← Баляга

Баляга · id 26520

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Полный текст (537 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

باب سلامة الاختراع من الإتباع وهو أن يخترع الأول معنى لم يسبق إليه ولم يتبع فيه كقول، عنترة في وصف الذباب كامل: هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم وكقول ابن الرقاع في تشبيه قرن الخشف كامل: تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وكقول ذي الرمة في تشبيه الليل طويل: وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد

стр. 387

وكقول النابغة الذبياني في وصف النسور طويل: تراهن خلف القوم زوراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب فهذه اختراعات المتقدمين التي سبقوا إليها، ولم يلحقوا فيها. وما اختراعات المولدين التي سبق إليها قائلها ولم يتبع فيها قول السيد الحميري في علي ﵇ بسيط لكن أبو حسن والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتادا إذا رأى معشراً حرباً أنامهم ... إنامة الريح في أبياتها عادا قال الحاتمي بعد إيراد هذين البيتين في هذا الباب: لم يسبق السيد إلى هذا المعنى، ولم يتبع فيه، فإنا ما سمعنا من شبه إنساناً بالريح غيره، وهذا وهم من الحاتمي لأن هذا المعنى لعبد الله بن العباس ﵁ في الحديث الصحيح الذي وصف فيه رسول الله ﷺ بالجود في كل زمان، وخصوصاً في شهر رمضان حيث قال: " كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة " فغاية ما فعله السيد أنه نقل المعنى من

стр. 388

الوصف بالجود إلى الوصف بالشجاعة، وإلا فنفس المعنى في الموضعين تشبيه الإنسان بالريح، غير أن السيد أخذ المعنى نثراً، فعقده بالوزن شعراً فله هذه الفضيلة لا فضيلة الاختراع، وعلى هذا يكون باب حسن الإتباع أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه الحميري نفس الإمام علي ﵁ بالريح مجازاً، والحقيقة في ذلك غير هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح عاداً، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في القطعة المشهورة التي أولها بسيط لا أنس ما أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر إلى قوله: إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر وإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، حيث يقول في رئيس كان قريباً من قلبه، بعيداً من رفده طويل: وإني والمولى الذي أنا عبده ... طريفان في أمر له طرفان

стр. 389

بعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد من رمضان ومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط في المبالغة مع كونه جارياً على الحق خارجاً مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلباً لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه كائناً من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما يعجز عن مثلها كل قادر غير الله إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا الموضع أمثال شتى كقول رسول الله ﷺ " حمى الوطيس " و " مات حتف أنفه " " ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، " والسعيد من وعظ بغيره " في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي ﷺ ولم يتبع فيه إلى الآن.

стр. 390

باب حسن الإتباع وهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق كقول جاهلي في وصف جمل له طويل: وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاد شوقي من معاهدها ذكر وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر فأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف خبله طويل:

стр. 391

وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بنا أيد سراع وأرجل فإن ابن المعتز عمد إلى معنى البيتين المتقدمين فعمله في صدر بيته الثاني، وذلك أن حاصل قول الجاهلي في بيته: إن هذا الجمل لا ذنب له. وإنما ضربته مرة بعد أخرى لما هيج لي ذكر معاهد هذه المعشوقة من الشوق، فتوهمت أنه بالضرب يخرج عن حد الاستطاعة، ويأتي من السير بما ليس في الطاقة، وأكد كون هذا العود لا ذنب له بقوله في البيت الثاني: وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر يعني أنك لولا اشتياقي لذلفاء لم تكن محتاجاً إلى الضرب جملة، وأكد هذا التأكيد بكونه شهد له أن عادته الصبر فإن قيل: ظاهر قوله: قليل الذنب يدل على ذنب قليل، ولذلك قال عاودت ضربه أي أنه أذنب فضربته بها ثم لما اشتقت عاودت ضربه، فالضرب الأول، استحقاقاً، والثاني ظلماً. قلت: لو انفرد البيت الأول من الثاني ساغ هذا التأويل حملاً على الظاهر لكنه، مع انضمامه إلى البيت الثاني لا يسوغ، فإنه قال فيه: وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب..............

стр. 392

وآلة التعريف في الضرب للجنس، لأن ذلفاء هي التي سببت لك الضرب أولاً وأخراً، فإنك لولاها ما هاج لي من شوقي لمعاهدها فأذهلني حتى توهمت أن الضرب يخرج بك عن الحد الذي لم تكن محتاجاً إليه، ويدل على صحة ذلك شهادته له بالصبر مطلقاً في كل حال، إذ الألف واللام فيه للجنس أيضاً، وإذا كان صابراً مطلقاً دل صبره على شدة السير ومتابعته يجري ذلك الجري، فلا يقع ضربه إلا ظلماً، وأما قوله: قليل الذنب، فعلى عادة العرب في استعمال هذه اللفظة، وهي تريد مطلق النفي في قولهم: فلان قليل الخير وهم يريدون نفي الخبر عنه كثيره وقليله، وكل هذا حاصل في قول ابن المعتز " صببنا عليها ظالمين سياطنا " فإن قوله: صببنا هو عين قول العرب " عاودت ضربه " وما دل عليه لفظه من كون الضرب كان ظلماً هو عين قول ابن المعتز: ظالمين بلفظ الإيجاز، فحسن البيان في كلام ابن المعتز بخلاف كلام الأول، لأن دلالة اللفظ في كلام ابن المعتز دلالة مطابقة، ودلالة الأول دلالة التزام، ولم يعوز ابن المعتز من معنى الأول إلا التعليل، فإنه ذكر العلة التي لأجلها ضرب جملة ظلماً كما أعوز الأول من معنى ابن المعتز ذكر ثمرة الضرب وفائدته، فإن ابن المعتز لما قال: صببنا عليها ظالمين سياطنا قال عقيب ذلك: فطارت، وأدمج في ضمن هذه المبالغة التي هي ثمرة الضرب وصف الخيل بعدوها من موجبات الضرب، وحقق ظلمه لهن أنها لما خرجت من الوحشية إلى الطيرية فقد أحسن ابن المعتز الإتباع غاية الإحسان.

