Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
باعهم فاعتراضهم لم تزعزع القواعد التي تقرر حكمها أبداً.
جراثيم الميكروب وصئبانه
لم يفتر وباستور من تحصين اكتشافه واستكمال الفوائد والشروط للاحتراز فيها من الفشل. من ذلك أنه عندما أطلع بأن بعض الميكروب لم تهلكه حرارة الماء التي تغلي والقدر مكشوفة بل كان يبقى بعضه حياً من بعد الغليان أما على الزجاجات أو فيها فيفسده أخذ يسخنها والزجاجات إلى درجة ١١٠=١٢٥ من الحرارة في القدر المعروفة باسم مخترعها بابن.
وعرف شريدر أيضاً ذلك فصار إما يسخن المواد الآلية بالقدر المذكور أو يتركها تغلي على العادة القديمة بضع ساعات. ولا يخفى أن من الميكروب الذي لم تممته حرارة الماء الغالي هي جراثيمه أو وصئبانه. واكتشف وباستور سنة ١٨٦٥ جراثيم أو بيضات ونسجها صئباناً لكل من أنواع الميكروب تخلفها هي فيتكون منها النسل.
وأشهر من توغل في البحث عنها المعلم كوخ الألماني ونشر فيه كتاباً سنة ١٨٧٦ وأظهر بأن جميع الميكروب وهو في إبان نشوئه ونموه يهلكه الماء المغلي بل أقل حرارة من درجتها إنما جراثيمها تحتمل بطراً شديد الأجاج وأظهر أيضاً بأن الحرارة الرطبة أنجع منها يابسة لأهلاك تلك الجراثيم فجعل بعض أنواعها في حمام جاف حرارته١٢٠ مدة أربع ساعات فلم تهلك ولكن تم ذلك بمدة ساعتين في حمام درجة حرارته ١٤٠ وأما الحرارة الرطبة أعني في حمام فيه بخار الماء فمائة درجة من الحرارة تكفي غالباً لأهلاكها تماماً بمدة قصيرة. ولأجل الحصول على الأمنية التامة في ذلك علمنا كوخ بان نكرر عملية التسخين في حمام البخار المذكورة بضع دفعات بين بعضها عدة ساعات ريثما يبرد السائل. فالجراثيم التي لم تهلكها الحرارة تنتعش وتنمو حينئذ فقبل أن يدرك وقت تخليفها وضع السائل من جديد في حمام البخار فيهلك الميكروب الناشئ فيه. فإذا أعيد ذلك مرة أخرى أو أكثر تتحول الصئبان كلها إلى خلايا ناضجة فتهلك ويحصل كذلك التعقيم التام.
стр. 1017
اليونان
غارات على أرضهم ورحلات إليها
تاريخ اليونان - لم يسكن جميع شعوب يونان منذ الزمن الأطول البلاد التي كانوا فيها في القرن السابع أي في العصر الذي أخذ أهل العلم يعرفون عنهم شيئاً يوثق به. وقد حفظ كثير من هذه الشعوب ذكرى نزولهم في تلك البلاد وامتازوا عن الشعوب العريقة في القدم النازلة في تلك البلاد. جاءت أمم كثيرة فاحتلت أرض يونان بقوائم سيوفها وتشتت شمل غيرهم أمام المغيرين عليهم. ويقول اليونان أن بدء هذه الغارات الشعواء والرحلات كانت من القدم بحيث لم تصلنا أخبارها مسطورة ونقلت وشاع ذكرها تقليداً ويقولون أنها كانت في القرن الثاني عشر (أي بعد أخذ طروادة بثمانين سنة) ولا عبرة على أن هذا التاريخ أخذ قضية مسلمة بدون جدال ولا نزاع فيه.
دعي أقدم سكان يونان بالبيلاسج (ولعل معناه القدماء) ولم يعرف عنهم شيء ولا فيما إذا كانوا من جنس يوناني أو من جنس آخر. ومن هؤلاء السكان غير اليونان ولا يعلم أيضاً كيف أبدل اسم بيلاسج بالهيلانين إذ لم يرد أشعار هوميروس أيضاً ذكر لهذا الاسم. ومن المقرر أن بضعة بلاد حفظت أثراً من أثار فاتحيها وغزاتها. فقد جاء قوم برابرة من البلاد المشهورة ببلاد المهاجمين عصابة من الفرسأن الإشراف وأمسى سكان البلاد الأصليون عملة يزرعون ويحرثون ليس إلا. وقد رحل وأمسى الذي سمي باسم (بيوسيا) كل من لم تخضع لهذا الحكم.
وبعد ردح من الدهر خرج الدور يون من جبال البند واجتازوا برزخ كورنت وأغاروا على بلاد المورة واستوطنوا من أقاليمها ما أمرعت تربته وغنيت رباعه وبقاعه مثل لا كونيا ومسينيا وارغوليديا وسيكيونيا وكورنت ومي كار. ويروى أن قدماء ملوكهم دعوهم الهيراكليديين (أي نسل المعبود وهيراكليس) ليغلبوا رعايأهم الثائرين ويعيدوهم إلى عروشهم وكان ملوك إسبارطة يرون أنهم من نسل قدماء السكان لا من الدور يين وقد استحال الشعب الذي احتل البلاد التي أغار عليها الدور يون إلى زراع وأهل فلاحة.
واستولت عصابة من الأيتوليين الذي صحبوا الدوريين في تلك الحملة على مقاطعة إيلديا في الغرب. وأنهال الأشياتيون ممن أبت نفوسهم الخضوع على شاطئ شبه جزيرة المورة.
стр. 1018
الشمالي وطردوا منها الأيونيين وأسسوا الأثنتي عشرة مدينة الآشيانية فلجأ الأيونيين المطرودون إلى مقاطعة اتيكيا وامتزجوا بسكانها الأقدمين ومن ذاك العهد عرف الأثينيون أي سكان اتيكيا شعباً أيونياً. ثم انفصلت عصابات من عدة شعوب وراحوا يؤسسون مستعمرات في السيف الآخر من البحر. والأيوليون أقدم هذه العصابات النازلة في آسيا ثم سكنوا بعد ذاك الشاطئ بعينه. واحتل الدور يون جزيرة أقر يطش (كريت) وبعد زمن استعمر اليونان صقلية وإيطاليا الجنوبية.
الدور يون - يراد بالدور يين نسل سكان الجبال النازلين من الشمال ممن طردوا أو أخضعوا سكان السهول شاطئ بلاد اليونأن الجنوبية المعروف ببلاد المورة ويذكر هؤلاء المغيرون أن ملوكاً من إسبارطة من نسل البطل هيرا كليس قد طردهم رعايأهم فجاءوا يبحثون عنهم في جبالهم فتبع الدور يون أخلاف هذا البطل حباً به ونصبوهم على عروشهم ثم أغاروا على السكان واستضعفوا أرضهم وديارهم. وكان هذا العنصر جيلاً من الناس اشتهر بجماله وقوته وصحة أجسامه وتعود البرد وشظف العيش وحياة الفقر والفاقة فترى رجالهم ونساؤهم يلبسون ثياباً قصيرة ى تصل إلى ركبهم. والدور يون أمة حربية دعاها الاضطرار إلى أن تكون أبداً على قدم الدفاع تحمل عدتها وعتادها وهم أقسى أهل يونأن لبعد أقليمهم عن سكان البحر ولذلك احتفظوا الأمصار لأنهم كانوا على وحدتهم لا يستطيعون الأمتزاج بالغرباء ولا تقليدهم في منازع أخلاقهم.
الأيونيون - يدعى شعوب اتيكيا والجزائر وشاطئ آسيا بالأمة الأيونية. ولا يعلم من أين جاءتهم هذه التسمية وهم على عكس الدور يين جنس من البحارة أو التجار. ومن أكثر شعوب اليونانية تهذيباً لأنهم استفادوا من الاحتكاك بأمم مشارقه أعرق منهم في الحضارة واقتبسوا من النظر إليهم وهم ضعاف في صبغتهم اليونانية لامتزاجهم بالآسيويين ولأنهم نحوا نحو هؤلاء في عاداتهم إلا قليلاً يميلون إلى السلم ويولعون بالصناعات ويعيشون عيش الترف يمضون الكلام ويرققونه ويلبسون ثياباًًً ضافية الأذيال على مثال المشارقة.
الهيلانيون - هذان العنصران أو الجنسأن المتباينأن المعروفإن بالدور يين والأيونيين هما عناصر اليونان وأقدرها. فأقليم إسبارطة للدور يين وأقليم أثينية للأيونيين وليس السواد الأعظم من اليونان والدور يين ولا أيونيين ويعرفون بالأيوليون وهو اسم مجهول يطلق
стр. 1019
على شعوب مختلفة في تلك الأصقاع من أيوليين واكرنا نيين وفوسيديين وبيوسيين من أهل البلاد اليونانية الوسطى والأشانيين من أهل المورة. وكل من تقدم ذكرهم يسمون باسم الهيلانيين الذين عرفوا به منذ ذاك العهد وهم لا يعرفون تسميتهم هذه كما نجهل نحن ذلك على أنهم يقولون أن دور وس وعولس كانا هيلانة وأيون حفيدهما.
مستعمرات اليونان
الاستعمار اليوناني - لم يقتصر الهيلانيون على سكنى بلاد اليونأن فقط بل قام منهم طوارئ من أهل المدن أنشؤا بلداناً في جميع الأنحاء المجاورة وكانت عدة من هذه الممالك الصغيرة اليونانية في جميع جزائر الأرخبيل وعلى شاطئ آسيا الصغرى وأقر يطش وقبرص وفي كل ما أحاط بالبحر الأسود إلى بلاد القاف قاس والقريم على طول البلاد العثمانية في أوروبا (المعروفة إذ ذاك بتراسيا) وعلى شاطئ أفريقية وفي صقلية وإيطاليا إلى شواطئ فرنسا وأسبانيا.
أخلاق هذه المستعمرات - يبدأ تاريخ المستعمرات اليونانية منقرون كثيرة أي من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس وهذه المستعمرات اشتقت من كل المدن ونتجت عن كل جنس دورياً كان أو أيونياً أو أبولياً. ولطالما قامت المستعمرات في أماكن قفرة تارة وفي بلاد مأهولة أخرى أسست حيناً بالفتح وآونة بالإتحاد مع السكان وأنشأها بحارة أو تجار أو منفيون أو متشردون. وتمتاز هذه المستعمرات على اختلاف زمانها ومكانها وجنسها وأصلها بخلق عام وأنها نشأت دفعة واحدة بمقتضى قواعد ثابتة. وما كان الطوارئ أو المستعمرون من اليونان يحلون في بلد واحد بعد واحد عصابات صغيرة ولم ينزلوا بقعة عرضاً فيقيمون لهم مساكن تصبح بالتدريج مدينة على نحو ما يفعل الطوارئ من الأوروبيين في أمريكا اليوم بل أن الطوارئ منهم يسافرون قضهم وقضيضهم دفعة واحدة ورئيسهم واحد فتؤسس المؤسس لها سواراً مقدساً ويجعل بيتاً مباركاً يوقد فيه ناراً مقدسة.
تقاليد المستعمرات - يتضح مما نقل من القصص القديمة في تأسيس بعض هذه المستعمرات وجه الاختلاف بينها وبين المستعمرات الحديثة. وإليك كيفية استعمار مرسيليا والبداءة به فقد جاء إلى بلاد الغال (فرنسا اليوم) أوكس نيس أحد أهالي مدينة فوسي في آسيا الصغرى على سفينة تجارية فدعاه أحد زعماء الغاليين إلى عرس ابنته ومن عادة هذا
стр. 1020
الشعب أن تدخل العروس بعد الطعام حاملة كأساً تقدمها لرجل تختاره من الجماعة فوقفت أمام اليوناني ومدت الكأس نحوه. فظهر للقوم أن هذا العمل كان بإلهام من السماء إذا لم يكن متوقعاً. فما كان من الزعيم الغالي إلا أن تزوج أوكسينس من ابنته وسمح له بأن يؤسس ورفاقه مدينة على خليج مرسيليا ثم رأى أهل فوسي أن الجيش الفارسي يحاصر مدينتهم فقاموا يعدون لهم سفناً تقل عيالهم وأثقالهم وأصنامهم وحلي معابدهم وغادروا بلدهم ماخرين في سفنهم وأقسموا عند منصرفهم أن لا يعودوا إليها إلا إذا عامت على وجه الماء الحديدة المحماة التي ألقوها في البحر. وقد نكث كثير منهم بالعهد وعادوا إلى مسقط رؤوسهم أما الباقون فظلوا يشقون العباب بعد العباب حتى وصلوا إلى مرسيليا بعد أن تجشموا أهولاً كثيرة. وأسس الأيونيون مدينة ميلت تاركين نساؤهم وراءهم واستولوا على بلد يقطنها ناس من آسيا فذبحوا الرجال وتزوجوا النساء وبناتهم قسراً. ويقال أن هؤلاء النساء أقسمن أن لا يتنأولن الطعام مع أزواجهن وأن لا ينادينهم بيا أزواجنا. عادة بقيت قروناً يعمل بها نساء ميلت. أما مستعمرة برقة في أفريقية فقد أسست بأمر صريح من المعبود أبولون ووحي منه. فلم يكن سكان مدينة تيرا الذين أمروا بذلك يحاذرون من نزول بلد مجهول ولم يعملوا بهذا الأمر إلا بعد سبع سنين وكانت جزيرتهم عرضة للجفاف فاعتقدوا أن أبولون ساقهم إلى تلك الجزيرة عقاباً منه لهم. وحاول الطوارئ الذين أنقذوهم أن يرجعوا فدأهمهم مواطنوهم وأكرهوهم على السفر. وبعد عامين في إحدى الجزر وقد خانتهم فيها أسباب النجاح انتهى بهم الحال أن يستوطنوا أبد الدهر مدينة برقة فكان منها مدينة عأمرة راقية.
