Полный текст (537 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
كالقسي المعطفات بل الأس؟ ... هم مبرية بل الأوتار
وصلت إلى الغاية في الشعر، لأنه جمع مع الاستقصاء المبالغة والرمي على الترتيب، على مقتضى البلاغة، والتتميم في موضعين، في قوله: المعطفات، وقوله: مبرية والإيغال في القافية، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك ما لا يلحق سبقاً، وهو قوله تعالى: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " فانظر إلى استقصاء هذا المعنى حين لم يبق فيه بقية لأحد، وذلك أنه بعد قوله: " جنة من نخيل وأعناب " قال: " تجري من تحتها الأنهار " وكمل الوصف بقوله: " له فيها من كل الثمرات " فأتى بكل ما في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ثم قال " وأصابه الكبر " ثم استقصى المعنى الذي يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر " وله ذرية " ولم يقتصر على كونه له ذرية حتى قال: " ضعفاء " ثم ذكر استئصالها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال: " فأصابها إعصار فيه نار " فلو اقتصر على ذكر الإعصار لكان كافياً، لكن لما علم الله سبحانه: " فيه نار ثم أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يقوم إحراقها بإطفاء أنهارها وتجفيف كل أوراقها وثمارها، فأخبر بإحراقها احتراساً من ذلك،
стр. 457
وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم يبق في المعنى المقصود موضع استدراك، والفرق بين الاستقصاء والتتميم، والتكميل كون التتميم يرد على معنى ناقص فيتمم بعضه، والتكميل يرد على التام فيكمل وصفه، والاستقصاء له مرتبة ثالثة، فإنه يرد على الكامل فيستوعب كل ما تقع عليه الخواطر من لوازمه، بحيث لا يترك لآخذه مجالاً لاستحقاقه من هذه الجملة، والله أعلم.
стр. 458
؟
باب البسط
وهو أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل، فيدل عليه باللفظ الكثير ليضمن اللفظ معاني أخر يزيد بها الكلام حسناً، لولا بسط ذلك الكلام بكثرة الألفاظ لم تحصل تلك الزيادة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها " فانظر هداك الله إلى هذا البسط في الآيات الكريمات بالنسبة إلى قوله في غير موضع. من القرآن: " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " لتعلم أنه بسط سبحانه الكلام في هذه الآية ليفيد البسط معاني من تفصيل الأخبار، وإيضاح المعنى وتفسير ذلك الإجمال، وإخراجها مخرج التفريع لمن جعل لله ﵎ أنداداً من مخلوقاته فإن قلت التفريع يحصل بقوله: " الله
стр. 459
الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " فما فائدة البسط؟ قلت فائدته جليلة، فإن الاستدلال بما قرب من نظر الخصم أوضح من الاستدلال بما بعد، فإن تقدير أقوات الحيوان البري والبحري، وتخصيص كل صنف بقوت مألوف يميل إليه بطبعه، كاللحوم للسباع، والحب للبهائم، والأوساخ وما أشبهها للهمج، والبقول وسائر الخضروات لغير هذه الأصناف، وجميع بعض أصناف الحيوان البهيم البري والبحري، وتركه تلك الأقوات الموجبة لكفاية ما يخرج من الأرض من جميع الحيوان أقرب لفهم المخاطب، ولاحتمال أن يقع في بعض النفوس أن هذه الأمور من صنع السموات والأرض، لا من صنع صانعهما كما يعتقد بعض الناس فاقتضت البلاغة أن يقدم ذكر الأرض لقربها من المخاطب، ولأن الأنداد منها كالحجارة التي نحتت وعبدت والأنصاب التي نجرت من الأخشاب، والصور التي اتخذت من المعادن، وليعرف بعظمة قدرته في خلقه الأرض كلها في يومين، ثم ثنى بذكر الجبال التي تثبت الأرض، وتكون الجواهر المعدنية منها.
