Полный текст (537 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
باب النوادر
وهو الذي سماه قدامة قديماً الإغراب والطرفة، ولم يفرد له باباً في المحاسن فاذكره في أبوابه، وسماه من بعده التطريف، وسماه قوم النوادر، وقوم أبقوا عليه تسمية قدامة، وأفردوه باباً، فتبعتهم في ذلك، وأتيت به، وهو آخر أبواب من تقدمني من جميع الناس في غالب ظني وهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في كلام الناس وليس من شرطه على رأي قدامة فيه غير ذلك وقال: لا يكون في المعنى إغراب إلا إذا لم يسمع مثله، والاشتقاق يعضد التفسير الثاني، والشواهد تعضد تفسير قدامة، لأن شواهد الباب وقع فيها ما يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه، وما يجوز أن يكون قد سبق إليه على قلته، واستدل قدامة على مراده بقول الناس: ورد طريف غريب، إذا جاء في غير وقته، أما كونه لم يرقط فهذا محال، وإنما المراد لم يوجد مثله في ذلك الزمان.
ومن أمثلته للأوائل مدح زهير للفقراء والأغنياء معاً فإنه غريب، إذ
стр. 422
العادة جارية بمدح الأغنياء غالباً، لأنه يقال: ما سمع قط مدح فقير حتى قال طويل:
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
ومن الغريب الطريف قول أبي تمام كامل:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
ومن الغريب الطريف أيضاً قول دريد طويل:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل من ماجد محض
فإنه ما سمع من مدح من لا يعرفه قبله، وتبعه أبو نواس في ذلك فقال في القطعة التي أولها طويل:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس
حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس
стр. 423
ولم أدر منهم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس
ومن الإغراب اللطيف قول القائل كامل:
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا
إن كان في الليل البهيم تبسطوا ... خفراً وفي الصبح المنير تقبضوا
ولقد سمعت وما سمعت بمثلها ... بيتا غراب البين فيه أبيض
ومن لطيف الإغراب وطريفه قول بعضهم " البسيط ":
ظلت تبشرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك وقد كنا على حذر
فقلت للعين أما كنت صادقة ... إني ببشراك لي من أسعد البشر
فما جزاؤك عندي لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن أحبوك بالنظر
وأستر المقلة الأخرى فأحجبها ... عن أن تراك كما لم تأت بالخبر
ومن الإغراب قسم آخر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى متداول معروف ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المعروف غريباً طريفاً، وينفرد به دون كل من نطق بذلك المعنى، وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر متداول معروف، فلما أراد أبو تمام ارتكاب هذا المعنى، وفطن إلى أنه قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله تحيل له في زيادة طريفة لم تقع لغيره يصير بها المعنى غريباً بعد أن كان معروفاً، فقال طويل:
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
стр. 424
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع
فإن حاصل كلامه تشبيه المرأة الموصوفة بالشمس، لكن التشكيك الذي أدخله في كلامه وذكر يوشع بعد إغرابه في التوطئة بإخباره بان هذه المرأة ردت بها الشمس برغم الليل، نقل المعنى من المعرفة إلى الغرابة، فلا جزم أنه استحقه بذلك دون كل من تناوله، ودون المبتدئ به ومن هذا القسم قول المتنبي بسيط
يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع
فإنه عمد إلى المعنى المعروف في هذا الفن من كون الطير تقع على القتلى وتتبع الجيوش ثقة بالشبع، فتجاوز بزيادة المبالغة المستحسنة إلى ما قال، والذي حسن البيت جداً إتيانه فيه بلفظة " تكاد " فإنها قلبت المستحيل ممكناً، فساغت المبالغة، وحصل له ما أراد من الإغراب والطرفة.
ومن الإغراب أيضاً قول ابن شرف القيرواني كامل:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم
لو لم يبغضه عنده ابن رشيق حين أنشده إياه وقال: هل سمعت بهذا المعنى؟ فقال: سمعته وأخذته أنت أفسدته، فقال: ممن؟ فقال: من النابغة الذبياني حيث قال: طويل
стр. 425
وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرى يكوي غيره وهو راتع
فأما إفساده فلأنك قلت في صدر بيتك إنك عوقبت بجناية غيرك، ولم تعاقب صاحب الجناية. ثم قلت في عجز بيتك: إن صاحب الجناية قد شركك في العقوبة: فناقض معناك، وذلك أنك شبهت نفسك بسبابة المتندم، وسبابة المتندم أول شيء يتألم في المتندم، ثم يشركها المتندم في الألم فإنه متى تألم عضو من الحيوان تألم كله لأن المدرك من كل مدرك حقيقته، وحقيقته على المذهب الصحيح هي جملته المشاهدة منه، والمكوى من الإبل: يألم وما به عر البتة، وصاحب العر لا يألم جملة، فمن هاهنا أخذت المعنى وأفسدته، غير أن ابن شرف هذا له في هذا الباب ما لا يلحق، وهو قوله " رمل ":
