Полный текст (537 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المحاسن، ولقد أحسن ابن شرف القيرواني في التفسير الواقع بعد الجار والمجرور حيث قال طويل:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن
ون أناشيد قدامة فيما جاء من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول صالح بن جناح اللخمي طويل:
لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ثم فطن الشاعر إلى أنه أجمل في قوله: وإن كنت محتاجاً إلى الحلم، فإنني في بعض الأوقات إلى الجهل أحوج، ولم يبين كونه إذا احتاج إلى الجهل واضطر له هل يقدر على أن يجهل؟ فقال في البيت الثاني طويل:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فبين أن عنده حلم لمن يعامله بالحلم، وجهل لمن يعامله بالجهل، وهذا بسط قول عمرو بن كلثوم وافر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لكن بيت ابن جناح أمشى على سنن العدل من بيت ابن كلثوم لاستضاءته
стр. 107
بنور القرآن العزيز، وتأدبه بأدبه لأنه عقد بالوزن قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ".
ثم فطن - أعني ابن جناح - إلى كونه لم يتبين العلة التي تحوجه إلى الجهل، فقال في البيت الثالث طويل:
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
ومثال ما جاء من التفسير بعد خبر المبتدإ بشرط أن يكون المفسر مجملاً والمفسر له مفصلاً قول ابن الرومي كامل:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
وهذا أفضل ما سمعته في باب التفسير من الشعر، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن مراعاة، فلو كمله بأن يستوعب فيه أقسام منافع النجوم بأن يضيف إلى ما ذكره سقياها الأرض، حصل في بيته صحة التقسيم مع صحة التفسير، وإن كان هذا غير لازم للشاعر، لكنه لو اتفق له ذلك كان أحسن. ولما لحظت ذلك خطر لي أن أعمل معناه على ما وقع لي من صحة التقسيم مع صحة التفسير، فقلت في شرف الدين حسن بن سناء الملك؛ طويل:
لآبائك الماضين يا حسن الندى ... صفات بها لا غير تعلو المراتب
وجوه وآراء وشهب عزائم ... وأيد بديجور الخطوب كواكب
يماط الدجى منها ويهدي بها الورى ... ويرحم من يجنى وتسقى السحائب
стр. 108
ومن بديع التفسير قول أبي جعفر الخراز النظيري من نظر بلنسية، من شعراء المائة السادسة في ابن عباد طويل:
وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجني ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد
ون التفسير نوع لا تعرف صحته، لأنه يأتي مفسراً لشيء مقدر في النفس، لم يجر له ذكر في الكلام الذي تقدم، لكنه يكون ملزوم الكلام المتقدم من ظاهر اللفظ، ولأن المفسر لا تنحصر تفاصيله كقول المتنبي كامل:
وجلا الوداع من الحبيب محاسناً ... حسن العزاء وقد جلين قبيح
فيد مسلمة وطرف شاخص ... وحشاً يذوب ومدمع مسفوح
وذلك أن البيت الثاني لا يصلح أن يكون تفسيراً للبيت الأول، لأن البيت الأول أشار إلى صفات الحبيب، والبيت الثاني يشير إلى أحوال المحب، وإنما لما قال في البيت الأول إن الوداع جلا من الحبيب محاسناً قبح عند رؤيتها، كان كأنه قدر في نفسه أنه عندما تحقق مقارنة تلك المحاسن بقيت حاله على ما شرحه وفسره في البيت الثاني.
ومن مليح التفسير وبديعه قول محمد ابن وهيب في المعتصم بسيط
стр. 109
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
ولقد أحسن مجد الملك بن شمس الخلافة حين تناول هذا المعنى ما شاء، فإنه وطأ له توطئة ملائمة، لو اقتصرنا في تفضيله عليها كانت كافية لا سيما وقد زاد فيه زيادة غير خافية عن ذي بصيرة حيث قال كامل:
شيئان حدث بالقساوة عنهما ... قلب الذي يهواه قلبي والحجر
وثلاثة بالجود حدث عنهم ... البحر والملك المعظم والمطر
لكن واسطة الثلاثة خيرها ... وكذاك خير العقد واسطة الدرر
ومن التفسير ضرب يأتي في حشو البيت وهو غريب في التفسير، لأن غالب مجيء التفسير إما في عجز البيت، أو في بيت آخر، وهو قول عمرو بن كلثوم وافر:
ويوم كريهة طعناً وضرباً ... أقر به مواليك العيونا
فقوله: " طعناً وضرباً " تفسير ليوم الكريهة.
ومن لطيف التفسير وغريبه تفسير وقع بعد الإخبار، وهو غير الأقسام المتقدمة، وذلك قول أبي حية النميري طويل:
فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم
والمعنى من قول النابغة الذبياني كامل:
стр. 110
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
وبيت أبي حية أجزل لفظاً، وأتم معنى، وأحسن رونقاً وديباجة.
ومن مليح التفسير الذي وقع في بيت قول بعض المغاربة بسيط
صالوا وجالوا وضاؤوا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار وأجبال
فإنه أحسن فيه الترتيب، ووقع التفسير في عجز البيت كله، والمفسر في الصدر كل بحيث أتى كل قسم مستقلاً بنفسه، وجمع إلى ذلك المساواة، فإن لفظه طبق معناه، ومن التفسير نوع يتقدم التفسير فيه على المفسر، كقول زينب بنت زياد المؤدب من شواعر العرب طويل:
ولا أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقلت حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار
فقولها: من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي تفسير لبقية البيت.
