← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب ائتلاف المعنى مع الوزن وهو أن تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد وافر: فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق فإنه أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب المعنى كما ترى، ومهما كان الشعر سليماً من مثل هذا كان الشعر الذي ائتلف معناه مع وزنه.

стр. 142

باب ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائداً بعد تمام معنى البيت، فإن الأول يسمى تصديراً والثاني توشيحاً، والثالث إيغالاً، ولا يقال لشيء من ذلك تمكين ألبتة، وقد جاء من ذلك في فواصل الكتاب العزيز كل عجيبة باهرة، ومنه قوله تعالى: " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " فإن هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيداً تاماً لذكر الحلم والرشد، لأن الحلم: العقل الذي يصح به التكليف، والرشد حسن التصرف في الأموال، وكقوله تعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج

стр. 143

كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " وكقوله سبحانه: " قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين " وكقوله تعالى: " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون " وكل فواصل الكتاب العزيز بين تمكين، وتوشيح، وإيغال وتصدير. ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول أبي تمام وافر: ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد وقوله أيضاً في غزل هذه القصيدة: مذاكي حلبة وشروب دجن ... وسامر قينة وقدور صاد وأعين ربرب كحلت بسحر ... وأجساد تضمخ بالجساد وقوله طويل: محاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطى عليها أو مساو من الصد وقوله أيضاً طويل: أموسى بن إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأ التثريب لا ظمأ الورد

стр. 144

أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياء من المجد أأتبع هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي نسيت إذاً كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهاماً على البعد ومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد وأنك أحكمت الذي بين فكرتي ... وبين القوافي من ذمام ومن عقد وأصلت شعري فاعتلى رونق الضحى ... ولولاك لم يظهر زماناً من الغمد وكقول البحتري طويل: فلم أر ضرغامين أصدق منهما ... عراكاً إذا الهيابة النكس أكذبا حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أولا تبق للسيف مضربا

стр. 145

ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأمسى نازح الود أجنبا فلا فزت من مر الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا وكقول المتنبي بسيط يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم ومنها: وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن فارقتهم ندم إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم ولم نسمع لمقدم شعراً أشد تمكين قواف من قول النابغة الذبياني كامل: كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى زعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدى

стр. 146

باب التوشيح سمى هذا الباب توشيحاً لكون معنى أول الكلام يدل على لفظ آخره، فيتنزل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزل أول الكلام وأخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا الباب مما فرغه قدامة أيضاً، من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وقال: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت، بشرط أن يكون المعنى المتقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه، أو من لوازم لفظه. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين "، فإن معنى اصطفاء المذكورين تعلم منه الفاصلة، إذ المذكورون نوع من جنس العالمين، وكقوله تعالى: " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون "، فإنه من كان حافظاً لهذه السورة، متفطناً إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة، وسمع في صدر هذه الآية " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " علم أن

стр. 147

الفاصلة " مظلمون "، فإن من انسلخ النهار عن ليله أظلم ما دامت تلك الحال. وكقول الراعي النميري وافر: فإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصة ضريبتهم رزينا فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وتحقق أن القافية مجردة مطلقة، رويها النون وحرف إطلاقها ألف، ورأى في صدر البيت ذكر الزنة، تحقق أن القافية تكون رزيناً ليس إلا. ومن عجائب أمثلة هذا الباب، ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة المخزومي أنه أنشد عبد الله بن العباس ﵄ متقارب: تشط غدا دار جيراننا فقال له عبد الله: وللدار بعد غد أبعد فقال عمر: هكذا والله قلت، فقال له ابن العباس: وهكذا يكون ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع العاملي حين أنشد الوليد ابن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق كلمته التي مطلعها كامل: عرف الديار توهماً فاعتادها

стр. 148

حتى انتهى إلى قوله: تزجي أغن كأن إبرة روقه ثم شغل الوليد عن الاستماع، فقطع عدي الإنشاد، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال جرير: أراه يستلب منها مثلاً، فقال الفرزدق، يالكع، إنه سيقول كامل: قلم أصاب من الدواة مدادها فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال: قلم أصاب من الدواة مدادها قال جرير للفرزدق: أكان قلبك مخبوءاً في صدره؟ فقال الفرزدق: شغلني سبك عن جيد الكلام، فقال الفرزدق: والله لما سمعت صدر بيته رحمته، فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسداً وعندي أن بين ابن العباس ﵁ وبين الفرزدق في استخراجه العجزين كما بينهما في مطلق الفضل في كل فن، لأن بيت عدي من جملة قصيدة تقدم سماع معظما، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصيدة تقدم سماع معظمها، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصدية تقدم سماع معظمها، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة بألف من وزن معروف، ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفاً لها، قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه، مع العلم بسواده ما دل على عجز البيت، بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء، وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي من القوافي