стр. 393

ومن حسن الإتباع اتباع أبي نواس جريراً في قوله " الوافر ": إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضاباً حيث قال ونقل المعنى من الفخر إلى المديح: سريع ليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد فزاد على جرير زيادات: منها أن جريراً أخرج كلامه مخرج الظن حيث قال: حسبت وإن كانت قد تقع بمعنى العلم خرجت المبالغة إلى حد الغلو، وعيب الكلام بما هو أشد من التقصير. ومنها أن جريراً لم يذكر من العالم سوى نوع الإنسان، وأبو نواس زاد على جرير بما يتضمنه ذكر العالم من الملائكة والجن والأفلاك وكل موجود سوى الله سبحانه، وأخرج كلامه مخرج الإسجال، بثبوت دعواه في هذا الممدوح بتعظيم قدرة الله تعالى على الإتيان بهذا الخارق الذي لا يقدر عليه غيره، واتبع أبا نواس في هذا المعنى الوزير المغربي فقال بسيط حتى إذا ما أراد الله يسعدني ... رأيته فرأيت الناس في رجل فإن الوزير أحسن إتباعه لأبي نواس بما وقع له من الزيادات، منها الإيجاز، فإنه عمل معنى عجز بيت أبي نواس في بعض عجز بيته، فنقله من ثمانية عشر حرفاً إلى أربعة عشر حرفاً، والتعليل في كونه جعل العلة في إسعاده رؤية هذا الممدوح، وجعل ذلك مراد الله سبحانه ليحقق

стр. 394

مدحه بتحقيق وقوعه، وإن كان قد قصر عن أبي نواس في كونه اقتصر من العالم على ذكر الناس، كما فعل جرير، فقد جبر ذلك الوهن بما زاد من المبالغة في المدح فإنه جعل ممدوحه ابتداء سعادته ونقص من اللفظ. على أن ذكر الناس في بيتي جرير والوزير ملائم لذكر جرير بني تميم وذكر الوزير لفظة رجل، ولو لم يكن بيت أبي نواس أخصر وزناً من بيت جرير لكادا يتساويان. ومن أحسن ما سمعت في حسن الإتباع إتباع منصور الفقيه المصري رحمه الله تعالى عنترة في قوله كامل: إني أمرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل فإن الفقيه قال في شريف سبه وكان شريفاً من جهة أبيه دون أمه " مجتث ": من فاتني بأبيه ... ولم يفتني بأمه ورام شتمي ظلماً ... سكت عن نصف شتمه فإن هذا الفقيه رحمه الله تعالى أحسن غاية الإحسان من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به بيت من تام الكامل، المركب من اثنين وأربعين حرفاً في بيت من المجتث مركب من ستة وعشرين حرفاً. والمطابقة المعنوية حيث قال بأبيه وأمه، فإنه طابق في ذلك بين الذكر والأنثى.

стр. 395

هذا وبيته الذي أتى فيه على معنى غيره وزاد ما أبديناه من الزيادة بيت توطئه، كبيت وقع فيه من الإغراب والطرفة ما لم يقع في مثله، وهو قوله: سكت عن نصف شتمه ومن هذا الباب قول ابن الرومي طويل: تخذتكم درعاً حصيناً لتدفعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماماً فكونوا لا عليها ولا لها قفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها فاتبعه ابن سنان الخفاجي الحلبي فقال كامل: أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عوناً فكنتم عون كل ملمة وتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو مقاتلي من جنتي فلأنفضن يدي يأساً منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت وألطف ما قيل في هذا المعنى قول القائل وافر: وإخوان تخذتهمو دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي وقد تقدمت هذه الأبيات، وإنما أتيت بها هاهنا ليظهر لطفها بالنسبة إلى ما تقدمها في معناها.

стр. 396

ومن مليح حسن الإتباع ما وقع بي ابن الرومي وبين أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل: تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويبرزن شطر الليل معتجرات فهن اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطعن الحشا حسرات والبيت الأخير أردت، فإن ابن الرومي اتبعه فيه فقال وأتى بمعنى البيت كاملاً في نصف بيت: كامل: ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم وغير السعيد ابن سناء الملك ﵀ من وجوه قائلي هذا المعنى قديماً وحديثاً حيث قال طويل: إذا هجرتني شيبتني بهجرها ... وإن واصلتني شيبتني بطيبها ومن محاسن هذا الباب أيضاً إتباع المعري أبا عبادة البحتري في قوله كامل: أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء فقال المعري بسيط