ومن معجز التفسير ما جاء في الكتاب العزيز منه كقوله تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومهم من يمشي على أربع " فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولاً حيث قال: " كل دابة " فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج. ثم فسر هذا الجنس بعد ذلك بالأجناس المتوسطة والأنواع، حيث قال:
стр. 111
فمنهم، ومنهم، ومنهم مراعياً للترتيب وذلك أنه قدم ما يمشي بغير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائماً لمقصود الآية، ثم ثنى بالأفضل فالأفضل، فأتى بما يمشي على رجلين، وهو الآدمي والطائر، لتمام خلق الإنسان وكمال حسن صورته، ولما في الطائر من عجب الطيران الدال على الخفة، مع ما فيه من كثافة الأرضية، وثلث بما يمشي على أربع لأنه أحسن الحيوان البهيم وأقواه، تغليباً له على ما يمشي على أكثر من الأربع من الحشرات، وإن كان داخلاً فيما يمشي على الأربع، وإنما خص ذلك بالذكر دونه لفضله عليه، فاستوعب الأقسام، وأحسن الترتيب، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم، مع مراعاة الترتيب، والإشارة، وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق.
стр. 112
باب ائتلاف اللفظ مع المعنى
ذا الباب ذكره قدامة وترجمه منفرداً، ولم يبين معناه، وشرحه الآمدي فأطال، ولم توف عبارته بإيضاحه؛ وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعنى المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى، ومثال ذلك قوله سبحانه: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه، منها قوله تعالى: " إني خالق بشراً من طين " وقوله سبحانه حكاية عن إبليس: " خلقتني من نار وخلقته من طين " فعدل . وهو أعلم. عن ذكر الطين الذي هو مجموع الراب والماء إلى ذكر مجرد التراب، لأنه أدنى العنصرين، وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فهذا كان الإيتان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر ولو كان موضعه غيره لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود، ولما أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل بعيسى ﵇ أخبرهم عنه أنه
стр. 113
يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيماً لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به.
ومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلاً إذا كان المعنى فخماً، ورقيقاً إذا كان المعنى رشيقاً، وغرساً إذا كان المعنى غريباً بحتاً، ومستعملاً إذا كان المعنى مولداً محدثاً، كقول زهير طويل:
أثافي سفعاً في معرس مرجل ... ونؤباً كجذم الحوض لم يتثلم
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحاً أيها الربع وأسلم
فإن زهيراً لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن المعنى غير غريب، ركبه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما قصد في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريباً ركبه من ألفاظ مستعملة معروفة.
ومن شواهد هذا القسم من الائتلاف من الكتاب العزيز قوله تعالى: " قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين " فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالاً وأعرف عند الكافة من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالاً من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدهما
стр. 114
بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة، وهي لفظة حرض ولما أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " لما كانت جميع الألفاظ مستعملة وعلى هذا فقس. والله أعلم.
ومن هذا الباب ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى، لا من مجرد جملة اللفظ، فإن الائتلاف من جهة ما قدمنا من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل، لا من جهة المعنى، بل ذلك من جهة اللفظ.
وأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " فإنه سبحانه لما نهى عن الركون للظالمين، وهو الميل إليهم، والاعتماد عليهم، كان ذلك دون مشاركتهم في الظلم، أخبر أن العقاب على ذلك دون العقاب على الظلم، وهو مس النار، دون الإحراق والاصطلاء، وإن كان المس قد يطلق ويراد به الاستئصال بالعذاب وشمول الثواب أكبر مجازاً، ولما كان المس أول ألم أو لذة يباشرها الممسوس جاز أن يطلق على ما يدل عليه استصحاب تلك الحال مجازاً، والحقيقة ما ذكرناه وهو في هذه الآية الكريمة على حقيقته، والله أعلم.
стр. 115
باب المساواة
وهذا الباب مما فرعه قدامة من الباب المتقدم عليه، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهذا من البلاغة التي وصف بها بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، ومعظم آيات الكتاب العزيز كذلك، ومنها قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " فإن قيل: معظم هذه الآية من
باب الإشارة ، لأن العدل والإحسان والفحشاء والمنكر على قلة هذه الألفاظ تدل على معاني من أفعال البر وضدها لا تنحصر، ولا معنى للإشارة إلا دلالة اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، فكيف تجتمع المساواة والإشارة؟ قلت: المساواة تطلق ويراد بها معنيان: أحدهما أن تكون ألفاظها ألفاظ المعنى الموضوعة له، فتلك هي التي لا تزيد على المعنى ولا تقصر عنه، وهي التي لا تجتمع مع الإشارة ولا الإرداف ولا غيرهما من الكلام الذي لفظه أقل من معناه، والثاني أن يكون لفظ الكلام غير لفظ معناه الموضوع له، كالإشارة والإرداف وما جرى هذا المجرى، فإن كانت كذلك ولم يأت المتكلم في أثناء الكلام وخلاله بلفظة
стр. 116
زائدة على لفظ المقصد الذي قصده لإقامة وزن أو لاستدعاء قافية أو تتميم معنى، أو لإيغال أو سجعة، فتلك أيضاً مساواة لأن لكل باب لفظاً يخصه، فمتى زاد على ذلك اللفظ الدال على ذلك المعنى المقصود كان الكلام غير موصوف بالمساواة.