قلم قلم أظفار العدا ... وهو كالإصبع مقصوص الظفر
أشبه الحية حتى أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر
والبيت الثاني أردت، وأما الأول فهو من باب الإغراب في البرد لأنه لا نكاية للعدى في تقليم أظفارهم، بل ذلك مما يحسن صورهم، ويزداد به نشاطهم، ويماط به الأذى عنهم عند تناول الطعام والشراب، وتقبل بذلك النفوس عليهم، ولا يقال: إنه أراد بالأظفار السلاح، فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلم، إذ ليس في الكلام ما يشعر بهذه الاستعارة
стр. 426
ومما يفسد هذا التأويل قوله: كالإصبع، فإنه ذكر الإصبع، والمراد به ظاهر اللفظ فإنه يدل على أن الظفر على ظاهره إلا أن يتأول الإصبع، وأما تشبيه القلم بالإصبع فهو تشبيه يسلبه جميع المنافع والمضار، فإن الإصبع الواحدة على انفرادها قلما تعمل عملاً، وإن عملت عملاً كان غير متقن وكانت غير متمكنة منه، فلا معنى لها على انفرادها، وأنت ترى من ولد خداجاً ليس في كفه إلا إصبع واحدة غير منتفع بيده، ويشاهد ما بها من القبح، ولا يكون للإصبع جمال إلا مع انضمامها إلى أخواتها، واستعارة قصر الظفر له من أبرد الاستعارات، إلا أنه كفر بحسنات البيت الثاني سيئات البيت الأول أن الحسنات يذهبن السيئات وقد أتى أيضاً في هذا الباب بما هو أحسن من الأول وهو قوله بسيط
أغنيتني عن جميع الناس كلهم ... ولم أجد مغنياً من سائر البشر
كالحمد تجزي المصلى حين يقرأها ... وليس يغنيه عنها سائر السور
هذا على مذهب الجمهور، فإنه مذهب مالك والشافعي وأحمد، إلا أبا حنيفة وصاحب الشعر مالكي، إذ هو مذهب أهل المغرب ولابن رشيق في هذا الباب ما لا يشق غباره وهو قوله " رجز ":
كأنما الصبح الذي تفرا ... ضم إلى الشرق النجوم الزهرا
فاختلطت فيه فصارت فجرا
стр. 427
وقوله أيضاً متقارب:
وما ثقلت كبراً وطأتي ... ولكن جررت ورائي السنينا
وقد رأيت الحجاري صاحب الحديقة وصاحب المسهب في أخبار أهل المغرب سمى هذا الباب في الحديقة مناقلة، وفسره بأن قال: هو من مناقلة الخيل، وهي وضع الفرس في الوعر يده موضع رجله مخالفاً لمشيته المعتادة، وأنشد فيه قول ابن الرومي سريع:
تستغفر الناس بأيديهم ... وهن يستغفرن بالأرجل
فيا له من عمل صالح ... يرفع الله إلى أسفل
فأغرب بمخالفة العادة. حيث ذكر أن هذه النسوة يفعلن بالأرجل ما يفعله الناس بالأيدي، والارتفاع إلى الأسفل من أغرب الغريب.
ومن نوادر الإغراب قول الأرجاني كامل:
شعري إذا ما قيل يرويه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قنن الجبال إذا بدا ... للسمع هاج تجاوب الأصداء
ومن مليح هذا الباب قول بعضهم طويل:
تواضع كالنجم استبان لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ومن دونه يسمو إلى النجم صاعداً ... سمو دخان النار وهو وضيع
ومن الإغراب نوع يغرب المتكلم فيه بأن يخرج معنى المدح في لفظ
стр. 428
الغزل، فيأتي المدح هزازاً للمعاطف من الطرب، يكاد يؤكل بالضمير ويشرب، كقول أبي تمام في صفة عمورية بسيط
ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
ولا الحدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب
سماحة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب
وحسن منقلب تبقى عواقبه ... جاءت بشاشته من سوء منقلب
وكقول ابن سنان الخفاجي كامل:
صبحتهم باللاذقية فالتقى ... بحران ماء راكد وعتاق
سبق الظلام لها فعضت ورودها ... تبعاً وأنت لمثلها سباق
حتى إذاً متع الضحى وتمارت ال؟ ... أبصار أيكما له الإشراق
غادرتها دمنا على أطلالها ... يبكي الخليط وتذكر الأشواق
وسننت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق
والبيت الرابع أردت، وإنما ذكرت ما قبله وما بعده لارتباطه بذلك، ولما في المجموع من كمال حسن المعنى، دون انفراد أحد الأبيات وما رأيت في عصرنا أغرب معان من القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀.
ومن غرائب معانيه قوله في عمياء تظرفا سريع:
شمس بغير الليل لم تحتجب ... وما سوى العينين لم تكسف
بغمده المرهف لكنها ... تقتل بالغمد بلا مرهف
стр. 429
أبصرت منها الخلد في جؤذر ... ومقلتي يعقوب في يوسف
وقوله كامل:
ومع المشيب فبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل
؟ أنا جد أنصار النبي لأنني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل
وكقوله طويل:
فلا تنكروا منها الخضاب فإنها ... هي الغصن في أطراف الورق الخضر
وكقوله طويل:
عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... لأنك في العشرين وهي نصاب
وكقوله في صبي مستحسن ضرب وحبس طويل:
بنفسي الذي لم تضربوه لريبة ... ولكن ليبدو الورد في سائر الغصن
وقالوا له شاركت في الحسن يوسفاً ... فشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن
وغرائب معانيه لو استقصيت لخرجنا بها عن الغرض المطلوب من الكتاب.