стр. 149

ولا رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي الحركات، فاستخراج عجزه ارتجالاً في غاية العسر ونهاية الصعوبة، لولا ما أمد الله تعالى به هؤلاء القوم من المواد التي فضلوا بها غيرهم، ومن حذق عبد الله بن العباس ﵄ ودقيق معرفته باختيار الكلام، جعله قافية للعجز الذي أتى بعد " أبعد " ولم يجعلها " أنزح " وكان ذلك ممكناً له، لكون " أبعد " أسرع ولوجاً في السمع، وأسبق إلى الذهن، وأدخل في القلب، وأكثر استعمالاً وأعرف عند الكافة، وبها جاء القرآن العزيز دون " أنزح " وهي أخف على اللسان، وأولى بالبيان، وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما يدل صدره على عجزه. والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية، ودلالة التوشيح معنوية. والفرق بين التوشيح والتمكين أن التوشيح لا بد أن تتقدم القافية معنى يدل عليها، ولا كذلك التمكين، ولا تكون كلمة التوشيح إلا في أول الصدر، وإن لم تكن كذلك فلا توشيح والله أعلم.

стр. 150

باب الإيغال مسمى هذا النوع إيغالاً، لأن المتكلم أو الشاعر أوغل في الفكر حتى استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائداً على معنى الكلام. وأصله من الإيغال في السير وهو السرعة، فإن الإيغال في السير يدخل السائر في المكان الذي يقصده بسرعة، يقال: أوغل في الأرض الفلانية أي بلغ منتهاها، أو ما قاربه فكأن المتكلم قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ إلى زيادته عن الحد، كما أن من دخل العريش مثلاً من أرض مصر فقد دخل مصر، فإذا أوغل في مصر فوصل إلى الصعيد يقال: قد أوغل في مصر لتجاوزه الحد بالزيادة عليه، فكذلك المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه عند الإتيان بسجعة أو قافية بزيادة عليه، فقد أوغل في ذلك المعنى، ولا يكون موغلاً حتى ينتهي معناه إلى آخر البيت وهذا الباب مما فرعه قدامة أيضاً من إتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وفسره بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعراً

стр. 151

أفاد بها معنى زائداً على معنى البيت نحو قول ذي الرمة طويل: قف العيس في آثار مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل فتم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائداً. وكذلك صنع في البيت الثاني حيث قال: أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبذير الجمان المفصل فإنه تم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بها تفيد معنى زائداً، ولو لم يأت بها لم يحصل. وقد حكى عن الأصمعي أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، وإلى الكبير فيجعله خسيساً أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرئ القيس حيث قال طويل: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب فإنه انقضى كلامه عند قوله: " الجزع " ثم أفاد بالقافية معنى زائداً، إذ قال: " لم يثقب " لأن عيون البقر غير مثقبة. ونحو زهير حيث يقول طويل: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنان لم يحطم فإن حب الفنا أحمر الظاهر، أبيض الباطن، فهو لا يشبه الصوف

стр. 152

الأحمر إلا ما لم يحطم، وقد يكون الإيغال تتميماً كبيتي امرئ القيس وزهير، ولكن ذلك لا يسمى إلا إيغالاً لانتهاء المعنى إلى آخر البيت، وهذا إيغال الاحتياط، وهو دون إيغال المبالغة من جهة الاصطلاح لكونه لم يفد إلا الاحتياط من الدخل دون الإتيان بمعنى زائد على معنى الكلام، والإيغال الذي ليس بتتميم في بيتي ذي الرمة هو إيغال المبالغة. وأعظم ما وقع في هذا الباب قول الخنساء بسيط وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وعندي أن هذا البيت لو أفرد بالتمثيل في هذا الباب لأغنى عما ساقه قدامة في باب ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت من بابي التوشيح والإيغال، لأن صدره يدل على عجزه دلالة التوشيح، ومعنى جملة البيت كامل دون قافيته وفيه بوجودها زيادة لم تكن له قبلها، فإن هذه المرأة لم ترض لأخيها بأن تأتم به علية الناس، حتى جعلته علماً يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم أدمج في صدر لفظ التوشيح، ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه ناراً. وإذا وصلت إلى بلاغة القرآن العزيز، وصلت إلى الغاية القصوى، وذلك قوله تعالى: " ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " فإن المعنى قد تم بقوله سبحانه: " ولا تسمع الصم الدعاء " ثم أراد وهو يعلم تمام الكلام