خطورة المستعمرات - شأن هذه الطوارئ أن تؤسس حكومة جديدة في كل مكان تنزله ولا تخضع لأم القرى التي انفصلت عنها بتة. وهكذا بلغت الحال بأن كان البحر المتوسط محاطاً بمدن يونانية كل منها مستقلة تمام الاستقلال. فأصبح كثير من هذه المدن آية في غناه وقوته لم تضاهه بهما المدن التي خرجت منها وكان لها أصقاع أوسع وأخصب وسكان أوفر وأكثر. ويقال إنه كان في مدينة سيباريس في إيطاليا ثلاثمائة ألف رجل يحمل السلاح وأن كروتون جيشت جيشاً مؤلفا من مئة وعشرين ألف مقاتل وفاقت سيراكوزة في صقيلة وميلت في آسيا بقوتهما مملكتي إسبارطة وأثينية وكان يدعى جنوب إيطاليا يونأن
стр. 1021
الكبرى. وما كانت وما كأنت المملكة الأصلية غير بلاد صغرى بالنسبة لتلك المملكة المأهولة كلها بالطوارئ من اليونان. وحدث أن كان الهيلانيون أوفر عدداً في البلاد المجاورة منهم في بلاد اليونان نفسها. ونرى بين رجال تلك المستعمرات طائفة صالحة من المشاهير هوميروس والسيوس وساف وس وطال يس وفيثاغورس وهير أقليطس ودو موقر يطس وانفيد كلس وأرسطوطاليس وأرخميدس وتيو كرينس وغيرهم.
المدن - ظل اليونان منقسمين إلى طوائف صغيرة في كل البلاد التي نزلوها كما كانوا على عهد هوميروس. وغير خاف أن أرض اليونان وإيطاليا الجنوبية منقطعة بالبحر والجبال ولذلك انقسمت بالطبع إلى عدد كثير من المقاطعات الصغيرة كل منها منفردة عن جارتها برأس من البحر أو بجدار من الصخر بحيث يسهل الدفاع عنها وتصعب الموأصلات فكانت تتألف من كل مقاطعة حكومة على حدتها تدعى مدينة وقد بلغت أكثر من مئة مدينة وإذا أحصيت المستعمرات بلغت زهاء الألف وليست مملكة اليونانية إلا صورة مصغرة بالنسبة إلنا فإن ايتكيا كلها لا تساوي نصف أصغر مقاطعات فرنسا لهذا العهد أما أراضي كورنت أو ميكار فقد صارت ريفاً ومزارع. ومن العادة أن تكون ما يعبرون عنه بمملكة الواحدة قلعة المملكة الثانية وجبالها أو مرفأ المملكة المجاورة وكثير من هذه الممالك لا يسكنه أكثر من بضعة ألوف من الناس وأعظمها لا يكاد يكون فيه مائتان أو ثلاثمائة ألف نسمة. وبعد فلم يؤلف الهيلانيون أو اليونانيين أمة برأسها ولا أنفكوا من التقاتل والتقاطع على أنهم تكلموا لغة واحدة على حد سواء وعبدوا آلهة واحدة عاشوا عيشة واحدة منذ شطوط أسبانيا إلى طرف البحر الأسود. فكانوا بهذه العلامات يتعارفون كما تعارف أبناء نبعة واحدة ويمتازون عن سائر الأمم التي يدعونها البرابرة فينظرون إليها نظر الأستخاف والأمتهان.
الديانة اليونانية
تعدد الأرباب - اعتقد اليونان اعتقاد سائر قدماء الآريين بأرباب كثيرة ولم يكن لهم شعور باللأنهاية ولا بالأزلية ولم يؤمنوا برب واحد تكون السماء سرادقه والأرض سلمه ومرتقاه. واعتقد اليونان أن كل قوة في الطبيعة من هائها وشمسها وبحرها هي قوة إلهية ونسبوا كلا من هذه القوى إلى رب خاص إذ لم يدركوا أن علة واحدة تنتج كل هذه الأكوان ولذا عبدوا
стр. 1022
عدداً من هذه الآلهة فكانوا وثنيين على هذا النحو.
نسبة الشهوات البشرية ودعوى تجسد الرب - كل رب هو قوة من الطبيعة وله اسم خاص به ولشدة تصور اليونانيين وسعة خيالهم مثلت لهم أذهانهم تحت الاسم كائناً حياً في أبهى المظاهر من الصور البشرية وكانوا يتمثلون المعبود أو المعبودة على صورة رجلاً جميل الطلعة وامرأة وسيمة المحيى وعند ما كان عولس أو تيليماك يصادفإن رجلاً عظيماً وسيماً يبدان بسؤاله عما إذا كان رباً من الأرباب. وقد صور على ترس البطل أشيل صورة جيش. قال هوميرس في وصفه له: أن أريس واتنييه كانا يقودان الجيش وكلأهما متشح بالذهب وكانا من الجمال والاعتدال على صورة تليق بالأرباب إذ البشر أقزام فصار القامات وكان الأرباب اليونانيين بشراً يلبسون ثياباً ولهم قصور وأجساد كأجسادنا وهم أن لم يموتوا يجرحون. وذكر الشاعر هوميرس كيف أن أحد المحاربين جرح الرب أريس فراح يصرخ من الألم. وهذا الضرب من اختيار الأرباب على مثال البشر هو ما يدعى انترومورفيسم أي تجسيد الأرباب.
علم الميثولوجيا - للأرباب أقرباء وأولاد ورهط وأسرات لأنهم ناس كالآراميين فأمهم ربة وأخوتهم أرباب غيرهم أو ناس هم نصف أرباب. وتدعى أنساب هذه الأرباب تيوغونيا. وللأرباب تاريخ وحوادث ولهم قصص في مواليدهم وأخبار شبيبتهم وأعمالهم. فالرب أبولون مثلاً ولد في جزيرة ديلوس وكأنت اليها أمة لاتون وقتل غيلاناً كان قد خرب تلك البلاد في سفح جبل البار ناس. وهكذا كان لكل مقاطعة يونانية أخبار تعزوها لأربابها سموها الخرافات ومن تتألف الميثولوجيا أي تاريخ الأرباب.
الأرباب المحليون - بقي الأرباب وهم اليونانيون وهم على صفتهم البشرية على ما كانت عليه أولا كواثن طبيعية فكان القوم يتخيلونها كما يتخيلون البشر وقوى الطبيعة فقد كأنت الناياد فتاة جميلة ونبعاً في آن واحد. وتخيل هوميرس الشاعر أن نهر جزيرة الزانت هو رب وقال فيه (لقد تدفق نهر الزانت على البطل أشيل وهو يزيد غيظا ويرغي حنقاً ويخر طافحاً بالزبد والجثث) وظلت الأمة تقول أن الرب زيوس ينزل المطر ويرسل الرعد. وكان اليوناني يعتقد أن الرب عبارة عن مطر وسيل وسماء أو شمس لا السماء والشمس والأرض على الجملة. وكان ربه مسامتاً للسماء التي تظله والأرض التي تقله والنهر الذي
стр. 1023
يعله. فمن ثم كان لكل فمن ثم لكل مدينة أرباب ومعبودات كثيرة فمن رب الشمس إلى أباب الأرض إلى رب البحر وكانت تلك الأرباب منفصلة عن شمس البلد المجاورة وأرضها وبحرها بمعنى إنه كان لأهل كل مقاطعة ربها ومعبوداتها الخاصة بها. فليس لرب إسبارطة زيوس رباً لأثينة زيوس بعينه وربما كان يذكر في قسم واحد ربان تحت اسم أبولون. ذكر أحد من طاف بلاد اليونان من السياح أنه شاهد ألوفاً من الأرباب كانت تدعى أرباب المدينة ولم يكن هناك سيل ماء ولا غابة ولا أكمه شماء إلا وهي مؤلفة ولها صفة لا يشاركها فيها غيرها وربما كان هذا المعبود صغيراً لا يعبده إلا يعبده من أهل الجوار وما مزاره غير مغارة في الصخر.
الأرباب الكبيرة - وهم اليونان أن فوق الأرباب الصغيرة المنبثة في كل مقاطعة بضعة أرباب كبيرة كالشمس والسماء والأرض ولبحر المدعوة بهذا الاسم ولها في كل كان معبد خاص أو مزار يتقرب فيه إليها وكانت تمثل كل من هذه الأرباب أهم القوى الطبيعية وما أكثر عدد هذه الأرباب التي اشترك أهل يونان كافة في التقرب إليها فإنك لو أحصيتها لا تكاد تصل في عددها إلى العشرين. ومن سوء عادتنا معاشر الإفرنج أن ندعو هذه الأرباب بأسماء أرباب لاتينية وإليك حقيقة أسمائهم:
زيوس (المشتري=هيرا (جونون) =اتينيه (منرفا) =أبولون=رتيمس= (ديان) =هيفر توس (فولكين) =هرميس (عطارد) =هيستيا (فيسا) أريس= (المريخ) =افروديت (الزهرة)
بوزيدون (سيريس) =برسيفونه (بروزربين) هاديس (بلوتيون) =ديوينزوس (باخوس). وهذه الزمرة من الأرباب هي التي كانت تعبد في كل المعابد على الجملة ويتوسل إليها في الصلوات.
خصائص الأرباب - لكل من هذه الأرباب هيئته وهندامه وأدواته المدعوة خصائص هكذا تصورها المؤمنون من أبناء يونان وهكذا مثلها النقاشون منهم. ولكل خلقه المعروف به بين عابديه ولكل منها عمله الخاص به في العالم ويقوم بوظائف معينة وذلك بمعونة أرباب ثانوية تطيعه في العادة ويتصرف فيها بأمره. فالرب اتنيه مثلاً هو على صورة عذراء ذات عينين براقتين مثلت قائمة وهي تحمل رمحاً وعلى رأسها خوذة وعلى صدرها سلاح لامع وهي عندهم ربة الهواء النقي والحكمة والاختراع وعلى جانب من الهيبة والشراسة. ومثل
стр. 1024
هيفيزتوس رب النار حاملاً بيده مطرقة على صورة حداد أعرج قبيح الهيئة وزعموا أنه ينزل الصاعقة. وأن الربة أرت يمس كانت عذراء متوحشة تحمل قوساً وكنانة وهي تطوف الغابات تتصيد مع زمرة من الجنيات وهي ربة الغابات والصيد والموت. أما هرميس الذي قتلوه لابساً نعالاً مجنحة فهو رب المطر المخصبة وله أعمال أخرى وهو رب الأسواق والأماكن ورب التجارة ورب السرقة ورب الفصاحة يسري بأرواح الموتى ويمشي في السفارات بين الأرباب ويقوم على تربية الحيوانات. وللرب اليوناني أبداً عدة وظائف في الغالب عي في نظرنا متخالفة غير أن اليونان تخيلوا أن بيتاً تشابهاً ويرتئون لها صلة وعائداً. الأولمب وزيوس - كل من هذه الأرباب أشبه بملك في مقره ومع هذا فقد لاحظ اليونان أن جميع قوى الطبيعة لا تسير بالتصادف وأنها تعمل يداً واحدة فكانوا يطلقون اللفظ الواحد للتعبير عن النظام والعالم ففرضوا أن أرباب أتحدت على تسيير نظام العالم وأنه كلن لهم شرائع وحكومة كما للبشر. وكنت ترى في شمالي اليونان جبلاً ذا قمم مكسوة بالثلج لم يصعد إليه بشر واسمه الأولمب وعلى هذه القمة المستورة عن أعين الناس بما يتراكم عليها من الضباب توهم اليونان أن الأرباب يعقدون جلساتهم فيجتمعون مستنيرين بتنور سماوي يتقاضون في شؤون العالم وعظيمهم زيوس يرأس تلك الجلسات لأنه رب السماء والنور والرب الذي يؤلف فالسحاب ويرسل الصواعق وصوروه على مثال شيخ مهاب ذي لحية بيضاء جالس على عرش من ذهب وهو الذي خص بالزعامة دون سائر الأرباب ولذلك تراها تخضع له فإذا بدرت من أحدها بادرة المقاومة في أمر يتهددها زيوس وإليك ما ذكره هو ميرس على لسانه اعقدوا في السماء سلسلة من ذهب وتعلقوا بها أنتم معاشر الأرباب ذكوراً كنتم أو إناثاً ولو بذلتم الجهد كلكم لا تجرون زيوس إلى الأرض وهو الملك وعلى العكس إذا أردت أن أجذب السلسة إلي فإنا جاذب إلي الأرض والسماء والبحر ثم أعلقه بقمة الأولمب ويبقى العالم كله معلقا مصلوبا ما دمت أعلى منزلة من الأرباب والبشر.