стр. 430
ومما وقع لي من باب الإغراب والطرفة قولي طويل:
أراني لا ينفك نجمي هابطاً ... تراه يراه ربنا حسب الرجم
حنتني الليالي فاغتديت كأنني ... أفتش دهري في التراب على نجمي
فصرت إذا قوساً وعقلي رامياً ... ورامي الذي أصمى الرمايا به سهمي
وقولي طويل:
تحلمنا الأيام وهي سفيهة ... فيهدي إلينا برها من عقوقها
وتهدي الدراري وهي من حيرة ترى ... وقد رجعت من مستقيم طريقها
كما تحدث الطيش الطلى من سكونها ... فتغرب شمس العقل عند شروقها
ومن الإغراب والطرفة نوع لا يكون الإغراب فيه في ظاهر لفظه، بل في تأويله، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام به معيباً جداً وإذا تؤول رده التأويل إلى نمط الكلام الفصيح، وأميط من ظاهره حدث العيب، فيكون التأويل هو الموصوف بالإغراب لا الظاهر، وذلك كقوله: " حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين " فإنهم أمسوا كما أصبحوا، فتكون لفظة فأصبحوا حشوا لا فائدة فيه، ومثل هذا يتحاشى عنه نظم القرآن، فإنك إذا قلت أصبح العسل حلواً وهو قد أمسى كذلك، كان قولك أصبح حشاً، لكن لما كان الأشقياء حالهم حال المرضى، وكان المريض تشتد عليه
стр. 431
الآلام في الليل، وتخف في النهار، فتكون حاله عند الصباح صالحة بالنسبة إلى حاله بالليل، إلا المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يصبح كما أمسى، فإذا أصبح كذلك يئس من فلاحه، ولما أشبهت حال هؤلاء الأشقياء حال المريض الذي قد تيقن هلاكه، أخبر عنهم بأنهم أصبحوا كما أمسوا خاسرين، وعلى هذا تكون لفظة أصبحوا قد تضمنت معنى أخرجها عن كونها حشواً، ورد الكلام الذي جاءت فيه إلى حده من الفصاحة، فعد التأويل الذي فعل بها ذلك غريباً طريفاً، والله أعلم.
هذا آخر أبواب المتقدمين، وقد بقيت أبواب الأجدابي الثلاثة التي أولها:
стр. 432
باب الالتزام
وهو أن يلتزم الناثر في نثره، أو الشاعر في شعره، قبل روي البيت من الشعر حرفاً فصاعداً على قدر قوته، وبحسب طاقته، مشروطاً بعدم الكلفة وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز مواضع رائعة الحسن، كقوله تعالى: " والطور وكتاب مسطور " وقوله سبحانه: " فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس " وقوله تعالى: " والليل وما وسق والقمر إذا اتسق " وقوله " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر " وقوله تعالى: " أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " وقوله عز من قائل: " ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون " وقوله جلت قدرته: " فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون " وقوله ﷻ " كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق
стр. 433
وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق " وقوله : " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " وأشياء كثيرة من فواصل القرآن العزيز تعجز الفصحاء أشد تعجيز وقد جاء في السنة من ذلك قول الرسول ﷺ في حديث أم زرع حكاية عن الأولى من النسوة قولها: " لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وقول أم زرع في صفة حالها مع أبي زرع: فعنده أنام فأتصبح، وأقول فلا أقبح " وقولها في صفة الخادم " لا تقش طعامنا تقشيشاً ولا تملأ بيتنا تعشيشاً، ولا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً "، هذه رواية، وليست من أمثلة هذا الباب، والرواية الأخرى التي من أمثلة الباب تتمة القرائن الشينية، وهي قولها: ولا تخرج حديثنا تعشيشاً. وقولها أعني أم زرع: " فتزوجت بعده رجلاً سرياً، ركب فرساً شريا، وأراح على نغماً ثريا "، وكقول السادسة منهن: " إن أكل اقف وإن شرب اشتف وإن رقد التف "، وكقول الثامنة: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب "، ومن هذا الباب في الشعر قول امرئ القيس طويل:
стр. 434
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
وقد أكثر المتأخرون من هذا الباب قاصدين عمله، وما وقع منه لمتقدم فغير مقصود، حتى عمل المعري من ذلك ديواناً كاملاً مفرداً من ديوان شعره المعروف بسقط الزند، ومنه قوله طويل:
لك الحمد أمواه البلاد بأسرها ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم
هو الحظ غير الوحش يستاف أنفه ... خزامى وأنف العود بالعود يخزم
وكقول بعضهم بسيط
سلم على قطن إن كنت نازله ... سلام من كان يهوى مرة قطنا
أحبه والذي أرسى قواعده ... حباً إذا ظهرت آياته بطنا
ما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا
ومن مليح ما جاء في الالتزام قول أبي نواس كامل:
وأما وزند أبي علي إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا
إني لتأبى الصنع عالي همتي ... من غيركم وتعاف إلا مدحكا
стр. 435
باب تشابه الأطراف
هذا الباب سماه الأجدابي التسبيغ، وفسره بأن قال: هو أن يعيد لفظ القافية في أول البيت الذي يليها، والتسبيغ زيادة في الطول، ومنه قولهم: درع سابغة، إذا كانت طويلة الأذيال، وهذه اللفظة في اصطلاح العرضيين عبارة عن زيادة حرف ساكن على السبب الخفيف في آخر الجزء، وعلى هذا لا تكون هذه التسمية لائقة بهذا المسمى، فرأيت أن أسمى هذا الباب تشابه الأطراف، لأن الأبيات فيه تتشابه أطرافها وما بأبيات قلتهن في هذا النوع من بأس، وهي طويل:
خليلي إن لم تعذراني في الهوى ... ولم تحملا عني اذهبا ودعاني
دعاني إليه الحب فالحب آنفا ... دعاني قلبي إذ دعاه جناني
جناني في سكر فلا رعى عنده ... بكأس بها ساقي الغرام سقاني
سقاني من لم يعنه من صبابتي ... ووجدي به ما شفني وعناني
عناني منه ما براني ولم يكن ... ليرثي لما قد حل بي ودهاني
دهاني الهوى من حيث لم أدر عندما ... رأى ما شجى قلبي الكئيب عياني
стр. 436
عياني على قلبي تعدى بنظرة ... إلى ناظر باللحظ منه رماني
رماني بسهم من كنانة لحظه ... أصاب فؤادي شجوه فشجاني
شجاني بسقم من مراض جفونه ... وغض حياء منه حين سباني
سباني بسحر ليس يبطل بالرقى ... تقر له في بابل الملكان
ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: " الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري " وأنشد فيه قول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج طويل:
إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال يحلبون صراها
وأحسن من هذه الأبيات قول أبي نواس سريع:
خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم
إلا البهاليل بنو هاشم ... وهم سيوف لبني هاشم
стр. 437
باب التوءم
وهذا الباب أيضاً سماه الأجدابي التشريع، وفسره بأن قال: هو أن يبني الشاعر البيت أو الناثر النثر على قافيتين إذا اقتصر على إحداهما كان البيت له وزن، وإن كمله على القافية الأخرى كان له وزن آخر، وتكون القافيتان متماثلتين، وتكونان مختلفتين، وهذه التسمية وإن كانت مطابقة لهذا المسمى فهي غير معلومة عند الكافة، فسميته التوأم، وهو أن يكون للبيت كما ذكر قافيتان، وصحة القول في تفسيره أن يقال: أنه متى اقتصر به على القافية الأولى كان من ضرب ذلك البحر الذي عمل الشاعر بيته منه، فإذا استوفى أجزاءه وبناه على القافية الثانية كان البيت من ضرب غير ذلك الضرب من ذلك البحر، وغالبه أن يختلف الرويان وإن جاز توافقهما، هذا إن كان الكلام شعراً، وذلك كقول الشاعر كامل:
стр. 438
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هدج الرئال، تكبهن شمالا
ألفيتنا نفرى العبيط لضيفنا ... قبل القتال، ونقتل الأبطالا
فإن هذا الشاعر لو اقتصر على الرئال، والقتال كان الشعر من الضرب المجزوء المرفل من الكامل، فإذا أتممت البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه، فقدر أن لكل بيت من هذين البيتين قافيتين على تساوي القافيتين في الردف وتماثل الرويين وإن اختلف المجرى فيهما، وعلى هذا بنى الحريري قوله في المقامات كامل:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى، وقرارة لأكدار
لأن اقتصاره على قوله شرك الردى تجعل الشعر من الضرب المجزوء من الكامل، وتمامه يجعله من الضرب المضمر المقطوع منه، وإن اختلف القافيتان والرويان والمجرى فيهما، وقد جاءت من هذا الباب في الكتاب العزيز أكثر سورة الرحمن كقوله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلآء ربكما تكذبان " يرسل عليكما شواظ من نار وغاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان وهكذا إلى آخر السورة فإنه يجوز الاقتصار على أولى الفاصلتين دون الثانية لو كان التنزيل كذلك، والله أعلم.
стр. 439
هذا آخر ما جمعته من كتب الناس بعد التنقيح والتحرير، وتغيير ما حسن فيه التغيير، وقد تكملت الأبواب بهذه الثلاثة التي عوضت بها ما تداخل في باب التمكين التهذيب تسعين باباً غير متداخلة ولا متواردة، والله أعلم.
стр. 440
الجزء الرابع ومن هاهنا أشرع في إثبات الأبواب التي استنبطتها، والأنواع التي استخرجتها مفصلة مكملة، فأولها:
стр. 441
باب التخيير
وهو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ أن يقفي بقواف شتى، فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها بالدليل، تدل بتخيرها على حسن اختياره، كقول الشاعر بسيط
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقول: فكيف حال غريب ما له حال أي ما له مال، ما له نشب، ما له سبب، ما له صفد، ما له سبب، ما له خطر، ما له أحد، ما وجد، ما له شيع، وإذا نظرت إلى قوله: ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع، وأدل على الفاقة، وأمس بذكر الحاجة، وأبين للضرورة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف، فلذلك رجحت على كل ما ذكرناه ومن هذا النوع في الكتاب العزيز قوله تعالى في أول الجاثية: " إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض
стр. 442
بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون فالبلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: المؤمنين، لأنه سبحانه ذكر العالم بجملته، حيث قال: السموات والأرض، ومعرفة ما في العالم من الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجوداً واعتقاداً على الصفات وكذلك قوله في الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار فدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلا بد أولاً من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة الثانية: لقوم يوقنون، فإن نفس الإنسان وتدبر خلق الحيوان، أقرب إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، تقتضي رجاحة العقل ورصانته، ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي التي هي أحسن منه، وعوارض عنه، ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعاً مختاراً، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وأن احتيج للعقل في الجميع، إلا أن ذكره هاهنا أمس بالمعنى من الأول، إذ بعض من يعتقد صانعاً للعالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا، فلا بد إذاً من
стр. 443
التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل، ومنه قوله تعالى: " فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر " ولا يجوز التبديل بينهما، إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم لمكان تأديبه، وإنما ينهى عن قهره وغلبته، كما لا يجوز أن ينهر السائل إذا حرم، وليرد رداً جميلاً، ومن ذلك قوله تعالى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " فإن قوله تعالى: " وإن تغفر لهم " ربما أوهم بعض الضعفاء أن الفاصلة لو كانت " غفوراً رحيماً " كانت أنسب لمكان " وإن تغفر لهم " ويذهل عن كونهم يستحقون العذاب دون الغفران، وإن قوله " العزيز الحكيم " بعد قوله " وإن تغفر لهم " أنسب، لأن من يغفر لمن يستحق العذاب إنما يكون من لا فوقه أحد يرد عليه حكمه، ومن كان كذلك كان عزيزاً ممتنعاً من الرد عليه، ومن كان حكيماً وضع الشيء في موضعه، وإن كان ظاهر فعله موهماً بأنه على خلاف الحكم، لخفاء وجه الحكمة بمكنون الغيب عن المخلوق القائم عن إدراك أسرار الربوبية.