стр. 153

بالفاصلة فقال: " إذا ولوا مدبرين " فإن قيل: فما معنى مدبرين؟، وقد أغنى عنها قوله: " إذا ولوا " قلت لا يغني عنها قوله: " ولوا " فإن التولي قد يكون بجانب دون جانب، بدليل قوله تعالى: " أعرض ونأى بجانبه " وإن كان ذكر الجانب هنا مجازاً، ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون، أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهمه السميع بالعبارة، ثم علم أن التولي قد يكون بجانب من المتولي، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتول به، فيحصل له إدراك لبعض الإشارة، فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولي كان بجميع الجوانب، بحيث صار ما كان مستقبلاً مستدبراً، فاحتجب المخاطب عن المخاطب، إذ صار من ورائه، فخفيت عن عينيه الإشارة، كما صم أذناه عن العبارة، فحصلت المبالغة في عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع بتة، فهو من إيغال الاحتياط الذي أدمجت فيه المبالغة في نفي الإسماع، قد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى يجمعها معنى واحد كقوله تعلى: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن " الآية، وقوله سبحانه: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " وقوله: " فأتوا

стр. 154

بسورة من مثله " كما يقول الرجل لمن يجحده: ما يستحق علي درهماً ولا دانقاً ولا حبة، ولا كثيراً ولا قليلاً، ولو قال: ما يستحق علي شيئاً، لأغنى في الظاهر عن ذلك، لكن التفصيل والتنزل دل على الاحتياط وعلى شدة الاستبصار في الإنكار. ومن إيغال الكتاب العزيز أيضاً قوله تعالى: " اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون "، فإن المعنى تم بقوله سبحانه: " من لا يسألكم أجراً " ثم أراد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى، فأوغل بها كما ترى، حيث أتى بها تفيد معنى زائداً على معنى الكلام، وجاء في الكلام إيغال حسن بعد تتميم ولقد أحسن ابن المعتز في قوله لابن طباطبا العلوي متقارب: فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم فإنه أعطى بني عمه حقهم من الشرف، واعترف لهم من فضل الأبوين بما اعترف، ثم فطن إلى أنه إن اقتصر على ذلك فضلهم على بنته، فتحيل على المساواة، إذ لا طريق له إلى التفضيل بأن قال: ونحن بنو عمه المسلم فجعل هذا الفضيلة قبالة تلك، وهذا القسم من الإيغال يحسن أن يسمى إيغال التخيير، فإنه تخير من القوافي التي تفيد الإيغال قافية يكون ما تفيده موفياً بمقصوده من غير معارضة، فإنه لو قال: " بنو عمه الأفضل " لكونه مسلماً لعورض بحمزة ﵁، وهو إيغال الاحتياط، لكونه تتميماً للمعنى؛ وقد ذهب بعض النقاد إلى أنه بهذا الإيغال أراد الاستدلال

стр. 155

على استحقاق بني العباس الخلافة وسوى بين بيته، وبيت مروان بن أبي حفصة وهو قوله كامل: أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام وبين البيتين بون بعيد في الجودة وصحة المعنى، فإن بيت ابن المعتز أٌصر وزناً وأصح معنى، وأعذب ألفاظاً، وأوجز جملاً، وأخف محملاً مع ما وقع فيه من التلطف لبلوغ الغرض من غير مجاهرة بلفظ ولا مواجهة بمضض، فأما صحة معناه بالنسبة إلى بيت مروان فمن جهة أن مروان زعم أن بني الأعمام أحق بالفضل من بني البنات. فأخذ بعموم هذا الاستدلال، وذهل عن أن هذه القضية التي هو آخذ فيها خارجة من هذا العموم، لأن بني علي بنو بنات وبنو أعمام، وما ذكره مروان لا يتناول إلا من لم يكونوا بني أعمام من بني البنات، فأما من لم يمت بالقربة من طرفيه ويدلي بالاستحقاق من جهة أبويه، فخارج عما ذكر، ولا يقال هذا ما يرد على مروان، لأنه صرح بالإرث، ولا الأعمام أحق بالإرث من بني البنات، فإني أقول: إن لم يرد بالإرث الفضل فكلامه محال، إذ لا يصح أن يريد إرث المال ولا إرث الخلافة، أما المال فلأن النبي ﷺ لا يورث، وسيأتي بيان ذلك. وأما الخلافة، فلأن الخلافة لو كانت بالإرث لما وصلت لأبي بكر وعمر ﵄ قبل العباس ﵁ فإذا أحسن الظن بمروان حمل