ثم يذكر البركة التي لولاها لما نبت النبات، ولا عاش الحيوان، ولا تنوع الجماد، ولا حصلت المنافع التي بها قوام الأجسام، ممتناً بذلك على عباده، وحق له الامتنان، ثم ثلث بذكر تقدير الأقوات، ليحض بذلك على التوكل، ويبعث النفوس على الاشتغال عن الفكر في التكسب بصالح الأعمال، ثم أخبر أن ذلك كله في يومين آخرين، بقوله سبحانه: " في أربعة أيام " يعني. والله أعلم. أنه أرسى الجبال وبارك في الأرض
стр. 460
وقدر فيها أقواتها، مع خلقه لها في أربعة أيام، ثم ختم بذكر خلق السموات السبع، والعناصر الأربعة، إذ هي سموات بالنسبة إلى المخاطب، غير أنه أفرد من ذلك السموات السبع بالذكر، منبهاً على فضلها بالنسبة إلى العناصر وعظمتها، وما تعرف العرب وغيرهم من نجومها، والهداية بها، وأنوائها، وإنزال الغيث من جهتها، ومقدمات ذلك من الرعد والبرق والرياح، ومنافع النيرين، ثم أخبر سبحانه أنه خلق ذلك كله في يومين ثم اقتصر في هذه الآية الكريمة على ذكر الأفلاك السبعة دون الفلكين الآخرين، منطقة البروج والأطلس، لكون السبعة هي المعروفة عند العرب الذين نزل عليهم القرآن وجاء بلسانهم، لأن معرفة الفلكين الآخرين موقوفة على علوم ليست من علوم العرب، فإن قلت: فالعرب تعرف الأنواء وكواكبها في الفلك الثامن، فلم اقتصر على ذكر السبعة دونه؟ قلت: إنما عرفت الأنواء بالقمر لحلوله في المنازل، ومسير القمر أسرع مسير، وهي كثيراً ما تتأمله، لسفرها فيه وسراها، وعرفت الكواكب السيارة لقرب سيرها بالنسبة، وعرف مسير المنازل أيضاً بحركاتها القسرية وأما حركة فلكها التي دلت عليها كواكبه الثابتة، فليس من علوم العرب وإن كانت تعرفها، كما ذكرت تنقل القمر، وقد ذكره الله سبحانه على انفراده، وخصه من بين الأفلاك السبعة بالذكر لميزته، فقال تعالى: " والسماء ذات البروج " فأفاد سبحانه بهذا البسط حصول ضروب
стр. 461
من البديع في الكلام لولا البسط لم تحصل، وهي المذهب الكلامي والإدماج والإرداف والتفسير.
فأما المذهب الكلامي ففي قوله تعالى: " ذلك رب العالمين " فإنها نتيجة قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء " إلى قوله سبحانه: " قالتا أتينا طائعين " فإن تقدير الكلام في ذلك والله أعلم. لا تطيع السماء والأرض إلا رب العالمين، فإنهما عبارة عن العالمين، وقد أطاعت الله سبحانه فهو رب العالمين، والإدماج: إدماج الإرداف في المذهب الكلامي، لأنه وهو أعلم أن يقول: " قل أئنكم لتكفرون " بالقادر المطلق، فعدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ هو ردفه حيث قال: بالذي فعل وصنع وعدد من قدرته ما لا يقدر عليه غيره، والتعليق في كونه ﵎ علق فن الفخر بفن العتاب، إذ وصف نفسه صادقاً بما هو أهله، وأثنى على ذاته بما يستحقه في ضمن العتب الموبخ، والتقريع المثرب حيث قال: أئنكم لتكفرون، وتجعلون، والتفسير في قوله " ذلك رب العالمين " فإنه أتى بهذه الجملة مفسرة لذلك الإجمال الذي في قوله تعالى: الذي خلق وفعل وصنع، فأتى بالصفات قبل ذكر الموصوف، ولما أراد تبيين ذكر الموصوف وتعريفه قال سبحانه: " ذلك رب العالمين " فهذه فائدة البسط والإطناب في الكلام الذي عدل فيه عن الإيجاز والاختصار.
стр. 462
ومما جاء من ذلك في السنة النبوية قوله ﷺ : " إن الدين النصيحة " قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم " وحاصل هذا الكلام إذا ورد من طريق الاختصار أن يقول بعد تخصيص الله تعالى بالذكر وكتابه ونبيه أن يقول: وللمسلمين فإنها لفظة جامعة للأئمة وللعامة، فبسط هذه اللفظة ليفرد الأئمة بالذكر من جملة المسلمين، ولم يمكن الاقتصار على الأئمة فيكون المعنى ناقصاً، إذ تمامه لا يكون إلا بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى بعد تخصيص من يجب تخصيصه بالذكر، والله أعلم.
ومن شواهد البسط الشعرية للمتقدمين قول امرئ القيس كامل:
نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل
فإن حاصل البيت تشبيه عين هذه الموصوفة بعين الظبية، فبسط الكلام ليزيده البسط معنى لولاه لم يوجد فيه، فإن لنظر الظبية إلى خشفها عاطفة عليه بحنو واشفاق من الحسن ما ليس لمطلق نظرها أو لنظرها في غير هذه الحالة.
ومن أمثلته للمحدثين قول ابن المعتز في الخيري منسرح:
قد نفض العاشقون ما صنع ال؟ ... دهر بألوانهم على ورقه
فإن حاصل هذا المعنى الإخبار بصفرة الخيرى فبسط هذا اللفظ
стр. 463
الذي لو اقتصر عليه حصل به المراد، لما في البسط من إدماج الغزل في الوصف بغير لفظ التشبيه، ولا قرينته المعتادة، إذ هو من قسمي التشبيه اللذين بأداة وبغير أداة، بل تشبيه لا ظاهر ولا مقدر يفهم من فحوى الخطاب، إذ مفهوم اللفظ أن صفرة الخيرى تشبه صفرة ألوان المهجورين.
من هذا الباب أيضاً قول البحتري وقد تقدم في باب حسن الإتباع كامل:
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء
فإن حاصل البيتين أنك قطعتني عنك خجلاً من كثرة عطائك، فبسط هذا الكلام لتحصل زيادات من البديع لولا البسط ما حصلت كالطباق في البيت الأول، بذكر السواد والبياض، والمقابلة في البيت الثاني بذكر الصلة والقطيعة، والغدو والرواح، والبر والجفاء، وعلى هذا فاعتبر ما تسمعه من الكلام الذي يقع فيه مثله، وقسه عليه.