آداب الميثولوجيا اليونانية - وهم اليونان أن معظم أربابهم من القسوة والسفك والخداع والسفاهة على جانب فاخترعوا لهم أخباراً سفيهة وأعمالاً نأبية عن طور اللياقة. فكان هرميس بزعمهم لصاً واشتهرت أفروديت بغنجها وخفرها واريس بقسوته وكانوا كلهم من
стр. 1025
العجب بحيث لا ينفكون عن اضطهاد من تسأهل في تقديم الضحايا لهم. ولما أعجبت نيوبي ملكة ثيبة بكثرة أسرتها لم يصعب عليها أن رأت الرب أبولون يصمي أولادها بالسهام ويمزقهم كل ممزق. وكان من حال تلك الأرباب في الحسد بحيث لا تتمالك من رؤية إنسان بلغ غايات السعادة. فاليونان رأوا السعادة من أعظم الأخطار لأنها تجلب غضب الأرباب حتماً ولذلك ابتدعوا ربة للغضب والانتقام سموها نيميزيس ويذكرون لها قصصاً كالآتية مثلاً: ذلك أن بوليكراتس الظالم من أهل الجزيرة سيسام خاف يوما أن حسد الأرباب إذ غدا ذا طول وحول وكان يملك خاتم ذهب له موقع كبير من نفسه فألقاه في اليم لئلا تكون سعادته مشوبة بالشقاء ثم أن صياداً أحضر لبولكراتس ذات يوم سمكة عظيمة وجد خاتمه في جوفها فكأن ذلك في نظره شؤماً دالاً على وقوع المصيبة الأكيدة، فحوصر بعد في مدينته وأخذ وصلب وعاقبه أرباب يونان على سعادته نالها وحظ من النعم أصابه.
عرف بهذا أن الميثولوجيا اليونانية كانت عارية عن الأخلاق إذ كان الأرباب قدوة سيئة للناس قال ذلك فلاسفة اليونان وضيقوا على الشعراء الذين نشروا هذه الحكايات وذكر أحد تلاميذ وفيثاغورس أن معلمه أطلع على الجحيم فرأى فيه روح هوميروس الشاعر مصلوبة في شجرة وروح أزيودس مدلاة في دعامة عقوبة لهما على أهانتهما الأرباب وقال كسينوفإن أن هوميروس وازيودس قد نسبا للأرباب أعمالاً من شأنها أن تكون عاراً بين البشر وشناراً عليهم وهناك إله واحد لا يشبه البشر ولا بعقولها وكان يزيد على ذلك قوله: لو كان للبقر والأسود أيد واستطاعت أن تصور كالناس لصنعوا للأرباب أجساداً تشبه أجسادهم ولجعلت أعين للأرباب أجساداً كالخيل والبقر. والناس يذهبون إلى أن للأرباب إحساساً وصوتاً وجسداً. هذا قول كسينوفإن وهو من الحق والعدل بمكان إذ جعل اليونأن الأول أربابهم على صورهم مثل ما كانوا عليه في ذاك العهد سفاكين غدارين حسودين معجبين وكذلك كان أربابهم. ثم صاروا على نية التحسين في أخلاقهم ينشأ أخلافهم متبرمين من هذه المبادئ كلها عازفين عنها ولكن تاريخ الأرباب وأخلاقهم كانت مقررة بحكايات قديمة أخذها أهل الأجيال الحديثة ولم يجرؤوا على تغيير أرباب أجدادهم الفظة السفيهة بغيرها.
стр. 1026
بعض تباريح
المعنى مأخوذ عن شاعر أمريكاني
حمامة هذا الفجر ويحك رفرفي ... لتلتقطي حب النجوم وطيري
لعل الصبا تندي على القلب ندوة ... تنفس وجدي أو تبل زفيري
فلي في الصبا شكوى ولي في الصبا هوى ... وبعض تباريح وبعض أمور
تحك نفسي كلما هفهفت وما ... تظن بأنفاس وشعلة نور
تلاقي إليها الحب من كل مذهب ... كما استهدفت فيه لكل مصير
فكيف انتثت تلق الهوى أو شعاعه ... لحاظاً وألفاظاً ونور ثغور
كثير على نفسي همومي وحسبها ... على عنت الأيام حمل ضميري
تخالجني بالرغم يأس مبرح ... سواء غيري بعده ويسيري
وما أنا مردود إلى الرأي بعد ما ... تحكم طبعي واستمر مريري
شجينا وباتوا قد خلت مهجاتهم ... على أفق بادي الصفاء منير
وما في اكتئاب العشق حزن وإنما ... لمعنى يرى في اللحظ بعض فتور
стр. 1027
سير العلم
أثار رومانية
كان أحد علماء الأثار من الطليان اكتشف منذ بضع سنين في فياسا كرا من جبال مدينة رومية مدافن قديمة جداً يرد عهدها إلى ما قبل تأسيس رومية بقرون فاهتز لذلك العلماء والمؤرخون إذ ثبت لهم إن ما يوجد في عظماء هو ما وجد تلك المدافن من الخزف والحلي والتعاويذ وضروب الزينة التي زينت بها العظام هو مما يدل على أن هناك عنصراً وتمدناً يخالف العنصر الروماني وتمدنه. وقد عثر الأن في جبال بلاتين أي في تلك البقعة عينها على مدافن على شكل آبار مثل قبور الفور وم وربما كان المدفون فيها أناس من سكان تلك البلاد الأصليين وما زال الحفر متتابعاً.
أميركا والفينيقيون
ما برح علماء الأثار يبحثون عمن سكن أمريكا قبل القرون الوسطى قائلين أنها عرفت قبل مكتشفها كريستوف كولومبس بنحو خمسة وعشرين قرناً لأن الأثار التي وجدت في كثير من أنحائها كالهياكل والأواني النحاسية والكتابات العبرانية تدل على أنه سكنها ناس من العبرانيين أو الفنييقين والأرجح أنهم فينيقيون لأن جميع الهياكل كانت أبوابها متجهة إلى الشرق خاصة بعبادة الشمس على نحو الهياكل الفينيقية ووجد فيها صور بعض الحيوانات الكاسرة والدا جنة منها ما عهد عند الفنييقين ومنها ما أثرت عبادته عن قدماء المصريين ومعظم تلك العاديات أشبه بهياكل سورية وجنوبي أوروبا وشمالي أفريقية وغيرها من البلاد التي نزلها الفنيفييون وأقاموا فيها متاجر فاستنتج من ذلك علماء الأثار ورجحوا أن الفينيقيين نزلوا أمريكا كما نزلوا أيرلندا في أقصى الشمال الغربي من أوروبا وأن أهل أمريكا قبل الاكتشاف كانوا يعرفون ما عند الفينيقيين من الصنائع والدين واللغة وكلما ظهرت عاديات جديدة تجلت حقائق كثيرة ويثبت ثبوتاً لا مجال للشك فيه.
المنازل المهلكة
وضعت المجلة مقالة وصفت فيها المنازل الفقيرة في باريس بدأت فيها بما جاء في المثل الفارسي القديم يدخل الطبيب أحياناً إلى الدار المحرومة من الهواء والشمس وقالت أن الأمراض المعدية ولاسيما السل لا تنتشر إلا في الأمكنة الندية التي لا تضربها أشعة
стр. 1028
الشمس وأن جراثيم هذا المرض تعيش أسأبيع بل أشهراً في الظلام فإذا أقام أمرؤ ضعيف الجسم مستعد لهذا المرض الخبيث في غرفة معرضة للشمس يسلم من هذا المرض وعلى العكس تسرع إليه جراثيمه إذا جلس في مكان رطب لا شمس فيه ولا هواء ينفذ إليه حتى قال بعضهم أن السل هو أحد أمراض الظلمة وقد أجمع أطباء الأمم الباحثين في هذا الداء العياء على أن السبب الرئيسي في انتشاره فقدان النور والشمس من أكواخ الفقراء التي يحشر إليها العيال والأطفال وقالوا لا يكفي أن تكون غرفة النوم وردهة الاستقبال وغرفة الطعام معرضة للشمس بل لا بد من أن يكون المطبخ وكل مكان في البيت معرضاً لها أيضاً ولأجل السكنى في بيت ذي ثلاث طبقات ينبغي أن يكون قائماً على شارع عرضه ١٥ إلى ٣٠ متراً بحيث يغدو الهواء والشمس فيه وتروح. وقال كاتب المقالة أنه يؤخذ من الإحصاء الذي جرى مدة عشر سنين في مساكن باريس وهي ٨٠ ألف مسكن أنه قضى بالسل ١٠١٤٩٦ شخصاً في ٢٣١٢٤ مسكناً منها ٥٧٦٣ مسكنا وقع فيها ٣٨ في المئة من مجموع من قضوا بالسل وثبت أن ٣٥٨ مسكناً من هذه المساكن كان فيها ٢٦٢٨ غرفة مسكونة لا هواء فيها ولا نور بالمرة وإن ٨٢٠ مسكناً يجب أن يهدم فوراً لأنها منبعث هذا العقام. وقد قامت عدة جمعيات في فرنسا تدعو إلى تطهير البيوت واختيار أماكن صحية للعمل والنوم والراحة في الليل والنهار. وفي ألمانيا مجالس بلدية تعطي التعليمات يختاره وسيئاته لئلا يصاب وأسرته بمرض عششت فيه جراثيمه وكذلك ترى في كثير من المدن مجالسها البلدية عارفة بالبيوت الملوثة والبيوت السليمة لتتوفر على محاربة جراثيم السل الرئوي. وفي مقالة ثانية أن السل يمكن شفاؤه إذا تدورك أمره وأنه ثبت أن الفقراء هم أكثر الناس عرضة له ففي ألمانيا يموت به ١١٠ آلاف نسمة منهم ٨٠ ألفاً من الطبقات العاملة التي يقل دخلها عن أفي مارك في السنة.
عادة الأفيون
تعاقب اليابان متعاطي الأفيون بالأشغال الشاقة وتختلف مدة ذلك باختلاف استهتاره واسترساله وقد أصدرت الصين في العهد الأخير أمراً تقضي فيه على جميع بيوت الأفيون العامة أن تصفي أشغالها وتقفل أبوابها وأعطتها أمراً لذلك عشر سنين ولكن عادة الأفيون التي يطاردها أهل الشرق الأقصى التي نشأت بينهم أصبح أهل أوروبا يتسأهلون معها
стр. 1029
بحيث يجري تنأول الأفيون جهاراً في العواصم والحكومات غافلة عن متعاطيها الذين اعتادوها في رحلته إلى الشرق مثل الإنكليز والفرنسيين وقد ارتأى أحد أطباء الفرنسيين إن خير علاج يعالج به متعاطي هذا المخدر أن يسجن في دار خاصة بأمثاله ويقطع عنه الأفيون دفعة واحدة ففي الأسبوع الأول يشكو كثيراً ثم يخف ألمه لفقد ما كان الفه وتسمم به دمه لا كما يعامل الذين يستخدمون المورفين إذا أريد منعهم من تعاطيه بالتدريج معهم في نزع عادته منهم وهو يرى أن الأفيون كالأوبئة ينبغي مكافحتها بشدة زائدة وأنه خطر اجتماعي لا يقل عن خطر المسكرات يعود بأعظم المضار على الجنس كما يعود على الشخص وعلى المجتمع كما على الأسرة.
الرعاد الجديد
اخترع أحد رجال الإنكليز رعاداً يقطع في الدقيقة ٣٠٠ متر وهي أعظم سرعة بلغتها السفن البخارية حتى الآن وسيحدث عنه تبديل في الملاحة الحربية وتتضاعف به قوة الغواصات.
ذرور اللحى
اخترع أحد الإنكليز ذرورا للحى تستغني به بعد الآن عن استعمال المواسي في حلقها وهو ما يجعل معجوناً يمد على اللحية فتزول بالحال ولا يحتاج صاحبها إلا إلى غسلها بعد ذلك وقد جرب هذا الاختراع ونجح ويؤكدون أنه خير ما عرف من نوعه حتى الآن.
تأثير الشعراء
قالت بعض المجلات العلمية أن الشعراء في بعض أدوار الأمم هم الذين ينشئون لغة بلادهم وعنهم تنبعث وبهم تهتدي فاللغة الألمانية الأدبية الحقيقية نشأت من عهد كيتي وقد جعل دانتي الطلياني لهجة طوسكانيا لغة لإيطاليا عامة وقد تبين لأحد الباحثين أن أشعار هوميروس اليوناني هي التي أحكمت اللهجة الآسية في بلاد اليونان.