стр. 397

لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر الصحيح، وعوض عما فاته من بديع الألفاظ مثل المطابقة المقابلة بالتجنيس والتمثيل، ففي بيت أبي عابدة من الإغراب والطرفة معنى لم يفت أبا العلاء، فإن كون الصلة بعينها قطيعة، والبر بنفسه جفاء، من الغريب الظريف، ولا جرم أنه أتى بذكر التعجب من ذلك، وكذلك طلب الاختصار من الإنسان، وجعل ما هو من أقوى أسباب الزيادة سببا في قطع الزيادة من الغريب الطريف أيضاً، وإذا نظرت إلى ما في بيت المعري من كونه يسد في التمثيل به مسد البيتين مع إيضاح معناه وما فيه من حسن البيان، وكون ما فيه من التجنيس والتصدير ليكون صلة بين المعنى والزيادة، وأساً لقافيته المستجادة، ثبت الفضل لبيت المعري. ولقد أحسن البحتري في إتباع الحزين الكناني في قوله بسيط يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم فإن البحتري قال بسيط

стр. 398

إن أطرق استوحشت للخوف أفئدة ... ويملأ الأرض من أنس إذا ابتسما ومن حسن الإتباع اتباع ابن المعتز بشار في قول بشار طويل: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فإن ابن المعتز قال: طويل: إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا ... وسارت ورائي هاشم ونزار وعم السماء النقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الرماح شرار فإن بشاراً قال فوق رءوسنا والليل لا يخص رءوسهم لعموم ظلمته الآفاق، وابن المعتز تخلص من هذا الدخل بقوله: وعم السماء النقع دليل على كثرة الجيش وانتشاره، ولذلك قال في بيت التوطئة: أوقرت البلاد حوافراً، وكان مثل هذا لائقاً به لمكانه من الملك. ومن حسن الإتباع إتباعي ابن الرومي في قوله بسيط سد السداد فمى عما يريبكم ... لكن فم الحال مني غير مسدود فإني اتبعته في هذا المعنى فقلت كامل: هبني سكت أما لسان ضرورتي ... أهجى لكل مقصر عن منطقي فإن بيت ابن الرومي وقع فيه من المحاسن أربعة عشر ضرباً، وهي التجنيس في قوله سد السداد، والتفسير في قوله عما يريبكم، والاستدراك

стр. 399

في قوله: لكن وما بعدها، والاستعارة في قوله: فم الحال، والتصدير فيما بين القافية وأول البيت، والتمثيل، فإن البيت خرج مخرج المثل، والمساواة، لأن لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف، لأن كل لفظة من مفردات ألفاظه لا يصلح مكانها غيرها، والإرداف في قوله: لكن فم الحال، العجز كله: فإنه أراد أن يقول: سوء حالي ينطق بذمكم، فعبر عن المعنى بلفظ هو ردفه حيث قال: لكن فم الحال مني غير مسدود فراراً من التصريح بالذم والافتنان لأنه أشار إلى فن الفخر بوصف نفسه بالسداد، والبيت من فن العتاب، والتعليق لأن فن الفخر متعلق بفن العتاب، والإدماج لأن الإشارة فيه مندمجة في التفسير في قوله: عما يريبكم، لأن كل ما يريب لو عدد بلفظه الموضوع له لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة، والتعطف في ذكر الفم في صدر البيت مع ذكره في عجزه، والتهذيب لمجيء جملة صدره على ترتيب الوضع اللغوي البليغ، من تقديم الفعل على الفاعل، وتقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المفعول الذي تعدى الفعل بنفسه إليه على الفعل الذي تعدى إليه بالحرف، وكذلك رتب العجز من تقديم حرف الاستدراك على الجملة الابتدائية، وتقديم المبتدإ على الخبر. واتفق في بيتي سبعة عشر ضرباً من البديع، وهي المطابقة في السكوت النطق، واستعارة اللسان للضرورة، والمبالغة في قولي: أهجى والتكميل

стр. 400

في قولي: لكل مقصر، والتفسير في قولي: من منطقي، والتمكين من أجل أن القافية مستقرة في مكانها، والمساواة في كون لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف في أن كل لفظة لا يقوم غيرها مقامها، والإيجاز في تفاصيل البيت وجملته بالنسبة إلى البيت الذي قبله، فإن قولي هبني سكت أوجز من قول ابن الرومي: سد السداد فمى، لأن ملخص كلامي سكت، وملخص كلامه: سد فمي. وقولي: لسان ضرورتي، أوجز من قوله فم الحال مني، وقولي: أهجي، أوجز من قوله غير مسدود، فهذا إيجاز تفاصيل البيت، وأما إيجاز جملته فلأن حروف بيتي اثنان وأربعون حرفاً، وبيت ابن الرومي خمسة وأربعون حرفاً، مع أنهما قد استويا في عدة المتحركات، إذ كل بيت منهما سبعة وعشرون متحركاً والانسجام بالنسبة، لأن بيتي جاء عرياً عن الكلفة بخلاف بيته، والإيضاح لأن المعنى المراد في ألفاظ بيتي أشد وضوحاً من معناه، فإن بيتي لا يفتقر في دلالته على معناه لشيء مقدر بخلاف بيته، ومفردات ألفاظي أشد وضوحاً لمعانيها من مفردات بيته، لأن قولي: أهجى، أدل على معنى الهجاء بظاهره من قوله: عما يريبكم، وكلا البيتين المراد به التهديد بصريح الهجاء نطقاً دون هيئة، وفي قولي هبني سكت، إشارة إلى أني لا أسكت، ثم قلت على حكم التنزل الجدلي: وهبني سكت أيسكت لسان ضرورتي؟ وفي قول ابن الرومي: سد السداد فمى عما يريبكم إسجال على نفسه بالسكوت عن هجوهم، وهذا غير مراده الذي أراده من التهديد، وإذا وضح معنى الكلام هذا الوضوح في لفظ قد انتخبت

