Полный текст (6 802 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
المسائل وتدافع عن حق الأزهر وعلمائه وتصدر مرة كل اسب وعين وتحرر تحت ملاحظة بعض أكابر علماء الأزهر وقيمة اشتراكها ثمانون قرشاً وللأزهريين وطلبة العلم بأربعين وقد استبشرنا بهذه المجلة فلعل الأزهريين يتمرنون بعد الآن على الكتابة والتأليف فإن مدرسة فيها اثنا عشر ألف طالب حرية بأن تصدر باسمها مجلة تدون فيها أراء أهلها وأميالهم وزبده علومهم وإذا كان في هذه المجلة الآن بعض أمور تؤخذ عليها فإن كثرة المران على العمل تجود مع الزمن وما قط جاء عمل تأما من يوم البداءة به فنرحب بالرصيفة الجديدة ونرجو لها طول البقاء.
стр. 982
فجائع البائسين
(تابع ما قبله)
- كنت وعدتني وأخلفت وعدك وهيهات أن تثبت عليه
- أما قنعت وعذرتني؟
وأخذت تفكر مترددة أن تكلفه بالطلاق المشئوم الذي لا نود أن تسمع ذكره وهي تخاف أن لا يقبل فتخجل أو يطلقها حباً بها وهو لا يريد ثم قالت يستحيل أن أكون زوجة ثانية وأجتمع بأعدى عدواتي أو أتصور أن لي عدوة في حياتي ولذلك أرجوك أن تعذرني إذا أبيت أن أجيبك على سؤالك.
- فإن كان ألمانع لقبولك وجود شهيرة فهي طالق ثلاثا فكوني على ثقة من أن اجتماعي بها مرة أخرى ضرب من المحال
ما كان بودي طلاقها ولكنه سبق منك فأعدك بالقبول وقد عفوت عنك وسامحتك بما بدر منك ونسيت كل خطيئاتك
- أشكر لطفك وإحسانك ولم يبق أمامنا من العقبات سوى فبول أبيك وإقناعه
سأجد إليه وسيلة تضطره إلى أجابة الطلب. وهنا تعانقا وتفارقا على أمل اللقاء وأخذ سعيد يفكر بالسعادة ويؤمل بقربها وهيهات! هيهات! لأن السعادة الحقيقية مفقودة وقد يظن المرء أنه سعيد بالنسبة للشقي أو يتظاهر بالسعادة:
(تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد) ولكن الأماني تجعل الإنسان يعيش في خيال السعادة فهذا سعيد ولد بالأمل وعاش بالأمل وسيعيش بالأمل وصار يسبح في بحور الخيال وأخذ يؤثر البقاء في فراشه على الذهاب إلى أحسن سمر ليفكر فيما ستصير إليه حاله. فبينما هو يفكر في خيالاته أتاه خبر وفاة ابنه مع أحد أقارب زوجته فطلب هذا منه أن يرسل يجهزه للدفن ولم يكن سعيد رأى ابنه فحدثته نفسه أن يرى صورته ولو كان ميتاً ليلتذ بالبكاء عليه ويقول إنه كان لي ابن فأرسل وطلب ذلك فوعده الرسول وذهب فأخبر شهيرة وأمها بما أراد فغضبا ونادتا بالويل والثبور قائلتين أن هذا لا سبيل إليه وأسرعتا بتجهيز الطفل وحمله إلى الجبانة فأتى سعيد فوقف قرب الباب المشئوم وأرسل خادمه ليطرق الباب فصاحت النساء وشتمته ولعنت الولد وأباه ودعتا الله أن يلحق الأب
стр. 983
بالابن فأدرك من ذلك الصياح أن الميت أرسل إلى الجبانة وسأل الجيرأن فأخبروه أنه أخرج وصلي عليه ثم أخذوه ليواروه التراب فذهب إلى المدافن فلم يجد سوى حملة الميت راجعين فسألهم عنه فقالوا أنه دفن وأجره على الله فأخذه البكاء وأسف أسفاً عظيماً. وبينما هو يكفكف عبراته أتاه طغمة الشحاذين فأحاطوا به فمنهم من يقول اسمعونا الفاتحة إلى روح الميت ومنهم من تسرع في تلاوة حزب من القرآن ومنهم من يقول أعطنا من مال الله وتصدق عن روح ابنك فما وسعه إلا أن شتمهم وكدرهم وطردهم ولكنهم استعملوا سلاحهم إذ أبت نفوسهم السب والشتم فأعطى خادمه ريالا وأمره بأن يصرفه قطعاً صغيرة ويوزعه عليهم على السوية تخلصاً من سلاطتهم وإلحافهم فتركوه ولحقوا الخادم وكادوا يضربونه فرمى الريال وفر أمامهم يعدو مسرعاً فإنقضوا جميعاً على الريال وأنشئوا يترامون بعضهم فوق بعض فجرح أحدهم وراح ينتقم من رجل برئ فقابله وانتصر عليه فأتى الشرطي وأخذ يضربهم بسوطه ففر بعضهم وقبض على الآخر فساقهم إلى المخفر وأخذ الخادم فلم يتركهم حتى أخذ منهم ما يرضي خاطره.
طغمة الشحاذين في كل بلدة ضروب وأشكال وأكثرهم عدداً وأرقأهم في الشحاذة والتفنن في الإلحاح والإلحافكلاليب دمشق فلهم هناك رئيس يحكم على أعوأن له من كل حي من أحياء المدينة ومن وظيفة الأعوان أخبار الرئيس في أسرع وقت بموت ميت وتوزيع صدقة وهذا يعلم جميعهم فما هو إلا أن يصطفوا حول جدار الميت قبل المعزين ينتظرون خروج النعش ليمشوا حوله مهللين مكبرين بأنغام خاصة بهم فيمدون الكلام وينغمون بأشداقهم ويخرجون ألسنتهم. وللرئيس أجرة الأخبار يتقاضاها من كل فرد منهم حتى إذا دفن الميت يهجمون على أهله ويطلبون منهم أجرة التهليل والتكبير كانهم دعوهم وقالوا على أجرة معلومة وقد يسمعونهم ألفاظاً فظة ويحملونهم منة كان يقولون لا يليق بمن ورث مبالغ من المال أن لا يتصدق عن روح مورثه كانهم شركاء الوارث في ميراثه فيزيدونه غماً إلى غمه.
ولما رجع سعيد من الجبانة وفكر بأنه خلص من أجرة الحضانة وحيل بينه وبين زوجه قوي أمله وشكر ربه على ما زال عنه من الغمة وذهب إلى زيارة الباشا على حسب عادته وأخبره بما وقع له فأسف هذا له ورق لحاله وشعر بلزوم حمايته لأنه هو ولي نعمته ولامه
стр. 984
على التأهل بهذه الزوجة ثم قال له: ينبغي لك أن تفتش على زوجة توأفقك
- لا يخفى على سعادة الباشا أن سعادة الباشا أن رفيقي أخو زوجته هو الذي غشني بأخته وكان الباشا حينئذ متغيباً عن بيروت فلو كان هنا ما تزوجت إلا بعد استشارته ولآن أسعى في سبيل الزواج ولكني عزمت على ترك هذه المسألة لرأي مولاي
- سأفكر لك بزوجة حسنة وأمر الخانم لتبحث لك عن امرأة تليق بك.
فشكر فضله وقبل يده وبعد أن مكث هنيهة في حضرته أستأذن بالانصراف إلى داره
ظلت جميلة وحيدة في المنزل وأخذت تفكر وتقول إلى متى وأنا في حرمان من الزواج؟ لست براهبة ولا يحظر علي التأهل وما يخيل لي أني أجد أحسن وأوفق من سعيد وحبي له شديد ولا أود أن أقترن بغيره فمن يطيق أن يمنعني من اتخاذه رفيقاً لي؟ إذا كان اعتقاد أبي بالمناصب والمواقع وهو لا يعلم أنه لا تمييز بين البشر بالفضائل ومكارم الأخلاق فأرادته لا تمنعني عن تذلك ولست لأمره طائعة على أن الشرع الشريف منحني حرية الزواج بعد البلوغ وها أنا ذا بلغت سن الرشد وطاعة أبي الذي ينكر الحقائق بضعف عقله وقلة علمه غير واجبة عندي إذا كان له أولد أعلم منه بمصالحهم وأعقل منه وأمثل في تدبير خصوصياتهم وأنا أعلم من أبي ولا شك بمن يصلح لي ولكن الأدب والكمال يضطرانه إلى أن يرضى عن زواجي ومن الحزم والعقل أن أسوقه إلى ما أتمناه ولكن كيف أصل إلى ذلك؟ وأخذت تفكر في وسيلة إلى تحمل أباها على أن يهم بزواجها من سعيد فجلست يوماً مع أمها وذكرت سعيداً وما قاساه من أمرأته وصارت إلى تمدح مكارم أخلاقه وتعظم مستقبله بعين أمها وتتمنى له زوجة ترتاح إليها نفسه وتطيب وكانت أمها تصدق ما تقوله حتى حمستها فقالت: إذا كان يريد الزواج فإنا سأسعى له.