والفرق بين البسط والاستقصاء أن الاستقصاء هو حصر كل ما يتفرع من المعنى ويتولد عنه، ويكون من سببه ولوازمه، بحيث لا يترك فيه موضعاً قد أخلقه بجدة الآخذ له، فيستدركه ليستحقه بذكره، والبسط نقل المعنى من الإيجاز إلى الإطناب بسبب بسط العبارة عنه، وإن لم يستقص كل ما يكون من لوازمه، والله أعلم.
стр. 464
؟
باب الهجاء في معرض المدح
وهو أن يقصد المتكلم إلى هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهه ظاهرها المدح وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول بعضهم في بعض الأشراف وافر:
له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
فأما ألفاظ البيت الأول على انفرادها فلا تكاد تصلح إلا للمدح ولا يفهم منها غيره؛ وأما البيت الثاني لو انفرد أيضاً لما فهم منه مدح ولا هجاء، وكان إلى باب من الأبواب أقرب من هذين البابين، لكمه لما اقترن بالأول أهل نفسه وأخاه للهجاء، وعدل بألفاظهما عن الثناء وحصل من اجتماعهما ما ليس لكل منهما على انفراده.
ومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول عبد الصمد بن المعدل أو أبي العميثل في أبي تمام وقد كانت في لسانه حبسة رمل مجزوء:
يا نبي الله في الشع؟ ... ر ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الله ... ما لم تتكلم
стр. 465
فإن حال هذين البيتين حال البيتين اللذين قبلهما، إذ الأول منهما إذا انفرد كان مدحاً محضاً، وإ؟ ذا اجتمعا صار هجواً بحتاً، غير أن ثاني الآخرين مخالف لثاني الأولين.
ومن ملح هذا الباب قول السعيد بن سناء الملك ﵀ في قواد سريع:
لي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأني حسن الإحتيال
لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال
يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال
وهذا النمط غير النمط الأول الذي قدمناه، وهذا من لطيف التوجيه، ولقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد ﵀ في هذا المقطوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم وانتحل هاتين الشيمتين دون بقية الشيم، وهو ممن يتهم سريع:
ابن فلان أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه
يستحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدخل على نفسه
وكل توطئة وقعت في هذا النمط الثاني صالحة للمدح البحت فإذا اقترنت بأبيات المعاني انقلب ما كان فيها مدحاً تهكماً، وصارت هي بنفسها هجاء، والذي أفرد هذا الباب بنفسه عن باب التهكم مع أن الذي فيه من المدح تهكم هو أن التهكم لا تخلو ألفاظه من لفظة من اللفظ الدال
стр. 466
على نوع من أنواع الذم، أو لفظة يفهم من فحواها الهجو، وسيأتي بيان ذلك في باب التهكم، وألفاظ المدح في هذا الباب لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال مفرقة ومجتمعة تدل على مجرد المدح حتى يقترن بها ما يصرفها عن ذلك، وشواهد التهكم لا تخلو عن ألفاظ التهكم في أبيات التوطئة، وأبيات المعاني، وما يقع في هذا الباب من التهكم إنما يقع في التوطئة دون أبيات المعاني، والله أعلم.
стр. 467
باب العنوان
وهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أبو مدح أو هجاء أو عتاب أو غير ذلك، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنواناً لأخبار متقدمة، وقصص سالفة، كقول أبي نواس بسيط
يا هاشم بن خديج ليس فخركم ... بقتل صهر رسول الله بالسدد
أدرجتم في إهاب العير جثته ... لبئس ما قدمت أيدكم لغد
إن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلت ... حجراً بدارة ملحوب بنو أسد
ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت بالولد
ورب كندية قالت لجارتها ... والدمع ينهل من مثنى ومن وحد
ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية ... عن ثأره وصفات النؤي والوتد
فقد أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبي بكر، وقتل حجر أبي امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند
стр. 468
كندة في ضمن هجاء من أراد هجوه، ومعيرة المهجو بما أشار إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته وملوكهم، ومثل ذلك قول أبي تمام في استعطافه مالك بن طوق على قومه كامل:
رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كلاب
وهم بعين أباغ راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحراب
وليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب
فمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب
ثم قال بعد ذلك: كامل
لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب
стр. 469
أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملاً ورد أخائذ الأحزاب
والجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب
حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب
ورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحاً ... عن ذكر أحقاد وذكر ضباب
فانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات من العنوانات من السيرة النبوية وأيام العرب كيوم الكلاب، وأخبار بني جعفر بن كلاب مع ابن عمهم جواب، وكقوله أيضاً لأحمد بن أبي دواد: وافر:
تثبت إن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك في زياد
فأرث بين حي بني جلاح ... لظى حرب وحي بني مصاد
وغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدر على ذات الإصاد
فأتى بعنوان مشيراً إلى قصة النابغة حين وشى به الواشون إلى النعمان،
стр. 470
وما جر ذلك السعي من الحروب التي انطوت عليها قطعة من أيام العرب، وكقوله لابن أبي دواد أيضاً: كامل
فاسمع مقالة زائر لم تشتبه ... آراؤه عند اشتباه البيد
أسرى طريداً للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبة بطريد
كنت الربيع أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد
فالغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد
وغدا تبين ما براءة ساحتي ... لو قد نفضت تهائمي ونجودى
هذا الوليد رأى التثبت بعد ما ... قالوا يزيد بن المهلب مودى
فتزحزح الزور المؤسس عنده ... وبناء هذا الإفك غير مشيد
وتمكن ابن أبي سعيد من حجى ... ملك بشكر بني الملوك سعيد
ما خالد لي دون أيوب ولا ... عبد العزيز ولست دون وليد
نفسي فداؤك أي باب ملمة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد
لما أظلتني غمامك أًصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودي
من بعد ما ظنوا بأن سيكون لي ... يوم ببغيهم كيوم عبيد
نزعوا بسهم قطيعة يهفو به ... ريش العقوق فكان غير سديد
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... ما كان يعرف فضل عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود
العنوانات في بعض هذه الأبيات، وإنما جئت بجملتها لئلا يتجرأ حسنها، فمن عنواناتها إشارته إلى خبره مع ابن أبي دواد فيما نقل عنه من غضه من مضر على سبيل الحسد له، حتى حجبه عنه وجفاه، ولم يرجع إليه
стр. 471
إلا بشفاعة خالد بن يزيد الشيباني، ثم ذكر قصة يزيد بن المهلب حين هرب من حبس الحجاج، وكتب فيه إلى الوليد بما أحفظه عليه، حتى حلف على قتله، فاستشفع بسليمان أخيه، واستجار به، فأجاره، وأرسل به مع ولده أيوب، وولد الوليد عبد العزيز، ووصى ولده ألا يدع يده من يده إلا بعد أمانه، وألا يوصل إليه بسوء إلا بعد قتله، ثم أشار إلى قصة عبيد بن الأبرص مع النعمان حين لقيه في ويوم بؤسه وقتله، وهذه القصص معروفة عند الأخباريين، فلم أطل بسياقة تفاصيلها، والكتاب العزيز محشو بعنوانات العلوم، فمنها قوله سبحانه: " ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد " الآية، فإن فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية، ومن ذلك قوله تعالى: " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب " وهذا عنوان العلم المنسوب إلى أقليدس، لأن المثلث الشكل أول أشكاله، وهو أصل الأشكال، وهو شكل إذا نصب في الشمس لا يوجد له ظل لتحديد رؤوس زواياه، والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين " ثم ذكر سبحانه في تفسير ذلك ملكوت السموات،
стр. 472
مدمجاً فيه ملكوت الأرض، فإن أفول الكواكب والنيرين إنما يكون بما يحول بين الأبصار وبينها من مخروط ظل الأرض، وهذا عنوان العلم المعروف بالمجسطي والله أعلم وقوله تعالى في بقية الآية المذكورة: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " إلى آخر الآية، وهذا عنوان علم الكلام في ترتيب نظم الدليل على حدوث العالم بما دل عليه أفول الكواكب من التغيير، والله أعلم.
стр. 473
باب الإيضاح
وهو أن يذكر المتكلم كلاماً في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه، كقول الشاعر طويل:
يذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل
فإن هذا الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع، لجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعده طويل:
فألقاك عن مكروهاً متنزها ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل
أوضح المعنى المراد، ورفع اللبس، وأوضح الشك وقد يكون الإيضاح في الوصف الذي لا يتعلق به مدح ولا هجاء، وذلك أن يخبر المتكلم بخبر واحد عن شيء واحد يقع التعجب منه، ويشكل الأمر فيه، ثم يوضح ذلك الإشكال بأن يخبر عنه بما يفهم منه كشف اللبس عن الجزء الأول، كقول ابن حيوس الدمشقي كامل:
стр. 474
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
فإنه لو اقتصر على البيت الأول أشكل الأمر على السامع من جهة الوجه وإن كان حسناً لا يغني به النديم عن الخمر فأوضح اللبس في البيت الثاني. والفرق بين الإيضاح والتفسير أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال، لأن المفسر من الكلام لا يكون فيه إشكال ألبتة، وقد جاء من الإيضاح في الكتاب العزيز قوله تعالى " كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل " فإنه لو قدر الاقتصار على هذا المقدار لالتبس الأمر على المخاطب لكونه لا يدري هل أراد الله تعالى بقوله حكاية عنهم " هذا الذي رزقنا من قبل " الإشارة إلى صنف الثمرة، أو مقدار اللبس بقوله " وأتوا به متشابهاً " يعني والله أعلم أشياء يشبه بعضها بعضاً، وهي متغايرة الأصناف، لأن الوجه الثاني يوجب اللبس الذي وقع الفرار منه، لأنه لا يدري هل قولهم: " هذا الذي رزقنا من قبل " أي غير ما رزقنا، وحقيقته أو غيره، لكنه هو في المقدار مثله، فلما قال سبحانه:
стр. 475
" وأتوا به متشابهاً " ارتفع هذا اللبس أيضاً لكون البلاغة تقتضيه، وإنما اقتضته البلاغة لكونه من المعلوم، إذ المداومة على مأكول واحد توجب السأم والملل، وإن كمال التنعم وتمام التفكه التلون في المطاعم، والتفنن في المآكل، فعلم من فحوى الخطاب أنه أراد سبحانه وهو أعلم الصنف لا المقدار ومن الإيضاح قوله تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم " وقال في غير هذا الموضع " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " ثم قال سبحانه في الأولى: " نحن نرزقكم "، وفي الثانية: " نحن نرزقهم "، وإيضاح هذا الإشكال أن يقال: إنه سبحانه لما قال في الأولى " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق " دل هذا اللفظ على أن الفقر كان حاصلاً بقتلهم الأولاد بسبب وجوده، فلا جرم أنه قال: " نحن نرزقكم " أي ما يغني فقركم، ولما قال في الثانية " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق "، دل على أنهم أغنياء وإنما هم يخشون الفقر فلا جرم أنه قال: نحن نرزقهم، أي لا تظنوا أنكم ترزقون الأولاد من رزقكم فتفتقرون، نحن نرزقهم.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: " إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " فلقائل أن يقول: لم قدم التمدح بذكر الحب قبل النوى؟ ولم قال سبحانه: يخرج الحي من الميت، بلفظ
стр. 476
الفعل؟، ثم قال: " ومخرج الميت من الحي " بلفظ الفاعل، والجواب أن يقال: تقديم الحب على النوى من المهم، والبلاغة تقديم المهم، كما قيل: إن المهم المقدم فإن ما كان مهماً فتقديم التمدح به أولى، لأنه قوت المخاطب وقوت دوابه، وذكر ذلك إنما هو في معرض الاعتداد بالنعم عليه، فكان تقديمه أولى، والنوى إنما ذكر لتتميم المعنى، ليكمل التمدح فإنه في ذكره إشارة إلى الاعتداد على المخاطب بما يتفكه به، وطريق التهذيب والترتيب أن يكون ذكر ما يتفكه به بعد ذكر الأقوات التي لا غنى عنها، ولا بد للحيوان منها.
وأما قوله: " يخرج الحي " بلفظ الفعل عند تقديم إخراج الحي لما في الحي من الحركة التي تعينه عند الخروج، فخروجه أسهل على مخرجه من خروج الميت من الحين فاقتضت البلاغة تقديمه بلفظ الفعل المقتضى للحال والاستقبال ليكون ذكر خروج الميت بعده انتقالاً من الأدنى إلى الأعلى، وجعل خروج الميت مستنداً إلى لفظ الفاعل المضاف الدال على المضي ليكون خروج الأصعب مفروغاً من وقوعه، ليكون أدل على القدرة وأبلغ في التمدح، والله أعلم.
ومن الإيضاح نوع يتقدم الإيضاح فيه على الإشكال كقوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " إذ لو لم تتقدم تسمية النساء بالحرث، وهو موضع الزرع لوهم متوهم من قوله " أنى شئتم " إباحة الوطء في غير المكان المشروع، والله أعلم.
стр. 477
باب التشكيك
وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تشكك المخاطب هل هي حشو أو أصلية لا غنى بالكلام عنها، مثل قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " فإن لفظة " بدين " تشكك السامع هل هي فضلة، إذ لفظة " تداينتم " تغني عنها، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية، لأن لفظة الدين لها محامل، وتقول: داينت فلاناً المودة يعني جازيته ومنه " كما تدين تدان ". ومن ذلك قول رؤبة " رجز ".
داينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضاً وأدت بعضا
وأمثال هذا.
وكل هذا هو الدين المجازى الذي لا يكتب ولا يشهد عليه، ولما كان المراد في الآية الكريمة تبيين الدين المالي الذي يكتب ويشهد عليه وفيه، وتبيين الأحكام المعلقة به، وما ينبغي أن يعمل فيه، أوجبت البلاغة أن تقول " بدين " معناه يكتب ويشهد فيه، ليقول: " فاكتبوه "، والله أعلم.
стр. 478
ومن التشكيك ضرب آخر، وهو أن يأتي المتكلم بجمل من المعاني في كلامه، كل جملة معطوفة على الأخرى بأو التي هي موضوعة للتشكيك لا التي للتخيير والإباحة، كقول البحتري سريع:
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو بر أو أقاح
ومن التشكيك نوع التبس على بعض المؤلفين حتى أدخله في باب تجاهل العارف، وهو أن يرى المتكلم شيئاً شبيهاً بشيء فيشكك نفسه فيه، لقصد تقريب المشبه من المشبه به، ثم يعود عن المجاز إلى الحقيقة، فيزيل ذلك التشكيك، فإن لم يعد إلى الحقيقة فهو تجاهل العارف وإن عاد فهو التشكيك المحض، وهو كقول سلم طويل:
تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غنى اللون عن أثر الورس
فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية ما هاهنا مطلع الشمس
فانظر كيف رجع إلى التحقيق بعد التشكيك، وقد خفى هذا الفرق عن ابن رشيق وغيره حتى أدخلوه في باب تجاهل العارف، وهذا خلاف قول أبي تمام طويل:
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع
فإن سلماً رجع عن التشكيك وأبو تمام لم يرجع، فكان بيت سلم من التشكيك المحض، وبيت حبيب من تجاهل العارف، وقد ظهر الفرق بين البابين، والله أعلم.