ومن هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " الآية فإن قيل: لفظة القوم في قوله تعالى: " وقيل بعداً للقوم الظالمين " زائدة يمنع الآية أن توصف بالمساواة، فإنه لو قال وقيل بعداً للظالمين أجزأ. قلت: لما سبق قوله تعالى: " وكلما مر عليها ملأ من قومه " وقوله سبحانه: " ولا تخاطبني في الذين ظلموا " أوجبت البلاغة أن يقول في آخر الكلام: " بعداً للقوم الظالمين "، ولو اقتصر سبحانه على لفظة الظالمين دون لفظة القوم لتوهم متوهم أن آلة التعريف في الظالمين للجنس وهو خلاف المراد، فإن المراد بالظالمين هاهنا قوم نوح الذين قدم ذكرهم ووصفهم بالظلم، ونهاه عن المخاطبة فيهم ليرتد عجز الكلام على صدره، ويعلم أن المدعو عليهم هم الذين تقدم ذكرهم احتراساً من وقوع هذا التوهم، ولا يحصل ذلك إلا بذكر القوم فقد صار الإتيان بها يفيد معنى لم يفده الكلام بدونها.
واعلم أن البلاغة قسمان: إيجاز، وإطناب، والمساواة معتبرة في القسمين معاً، فأما الإيجاز فكقوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة "
стр. 117
والإطناب في هذا المعنى كقوله: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل " وكقوله سبحانه في قسم الإيجاز من غير هذا المعنى: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " وكقوله تعالى في الإطناب: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية، ولا بد من الإتيان بهذا الفصل لئلا يتوهم أن الإطناب لا يوصف بالمساواة.
ومن شواهد المساواة قول امرئ القيس متقارب:
فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
وإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد
وكقول زهير طويل:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكقول طرفة طويل:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
стр. 118
باب الإشارة
وهو أيضاً مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على المعنى الكثير بإيماء أو لمحة تدل عليه، كما قال بعضهم في صفة البلاغة: هي لمحة دالة، وشرح هذا الحد أنها إشارة المتكلم إلى معاني كثيرة بلفظ يشبه..لقلته واختصاره بإشارة اليد، فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة جداً، ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة وحسن البيان مع الاختصار، لأن المشير بيده إن لم يفهم المشار إليه معناه بأسهل ما يكون، فإشارته معدودة من العبث، ولهذا قال هند ابن أبي هالة في وصف رسول الله ﷺ : " يشير بكفه كلها وإذا تعجب قلبها، وإذا حدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى " فوصفه ببلاغة اليد كما وصفه ببلاغة اللسان، يعني أنه يشير بيده في الموضع الذي تكون فيه الإشارة أولى من العبارة، وهذا حذق بمواضع المخاطبات. وقوله: " كلها " أي يفهم بها المخاطب كل ما أراده بسهولة فإن الإشارة ببعض الكف تصعب، وبكل الكف تسهل، فأعلمنا هذا
стр. 119
الوصاف أنه ﷺ كان سهل الإشارة، كما كان سهل العبارة.
وهذا ضرب من البلاغة الذي يمتدح بمثله، وهو أيضاً من بلاغة الواصف إذ أشار بقوله: كلها إلى كل المقصود الذي تدل عليه الإشارة، ومن حذق الواصف إتيانه بلفظ الإشارة في الوصف، لما أراد أن يصف الإشارة البديعية وقسمها قسمين: قسماً للسان وقسماً لليد، وقوله: " وإذا تعجب قلبها "، يعني أنه يشير بها على وجهها إذا كان المعنى الذي يشير إليه على وجهه ليس فيه ما يستغرب فيعجب منه، فإن الشيء المعجب إنما يكون معجباً لكونه غير معهود، فكأن الأمر فيه قد قلب لمخالفته المعهود، فلذلك يجعل ﷺ قلب يده في وقت الإشارة إشارة إلى أن هذا الأمر قد جاء على خلاف المعهود، ولذلك تعجب منه. وقوله " وإذا حدث اتصل بها " يعني اتصل حديثه بها فيكون المعنى متصلاً، والمفهوم بالعبارة والإشارة متلاحماً، آخذة أعناق بعضه بأعناق بعض، وقوله: " فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى " يعني أنه عند انتهاء إشارته يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى مشيراً إلى أنه ختم الإشارة، لأن الإبهام بها يختم القبض، ولذلك عطف هذه الجملة بالفاء، ولم يأت بها معطوفة بالواو، كما أتى بما قبلها من الجمل لكونها آخر إشاراته، والواو لكونها غير مقتضية للترتيب، يجوز أن يكون المتأخر بها متقدماً ولا كذلك الفاء، إذ لا بد أن يكون المعطوف بها متأخراً لكونها موضوعة للتعقيب.
стр. 120
وأما اقتصاره على باطن الإبهام دون ظاهرها فمعناه أنه جعل آخر الإشارة متصلاً بأول العبارة اتصالاً متلائماً كملاءمة باطن الكف التي ضرب بها باطن الإبهام التي ضرب عليها، وهذه أيضاً من بلاغة الواصف ﵁ ومن شواهد الإشارة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وغيض الماء " فإنه سبحانه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من مطر السماء ونبع الأرض، وذهاب الماء الذي كان حاصلاً على وجه الأرض قبل الإخبار إذ لو لم يكن ذلك لما غاض الماء.
