← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم وكقوله حيث يقول وافر: لقد أنست مساوئ كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دؤاد وكقوله معتذراً في وصف الإبل طويل: سرت تحمل العتبى إلى العتب والرضا ... إلى السخط والعذر المبين إلى الحقد وكقوله بسيط يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود ومما تقدم فيه غيره قوله بسيط إساءة الحادثات استنبطى نفقاً ... فقد أظلك إحسان ابن حسان وكقوله بسيط

стр. 352

لم يجتمع قط في مصر ولا طرفٍ ... محمد بن أبي أيوب والنوب وكقوله كامل: فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس على أن أبا الطيب المتنبي قد أتى في هذا الباب بما لا يقصر به عن لحاق أبي تمام ولا أمثاله من المجيدين، ويكفيه من ذلك قوله بسيط مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا وأما إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب، فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب، ومن ذلك قوله وافر: وقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي كما لابن العميد جميع مدحى ... ودنيا ابن العميد جميعها لي

стр. 353

وكقوله خفيف: فبهم قد أمنت خوف معادي ... وبهذا الوزير خوف زماني ومن براعة التخلص في الكتاب العزيز قوله تعالى: " نحن نقص عليك أحسن القصص " فإنه سبحانه أشار بقوله: أحسن القصص إلى قصة يوسف، فوطأ بهذه الجملة إلى ذكر القصة مشيراً إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز، وإنما كانت أحسن القصص بكون كل قضية منها كانت عاقبتها إلى خير، فإن أولها رميه في الجب، فكانت عاقبته السلامة، وبيع ليكون عبداً فاتخذ ولداً، ومراودة امرأة العزيز له فعصمه الله، ودخوله السجن، وخروجه ملكاً، وظفر إخوته به أولاً، وظفر بهم آخراً، وتطلعه إلى أخيه بنيامين، واجتماعه به، وعمى أبيه، ورد بصره، وفراقه له، ولأخيه، واجتماعه بهما، وسجود أبويه وإخوته له تحقيقاً لرؤياه من قبل. وكقوله تعالى: موطئاً للتخلص لذكر مبدأ خلق المسيح ﵇: " إن الله اصطفى آدم ونوحاً " الآية. والله أعلم.

стр. 354

؟ باب الحل وهو أن يعمد الكاتب إلى شعر ليحل منه عقد الوزن فيصيره منثوراً، كما روى عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: ما اتكلت قط في مكاتباتي إلا على ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: " فأبدلوه آجالاً من آمال " فإني حللت قول مسلم بن الوليد بسيط موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل وقولي: وقد صار ما يحرزهم يبرزهم، وما يعقلهم يعتقلهم، فإني حللت فيه قول أبي تمام طويل: فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله وإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله والبيت الثاني أردت. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من

стр. 355

محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " فإن ذلك حل قول امرئ القيس " رمل ": وقدور راسيات ... وجفان كالجواب على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآية الكريمة، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به، والله أعلم.

стр. 356

باب العقد وهو ضد الحل، لأنه عقد النثر شعراً. ومن شرائطه أن يؤخذ المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد فيه، أو ينقص منه، أو يحرف بعض كلماته ليدخل به في وزن من أوزان الشعر، ومتى أخذ معنى المنثور دون لفظه كان ذلك نوعاً من أنواع السرقات بحسب الآخذ الذي يوجب استحقاق الأخذ للمأخوذ، ولا يسمى عقداً إلا إذا أخذ المنثور برمته، وإن غير منه بطريق من الطرق التي قدمناها كان المبقى منه أكثر من المغير بحيث يعرف من البقية صورة الجميع، كما فعل أبو تمام في كلام عزى به علي ﵇ الأشعث بن قيس في ولده، فعقده أبو تمام شعراً فقال طويل: وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم

стр. 357

ومنه قول أبي العتاهية سريع: ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر فإنه عمد إلى قول علي بن أبي طالب ﵇: ما ابن آدم والفخر، وإنما أوله نطفة وآخره جيفة، فقعده شعراً. وكقوله، أعني أبا العتاهية وافر: كفى حزناً بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا فإنه عقد قول بعض الحكماء في الإسكندر حين مات: إن كان الملك أمس أنطق منه اليوم، فهو اليوم أوعظ منه أمس، والله أعلم.

стр. 358

باب التعليق وهو أن يأتي المتكلم بمعنى في غرض من أغراض الشعر، ثم يعلق به معنى آخر من ذلك الغرض يقتضى زيادة معنى من معاني ذلك الفن، كمن يروم مدحاً لإنسان بالكرم فيعلق بالكرم شيئاً يدل على الشجاعة، بحيث لو أراد أن يخلص ذكر الشجاعة من الكرم لما قدر. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " فإنه سبحانه لو اقتصر على وصفهم بالذل على المؤمنين، لاحتمل أن يتوهم ضعيف الفهم أن ذلهم عن عجز وضعف، فنفى ذلك عنهم، وكمل المدح له بذكر عزهم على الكافرين، ليعلم أن ذلهم للمؤمنين عن تواضع لله سبحانه، لا عن ضعف ولا عجز بلفظ اقتضت البلاغة الإتيان به، ليتمم بديع اللفظ كما تمم المدح، فحصل في هذه الألفاظ الاحتراس مدمجاً في المطابقة، وذلك تبع للتعليق الذي هو المطلوب من الكلام.