فتجاسرت حينئذ جميلة وقالت لو كان لي فكر في الزواج لما تزوجت سواه. وقصدت بهذه العبارة استطلاع رأي أمها فقالت هذه نعم وأنا أوأفقك على أفكارك ولكني ما زلت استغرب امتناعك عن الزواج وقد فات أوانه وانقطعت الرغبات فيك وأنت على تصوراتك الغريبة؟
- أتدرين متى أرضى بالزواج؟ متى وفقت لكفؤ يقوم بضروراتي ويعرف قدري ولا يتزوجني إلا من أجل فضيلتي وأنت تعلمين أن الذين طلبوني حتى الأن لم يقصدوا مني إلا الانتساب لأبي ولا يخفى عليك أن الذي يطلبني من أجل أبي عندما يتوفى والدي
стр. 985
يهملني ولعله يطلقني أو يتزوج مرة آخرا ويتركني حزينة أبداً.
ما زالت تلقين هذه المشكلات فمن أين لنا أن نأتيك بمن يوأفقك على ما تنزع إليه نفسك؟
قد يوجد ولكنه لا يجسر أحد على طلبي لعلمه أني أرد طلبه وهذا يصعب عليه أن يرد خائباً لعزة نفسه وشرف طبعه وكرم أخلاقه.
هل تعلمين فتى بهذه الأخلاق؟
- وأنت تعليمنه
من هو؟
سعيد
- لا أشك بمكارم أخلاقه وعزة نفسه ولكنه غير كفؤ لك من حيث الشرف لأن أباك باشا وأبوه جندياً وعائلته غير معروفة بين الناس والعجب العجاب رضاك به زوجاً
لا محل للعجب هنا لأن مكارم أخلاقه تقوم مقام شرف الفتى والشاعر يقول:
لا تقل أصلي وفصلي أبداً ... انما أصل الفتى ما قد حصل
وإذا كان فقر عائلته يمنعك عن القبول فليس الفقر عيباً للمرء ولا الغنى شرفا له وخلاصة القول كوني على يقين من أني إذا قصدت الزواج لا أتزوج غيره لأنه هو وفق مرغوبي
- فهمت الآن أن له في قلبك مكانا والحب أراك أيا موافقاً على أني لا أطيق أن أذمه لأني لا أجد فيه من العيوب سوى فقره وانحطاط منزلة أسرته.
- قلت لك أن الفقر ليس بعيب وأما انحطاط مكانته فمكارم أخلاقه تشفع بها ومع هذا كله فإنه سيتولى منصباً عالياً يبلغ به مبالغ الإشراف وينال راتباً عظيماً يصيره من زمرة المترفين.
فإن كنت ترغبين فيه زوجا لك فصرحي بكلامك ولا حاجة إلى براهينك.
. . . . سكوت وإطراق في الأرض
- فلو رضيت لك وشايعتك على فكرك فهل تتصورين أن الباشا يرضى بذلك وهو غرس نعمته وزيدي على ذلك أن له زوجة أخرى
- أنت قادرة على إقناع الباشا وإرضائه وأما زوجة سعيد فليس فيها كبير أمر لأني على ثقة من أنه يطلقها من أجل أبي
стр. 986
- من أين لي أن أقنع الباشا ليرضى بذلك؟
- أنت تعلمين كيف تفعلين
- دعيني الآن ريثما أجد فرصة مناسبة أسترق فكر أبيك وأعلم إن كان يمكن ذلك أم لا.
وبعد ما خرج سعيد من منزل الباشا دخل هذا إلى دائرة الحريم وأخذ يظهر أسفه ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله. فسألته الخانم عن السبب فأخبرها بما جرى لسعيد وابنه فبكت لحاله وأسفت عليه ثم قال لها: أني تعهدت له بأن أزوجه وأن أرسلك لتفشي له على امرأة توأفقه. فتجاسرت الخانم عندئذ وقالت: إن كنت تود أن تحميه وتريحه زوجه بابنتك فهو غرس نعمتك وقد نشأ بفضلك وفي ظلك وما هو ظلك وما في الحقيقة إلا ابنك ولعلنا نتخذه ولداً فيكون لنا عوناً وسنداً
- لا أنكر مزاياه وأحبه كولدي ومنزلته عندي منزلة جميلة ولكن امتناع جميلة وكلام الناس يحولان دون ذلك على أني لست ممن يعدون الفقر انحطاطاً ومزرياً بالشرف ولا استنكف من مصاهرته لأن مكاني وشرفي يكفيانه
- كلام الناس ليس مما يحفل به العأقل في مثل هذا المقام لأن العأقل البصير من لا يبالي بكلام لا طائل تحته وقد يكفيه رضا الأخيار والأخيار لا يرون الفقر وجهل مكانة العائلة منافياً لمكارم الأخلاق وهم يرجحون الفضائل على كل مزية والمدح ما كان من الأخيار والذم ما كان منهم ولعل جميلة ترضى به لأن امتناعها ناشئ عن وجود قرين يوأفقها على أنها تمدح سعيداً في كل حين وتقر له بالفضل
- وأنا لا أبالي بكلام العامة ولا بكلام من انحطت أفكارهم ولكن إذا رضيت أنا بذلك فهل جميلة ترضى به
- فلنسألها - اذهبي واسإليها
دخلت على جميلة وأخبرتها بما جرى بينها وبين أبيها ففرحت وقالت لأمها يجب علينا أن نحتاط لئلا يفهم ويغضب وأنت تعلمين حاله إذا أخذه غضب
- أصبت بما فكرت. فماذا نفعل؟
- اذهبي وقولي له أن جميلة لا تخالف أمرك ولكنها تلتمس منك مهلة تفكر في هذه المسألة الحيوية التي تحتاج إلى إمعان وزيادة استبصار
стр. 987
- هاأنا ذا ذاهبة وذهبت. فدخلت على الباشا وأخذت تمدح جميلة على ترويها وعقلها وكمالها ثم قالت: أنها لا تخالف أرادتك وهي طوع أمرك فيما تقضيه عليها ولكنها تلتمس مهلة يومين لتفكر في الأمر ثم تخبرنا سلباً أو إيجاباً
- أخاف أن تصر على عنادها وأنا أود أن أزوجها في حياتي لنفرح بها فقولي لها أني أمهلتها يومين فذهبت وخبرتها ففرحت بنيل المراد وبشرت سعيداً بواسطة خادمتها ففرح هذا وظن أن السعادة العظمى لاحظته عيونها وأخذ يفسرها ويقلبها على وجوه آملا أن تكون تلك السعادة مكافأة لما عاناه من قبل وصار يسبح في ظلمات الخيال وصرت لا تراه إلا ضاحكاً مسروراً يقول تارة سأرتاح من أجرة الدار وأسكن منزلاً عالياً وأركب عربة خاصة وأرتقي بمعونة الباشا وأخلص من هم صرف الراتب على تدبير المنزل واقتصد راتبي وأوفي راتبي فأكون حينئذ سعيداً ثم أخذ يفكر فيما بالذي سيتراكم من مشاهرته فقرر أن يشتري أوراق يانصيب المصرف العقاري وتحويلات سكة حديد الروملي وأصبح في أمان من كسب أعظم المبالغ ورأى أن يشتري خيلاً ليقيم على تربيتها فيبيعها بما تيسر من الليرات ويشتري دكاناً ثم مخزناً ثم ضيعة فيصير من الأغنياء ويستتغني عن الاستخدام وعن معاناة شرور العالم ويكتفي بأن يصير عضواً في أحد المجالس وطوراً يقول أن السعادة ليست شيئاً في الحقيقة بجانب اقتراني بجميلة لأن السعادة العظمى هي اقتران زوجة بزوج يوأفقها في الخلق ويقوم بما يفرض عليه لتقوم هي بما يفرض عليها من أعمال الحياة وبمثل هذه الخيالات كانت تمر أيامه وليإليه فصار لا يفكر إلا في السعادة ونسي كل ما عاناه من قبل بل وتناسى ما وقع له شأن الإنسان يتذكر السعادة في الشقاء وينسى الشقاء في الإقبال وكان وصول سيعقد به له على حبيبته جميلة.