الطلبة في فرنسا
نشرت نظارة المعارف في فرنسا إحصاء بطلاب الكليات والمدارس والجامعة في هذه السنة فكانوا ٥٨ ألفاً منهم ٢٣٠٠ أنثى ونحو ٣٥٠٠ غير وطني ونصف الطلبة يتعلمون
стр. 1030
الحقوق بينهم نحو مئة طالبة وطلاب الطب أقل من طلاب الحقوق فيهم نحو ألف طالبة وفي كلية باريس نصف طلاب فرنسا ثم تجيء كلية ليون وتولوز وبوردو.
موت الأطفال
ينقص معدل الوفيات من الأطفال في معظم البلاد المتمدنة ولاسيما في ألمانيا وإنكلترا ففي كل مئة طفل في ألمانيا يبلغ ٧٥ منهم السنة الأولى من أعمارهم. أما فرنسا فإن ٨٧ في المئة يبلغون هذه السن.
عقل الأمبراطورة
إمبراطورة اليابان من أعقل نساء الأرض وأكثر الملكات والأمبراطورية عناية بالمسائل النسائية فهي محسنة تصرف القسم الأعظم من وقتها في الاختلاف إلى المستشفيات والمدارس وقد أنشأت للبنات كثيراً من المستشفيات الخاصة بهن وهي التي أسست منذ سنة ١٨٧٤ أول مدرسة لتخريج المعلمات في طوكيو إذ أنها علمت بأن المرأة اليابانية ينبغي لها أن تعضد زوجها في عمله لإصلاح حال اليابان.
سكر الفاكهة
يوصي علماء الصحة باستعمال السكر لمن يصرفون كثيراً من قوأهم العضلية ليعوضهم عما فقدوه وقد رأوا الآن أن استعمال سكر القصب يهيج الغشاء المخاطي المعدي كما ظهر تجارب كثيرة في الجند الألماني وأنه يفضل استعمال السكر المصنوع من الثمار.
التآليف في أوروبا
يؤخذ من الإحصاءات الأخيرة أنه ظهر في ألمانيا في السنة الماضية ضعفاً ما ظهر في فرنسا من المصنفات الأدبية وأنه حظ إيطاليا من ذلك حظ فرنسا تقريباً أما إنكلترا فصدر قيها نصف ما صدر في فرنسا. وقد صدر في سنة ١٩٠١ نحو ٣٥ ألف مصنف في ألمانيا و١٠٠٠ في فرنسا ومثلها في إيطاليا و٦٠٠٠ في إنكلترا. فكم تأليف صدر باللغة العربية ياترى لغة نحو مائتي وخمسين مليوناً من المسلمين ولغة يقدر المتكلمون بها في أفريقية وغربي آسيا بنحو ستين مليونا.
الترجمة باليابانية
стр. 1031
أكد أحد علماء اليابان أن الترجمة من اللغات الأوروبية إلى اللغة اليابانية صعبة جداً ويصعب نقل جميع صور الألفاظ والمعاني كما يسهل نقل العلوم من لغة أوروبية إلى لغة مثلها ولو لم يكن في اللغة المنقول إلها نفس المفردات والأوضاع الموجودة في اللغة المنقول عنها وقال أن اللغة اليابانية اليوم عائقة عن إدخال أساليب الارتقاء الأوروبي وأن لغة اليابان غنية وفيها من الألفاظ والأساليب في الشعر ما لا يوجد مثله في لغة سواها والصعوبة في ذلك أن لغة للكتابة ولغة للتكلم فهي من جهة ترسم التصورات ومن جهة تنطق بها فمن المتعذر والحالة هذه رسم التصورات في مفردات مفهومة فما دامت الألفاظ تحول دون الترجمة الصحيحة يصعب أن تكون يابأن في تمدنها كأهل أوروبا كما تحب وترضى.
صحة العيون
أثبت الدكتور كوليك مدير التربية الطبيعية في مدارس نيويورك بما قام به من التجارب العديدة أن لاضطراب النظر تأثيراً يلحق بالصحة واستنتج أن إجهاد العيون يضر بمجموع تركيب الإنسان وقال أن العلماء هاكسي وكارلايل وأنييركان سبب هلاكهم سوء حالة عيونهم. ولا يزال هذا المرض بتزايد الحالة الاجتماعية. ومعلوم أن عيون الحضري أعظم من عيون البدوي لما تتعرض له الأولى من القراءة والتحديق في الأمور الدقيقة أو الحروف السوداء على الورق على حين أن الثاني لا يقرأ ولا يكتب ولا يتعب نظره لأنه يسرح بصره في الأبعاد في هواء مطلق بدون أن يهيج أعصاب النظر وأثبت الدكتور المشار إليه أن كثيراً من الأمراض كالأوجاع الطبيعية والشقيقة والأم المعدة مسببة من القراءة فلا تداوى إلا بوضع المناظير على العيون. ومعظم الناس لا يحتاطون في قراءتهم ويجهلون بأنه ينبغي أبداً اجتناب القراءة أو العمل وهم على وضع يدخل النور إلى عيونهم مباشرة على حين أن بؤبؤ العين يتطلب نوراً معكوساً. ومن رأيه من يعنى بعينيه تجود صحته وغسلهما بالماء البارد حسن وأحسن منه عدم تعريضهما لما يضرهما.
اكتشاف القطب
ستسافر هذه السنة بعثتأن لاكتشاف القطب الشمالي علاوة على البعثتين اللتين سافرتا إليه فبالبعثة الأولى برئاسة رجل دنمركي تتولى البحث عما إذا لم يكن أرض غير معروفة في
стр. 1032
شمال الأسكا والثانية بزعامة أمير من أمراء وهي ستتم أبحاث القبطان أيرتشين في غروانلاند وترسم صورة جزء من الشاطئ الشمالي الشرقي من هذه الجزيرة. كما تسافر في هذا الصيف بعثة علمية إلى القطب الجنوبي من طريق المحيط الهندي حتى تصل إلى أرض فيكتوريا ومنها تنزل من السفن وتستعمل طريقة أخرى للنقل وربما استعمل الأتومويل في هذه الرحلة. وكان الرحالة روس وصل إلى عرض ٧٨ في القرن الماضي وأعلن أنه يستحيل أن يتقدم المرء إلى الأمام ولكن الرحالة سكوت اكتشف سنة١٩٠٢ و١٩٠٣ بأن وراء سد الثلج الذي منع روس من التقدم بقعة يمكن الوصول إليها على مراكب بلا عجل فبلغ بذلك درجة ٨٢ ودعا ذلك المكان باسم ادوارد السابع.
نور غير الشمس
الاسيتلين مادة من المواد التي تستعمل في إنارة المصأبيح. وقد ارتأى أحدهم في أمريكا بأنه يمكن الاستغناء بها عن نور الشمس في زراعة النباتات ويمكن بواسطة الحصول على توت إفرنجي جيد لطيف قبل موسمه بخمسة عشر يوماً.
стр. 1033
مطبوعات ومخطوطات
مجموع متون أصولية
لا يوجد فن من الفنون يتسع فيع مجال النظر مثل فن أصول الفقه ولذلك عني أهل العلم وألفيت فيه الكتب كثيرة ومن غرائب هذا الفن أنه يتيسر هذا الفن أنه يتيسر أن تجمع أهم مسائله في ورقة أو ورقات ويمكن التوسع فيه حتى يكتب فيه في عشرة آلاف ورقة وهو كغيره من الفنون قد وقعت فيه كتب في غاية الجودة وكتب دون ذلك إلا أن أكثر الكتب الجيدة كان يفقد أثرها ومنها رسالة الأمام الشافعي وهو أول من جمع مسائل هذا الفن. وأكثر ما عني به المتأخرون كتب في غاية الإيجاز تعد عبارتها من قبيل الألغاز فكان المبتدئ يبتدئ بها مع أنها لم توضع له البتة فحدث من ذلك أنه هجر هذا الفن حتى أن كثيراً من الحواضر لا يوجد بها من له إلمام به. ولقد حاول بعض أفاضل العلماء أن يبحثوا عن كب جعلت للمبتدئ حتى إذا قرأها أولاً هان عليه الأمر فيما بعد. ومن أعظم من قام بهذا الأمر الشيخ جمال الدين القاسمي من علماء دمشق فقد انتخب أولاً أربع رسائل من أحسن رسائل هذا الفن وكتب عليها حواشي نافعة بحيث تكشف الغطاء في كثير من المواضع ولم يكفه ما فعل أولاً حتى اتبعها ثانيا برسائل أربع في مذاهب الأئمة الأربعة وحشاها كذلك. وقد وصلنا هذا المجموع وهو مشتمل على مختصر المنار لزيد الدين الحلبي الحنفي المتوفى سنة ٨٠٨ والورقات لأمام الحرمين ضياء الدين الجوني المتوفى سنة ٤٧٨ المتوفى سنة٦٨٤ وقواعد الأصول لصفي الدين البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٩ طبعت هذه الرسائل على نفقة محمد أفندي هاشم الكتبي وتطلب من مكتبته في دمشق وهي في زهاء ١٥٠ صفحة منصفة القطع.
البريد المصري
أتانا تقرير مصلحة البريد المصري عن سنة١٩٠٦ فاستفدنا منه أموراً كثيرة تدل على حياة القطر منها أنه بلغ عدد المراسلات التي أصدرتها إدارة البريد في السنة الماضية ٥٨٠٠٠٠٠٠ رسالة وكانت في السنة التي قبلها ٥٠٧٧٠٠٠٠ رسالة فتكون الزيادة ١٤ في المئة. وكأنت الزيادة عامة لجميع أنواع المراسلات المتبادلة في القطر مع البلدان الخارجية ولاسيما المراسلات المسجلة داخل القطر إذ زادت ٧٠ في المئة والسبب الأكبر
стр. 1034
في ذلك تخفيض رسوم التسجيل داخل القطر من أول يناير سنة ١٩٠١ من ١٠ إلى ٥ مليمات عن كل مرحلة. وبلغ ما صدر بواسطة البريد من حوالات وصرر نقود داخل القطر ٢٣٣٥٨٠٠٠ ج. م مقابل ٢٢٨٨٠٠٠٠ في سنة ١٩٠٥ وبلغ عدد الحوالات التي تبودلت مع الجهات الخارجية ١٩٧٥٠٠ حوالة بمبلغ ٧٩٦٩٠٠ ج. م وبلغ عدد الطرود المرسلة ٧٥٩٠٠٠ طرد مقابل ٧٥١ ألفاً في السنة التي قبلها وتقدم الطرود المحول عليها من ٧٧ ألفاً سنة ١٩٠٥ إلى ٨٥٨٠٠ سنة ١٩٠٦ وأحدث في القطر ١٦٨ جهة للبريد فصارت إدارات البرد فيه ١٢٤٩ أو زاد عدد مودعي النقود في صندوق التوفير فكان ٥٩٠٨ شخصاً منهم ٤٣٨٧٧ وطنيون و١٥٢٠٧ أجانب وكان عددهم سنة ١٩٠٥ (٢١٤١١) من الوطنيين و (١٢٠١٣) من الأجانب فمعدل الزيادة ٤٠ في المئة وأنشئت صناديق توفير للأحداث فبلغ عدد المفرين فيه منهم ٤٢٢٥ وبلغت إيرادات ديوان البريد ٢٣٧٠٩٧ ج. م وكانت في السنة التي قبلها ٢١٥٩١٧ وبلغت المصروفات ١٨٥١٧٦ ج. م وكانت ١٤٩٦٥٦ في سنة ١٩٠٥ فيكون مقدار زيادة الإيرادات على المصروفات ٥١٩٢١ ج. م فزادت بذلك واردتها أكثر من الضعف في مدة العشرين السنة الماضية على ما أدخل في خلال هذه المدة من تخفيض الرسوم على المراسلات بفضل انتباه مصلح هذه المصلحة يوسف سابا باشا.
الإنسانية
هي المجلة العلمية التهذيبية الفكاهية الدينية الأدبية التي تصدر في غرة كل شهر لصاحبها الشيخ إبرأهيمالدباغ كان أصدر منها خمسة أجزاء وتوقف مدة عن إصدارها وأمامنا الأن الجزء السادس من سنتها الأولى وفيه كلمة افتتاح لطيفة الأسلوب فيها تصريح محزن بكساد البضاعة الأقلام ومقالة اعتدال في الإنسانيةلعبد القادر أفندي المغربي ومقالة مناحي المنشئين للسيد حسين وصفي رضا وغير ذلك من المقالات والشذرات الفكاهية والأدبية التي تدل على سلامة ذوق كاتبها وأدبه وفضل مؤازريه وأنصاره فنرجو للإنسانية الانتشار في جميع الأقطار وقيمة اشتراكها ٦٠ قرشاً في السنة و٣٠ قرشاً لطلبة العلم وهو قدر إذا قيس بفوائدها.
السند
стр. 1035
هي رسالة لملحم بك إبرأهيماللبناني فيها أهم الملاحظات في أحكام السند والسفتجة والحوالة وصور كثيرة منها الصكوك والاستدعاآت ومعاملة دائرة الإجراء وتعليمات محرري المقأولات وقانون الإفلاس وغير ذلك من المسائل التي تهم من يحب الإطلاع على المسائل العدلية في البلاد العثمانية ولاسيما العربية منها وإن شئت فقل اللبنانية وقد ألقها بجدول بأسماء قرى لبنان مرتب على حروف المعجم مع الإشارة إلى القصبة والمديرية والقضاء التابعة لها كما ألحق بها متن الرحيبة في الفرائض لأبي عبد الله الرحبي المعروف بابن التقية.