стр. 401

مفرداته وحسن تركيبه وسهل فهمه، كان موصوفاً بحسن البيان دون غيره، ومنعوتاً بالتهذيب دون سواه، وإذا استوى البيتان في المعنى وكان أحدهما أخصر وزناً وأبلغ معنى وكانت محاسنه أكثر، وعرى مما وقع في أخيه من العيوب، كان قائل موصوفاً بحسن الإتباع، وبيتي كذلك، لا سيما وقد وقع فيه مع هذا الإبداع، وهو تضمن كل لفظة بديعاً أو بديعين، مثل تضمن هبني سكت، الترشيح للاستعارة التي في لسان ضرورتي، وفيها بعدها الضرب الجدلي الذي سماه أهل الصناعة المذهب الكلامي، وفي الضرب تفسير وتمكين، وفي جملة البيت ما تقدم، فحصل في البيت سبعة عشر ضرباً من البديع قد تقدم ذكرها مفصلة، وسياقها جملة: المطابقة، المذهب الكلامي، الترشيح، الاستعارة، المبالغة، التكميل، التفسير، التمكين، المساواة، الائتلاف، الإيجاز، الإيضاح، حسن البيان، الإبداع، التهذيب، الانسجام، حسن الإتباع، ففضل بيتي بيت ابن الرومي بثلاثة أضرب من البديع، وخلوه من العيب الذي بسببه امتنع به أن يوصف بالانسجام. ومن حسن الإتباع إتباع الأخطل النابغة الذبياني في قوله طويل: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فقال طويل: وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر فهذا من الإتباع الذي ليس بحسن، وإنما ذكرته في هذا الباب لأذكر بعده الإتباع الحسن فيبين فضله:

стр. 402

والضد يظهر حسنه الضد ومنه قول علي بن جبلة طويل: وما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع فإني رأيت أكثر العلماء رجحوا هذا البيت على بيت النابغة، وفي الشعرين عندي بحث يضيق عنه هذا المكان، ومثل هذا المعنى قول سلم الخاسر بسيط فأنت كالدهر مبتوتاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب ولو ملكت عنان الريح أصرفها ... في كل ناحية ما فاتك الطلب وتناوله البحتري فقال: كامل: ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ينجيهم من خوف بأسك مهرب وكل هذه المعاني متلاشية في جنب قول الله تعالى: " يا معشر الجن الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " وقد جاء من ذلك في السنة النبوية قول رسول الله ﷺ : " نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل ". ومن حسن الإتباع إتباع نصيب الأعشى في قول الأعشى طويل: وإن عتاق العيس سوف تزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق

стр. 403

فقال نصيب طويل: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ومنه ابتاع أبي تمام عنترة في قول عنترة كامل: فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم فقال: أعني أبا تمام بسيط لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لخر يلثم منه موطئ القدم وابتعه البحتري فقال كامل: ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر واتبعه المتنبي فقال: كامل: لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا وكل هذا من قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلأت " الآية، وقوله سبحانه: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها " الآية وقوله : " تكاد تميز من الغيظ "، والله أعلم.

стр. 404

باب حسن البيان حسن البيان عبارة عن الإبانة عما في النفس بألفاظ سهلة بليغة بعيدة من اللبس، كما قال الشاعر خفيف: خطباء على المنابر فرسا ... ن على الخيل قالة غير خرس لا يعابون صامتين وإن فا ... هوا أبانوا ولم يفوهوا بلبس والبيت الثاني أردت. وهو أعني حسن البيان إما بالأسماء والصفات المنفردة وإما بهما مؤتلفة، ودلالة الأول متناهية، ودلالة الثاني غير متناهية، فإن قائلاً لو قال: قد انتهى تأليف الشعر بحيث لا يمكن أن يؤتى بقصيدة إلا وقد قيلت من قبل، كان قوله محالاً، إلا أن تقول: أردت الوزن والتقفية لا غير، وأما جملة القصيد ومجموع صورتها فلا، لأن دلالة التأليف غير متناهية، كما أن الأعداد الممكنة ليس لها نهاية، غير أن البيان فيه الأقبح والأحسن، والوسائط بين هذين الطرفين، فالأقبح كبيان باقل وقد سئل عن ثمن ظبي كان معه، فأراد أن يقول: أحد عشر، فأدركه العي، حتى فرق أصابع يديه وأدلع لسانه، فأفلت الظبي، وهذا أقبح بيان، مع أن قد بالغ في الإفهام، لكونه أخرج تعريف العدد من السماع إلى