ولما مضى اليومان أجابت بالقبول وفوضت الأمر لأبيها لا يباح ففرح هذا وأرسل سعيداً فأتى هذا مسرعاً لإنه كان عالماً بالأمر فقطع الطرق وما شعر إلا وهو أمام المنزل وكان من عادته أن يأتي ماشياً على رجليه فأتى هذه المرة في العربة وأستأذن عليه فدخل إلى ردهة الباشا فقبل يده وجلس أمامه فقال له الباشا يا بني أنت تعلم أني ربيتك كولدي وأحبك بمثابة ابنتي جميلة ولآن أريد أن أجعلك ابناً حقيقياً وأفرح بك فهلا تطيع أمري؟
- سيدي العبد غرس نعمائك وإن كنت عشت أو أصبح لي شأن فذلك بفضلك وإحسانك
стр. 988
فمقامك أعظم من مقام أبي عندي أن كان أبي الذي توفي والدي بالجسم فإنت أبي بالفكر أبي بالعلم أبي بالأدب أبي بكل شيء قال اله تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) والعبد يقر ويعترف بأنه ليس في وسعه شكر النعم الجسام التي أولانيها مولاي فليس لي إلا أن أطيعه في كل ما يصدر من سعادة فمر بما تريد وأنا عبدك المطيع.
- بارك الله بكرم أخلاقك ووفقك وجعلك من أسعد الناس وأعلم يا بني أني على غاية من الأسف لما عانيته من العذاب في زواجك وأنا حتى بلغت مما أقر عيني به كلما نظرت إليك وسمعت عنك فأحب أن أصل ما بدأته معك لتترحم علي بعد موتي وتكون ولياً على عائلتي التي ستصبح بعدي بدون رجل يتولى شؤونها وهذا لا يتم إلا بزواجك من ابنتي جميلة فأعرضها عليك إذا لم يكن لك مانع
- لا مانع لي يمنعني عن نيل النعم فالعبد رهين الأمر في كل حين فمر بما فلا تجدني إلا عبداً مطيعاً
- حفظك الله وسنعقد لك عليها هذا الأسبوع إن شاء الله السميع العليم
- أطال الله عمر مولاي
ثم شكر فضله وقبل يده ودخل الباشا على ما دار بينه وبين سعيد وهذه أخبرت جميلة ففرحت وأيقنت بنيل المراد. وبعد أربعة أيام دعي عمال الولاية والأمراء والوجهاء والعلماء إلى دار الباشا المشار إليه ووكل سعيد أحد أحباب الباشا وعين بعد شهر من تاريخ العقد.
غدا سعيد يرقب يوم العرس بفروغ الصبر ولما أن الوقت استعد للسرور فدعا رفقاءه ليشاركوه بفرحه وحبوره وما علم بما أخفاه له الدهر الخؤون وقد نامت عينه عنه إلى حين فأدخله الباشا تلك الليلة على جميلة وأوصأهما بعضهما ببعض ودعا لهما بالتوفيق.
فلما دخل بها وخلت به أخذت تعاتبه قائلة: لو كنت خالياً من أوهامك الغريبة وحفظت العهد لنلت ما نلته الآن وما كنت وقعت ولكن خلق الإنسان عجولا على أني ما زلت أعجب منكم معشر الشرقيين فمهما كبر عقلكم وارتقى فكركم ودرستم العلوم والفنون لا تزالون مقيدين بالأوهام الباطلة ولقد ترى الواحد منكم ينتقد الخرافات ويعيب أوهام غيره ويرتكبها غير مختار وذلك بما تعلمه من أمه الجاهلة في طفولته يرضع لبأن الخرافات مع لبن أمه ولا
стр. 989
يخطر ببالك أيها الحبيب أني أقصد بانتقادك هذا مدح الجنس اللطيف فإنا عالمة أن وجود فتاة مرتقية الفكر سليمة العقل خالصة من الأوهام والخرافات في بلادنا قد أصبح ضرباً من المحال وذلك أن المدارس التي أسست لتثقيف عقول البنات لا تعلمهن إلا مبادئ العلوم والفنون ضعيفة ضئيلة لا تكاد تسد الحاجة وقد لا توجد مهذبات مدربات في المدارس يهذبن الفتيات ويدربنهن على الفضائل وحب الكمال إلا ما ندر ومما يؤسفني أن أرى أن أهم درس يدرس في المدارس تعليم أمة اللغات لأننا لا نزال نعد التكلم أو العلم بإحدى اللغات دليلاً على الفضل والكمال وأغرب من هذا كله ما نراه من إنهماك المعلمات في تعليم البنات التفصيل على الزي المودة وزركشة الفساتين فالمعلمات يغرسن حب الأزياء في عقول النساء وهن غير مباليات بتثقيف عقول الفتيات ولذلك نرى الفتاة تخرج من المدرسة على آخر طرز وأحسن زي من الزينة والتبرج وقد تتكلم بلغة من اللغات فتكون حينئذ بلغت منتهى العلوم والآداب بزعمها وزعم أهلها. ولا يخفى عليك أن التي دأبها التزين واللباس وتجديد الأزياء لا تجد في وقتها متسعاً لتعليم ابنها وتهذيبه ولذلك أصبحت المرأة علتنا الاجتماعية ومقياسنا متى ارتقت ارتقينا وإذا هوت هوينا معها فلا تقوم لنا قائمة إلا بتهذيب المرأة التي إذا هزت بيدها اليمنى سرير ابنها هزت باليسرى الدنيا بأسرها والرجل العظيم لا يأتي إلا من عظيمة سبقته وهي أمه ولله در من قال (الطفل صفحة بيضاء وأمه تنقشه كما تشاء) ولعلنا نرى يوماً يكثر به نصراء المرأة الضعيفة فيعلمون حقائق الأمور ويعنون بتهذيب بناتهم ويخدمون بناتهم ويخدمون بذلك بني نوعهم. وإما نحن نربي أبنائنا كما نشاء ونجعلهم مثال الكمال ونثقف عقولهم ونعدهم للبيئة الاجتماعية خدمة يقومون بواجباتهم نحو بني الإنسان والحيوان.
= لقد أعجبني خطابك البديع الذي أعرب عما في ضميري ولكن ما لي أراك مرتدية على أخر زي؟ أما كان اللائق بك أن تبتدئي بنفسك وتهجري الأزياء وتنزعي عنك المجوهرات الثقيلة التي استغرب كيف تطيقين حملها على إنه كأن يكفيك رداء جميل الزركشة في شكل بسيط يقبله الذوق السليم.
= كان يجب علي ابتداء بنفسي ولكني خفت من أن توجه سهام اللوم وأصبر عرضة لأفواه الناس وربما جلب ذلك على والدي كلام المتكلمين فحطوا من قدره
стр. 990
= أليس من العقل أن لا تبالي بكلام الجاهلات اللواتي لا يميزن بين الحسن والقبيح وأنت لست من اللواتي يتزين ليلة العرس ليغرن أزواجهن حتى يملكن قلبهم فإنت ملكت فؤادي منذ كنت طفلاً ومكانك لا يزيده لباسك وتبرجك شيئاً في عيني ولا تنقصه بساطة ردائك ويا ليتك كنت جعلت البساطة زياً بين الناس لأنه ينظر إليك والنساء يقلدونك ولكن كما قلت أن الإنسان مهما ارتقى لا يزال مقيداً بقيود الأوهام. وأما عدم تصبري وخيانتي لعهدك فهذا أمر مقدر المقدر محتوم والأشياء مرهونة بأوقاتها ولا يستطيع بشر أن يفر من القدر ولذلك لا أرى محلاً للوم
= أن هذه العبارات عبارات العجزة الذين إذا أخطئوا وأسأوا رجعوا بخطئهم على القدر وشكوا من الدهر وإذا أحسنوا منوا وافتخروا.
