр. 31

لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى وهذا البيت مع سهولة سبكه وخفة ألفاظه وكثرة الماء في جملته قد جمع بين لفظي التكافؤ والطباق معاً، لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة، وكقول الفرزدق وهو من إنشادات ابن المعتز: كامل لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار غير أن هذين البيتين من أفضل شعر سمعته في هذا الباب، لأنهما جمعا بين طباقي السلب والإيجاب، ووقع فيهما مع الطباق تكميل لم يقع مثله في باب التكميل، لأن هذا الشاعر لما وصف هؤلاء القوم بالضعف حيث قال: " لا يغدرون " وعلم أنه لو اقتصر على ذلك احتمل الكلام ضرباً من المدح، إذ تجنب الغدر قد يكون عن ضعف وعن عفة، أتى بصريح الهجاء ليدل بذلك على أنه أراد بكلامه الأول محض الهجاء، واقتضت الصناعة أن يأتي بذلك في لفظ ينتظم به وبما بعده طباق، فقال: " ولا يفون لجار " فتكمل الهجاء، إذ سلبهم الغدر والعجز والوفاء للؤم وحصل في البيت

стр. 32

مع الطباق والتكميل الدالين على غاية الهجاء إيغال حسن، لأنه لو اقتصر على قوله " لا يغدرون ولا يفون " تم له القصد الذي أراده، وحصل المعنى الذي قصده، لكنه لما احتاج إلى القافية ليصير الكلام شعراً أفاد بها معنى زائداً حيث قال: " لجار " لأن الغدر بالجار أشد قبحاً من الغدر بغيره فإن قيل: لعنة الشاعر لهم في أول كلامه تدل على أنه أراد بقوله: " لا يغدرون " الهجاء فبطل، تأويله. قلت: ظاهر الغدر القبح، وإنما يستحسن إذا أريد به وصف فاعله بالقدرة وهو من مذهب الجاهلية والشعر الإسلامي، فيحتمل منه لعنه لهم إذا حلمنا نفي الغدر عنهم على صفة المدح أنه أراد باللعنة المبالغة في استحسان ما وصفهم به، فإن من مذهب العرب ذلك، ألا تراهم كانوا يسمون نوادر الأشعار كالمعلقات وأمثالها المخازي والملاعن، لأن سامعها يقول: أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أصدقه. وطباق السلب، وهو أن يأتي المتكلم بجملتين أو كلمتين، إحداهما موجبة والأخرى منفية، وقد تكون الكلمتان منفيتين، وقد تقدم في شعر الفرزدق مثال ما وقع في الكلمتان منفيتين، وأما ما وقعت فيه إحدى الكلمتين منفية والأخرى موجبة فمثاله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه فرح عند الموت، وقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق لا أرجوه، وقد نظم منصور الفقيه هذا المعنى فقال كامل:

стр. 33

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأطنبوا ... في الموت ألف فضيلة لا توصف منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف ومن أمثلة القسم الثاني من طباق السلب قول البحتري: طويل يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم وطباق الترديد، وهو أن يرد آخر الكلام المطابق على أوله، فإن لم يكن الكلام مطابقاً فهو رد الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى بسيط لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ويوهون ما رقعوا وقد يقع في الطباق ما هو معنوي، كقوله تعالى: " إن أنتم إلا تكذبون، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون "، معناه ربنا يعلم إنا لصادقون، والله أعلم.

стр. 34

باب رد الأعجاز على الصدور وهو الذي سماه المتأخرون التصدير، وقد قسمه ابن المعتز ثلاثة أقسام الأول ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها كقول الشاعر: كامل يلفي إذا ما كان يوم عرمرم ... في جيش رأى لا يفل عرمرم والثاني ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه كقول الآخر: طويل سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع والثالث ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كان، كقول الشاعر طويل: سقى الرمل جون مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل

стр. 35

هكذا عرف ابن المعتز هذا القسم الثالث من التصدير، وهو عندي مدخول التعريف من أجل قوله: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كانت، فإنها لو كانت في العجز لم يسم تصديراً لأن اشتقاق التصدير من صدر البيت، فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به من الدخل بحيث يقول: بعض كلمات البيت في أي موضع كانت من حشو صدره. وأظن ابن المعتز اتكل في ذلك على البيت الذي جاء به مثالاً ولا ألوم ابن المعتز. وهذا ابن الخطيب على تأخر زمانه وإطلاعه لأجل التأخر على أكثر ما قيل. وتقدمه في الفضائل قد جاء على بعض أقسام التصدير بقول الشاعر طويل: وإن لم يكن إلا معرس ساعة ... قليلاً فإني نافع لي قليلها ولم يضع ابن المعتز لهذه الأقسام اسماً يعرف بعضها من بعض، والذي يحسن أن نسمي به القسم الأول تصدير التقفية، والثاني تصدير الطرفين والثالث تصدير الحشو. وقد وقع من التصدير في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون " وقوله تعالى: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " وفي السنة النبوية من ذلك قوله عليه السلام