ومن التخيير ضرب غير هذا، وهو أن يؤتى بقطعة من الكلام أو بيت من الشعر قد عطف بعض جمله على بعض بأداة التخيير كقوله تعالى: " فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " وكقول الشاعر بسيط
стр. 444
خلو التفاخر أو حلوا اليفاع إذا ... ما أسنت الناس أولبوا الصريخ ضحى
ولا يكون هذا الضرب من المحاسن حتى تكون الجمل المعطوف بعضها على بعض متضمنه صحة التقسيم كما جاء في الآية الكريمة، إذ حصر فيها أنواع الكفارة التي لا يجزئ الموسر غيرها، كما جاء في البيت من حصر أعظم الأسباب التي نفاخر بمثلها، وهي نهاية الكرم، وغاية الشجاعة إذا لا يحل بالمكان المرتفع من الأرض في المجاعة ليدل على بيته إلا الجواد المؤثر، كما قال شاعر الحماسة وافر:
له نار تشب على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا
ولم يك أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
كما أنه لا يبادر إلى تلبية الصريخ عند الضحى، وهو وقت الغارات إلا أشجع القوم، ومن هذا القسم من التخيير قوله : " قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم " فانظر إلى حسن هذا التخيير وصحة الترتيب في الانتقال من الأدنى إلى الأعلى حتى بلغ النهاية في أوجز إشارة بقوله سبحانه بعد الانتقال من الحجارة إلى الحديد الذي هو أصلب منها: " أو خلقاً مما يكبر في صدوركم " غير حاصر لهم في صنف من الأصناف.
والفرق بين التخيير بأو وحسن النسق من وجهين: أحدهما أن حسن النسق يكون بجميع حروف العطف وغالباً ما تقع الواو، وربما وقع منه
стр. 445
شيء بالفاء للتعاقب، أو بثم للمهلة والتراخي، ووقوعه بالواو أكثر، والتخيير لا يكون إلا بأو التي هي للتخيير خاصة.
والثاني أن التخيير يشترط فيه صحة التقسيم، ولا كذلك حسن النسق، والفرق بين تخيير مقطع الكلام دون كل مقطع يسد مسده وبين التسهيم أن صدر كلام التخير لا يدل إلا على المقطع فقط، وصدر كلام التسهيم يدل على ما زاد على المقطع، إلى أن يبلغ عجز البيت، والفرق بين التخير والتوشيح التوطئة بتقديم لفظة القافية في أول البيت من التوشيح، ولا كذلك التخيير، والله أعلم.
стр. 446
باب التدبيج
وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد الكناية بها أو التورية بذكرها عن أشياء من مدح أو وصف أو نسيب أو هجاء أو غير ذلك من الفنون، أو لبيان فائدة الوصف بها كقوله تعالى: " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود " فإن المراد بذلك والله أعلم الكناية عن المشتبه والواضح من الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريق الملحوب التي كثر السلوك فيها جداً، وهي أوضح الطرق وأبينها، ولهذا قيل: ركب بهم المحجة البيضاء ودونها المراء، ودون الحمراء السوداء التي كأنها في الخفاء والالتباس ضد البيضاء في الظهور والوضوح. ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى في الظهور البياض والطرف الأسفل في الخفاء السواد، والأحمر بينهما على حكم وضع الألوان في التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، والهداية بكل علم نصب للهداية تنقسم هذه القسمة، أتت الآية الكريمة على هذا التقسيم، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم، وهي مسوقة
стр. 447
للاعتداد بالنعم على ما هدت إليه من السعي في طلب المصالح والمنافع، والفرار من المضار والمعاطب.