стр. 359

ومن أمثلة التعليق قول المتنبي طويل: إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام فعلق الكرم بالشجاعة لكونه شبه رسل العدو بالملام في الهبة، فهو كثير ما يردهم عما يطلبون منه تهاوناً بمرسلهم، وشجاعة عليهم، وتسرعاً إلى حربهم، ورغبة في ما دون سلمهم، ثم حصل من التشبيه الذي علق به الكرم بالشجاعة وصفه بغاية الكرم، إذ دل على أنه عاشق في الجود، ولا يسمع فيه ملاماً، ولا يصغي إلى عاذل، وقد يعلق المتكلم فناً من فنون الكلام بمعنى من معاني البديع، وما سمعت في ذلك أحلى من قول بعض العراقيين في بعض القضاة، وقد شهد عنده برؤية هلال الفطر، فلم يجز الشهادة " رمل مجزؤ ": أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى سرق العيد كأن ال؟ ... عيد أموال اليتامى فعلق خيانة القاضي في أموال اليتامى بما قدمه من خيانته في أمر العيد برابطة التشبيه. ومن مليح التعليق قول المتنبي في صفة الليل، وهو من الصنف الأول من التعليق وافر:

стр. 360

أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر الذنوبا فإنه علق فن عتاب الزمان بفن الغزل اللازم من فن الوصف بواسطة أداة التشبيه، فعلق الافتنان بالتشبيه، فأحسن ما شاء. ومن أحسن ما سمعت في التعليق قول أبي نواس، وهو من الصنف الثاني من التعليق " مجزوء الوافر ": لهم في بيتهم نسب ... وفي وسط الملا نسب لقد زنوا عجوزهم ... ولو زنيتها غضبوا فإنه علق هجاءهم بفجور أمهم بدعونهم في النسب، فكان في ذلك هجاء أبيهم، لكونهم لم يرضوا نسبتهم إليه، فكأن الشاعر رأى هجاءهم بفجور أمهم دون هجائهم بدناءة أبيهم ناقصاً، فيتم ما أراد من هجائهم بما قال، وظرف ما شاء بقوله: " ولو زنيتها غضبوا ". ومثله قوله أيضاً إلا أن فيه زيادة على كل ما قدمنا لكونه يجمع صنفي التعليق. أما التعليق الأول فلأنه علق على التهكم بالهجاء، ولم يقتصر على الهجاء.

стр. 361

وأما الثاني فكونه علق الافتنان الذي هو الهجاء والفخر على ما بينه بمعنى التشبيه والإدماج وافر: فأعرض هيثم لما رآني ... كأني قد هجوت الأدعياء وقد آليت لا أهجو دعياً ... ولو بلغت مروءته السماء ومن لطيف تهكمه في هذا البيت قوله: ولو بلغت مروءته السماء وقد أدمج الافتنان في التهكم لأن معناه أني لا أهجو إلا من بلغت مروءته الغاية القصوى. وكذلك قصد الشعراء وعقلاء البلغاء، يتخيرون لهجائهم كما يتخيرون لمديحهم. وقد وقع لي في هذا الباب من المدح ما لا بأس بذكره، وهو الصنف الأول من التعليق طويل: تخيل أن القرن وافاه سائلا ... فقابله طلق الأسرة ذا بشرا ونادى فرند السيف دونك نحره ... فأحسن ما تهدي اللآلي إلى النحر فإني علقت ذكر الكرم بذكر الشجاعة، حيث وصفت الممدوح بطلاقته وتهلله استبشاراً بالقرن لما تخيله سائلاً، واهدائه فرند السيف وهو جوهره إلى نحره لما تخيل الفرند لآلئا، هذا إلى ما وقع في البيت الثاني من التورية بذكر النحر، والترشيح بذكر اللآلي.

стр. 362

ومن التعليق العجيب قولي أيضاً مما علقت فيه الاستعطاف بالعتب بطريق الإدماج طويل: ؟ أإخواننا بالله ما لجفائكم ... غدا لي بعد السلم وهو مصالت أحين أمنتم من ملامي وأيقنت ... نفوسكم أني مدى الدهر ساكت تخليتم عني وخنتم مواثقاً ... لها بعد توكيد العهود تهافت وأقررتم عين الحسود عليكم ... فسرت نفوس بالبعاد شوامت سأصبر حتى ينفد الصبر كله ... وينطق حالي والقوافي صوامت وأعطفكم بالشعر ما ذر شارق ... وأخلبكم بالنثر ما عج قانت وأعذر إن عرضت يوماً بعتبكم ... ليحيا وداد بالتجنب مائت وهأنا موصيكم وصية ناصح ... لكم وده عند الحفيظة ثابت بأن تتحاموا من فوات بوادري ... فإن بعيداً رد ما هو فائت وأن تهدموا ما قد بنيتم وتعطشوا ... من الود غرساً قد غدا وهو نابت ومن التعليق فرع يسمى تعليق الشرط، وهو أن يعلق المتكلم مقصوده على شرط يلزم من تعليقه مبالغة في ذلك المعنى، أو نوعاً من المحاسن زائداً على وقوع المشروط لوقوع الشرط، وذلك كقول أبي تمام طويل: فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد

стр. 363

فعلق صحة حمده لممدوحه على حمد عوده صاغراً إن لم يحمد الممدوح عدوه صاغراً لا يكون الشاعر له حامداً. وقد استقصيت الكلام على هذا البيت في باب المقارنة والفرق بين التعليق التكميل شدة ملاحمة الفنين في التعليق، واتحادهما، وإن وجد لفظيهما فيه وتخليص أحدهما من الآخر في التكميل، ولأن من التعليق تعليق الشرط، ومنه تعليق الفنون بالمعاني، والله أعلم.

стр. 364

باب الإدماج وهو أن يدمج المتكلم غرضاً له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصد إليه، كقول عبيد الله بن عبد الله لعبد الله بن سليمان بن وهيب حين وزر للمعتضد، وكان ابن عبيد الله قد اختلت حاله، فكتب لابن سليمان طويل: أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم فأدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من الاختلال في ضمن التهنئة وتلطف في المسألة، ودقق التحليل لبلوغ الغرض، مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال، وحمايته من الإذلال، لا جرم أن ابن سليمان فطن لذلك ووصله واستعمله.

стр. 365

ومن لطيف الإدماج قول ابن نباتة السعدي طويل: ولا بد لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخل أودع الحلم عنده فإنه أدمج الفخر في الغزل حين جعل حلمه لا يفارقه بتة، ولا ترغب نفسه عنه جملة، وإنما عزم على أن يودعه، إذ كان لا بد له من وصل هذا المحبوب، لأن الوادائع تستعاد، ثم استفهم عن الخل الصالح أن يستودع الحلم بلفظ يشعر بالاستبعاد والتعذر، فيكون مفهوم الخطاب بقيا حلمه لعدم من يصلح لأن يودعه عنده وأدمج الفخر في الغزل من جهة تصريحه بذكر الحلم، ورشح بالإدماج الطباق بين الحلم والجهل، ثم أدمج فيهما شكوى الزمان لتغير الإخوان بحيث إنهم لم يبق منهم من يستصلح لمثل هذا الشأن في الإشارة. ومثل هذا الإدماج ما وقع لبعض الأندلسيين في قوله وافر: أأرضى أن تصاحبني بغيضاً ... مجاملة وتحملني ثقيلا وحقك لا رضيت بذا لأني ... جعلت وحقك القسم الجليلا والبيت الثاني أردت، لأنه أدمج فيه الغزل في العتاب من الفنون، والمبالغة في القسم من البديع.

стр. 366

ومن شواهد الإدماج في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وله الحمد في الأولى والآخرة " فإن هذه الجملة أدمج فيها المبالغة في الحمد في ضمن المطابقة، إذ أفرد نفسه سبحانه بالحمد حيث لا يحمد سواه، إذ قال: وهو أعلم: " وله الحمد في الأولى والآخرة ". والفرق بين التعليق والإدماج أن التعليق يصرح فيه بالمعنيين المقصودين على شدة اتحادهما، والإدماج يصرح فيه بمعنى غير مقصود قد أدمج فيه المعنى المقصود، والله أعلم.

стр. 367

باب الإزدواج وهو أن يأتي الشاعر في بيته من أوله إلى آخره بجمل: كل جملة فيها كلمتان مزدوجتان، كل كلمة إما مفردة أو جملة. وأكثر ما يقع هذا النوع في أسماء مثناة مضافة كقول أبي تمام متقارب: وكانا جميعاً شريكي عنان ... رضيعى لبان، خليلى صفاء ومن الازدواج نوع يؤتى فيه بكلمتين صورتهما واحدة، ومفهومهما واحد، كقول ابن الرومي: مجزوء الكامل: أبدانهن وما لبس؟ ... ن من الحرير معاً حرير أردانهن وما مسس؟ ... ن من العبير معاً عبير وكقول بعض العرب بسيط ومطعم النصر يوم النصر مطعمه ... أني توجه والمحروم محروم فقوله: ومطعم النصر مطعمه، والمحروم محروم، ازدواج، والفرق بينه وبين التجنيس المماثل اختلاف معنى الكلمتين في التجنيس

стр. 368

واتفاقهما في الازدواج، على أن الرماني قد عد الازدواج تجنيساً، وذكر منه قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " وأفرده غير الرماني باباً، واستشهد عليه بالبيت الثاني من شواهد هذا الباب وأمثاله بغير ذلك، والله أعلم.