стр. 479
باب الحيدة والانتقال
وهو أن يجيب المسؤول بجواب لا يصلح أن يكون جواباً عما سئل عنه، أو ينتقل المستدل إلى الاستدلال غير الذي كان آخذاً فيه، وإنما يكون هذا بلاغة إذا أتى به المستدل بعد معارضة بما يدل على أن المعترض لم يفهم استدلاله، فينتقل عنه إلى استدلال يقطع به الخصم عند فهمه، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇ في قوله للجبار: " ربي الذي يحيي ويميت " فقال الجبار: " أنا أحيي وأميت " ثم دعا بإنسان فقتله، ودعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه، فلما علم الخليل أنه لم يفهم معنى الإماتة والإحياء اللذين أرادهما انتقل إلى استدلال آخر فقال: " إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب " فأتاه باستدلال لا يجد لاسمه اسماً مشتركاً معه، فتعلق بظاهره على طريق المغالطة، أو لأنه لم يفهم إلا ذلك الوجه الذي تعلق به، فلا جرم أن الجبار انقطع وأخبر الله سبحانه عنه بذلك حيث قال تعالى: " فبهت الذي كفر " وفيه نوع يحيد المسئول عن خصوص الجواب إلى عمومه، لتفيد تلك الحيدة زيادة بيان لا تحصل بخصوص الجواب
стр. 480
كقول عائشة ﵂ وقد سألتها امرأة أتدخل المرأة الحمام؟ فقالت: " كل امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد عصت " أو كما قالت: " فانظر إلى حيدتها عن الخصوص إلى العموم، لتفيد زيادة في البيان، وتستوعب جميع أحكام الباب " صواب الحديث: ما من امرأة خلعت ثيابها في غير بيتها، إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب. فهذا مثال ما يأتي من الحيدة بسبب سوء فهم الخصم أو لقصد الزيادة المفيدة.
وأما ما يأتي بسبب صحة المعارضة على طريق المغالطة كقول الشاعر منسرح:
رأيته في الظلام منبطحاً ... يضرب في باب سرمه بوق
فقلت ماذا؟ فقال يبهتني ... أنت تقول القرآن مخلوق
وقول الآخر منسرح:
قالت أحب العذار أول ما ... يبدو على الخد غير معوج
قلت: اسكتي لا يقال لائطة ... قالت: وإلا عذارك الثلجى
стр. 481
باب الشماتة
وهو إظهار المسرة بمن نالته محنة، أو أصابته نكبة، ولم أستمع في ذلك مثل قول ابن الرومي كامل:
لا زال يومك عبرة لغدك ... وبكت بشجوعين ذي حسدك
فلئن بكيت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك
يا نعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدي ... لما غدت ناراً على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النقص في عددك
لم يبق لي مما برى جسدي ... إلا بقايا الروح في جسدك
وقد جاء من الشماتة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " فلفظة " ذق " شماتة، وبقية الكلام تهكم.
وأما الشماتة المحضة في القرآن فقوله تعالى لفرعون: " آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ".
стр. 482
باب التهكم
يقال: تهكمت البئر إذا تهدمت، وتهكم عليه: اشتد غضبه. والمتهكم المتكبر وقال أبو زيد: تهكمت: تعتبت، وهكمت، عيرته تهكيماً عبته، وعلى هذا يكون التهكم إما لشدة الغضب قد أوعد بلفظ البشارة أو لشدة الكبر وتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك أو ذكر بفعله عند العقوبة على سبب المعيرة له، فهذا أصله.
وهو في الاستعمال عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة من الكتاب العزيز قوله تعالى: " بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً " وقد مر في الباب الذي قبله قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " وهو شاهد الاستهزاء بلفظ المدح.
ومن التهكم قول الزمخشري في تأويل قوله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " قال: هم الحرس من حول
стр. 483
السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم به، فإنهم لا يحفظونه من أمر الله في الحقيقة إذا جاء، والله أعلم.
ومنه أيضاً قوله تعالى: " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين " فقوله سبحانه " إيمانكم " تهكم، والله أعلم.
ومن السنة قول الرسول ﷺ " بشر مال البخيل بحادث أو وارث ".
وشاهد المدح في موضع الاستهزاء قول ابن الذروى في ابن أبي حصينة من أبيات خفيف:
لا تظنن حدبة الظهر عيباً ... فهي في الحسن من صفات الهلال
؟ وكذاك القسي محدودبات وهي أنكى من الظبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال
وذنابى القطاة وهي كما تع ... لم كانت موصوفة بالجلال
وأرى الانحناء في منسر البا ... زي لم يعد مخلب الرئبال
كون الله حدبة فيك إن شئ ... ت من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود حلمٍ ... طال أو موجةً ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنت ... لو غدت حليةً لكل الرجال
ثم ختمها بقوله:
وإذا لم يكن من الهجر بدٌ ... فعسى أن تزورني في الخيال
стр. 484
وكقول ابن الرومي سريع:
فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل
وأحسب أن أول من نطق بالتهكم في شعره امرؤ القيس، حيث يقول: متقارب:
فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تبصر
فإن قوله للثور هبلت ألا تبصر من التهكم اللطيف. وأطرف ما سمعت في التهكم قول حماد عجرد مجزوء الكامل:
فيا ابن نوح يا أخا ال؟ ... حلس ويا بن القتب
ومن نشا والده ... بين الربا والكثب
يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي
والفرق بين التهكم والهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهو ضد الأول، لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلاً وباطنه جداً.