وكقوله سبحانه: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " فالمح كل ما تميل النفوس إليه من الشهوات وتلتذه الأعين من المرئيات، لتعلم أن هذا اللفظ القليل جداً عبر عن معان كثيرة لا تنحصر عداً. وكذلك قوله تعالى: " فانبذ إليهم على سواء " بمعنى قابلهم بما يفعلونه معك، وعاملهم بمثل معاملتهم لك سواء مع ما تدل عليه لفظة سواء من الأمر بالعدل، ومثل هذا المعنى قول زهير وافر:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء
يعني: قابلت كل منكرة منك بكفئها.
وإذا علمت ذلك فانظر ما بين هذا البيت وبين قوله تعالى: " فانبذ إليهم على سواء " لتعلم فرق ما بين الكلامين.
стр. 121
ومن أمثلة هذا الباب قول امرئ القيس وافر:
بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا
فانظر كم تحت قوله: أنا لك ما أنا لا من أنواع الذل، وكذلك قوله للمسيب كامل:
ولأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل
أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل
فالحظ كم تحت قوله وفضله الفضل بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت من أصناف المدح، وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله غريب نعمته غاية المدح، إذ جعل نعمته نعمة لم يقع مثلها في الوجود قط، وكذلك قوله: وفعلك الفعل بعد إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ترجيح شجاعة الممدوح عليهم.
وكذلك قوله في صفة الفرس طويل:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان
فإنه أشار بقوله أفانين جرى إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة والذي يدل على أنه أراد الأفانين المحمودة، نفيه عن الفرس الكزوزة والونى، فسلبه صفات القبح من الجماح والحرن والاسترخاء والفتور، وجعله يعطي هذا الجري عفواً من غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف
стр. 122
وتمام النعت، ولو عدت هذه المعاني بألفاظها الموضوعة لها لاحتيج في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة.
ومن الإشارة نوع يقال له اللحن والوحي، وهو يجمع العبارة والإشارة ببعد لا يفهم طريقه إلا ذو فهم، كما قال الشاعر كامل:
ولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا ... ولحنت لحناً ليس بالمرتاب
ومثال ذلك ما حكى عن رجل من بلعنبر، أسر في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل إلى قومه؛ فقالوا: ترسل بحضرتنا، وخافا أن ينذرهم، فإنهم عزموا على غزو قومه، فحضروا وأحضروه عبداً، فقال له: أتعقل؟ قال: إني لعاقل، فأشار إلى الليل، وقال: ما هذا؟ فقال: الليل؛ فقال: أراك عاقلاً، فملأ كفه من الرمل وقال: كم عدد هذا؟ فقال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيها أكثر: النجوم، أم النيران؟ فقال: إن كلا لكثرة، فقال: إيت قومي، وأقرئهم السلام وقل لهم: أكرموا فلاناً فإن قومه لي مكرمون، يعني أسيراً كان عند قومه من بكر بن وائل، ثم قل لهم: إن العرفج قد أوفى وقد اشتكت النساء، ومرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، ويركبوا جملي الأصهب، وبآية ما أكلت معكم حيساً وسلوا عن خبري أخي الحارث، فلما قال لهم العبد ذلك قالوا: لقد جن الأعور والله ما له ناقة ولا جمل، فلما سألوا أخاه سأل العبد عما قال له أولاً فأخبره، فشرحه، وقال لهم: قد أنذركم، أما الليل فإنه أشار إلى أنكم في عمياء مظلمة، وأما الرمل فإنه أشار إلى أنكم تغزون بمثل عدده، وأما
стр. 123
النجوم والنيران، فأشار بذلك إلى كثرة عدد عدوكم، وأما قوله: أوفى العرفج فإنه أشار إلى أن العدو قد استلأموا وركبوا، وأما قوله: اشتكت النساء، أي اتخذوا القرب للغزو، وأما الناقة الحمراء فعني الدهناء، وقوله أطلتم ركوبها، إشارة إلى أنكم قد عرفتم بإيطانها لطول مقامكم بها فأمركم أن ترحلوا عنها، وتنزلوا الصمان، وهو الجمل الأصهب الذي أمر كم بركوبه، ففعلوا فسلموا، وأما الحيس، فإشارة إلى أن عدوكم قد جمع لكم أخلاطاً كما جمع الحيس السمن والتمر والأقط والله أعلم.
ومن أمثلة الوحي والإشارة بضرب من الاستعارة قول يزيد بن الوليد لمروان بن محمد، وقد بلغه عنه تلكؤه عن بيعته: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا قرأت كتابي هذا فاقعد على أيهما شئت.
ومن ذلك قول الحجاج للمهلب: إن فعلت وإلا أشرعت لك صدر الرمح، فقال المهلب متى أشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر المجن.