стр. 369

باب الاتساع وهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوي الناظر فيه، وبحسب ما تحتمل ألفاظه، كقول امرئ القيس طويل: إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله، فمن قائل تضوع مثل المسك منهما نسيم الصبا، ومن قائل تضوع نسيم الصبا منهما، ومن قائل تضوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا، وهذا هو الوجه عندي، ومن قائل تضوع المسك منهما بفتح الميم يعني الجلد بنسيم الصبا. وكقوله في صفة الفرس طويل: مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل لأن الحجر يطلب جهة السفل لكونها مركزه، إذ كل شيء يطلب مركزه بطبعه الذي جبل عليه، فالحجر يسرع انحطاطه إلى السفل من العلو من غير واسطة، فكيف إذا أعانته قوة دفاع السيل من عل، فهو حال تدحرجه يرى وجهه في الآن الذي يرى فيه ظهره لسرعة تقلبه، وبالعكس، ولهذا قال الشاعر، مقبل مدبر معاً يعني يكون إدباره وإقباله مجتمعين في المعية،

стр. 370

ولا يعقل الفرق بينهما، وحاصل الكلام وصف الفرس بلين الرأس، وسرعة الانحراف، وشدة العدو، لكونه قال في صدر البيت إنه حسن الصورة، كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره، وكره وفره، ثم شبهه في عجز البيت بجلمود صخر حطه السيل من العلو لشدة العدو، فهو في الحالة التي يرى فيها لبته يرى فيها كلفه وبالعكس. هذا ولم تخطر هذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل. وإنما الكلام إذا كان قوياً من مثل هذا الفحل احتمل لقوته وجوهاً من التأويل بحسب ما تحتمل ألفاظه، وعلى مقدار قوى المتكلمين فيه، ولذلك قال الأصمعي: خير الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة، وقد غلط بعض الناس في تفسير هذا الكلام، وغلط الأصمعي فيه لسوء تفسيره، لأنه توهم أن الأصمعي أراد الشعر الذي ركب من وحشي الألفاظ، أو وقع فيه من تعقيد التركيب ما أوجب له غموض معناه، ولو كان كذلك كان ذلك شراً للشعر، وإنما أراد الأصمعي الشعر القوي الذي يحتمل مع فصاحته، وكثرة استعماله ألفاظه، وسهولة تركيبه، وجودة سبكه معاني شتى يحتاج الناظر فيه إلى تأويلات عدة، وترجيح ما يترجح منها بالدليل وجميع فواتح السور المعجمة من هذا الباب، فإن العلماء قد اتسعوا في تأويلها اتساعاً كبيراً، وإن ترجح من جميع أقوالهم كونها أسماء للسور، ثم اختلفوا في إعراب ما يتأتى فيه الإعراب منها، فبعضهم يرى فيه الحكاية، كما يرى ذلك في صاد، وقاف، ونون، فإن هذه الأسماء محكية ليس

стр. 371

إلا، وبعضهم يرى الإعراب في المجموع خاصة، وينشد قول شريح بن أوفى العبسي قاتل محمد بن طلحة السجاد طويل: يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأما ما جاء من باب الاتساع في غير الفواتح فقوله تعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " الآية فإن لفظها محتمل تأويلات شتى، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة الجمع بين تسع، ثم قوله بعد: " رباع ". " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " ومن لم يعدل في الأربع جاز أن يعدل في الثلاث، فلم نزل إلى الواحدة؟ وهذه الظواهر مفتقرة إلى تأويلات تميط عنها هذه الإشكالات. والله أعلم.

стр. 372

باب المجاز المجاز عبارة عن تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم لاسم موضوع لمعنى فيختصره إما بأن يجعله مفرداً بعد أن كان مركباً، أو غير ذلك من وجوه الاختصار، أو يذكر ما هو متعلق به، أو كان من سببه لفائدة. والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة، كالاستعارة والمبالغة والإشارة، والإرداف، والتمثيل، والتشبيه، وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد، فهذه الأنواع وإن كانت من المجاز فلكونها متعددة جعل لكل منها اسم يعرف به، ويميزه عن غيره من جنسه، كما جعل لأنواع جنس الحيوان من الأسماء التي تعرف أنواعها بالفصول، كالفرس، والجمل، والطائر، والإنسان وغير ذلك من قسمي الناطق والبهيم، وقد خص النقاد نوعاً من أنواع المجاز بإبقاء اسم المجاز عليه، وهو أقسام: منها: حذف الموصوف وإبقاء الصفة تدل عليه، كقوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله " فإن المراد هو الذي أرسل محمداً رسوله، وحذف الفاعل الذي فعله المستند إليه دال عليه كقوله تعالى: " حتى توارت بالحجاب ". ومنها حذف الأجوبة كقوله تعالى في حذف جواب لو: " ولو أن قرآناً سيرت به الجبال " الآية.