= دعينا من الفلسفة والكلام فلنطرب بألحان المغنيات ونترنم بآلات الطرب لأن هذه الساعة ساعة طرب وهي الليلة التي لا تتكرر في حياتنا والأيام بيننا سنتجاذب أطراف الحديث ونبيع بعضنا بعضاً من الحكم والحقائق ما تشاء
وثاني يوم العرس عهد الباشا إلى بأن يتصرف بمنزله كما يتصرف كما يشاء ووكل إليه أشغاله الخاصة وصار يتصرف بالصدق والاستقامة واقتصد كثيراً من النفقات وغدا هو المرجع ومن كان له حاجة عند الباشا كان يأتيه فيلتمسها منه وهو يحسن معاملة الناس حتى استجلب قلوبهم وكأن يساعد المغدور ويسعى في استحصال حق المظلوم من الظالم. وتكلم مع الباشا على أن يسعى في ترقية وظيفته فوعده بذلك ففرح وقوي أمله بالسعادة وصار يوفر رواتبه ويوفي ديونه حتى اشترى سندات البنك العقاري وتحويلات سكة حديد الروم ايلي واشترى حصانين ليربيهما وأخذ يتسع خياله يتسع وآماله تكبر شقاؤه فهو يأكل ويشرب وينام ولا يدفع بارة ويتنزه بعربة الباشا ولا يصرف إلا القليل فتخلص من الطلب والدين.
стр. 991
العدد ١٨ - بتاريخ: ١٥ - ٧ - ١٩٠٧
стр. 992
الهجرة إلى مصر
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
دحا الله الأرض ليعيش البشر عليها ويتناسلوا فيها فيعمروها ويحيوا مواتها ويسيطروا على المخلوقات كلها فالأرض هي المنزل العام يجلس أهله في أي ناحية منه أحبوها وراقتهم وينتقلون في بقاعها وأصقاعها ووهادها ونجادها وحزنها وبحرها وبرها على حسب ما تقضي أحوال الصحة وطبائع الأجسام وخواص النفوس.
فقد هاجر الفينيقيون قديماً وأقاموا قي قرطجنة وعمروها كغيرها من شواطئ البحر الرومي وهاجر الغوط من جرمانيا إلى جنوبي أوروبا ودأهموا المملكة الرومانية وهاجر الروم من بلادهم إلى شواطئ البحر المتوسط وجزره وشواطئ البحر الأسود وبلاده وعمروها. وكثير من الأمم أمثالهم غادروا مساقط رؤوسهم وأخذوا لهم بلاداً ثانية استعمروها.
وهاجرت في العهد الحديث أمم كثيرة وأمم وقعت هجرة الأوربيين إلى أمريكا عمروها بجنسهم الأبيض بعد أن كانت خربة بالجنس الأسود. وكذلك هجرة الهولنديين إلى جنوبي أفريقية وهجرة الروس إلى سيبيريا وهجرة القاتقاسيين والجراكسة إلى البلاد العثمانية وهجرة الإسرائيليين من بلاد روسيا وهجرة المسلمين الروسيين إلى أمريكا وغيرهم.
وللعرب حظ وافر من الهجرة والتنقل في الجاهلية والإسلام بل أن الهجرة من طبيعة جزيرتهم يغمدون إليها للكلأ والمراعي أو للاتجار بنتائج مواشيهم وحأصلاتها. وأول هجرة في الإسلام كانت هجرة عشرة من الصحابة وأربع نسوة وقيل أكثر أمرهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة لما رأى ما يصيبهم من البلاء قائلاً لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه فخرجوا ثم عادوا بعد سنين. وهكذا هاجرت العرب إلى فارس ومصر والشام وأفريقية والأندلس والسند وكشغر لما فتحت. ولولا أقدامهم على الهجرة ما رأينا الإسلام منتشراً في قلب آسيا وأفريقية.
ولا نزال إلى اليوم نشهد أثراً من أثار حب العرب للهجرة وقد زادها اليوم قرب الموأصلات وسهولة السفر. نرى أهل حضرموت في جنوب الجزيرة يهاجرون إلى حيدر أباد الدكن الهندية فيكون معظم جيش البلاد منهم ونرأهم يهاجرون إلى جاوة فيكثر فيها سوادهم ويغتني بعض أفرادهم. ونرى النجديين يهاجرون إلى الهند في التجارة ثم يستوطنوها ويصبحون فيها أصحاب كلمة ونفوذ. ونشهد السوريين يهاجرون إلى أمريكا
стр. 993
وأفريقية ونيرتاشون ويتأثلون.
وانهيال السوري على هذا القطر خاصة قديم جداً يصعب تعيين زمنه لاتصاله ببلاد الشام براً وبحراً ولم تكن القوافل في الإسلام تنقطع في البر كما أن المراكب لم تكن تنقطع عن السفر في البحر ولم تبرح بلاد الشام مصيف مصر وأحدهما مكملة لعمران جارتها. وقد وصف ابن فضل الله العمري في التعريف بالمصطلح الشريف طريق القوافل بين القطرين كما عقد القلقشندي في صبح الأعشى فضلاً في مراكب الثلج الوأصل من البلاد الشامية إلى الملوك بالديار المصرية. ومصر ما برحت كما وصفها ابن خلدون في القرن الثامن (بستأن العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر).
نعم هي محشر الأمم ولاسيما المجاورة من البر أو المناوحة لها من سيف البحر. وذلك لأن عمرانها طبيعي مستبحر في معظم أدوارها فلا عجب إذا كانت مهاجر الأمم من أن تكون نقطة الاتصال بين قارات أوروبا وأفريقية وآسيا بفتح ترعة السويس فما بالك بعد أن تم لها ذلك.
فمصر والحالة هذه مقصودة من أقطار الأرض أكثر مما يقصد أهلها سائر الأقطار والأمة التي تكثر في الغالب خيرات بلادها لا يهون عليها مغادرتها. وطلب الحاجيات هو الباعث الأقوى على المهاجرة فإذا كفيها المرء يصاب بالوناء وضعف العزائم.
وما فتئ السوريون والرم والترك والمغاربة مذ كانت حكوماتهم تتغلب على مصر ينزلون بلاد النيل. فالروم حكموها زمناً طويلاً وكذلك الترك والعرب والجراكسة فكان من العناصر إن نزلتها بكثرة وأصبح أكثرهم عمالاً وحكاما وقضاة ورؤساء وجند وعلماء وأرباب صنائع وتجارة ولم تكثر هجرة الأوربيين إليها إلا عقيب الاحتلال الفرنسي عند ما بدأ الفرنسيس والطليان والمجر وغيرهم من أمم الغرب يهبطون إليها وقد كثر سوادهم على عهد الخديوي إسماعيل لأنه فتح أمامهم طرق الهجرة وأحسن معاملتهم ووفر لهم المغانم وطرق الكسب.
ولما قبض رجال الاحتلال من الإنكليز على أزمة الأعمال أخذ الناس يفدون على مصر من كل فج عميق حتى أنك لتجد فيها الآن من جميع الشعوب واللغات أناساً أسسوا فيها الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية وكثير منهم اغتنوا من خيراتها بفضل كدهم. وقد
стр. 994
قدرت ثروة السوريين فيها بخمسين مليون جنيه أي بعشر ثروة القطر وهكذا سائر الأمم ولاسيما الروم والطليان ولفرنسيس فإن فيها من هذه الأجناس ألوفاً اغتنموا من خيراتها واتخذوها دار هجرتهم وطناً ثانياً لهم. وحال مصر اليوم مع المهاجرين إليها يختلف عن حالها مع أمثالهم في القرن الماضي لأن ثقة الأمم تزداد بها الحين بعد الآخر ولأن الأساس الذي قامت عليه حضارتها اليوم أساس مالي زراعي. خصوصاً وقد ظهرت الآن نتائج ما تعب القابضون على أزمة سياستها سنين في تأسيسه واشتهر ذلك عند الخاص والعام في الأقطار النائية بما يتصل بهم من أخيارها وأخبار من يغتنمون من المهاجرين إليها ممن توفرت لديهم رؤوس أموال أو كانوا من أرباب العقل والعمل فكانت مصر ميداناً لظهور أثارها. وربما لا يذكر الناس إلا من نجحوا وقلما يذكرون من أخفقوا. عادة في البشر ولعلها من موجبات أقدامهم على الكسب والكدح في هذه الدار.
ولقد ساعد على كثرة الهجرة إليها حال بعض البلاد المجاورة لها من حيث اجتماعها ومادتها. فترى سكان جنوبي إيطاليا القاحلة يهاجرون إليها من القاطنين في الشمال منها لأن شمالي إيطاليا مخصب وأهلها مكتفون بما تجود به عليهم أرضهم وسماؤهم. وكذلك تكثر إليها هجرة سكان جزائر البحر الرومي ولاسيما بلاد اليونان وأهل سواحل الشام وجبالها.