ومن شواهده الشعرية قول امرئ القيس طويل:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
وقوله عمرو بن معد يكرب طويل:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
стр. 124
وكقول شاعر الحماسة طويل:
بني عمنا لا تنبشوا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
وكقول الآخر طويل:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
وكل هذا من قول رسول الله ﷺ وقد أنشده العباس بن مرداس متقارب:
أتجعل نهبي ونهب العبيد
فقال: يا علي، اقطع لسانه عني، فأخذ علي بيده فأخرجه، فقال أقاطع لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر، وكل هذا من قوله تعالى: " فما أصبرهم على النار " ويدخل في هذا قوله : " وثيابك فطهر " أي بدنك، قال الأصمعي: في تفسير هذا الحرف: تقول العرب فدى لك ثوبي، يريدون نفسه، وأنشد وافر:
ألا أبلغ أبا حفص رسولاً ... فدى لك من أخي ثقة إزارى
وقال عنترة كامل:
فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
стр. 125
باب الأرداف والتتبيع
هذا الباب مما فرعه قدامة أيضاً من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وسماه هذه التسمية، وشرح تسميته بأن قال: هو أن يريه المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، ويعبر عنه بلفظ هو ردفه وتابعه أي قريب من لفظه قرب الرديف من الردف، مثل قوله تعالى: " واستوت على الجودي " فإن حقيقة ذلك وجلست على هذا المكان، فعدل عن لفظ المعنى الخاص به إلى لفظ هو ردفه، وإنما عدل عن لفظ الحقيقة لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من قولك جلست أو قعدت أو غير ذلك من ألفاظ الحقيقة، إذ كان المراد والله أعلم الإخبار ينفي الأسباب الموجبة خوف أهل السفينة من السفينة في حالتي حركتها وسكونها، وذلك لا يحصل حتى يفهم السامع أنها جلست جلوساً متمكناً لا يمل فيه يوجب الخوف، ولا يحصل إلا بلفظ الاستواء دون غيره، وقد جاء في السنة من أمثلة هذا الباب قول النبي ﷺ حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع حيث قالت: " زوجي رفيع العماد، عظيم الرماد، قريب البيت من المناد " فإنها أرادت مدح زوجها بتمام الخلق والتقدم على قومه ونهاية الكرم، ولو عبرت عن هذه المعاني بألفاظها لاحتاجت بإزاء كل معنى لفظاً يخصه، فتكثر الألفاظ، ولا يدل كل لفظ إلا على معناه فقط، وألفاظ الإرداف كل لفظ منها يدل على جميع ما أرادت من صفات المدح على انفراد، لا، قولها رفيع العماد يدل على تمام الخلق إذ بناء البيوت على مقادير أجسام الداخلين لها غالباً، ويدل على عظم قدر صاحبه، إذ لا يقدر على أن يرفع بيته على البيوت إلا من قدره مرتفع على الأقد، ارويدل على الكرم أيضاً، لأن الوفود والضيفان يعمدون إلى قصد البيوت المرتفعة دون بيوت الصرم وكذلك عظم الرماد يدل على عظم القدر وعظم الكرم وكثرة الثروة، ومثله قولها " قريب البيت من
стр. 126
الناد " ليسبق إلى الضيف، لأن الضيف يقصد النادي، وهو موضع مجمع رجال الحي للحديث، فإذا كان البيت قريباً منه كان صاحبه إلى الضيف أسبق، ولا تحصل هذه المعاني إلا من لفظ الإرداف، فإن قيل: فإذا كانت كل لفظة من ألفاظ الإرداف تدل على عدة معان فما الفرق بين الإرداف والإشارة؟ قلت: لفظ الإرداف يتضمن مع الدلالة على المعاني الكثيرة زيادة مدح للمدوح، ووصف للموصوف، ولفظ الإشارة لا يتضمن إلا الدلالة على كثرة المعاني فقط.
ومن شواهد هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل:
стр. 127
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
فإنه أراد أن يصف هذه المرأة بأنها مخدومة، لها من يكفيها أمر بيتها، فعبر عن ذلك بلفظ يدل على أنها موصوفة بالنعمة ودقة البشرة واقتبال الشباب وكثرة الحظوة وعظم الثروة، فعدل عن لفظ هذا المعنى الذي أراده إلى لفظ هو ردفه حيث قال: طويل
ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى............
لأنها لا تنام الضحى إلا وهي مخدومة عندها من يكفيها أمر بيتها، فهي لا تباشر الأعمال، ولذلك تكون منعمة مرفهة غير شظفة ولا ممتهنة، ألا تراه أكد ذلك بقوله: " لم تنتطق عن تفضل " أي لم تشد في وسطها نطاقاً على ثوبها الذي تنام فيه كفعل من يريد أن يعمل عملاً من النساء، ودل قوله:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها
على أنها حظية عند الرجال المثرين، وأنهم في غاية الميل إليها مع القدرة بالثروة على الاستكثار من حرائر النساء ومن الإماء، إما لإفراط جمالها، أو لسعد جدها، وأنها ممن يسمح لها من أعلى الطيب وأغلاه بما يبقى فتيته في صبيحة كل ليلة على فراشها، بعد ما يتصعد منه ويلصق بجسمها. ويعلق بشعرها وبشرتها؛ ولا يعطي قوله: إن هذه المرأة لها من يخدمها جميع ما يعطيه قوله: " نؤوم الضحى " فإن هذا اللفظ مع
стр. 128
دلالته على أنها مخدومة يدل على كثرة النوم الذي لا يكون إلا من غلبة الدم الطبيعي في سن النمو، وطبيعة الدم حارة رطبة، وهي طبع الحياة ومادتها. فيكون اللون به مشرقاً، والماء في الوجه كثيراً، والأخلاق حسنة، لأجل اعتدال المزاج، ولو ترك لفظ الإرداف وعبر عما قصده باللفظ الخاص وهو قوله: إنها مخدومة لم تحصل هذه المعاني التي حصلت من لفظ الإرداف، وكذلك لو قال: إنها من أهل الثروة لم يوف بما أراد من كونها معشقة للمثرين من الرجال، مع القدرة بالثروة على الاستكثار من النساء، وأنها ممن يسمح لها بذلك، فوجب العدول عن لفظ المعنى إلى لفظ الإرداف، لدلالته مع اختصاره على المعاني التي لا يدل عليها لفظ الحقيقة، ولما يتضمن من زيادة الوصف، وقد انتحل ابن رشيق أحد أسمى هذا الباب وهو التتبيع وأفرده بابا من الإرداف، وزعم أن غيره واستشهد عليه بشواهد فيها ما لا يمس به ألبتة، وبقيتها لا يعقل الفرق بينه وبين شواهد الإرداف، وهو يظن أنه قد فرق بينهما منها قول المتنبي طويل:
إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام
وقال: أعني ابن رشيق دل هذا البيت على الشجاعة بلفظ الإرداف، ودل على الكرم بلفظ التتبيع يعني أن الإرداف اشتقاقه من الردف فلفظه
стр. 129
أقرب إلى لفظ المعنى؛ والتتبيع: من التتابع، والتابع يكون قريباً ويكون بعيداً. ويعد ذلك على قدامة من أغاليطه وهو أولى بالغلظ منه، لأن التتبيع وإن كان في نفس الأمر كما ظنه لكنه في هذا الموضع أراد به التابع القريب بدليل أنه ذكره بلفظ التفعيل الدال على النكتتين، ولو لم يقصد ذلك لقال: الإتباع دون البعيد فإن الألفاظ إذا كانت من أجل الوضع تدل على معنيين بحيث لا يتخلص إلى أحدهما دون الآخر إلا بقرينة، كانت حال اقترانها بالقرائن مخلصة للمعنى الذي تدل عليه القرينة.