стр. 405

العيان، ومن هاهنا يعلم أنه ليس كل إيجاز بلاغة، ولا كل إطالة عيا، فإنه لا إيجاز في الإفهام أوجز من بيان باقل، لأن المخاطب فهم عنه بمجرد نظرة واحدة، ومع ذلك ضرب به المثل في العي بهذا البيان، والأحسن أن يقول: أحد عشر، والوسائط أن يقول مثلاً: ستة وخمسة، أو عشرة وواحد، أو خمسة وخمسة وواحد، والوسائط تعلو وتسفل بحسب قربها من البلاغة وبعدها بالنسب والإضافات، وبيان الكتاب العزيز وكل كلام بليغ فصيح من الأحسن دون الأقبح ودون الوسائط، لكن الأحسن أيضاً تتفاوت طبقاته كالوسائط، فمنه الأعلى والأدنى والأوسط بالنسبة، وحقيقة حسن البيان إخراج المعنى المراد في أحسن الصور الموضحة له، وإيصاله لفهم المخاطب بأقرب الطرق وأسهلها، لأنه عين البلاغة، وقد تكون العبارة عنه تارة من طريق الإيجاز، وطوراً من طريق الإطناب كثرة العبارة بسبب كثرة المعاني، والإسهاب كثرة العبارة عن المعنى الواحد، والمعاني القليلة، والأول بعينه هو حد البلاغة وحقيقتها، وبه جاء كل بيان القرآن، كقول الله تعالى وقد أراد أن يحذر من الاغترار بالنعم " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين " وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن الوعد " إن المتقين في مقام أمين " الآية، وكقوله وقد أراد أن يبين عن الوعيد " إن يوم الفصل

стр. 406

ميقاتهم أجمعين " وكقوله في الاحتجاج القاطع للخصم: " وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " وكقوله ﵎ وقد أراد أن يبين عن تقريع الكفار: " أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين " وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن التحير: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون " وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن العدل: " ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه " وأمثال هذه المواضع كثيرة لمن يتتبعها. ومما جاء من ذلك في الشعر قول أبي العتاهية منسرح: يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر وكقول الآخر طويل: له لحظات عن خفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل فإن هذين الشاعرين أرادا مدح هذين الممدوحين بالخلافة، ووصفهما بالقدرة المطلقة وعظم المهابة بعد الله سبحانه، فإذا نظر أحدهما نظرة، أو حرك القضيب مرة، أو أطرق مفكراً لحظة، اضطرب الخوف والرجاء في قلوب الناس، فأبانا عن هذه المعاني أحسن إبانة بخلاف قولي طويل: بكفيه نفع العالمين وضرهم ... فنعمى لذي حسني وبؤسي لمجرم

стр. 407

فإني أردت الإبانة عن معنى أبي العتاهية والذي بعده، فأبنت عنه بياناً غير حسن ولا قبيح، ولم يكن في قوتي الإبانة عن المعنى بأحسن بيان كما فعلاً، فإن بيتي يصلح أن يكون في شواهد الوسائط في هذا الباب، وإن كان أبو العتاهية والذي بعده ألما في معناهما بالحزين الكناني حيث يقول في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه وهو عامل مصر لأبيه بسيط لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجة الناس عند الباب تزدحم في كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم والبيت الأخير أردت. والفرق بين ما سميته في بيت أبي العتاهية والذي بعده حسن بيان وبين الإشارة، أن الإشارة لا تكون بلفظ الحقيقة، وحس البيان يكون بلفظ الحقيقة وبغيره، فما كان منه بلفظ الحقيقة فهو من البيان الأحسن، وما كان بغير لفظ الحقيقة فهو من البيان الحسن، ولا بد أن يكون لفظه أقرب إلى لفظ الحقيقة من لفظ الإشارة، كما أن لفظ الإشارة أقرب إلى لفظ المعنى من لفظ الإرداف، ولفظ الإرداف أقرب من لفظ التمثيل، ألا ترى أن لحظات الناظر تدل على الغضب والرضا أسرع ما

стр. 408

يدل قيد الأوابد على سرعة عدو الفرس، والإنسان يجد الفهم يسرع إلى مدلول اللحظات أقرب من سرعته إلى مدلول قيد الأوابد والفرق أيضاً بين حسن البيان والإيضاح، أن الإيضاح يكون بالعبارة الفاضلة والعبارة النازلة، وحسن البيان لا يكون إلا بالعبارة الفاضلة، والله أعلم.

стр. 409

باب التوليد التوليد على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني، فالذي من الألفاظ على ضربين أيضاً، توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره، وتوليده من لفظ نفسه، والأول هو أن يزوج المتكلم كلمة من لفظه إلى كلمة من غيره، فيتولد بينهما كلام ينقض غرض صاحب الكلمة الأجنبية، وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة. مثاله ما حكى أن مصعب بن الزبير وسم خيله بلفظة عدة فلما قتل وصار إلى العراق رآها الحجاج فوسم بعد لفظة عدة لفظة الفرار فتولد بين اللفظتين غير ما أراده مصعب. ومن لطيف التوليد قول بعض العجم، وهو توليد المتكلم ما يريد من لفظ نفسه وافر: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشي العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد

стр. 410

فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص، وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت توليد وإغراب وإدماج، وهذا من أغرب ما سمعت في ذلك، وهو الثاني من التوليد اللفظي. ومن توليد الألفاظ توليد المعنى من تزويج الجمل المفيدة. ومثاله ما حكى أن أبا تمام أنشد أبا دلف: على مثلها من أبع وملاعب فقال: من أراد نكتة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فولد بين الكلامين كلاماً ينافي غرض أبي تمام من وجهين: أحدهما خروج الكلام من النسيب إلى الهجاء بسبب ما انضم إليه من الدعاء، والثاني خروج الكلام من أن يكون بيتاً من شعر إلى أن صار قطعة من نثر. ومن هذا الضرب قول الشاعر طويل: ألوم زيادا في ركاكة عقله ... وفي قوله أي الرجال المهذب وهل يحسن التهذيب منك خلائقا ... أرق من الماء الزلال وأطيب تكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عند نعماك كوكب ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب فإن هذا الشاعر زوج مدحة ممدوحه بتهذيب الأخلاق إلى قول النابغة أي الرجال المهذب فتولد بين الكلام ما ينافي غرض النابغة، حيث

стр. 411

أخرج الشاعر كلامه مخرج المنكر على النابغة ذلك الاستفهام، وأوضح مناقضته للنابغة في بيته الثاني، وهو قوله: وهل يحسن التهذيب، البيت، وزوج قوله في عجز البيت الثالث: وكل مليك عند نعماك كوكب إلى قول النابغة: فإنك شمس والملوك كواكب بدليل قول الشاعر عن النابغة: تكلم والنعمان شمس سمائه البيت، فتولد بين الكلامين قوله طويل: ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب فهذا الضرب الأول من التوليد بأقسامه، وهو ما تولد من اللفظ. وأما الضرب الثاني منه، وهو ما تولد من المعاني، كقول القطامي بسيط قد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل فقال من بعده بسيط عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق فمعنى صدر هذا البيت معنى بيت القطامي بكماله، ومعنى عجز البيت مولد بينهما، وهو قوله: إن التخلق يأتي دونه الخلق والقطامي أخذ معناه من عدي بن زيد العبادي حيث قال سريع:

стр. 412

قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص وعدي نظر إلى قول جمانة الجعفي طويل: ومستعجل والمكث أدنى لرشده ... لم يدر في استعجاله ما يبادر ومن التوليد توليد بديع من بديع كقول أبي تمام طويل: له منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب فإنه ولد قوله: قيد النواظر من قول امرئ القيس: " قيد الأوابد " لأن هذه اللفظة التي هي قيد انتقلت بإضافتها من الطرد إلى النسيب، فكأن النسيب تولد من الطرد، وتناول اللفظة المفردة لا يعد سرقة كتناول هذه اللفظة. ومن التوليد نوع آخر وهو توليد المعاني، والذي مضى توليد الألفاظ، وهو أن يزوج المتكلم معنى من معاني البديع بمعنى فيه، فيتولد بينهما فن مدمج في فن كقولي طويل: شفيعي عند الغيد مسود وفرتي ... إذا ما غدا غيري وشافعه الوفر فإني لما زوجت التجنيس بالمبالغة تولد بينهما تفضيل الشباب على المال، فالتجنيس قولي: وفرتي والوفر والمبالغة تسميتي الشباب شفيعاً والوفر شافعاً، وفعيل من أبنية المبالغة بخلاف فاعل، وتفضيل الشباب جاء مدمجا في الغزل، لأن البيت بمعناه الذي قصد التغزل، وهذا توليد كما ترى، ولا

стр. 413

يقع في الكتاب العزيز من التوليد إلا توليد المعاني البديعية، ومن ذلك ما وقع في قوله تعالى: " قل رب احكم بالحق " فإني استخرجت من هذه الآية أربعة عشر نوعاً من البديع أمهاتها خمس، وهي: الأرداف والتتميم والائتلاف والتهذيب، وتولد من هذه الأمهات تسعة أضرب، وهي الإيضاح والإدماج والافتنان وحسن البيان والمقارنة والامتزاج والإيجاز والإبداع، والمثل السائر، وشرح ذلك يضيق عنه هذا المكان، وقد أفردته في صحيفة على انفراده، والله أعلم.

стр. 414

باب التنكيت وهو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون أشياء كلها يسد مسده، لولا نكتة في ذلك الشيء المقصود ترجح اختصاصه بالذكر دون ما يسد مسده، ولولا تلك النكتة التي انفرد بها لكان القصد إليه دون غيره خطأ ظاهراً عند أهل النقد. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله سبحانه: " وأنه هو رب الشعرى " فإنه خص الشعري بالذكر دون غيرها من النجوم، وهو رب كل شيء، لأن العرب كان قد ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعرى، ودعا خلقاً إلى عبادتها، فأنزل الله سبحانه: " وأنه هو رب الشعرى " التي ادعيت فيها الربوبية دون سائر النجوم. وكقوله تعالى: " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " فإنه سبحانه إنما خص " تفقهون " دون " تعلمون " لما في الفقه من الزيادة على العلم، والمراد الذي يقتضيه معنى هذا الكلام والتفقه في معرفة كنه التسبيح من الحيوان البهيم والنبات والجماد الذي تسبيحه بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده ومخترعه.