стр. 156

قوله وراثة الأعمام على وراثة الفضل، وحينئذ يأتي ما ذكرناه، ولم يرد بالأعمام إلا بني الأعمام، وببني البنات إلا بني علي ﵃ فإنه مدح بالقصيدة الرشيد، وعرض بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي، والأول بنو أعمام فقط، والأخر بنو أعمام وبنو بنات، فكانت للأول مزية لم تكن للأخر، قابلها ابن المعتز بأن أباه بنو العم المسلم فكانت هذه بتلك، فحصلت المساواة، فثبت الفضل لبيته على بيت مروان وما يستكثر مثل هذا الجهل من مروان وهو يقول في هذه الأبيات للرشيد كامل: يا بن الذي ورث النبي محمداً ... دون الأقارب من ذوي الأرحام فليت شعري ما الذي ورثه العباس ﵁ من رسول الله ﷺ دون ذوي رحمه، وكيف يقال: إن رسول الله ﷺ يورث؟ وهذا أفضل الصحابة وأفقههم يحتج على فاطمة ﵍ في أمر فدك والعوالي، بقول رسول الله ﷺ : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " فإن كان النبي ﷺ يورث فلم منعت فاطمة ما ادعت وإن كان لا يورث فلم يدعي هذا الجاهل أن العباس ﵁ ورثه دون ذوي رحمه؟ وأصل الحديث يروون أن أبا بكر ﵁ أعطى علياً عمامة رسول الله ﷺ وسيفه دون العباس، ثم لم يقنع مروان بهذا حتى قال: كامل:

стр. 157

ما للنساء مع الرجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام فما أدري على ماذا أحسده، أعلى معرفته بالفرائض، أم على حفظه للقرآن؟ وما أعلم من أين في سورة الأنعام ذكر شيء من الفرائض، أو حكم من أحكام المواريث، أو ذكر نسب أو شيء مما يقارب هذا الشأن، وليتني أعرف في أي موضع من القرآن ذكر أن النساء لا فريضة لهن مع الرجال؟ ومن يقع في مثل هذا لا يستعظم منه خطؤه في البيت الذي ذكرناه له أولاً، هذا الفساد من جهة المعنى. وأما ترجيح اللفظ فإن بيت ابن المعتز من محذوف المتقارب، حروفه ستة وثلاثون حرفاً، وبيت مروان من مقطوع الكامل، حروفه اثنان وأربعون حرفاً، إلى سهولة سبكه، وجودة تركيبه، وإيجاز جمله وخفة مفرداته، وكثرة استعمال كلماته، " فاعتبروا يا أولي الأبصار " ولم أر من أمثلة هذا الباب ممثل بيت من بيتي الحماسة أغفله النقاد وهو طويل: وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبللا بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توسمت داراً أو ترسمت منزلا والبيت الأول أردت، فإنه وقع الإيغال فيه بعد ثلاث جمل: في كل جملة تتميم، الأولى قوله: شنتا، فإن الشنة المزادة العتيقة، وإضافتهما إلى خرقاء التي هي ضد الصناع، يريد أن خرزهما غير محكم، فهما يضيعان

стр. 158

الماء أبداً، فصار ذلك تتميمين، ثم قال بعد ذلك واهيتا الكلى أي كلاهما مخروقتان، ثم أوغل بقوله: سقى بهما ساق ولما تبللا فإن المزادة إذا ابتلت تمدد أديمها، وانتفخت سيورها، وانسد أكثر بثوقها، وإذا كانت يابسة عدمت ذلك كله، فكانت للماء أضيع منها وهي مبتلة، ثم في مجموع البيتين بعد ذلك تفريع حسن، وستعلم حقيقة التفريع في بابه، فتقدر ما وقع في هذين البيتين منه قدره. ومن أعجب إيغال وقع في الشعر قول عبد الله بن الزبير الأسدي طويل: هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا فإن هذا البيت وقع فيه الاستعارة، والتورية، والترشيح، والإيغال. لاحتياج المسافر للركوب، والتورية في قوله حولياً ولو لم يرشح بلفظه الركوب لما حصلت التورية في لفظ حولي، ورشح بمجموع الاستعارة والتورية للإيغال، إذ لو لم يذكر الركوب والحولي، لما حسن أن يقول: أشهبا وقد وقع من الإيغال في الكتاب العزيز قوله تعالى: " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً " ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى، فلما أتى بها أفاد مجيئها معنى زائداً.

стр. 159

والفرق بين التتميم والإيغال من ثلاثة أوجه: أحدهما أن التتميم لا يرد إلا على كلام ناقص شيئاً ما، إما حسن معنى أو أدب، أو ما أشبه ذلك، كالبيت الذي تقدم، فإن المعنى بدون قوله: ويعطوه ناقص. والإيغال لا يرد إلا على معنى تام من كل وجه. والثاني اختصاص الإيغال بالمقاطع دون الحشو مراعاة لاشتقاقه، لأن الموغل في الأرض هو الذي قد بلغ أقصاها أو قارب بلوغه، فلما اختص الإيغال بالطرف لم يبق للتتميم إلا الحشو. والثالث أن الإيغال لا بد وأن يتضمن معنى من معاني البديع، والتتميم قد يتضمن وقد لا يتضمن، وأكثر ما يتضمن الإيغال التشبيه، والمبالغة، حتى لو قيل: إنه لا يتعدى هذين الضربين لكان حقاً، والتتميم يتضمن طوراً المبالغة، ويتضمن حيناً الاحتياط، ويأتي مرة غير متضمن شيئاً سوى تتميم ذلك المعنى؛ والله أعلم. تمت أبواب قدامة بتمام هذا الباب، بعد أبواب ابن المعتز، وجميعها ثلاثون باباً وهي الأصول.