ومن التدبيج الحسن قول الحريري: فمذ أزور الحبيب الأصفر، واغبر العيش الأخضر، أسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر، إلا أن تدبيج الآية الكريمة جاء بلفظ الكناية لبيان فائدة الوصف بالألوان، وتدبيج المقامة أتى بطريق التورية.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول ابن حيوس الدمشقي خفيف:
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال
وكقول بعض العرب طويل:
زياد بن عين عينه تحت حاجبه ... وبيض الثنايا تحت خضرة شاربه
وقد ساق بعض النقاد هذا البيت من شواهد العيوب، وقال: وجه العيب فيه كون العين لا تكون إلا تحت الحاجب، والثنايا تحت الشارب، وقد قال بعضهم في الرد على هذا العائب: الشاعر أراد أنه غير مشوه، قد خلق في أحسن تقويم، فلم تأت صورته مخالفة للصور، وعندي أن مثل هذا لا يعد عيباً، ولا يحتاج فيه إلى تكلف مثل هذا العذر، فإنه
стр. 448
قد ورد مثله في الكتاب العزيز للتوكيد والتهويل ليحصل الازدجار عن فعل من حل به ذلك، وهذا من بليغ الموعظة، وهو قوله سبحانه " فخر عليهم السقف من فوقهم " والسقف لا يكون إلا من فوق ولا سيما في هذا الموضع، لأنه سبحانه رفع فيه الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون تحت بالنسبة، فإن كثيراً من السقوف يكون أرضاً لقوم وسقفاً لآخرين، فرفع تعالى هذا الاحتمال بجملتين، وهما قوله تعالى " عليهم " ولفظة " خر " لأنها لم تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى السفل، ومن ذلك أيضاً حديث أبي بكر أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات الأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، الذي بين جمادى وشعبان " ورجب لا يكون إلا كذلك، وإنما هو ﷺ لما أراد أن يخبر عن شهر فرد غير موال للأشهر الحرم التي قبله عرفه بأنه بين هذين الشهرين احتراساً من كونه لو اقتصر على قوله: ورجب توهم بعض السامعين أنه ربما أراد صفر، لا سيما وقد كانت الجاهلية تحل صفر عاماً، وتحرمه عاماً، ولذلك قال ﷺ : صفر، في حديث خرجه الترمذي وأبو داود، وربما ظن الظان أنه أراد برجب صفر
стр. 449
وسماه رجباً ليعرف بتعظيمه، إذ الترجيب التعظيم، فاحترس من وقوع هذا اللبس بأن عرفه بأنه هو الذي بين جمادى، ليقطعه عما قبله، وبين شعبان، ليقطعه عما بعده، والتأويلات أوسع وأفسح من أن يخطئ معها عربي متقدم في لغته التي وضعها، وهو أعرف بمواقعها منا، لا سيما وقد قال امرؤ القيس مما يؤيد ذلك متقارب:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
وفرج الفرس لا يكون إلا من دبر، لأن فرجها الذي يسد بذنبها هو ما بين قائمتي رجليها من عجب الذنب، إلى حافر الرجلين، وفي بعض ذلك ما يخرج بيت الشاعر عن العيب.
ومن التدبيج قول أبي تمام في مرثيته لمحمد بن حميد الطوسي طويل:
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
وكقول البحتري طويل:
تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاتها بيض وأكنافها خضر
стр. 450
باب التمزيج
وهو أن يمزج المتكلم معاني البديع بفنون الكلام، أعني أغراضه ومقاصده بعضها ببعض بشرط أن تجمع معاني البديع والفنون في الجملة أو الجمل من النثر، والبيت أو البيوت من الشعر، كقول بكر بن النطاح طويل:
بذلت لها ما قد أرادت من المنى ... لترضى فقالت: قم فجئني بكوكب
فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
سلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا بدر بي كل مذهب
فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي
فتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب
فإن التمزيج وقع في الثلاثة المتواليات من هذا الشعر بعد الأول، فأما الأول من الثلاثة فإنه مزج في صدره العتاب بالغزل بالمراجعة حيث قال:
فقلت لها هذا التعنت كله
لارتباط هذا الصدر بما قبله بسبب المراجعة التي فيهما إذ قال: " فقالت "، وأتى في عجز البيت بالتذييل ليتحقق العتاب، ويستدل على
стр. 451
صحة ما ادعاه من التعنت، فمزج المذهب الكلامي بالتذييل في العجز، كما مزج العتاب والغزل في الصدر، مع الارتباط بما قبل، وحقق ذلك بالمراجعة الحاصلة فيهما، فوقع التمزيج في البيت المذكور من الفنون في العتاب. والغزل ومن المعاني في المراجعة بسبب الارتباط والتذييل والمذهب الكلامي، ثم مزج المبالغة بالقسم في البيت الثاني من الثلاثة، والمدح بالغزل بواسطة الاستطراد، وأتى بالطامة الكبرى في البيت الثالث من الثلاثة، إذ مزج فيه الإرداف بالتشبيه والشجاعة بالكرم ومدح قبيلة الممدوح بمدحه وذم أعداءها والإيغال بالتشبيه.