وقدامة أتى بلفظ التتبيع مقترناً بالإرداف، فعلم أنه أراد التابع القريب والرديف تابع قريب، فلا فرق بينهما في هذا الموضع.
وأما بيت المتنبي الذي أتى به ابن رشيق ليكون دليلاً له فهو دليل عليه، لأنه عكس ما فسره به، وذلك أن اللفظ الدال فيه على الكرم هو الذي يجب أن يسمى إردافاً لأنه أقرب إلى لفظ الكرم، لكونه صرح فيه بلفظ الهبة، واللفظ الدال على الشجاعة بعيد من لفظ الشجاعة بالنسبة إلى لفظ الكرم، وقدامة رأى الفصحاء قد دلوا تارة على مقاصدهم بألفاظ قريبة من الألفاظ الموضوعة لتلك المقاصد، وطوراً بألفاظ بعيدة من الألفاظ الموضوعة لتلك المقاصد فسمي الأول إردافاً، والثاني تمثيلاً، لأن المثل وإن وجد قريباً من المثل وبعيداً فلا يبلغ قرب التابع القريب ولا الرديف، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي هذا الباب، والله أعلم.
стр. 130
وأخذ ابن الأثير يؤيد ما ذكره ابن رشيق بأن قال: وفي الألفاظ ما يدل على المعنى بظاهره، وفيها ما يدل على المعنى بتأويله، والأول هو الإرداف، والثاني هو التتبيع، ومثال الأول قول عمر بن أبي ربيعة طويل:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
وقال: بعد مهوى القرط يفهم منه طول العنق بغير تأويل، بخلاف قول المتنبي:
إلى كم ترد الرسل عما أتوا له
فإن صدر هذا البيت لا يدل على الشجاعة بظاهره، وإنما يدل عليها بالتأويل.
ولو رأى ضياء الدين ﵀ كتابه الذي سماه تزييف النقد، يرد به على قدامة رأى كتاباً يحلف الحالف صادقاً أنه ما تكلم فيه بحرف واحد إلا وهو مطبق الجفون ليس له وقت إفاقة ألبتة.
وأما كلامه في هذا الفصل فما هو عندي بالبعيد من كلامه في هذا الكتاب الذي أشرت إليه.
وأما قول ضياء الدين رحمه الله تعالى: إن مهوى القرط يدل على طول العنق بغير تأويل، فكل مميز من بنى آدم يعلم أن قولنا: طويلة العنق يفارق قولنا: بعيدة مهوى القرط من جهة أن الأول علامة لطول العنق، متى سمع فهم منه هذا المعنى، بخلاف قوله: بعيدة مهوى القرط، فإنه
стр. 131
لا يفهم منه معنى طول العنق إلا بالتأويل، وهو أن قرطها إنما كان بعيد موضع الهبوط لطول عنقها، فدلالة الأول دلالة مطابقة، ودلالة الثاني دلالة التزام، وكذلك قول المتنبي:
إلى كم ترد الرسل
فإنه أيضاً يدل على الشجاعة بالتأويل، فقد استويا في الدلالة على المعنى بالتأويل، إذ لا يصلح واحد منهما أن يدل على المعنى بظاهره، فلا فرق بينهما من هذا الوجه، وإنما الفرق بينهما من جهة القرب والبعد، فإن لفظ بعد مهوى القرط أقرب إلى لفظ طول العنق من لفظ رد الرسل إلى لفظ الشجاعة، فلا جرم أن الأول يسمى إردافاً، والثاني يسمى تمثيلاً، لقرب الإرداف من لفظ المعنى، وبعد التمثيل من لفظه، وليس العجب من كون هذا الموضع أشكل على ابن رشيق، فإنه قد أشكل عليه ما هو أوضح منه، وإنما العجب كيف يمشي على ضياء الدين ﵀ مع رجاحة عقله، وثقوب ذهنه، وسلامة حسه والله أعلم.