المترجم
المترجم مجلة نصف شهرية لدرس اللغتين الألمانية والفرنسية في سويسرا وفيها كل جملة وترجمتها مقابلها عمود فرنسي وعمود ألماني وموادها عبارة عن قصص وحكم وأمثلة علمية وأدبية وفي كل جزء منها جانب عظيم من الكلمات التي يسهل استخدامها وقد وافتنا الأجزاء العشرة التي صدرت منها وتصفحتاها كلها. وهي ١٦ صفحة وقيمة اشتراكها أربعة فرنكات وخمسة سانتيمات فنحث عشاق اللغتين على اقتنائها ولاسيما الألمانية فإن العارفين بها بيننا قلائل جدا فلو تعلم أحدهم مبادئ قراءتها وكتابتها لسهل عليه أحكامها بواسطة هذه المجلة.
وصايا للطبيب
من كتاب الأصول لعلي بن رضوأن المتوفى سنة ثلث وخمسين وأربعمائة.
الطبيب على رأي بقراط هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال (الأولى) أن يكون تام الخلق صحيح الأعضاء حسن الذكاء جيد الرؤية عأقلاً ذكوراً خير الطبع.
(الثانية) أن يكون حسن الملبس طيب الرائحة نظيف البدن والثوب.
(الثالثة) أن يكون كتوماً لأسرار المرضى لا يبوح بشيء من أمراضهم.
(الرابعة) أن تكون رغبته في إبراء المرض أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغيته في علاج الأغنياء.
(الخامسة) أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس.
(السادسة) أن يكون سليم القلب عفيف النظر صادق اللهجة لا يخطر بباله شيء منت أمور
стр. 1036
النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأغنياء فضلاً عن التعرض لشيء منها.
(السابعة) أن يكون مأموناً ثقة على الأرواح والأموال لا يصف دواء قتلاً ولا يعلمه ولا دواء يعالج الأجنة عدوة بنية صادقة كما يعالج حبيبه.
стр. 1037
فجائع البائسين
تابع ما قبله
بعد ما قبرت شهيرة ابنها أنشأت تفكر فيما يؤول إليه أمرها لأنها أدركت انقطاع أجرة الحضانة وزوال العلاقة التي كانت تربطها بسعيد ولم يبق بينهما غير عقد الزوجية فأدركت أيضاً استصدار الحكم عليه بمائة ليرة يمنعه من الطلاق إذا أرادت أن يطلقها فما وجدت انفع من الرجوع إليه والرضا به وكان بلغها أنه يسعى في زواج غيرها فأعربت لأمها عما يخالج ضميرها وقالت لها أنها تود الرجوع إلى زوجها قبل أن يقترن بغيرها فأخذتها على أنكارها وطمأنتها بقولها: أنه لا يقدر على الزواج لأن الناس علموا بما جرى بينكما فيخافون على بناتهم من أن يصرن إلى ما صار إليه أمرك. ثم قالت: وليس مثلنا قليلي العقل والبصيرة.
ماذا جرى لي حتى يمتنع الناس عن تزويجه بناتهم أما كنت أنت السبب في تنافرنا ونحن كنا راضين من بعضنا وكان الصفاء ملازمنا والهناء يرأفقنا فأنت التي كدرت صفاءنا بتصوراتك الدنيئة فلو كنت تركتينا وشأننا لما حدث بيننا شيء ولكن طمعك الذي أدى بنا إلى الفراق وبعث فينا روح الشقاق فأسألك بأبيك ماذا تبغين مني؟ ألست بالغة الرشد والكمال؟ فلماذا لا تتركيني حرة في أعمالي أتصرف بها كما أشاء؟ فإن كان قصدك قتلي وهلاكي فبئست الأمهات اللواتي تبدلن سعادة بناتهن بالشقاء وأني لا أدرك غرضك من افتراقنا مع أننا كنا على وئام وسلام يحسدنا من سمع بما قامت عليه قواعد ائتلافنا.
ما لي أراك اليوم تشتاقين إلي زوجك الذي هو مطية العار فلا عاش الرجال؟
لم أر سبة بانتسأبي إليه إما أنت التي سعيت في زواجي به؟ وهل كان مجهول الأحوال لديك ولدى أخي الذي رأفقه ثماني سنين وأنا على علم من أنه لا يزال كما كان عليه من قبل وما يخيل لي أن أجد مثله بين الناس فهل رأيت أم سمعت برجل يعامل أمرأته بالمساواة ويسعى فيما يرضيها بكل ما أمكنه في هذه البلاد؟ من لي برجل يعاملني هذه المعاملة الحسن؟ على أني أعجب من أعمالك مع أصهارك. ألست أنت التي كنت السبب في طلاق أختي حتى أصبحت محرومة من الزواج؟ وهي لا تزال في كدر وأسف على زوجها مع أني أعلم ويعلم كل إنسان أن الأمهات تحب أصهارها أكثر من أبنائهن وأنت
стр. 1038
على العكس تبغضينهم فتنفر ينهم من بناتك حتى تحرميهن منهم. أما سمعت قول بديعة التي طلبت أختي الصغيرة أنها أعجبتها وودت تزويجها بابنها ولكنها خافت على ابنها منك فها أنت قد اشتهرت بين الناس بسوء الخلق ورديء الطباع.
لقد تجاوزت حدك يا شهيرة فإنت لا تزالين في سن الطفولية لا تميزين الصالح من الطالح وأنا أخطأت بقبول سعيد زوجاً لك ولكني سأجتهد في التكفير عن خطأي وإصلاحه فلا تأسفين على هذا الرجل الدنيء الأصل الفقير الحال وأيقني بأنه عندما يثبت طلاقك أزوجك وتعيشين معه عيشة لا يشوبها كدر ولا يتخللها شقاء. أو تحسبين أننا في قحط من الرجال؟
أما تتقي الله في سعيك لإثبات طلاق لا أصل له وهب أنك وفقت إلى إثباته بشهادة شهود زور والبهتان وحكم القاضي بتفريقنا وأعطاني إعلاما شرعياً بأني مطلقة فهل يكون الطلاق موافقاً لحقيقة الشرع الشريف.
لا! ولكن أخذنا لك مائة ليرة
فإذا كنت لا أزال على عصمته كيف يتسنى لي أن أزوج بغيره
تتزوجين بإعلام الحاكم وحكم الحاكم أمر مقضي يعمل به ويقوم مقام الطلاق.
في أي ديانة وأي شريعة وجدت هذا الجواز وهذا الحكم المعقول أو تحسين أني لا أخاف الله بانتقالي إلى عصمة رجل آخر وأنا على عصمة غيره فإذا كان طمعك بالمائة ليرة التي تودين أخذها زوراً وبهتاناً فلا حاجة لي بها ولا أود أن أعصي أمر الخالق طمعاً في حطام الدنيا أو نسيت أن من يغنمون الدراهم بطرق غير مشروعة لا يصرفونها إلا على أمراضهم ويدفعونها ثمن أدوية وأجرة أطباء وهم يقضون آخر حياتهم في أتعس الأحوال وقد يتمنون الموت فلا يجدونه وإذا تزوج زوجي وهجرني هجراً طويلاً كيف تصير حالي فهل لي حينئذ سوى البكاء والنحيب حتى تستولي علي الأمراض وارزح في فراش الأسقام والعلل فأموت شهيدة سوء تصرفك.
أنت تظنين أنه يتزوج ويطيق هجرك. سترين أنه متى يئس من الزواج يتوسط من يرجعك إليه ويدخل تحت حكمنا فنتصرف به كما نشاء.
أنت تحسبين أنه لا يتمكن من الزواج وأنا شعرت بأنه سيوفق لأن كثرة البنات وبقاءهن من غير زواج وفساد هذا العصر يدعو العقلاء للتسأهل في زواج بناتهم وأنا على يقين من
стр. 1039
أنه سيهجرني فإما أن أموت وإما أن أرجع إليه من هذا النشوز فأكون تحت سيطرة امرأة جديدة فإن مت تكونين الجانية علي وإن رجعت إليه تكونين سبب بؤسي وشقائي بعد ما كنت سعيدة.
لقد فهمت أنك تودين الرجوع إليه قاتل الله بنات هذا العصر اللواتي لا يطقن الهجر ساعة.
فليخطر ببالك ما تشائين فإني أعزه وأحب الرجوع إليه فبل أن يتزوج.
ثم قامت وتركت أمها ودخلت حجرتها وأغلقت الباب عليها وأخذت تبكي وتندب حظها وتلوم نفسها على إطاعة أمها.
مضت على هذه المحاورة هنيهة وجيزة فدخلت على شهيرة إحدى صويحباتها التي كانت تتنسم الأخبار عن زوجها وتأتها بها فقالت لها أتدرين ماذا جرى؟ فقالت: لا
إن سعيد عقد على جميلة خانم ابنة علي باشا فصاحت قائلة: آه. وأغمي عليها. فندمت هذه على أخبارها ثم أتت بالماء والعطريات ورشت على وجهها وجعلت تفرك يديها وتدلكها حتى تنبهت فأخذت تبكي وتلعن أمها التي سببت لها هذه النقمة وتفكر فيما حل بها فأيقنت أنها ستفارقه أبد الدهر وأنه سيحتفظ بعد الآن بود جميلة خانم ولا يسأل عنها وقد دخلت أمها فأخبرتها بواقعة الحال وقالت لها: كنت تظنين أن لا يتزوج فها هو قد اقترن بأحسن ابنة في بلدنا فإنقطع أملي بلقائه وأظن بأنه لا يطلقني ولا يأخذني إليه إلا إذا رقت لحالي زوجته فأكون تحت أمرها وأرادتها فهذه نتيجة أعمالك القبيحة.
فأدركت أمها خطأها وأخذت تلطفها بالكلام وتعدها بالأمال ثم دعت ابنها رفيقاً وعزموا على أقامة دعوى الطلاق مرة ثانية وأتوا بشهود غير الأوليين وعينوا يوم الجلسة يوم عرسه لينغصوه وظنوا أنهم يوفقون إلى أخذ الحكم عليه فيكون يوم عرسه يوم نحسه ولم يدر في خلدهم أن يوم عرس المرء في غالب الأحوال يوماً مباركاً ولا يخطر ببال العروسين سوى السعادة ففرح بما أتوه ولم يتنغص وأيقن أنه سينتصر عليهم لأنهم حصروا الدعوى في يوم كان عنده أشرف الأيام وأحسن يوم وصاله ونيل آماله فذهب رحيب الصدر عالي الهمة ودخل المحكمة فأقيمت الدعوى وضبطت الإفادات فشهد الشهود بما تعلموا لا بما علموا فجرح شهادتهم وأقام البراهين فإنتصر عليهم وأخذ الحكم مرة ثانية بوجود الزواج وعاد رابحاً ورجعوا خائبين وكان ما كان. فاستولى الكدر على شهيرة
стр. 1040
واعتراها الأرق ولازمها الحزن والبكاء فنحل جسمها وتبدلت ألوانها وضعفت قواها فسطت جراثيم السل على كرياتها البيضاء فعطل جهاز التنفس وخرب الرئتين فمنع تطهير الدم من الحامض الكاربونيك فتبدلت حمرة خدها بالأصفرار وأخذت وطأة المرض تزداد عليها يوماً فيوم فماتت شهيدة ضعف الأرادة وسوء التصرف وعلم أخوها خطأه ولكنه حمل الذنب على سعيد وعزم على الانتقام منه بدلً من أمه الجانية. ولما بلغ سعيد موت شهيرة أسف عليها وحزن عليها وبكى بكاءً دعا إلى كدر جميلة ولكن اعتذر لها وأقسم الإيمان على أن بكاءه كان من قبيل الأسف على ما عانته من العذاب والشقاء.
ولما تخلص سعيد من كل منغص أيقن أنه لم يبق عنده شك ولا شبهة في السعادة التي كأن يسعى إليها فاتسعت آماله وصار لا يفكر إلا في السعادة وصار لا يرى إلا ضاحكاً مسروراً وقد نسي ما أتى عليه من قبل وظن أنه خلق سعيداً وعاش سعيداً وسيموت سعيدا ولكن فاته قول الشاعر:
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وذلك أن سعيداً بينما كان راكباً عربته يتجول بها على ساحل البحر في رأس بيروت ويتطلع إلى الأوانس اللواتي تتزين لتسحر الألباب وتطغي الشباب ممن يسابقونهن في الزينة والتبرج وسرعة الانتقال من زي إلى آخر وهما فريقان بين ساحر ومسحور وعاشق ومعشوق أو عاشق محروم وعجوز تفكر في أيام صباها يوم كان الشباب يلتفون من حولها متسابقين في استجلاب قلبها وكان صاحبنا يأسف لذلك العاشق المحروم ويضحك من تلك العجوز الشمطاء التي صبغت شعرها وبيضت وجهها بالذر ور ولونت خدودها بالصباغ الأحمر لترجع فتاة وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر ويلوم تلك الغادة الدعجاء التي زين الخالق جمالها بعيون نجل تكاد تفتت الأكباد على ما شوهت به نور وجهها من الذر ور لتجعله أبيض ولو تركته على طبيعته لكان أجمل وقد تؤثر فيها شدة حرارة بيروت فيكللها العرق ويرسم خطوطاً في غصون خدها المبيض بالبز موت فتشعر بذلك أو تنبهها رفيقتها فتخرج من جيبها منديلاً مليء بالذر ور فتمسح وجهها كانها تمسح العرق.