стр. 415

ومن غريب التنكيت قوله تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء " فإنه يقال: لم اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر التي يكون الله سبحانه المولدات الثلاث منها؟، فيقال: النكتة التي رجحت الاقتصار على الماء دون بقية العناصر قوله " كل دابة " بلفظ الاستغراق لكل ما دب، وليس في العناصر الأربعة ما يعم جميع المخلوقات إلا الماء، ليدخل الحيوان البحري فيها. من أمثلة هذا الباب الشعرية قول الخنساء وافر: يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس فخصت هذين الوقتين وإن كانت تذكره في كل وقت، لما في هذين الوقتين من النكتة المتضمنة تأبين الميت، والمبالغة في وصفه بالشجاعة والكرم، لأن طلوع الشمس وقت الغارات على العدى، ووقت غروبها وقت وقود النيران للقرى. ومن أمثلة الباب أيضاً قول المتنبي كامل: لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها فإنه إنما خص الميمات دون غيرها من الحروف، لكونها تشبه الحوافر من جهة استدارتها، فإن قيل: إن كان أراد تشبيه الحوافر فالعدول إلى العينات أولى، لأنها بالحوافر أشبه، ولا سيما عنده، حيث شبه الحافر بالعين، في قوله لسيف الدولة منسرح:

стр. 416

أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد قلت: يترجح ذكر الميمات دون العينات لوجهين: أحدهما أن الميمات في الكلام أكثر من العينات، لأنها تقع أصلاً وزائدة، والعينات لا تقع إلا أصلية، والثاني أنها أصغر شكلاً، واختصاص ما هو أصغر وأكثر في باب الإحصاء أمدح للموصوف بالإحصاء من ذكر ما هو أقل وأكبر وإنما مدحه بالإحصاء في حالة الركض، لأن الإحصاء يدل على ثبات الجأش وحضور الحس وعدم الدهش والطيش في وقت الركض. ومن دقيق ما وقع في البيت من ملاءمة الألفاظ بعضها لبعض الدالة على الائتلاف قوله: مهره ولم يقل طرفه لكونه الطرف يقع على المهر، وعلى القارح فيتخلص من الاشتراك الموجب عدم الملاءمة لأن صغر حافر المهر ملائم لصغر شكل الميم، فحصل في البيت إدماج الائتلاف في المبالغة وتعليق المدح بالنبات بالوصف، وهذا من ألطف ما وقع في هذا الباب. ومن بديع أمثلة هذا الباب قول عنترة، وهو مما يسأل عنه كامل: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سوداً كخافية الغراب الأسحم

стр. 417

فإن لفظة الحمولة تدل على الرحيل، وكذلك كونها وسط الديار وعلوفتها هذا الحب المخصوص يدل على بعد الرحلة، فإنه حب يقوي أعصاب الإبل، وهذا العدد من الحلوبات السود الصقيلة الحسان يدل على كثرة المال وانتخابه، وكذلك لا يكون إلا للملوك، فهو يدل على أن المعشوقة من بنات الملوك، وفي ذلك فخر لمن يميل إليها، والله أعلم.

стр. 418

باب الاتفاق وهو أن تتفق للشاعر واقعة تعلمه العمل في نفسه، فإن للسبق إلى معاني الوقائع التي يشترك الناس في مشاهدتها أو سماعها فضلاً لا يجحد، كما اتفق لبعض شعراء مصر، ويقال إنه الرضى بن أبي حصينة، وقد أغزى الملك الناصر صلاح الدين حاجبه حسام الدين لؤلؤ الإفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، فظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة في تهنئته مخاطباً للإفرنج بسيط عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير ثم قال بعد أبيات مخاطباً للملك الناصر ﵀ بسيط فأمر حسامك أن يحظى بنحرهم ... فالدر مذ كان منسوب إلى البحر وكما قال ابن الساعاتي وقد قصد الملك الناصر ﵀ بيت يعقوب من حصون الشام فقال مخاطباً الإفرنج طويل: دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف وكما اتفق لي وقد لقي الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب بن

стр. 419

عمه الملك الظافر الخضر بن يوسف بن أيوب رحمهم الله تعالى بملتقى الخابور والفرات، فاتفق لي أن قلت طويل: غدا مجمع البحرين شاطئ فراتنا ... ألم تر موسى فيه قد لقى الخضرا وكما قلت عند اجتماع الملك الأشرف هذا بأخيه الملك الكامل رحمهما الله تعالى بمصر من قصيدة أهنئ فيها مصر بذلك مخبراً عنها طويل: تقول وموسى قد أتى لمحمد ... أهل ليلة الإسراء عاد بها الدهر؟! وكقولي من قطعة هنأت بها فخر الدين عثمان بن قزل رحمه الله تعالى بمولودين جاءاه في ليلة واحدة " مجتث ": ليهن علياك بدرا ... ن زينا الخافقين الآن صرت يقينا ... عثمان ذا النورين ومن الاتفاق أن يتفق للشاعر أسماء لممدوحه ولآبائه يمكنه أن يستخرج منها مدحاً لذلك الممدوح، ولو لم تتفق تلك الأسماء على ما هي عليه لما اتفق استخراج ذلك المدح، كقول أبي نواس كامل: عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع وقد وقع في هذا البيت مع لطيف الاتفاق مليح الازدواج في قوله: عباس عباس، والفضل فضل ... والربيع ربيع ولأبي نواس

стр. 420

من القسم الأول من الاتفاق ما لم يتفق مثله في مرثية يرثى بها خلفاً الأحمر منسرح: وكان ممن مضى لنا خلفاً ... وليس إذ بان منه من خلف فإنه اتفق له من اسم المرثي تورية حسنت موقع هذا البيت إلى أن أتى في الطبقة العليا والغاية القصوى.