стр. 373

ومنها الإتيان بجواب عن سؤال مقدر لدلالة الجواب عليه كقوله سبحان. " قيل ادخل الجنة " فإن المعنى كأن قائلاً قال: فما كانت عاقبة هذا الذي نصر الحق وبذل نفسه في ذات الله، فيقال: قيل له: ادخل الجنة. ومنها الاسم المضاف الذي حذف المضاف منه، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: " وأشربوا في قلوبهم العجل " أي حب العجل، وقوله تعالى: " ويا سماء أقلعي " أي ويا مطر السماء، أو يا سحاب السماء، أو يا سحاب لكونه بالنسبة للمخاطب عالياً، وكل ما علا الإنسان من سقف وسحاب وغيره يسمى سماء، وقد تجاوزت العرب حذف المضاف إلى حذف مضاف ثان بعد حذف المضاف الأول، كقول جرير وافر: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا فقوله: إذا نزل السماء، يريد مطر السماء، وهذا القسم الأول من المجاز، وقوله: رعيناه يريد رعينا ما ينبته مطر السماء، وهذا القسم الثاني من المجاز، وإنما اتفقوا على اسم المجاز على هذا القسم لخلوه من معنى زائد عن تجوز الحقيقة، يليق أن يكون تسميته من جنسه، كالاستعارة، والتشبيه، والمبالغة، والإرداف، والإشارة وغير ذلك، فلما لم يكن في هذا القسم غير تجوز الحقيقة اختصار أفرد باسم المجاز، إذ لا يليق به غيره، والمراد بذلك الاختصار.

стр. 374

باب الإيجاز الإيجاز اختصار بعض ألفاظ المعاني ليأتي الكلام وجيزاً من غير حذف لبعض الاسم، ولا عدول عن لفظ المعنى الذي وضع له، فإن الاختصار أن نحذف بعض الاسم كما قدمناه، فهو مجاز، وإن كان بتغير لفظ المعنى بوجه من وجوه التغير كان من أنواع المجاز التي قدمنا ذكر بعضها، كالاستعارة، والإشارة، والإرداف وغير ذلك. ومثاله أن يقتص المتكلم قصة بحيث لا يغدر منها شيئاً، في ألفاظ قليلة موجزة جداً، بحيث لو اقتصها غيره ممن لم يكن في مثل طبقته من البلاغة، أتى بها في أكثر من تلك الألفاظ، وأكثر قصص الكتاب العزيز من هذا القبيل، كقصة موسى ﵇ في " طه "، فإن معانيها أتت بألفاظ الحقيقة تامة غير محذوفة، وهي مستوعبة في تلك الألفاظ. وقد رأيت أكثر العلماء على تقديم الأعشى في اقتصاصه قصة السموءل في أدراع امرئ القيس الشاعر التي أودعها عنده لما قصد قيصر، ووفاء السموءل

стр. 375

بها، حتى سلمها لأهل امرئ القيس وبذل دونها دم ولده وهو يشاهده، وهي بسيط كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار إذ سامه خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري إن له خلفا إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريماً غير عوار مالاً كثيراً وعرضاً غير ذي دنس ... وإخوة مثله ليسوا بأشرار جروا على أدب مني بلا نزق ... ولا إذا شمرت حرب بأغمار وسوف يخلفه إن كنت قاتله ... رب كريم وبيض ذات أطهار لا سرهن لدينا ضائع هدراً ... وكاتمات إذا استودعن أسرارى

стр. 376

فقال يقدمه إذ قام يقتله ... أشرف سموءل فانظر للدم الجاري أأقتل ابنك صبراً أو تجئ بها ... طوعاً فأنكر هذا أي إنكار فشد أوداجه والصدر في مضض ... عليه منطويا كاللذع بالنار واختار أدراعه ألا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار وقال: لا نشتري عاراً بمكرمة ... واختار مكرمة الدنيا على العار والصبر منه قديماً شيمة خلق ... فزنده في الوفاء الثاقب الواري فانظر كيف أغنى الأعشى عن تحفظ القصة بطولها من يريد حفظها بهذه الأبيات التي استوعبها فيها مع ما انطوت عليه ألفاظها التي خرجت كلها مخرج الحقيقة من المدح للسموءل بالوفاء، ولابنه بالصبر على البلاء، والتحريض للممدوح على التخلق بمثل هذا الخلق، ليبقى له مثل هذا الذكر، والاحتراس في البيت الذي يقول فيه: أأقتل ابنك صبراً أو تجئ بها فإنه لما أضمر فيه ذكر الأدراع، فطن إلى أن البيت مفتقر إلى شرح إن لم يؤت به يتوقف السامع في فهمه، فاحترس عن ذلك بقوله: واختار أدراعه ألا يسب بها ليوضح أن الضمير في البيت الذي قبله يعود على الأدراع، فتلافى في ذلك الخلل، واستغنى عن الشرح المطول.