ويضحك من الشبأن الذين حرمهم الله من نعمة الجمال عندما يرأهم يرفعون سبلا تهم بشواربهم وينزلون طرأبيشهم ليستعطفوا قلوب الغادات وربما التفت إليهم واحدة من قبيل
стр. 1041
الصدقة والإحسأن فيظن ذلك أنه أعجبها بطوره وجماله.
ويزداد ضحكه عندما يرى ذلك الشاب الذي إذا رأى سيدة أحنت رأسها لحفرة في الأرض رفعت العربة فكان الانحناء اضطرارياً يظن أن ذلك كان للسلام عليه فيحني رأسه فتضحك من جهله ويحسب ذلك تبسماً والتفافاً ويذكر حينئذ قول شوقي
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء
ويقول لرفيقه لم يبق بيني وبينها إلا الكلام والكلام يجر ما بعده. ويعجب لذلك الفتى الذي لو رأى الآنسة تصلح شعرها بيدها أو ترفع غرتها عن جبينها لظن ذلك سلاماً له ووضع على رأسه كانه يريد السلام بدون أن يشعر به أحد لحوقاً على مكانتها وهي لا تبالي به ولا تنظر إليه ويبكي أسفاً على المومسات اللواتي خرجن يقلدن كبيرات العقائل يلبسهن ليجلبن قلوب الشبان ويعشن بتمزيق ثوب عفتهن ونقدهن بدلها دراهم معدودة على أنهن يظهرن المحبة لمن لا يطقن أن يراه ولذلك لا يجدر بالعأقل أن ينظر إليهن بعين الكبر والغرور ويهينهن من أجل بيع شرفهن وعفتهن لمن يرنه أو لا يردنه فلو فحص عن الأسباب التي ساقتهن إلى أدنى المتاجر لما تأخر عن العذر ووجه سهام الملام نحو غيرهن.
ومما كان يأسف له سعيد ما يراه من الشبأن الذين لو رأيتهم ونظرت إلى لباسهم لحسبتهم من أبناء أغنى الأسر في بيروت على أنهم لا يملكون سوى راتبهم الذي لا يتجاوز ثلاث ليرات يأخذونها من الاستخدام في مخزن أو متجر ولا يجدون حرجاً في التشبه بالأغنياء وترأهم أبداً باكين من قلة الدراهم وقد يتخيلون وقد يتخيلون السعادة ولكنهم لا يجدون لها أثراً إلا في أمريكا فيهاجرون إليها وقد يموت الكثير منهم من الجوع أو يرجعون ملومين مدحورين.
بينما كان سعيد يفكر في الهيئة الاجتماعية ويتأمل هذا المعرض البديع أتاه الخادم مسرعاً فقال له أن الباشا أتى من سفره وهو مريض مرضاً شديداً فذعر لهذا الخبر ورجع إلى المنزل مسرعاً وكان الأطباء أتوا ومرضوه فلازم فراشه وأخذ سعيد يستقبل العواد ولكن المرض أخذ في ازدياد حتى قضى الباشا نحبه وانتقل إلى رحمة الله فجهزه وواره التراب واحتفل بمأتمه احتفال الابن البار بوالده الفقيد. وهنا انكشفت شمس آمال سعيد وخاف من رجوعه إلى البؤس والشقاء لأن الباشا كان مستقيم المبدأ فلم يترك لوارثيه سوى الدين
стр. 1042
وأثاث المنزل. وحسب صاحبنا الراتب الذي ستناله حماته زوجة الباشا فبلغ ألفي قرش فأطمأن بعض الاطمئنان وأدرك أنه لا يزال في عيشة راضية وكانت حملت منه جميلة فصار يفكر في ولده وصار البحث بينه وبينها على ابنهما الذي سيصرفإن في تربيته مزيد العناية ليأتي منه أنموذج الكمال ومثال الأدب ويعلمانه حقائق العلوم في طفولته ليشب على حب العلم ويتعرى من كل خرافة وقررا تلقينه تراجم أحوال أعاظم الرجال وأفعالهم وحقائق الكائنات وأنشآ يربآن به عن سماع القصص والحكايات المشوبة بالأكاذيب والعجائب ولما قرب وقت الوضع أخذ سعيد يستجلب الكتب المدونة في تربية الأطفال فيقرؤها هو وأمرأته ويعينأن الخطة التي يجريان عليها في تربية ثمرة غرامهما حتى وضعت له أنثى حسنة الخلق أشبه بأمها فسمياها (خبرية) لعلها تكون مبشرة بالخير وفرحا كثيراً ولكنه لم تمض هنيهة من الزمن حتى فاجأتهما وفاة الخانم الكبيرة وانقطع الراتب فأصبحت الأسرة حملاً على سعيد ولم يبق لها من إيراد سوى راتبه وهو ألف قرش فصرف ما جمعه واقتصده وباع الحصانين لعجزه عن القيام بنفقتهما ورجع إلى عالم الاقتصاد والإدارة ومع هذا كله كان يعلل نفسه بطهارة بيته من الأدناس ويرى نفسه في راحة من كل عناء.
في يوم سكنت نأمة القيظ وهب ريح الصبا اعترى صدر سعيد ضيق ساقه إلى التنزه فبحث عن صديق له ليذهب معه إلى قرية من القرى للنزهة وإذ لم يوفق إلى صاحب يرأفقه ذهب برأسه وأخبر جميلة بذهابه وكان خرج على حصان استأجره فبينما هو يجد في المسير فاجأه رجل كان يعرفه من أقارب رفيق فسلم عليه كانه أخ حميم ثم سأله عن سفره فأجابه بما قصد فطلب رفقته فقبله وشكر له فضله وقال إنه كان يود أن يجد له رفيقاً يتسلى معه فنعمت الصدفة ثم أخذا يقطعا الطريق رويداًَ رويداً وكان الحديث بينهما عن شهيرة فصار ذلك إلى الرفيق يؤأخذ سعيداً وينسب إليه القصور وهذا يعتذر ويرجع بالذنب إلى أمها وإلى رفيق فما كان من هذا الخبيث إلا أن أخرج غدارته وأطلق الرصاص عليه قائلاً خذها جزاء بعملتك بشهيرة فأصاب قلبه فوقع في الأرض يقول: آه قتلتني يا خائن. وكانت هذه العبارة آخر كلامه ثم ذهب ذلك اللعين إلى مدير الناحية وأخبره بأنه حدث قتل في هذا المحل الفلاني ففرح المدير لذلك بمجيء الرزق ولكنه لم يكن عنده من أنفار الدرك
стр. 1043
أحد لأنهم ذهبوا إلى القرى يستنشقون أخبار الوقوعات التي حدثت بين الأهالي لأنهم أصبحوا بفضل مديرهم يرضون بغدر يقع بينهم واعتداء بعضهم على الآخر لأنه لا يستنكف من أخذ الدراهم من الشاكي والمشتكى عليه وأصبح من أصابه حيف من جاره يغضي على القذى ويحتمل مصابه بالصبر فإنقطعت عنه الواردات فجعل يرسل الدرك والجواسيس ليستطلعوا طلع الوقائع ويأتي بأصحاب الحقوق ويدعوهم إلى أقامة القضايا فينكرون ذلك وهو بين مطمن لهم على حقوقهم ومهدد أن لم يقيموا الدعوى فأرسل يستدعي أنفار الدرك وأخذ يجمع من مر بالقتيل وتكلم معه أو رآه أو سمع به ويحبس من يشاء ويضرب من يشاء ويترك من يدفع له فدية النجاة وكان معظم مساعيه في جمع الدراهم لا في إثبات الجرم ولكن اعترف الجاني بإنه كان أخرج غدارته ليراها سعيد فخرجت خرطوشة من نفسها خطأ وكان سمع (لا علم كان أميالاً يقرأ ولا يكتب) أن المخطئ ينجو من العقاب فلم يسعه إلا إلقاء القبض عليه وإرساله إلى حاضرة الولاية مع محضر التحقيق. ونقل سعيد إلى داره مضرجاً بدمه فلما طرق الباب خرجت الخادمة وفتحت الباب فوجدت سيدها قتيلاً محمولاً في محفة فصاحت ووقعت على الأرض مغمى عليها فسمعت سيدتها صيحتها وشعرت باضطراب وارتعدت فرائضها فهمت لتذهب فما تمكنت لانحلال قواها ولكنها جسرت نفسها فسعت لترى ماذا جرى فوجدت رفيقها محمولاً على الأكتاف في لون أصفر والدم خضب وجهه وصبغ نباسه ولا حركة به فسقطت على الأرض لا حراك بها. وكان الجيران دخلوا البيت فأخذوا ينبهون جميلة من غشيتها وأدخلوا القتيل غرفته ووضعوه على فراشه وبدأ البكاء والنحيب وكان الناس هناك نساء ورجال يبكون دماً على هذا الفتى البائس الذي لم يسمع عنه إلا الفضائل وما عرف إلا بالكمال واللطف وحسن الخلق ولين العريكة وأتى طبيب البلدية والمستنطق ومعاون المدعي العمومي وعاينوه وأمروا بغسله ودفنه فغسلوه وكفنوه وحملوه على الأعناق ليواروه ترابه. لبؤسه حتى يوم مماته لم يكن في المدينة من أصدقائه أحد غير فتى قام بواجباته نحوه ومما ذكره ذلك الصديق أنه رأى وجه خيرية ابنة سعيد على يد الخادم تضحك وتقول (باء باء ئو ئو دح ئو ئو؟) كانها عرفت أن أباها نام نومه أبدية وعلمت أن الكفن لباساً جديداً وأنه دخل في حياة جديدة وانتقل من دار الفناء إلى دار البقاء فلسان حالها يهنئه على خلاصة من
стр. 1044
البؤس والشقاء وكانها تقول: أنت ذهبت وتركتني أنا وأمي وعمتي وجدتي في عذاب أليم فهنيئاً لك وبؤساً لنا وأسفاً علينا. قال الصديق لما تمثل لي ما حل بهذه الأسرة التعسة ورأيت ابتسامة تلك الفتاة زاد تأثيري وبكائي من مشاهدة هذه الفاجعة المدهشة. فهذا سعيد ولد شقياً فسعد بالخيال والأمال ومات تعساً فسعد بالخلاص من العناء والسقاء فرحمة الله على روحه الطاهرة.
أخذت العدلية تنظر في القضية فما وجدت بأوراق المدير ما يدل على ثبوت الجرم فشرعت بالتحقيقات وثبت لديها وجود عداوة وضغائن وعلمت بأن الفعل نتج عن قصد كما أدعت زوجة سعيد أن القاتل الحقيقي هو رفيق وذلك انتصاراًُ لأخته التي قتلها هو وأمه بسوء تصرفه ولكن نتيجة المحاكمة كان الحكم فيها بأكثرية الآراء على القاتل بالحبس ثلاث سنوات. والله يقتص من عباده بأعمالهم وهو العليم الحكيم.
стр. 1045
العدد ١٩ - بتاريخ: ١٥ - ٨ - ١٩٠٧
стр. 1046
صدور المشارقة والمغاربة
جبرائيل مونو
كان ثلاثة من الناس في السابع من تموزيوليوسنة ١٨٠٧ مجتمعين حول منصة سترت بنسيج الدمقس الأخضر في مدينة تيليست من أعمال بروسيا وقد اتشحوا بأفخر ما تقتضيه الكبرياء والفخفخة من الألبسة المذهبة وتقلدوا الأوسمة البراقة.
هؤلاء الرجال هم المسيو شارل دوتا ليران وزير الخارجية نابليون الأول إمبراطور فرنسا والبرنس أسكندر كورا كين مستشار القيصر واحد أعضاء مجلس الشورى ومن إشراف الروس والبرنس لوبانوف الفريق في الجند الروسي.
دعي أولئك الثلاثة إلى قاعة المذاكرات بواسطة موظف خاص حسب ما تقتضيه قواعد التشريفات التي يظن أنها أبدية ليوقعوا على العهدة التي بدأت مادتها الأولى بهذه الجملة: سيدوم السلام والوئام بين نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا وملك إيطاليا وبين قيصر الروسيين أجمعين منذ أول يوم يتم فيه التصديق على هذه العهدة من الجانبين
فذهبت هذه المعاهدة ببروسيا والبروسيين إلى أقصى دركات اليأس حتى كانما كانت نذيره بانقراضهم وتأذن سلطانهم أو أن ذاك الوفاق الفرنسي الروسي بناء يقام على أنقاض حكومة هذه البلاد. . .