стр. 36

وقد رأى أبا مسعود البدري يضرب عبداً له. " أبا مسعود، لله عليك أقدر منك عليه " وهذه الأقسام الثلاثة فيما الكلام فيه موجب. وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو يأتي فيما الكلام فيه منفي، واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر: طويل فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر غير ما ذكرنا، وسماه التبديل وهو أن يصير المتكلم الآخر من كلامه أولاً وبالعكس، كقولهم: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، ولم أقف لهذا القسم على شاهد شعري فقلت: منسرح. اصبر على خلق من تعاشره ... واصحب صبوراً على أذى خلقك ولم يفرد له قدامة باباً فأذكره في أبوابه. والله أعلم.

стр. 37

باب المذهب الكلامي المذهب الكلامي عبارة عن احتجاج المتكلم على المعنى المقصود بحجة عقلية تقطع المعاند له فيه، لأنه مأخوذ من علم الكلام الذي هو عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية وهو الذي نسبت تسميته إلى الجاحظ، وزعم ابن المعتز أنه لا يوجد في الكتاب العزيز، وهو محشو منه، ومنه فيه قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇: " وحاجة قومه " إلى قوله : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " وقوله تعالى: " أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى " وقوله سبحانه: " لو كان فيما آلهة إلا الله لفسدتا " وقوله: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " ومن هذا الباب نوع منطقي، وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين، فإن أهل هذا العلم قد ذكروا أن من أول سورة الحج إلى قوله: " وأن الله يبعث من في القبور "

стр. 38

منطو على خمس نتائج من عشر مقدمات، فالمقدمات من أول السورة إلى قوله تعالى: " وأنبتت من كل زوج بهيج " والنتائج من قوله تعالى: " ذلك بأن الله هو الحق " إلى قوله: " وأن الله يبعث من في القبور " وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقال: الله أخبر أن زلزلة الساعة شيء عظيم، وخبره هو الحق، وأخبر عن المغيب بالحق، فهو حق فالله هو الحق، والله يأتي بالساعة على تلك الصفات، ولا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى، ليدركوا ذلك، ومن يأتي بالساعة يحيي الموتى فهو يحيي الموتى، وأخبر أن يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب ولا يقدر على عموم الناس بشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير فالله على كل شيء قدير، وأخبر أن الساعة يجازي فيا من يجادل في الله بغير علم، ولا بد من مجازاته، ولا يجازي حتى تكون الساعة آتية. ولا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور وأن الله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج والقادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من في القبور، وأن الله يبعث من في القبور. وقد ساق الرماني في الضرب الخامس من باب المبالغة أن إعجازه إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل، للاحتجاج بقوله تعال: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " وقوله سبحانه

стр. 39

" وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه " ونظائر هذه الآيات، ومن ذلك في الشعر قول النابغة يعتذر إلى النعمان: طويل حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغشى وأكذب ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا فانظر إلى حذق الشاعر في الاحتجاج بقوله لهذا الملك: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنباً فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنباً. ومن هذا الباب قول الفرزدق: طويل لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها يقول هذا الشاعر: لكل إنسان نفسان: مطمئنة تأمر بالخير، وأمارة تأمر بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت أيها الممدوح نفسك الأمارة إذا أمرتك بترك الندى شفعت المطمئنة إلى الأمارة في الندى

стр. 40

في الحالة التي يقل الشفيع في الندى من النفوس، فأنت أكرم الناس ومن هذا الباب أيضاً قول ابن المعتز: مديد كيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه كأنه قال: كل نبت يسقى فهو أخضر، وشارب هذا الغلام نبت ومياه الحسن تسقيه، فيكف لا يخضر وعلى هذا فقس. ومن هذا الباب جواب سؤال مقدر، كقوله تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ": الآية، لأن التقدير أن قائلاً قال بعد قوله تعالى: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية، فقد استغفر إبراهيم لأبيه، فأخبر بقوله: " وما كان استغفار إبراهيم " الآية والله أعلم.
следующие страницы →