стр. 377

وقد ذكر الحاتمي في الحلية بعد هذه الأبيات قول بعض العرب يمدح بني كعب بقوله طويل: لعمري لنعم الحي حي بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب وقال الحاتمي: إذا ريعت ربة الخلخال، فأبدت ساقها للهرب فتكون قد أنزلت الخلخال منزلة القلب في الظهور، لأن عادة المرأة من العرب أن تبدى معصمها وتستر ساقها، ولا عار عليها في ذلك، وحاصل هذا الكلام مدح الحي بالمحاماة، وشدة البأس عند الخوف. وقد قيل فيه غير ذلك، وهو أن المرأة من الروعة تذهل فتلبس الخلخال موضع القلب دهشاً وحيرة، والمرجع في التفسيرين إلى مقصد واحد. وعندي أن هذا البيت لا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأن حقيقة الإيجاز إخراج المعاني في قوالب ألفاظها الحقيقة الموضوعة لها، فإن الإيجاز إيجازان: إيجاز مجازى، وإيجاز حقيقي، فما كان منه حقيقياً بقي عليه اسم الإيجاز، وما كان مجازياً وضعوا لكل قسم منه اسماً يخصه ويناسب اشتقاقه، فإن المجاز إيجاز، وهو حذف بعض الكلام لدلالة الباقي عليه، أو للاستغناء بالقرينة، كقوله تعالى: " واسئل القرية " والإشارة والإرداف والتمثيل إيجاز، لكن هذه الأبواب تجيء بغير ألفاظ المعاني الموضوعة لها، وقول هذا الشاعر: إذا نزل الخلخال منزلة القلب

стр. 378

وهو يريد إذا ارتاعت فلبست خلخالها في معصمها، أو ذهلت للخوف عن تخفرها، معلوم أنه غير لفظ المعنى الخاص، وهذا بالإشارة أولى، فإن شئت جعلته من شواهد الإشارة، ومن شواهد الاتساع، أو منهما، ثم ذكر أعني الحاتمي بيتي لبيد، وهما " رمل ": وبنو الديان أعداء للا ... وعلى ألسنهم ذلت نعم زينت أحسابهم أنسابهم ... وكذاك الحلم زين للكرم ولفظ البيت الأول لفظ الأرداف، فلا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأنه أراد أن يقول: بنو الديان أجواد، فعدل عن هذا اللفظ إلى لفظ هو ردفه، وهو ذكر معاداتهم للا ليبالغ في وصفهم بالجود، والبيت الثاني جاء بلفظ الإشارة، إذ التزيين يكون بضروب من المحاسن، فإن قيل: إذا كان المجاز نوعاً من الإيجاز جاز أن يسمى كل صنف من ذلك النوع إيجازاً. قلت للتسميات علامات تعرف بها المسميات، ومن سمى النوع باسم الجنس فهو غير معرف لذلك النوع، فإنك لو قلت في حد الإنسان: هو حيوان، من غير ذكر الفصل لكنت غير معرف لحقيقته، لكونك لم تأت إلا بالقدر القدر المميز، ولما كان من الإيجاز ما يدل على المعنى بلفظ المعنى بلفظ الموضوع له، ومنه ما يدل على المعنى بلفظ هو ردف لفظه

стр. 379

تارة، وبلفظ هو مثل لفظه، أو به، وبلفظ مستعار من لفظه حيناً والحقيقة أصل، والمجاز فرع، والإيجاز أصل نفي الاسم الأصلي على الكلام الذي دل لفظه على معناه بظاهره، وسمى ما دل على معناه بالتأويل بأسماء مجازية، إذ كانت مسمياتها مجازية. ومن أمثلة الإيجاز قول النابغة الذبياني في اقتصاصه قصة الزرقاء. للنعمان بسيط فاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع واردي الثمد يحفه جانبا نيقٍ وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد وكملت مائة منها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد فإن النابغة سرد هذه القصة بألفاظ الحقيقة عرية عن الحشو الخشن والمعيب، ولم يغادر منها شيئاً، ويروى البيت الأول سراع بسين مهملة، وهو أبلغ في وصف نظر الزرقاء، ويدل على صحة هذه الرواية أن قوله: واردى الثمد يغني عن قوله: شراع بشين معجمة فلم يبق الإسراع بسين مهملة لما يدل عليه من المبالغة في حدة نظر الزرقاء بدليل قوله بعد هذا البيت: وأسرعت حسبة.

стр. 380

فإن قيل: فما الفرق إذا بين الإيجاز والمساواة؟ قلت: المساواة لا تكون إلا في المعنى المفرد يعبر عنه بلفظ مساو له لا يزيد عليه ولا يقصر عنه، والإيجاز يكون في ذكر القصص والأخبار التي تضمنت معاني شتى متعددة، وخلاصة ذلك أن المساواة في معاني الجمل التي تتركب منها الأبيات والفصول، والإيجاز في الأبيات والفصول. ومن الإيجاز نوع يختصر فيه بعض اللفظ ويؤتى بلفظ الحقيقة كقوله سبحانه: " والذين تبوءوا الدار والإيمان " فإن تقديره تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، كما تقول: " رجز ": علفتها تبناً وماء باردا وكما قال الشاعر كامل مجزوء: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلد سيفاً ورمحا أي ومعتقلاً رمحاً ومن إيجاز الكتاب العزيز قوله : " إن الله يأمر العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " فإنه أمر في أول الآية بكل معروف، ونهى بعد ذلك عن كل منكر ووعظ في آخرها أبلغ