بينما كان منذوبو هاتين الدولتين المتخالفين يجوبون الأرض مسرعين ليبشروا الشعوب الأوروبية بإشراق أفق السياسية عن أزمنة جديدة إذا باستاد بروسي لا ينظر إليه أمراء السياسة والحرب إلا بعين الازدراء يفكر في أسباب فلسفية يسد بها ثلمات القنابل والمعاهدات التي خربت وطنه فأخذ يعقد المؤتمرات ويخطب أفراد قومه بأن يرجع كل إلى قوته ويعمد إلى أدراع بأسه ويسعى في إنهاض بلاده قدر طاقته.
هذا هو فيختي الذي أخذه البروسيون أستاذا في جامعة برلين لما رأوا من ذلاقة لسانه وصدق بيانه وسداد جنانه. وكان فيختي يرجو في خطبه أن يرى شعوب الجرمان وحكوماته متحدة ليكون لها من اتحادها قوة. تلك الأمة التي برهنت في حرب السبعين على أنها عملت بنصائح فيختي كما ينبغي للأمم المغلوبة أن تعمل بنصح رجالها إذا كأنت الدعوة إلى الإتحاد روح نصحهم.
стр. 1047
مضى على معاهدة تيليست أربعة وستون عاماً ثم عادت تلك المنصة الأخضر غطاؤها واجتمع حولها في عاشر مايو ١٨٧١ في مدينة فرانكفورت من أعمال ألمانيا أيضاً أربعة مندوبين كأنت المفاوضات بينهم ذات صخب وهياج تارة وممزوجة باستهزاء مشئوم طوراً.
من المندوبين رجل قوي الحجة شديد البأس يدعى بسمارك وهو الرجل الذي لم يكن يعبأ بمراسم التشريفات ولا يهتم بما اعتادت السياسة أن تكنه في مثل هذه المواقف وكان إذا بحث أمامه عن التقارير التي وضعتها الساسة في هذا الباب فك أزرار ملابسه وأنشأ يستغرب في الضحك كثيراً قائلاًأن هذه كلها بما ينشر في رفرف الصحف اليومية من الروايات فبينما يحسب الإنسان أن سيكون من وراء وقائعها حادث إذا به يسبح في خيال ثم أنه يمد رجليه بحذائهما العسكري ويطلب الجعة ليشرب في حضرة المسيو درا نيم الحرج الصدر من حرية بسمارك وأمام المسيو دجولار الذي خجل من هذه الأعمال والمسيو جول فارد الذأهل الحائر.
هذا هو بسمارك فلاح براند نبورج الذي انتهى إلى رئاسة الوزارة الألمانية قد اضطر المسيو جول فارد والمسيو جولار إلى أن وقعوا على عهدة تقضي بانفصال ولايتين من ولايات الفرنسيس وإدخالهما في سمظ البلاد الألمانية.
وهنا ذكر الفرنسيس - وقد أصبح كل شيء عندهم قرين الانحلال قريب الاضمحلال - ما كان من أمر الأستاذ فيختي وتأثير خطبه في الدعوة إلى الاتحاد ومواعظه الاجتماعية وراحوا يرون مداواة جرحى وطنهم بالأدوية الفكرية وترياق الأخلاق على ما شاهدوا من همز الساسة وغمزهم واستخفافهم. ذلك لأن رجال العلم كانوا على يقين من أن نصر الأمبراطور غليوم المؤزر لم يكن من رصاص البنادق بل أن تربية الألمان الفكرية عملت يومئذ ما لم تعلمه أفواه المدافع. من أجل ذلك أخذ الفرنسيس يبحثون عن مذهب نافع في التربية يذهبون إليه لينهضوا بأمتهم حتى تضارع بلاد جيرانهم.
وفي مقدمة من فادوا بأنفسهم في سبيل سعادة فرنسا وسلامتها المسيو جبرائيل مونو الذي رأى الناس من أعماله ما جعله أليق العلماء بهذه الوظيفة المقدسة.
تلقى جبرائيل العلم مع لافيس ورامبو ودوري وفيدال دولا بلانش أوجستن فيلا في صف
стр. 1048
واحد من مدرسة دار المعلمين وكان يطال ببصره إلى ما وراء الأفق باحثاً عن مكان يلجأ إليه للتحقيق والتتبع ثم انجذب دفعة واحدة بما فطر عليه من الاستعداد نحو ألمانيا تلك الأرض التي أجمع هو وأصدقائه وأساتذته على أنها الوطن الثاني للذين يحيون ليفكروا ويدأبوا فكانت حجرة عملة في زقاق (أولم) تردد أصداء نغمات وادي ألب ووادي أردر على جميع الشبأن العاملين الأذكياء الباحثين عن الحقيقة في تلك الديار وهي ملجأ المتخرجين في مدرسة دار المعلمين الفرنسية من أراء الفلسفة القديمة.
يسير علم اللغات نحو التكمل والنشوء في بافيرا وسكسونيا وبوم رانيا بجميع فروعه حتى أصبح أفاضل فرنسا مدينين لكليات ليسبيك وبون وهالة وغوتنغن. وأني لار نست رنان أن يضع كتابه حياة المسيح لولا أبحاث استر وس في أصول اللغات وهذا غاستون بوفاسيه أحد أعضاء المجمع العلمي الفرنسي يعترف بأنه تلميذ مومسن المؤرخ الألماني وهؤلاء فو كار وجورج برو وميكائيل بريال والبرد ومن قد بنوا مؤلفاتهم كلها على أفكار علماء ألمانيا شاكرين وكذلك القصصيون في فرنسا قد ساروا وفي مقدمتهم غاستون باري تحت لواء الأستاذ ديبز الشهير.
مرت على المسيو مونو في دار الأستاذ وايج أمام كلية غوتنغن ليال حفل وطابها بالفوائد الجمة وهنا يلقي الأستاذ على مونو وعشرة من رفاقه مباحث حافلة وخطابات ممتعة في فقد التاريخ وفلسفته حتى قال مونوكانت هذه الدروس تبث في أفكارنا انتظاماً ووضوحاً وكنا متلذذين بما نشعر به من حب العلم والحقيقة وإبداء صفحة الوجوه لهما. كان وايج ذا فطرة ملكية تلاءم علمه في تربية أفكارهم أكثر من اجتهادي في التأليف وأظنني نجحت. ذلك لأن كتبي ستذهب بها الأيام إلى زوايا النسيان ولكن اسمي ستتلقاه العصور بعضها عن بعض ما دامت أعمال تلاميذي ومباحثهم العلمية باقية
فمثل آراء هذا الأستاذ الفاضل تهذب الألمان وأحسوا بوجوب الانتقام من الفرنسيس وبمثل هذا التهذيب تمثلت كوائن بسمارك وحركته السياسية.
وبينا كان جبرائيل مونو متطوعاً في خدمة جرحى حرب السبعين تحت قيادة المارشال ما كما هون والجنرال أرول بالادي الفرنساويين حدث أن صادف أكابر لغويي الجرمأن في لباس أفراد الجند البروسي فدهش لذلك ووقف ذأهلاً معجباً.
стр. 1049
ما أمحت أماني الفرنسيين في البراز الأخير من هذه الشعوب من هذه الحرب الشؤمة حتى ذكر مونو الذي كأن يسعى بين جثث جرحى الحرب يائساً - أنه مؤرخاً وأخذ يؤلف كتابه (الألمان والفرنسيين) نأقلاً فيه مشاهداته منذ بلغ مدينة (راكور) من أعمال اللوريين إلى ذهاب نابليون الثالث وفي هذا الكتاب طبق مونو نظرياته الفلسفية التي كان يعملها تلاميذه. وأنك لتقرأ من خلال سطوره أسلوباً مشبعاً بالجد والتؤدة براء من كل طعن أو تعريض دالاً على أن مونو من المؤرخين الذين يرون أن التصريح بالحقيقة كيفما كانت أنفع الطرق وأسماها. من أجل ذلك كان الكتاب من أثمن ما كتبه المعاصرون عن هذه الحرب. وإن أسباب غلب الفرنسيس يتمثل أمام أنظار القارئ في كل صفحة من صفحاته حتى كانت حرية وجدان المؤلف وصدق لهجته المعزز بالآراء العلمية سبباً لنحت أسئلته على السن مدعي الوطنية الغارقين في لجج الخيال.
ومما فطر عليه المترجم به استيلاؤه على غايات التواضع فلا يريد أن يصفق له ولا أن يستحسن عمله مكتفياً بتسليم ما اهتم بجمعه من الخزائن إلى فريق خاص غير طالب لقاء ذلك شهرة أو سمعه وأن المصفي إلى مونو ليحار من أصوله وتبحره الواسع وتدريسه القويم مع قلة اهتمامه بالخطأبيات. وإذا وجد في المجالس التي ترجح التؤدة والكون أنصت حتى إذا سخت له - والقوم في أثناء المناقشة والحوار - سانحة تلألأت جبهته المفكرة وأبرقت عيناه من وراء نظارتيه الذهبيتين وترك قلمه ومذكرته وأخذ يلقي على السامعين ما يظهر له بعواطف شديدة ولسان مبين. وأنك لترى الجهل واللهو والعيون الساهية قد انتبهت كلها مغلوبة لما فتح أمامها من أعماق مناظر الماضي الفسيح.
وبعد فإن تأثيرات مؤرخنا الفاضل في التدريس لا تظهر من مؤلفاته لا من تعاليمه في دار المعلمين ولا من كتاباته في المجلة التاريخية التي تولي أدارتها أكثر أيام حياته بل من محاوراته الخاصة مع تلاميذه ورفاقه في التحرير ومع أصدقائه وقد خاطبه صديقه أرنست لافيس في خطبة ألقاها يوم احتفال إحدى الكليات قائلاً: (أنك لتلقي بنفسك إلى التهلكة لتخلص غيرك منها ولا تمنع نصائحك ومعونتك عن أحد وأنك لتسرع إلى مكاتبة المشتغلين بالبحث عن الحقيقة وسلامة البشر مهما كانت نحلتهم وقوميتهم).
ومن نتائج أبحاث مونو المثمرة في ألمانيا اجتهاده في تفهيم جميع تلاميذ المدارس معنى
стр. 1050
(التعاون والاتحاد) وخلاصة الفكر الأساسي الذي يذهب إليه هو وأصدقاؤه: (أن الفرنسيس مستحقون لما نزل بساحتهم من البلايا كما أن الألمان أهل لما نالوه من النصر وما علينا الأن الا أن نسعى إلى اقتطاف ثمرات هذا الدرس المفيد فإنها نافعة لنا ولا تكون الصدمات الاجتماعية وخيمة إلا على أصحاب الغفلة والخمول.
ولقد عرفنا منذ الآن ونحن مضطرون لدفع جميع ما يتهدد جامعتنا والسلم العام من الحوادث. وأن الغالبين قد أخذوا المقاطعتين من أرضنا والخمسة مليارات من أموالنا وما علينا إلا أن نقتبس من فضائلهم لقاء ذلك).
وبعد فإن من الأبطال الذين ألقوا بأنفسهم إلى ساحة البراز في مسألة در يفوس الاجتماعية من أجل الحقيقة والعدل هو المسيو مونو أيضاً فإنه اجتهد في هذا الدرس العام أن يعلم الإنسان أن من واجباته أن يفادي بنفسه في نصرة الحق ولكنه لم يسلم بدفاعه هذا من تعريض المعرضين وسهام أولئك الذين رأى أن ليس من إهانة لهم غير (السكوت).
القسطنطينية محب الدين الخطيب
стр. 1051
روزفلت وحرب أمريكا
الاجتماعية والاقتصادية
من راجع تاريخ الأمة الأميركية وراقب نشوءها ونموها وسيرها السريع في مضمار العمران والفلاح ووقف على خدمها للجنس البشري لا يستغرب إذا قلت أن هذه هي أرض الميعاد وأن شعبها هو شعب الله المختار - شعب الله المختار لا ليأكل العسل ويشرب اللبن ويتمتع بالطيبات ويتنعم بالخيرات فقط بل شعب الله الذي اختاره ليحمل للعالمين نبراس الحرية والإنصاف وليمد يد الإخاء للبائس في كل قطر ويغيث المحتاج في كل مصر ولتكون بلاده ملجأ للمظلوم والتعس ويجد فيها طالب الحرية والاستقلال الشخصي والتقدم والارتقاء ما يؤهله لنيل مبتغاه. وليس معنى ذلك أن البلاد بلغت حد الكمال أو إنها حلت جميع مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية أو إنها استراحت من الأتعاب فألقت رأسها على مسند الرغد والنعيم وانقطعت عن الجد والعمل والتلذذ بالخيرات لأن البلاد الحية كالفرد الحي لا تطلب الراحة ولا ترتاح إلى الهدوء والسكينة بل تقوى بركوب الأهوال ومصارعة الصعاب.