стр. 132
باب التمثيل
ذا الباب أيضاً مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وقال: هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه، وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف قليلاً، يصلح أن يكون مثالاً للفظ المعنى المراد، مثل قوله تعالى: " وقضي الأمر " وحقيقة هذا: أي هلك من قضى هلاكه، ونجا من قدرت نجاته، وإنما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل لأمرين: أحدهما اختصار أمر اللفظ، والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع، إذ الأمر يستدعي آمراً، وقضاؤه يدل على قدرة الآمر، وطاعة المأمور، ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.
ومن شواهده في السنة قول الرسول ﷺ حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع: " زوجي ليل تهامة، لا حر ولا برد، ولا وخامة ولا سآمة " فعدلت عن لفظ المعنى الموضوع له إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة، وذلك تمثيلها الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن الخلق، وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة، وخصت
стр. 133
الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان، وخصوصاً الإنسان، لأنه يستريح فيه من الكد والفكر، ولكون الليل جعل سكناً، والسكن الحبيب، لا سيما وقد جعلته ليلاً معتدلتاً بين الحر والبرد، والطول والقصر، وهذا صفة ليل تهامة، لأن الليل يبرد فيه الجو بالنسبة إلى النهار مطلقاً، لغيبة الشمس، وخلوص الهواء من اكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديدة البرد، وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابه، فقالت: زوجي مثل ليل تهامة، وحذفت أداة التشبيه، ليقرب المشبه من المشبه به، وهذا مما يبين لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلا مقدراً بمثل غالباً، ولا كذلك لفظ الإرداف، وإلا فانظر إلى قول صاحبتها في الإرداف: زوجي رفيع العماد فتجدها قد وصفته بصيغة المبتدأ والخبر، لكون الخبر غير المبتدأ لأمثله، إّ لا يجوز هاهنا تقدير مثل في الكلام لتعلم أن لفظ الإرداف أقرب إلى لفظ المعنى من التمثيل.
ومن شواهد التمثيل الشعرية قول الرماح بن ميادة طويل:
ألم أك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا
فإن هذا الشاعر أراد أن يقول: ألم أكن قريباً منك، فلا تجعلني بعيداً عنك، فعدل عن هذا اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة في المعنى، لما تعطيه لفظتا اليمين والشمال من الأوصاف التي لا تحصل إلا بذكرهما، وذلك لأن اليمين أشد قوة من الشمال غالباً وهي أقرب إلى
стр. 134
ربها من الشمال لأنها بها يأخذ، وبها يعطي، وبها يبطش، وهي مكرمة عنده، قد أهلت لطعامه وشرابه واستغفاره وأذكاره، والشمال مؤهلة لاستنجائه، واستنثاره، والمهنة الدنية، واسم اليمين مشتق من اليمن، وهو البركة، واسم الشمال مشتق من الشؤم، وهو ضد البركة، ولهذا حض الشارع ﷺ على التيامن، فقال لأنس لما أراد سقي أبكر بعد النبي ﷺ وهو على شمال رسول الله ﷺ ، وعلى يمينه أعرابي: اسق الأعرابي الأيمن فالأيمن.
وقالت عائشة ﵂، كان رسول الله ﷺ يحب التيامن حتى في وضوئه وانتقاله، وقال عمرو بن كلثوم وافر:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وقال الله تعالى: " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود " وقال بعد ذلك: " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم " فكأن هذا الشاعر قال لممدوحه: ألم أكن مكرماً عندك فلا تجعلني مهاناً وكنت منك في المكان الشريف، فلا تتركني في المنزل الوضيع، وما سمعت في هذا الباب كقول شاعر الحماسة كامل:
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
لأنه أراد أن يقول: أبدين خمص بطنها ودقة خصرها ورجاجة ردفها،
стр. 135
التمثيل، وهو يقابل الرياح التي تفعل هذا عند تقابلها، وحصل في البيت مع التمثيل تنكيت عجيب في قوله مع: العشي لأنه إنما خص العشي لأنه الوقت الذي تتخلى فيه النساء من شغلهن، ويبرزن للعبهن، وتنتدي الرجال للحديث، ليتم له ما قصد من اجتماع الحاسدة والغيور اللذين يريان هذه المرأة عند بروزها، وقد قيل: إن أكثر ما تتقابل الرياح في وقت العشي.
ويلتحق بهذا الباب ما يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر كقوله تعالى: " ليس لها من دون الله كاشفة " وقوله سبحانه: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " وقوله : " صنع الله " وقوله: " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " وقوله ﵎: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها " إلى كثير من الآي.