стр. 381

موعظة وذكر ألطف تذكير بألفاظ اتفق فيها ضروب من المحاسن مع كونها ألفاظ الحقيقة، وهي صحة الأقسام، لأنها استوعبت جميع أقسام أجناس المعروف والمنكر، والطباقين اللفظي والمعنوي وحسن النسق والتسهيم، وحسن البيان، والإيجاز، وائتلاف لفظ الكلام مع معناه، والمساواة، وصحة المقابلة، وتمكين الفاصلة، فأما استيعاب الأقسام فلأنه سبحانه أمر بالعدل، وهو معاملة المكلف نفسه وغيره بالإنصاف، ثم أمر بعد العدل بالإحسان، وهو اسم عام يدخل تحته التفضل بعد العدل، وقدم ذكر العدل لأن العدل واجب، وتلاه بالإحسان لأن الإحسان مندوب، ليقع وضع الكلام على أحسن ترتيب، وخص ذا القربى بالذكر بعد دخوله في عموم من أمره بمعاملته بالعدل والإحسان لبيان فضل ذي القربى وفضل الثواب عليه، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي بصيغة تعريف الجنس ليستغرق كل ما يجب أن ينهى عنه، كما استغرق كل ما يجب أن يؤمر به، والمطابقة اللفظية في قوله تعالى: " يأمر " " وينهي "، والمعنوية في قوله سبحانه " بالعدل والإحسان " وإيتاء ذي القربى وقوله " الفحشاء والمنكر والبغي " فإن الثلاثة الأخر أضداد الثلاثة الأول، لأن الأول من الفعل الحسن، والآخر من الفعل القبيح، فطابق بين الحسن والقبح مطابقة معنوية. وحسن التنسيق في ترتيب عطف بعض الجمل على بعض كما ينبغي، حيث قدم العدل وعطف عليه الإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعاً خاصاً، وهو إيتاء ذي القربى، وعطفه عليه، ثم أتى بالأمر مقدماً، وعطف عليه النهي ثانياً، ثن رتب جمل المنهيات كما رتب

стр. 382

جمل المأمورات في العطف، بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم في ما يجب تأخيره. وأما التسهيم فهو أن صدر الآية يدل على عجزها كما يدل صدر البيت المسهم على عجزه. وأما حسن البيان فلأن لفظ الآية لا يتوقف في فهم معناه أحد إذ سلم من التعقيد في نظمه، فقد دل على معناه دلالة واضحة بأقرب الطرق، واستوى في فهمه الذكي والبليد، والقريب من هذه الصناعة والبعيد. وأما الإيجاز فهو دلالة الألفاظ القليلة الحقيقية على المعاني الكثيرة من غير إشارة ولا إرداف ولا حذف. وأما ائتلاف لفظ الكلام مع معناه، فلأن كل لفظة لا يصلح مكانها غيرها. وأما المساواة فلأن ألفاظ الكلام قوالب لمعانيه، لا تزيد عليها، ولا تقصر عنها. وأما صحة المقابلة فلأن النهي قابل الأمر، والمنهيات قابلت المأمورات مع مراعاة الترتيب. وأما تمكن الفاصلة فلأن مقطع الآية مستقر في مكانه، مطمئن في موضعه ومعناه متعلق بما قبله إلى أول الكلام، لأنه لا تحسن الموعظة إلا بعد الأمر والنهي، فإن الوعد والوعيد لا يقعان إلا بعد امتثال الأمر أو مخالفته والتذكرة بعد الموعظة.

стр. 383

ومن إيجاز الكتاب العزيز أيضاً قوله: " ولكم في القصاص حياة " لأنه قد أجمع النقاد على أن أبلغ كلام قيل في هذا المعنى قول القائل: " القتل أنفى للقتل " وإذا نظرت بين هذا الكلام وبين لفظ القرآن وجدت هذا الكلام ليس فيه من ضروب البديع سوى الإيجاز، مع كونه لم يخل من عيب، ووجدت لفظ القرآن قد جمع الآجام والإيضاح والإشارة والكناية والطباق وحسن البيان والإبداع، وسلم من العيب الذي جاء في ذلك الكلام. فأما الإيجاز فلأن اللفظ المماثل من لفظ القرآن للأول هو قوله تعالى: " القصاص حياة " وهو عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفاً، وأما الإيضاح فإن لفظة القصاص أوضحت المعنى المراد، إذ هو قتل مقيد، لا قتل مطلق، وأما الإشارة، ففي قوله سبحانه: " حياة " فإن هذه اللفظة أشارت إلى أن القتل الذي أوجبه العدل يكف القتل الذي يأتي به العدوان، وفي ذلك حياة الأحياء. والكناية في قوله تعالى: القصاص فإنه كنى بهذه اللفظة عن الموت المستحق الذي يوجبه العدل. وأما الطباق ففي قوله " القصاص حياة " لأن القصاص الموت، فكأنه سبحانه قال: الموت حياة، وهذا طباق معنوي. وأما حسن البيان، فكون المخاطب فهم المراد من هذا النظم من غير توقف، وأما الإبداع فلأن في كل لفظة من هذا الكلام عدة من المحاسن، وأما السلامة من العيوب