стр. 160

الجز الثاني

стр. 161

ومن هاهنا نبتدئ في سياقه: أبواب المتأخرين بعدهما، فأولها: باب الاحتراس وهو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه دخل، فيفطن له، فيأتي بما يخلصه من ذلك، والفرق بين الاحتراس، والتكميل، والتتميم أن المعنى قبل التكميل صحيح تام، ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى، والتتميم يأتي ليتمم نقص المعنى ونقص الوزن معاً والاحتراس لاحتمال دخل على المعنى، وإن كان تاماً كاملاً، ووزن الكلام صحيحاً، وقد جعل ابن رشيق الاحتراس نوعاً من التتميم، وسوى بينهما، وقد ظهر الفرق بينهما، فجعلهما في باب واحد غير سائغ. والفرق بينه وبين المواربة بالراء المهملة أيضاً، أن الاحتراس يؤتى به وقت العمل عند ما يتفطن المتكلم لموضع الدخل، والمواربة يؤتى بها وقت العمل، وبعد صيرورة الكلام، والمواربة بالراء المهملة، تكون بالتصحيف والتحريف واهتدام الكلمة، والزيادة والنقص، والاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة معنى الانفصال عما يحتمله الكلام من الدخل، والمواربة تكون في نفس الكلام وتكون منفصلة عنه.

стр. 162

والاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام، وسيأتي بيان المواربة وأمثلتها في بابها. والفرق بين الاحتراس، والمناقضة والانفصال، أن الاحتراس هو ما فطن له الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه. والانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل عليه، فيأتي بجملة من الكلام، أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل. والفرق بين المواربة والانفصال، أن المواربة تكون كما تقدم في كلمة من الكلام، أو في كلام منفصل عنه، والانفصال لا يكون إلا ببيت مستقل، أو جملة منفردة، عن سياق الكلام متعلقة به، داخلة فيه. من أمثلة الاحتراس في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل بعداً للقوم الظالمين " فإنه تعالى لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان، أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعمل أن جميعهم كان مستحقاً للعذاب احتراساً من ضعيف بتوهم أن الهلاك ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم، وحل بساحتهم وظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح ﵇، وأعملنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه: " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون "، وأعجب احتراس وقع في كتاب الله الكريم قوله سبحانه: " ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر "، فإنه ﵎ لما نفى عن حبيبه ورسوله

стр. 163

صلى الله عليه وسلم أن يكون بالمكان الذي قضى فيه لموسى ﵇ الأمر، عرف المكان بالجانب الغربي، ولم يقل في هذا الموضع، كما قال في الإخبار عن موسى ﵇: " وناديناه من جانب الطور الأيمن " أدباً مع نبيه وحبيبه محمد ﷺ أن ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن، ولما أخبر عن موسى ﵇ ذكر الجانب الأيمن تشريفاً لموسى ﵇ فالمح لطيف هذا الاحتراس من بلاغة الكتاب العزيز جل المتكلم به. ومثال الاحتراس من السنة قول رسول الله ﷺ على لسان إحدى النسوة من حديث أم زرع، حيث وصفت زوجها فقالت: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، وأغلبه والناس يغلب " فقولها: والناس يغلب احتراس حسن، لأنها لو سكتت على قولها: وأغلبه، لقيل لها: إن رجلاً تغلبه امرأة لمغلب ضعيف، فاحترست من ذلك فقالت: والناس يغلب، فناسبت بين قرائنها بجملة تتضمن معنى الاحتراس مما يتوجه على معنى المدح من الدخل الذي ينقص به المعنى، فحصل في الكلام احتراس مدمج في موضع إيغال. ومتى وقع الاحتراس والتتميم في موضع الإيغال أوهم أنه إيغال، فيجب أن نعرف أن الإيغال

стр. 164

كون القافية تفيد الكلام معنى زائداً بعد تمام معناه وصحته، والإيغال يفارق التكميل بأمرين: مجيئه في القافية فقط، واختصاصه بالمعاني دون الفنون. ومن أمثال هذا الباب الشعرية قول الخنساء في أخيها صخر وافر: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي ثم تخيلت أن قائلاً قال لها: لقد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس، فيكف أفرطت في الجزع عليه دونهم؟ فاحترست من ذلك بقولها وافر: وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي

стр. 165

باب المواربة براء مهملة وهي من ورب العرق بفتح الواو والراء: إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء، فكأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقتها أن يقول المتكلم قولاً يتضمن ما ينكر عليه بسببه، لبعد ما يتخلص به منه، هذا إن فطن له وقت العمل وإلا ارتجل حين يجبه به ما يخلصه منه من جواب حاضر، أو حجة بالغة، أو تصحيف كلمة أو تحريفها، أو زيادة في الكلام أو نقص، أو نادرة معجبة، أو ظرفة مضحكة. فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروري طويل: فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فإنه لما بلغ الشعر هشاماً، وظفر به قال له: أنت القائل: ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال: لم أقل كذا وإنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب

стр. 166

فتخلص بفتح الراء بعد ضمها، وهذا ألطف مواربة وقعت، ودونها قول نصيب طويل: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا كمدي من ذا يهيم بها بعدي وقيل له: اهتممت بمن يفعل بها بعدك، فقال: لم أقل كذا، وإنما قلت: فوا كمدي ممن يهيم بها بعدي فتخلص بإبدال كلمة من كلمة، فهذا وأشباهه يحتمل أن يكون الدخل وقع فيه للشاعر وقت العمل، ويحتمل ألا يكون وقع له، وارتجل التخلص عند سماعه، والذي لا يحتمل أن يكون فطن له حتى قيل له قول الأخطل طويل: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول فإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل فقال له عبد الملك بن مروان: إلى أين يا بن اللخناء؟ فقال: إلى النار، فضحك منه، وسكت عنه، فتخلص بهذه النادرة. وقد تكون المواربة من غير هذين النمطين، كقوله عليه السلام

стр. 167

للعباس بن مرداس حين أنشد رسول الله ﷺ متقارب: أتجعل نهبي ونهب العبيد بني عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وما أنا دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فقال رسول الله ﷺ : يا علي، اقطع لسانه عني، فقبض علي ﵇ على يده وخرج به، فقال: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر.. فهذه أحسن مواربة سمعتها في كلام العرب، ثم مضى به إلى إبل الصدقة فقال: خذ ما أحببت أو كما قال. ومن المواربة متصل ومنفصل، وقد أتينا بأمثلة القسمين، فالمتصل منها ما كان تخلصه في نفس الكلام، المنفصل ما كان التخلص فيه من كلام آخر، كالذي تقدم لعلي ﵇ والأخطل. ومن أوضح أمثلته قصة كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد أنشده طويل: على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدى نسجها فأذالها

стр. 168

فقال له عبد الملك: قول الأعشى في صاحبه خير من قولك هذا في حيث يقول كامل: كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالا فقال: الأعشى وصف صاحبه بالخرق، ووصفتك بالحزم.

стр. 169

باب الترديد وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى، ثم يردها بعينها ويعلقها بمعنى آخر، كقوله : " حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل الله والله أعلم حيث يجعل رسالاته " فالجلالة الأولى مضاف إليها، والثانية مبتدأ بها وقوله: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا " وكقوله : " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا ". ومن الترديد نوع يسمى الترديد المتعدد، وهو أن يتردد حرف من حروف المعاني، إما مرة أو مراراً، وهو الذي يتغير فيه مفهوم المسمى لتغير الاسم: إما لتغاير الاتصال؛ أو تغاير ما يتعلق بالاسم. ومثال هذا النوع قوله تعالى: " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " فإن اتصال من بضمير المخاطبين الغائبين في الموضعين مع ما تضمنت مَن مِنْ معنى الشرط أصارت المؤمنين كافرين عند وقوع الشرط، وقد يرتد حرف الجر في الجملة من الكلام

стр. 170

والبيت من الشعر مراراً عدة في جمل متغايرة المعاني، ومثله قول الشاعر بسيط يريك في الروع بدراً لاح في غسق ... فليث عريسة في صورة الرجل وربما كان المتردد غير حرف الجر، كحرف النداء أو غيره، ومثاله قول المتنبي منسرح: يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل ومثال المتردد من الجمل غير المتعددة قول أبي نواس بسيط صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء فقوله: مسها، ومسته ترديد حسن. وقد يلتبس الترديد الذي ليس تعددا من هذا الباب بباب التعطف؛ والفرق بينهما: أن هذا النوع من الترديد يكون في إحدى قسمي البيت تارة وفيهما معاً مرة، ولا تكون إحدى الكلمتين في قسم والأخرى في آخر، والمراد بقربهما أن يتحقق الترديد، والتعطف وإن كان ترديد الكلمة بعينها، فهو لا يكون إلا متباعداً، بحيث تكون كل كلمة في قسم. والترديد يتكرر، والتعطف لا يتكرر، والترديد يكون بالأسماء المفردة، والجمل المؤتلفة والحروف، والتعطف لا يكون إلا بالجمل غالبا، والفارق بين الترديد والتكرار أن اللفظة التي تكرر في التكرار لا تفيد معنى زائداً، بل الأولى