ومما جاء من ذلك في السنة قوله ﷺ : " الحلال بين والحرام بين " وقوله ﵇: " لا ضرر ولا ضرار " وقوله ﵊: " خير الأمور أوساطها " وكقوله ﵇: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " وقد طوى كتاب أبي أحمد العسكري
стр. 136
رحمه الله تعالى من هذا الباب على بدائع من جوامع الكلم لا يشق غبارها، ولا يقتحم تيارها، فمن أراد ذلك فعليه به.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول زهير طويل:
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وكقول النابغة طويل:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
وكقول بشار طويل:
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وكقول الآخر طويل:
فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم
وكقول الآخر مجزوء الخفيف:
ما على الناس بعدها ... في الدنيات من حرج
وكقول أبي تمام بسيط
والنار قد تنتضي من ناضر السلم
وكقوله وافر:
стр. 137
لسان المرء من خدم الفؤاد
وكقوله وافر:
فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع
وكقوله كامل:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
وقد استخرجت أمثال أبي تمام من شعره فوجدتها تسعين نصفاً وثلاثمائة بيت وأربعة وخمسين بيتاً بعد استيعاب أمثال المتنبي فوجدتها مائة نصف وثلاثة وسبعين نصفاً وأربعمائة بيت؛ وأنا على عزم أن أخرج من أمثال أبي الطيب ما أخذ من أمثال أبي تمام فأجمعها، وأقدم قبلهما جميع ما وقع من الأمثال في الكتاب العزيز والسنة النبوية وقد أمضيت والحمد لله هذا العزم، وفرغت من كتاب الأمثال بزيادات على ذلك، وهي أمثال الأشعار الستة؛ والحماسة، بعد أن تلوت أمثال القرآن بأمثال دواوين الإسلام الستة، وختمت الجميع بأمثال العامة، لتكون إحماضاً يتروح إليه بعد الجد، وقد اقترح على زيادات فيه لم أكملها إلى الآن. ومن أمثلة هذا الباب للمتنبي قوله بسيط
стр. 138
أنا الغريق فما خوفي من البلل
وقوله بسيط
ليس التكحل في العينين كالكحل
ولقد أحسن المعري حيث قال: بسيط
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
стр. 139
باب ائتلاف اللفظ مع الوزن
قال قدامة: هو أن تكون الأسماء والأفعال تامة، لم يضطر الشاعر الوزن إلى نقصها عن البقية، ولا إلى الزيادة فيها، ولا يقدم منها المؤخر، ولا يؤخر منها المقدم، ولا يدخل فيها ما يلتبس به المعنى، ولم يأت قدامة بأمثلة في هذا الباب، ولم يذكر غير ذلك بل قال أعني قدامة: كل شعر سليم من هذا الذي قدمت ذكره هو مثال لهذا الباب، لكنه أتى في عيوب الوزن بأمثلة يجب ذكرها هاهنا ليعلم أن كل بيت جاء بضدها هو شاهد لهذا الباب، كقول القائل يصف درعاً كامل:
من نسج داود أبي سَلاَّم
فإنه يريد سليمان، لكن الوزن اضطره إلى حذف الياء والنون من سليمان، وتشديد اللام وتقديم الألف على الميم.
ومثل ذلك قول الآخر " رجز ":
حتى إذا خرت على الكلكال
فإنه اضطره الوزن إلى زيادة الألف على بنية هذا الاسم، ومثال ما اضطر الوزن فيه إلى التقديم والتأخير قول الفرزدق طويل:
стр. 140
وما مثله في الناس إلا مملك ... أخو أمه حي أبوه يقاربه
فإن اضطرار الوزن حمله على رداءة السبك، فحصل في الكلام تعقيد يمنع من فهم معناه بسرعة، ولو قال: وما مثله إلا مملك أبوه يقارب خاله لسهل مأخذه، وقرب متناوله، ومهما كان الشعر سليماً من مثل هذا كان هو الشعر الذي ائتلف لفظه مع وزنه.
стр. 141
باب ائتلاف المعنى مع الوزن
وهو أن تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد وافر:
فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق
فإنه أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب المعنى كما ترى، ومهما كان الشعر سليماً من مثل هذا كان الشعر الذي ائتلف معناه مع وزنه.
стр. 142
باب ائتلاف القافية
مع ما يدل عليه سائر البيت
وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائداً بعد تمام معنى البيت، فإن الأول يسمى تصديراً والثاني توشيحاً، والثالث إيغالاً، ولا يقال لشيء من ذلك تمكين ألبتة، وقد جاء من ذلك في فواصل الكتاب العزيز كل عجيبة باهرة، ومنه قوله تعالى: " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " فإن هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيداً تاماً لذكر الحلم والرشد، لأن الحلم: العقل الذي يصح به التكليف، والرشد حسن التصرف في الأموال، وكقوله تعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج
стр. 143
كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " وكقوله سبحانه: " قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين " وكقوله تعالى: " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون " وكل فواصل الكتاب العزيز بين تمكين، وتوشيح، وإيغال وتصدير.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول أبي تمام وافر:
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد
وقوله أيضاً في غزل هذه القصيدة:
مذاكي حلبة وشروب دجن ... وسامر قينة وقدور صاد
وأعين ربرب كحلت بسحر ... وأجساد تضمخ بالجساد
وقوله طويل:
محاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطى عليها أو مساو من الصد
وقوله أيضاً طويل:
أموسى بن إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأ التثريب لا ظمأ الورد
стр. 144
أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياء من المجد
أأتبع هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي
نسيت إذاً كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهاماً على البعد
ومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد
وأنك أحكمت الذي بين فكرتي ... وبين القوافي من ذمام ومن عقد
وأصلت شعري فاعتلى رونق الضحى ... ولولاك لم يظهر زماناً من الغمد
وكقول البحتري طويل:
فلم أر ضرغامين أصدق منهما ... عراكاً إذا الهيابة النكس أكذبا
حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا
وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أولا تبق للسيف مضربا
стр. 145
ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأمسى نازح الود أجنبا
فلا فزت من مر الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا
وكقول المتنبي بسيط
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
ومنها:
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن فارقتهم ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
ولم نسمع لمقدم شعراً أشد تمكين قواف من قول النابغة الذبياني كامل:
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى
زعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدى
следующие страницы →