هذه مصر من حيث هي مهاجر الأرض فهي دولية كما يقول الساسة أو مشتركة بين أجناس وأديان شتى. والتاريخ يشهد أنها كانت رحبة الصدر بالوافدين عليها في كل العصور للين عريكة أهلها ولم يحدث هذا التمييز بين سكانها إلا عندما أراد مهاجروا الإفرنجة أن يستطيلوا على أهلها فأحدثوا لهم ما يقال له الأمتيازات الأجنبية التي تخولهم من الحقوق ما ليس للوطني مثله ثم كثر توارد الأخلاط عليها ولم يكن الوافدون إليها على غرار واحد بل كان منهم المنورون العالمون وهم الأفراد. ومنهم المتعلمون المهذبون وهم أكثر. ومنهم العامة الأميون وهم السواد الأعظم. ومنهم طلاب رزق وسوقة نازعوا ابن البلاد وربما غلبوه لأن من جاء في طلب غرض يحتال للوصول إليه. والغريب في الغالب يكون أجرأ وأنشط من الأصيل لأن الغربة في ذاتها إمارة من إمارات النشاط.
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
стр. 995
والأمثلة على ذلك كثيرة في هذا الباب من القديم فليس للوافد ما للقاعد من الخمول والاتكال ويكفي أن في لندرا لهذا العهد وهي مهد الصناعات والارتقاء زهاء مائتي ألف رجل من رجال الألمان استولوا على أعمالهم المالية واستأثروا بها دون ابن البلاد المتعلم المنور الذي لا يقل عنه في مواهبه هذا في عاصمة إنكلترا فما الحال بمصر وأكثر الوافدين إليها من الشعوب القوية ومن أهل البلاد الباردة التي تبعث النشاط في قلوب أبنائها وأجسامهم وعقولهم فيتخذون عدتهم استعدادهم وكدهم رأس مالهم وعتادهم وذخرهم قصدهم واقتصادهم على حين قد أتت على الوطني أزمان من الفوضى ضعفت بها قواه فأصبح لا يقوى على العمل إلا عوده زمناً ولقنه بالتعليم والتربية وقد فاجأته الثروة والحرية مفاجأة بهرته وحيرته ثم أن ابن البلاد في الغالب لايسف إلى المكاسب التي يتنازل إليها للغريب فالأول يدل بأرومته ويعتز بأمته والثاني يذل في سد حاجته ونيل بغيته.
ولما رأت الحكومة المصرية على عهد الوزارة الرياضية أن الوطني يكاد يفنى في الدخيل سنت لائحة صعبت فيها على النازل في مصر أسباب الحصول على حقوق الوطني إلا بعد مقامه خمس عشر سنة على وأشعاره الحكومة بعزمه على تغيير جنسيته قبل حلول الوقت المعين بخمس سنين فكانت هذه اللائحة غريبة في بابها منعت بعض الطراء على القطر من ولوج باب الاستخدام في دواوين الحكومة وحظرت عليهم تعاطي الأعمال الإدارية والسياسية إلا أنها صرفت وجهتهم إلى اتخاذ الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية الحرة فافلحوا أكثر مما لو كانوا حصروا وكدهم في الوظائف الاتكالية ولم تحق عليهم كلمة مصر للمصريين. ومن هنا نشأ بغض النظر كثير من المصريين للغرباء. كان السبب في ذلك أول منافسة هؤلاء لأبناء البلاد في اجتياز الوظائف وهناك أسباب أخرى قواها أرباب الأهواء والغايات المسموعة فإنتقلت بالتقليد إلى العامة ومن نحا منحأهم من الخاصة.
وليست الشكوى التي يشكوها بعض الوطنيين من الوافدين في محلها كلها لأن من اغتنى بكده أو بطرق غير شريفة فإنما غنمه له وغرمه عليه. واو تسنى لابن البلاد أن يعمل عمله ما تأخر وياليت خاصة هذه البلاد يسعون إلى نزع هذه الأوهام من عقول العامة حتى لا يبغضوا غيرهم بسبب وبلا سبب ويمتزج بعضهم مع بعض لتحيل بودقة مصر ذاك الدخيل إلى المعدن الذي تريد أن يكونوا كلهم عليه. فقد ثبت أن ثبت أن هذه البودقة
стр. 996
المصرية أحالت إليها فيما مضى التركي والجركسي والكردي واليماني والحجازي والعراقي والشامي والمغربي والفارسي فأتى منهم مقامهم قليلاً في هذا الوادي مصريون يغارون على مصلحة مصر وكثير منهم نفعوها وخدموها وأيديهم أكثر من ذلك خدمة أبنائها لها تحت اسم مصريين.
وما قط كانت لها بقعة من بقاع الأرض معلومة الحدود والمساحة وفقاً على جنس خاص من البشر لا ينازعها فيه منازع تسرح وتمرح فيها ما شاءت. فالأرض أرض الله والناس عباد الله وما أحلى بيت البحتري في هذا المعنى
ولا تقل أمم شتى ولا فرق ... فلأرض من ترابه والناس من رجل
وكل من نظر في نهوض الأمم لا يعتم أن يرى بأن كل أمة ربيت على كره غيرها وتجافت عن الاختلاط به وحسن الانتفاع منه وتجني من الخسارة أكثر من الربح. ولقد كانت بغداد من أكبر أمثلة التسامح في البلاد الإسلامية رفعت مقام الغريب وأحسنت الاستفادة منه فكان يعد بغدادياً كل من دخل بغداد. وتساوى في ذلك عجمها ودي لميها وعربيها وتركيها ونسطوريها وروميها ومجوسيها ومسلمها فجمع العدل من شملهم وآخت الراحة بينهم وعد سواء في النسبة إليها من نزلها اليوم منذ قرن وقد أعان على تكوين هذا المزج انتفاء الجنسية في الإسلام ورفق المسلمين بأهل ذمتهم ولولا ذلك ما قامت تلك الحضارة التي نسبت للمسلمين العرب مع أن أثرهم فيها أقل من أثر غيرهم من الأجناس والأديان. ولكن العمل مشترك وهو منسوب لقائدهم.
وأنا لا نزال نقول أن نقول أن من حظ مصر أن تكون البلاد المجاورة لها محتاجة حتى أشبهت فاس في القرون الوسطى لما تواتر عيث العرب على القيروان واضطربت قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت محمد بن أبي عأمر وابنه فرحل من قرطبة ومن القيروان من كان فيها من العلماء والفضلاء من كل طبقة فنزل أكثرهم مدينة فاس قال صاحب المعجب في الثلث الأول من المئة السابعة أن فاس اليوم على غاية الحضارة وأهلها في الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك في ذلك الأقليم وما زلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب إليها ينسب وبحق ما قالوا ذلك وقال أن القيروان كانت منذ الفتح إلى أن خرابها الأعراب دار الخراب تفرق أهلها في كل وجه فمنهم من قصد مصر ومنهم
стр. 997
من قصد صقلية والأندلس وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب فنزلوا مدينة فاس.
قصدوا فاس كما قصد الأندلسيون بلاد مراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر والشام لما تأذن الله بانقراض دولتهم فعدوا من أهلها بل أهلها بل كما رحل الإيطالي والألماني والإسباني والإنكليزي والفرنسي إلى أمريكا لما ضاقت سبل الرزق في وجوههم فعدوا أميركيين وانشأوا يخدمون أميركا أكثر من خدمتهم لبلادهم حتى إذا تناسلوا فيها جاء أولادهم أمريكيين صرفاً. وكلما ارتقت الأمم تطال إلى إدماج غيرها في مجموعها والأمم الإفرنجية اليوم أكثر تسامحا في هذا المعنى من الأمم الشرقية كما يظهر بالاستقراء.
قال ابن حزم الأندلسي: إن جميع المؤرخين من أمتنا السالفين والباقين دون محاشاة أحد بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرية التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكانها إلى أن مات فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام وأشهراً (قال ابن حجر صوابه أربعة أعوام) وقد بقي ٥٨ عاماً وأشهراً بمكة والمدينة شرفها الله تعالى وكذلك أيضاً أكثر أعمار من ذكرنا وأن البصريين بدأ والعمران بن حصين وأنس ابن مالك وهشام بن عأمر وأبي بكرة وهؤلاء مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم بالحجاز وتهامة والطائف وجمهرة أعمارهم خلت هنالك وأن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة بن الصامت وأبي الدر داء وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ ومعاوية والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن قبلهم وكذلك في المصريين عمرو بن العاص وخارجة بن حذافة العدوى وفي المكيين عبد الله بن الزبير والحكم في هؤلاء كالحكم فيمن قصصنا فيمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض أتباعه وخلافه محرم اقترافه ومن هاجر منا إلى غبرنا فلاحظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به.