فأما الإرداف ففي قوله: شقيت أمواله بعفاته فإن أراد أن يقول: فتى جواد، فعدل عن هذا اللفظ إلى ردفه، لما في لفظ شقاوة الأموال بالعفاة من زيادة المعنى، وديباجة اللفظ التي لا توجد في لفظ الحقيقة، والتشبيه في قوله: كما شقيت هذه القبيلة بهذه القبيلة والقبائل المتعادون كثير، وإنما اقتصر على هاتين القبيلتين لما في ذكرهما من النكتة التي يزيد بها معنى المدح، وخص الممدوح به وأراد تكميل المدح ورأى أنه لو اقتصر على مدحه بالكرم كان المدح غير كامل، وأراد تكميل المدح بالشجاعة فأوجبت عليه الصناعة أن يأتي بالتنكيت في عجز البيت بحيث يكون بين العجز والصدر ارتباط يوجب لهما التلاحم، فوصل بينهما بكاف التشبيه مقتصراً على ذكر القبيلتين اللتين في ذكرهما نكتة حسنة، وهي مدح قبيلة الممدوح، والتعريض بذم قبيلة أعدائه، والمدح لقبيلة الممدوح مدح
стр. 452
له، فيكمل له المدح الذي أراده، والتمزيج الذي قصده، والفرق بين التمزيج والتكميل والافتنان والتعليق والإدماج، فإن هذه الأبواب الخمسة ربما اشتبهت على كثير من الناس لكونها تجمع المعاني والفنون غالباً إذ أن التكميل لا يكون إلا في معاني النفوس وأغراضها معاً في البديع، ولا يكون أحد الأمرين فيه قد اتحد بالآخر، بحيث لا يظهر من الكلام إلا صورة أحد الأمرين دون الآخر، وإنما يؤخذ المعنى الآخر من الكلام بطريق القوة لشدة امتزاج المعنيين أو الفنين أو أحدهما بالآخر، وهذه حال التمزيج بمعاني النفوس ومعاني البديع والفرق بين التمزيج والافتنان أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم كالغزل والمدح والعتاب، والهجاء، والتهنئة، والتعزية، والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني ويكون الأمران فيه متداخلين، والفنان فيه ظاهران، والفرق بين التمزيج والتعليق أن التعليق كالافتنان في اختصاصه بالفنون دون المعاني وظهور الفنين فيه معاً، إلا أن أحدهما متعلق بالآخر، والافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم كالغزل والمدح، والعتاب والهجاء، والتهنئة والتعزية، والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني، ويكون الأمران فيه متداخلين أي أحد الفنين فيه متعلقاً بالآخر ولا بد، وكلاهما يفارق الامتزاج في ظهور صور الأشياء التي تكون فيه، فإنها تمتزج في الامتزاج بحيث لا يظهر منها لكل شيئن إلا صورة واحدة،
стр. 453
والفرق بين التمزيج والإدماج أن الإدماج كالتعليق، لا يكون إلا بالفنون دون المعاني بخلاف التمزيج، وإن اشتبه التمزيج في إيجاد الصور لا يكون إلا بالمعاني البديعية دون المعاني النفسية، ودون الفنون، والفرق بين التعليق والتكميل دقيق وقد جاء في الكتاب العزيز من التمزيج قوله تعالى " رب احكم بالحق " فإنها امتزج فيها فنا الأدب والهجاء بمعنى الإرداف والتتميم وتولد من ذلك ما استخرجته منا من بقية المحاسن، فكان ذلك أربعة عشر نوعاً يضيق هذا المكان عن ذكرها مفصلة، وقد ذكرتها مفصلة في " بديع القرآن " العزيز والله أعلم.
стр. 454
باب الاستقصاء
وهو أن يتناول الشاعر معنى فيستقصيه إلى أن لا يترك فيه شيئاً، كقول ابن الرومي في صفة الحديث كامل:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقله المستوفز
فانظر إلى كون هذا الشاعر وصف حديث هذه المحبوبة بنهاية الوصف الحسن اللائق بمثله، حيث قال: وحديثها السحر الحلال، لفعله في العقول فعل السحر، وجعله حلالاً لصدق الوصف، وليضمن كلامه في صفته معنى قول الرسول ﷺ " إن من البيان لسحراً، فإن سحر البيان سحر حلال، ثم رجع فاستدرك فيه فقال:
............... لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
لكون قتل المسلم بغير حق حرام، فحصل في البيت طباق معنوي، فكأنه قال سحر حلال لو لم يجن حرام، فطابق بين الحلال والحرام وأحدث براءة المسلم المقتول بالحديث من الإيغال الذي في قافية البيت، وهو قوله: المتحرز لأن المتحرز لا يقع في شيء من موجبات القتل، وفي ذلك مبالغة
стр. 455
في وصف الحديث بإفراط الالتذاذ الذي يزهق حبه النفس، ثم فكر فيما يعرض من الملل بسبب، طول الحديث فاحترس عن تلك بقوله: إن طال لم يملل ثم رأى أنه متى اقتصر على وصفه بالحسن حالة الإطالة دون الإيجاز كان مقصراً، فقال: وإن هي أوجزت إلى آخر البيت، ثم أراد وصفه بميل النفوس إليه إما اضطراراً أو اختياراً فقال، في الميل الاضطراري: شرك العقول، فأخبر أنه يصيد العقول قنصاً، ثم قال في الميل الاختياري مقسماً له قسمين حاصرين في حالتي الريث والعجل كامل:
........ ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
وليس للمختار حالة زائدة على هاتين الحالتين إما أن يكون مطمئناً، أو مستوفزاً، فإن كان مطمئنا كان هذا الحديث نزهته، وإن كان مستوفزاً كان عقلته، فلم يبق في هذا المعنى مقالاً لمن بعده، ولقد أحسن ابن مناذر في استقصائه معنى من معاني الغزل حيث قال طويل:
فوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جحد جد البين أم أنا غلبه
فإن استطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
فإنه لما علم أنه متى اقتصر على البيت الأول لا يكون مستقصياً للمعنى أتى بتفصيل ما أجمله في البيت الأول بما جاء به في البيت الثاني، ليكون قد أتى على جميع ما يجب ذكره من المعنى الذي قصده: وإذا وصلت في هذا الباب إلى قول البحتري في صفة إنضاء الإبل خفيف:
стр. 456
كالقسي المعطفات بل الأس؟ ... هم مبرية بل الأوتار
وصلت إلى الغاية في الشعر، لأنه جمع مع الاستقصاء المبالغة والرمي على الترتيب، على مقتضى البلاغة، والتتميم في موضعين، في قوله: المعطفات، وقوله: مبرية والإيغال في القافية، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك ما لا يلحق سبقاً، وهو قوله تعالى: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " فانظر إلى استقصاء هذا المعنى حين لم يبق فيه بقية لأحد، وذلك أنه بعد قوله: " جنة من نخيل وأعناب " قال: " تجري من تحتها الأنهار " وكمل الوصف بقوله: " له فيها من كل الثمرات " فأتى بكل ما في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ثم قال " وأصابه الكبر " ثم استقصى المعنى الذي يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر " وله ذرية " ولم يقتصر على كونه له ذرية حتى قال: " ضعفاء " ثم ذكر استئصالها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال: " فأصابها إعصار فيه نار " فلو اقتصر على ذكر الإعصار لكان كافياً، لكن لما علم الله سبحانه: " فيه نار ثم أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يقوم إحراقها بإطفاء أنهارها وتجفيف كل أوراقها وثمارها، فأخبر بإحراقها احتراساً من ذلك،
стр. 457
وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم يبق في المعنى المقصود موضع استدراك، والفرق بين الاستقصاء والتتميم، والتكميل كون التتميم يرد على معنى ناقص فيتمم بعضه، والتكميل يرد على التام فيكمل وصفه، والاستقصاء له مرتبة ثالثة، فإنه يرد على الكامل فيستوعب كل ما تقع عليه الخواطر من لوازمه، بحيث لا يترك لآخذه مجالاً لاستحقاقه من هذه الجملة، والله أعلم.