стр. 171

هي تبيين للثانية وبالعكس، واللفظة التي تتردد تفيد معنى غير معنى الأولى منهما، واشتقاقهما مشعر بذلك، لأن الراد من وجه لا يبلغ إلا الموضع الذي أراده، والكار هو الذي انتهى إلى الموضع المراد، وكر راجعاً، ومنه الكر والفر وقول امرئ القيس: مكر مفر وأنه لا يكر إلا بعد الفرار وبيت أبي نواس الذي قدمناه مما جاء الترديد في عجزه دون صدره. وأما ما جاء في الصدر والعجز فكقول أبي تمام طويل: ديار نوار ما ديار نوار ... كسونك شجواً هن منه عوار ومثال ما جاء في الصدر والعجز معاً قول أبي نواس خفيف: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبله ثم قبل ذلك جده ومن الترديد نوع آخر يسمى ترديد الحبك، ويسمى بيته المحبوك، وهو أن تبنى البيت من جمل ترد فيه كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وكلمة من الثالثة في الرابعة، بحيث تكون كل جملتين في قسم، والجملتان الأخيرتان غير الجملتين الأوليين في الصورة، والجمل كلها سواء في المعنى، كقول زهير بسيط يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا فقد ردد كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وردد كلمة من الجملة الثالثة في الجملة الرابعة ثنتان في كل قسم، وكل جملتين متفقتان

стр. 172

في الصورة غير أنهما مختلفتان، إذا نظرت إلى كل قسم وجملته، وإن اشتركا في المعنى، فإن صورة الطعن غير صورة الضرب، ومعنى الجميع واحد، وهو الحماسة في الحرب، والبيت أعني بيت زهير مع كونه من شواهد الترديد المحبوك، فإنه يصلح أن يكون من شواهد صحة التقسيم، لأنه استوفى فيه أقسام حالات المحارب، وإن جاءت صحة التقسيم مدمجة في الترديد، والله أعلم.

стр. 173

باب التعطف وقد سماه قوم المشاكلة وقد تقدم أن التعطف كالترديد في إعادة اللفظة بعينها في البيت، وأن الفرق بينهما بموضعهما وباختلاف التردد، وثبت أن التعطف لا بد وأن تكون إحدى كلمتيه في مصراع والأخرى في المصراع الآخر، ليشبه مصراعاً البيت في انعطاف أحدهما على الآخر بالعطفين في كل عطف منهما يميل إلى الجانب الذي يميل إليه الآخر. ومن أمثلته قول زهير بسيط من يلق يوماً على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا وكقول عقيل بن علفة طويل: فتى كان مولاه يحل بفجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل

стр. 174

وكقول أبي تمام كامل: فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله وكقول المتنبي طويل: فساق إلى العرف غير مكدر ... وسقت إليه المدح غير مذمم وهذا البيت أفضل بيت سمعته في هذا الباب، فإنه انعطفت فيه ثلاث كلمات من صدره على ثلاث كلمات من عجزه، ففيه بهذا الاعتبار ثلاث تعطفات، وذلك قوله: فساق، فإنها انعطفت على قوله في العجز: وسقت، وقوله: إلي فإنها انعطفت على قوله في العجز: إليه وقوله غير، فإنها انعطفت على قوله في العجز غير، ثم في البيت من المناسبة ما لم يتفق في بيت غيره، فإن كل لفظة في صدره على الترتيب وزن كل لفظة في عجزه: وكل جملة كقوله فساق وسقت وإلي وإليه والعرف، والشكر، وغير مكدر، ومذمم فهذه مفردات الألفاظ، وأما الجمل المركبة فيها فانظراني قوله فساق إلي وسقت إليه والعرف والشكر، وغير مكدر، وغير مذمم، ولم أر مثل هذا اتفق إلا لأبي تمام في البيت الذي قدمته على هذا البيت، لأنه ساوى بيت المتنبي في التعطفات الثلاثة، والمناسبة الناقصة، وفضله بيت

стр. 175

أبي تمام بالمناسبة التامة والطباق، وله فضيلة السبق، فثبت له التقدم هذا وقد أتى به توطئة لقوله كامل: وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله وقد جاء من التعطف في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إن معكم متربصون " فإن التعطف في هذه الآية الكريمة في موضعين. وكذلك جاء في قول سبحانه: " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم "، وكقوله سبحانه: " وهم عن الآخرة هم غافلون " والله أعلم.