стр. 998
فضل العربية
كتب مستشار معارف مصر فصلاً سلخ فيه اللغة العربية من مزاياها ونشر في أخر تقرير عميد الاحتلال عن السنة الماضية قال فيه: إن تعليم العلوم بالإنكليزية في المدارس الأميرية بمصر لا مناص منه الأن لعدم وجود الكتب اللأزمة والأساتذة الأكفاء ولأن اللغة العربية فقيرة قي تركيب الجمل العلمية وبالنظر لجمودها والتباس تراكيبها لا تستطيع أن تكون لسان حال العلم والتدريس وأنه ليس فيها سئ من روح الأديبات الحديثة وأن أحسن الترجمات لا تتوصل إلى نقل فكر المؤلف إلا مشوهاً إذا أرادت نظارة المعارف أن تعتمد على ما يترجم من أصناف العلوم إلى العربية وقد وقع كلامه موقعاً سيئاً في نفوس العارفين بخصائص العربية ولما كان أكثر ما كتبه مما دخل بسياسة هذا القطر رأينا أن ننقل للقراء زبدة ما ساجلناه به ثم نردف ذلك بفصل في اللغة لأحد علماء المئة الخامسة.
فقد قلنا في معاجمها المطبوعة ثمانون ألف مادة وكل مادة يشتق منها عشر ألفاظ هي بلا شك من اللغات الواسعة في العصر الذي لم تكن تعتبر فيه لغة علم أي في عهد المأمون العباسي وبعده فنقلت إليها علوم الفرس واليونان والرومان والهند في أي وقت كانت لغة بدوية فكيف لا يتسع صدرها لهذه العلوم الآن وهي لغة علم منذ ألف سنة هذا مع أن بعض العلوم من اختراع العرب كالجبر مثلاً فإنهم وضعوا قواعده ودونوا كتبه ونقله الأوروبيون عن العرب فاللغة التي اخترع بها ودون بها ودرس بها لا تضيق عنه اليوم وهي هي وهو هو. ولا تزال العلوم الرياضية هي إياها منذ أول نشأتها وأن زادت بعض نظريات أو تمرينات فالكتب المؤلفة كافلة لتدريسها أما العلوم الطبيعية فإن ما يرس في المدارس لا يتجاوز ما وضع له من الكتب بالعربية في القرن الماضي وتسهل زيادة ما زاد منها وتعريب ما يصدر منها الحين بعد الآخر في بلاد الغرب. واستشهدوا له بقول أحد رجال الفرنسيس الذي نصح للمصريين أن يحتفظوا بلغتهم ويتعلموا إحدى اللغات الأجنبية معها كما فعل المجر والتشيك والبولونيون ولا عينة للإنسأن الآن عم تعلم عدة لغات أجنبية هذا فضلاً عن لغة واحدة كالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية.
أما الفصل في فضل اللغة العربية فها هو بنصه: اللغة عبارة عما يتواضع القوم بينهم به من الكلام أو يكون توفيقاً يقال في لغة العرب أن السيف القاطع حسام أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم وتجمع لغة على لغات ولغين ولغون وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة
стр. 999
من قولهم سمعت لواغي إذا أولعت به وأغريت به وقيل بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق ومنه فعله (إلى أن يقول في فضيلة اللغة العربية ومزتها): فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزتها على جميع اللغات وفضلها أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن تتبع جميع اللغات لم يجد فيها لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء المسمى الواحد على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد وجد فيها للمسميات المختلفة كثيراً وقد كان بعض اللغو بين في إيصال المعاني في النقل إليها يبين ذلك أنه ليس كلام ينقل إلى اللغة العرب ألا ويجئ الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها وهذه بلا شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيأن المعاني وكشفها وإذا كانت لغة تفصح عن المقصود مع الاختصار والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والأطالة. وقد خبرني أبو داود المطران وهو عارف باللغتين العربية والسريانية أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني فبحث وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوة وحسناً وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكي أن بعض ملوك الروم وأظنه تيفور سأل عن شعور المتنبي فأنشد له
كان العيش كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا
وفسر له بالرومية فلم يعجبه وقال كلاماً معناه ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يكون جمل على أعين إنسان. وما أحسب أن العلة فيما ذكرته غير النقل إلى اللغة العربية ومنها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات فإذا نقلت لم يجد النأقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وهي على هيئتها لتعذر مثلها في اللغة العربية التي ينقل إليها والمعاني لا تتغير فنقلها ممكن من تبديل وما كان ما ينقل من العربية فتغير حسنه لهذه العلة وما ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن نأقله يجد ما يعبر به في اللغة العربية أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر فيه لأني لا أعرف لغة سوى العربية إنما ذهبت إليه ظناً وحدساً. وقد تصرف في هذه اللغة ما لم تصرف في غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في كل ما استعملت فيه نظماً ونثراً وهي إلى الأن لا تقف
стр. 1000
على غاية في ذلك ولا تصل إلى نهاية كما قال أبو تمام في هذا المعنى * إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب * وقد بينت فضلها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت وجه التفصيل عليه موضع الاختصار مما لا شبهة فيه. فأما السعة فالأمر فيها أيضاً واضح لأن الناظم والنأثر إذا حظر عليه موضع إيراد لفظة وكأنت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك اللفظة في المعنى أخذ الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حأصلة بلا خاف على أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع فلم تجعل اللغة العربية خالية منه بل فيها أسماء مشتركة كقولهم عين وما أشبهها. وها هنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها أن كانت مواضعه تجنب في الأكثر كل ما يثقل على الناطق تكلفة والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في المخارج وما أشبه ذلك واعتمد مثل هذا في الحركات أيضاً فلم يأت إلا بالسهل الممكن دون غيرها من اللغات من اللغات كذلك كلغة الأرمن الزنج وغيرهم.
ومما يدل على فضل اللغة العربية وتقدمها على جميع اللغات أن أربابها وأصحابها وهم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وأن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم تكن تنتج أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيئاً خليقاً بالشرف وأمراً جديراً بالتقدم وإن كان توفيقاً من الله تعالى ومنة بها عليهم وقال ابن حزم: لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها بها علموا الأشياء وكيفيتها وحدودها ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم ﵇ عليها أولاً إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها وأبينها عبارة وأقلها أشكالا وأشدها اختصاراً وأكثرها وقوع أسماء مختلفة المسميات كلها المختلفة من كل التأكيد يرفع الأشكال ويقطع السغب فيما قلناه وقد قلناه وقد قال قوم السريانية وقال قوم هي العبرانية وقال قوم هي العربية والله أعلم إلا أن الذي وفقنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة وليست لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي ومن الخراساني إذا رام نغمتها ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول أنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة وهكذا في
стр. 1001
كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة لأخرى يتبدل لغتها لا يخفى على من تأمله ونحن نجد الكلمة كلغة أخرى ولا فرق فتجدهم يقولون في العنب الغنيب وفي السوط أسطوط وفي ثلاثة دنانير ثلثدا وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال السجرة وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاءً فيقول مهمد إذا أراد أن يقول محمد ومثل هذا كثير فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلاف البلدان إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبدل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل وإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معاً والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل ﵇ فهي لغة ولده والعبرانية لغة اسحق ولغة ولده والسريانية بلا شك هي لغة إبرأهيمصلى الله عليه وسلم بنقل الاستفاضة الموجب نصحة العلم والسريانية أصل لهما وقد قال قوم أن اليونانية أبسط اللغات ولعل هذا أنما هو الأن فإن اللغة يسقط أكثرها وتبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم واستغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر وربما كان سبباً لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم ضرورة ولدولة السريانيين مذ ذهبت وبادت آلاف من الأعوام في أقل منها ينسى فكيف تفلت أكثرها والله أعلم.