стр. 421

باب النوادر وهو الذي سماه قدامة قديماً الإغراب والطرفة، ولم يفرد له باباً في المحاسن فاذكره في أبوابه، وسماه من بعده التطريف، وسماه قوم النوادر، وقوم أبقوا عليه تسمية قدامة، وأفردوه باباً، فتبعتهم في ذلك، وأتيت به، وهو آخر أبواب من تقدمني من جميع الناس في غالب ظني وهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في كلام الناس وليس من شرطه على رأي قدامة فيه غير ذلك وقال: لا يكون في المعنى إغراب إلا إذا لم يسمع مثله، والاشتقاق يعضد التفسير الثاني، والشواهد تعضد تفسير قدامة، لأن شواهد الباب وقع فيها ما يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه، وما يجوز أن يكون قد سبق إليه على قلته، واستدل قدامة على مراده بقول الناس: ورد طريف غريب، إذا جاء في غير وقته، أما كونه لم يرقط فهذا محال، وإنما المراد لم يوجد مثله في ذلك الزمان. ومن أمثلته للأوائل مدح زهير للفقراء والأغنياء معاً فإنه غريب، إذ

стр. 422

العادة جارية بمدح الأغنياء غالباً، لأنه يقال: ما سمع قط مدح فقير حتى قال طويل: على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل ومن الغريب الطريف قول أبي تمام كامل: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس ومن الغريب الطريف أيضاً قول دريد طويل: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل من ماجد محض فإنه ما سمع من مدح من لا يعرفه قبله، وتبعه أبو نواس في ذلك فقال في القطعة التي أولها طويل: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس

стр. 423

ولم أدر منهم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس ومن الإغراب اللطيف قول القائل كامل: عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا إن كان في الليل البهيم تبسطوا ... خفراً وفي الصبح المنير تقبضوا ولقد سمعت وما سمعت بمثلها ... بيتا غراب البين فيه أبيض ومن لطيف الإغراب وطريفه قول بعضهم " البسيط ": ظلت تبشرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك وقد كنا على حذر فقلت للعين أما كنت صادقة ... إني ببشراك لي من أسعد البشر فما جزاؤك عندي لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن أحبوك بالنظر وأستر المقلة الأخرى فأحجبها ... عن أن تراك كما لم تأت بالخبر ومن الإغراب قسم آخر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى متداول معروف ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المعروف غريباً طريفاً، وينفرد به دون كل من نطق بذلك المعنى، وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر متداول معروف، فلما أراد أبو تمام ارتكاب هذا المعنى، وفطن إلى أنه قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله تحيل له في زيادة طريفة لم تقع لغيره يصير بها المعنى غريباً بعد أن كان معروفاً، فقال طويل: فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع

стр. 424

فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع فإن حاصل كلامه تشبيه المرأة الموصوفة بالشمس، لكن التشكيك الذي أدخله في كلامه وذكر يوشع بعد إغرابه في التوطئة بإخباره بان هذه المرأة ردت بها الشمس برغم الليل، نقل المعنى من المعرفة إلى الغرابة، فلا جزم أنه استحقه بذلك دون كل من تناوله، ودون المبتدئ به ومن هذا القسم قول المتنبي بسيط يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع فإنه عمد إلى المعنى المعروف في هذا الفن من كون الطير تقع على القتلى وتتبع الجيوش ثقة بالشبع، فتجاوز بزيادة المبالغة المستحسنة إلى ما قال، والذي حسن البيت جداً إتيانه فيه بلفظة " تكاد " فإنها قلبت المستحيل ممكناً، فساغت المبالغة، وحصل له ما أراد من الإغراب والطرفة. ومن الإغراب أيضاً قول ابن شرف القيرواني كامل: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم لو لم يبغضه عنده ابن رشيق حين أنشده إياه وقال: هل سمعت بهذا المعنى؟ فقال: سمعته وأخذته أنت أفسدته، فقال: ممن؟ فقال: من النابغة الذبياني حيث قال: طويل

стр. 425

وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرى يكوي غيره وهو راتع فأما إفساده فلأنك قلت في صدر بيتك إنك عوقبت بجناية غيرك، ولم تعاقب صاحب الجناية. ثم قلت في عجز بيتك: إن صاحب الجناية قد شركك في العقوبة: فناقض معناك، وذلك أنك شبهت نفسك بسبابة المتندم، وسبابة المتندم أول شيء يتألم في المتندم، ثم يشركها المتندم في الألم فإنه متى تألم عضو من الحيوان تألم كله لأن المدرك من كل مدرك حقيقته، وحقيقته على المذهب الصحيح هي جملته المشاهدة منه، والمكوى من الإبل: يألم وما به عر البتة، وصاحب العر لا يألم جملة، فمن هاهنا أخذت المعنى وأفسدته، غير أن ابن شرف هذا له في هذا الباب ما لا يلحق، وهو قوله " رمل ": قلم قلم أظفار العدا ... وهو كالإصبع مقصوص الظفر أشبه الحية حتى أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر والبيت الثاني أردت، وأما الأول فهو من باب الإغراب في البرد لأنه لا نكاية للعدى في تقليم أظفارهم، بل ذلك مما يحسن صورهم، ويزداد به نشاطهم، ويماط به الأذى عنهم عند تناول الطعام والشراب، وتقبل بذلك النفوس عليهم، ولا يقال: إنه أراد بالأظفار السلاح، فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلم، إذ ليس في الكلام ما يشعر بهذه الاستعارة
следующие страницы →