стр. 485
؟
باب التنذير
وهو أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة، أو مجنة مستطرفة، وهو يقع في الجد والهزل ومن لطيف ما جاء منه في الجد وبديعه قوله تعالى: " فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " فانظر مبالغته في وصف المنافقين بالجبن والخوف حيث أخبر عنهم بالخبر الصادق أنهم عند الخوف تدور أعينهم عند النظر كحالة من يغشى عليه من الموت، ولو اقتصر على قوله " كالذي يغشى عليه " كان كافياً في المقصود، لكن أراد الزيادة على المقدار الذي قصد من المبالغة، فأوغل بقوله سبحانه " من الموت " إذ حالة المغشى عليه من الموت أشد من حالة غيره، ولا شك في أن المنافقين من الجبن والخوف من الموت بهذه المثابة، وذلك الذي دعاهم إلى النفاق، فإن من كان قوي النفس شجاع القلب، لا يرتضي النفاق، إذ هو لا يخشى الموت ولا يخافه، وفي هذا الكلام من طريف التندير لمن يتدبره ما يبهرج كل نادرة.
стр. 486
وأما ما جاء منه في الهزل فكقول أبي تمام فيمن سرق له شعراً، وهو محمد بن يزيد الرقى خفيف:
من بنو بحدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل من عامر أو من الحا ... رث أم من عتيبة بن شهاب
إنما الضيغم الهصور أبو الأش؟ ... بال هتاك كل خيس وغاب
من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتاب
يا عذارى الكلام صرتن من بع؟ ... دي سبايا تبعن في الأعراب
؟ لو ترى منطقي أسيراً لأصبح؟ ... ت أسيراً ذا عبرة واكتئاب
ثم ختمها بقوله:؟ طال رغبي إليك مما أقاسي؟ - هـ ورغبي يا رب فاحفظ ثيابي وكقوله في هجاء موسى بن إبراهيم الرافقي كامل:
عجباً لقوم يسمعون مدائحي ... لك لم يقولوا قم فأنت مصاب
نبزوا بكذاب مسيلمة فقد ... غلطوا ومانوا بل أنا الكذاب
وما رويت ألطف من قول ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب في الرشيد عمر الفوى وكان به داء الثعلب وهو من نوادر ما قيل في أقرع وافر:
стр. 487
أقول لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه
والفرق بين التندير وما قبله من باب التهكم وما يلتبس بالتهكم من الهزل الذي يراد به الجد أن التندير ظاهره وباطنه هزل بخلاف البابين، والله أعلم.
стр. 488
؟
باب الإسجال بعد المغالطة
وهو أن يقصد الشاعر غرضاً من ممدوح، فيأتي بألفاظ تقرر بلوغه ذلك الغرض، فيسجل عليه ذلك، مثل أن يشترط لبلوغ ذلك الغرض شرطاً يلزم من وقوعه وقوع ذلك الغرض، ثم يقرر وقوع ذلك الغرض مغالطة، ليقع المشروط كقول بعض المحدثين بسيط
جاء الشتاء وما عندي لقرته ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني
فإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني
وقد تأتى المغالطة بلا إسجال إذا أراد المتكلم إخفاء مراده فسأل عن شيء وهو يريد غيره بشرط أن يكون المسئول عنه يتعلق بمراده تعلقاً قريباً لطيفاً، كقول أبي نواس خفيف:
أسأل القادمين من حكمان ... كيف خلفتم أبا عثمان
فيقولون لي جنان كما س ... رك من حالها فسل عن جنان
ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتماني
стр. 489
فإنه سأل عن أخى سيد جنان وإنما أراد جناناً، ويقع الإسجال بغير مغالطة، وهذا القسم هو الذي يأتي في الكتاب العزيز كثيراً، ومنه قوله تعالى: " ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم " والله أعلم.