стр. 1002
أصل لفظ كعبة ومكة وكربلاء
نشر أحد المكاتبين في أحد المجلات العلمية ما صورته:
سألتكم عن أصل كعبة ومكة فأجبتم أن الاسم كعبة محرفة من الكلمة كابلا (كذا) التي معناها مسجد. فأرى أنكم مصيبون (كذا) لأن كلمة كابلا كانت تطلق على بعض المعابد المسيحية ككعبة نجران. وبعد البحث وجدت أن الكلمة كابلا مشتقة من كار بالا أي العمل الصلوي (كذا) وكاربلا كانت اسم كذا. يريد اسماً) لمعبد عظيم وهو مشهد النبي تموز المذكور في التوراة في سفر حزقيال ص ١٤: ٨. والمذكور في تواريخ الشرق عن النبي تموز هو أنه ولد في مدينة الأهواز وهجر الأهواز إلى كربلاء وهناك قتل هو وبنوه وأنصاره وبعد قتله آمنت به قبائل تلك النواحي وبنت على قبره قبة عظيمة وكانوا يأتون من جميع النواحي لأجل زيارته. وكانوا في هذه الزيارات ينشدون المراثي ويلبسون الثياب السوداء ويبكون عليه. وغالباً لا تكون هذه الزيارات إلا في شهر تموز. أما أتباعه فقليلون الأن البعض منهم في سوك شيخ (؟) والآخر في البصرة. واسمهم الأن الصابئون وأكثر عملهم في الصياغة ولا يزالون للآن يجرون شعائرهم الدينية بالتطواف حول كربلاء وليس الثياب السوداء وإنشاد المراثي. ويظن بعض الشيعيين أنهم يبكون على الحسين ﵁. وذلك من الاتفاقيات الغربية. أي أن يكون مشهد الأمام الحسين هو ذات مشهد تموز وقد تبين لي أن الكاتب المذكور قد أخطأ المرمى فأقول:
١ - لا يمكن أن تكون لفظة كعبة مأخوذة من كابلاً لأن هذا الحرف بهذا المعنى حديث الوضع بالإفرنجية بالنسبة إلى مثله بالعربية.
٢ - إن بين اللفظتين كعبة وكابلا بونا عظيماً
٣ - إن كابلا فرنساوية الأصل لا لاتينية. ومن تلك اللغة نقلت إلى هذه. والحال لا يمكن أن يعقل أمر أخذ العرب لفظة عن محدثي الفرنسيس.
٤ - ولو فرضنا أن اللاتينية سبقت الفرنساوية في هذا المعنى فالعرب لم يأخذوا عن اللاتين لفظة تتعلق بأمور الديانة. إلا ما حدث منها في العصور الأخيرة
٥ - وأما أن كلمة كابلا أطلقت على بعض المعابد المسيحية ككعبة نجران. فالتاريخ يخالف هذا التأكيد الزائغ عن الغرض. وأما أن كابلا مشتقة من كار بالا فهذا أمر يخالف كل معقول ومنقول. لأن وكاربلا فارسية وكابلا فرنساوية أو لاتينية على رأي ضعيف
стр. 1003
ونصارى الفرس لم يعيروا الإفرنج لفظة واحدة دينية لتكون هذه اللفظة الثانية. أما كابلا فمشتقة من الحبرية أو الغفارة ويراد بها ثوب يشتمل به الكاهنة كالرداء عند القيام بشعائر الدين والظاهر أن اسم الكابلا وهي المصلى مأخوذ عند الإفرنج من غفارة أو حبرية وضعت في مصلى وتلك الحبرية كانت لأحد القديسين بمنزلة الذخيرة فسمي المصلى بها. هذا الذي ذهب إليه لتره وهو أرجح من كلام مكاتب تلك المجلة.
أما أن كابلا لا يراد به المسجد ولاسيما كعبة نجرأن فلأن المصلى أو الكابلا لا يكون فيه إلا مذبح واحد وأكثر ما يكون لأهل بيت أو قصر خاص. ولا يمكن أن يقال فيه القداس إلا بأذن أسقف الأبرشية والكعبة معبد عام. وتفسير كار بلا بالعمل الصلوي غريب فلفظة كار فارسية ومعناها العمل أو الشغل وبالا يعني لأعلى فيكون محصل المعنى: العمل الأعلىلا العمل الصلوي.
أما كون كار بلا مشهد النبي المذكور في التوراة في سفر ص١٤: ٨ فالذكور في هذا الموطن أن هناك كانت نساء جالسات يبكين على تموز ولم يقل صاحب السفر الكريم أنه نبي. والمشهور عن تموز أنه من معبودات أفينيقية وكأن يسمى أيضاً أدو نيس ومن الأخبار الشائعة عنه أنه قتل وهو شاب في قرية غينية من الأصقاع المذكورة فناحت عليه أمه الزهرة أو عشتا روت. وهذه هي خرافة لا حقيقة لها وإنما كانوا يرمزون بها إلى الشمس وتقابلتها من حالة النور إلى الظلام في بعض فصول السنة. فكانوا إذا قدم الخريف يحتفلون بأعياد يدعونها جنازة تموز. فقول الكاتب أن تموز ولد في مدينة الأهواز فليس له من الحقيقة أدنى نصيب وأما أنه قتل هو وبنوه وأنصاره في كربلاء فحديث خرافة لا ذكر له في تواريخ الشرق. والمكاتب لم يذكر اسم هذه التواريخ ولا أصحابها الذين نطقوا بها.
وأما قوله: (وأتباعه قليلون اليوم. . . واسمهم اليوم الصابئون). فليس لهذا المعبود أتباع في بلاد العراق. والمتعبدون له كانوا في فينيقية لا غير. وحكاية قتلة موضوعه فكيف يقال بعد هذا أنه دفن هو وأتباعه في كربلاء. والصابئون لا يعبدون تموز قط. وهم لا يوجدون في سوق الشيوخ (لا سوك شيخ) ولا في البصرة بل كانوا هناك في سابق الزمان وهم الأن في الناصرية والعمارة وما جاورهما مكن القرى الصغيرة. والصابئون لا يترددون إلى كربلاء أبداً ولا يبكون أحداً في مواطنهم.
стр. 1004
وعندي أن كربلاء منحوتة من كلمتين آشوريتين وهما: (كرب) و (إيلا) ومعنى الكرب: الحرم وأيلا: الإله. فيكون محصل المعنى: حرم الله أو حرم الإله كان لهم هناك وهذا يدل على أن هذا الموضع كان في سابق الزمن حرماً لإله من آلهة الآشوريين أو الكلدانيين أو ما ضاهأهم من أمم تلك البلاد المنقرضة الممحوقة. ووجود الإحرام (جمع حرم) عند تلك القرون أمر مشهور لا يحتاج إلى تنبيه الأفكار إليه. وعليه فكانت كربلاء في سابق العهد إما بمنزلة الحرم لأحد الهتهم. وإما إنه كان فيه محراب أو هيكل يعبد فيه. لأن لفظة (حرم) عند الآشوريين (وكذا عند الوشيين والحبش) تعني كلا الأمرين يعني الحرم والمحراب.
والظاهر أن (الكرب) مبدلة من لفظة (الحرم) أو هذه من تلك. فقال بعضهم فيه (الحرب) على لغة مازن أي ممن يبدل الميم باءً كما قالوا: البوباء والموماة. والصرم والصرب ورجل بجباج ومجماع الخ. ومن بقايا الحرب بالعربية المحراب وهو بمعناه أو يكاد. ولا جرم أن (الكرب) بمعنى (الحرم) كان معروفاً عند بادية العرب ثم أميتت اللفظة بعد أن ولد من عقبها لفظ محراب فعاش إلى يومنا هذا بعد أن قتل ذاك ولما صارت الكلمة بلفظ الحرب تلقاها عرب آخرون من مجاوري الأشوريين أو تلقى الأشوريين اللفظة عن العرب أو لما اختلط الأشوريون بالعرب وكان يصعب على الأشوريين النطق بالحاء إذ هي غير موجودة في لسانهم أبدلوها بالكاف وفي بعض الأحيان بالخاء فإنتقلت اللفظة من صورة (حرب) إلى صورة (كرب). بل أن بعض العرب كانت تبدل أيضاً الحاء كافاً. فقد قالوا الحثحث والكثكث. وأكثر النخل وأحثر الكأبي والحأبي.
ووقوع حرفين مبدلين في الكلمة الواحدة غير منكر عند العرب فقد قالوا: السبت والشبت ولغنك ولعلك وفلان منسرح من الكرم ومنسلخ. إلى أخر ما هناك وعندنا غير هذ١هـ الأمثلة تربي على المئات.