стр. 458
؟
باب البسط
وهو أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل، فيدل عليه باللفظ الكثير ليضمن اللفظ معاني أخر يزيد بها الكلام حسناً، لولا بسط ذلك الكلام بكثرة الألفاظ لم تحصل تلك الزيادة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها " فانظر هداك الله إلى هذا البسط في الآيات الكريمات بالنسبة إلى قوله في غير موضع. من القرآن: " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " لتعلم أنه بسط سبحانه الكلام في هذه الآية ليفيد البسط معاني من تفصيل الأخبار، وإيضاح المعنى وتفسير ذلك الإجمال، وإخراجها مخرج التفريع لمن جعل لله ﵎ أنداداً من مخلوقاته فإن قلت التفريع يحصل بقوله: " الله
стр. 459
الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " فما فائدة البسط؟ قلت فائدته جليلة، فإن الاستدلال بما قرب من نظر الخصم أوضح من الاستدلال بما بعد، فإن تقدير أقوات الحيوان البري والبحري، وتخصيص كل صنف بقوت مألوف يميل إليه بطبعه، كاللحوم للسباع، والحب للبهائم، والأوساخ وما أشبهها للهمج، والبقول وسائر الخضروات لغير هذه الأصناف، وجميع بعض أصناف الحيوان البهيم البري والبحري، وتركه تلك الأقوات الموجبة لكفاية ما يخرج من الأرض من جميع الحيوان أقرب لفهم المخاطب، ولاحتمال أن يقع في بعض النفوس أن هذه الأمور من صنع السموات والأرض، لا من صنع صانعهما كما يعتقد بعض الناس فاقتضت البلاغة أن يقدم ذكر الأرض لقربها من المخاطب، ولأن الأنداد منها كالحجارة التي نحتت وعبدت والأنصاب التي نجرت من الأخشاب، والصور التي اتخذت من المعادن، وليعرف بعظمة قدرته في خلقه الأرض كلها في يومين، ثم ثنى بذكر الجبال التي تثبت الأرض، وتكون الجواهر المعدنية منها.
ثم يذكر البركة التي لولاها لما نبت النبات، ولا عاش الحيوان، ولا تنوع الجماد، ولا حصلت المنافع التي بها قوام الأجسام، ممتناً بذلك على عباده، وحق له الامتنان، ثم ثلث بذكر تقدير الأقوات، ليحض بذلك على التوكل، ويبعث النفوس على الاشتغال عن الفكر في التكسب بصالح الأعمال، ثم أخبر أن ذلك كله في يومين آخرين، بقوله سبحانه: " في أربعة أيام " يعني. والله أعلم. أنه أرسى الجبال وبارك في الأرض
стр. 460
وقدر فيها أقواتها، مع خلقه لها في أربعة أيام، ثم ختم بذكر خلق السموات السبع، والعناصر الأربعة، إذ هي سموات بالنسبة إلى المخاطب، غير أنه أفرد من ذلك السموات السبع بالذكر، منبهاً على فضلها بالنسبة إلى العناصر وعظمتها، وما تعرف العرب وغيرهم من نجومها، والهداية بها، وأنوائها، وإنزال الغيث من جهتها، ومقدمات ذلك من الرعد والبرق والرياح، ومنافع النيرين، ثم أخبر سبحانه أنه خلق ذلك كله في يومين ثم اقتصر في هذه الآية الكريمة على ذكر الأفلاك السبعة دون الفلكين الآخرين، منطقة البروج والأطلس، لكون السبعة هي المعروفة عند العرب الذين نزل عليهم القرآن وجاء بلسانهم، لأن معرفة الفلكين الآخرين موقوفة على علوم ليست من علوم العرب، فإن قلت: فالعرب تعرف الأنواء وكواكبها في الفلك الثامن، فلم اقتصر على ذكر السبعة دونه؟ قلت: إنما عرفت الأنواء بالقمر لحلوله في المنازل، ومسير القمر أسرع مسير، وهي كثيراً ما تتأمله، لسفرها فيه وسراها، وعرفت الكواكب السيارة لقرب سيرها بالنسبة، وعرف مسير المنازل أيضاً بحركاتها القسرية وأما حركة فلكها التي دلت عليها كواكبه الثابتة، فليس من علوم العرب وإن كانت تعرفها، كما ذكرت تنقل القمر، وقد ذكره الله سبحانه على انفراده، وخصه من بين الأفلاك السبعة بالذكر لميزته، فقال تعالى: " والسماء ذات البروج " فأفاد سبحانه بهذا البسط حصول ضروب
следующие страницы →