стр. 384

بالنسبة فلأن الكلام خلا عن التكرار الذي وقع في الكلام الأول، فإن قيل لا يعد التكرار الذي وقع في قول القائل: " القتل أنفى للقتل " عيباً لاختلاف المعنى قلت: لكن اللفظ إذا اختلف معناه واتحدت صيغته اتحاداً لا يعد تحسيناً وكان الكلام به معيباً، فهذا عيب لفظ الكلام الأول الذي سلم منه لفظ القرآن، وأما عيب المعنى فلأن القائل سمى الخاص باسم العام، فإن مطلق القتل صالح للقصاص ولغيره، كما أنه صالح للعدوان ولغيره، وهذه العبارة موجبة للبس المضاد لحسن البيان الذي هو خارج مخرج العدوان ولفظ القرآن مخلص للعدل. وإذا وصلت في هذا الباب إلى قوله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " فإنه سبحانه أتى في هذه الآية الكريمة بأمرين ونهيين، وخبرين متضمنين بشارتين، في أسهل نظم، وأحسن لفظ، وأوجز عبارة، ولم يخرج الكلام عن الحقيقة في شيء من ذلك. واعلم أن الإيجاز على ضربين: ضرب بسيط وضرب مختصر، ويكون البسيط مختصراً بالنسبة لغيره، فالبسيط كقصة يوسف ﵇ من قوله: " نحن نقص عليك أحسن القصص " إلى آخر القصة، والمختصر

стр. 385

مثل قوله على لسان يوسف ﵇: " هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " اختصر القصة كلها في هذه الآية، لأنه ذكر أصول الأسباب المستلزمة جميع المسببات التي هي جملة القصة، فإن قوله: " هذا تأويل رؤياي من قبل " اقتصر على ذكر رؤياه التي كانت سبب حسد اخوته حين فعلوا به ما فعلوا، وذكر خروجه من السجن الذي كان سبباً في الملك الذي كان سبباً في اجتماعه بأبيه واخوته، فكأنه قد اقتص جميع القصة مختصرة لمن يشارك في علمها، فالأولى لعلم تفاصيلها، والثانية لعلم جملها، وهذا أحسن إيجاز وقع في كلام، والله أعلم.

стр. 386

باب سلامة الاختراع من الإتباع وهو أن يخترع الأول معنى لم يسبق إليه ولم يتبع فيه كقول، عنترة في وصف الذباب كامل: هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم وكقول ابن الرقاع في تشبيه قرن الخشف كامل: تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وكقول ذي الرمة في تشبيه الليل طويل: وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد

стр. 387

وكقول النابغة الذبياني في وصف النسور طويل: تراهن خلف القوم زوراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب فهذه اختراعات المتقدمين التي سبقوا إليها، ولم يلحقوا فيها. وما اختراعات المولدين التي سبق إليها قائلها ولم يتبع فيها قول السيد الحميري في علي ﵇ بسيط لكن أبو حسن والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتادا إذا رأى معشراً حرباً أنامهم ... إنامة الريح في أبياتها عادا قال الحاتمي بعد إيراد هذين البيتين في هذا الباب: لم يسبق السيد إلى هذا المعنى، ولم يتبع فيه، فإنا ما سمعنا من شبه إنساناً بالريح غيره، وهذا وهم من الحاتمي لأن هذا المعنى لعبد الله بن العباس ﵁ في الحديث الصحيح الذي وصف فيه رسول الله ﷺ بالجود في كل زمان، وخصوصاً في شهر رمضان حيث قال: " كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة " فغاية ما فعله السيد أنه نقل المعنى من

стр. 388

الوصف بالجود إلى الوصف بالشجاعة، وإلا فنفس المعنى في الموضعين تشبيه الإنسان بالريح، غير أن السيد أخذ المعنى نثراً، فعقده بالوزن شعراً فله هذه الفضيلة لا فضيلة الاختراع، وعلى هذا يكون باب حسن الإتباع أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه الحميري نفس الإمام علي ﵁ بالريح مجازاً، والحقيقة في ذلك غير هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح عاداً، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في القطعة المشهورة التي أولها بسيط لا أنس ما أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر إلى قوله: إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر وإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، حيث يقول في رئيس كان قريباً من قلبه، بعيداً من رفده طويل: وإني والمولى الذي أنا عبده ... طريفان في أمر له طرفان

стр. 389

بعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد من رمضان ومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط في المبالغة مع كونه جارياً على الحق خارجاً مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلباً لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه كائناً من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما يعجز عن مثلها كل قادر غير الله إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا الموضع أمثال شتى كقول رسول الله ﷺ " حمى الوطيس " و " مات حتف أنفه " " ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، " والسعيد من وعظ بغيره " في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي ﷺ ولم يتبع فيه إلى الآن.

стр. 390

باب حسن الإتباع وهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق كقول جاهلي في وصف جمل له طويل: وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاد شوقي من معاهدها ذكر وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر فأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف خبله طويل:
следующие страницы →