لأمريكا مشاكل عديدة تظهر عسرة الحل لمن لا يعرف نشاط هذا الشعب وإقدامه كان الله عز جلاله يبتغي بقاء هذا الشعب فيقيم له من أبنائه رجالاً يدفعون عنه الأخطار كلما تهددت البلاد المشاكل وسطت عليا الأزمات. أرسل واشنطن القائد الباسل فحل بيده رقبة الأجنبي ثم لما وشكت البلاد أن تنقسم على نفسها بعث لنكن فبدد عوامل الانقسام وربط أجزاء البلاد بعضها ببعض حتى صارت كما كانت قبل حربها الأهلية تحت علم واحد تسعى إلى غاية واحدة وتدفعها إلى السعي نفس القوى والأمال.
فاليوم إذ تفاقم شر حربها الاقتصادية وبلغ اعتساف ملوك المال الحد الذي لا يطاق أقام الله بطل الأمة (تيودور روزفلت) ليدافع عم حقوق الشعب ويؤيد سلطة القانون ويعاقب المجرمين سواء كانوا من أرباب الملايين أو من الذين دأبهم السعي لهدى أركان المجتمع الإنساني الحاملين الراية الحمراء لا يحترمون الشرائع ولا يعبئون بنظام الهيئة الاجتماعية.
إن سياسة هذا الباسل منذ ابتداء في معاركة المسائل الاجتماعية ومحاربة الاختلال والفساد في الأحكام يتضمنها قوله: (إن حريتي لا تعرف أخاً).
стр. 1052
فهذه الحرية التي لا تعرف الصديق إذا اعتدى على الحق هي التي جمعت حوإليه قلوب الأمة وألقت الرعب في قلوب أهل البشر والفساد. روزفلت رئيس البلاد اليوم وقائد الحزب الجمهوري كان من أتباع هذا الحزب منذ أنجز دروسه في كلية هارفارد ودخل ميدان الحياة غير أن هذا لا يمنعه من رؤية العيوب التي انتطخ بها رجال حزبه.
ما تعين رئيس شرطة مدينة نيويورك حتى شهر سيف الحرب على أعداء الفضيلة والأمن والآداب ولم تعرف حريته أخاً أو صديقاً فتضايق كثيرون من أتباعه وخاف الجمهوريون عاقبة هذه الصرامة فحسبوا أن هذه التدقيق يكثر أعداء حزبهم ويقوي جيوش أضدادهم فهرعوا إليه وقالوا لقد تجاوزت حد الاعتدال والحكمة في تنفيذك القانون فبعض هذه الشرائع مضر بالمدينة إذا صار تنفيذها حسب منطوقها الحرفي. فأجابهم أنني مسئول عن تنفيذ الشرائع كما أجدها فإن تكن غير موافقة فليبادر المشرعون إلى تغييرها.
ولما أنتخبته ولاية نيويورك حاكمها كانت أشد حملاته على الفاسدين من رجال حزبه فشعر يومئذ بنفوذ أهل المال وتأثيرهم في نواب الشعب واشترائهم الأمتيازات بالأموال وإدراك أن هذا هو الخطر الذي يسرع بالحكومات النيأبية الديمقراطية إلى الفساد والانحلال فتألمت نفسه الحرة لاسيما وأن أكثر أصحاب الأعمال والأموال هم من حزبه.
لما شبت الحرب الاسبانية استقال من منصبه وكان مستشار وزارة البحرية وتطوع لمقاتلة الأسبأن فقاد فرقة من الخيالة المتطوعين وقد سطر التاريخ له البسالة والشجاعة في موقعه (سان جوان) وملكته شجاعته قلوب مواطنيه.
فلما اجتمع زعماء الحزب الجمهوري في فيلادلفيا سنة ١٩٠٠ م لترشيح رجلين للرئاسة ولنيابة الرئاسة كان روزفلت يومئذ (أسد الشعب) فظن كثير من الكتاب ورجال السياسة أن مجلس الأمة سيرشح روزفلت للرئاسة ولكن رؤساء الحزب وقد عرفوا استقلال وجدانه وقوة أرادته سعوا إلى إبعاده عن الرئاسة فأشار الداهية بلات مدير الحزب الجمهوري في نيويورك أن يرشحوا روزفلت لنيابة الرئاسة أملا أن يقلدوه ذلك المنصب القليل الخطر من حيث والنفوذ فيرضون بذلك الشعب الذي يحب روزفلت ثم يضعون في هذا منصب الرئاسة رجلاً يصغي إلى أقوالهم ولا يحارب مصالحهم وكان ما كان من ترشيح مكنلي للرئاسة وروزفلت لنيابة الرئاسة وفوز الإثنيين في ذلك المعترك على زعماء الحزب
стр. 1053
الديمقراطي إلا أن الله بعث لمقاصد سامية فوضوياً أثيماً ليطعن الطيب القلب وليم مكنلي تلك الطعنة التي أرسلت روحه إلى العالم الثاني فارتقى روزفلت إلى كرسي الرئاسة فهلعت قلوب ملوك المال وقالوا في سرهم خلا الجو لروزفلت فإنه سيقيم علينا الحرب التي كنا نتحاشاها وخاف الشعب أيضاً من تغيير السياسة فجأة يضر الأحوال فيوقف حركة الأعمال وتصاب الأشغال بكساد عظيم. غير أن روزفلت أبى أن يجلب الاضطراب إلى البلاد فتعهد للشعب أنه سيسير في سياسته على الخطة التي رسمها مكنلي فهدأ روع أرباب المصانع ورؤساء الشركات الكبيرة وأصحاب السكك الحديدية وبقيت البلاد تتمتع بالنجاح الفلاح. ولما أنتهت مدة رئاسته سنة١٩٠٤ م رشحه الجمهوريون ثانية للرئاسة لأن صوت الشعب لم يقبل بشخص آخر. وما خمدت نيران تلك المعركة السياسية حتى انجلت عن فوز روزفلت على خصمه باركر فوزاً باهراً لم يسبق في تاريخ الأمة.
ما استلم روزفلت أزمة الرئاسة للمرة الثانية حتى جرد سيفه لمقاتلة كل من اعتدى على شرائع البلاد لا يرهب في حربه سطوة عدو ولا يراعي حرمة صديق. أو كما قال أن حريتي لا تعرف أخاً.
ارتقت البلاد وتقدمت وزادت ثروتها في السنين الأخيرة زيادة يصعب على العقل أن يدركها فليس من دولة بين دول المتقدمين أو المتأخرين أدركت ما أدركت أمريكا من التقدم. تجارتها سبقت كل تجارة ومصانعها ومعاملها لا مثيل لها في الأرض. زراعتها تدر الخير على البلاد كالسيل الجارف. خطوطها الحديدية لو مدت في خط واحد لبلغ طول ذلك الخط أكثر من المسافة بين الأرض والقمر. صادراتها ووارداتها السنوية تزيد على الثلاثة آلاف مليون ريال وهذه ليست إلا سبعة بالمائة من تجارتها الداخلية وفيها من أصحاب المال من يزيد إيراد الواحد منهم على إيراد بعض دول الأرض. تكأثر المال فيها فزادت قوة الماديات وأصبح تأثير الريال خطراً على المطامع والغايات في بلاد الحق والحرية والمساواة أخذ الممولون يؤلفون الشركات الكبرى ولا هم لهم إلا الكسب وإن تكن طرق تأسيسها مخالفة لشرائع البلاد ونظاماتها ومغايرة للصدق والشهامة والحق.
اختلت الآداب في الأشغال الكبيرة فصار من الهين على بعض ملوك المال أن يشتروا الأمتيازات من مجالس التشريع ومنتديات سلع تجارية تباع وتشرى بالمال. ثقلت وطأة
стр. 1054
هؤلاء الملوك الذين أخذوا يحتكرون الحاجيات والكماليات فصرخ الشعب صراخ المظلوم في أرض الحرية سمع صراخه الأسد الباسل تيودور روزفلت فحمل على العدو الحملة بعد الحملة وها هو الآن لا يزال في ساحة الوغى يرميه أعداؤه وهم أعداء الشعب بسهام العدوان والبغضاء فيبيدوها ترسة المتين متحطمة مكسرة لأنه يدافع عن الحق ولأن الشعب والله يشدان أزره في حربه الشريفة.
اتفق سراً ملوك السكك الحديدية (هريمن) و (هل) و (مورغن) وغيرهم على جعل شركات الخطوط الحديدية التي تربط شيكاغو ومدن الولايات المتوسطة بالشاطئ الباسيفيكي شركة واحدة.
قصدوا من ذلك الاتفاق قتل المناظرة ليتيسر لهم الاستبداد في أجور الشحن والسفر ضموا بذلك الاتفاق شركة (الباسيفيكي الشمالية) وشركة (الباسيفيكي المتحدة) وشركات أخرى صغيرة دعوها شركة التأمين الشمالية. وما انتشر أمر هذا الاتفاق حتى شكا أهل الغرب وتذمروا من استبداد ملوك الخطوط الحديدية. ورفعوا شكوأهم إلى ستة من حكام الولايات الغربية فلم يستطع هؤلاء أن يردوا المعتدين عن سيرهم السيئ وعيشهم بالقانون فعرضوا على الرئيس الحالة فأوعز روزفلت إلى المدعي العمومي أن يستقرئ أمر الشركة الجديدة فبحث المسيو نوكس سراً فوجد أن الشركة العظمى قد تعدت حدود القانون. فلم يتأخر روزفلت يوماً وأحداً عن أقامة الدعوى على هؤلاء الملوك الماليين فحاكمتهم الحكومة أمام مجلس القضاء فوجدتهم معتدين فأجبرتهم على فض الاتفاق ولم يكن بالحسبان أن الحكومة تقدم على مقاتلة شركة أموالها تعد بمئات الملايين ولكن حكومة رئيسها روزفلت لا ترهب (مورغن) ولا تخشى (روكفار) ولا (هيل).
لما طلب روزفلت رؤساء الشركة التي أشرت إليها للمحاكمة هرع (مورغن) العظيم إلى واشنطن فدخل القصر الأبيض وهو عالم أن لخصمه حرية لا تعرف أخاً. فقال مورغن: يلزم أيها الرئيس أن نجتمع معاً ونتفق على أمر. يجب أن نحل المسألة بالمسألة.
فأجابه الرئيس أخاف يا مستر مورغن أن لا تكون حتى الآن عارفاً منصبي. أنا هنا لأنفذ شرائع الولايات المتحدة.
ولكن نحن يا مستر روزفلت لم نخالف القانون إذا لم تخاف من الأذى؟
стр. 1055
نعم ولكن يجب أن تتسأهل أيها الرئيس.
لا تسأهل في تنفيذ القانون.
فآب مورغن ملك المال في أمريكا الذي يرعب (وال ستريت) - شارع الصيارفة في نيويورك - لأقل حركة أو لفظة منه تكسوه الخيبة ويرأفقه الفشل. وبعد أن عاد مرغن خائباً إلى نيويورك ذهب إلى واشنطن غيره من رؤساء السكك الحديدية ممن لهم علاقة بالشركة الكبرى قال أحدهم: كان من الضروري يا حضرة الرئيس قبل أن ترفع علينا الدعوى أمام المحاكم.
فأجابه روزفلت بقوله لماذا؟
- لأن أقامة الدعوى بغتة أسقطت أسهم السكك الحديدية فكان يجب أن تفيدنا عن عزمك رحمة بالأرامل والأيتام الذين يملكون أسهماً في هذه الشركات.
فأجابه المدعي العام هل أخبرتم الأرامل والأيتام لما احتكرتم أسهم الشركة الباسيفيكي الشمالية؟
وعندئذ تكلم الرئيس بلغة لم يسمعها قبلاً هؤلاء الأغنياء فقال: أن الحكومة لا تعلن عندما تعتقد أنه ارتكب جريمة بل توقفه ثم تخبره عن الجريمة التي ارتكبها. لماذا تطلبون من الحكومة أن تعلن المجرم إذا كان غنياً ولا تعلنه إذا كان فقيراً؟ وهكذا النصر لروزفلت خادم الشعب الأمريكي وخاب هريمن ملك السكك الحديدية الذي يستولي على خطوط تزيد قيمتها على ألف ومائتي مليون ريال.
والذي يسعى إليه روزفلت هو أن يضع كل شركات السكك الحديدية تحت مراقبة الحكومة في واشنطن المراقبة الرسمية ويعتقد أن هذه الشركات متى علمت أن عين الحكومة ترى كل مخبآها وتعلم بكل أفعالها فلا تجسر أحد على أحد الأعمال المخالفة للشرائع على أن بعض رجال السياسة يخشى من أن تزيد المراقبة في سلطة الحكومة الزيادة التي ربما تعود بالأخطار على المبادئ الديمقراطية وهؤلاء الساسة يطلبون هذا الحق - حق المراقبة الرسمية الفعالة على السكك الحديدية للولايات المختلفة. أما براين زعيم الحزب الديمقراطي فيرى أن اعتساف شركات الخطوط الحديدية لا تكون عاقبته السيطرة ومراقبة حكومة واشنطن على الخطوط الحديدية فقط بل الاستيلاء التام أيضاً على جميع سكك
следующие страницы →