стр. 490
باب الفرائد
هذا باب مختص بالفصاحة دون البلاغة، لأن مفهومه إتيان المتكلم بلفظة تتنزل من كلامه منزلة الفريدة من حب العقد تدل على عظم فصاحته وقوة عارضته، وشدة عربيته، حتى إن هذه اللفظة لو سقطت من الكلام لعز على الفصحاء غرامتها وهي كقول أبي نواس كامل:
وكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا
فلفظة اشرأب من الفرائد التي لا نظير لها في فصيح الكلام، ولا يقع مثلها إلا على سبيل الندور، وكقوله أيضاً بسيط
حتى إذا ما غلا ماء الشباب لها ... وأفعمت في تمام الجسم والعصب
فاستعارة الغليان لماء الشباب من الفرائد البديعة، وكذلك قول أبي تمام وافر:
وقدما كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد
стр. 491
فلفظة مأدوم من الفرائد التي لا يقدر على نظيرها، ولا يعثر على شبيهها وكقول البحتري في المعتز بالله خفيف:
لا بس حلة الوفاء ومن أب ... هة السيف أن يكون محلى
فقوله أبهة من الفرائد الغريبة في مكانها التي يعجز الفصحاء عن الإتيان بها، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك غرائب يعز حصرها، منها قوله : " فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين " وانظر إلى قوله تعالى: " فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً " فألفاظ هذه الجملة كلها فرائد معدومة النظائر، وكقوله : " حتى إذا فزع عن قلوبهم " فانظر إلى لفظة " فزع " وغرابة فصاحتها، تعلم أن الفكر لا يكاد يقع على مثلها وكقوله ﵎: " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " وهذه الفريدة في هذه الآية أعجب من كل ما تقدم، فإن لفظة " خائنة " سهلة مستعملة، كثيرة الجريان على ألسن الناس، لكن على انفرادها، فلما أضيفت إلى " الأعين " حصل لها من غرابة التركيب ما جعل لها في النفوس هذا الموقع العظيم، بحيث لا يستطاع الإتيان بمثلها، ولا يكاد يقع في شيء من فصيح الكلام شبهها، وأشباه ذلك في الكتاب العزيز لا يدخل تحت الحصر، وقد ورد في السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام مواضع شريفة، منها قوله ﵇: استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا
стр. 492
من صدور الرجال من النعم من عقلها فالمح لفظتي استذكروا، وتفصيا لترى ما يذهل عقل السامع فصاحة، ويروعه جزالة وحلاوة، وكذلك قوله ﵇: " إذا ذكر الصالحون فحى هلاً بعمر " فإن لفظة " حى، هلاً " من الفرائد العجيبة وفيها من الفصاحة ما يعجز عن مثله كل فصيح، وعلى هذه الأمثلة فقس ترشد إن شاء الله تعالى.
стр. 493
باب الإلغاز والتعمية
ويسمى المحاجاة، والتعمية أعم أسمائه، وهو أن يريد المتكلم شيئاً فيعبر عنه بعبارات يدل ظاهرها على غيره، وباطنها عليها، وهو يكون في النثر والشعر، فمما جاء منه في النثر ما أملاه على السيد الشريف العالم الفاضل تاج الدين والشرف ابن الحلبي أبقاه الله من رسالة ذكر أنها أملاها عليه منشئها، فحفظها ثم نسيها، ولم يبق على خاطره منها إلا ما أذكره، وهو، بلغني أيدك الله أنك ركبت الأفق، وسرت تطأ ذوائب النجم من عن يمين جعفر، وشمال سعيد، حتى أتيت إلى الضرير، فطفقت تستحسن عينيه ملياً، وقصدت ابنة الوادي فبقرت بطنها عن خمس كأصابع الكف، وأتاك الغلام ببيضاء من ملاح القرية، فأصليت الجميع ناراً تلظى، فبردت بنارهن ناراً محرقة، ورأيت عثمان وهو يسر أبا بكر فقتلته.
ومنها ورويت أن الشافعي قال: لا بأس بالمرأة إذا احتاجت أن تبيع زوجها لتنفق ثمنه.
وذكر لي الشريف تاج الشرف أن منشئها كان شريفاً عباسياً، وانسى اسمه.
стр. 494
ومن النثر الذي جاء في هذا الباب قول ابن جراح ملغزاً في دملج: ماشئ وجهه قمر، وقلبه حجر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر، وإن قرعته ملأ الأسماع، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن فككت شطره دعا لك، وإن ركبت نصفه الآخر هالك، وربما كثر مالك، وإن رخمته آلمك عند الفجر، وأورثك الضجر وقت العصر.
ومثال ما أتى من هذا الباب في الشعر قول بعض العرب ملغزاً في الأيام " رجز ":
وسبعة كلهم إخوان ... ما إن يموتون وهم شبان
لم يرهم في موضع إنسان
ومن ذلك قول أبي العلاء المعري ملغزاً في الإبرة مما أنشدنيه الفاضل عفيف الدين علي بن عدلان النحوي عفا الله عنه طويل:
سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثراً والله شاف من السم
كست قيصراً ثوب الجمال وتبعاً ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم
وللمعري ملغزاً في الهريسة: طويل
أتتنا وما لاح الصباح وقد سرت ... إلينا الدجى إن الحرائر لا تسرى
منعمة بيضاء ما نفحاتها ... بعطر ولكن هن أشهى من العطر
لها والد عال وأم كريمة ... وحاضنة سوداء جائشة الصدر
стр. 495
إذا أودعت سراً غلا في ضميرها ... فباتت من السر المصون على الجمر
وكقوله ملغزاً في قطعة ملح من ملح الطعام من إنشاد المذكور طويل:
وبيضاء من سر الملاح ملكتها ... فلما قضت إربي حبوت بها صحبي
فباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثهم بعد الطعام على الشرب
وأمثلة هذا الباب من الشعر لا تحصى كثرة.
следующие страницы →