стр. 176

باب التفويف اشتقاق التفويف من الثوب الذي فيه خطوط بيض، وأصل الفوف: البياض الذي في أظفار الأحداث، والحبة البيضاء في النواة، وهي التي تنبت منها النخلة، والفوفة القشرة البيضاء التي تكون على النواة، والفوف: الشيء، والفوف: قطع القطن، وبرد مفوف: أي رقيق، فكأن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان، لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضا عن بعض، إذ هو بسيط بالنسبة إليهما، وكلها مركبة بالنسبة إليه، لأنه قابل لجميع الألوان، وجميع الألوان تقبل التغير إلى لون آخر بحسب التركيب، والشدة والضعف إلا السواد، فإنه لا يقبل تركيباً ألبتة، فهو ضد البياض ونقيضه، ولا جرم أن الجمع بينهما في الكلام يسمى مطابقة، بخلاف بقية الألوان، والتفويف في الصناعة: عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح

стр. 177

أو الغزل، أو غير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في جملة من الكلام منفصلة من أختها بالتجميع غالباً، مع تساوي الجمل المركبة في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة. فمثال ما جاء منه بالجمل الطويلة، قول النابغة الذبياني طويل: فلله عيناً من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا وأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا وأحسب أن أول من نطق بالتفويف المركب من الجمل الطويلة عنترة، فقال كامل: إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل ومثال ما جاء منه في الجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون بسيط ته أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أهن ... ودل أخضع، وقل أسمع، ومر أطع ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي بسيط أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل

стр. 178

وقد جاء من التفويف المركب من الجمل الطويلة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطئيتي يوم الدين " وفي الجمل المتوسطة قوله سبحانه: " تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي "، ولم يأت من الجمل القصيرة شيء في فصيح الكلام. والله أعلم.

стр. 179

باب التسهيم هو من الثوب المسهم، وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه، لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص له، بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده. وهذا الباب عرفه من تقدمنى بأن قال: وأن يكون ما تقدم من الكلام دليلاً على ما يتلوه، ورأيت هذا التعريف وإن روعي فيه الاشتقاق لا يخص هذا الباب من البديع، بل يدخل معه غيره. والذي عندي أن هذا الباب من مشكلات هذا الفن، ويصلح أن يعرف بقول القائل هو أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما تأخر منه، أو يتأخر منه ما يدل على ما تقدم بمعنى واحد أو بمعنيين، وطوراً باللفظ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق ببنية الشعر وتأليف النثر يعلمون أن معنى قولها متقارب: فأقسم يا عمرو لو نبهاك يقتضي أن يكون تمامه: إذا نبها منك داء عضالا وليثاً غضوباً أفعى قتولاً، وموتاً ذريعاً، وسماً وحياً، وغضباً صقيلاً، كرباً شديداً، وغماً طويلاً، إلى أشياء يعز حصرها، لكن معنى البلاغة

стр. 180

تقتضي اقتصارها من ذلك كله على الأول، لكونه أبلغ، وإنما قلت: إنه أبلغ، لأن الليث الغضوب، والأفعى القتول، يمكن مغالبتهما وغلبهما، والسيف الصقيل يمكن التوقي منه، والحيدة عنه، وما كل جريح يتوقع موته، ولا ييئس من برئه، والكرب الشديد، والغم الطويل، يرجى انكشافهما، والسم الوحي، والموت الذريع، يريحان صاحبهما، فأشد من الجميع الداء العضال الذي لا يميت فيريح، ولا يأمل صاحبه مداواته فيستريح، فلذلك علم الحذاق باختيار الكلام وبنيته أن قولها: فأقسم يا عمرو لو نبهاك يقتضي أن يكون تمامه: إذاً نبها منك داء عضالا دون كل ما ذكرت وما لم أذكر، فإن ما ذكرت هو دليل على ما لم يذكر، إذ لا يخرج ما لم يذكر عن أن يكون أمراً يمكن مغالبته وغلبه، أو شيئاً يرجى انكشافه وزواله، أو شيئاً يريح بسرعة كالسم الوحي، والموت الذريع وكما يدل الأول على الثاني كما ذكرت كذلك، يدل الثاني على الأول، فإنه لو قيل لحاذق بما يصلح أن يوطأ لقولها إذا نبها منك داء عضالاً فإنه لا يجد إلا قولها: فأقسم يا عمرو لو نبهاك، فهذا ما يدل الأول فيه على ما بعده دلالة معنوية. وأما ما يدل فيه الأول على الثاني دلالة لفظية فقولها: إذن نبها ليث عريسة ... مفتياً مفيداً نفوساً ومالا
следующие страницы →