وأما من ذهب إلى أن كربلاء منحوتة من (كرب) و (بلاء) فمن الأقوال السخيفة الواهنة التي لا تحتاج إلى إظهار ما فيها من بعد التأويل واسم الموضع معروف قبل وجود العرب فيه. فتأمل.
وأسخف من هذا كله قول أن كربلاء سميت بهذا الاسم أخذاً من الكربلة مصدر كربل. وكربل الشئ خلطه لأن ترابها مخلوط برمل. وقيل من كربل الحنطة غربلها لأن ثراها
стр. 1005
يشبه أن يكون مغربلاً وقيل من كربل الرجل: مشى في الطين وكربل فلان: ة خاض في الماء وذلك أن الأمطار إذا كثرت في كربلاء لا يوجد للرجل وسيلة سوى المشي في الطين أو الخوض في الماء. وفي كل ذلك من التعسف في التأويل ما يكفينا مئونة في الخوض في تفنيد هذه الأقاويل. فأحفظه
وأما أصل لفظة الكعبة فعندي أنه عربي محض لأن الكعبة عندهم الغرفة وكل بيت مربع وهذا يشير إلى أصل وضع الكعبة في سابق العهد. هذا فضلاً عن أن مادة (ك - ع - ب) تدل على التجمع والأمتلاء ومنه كعبت الجارية نهد ثديها. وكعب فلأن الإناء: ملأه وهذا يشير إلى أن هذا البيت كان يجتمع إليه الناس من كل حوب وصوب والظاهر أن هذا الأصل أن هذا الأصل الثلاثي من أرومة ثنائية الجرف يعين) ك - ب) ومنه كب الشئ: ثقل (وبثقل عند تجمع جواهره أو دقائقه) والغزل: جعله كبباً. والكباب: الكثير من الإبل والغنم والتراب والطين اللازب والثرى وما تجمد من الرمل. والكبة الجماعة من الخيل والجروهق من الغزل والإبل العظيمة والثقيل. . . إلى آخر المادة فإن معنى التجمع لا يزال معقوداً بناصيتها
وقل مثل هذا القول إذا بدلت الكاف حرفاً يقاربها ويكثر التبادل بينها. يعني (ق - ب) تقول قب النبات: يبس (اليبس لا يخلو من تجمع في أجزائه) والقب: الرئيس والملك والخليفة (أي الذي تجتمع عنده لغرض من الأغراض) إلى أخر ما هناك من مثل القبة. وهو بناء سقفه مستدير مقعر معقود الحجارة على هيئة الخيمة. . .
وكذلك إذا أقحمت العين بين القاف والباء فإنه ينهض ناهض بين يديك هو القعب والقعبة. فقعب الحافر كان مقبباً كالعقب. والقعب: القدح الضخم الجافي (الذي يجمع السوائل) والقعبة: شبه حقة للمرأة (تجمع فيها أدواتها) والقعبة: النقرة في الجبل (يجتمع فيها الماء) والقعيب: العدد الكثير (المجتمع بعضه إلى بعض). . . الخ
وإذا استقريت مبدلات الحرفين وما يقحم بينهما لا تقع إلا على مثل ما مر بك. وهذا كله يدل على أن الكعبة من أصل عربي قح معناه التجمع تتجمع الناس فيها كما تتجمع دقائق السوائل ونحوها في الإناء. ولقد اتخذ العرب والعجم في السابق وفي هذه الأزمان معنى لفظ الإناء وما جاء من هذا القبيل لمعنى محل التجمع فهكذا قالوا في معنى الكنيس
стр. 1006
والكنيسة وهكذا قالوا في بعض الألفاظ التي تدل على السفن.
ولا تظن أن مادة (ك - ب. أو ق - ب. أو - ك - ع - ب. أوق - ع - ب) خاصة بالعربية بل قد وردت أيضا بهذا المعنى في اليونانية. فإن اللغة العربية يقولون (قنبي) كما تقول العرب: قنب وذلك في بعض معانيها. وقالت اليونان (كوبي) كما قالت العرب (كوب) وقالت اليونان (قوبس) كما قالت العرب: كعب وكعبة ومكعب.
ومن ثم فإذا أراد بعضهم أن تكون الكعبة من أصل أعجمي فلا تكون إلا من أحد هذه الألفاظ اليونانية الثلاثة المذكورة إلا أننا نقول ونقول دائما أنها عربية العمومة والخونة أما لفظة (مكة) فالذي يظهر لنا في أصلها أنها آشورية من (مكا) ومعناه (البيت) من باب التغليب. كما أن الكعبة معناها: البيت المربع. ووجود الأشوريين في بلاد العرب أمر لا شبهة فيه. والدلائل كثيرة بهذا الخصوص نكتفي بإيراد واحد منها وهو قول علي حين سأله أعرأبي عن أصل قريش: (أننا نبط من كوثى) وقد اتفق أغلب المفسرين وأثبتهم قدماً في العلم أن المراد بكوثى العراق وسكانها كانوا أشوريين فإنتقال الأشوريين الكلدانيين إلى مكة في سابق أمر لا ينكر ولاسيما بعد الاكتشاف العادية التي حسرت اللثام عن أسرار جمة كانت خفية عن عيون الأنام وربك أعلم بحوادث الأيام والأقوام.
أحد قراء المقتبس
стр. 1007
بني الأرض
بني الأرض هل من سامع فابثه ... حديث بصير بالحقيقة
جبلنا على حب الحياة وأنها ... مخيفة أحلام أطافت بحالم
سعى الناس والأقدار مخبوءة لهم ... وناموا وما ليل الخطوب بنائم
جرت سفن الأيام مشحونة بنا ... على بحر عيش بالردى متلاطم
تأملت في الأحياء طراً فلم أجد ... بهم باسماً إلا على ألف واجم
ورب سعيد واحد تم سعده ... بألف شقي في المعيشة راغم
وما المرء إلا دوحة في تنوفة ... ملوحة أغصانها بالسمائم
لها ورق قد جف إلا أقله ... وعيدانها بين النيوب العواجم
ولا بد أن تجثث يوماً جذورها ... وتقلعها إحدى الرياح الهوا جم
أرى العمر مهما ازداد يزداد ينقصه ... إذا نحن في نقص من العمر دائم
ولولا أنهدام في بناء جسومنا ... لما احتيج في تعميرها للمطاعم
لحى الله بأساء الحياة كاننا ... نكيل من حاجاتها بالا دأهم
نروح كما نغدو نجاهد دونها ... أموراً دعتنا لارتكاب الجرائم
فلو كنت في هذا الوجود مخيراً ... وفي عدمي لاختراعه غير نادم
هل الموت إلا سالك وحياتنا ... إليه سبيل مسلبين المعالم
وما زال هذا الدهر غضبان أخذاً ... على الناس من سيف المنون بقائم
تبصر تجد هذى البسيطة منزلاً ... كثير اليتامى عأمراً بالمآثم
وليس الذي آسي له فقد هالك ... ولكن ضياع المفجعات الكرائم
أرامل تستذري الدموع وحولها ... يتامى كأفراخ القطا والحمائم
وكأين ترى مخدومة في جلالها ... سعت حيث أبكاها الردى سعى خادم
فليت المنايا حين قوضن بيتها ... بدان بها من قبل هدم الدعائم
أرى الخير في الأحياء ومض سحابة ... بدا خلبا والشر ضربة لازم
إذا ما رأينا واحدا قام بانيا ... هناك رأينا خلفه ألف هادم
وما جاء فيهم من عادل يستميلهم ... إلى الحق إلا صده ألف ظالم
جهات كجهل الناس حكمة خالق ... على الخلق طراً بالتعاسة حاكم
стр. 1008
وغاية جهدي أنني قد علمته ... حكيماً تعالى عن ركوب المظالم
دأبت لنفسي في الحياة كانني ... من العيش ملقى في شدوق الضراغم
يخاصمني منها على غير طائل ... أناس فابدي الصفح غير مخاصم
واقنع بالقوت الزهيد لطيبه ... حذار وقوعي في خبيث المطاعم
واترك ما قد تشتهي النفس نيله ... لما تشتهيه قلة دراهمي
وكم لي في بغداد من ذي عداوة ... وما أنا في شيء عليه بجارم
إذا جئت بالقلب السليم يجيبني ... بقلب له من كثرة الحقد وارم
стр. 1009
الأمم والأفراد
أن للسوريين عامة ولاسيما المتهذبين منهم أن يعلموا جميع الوسائل التي رقت بالأمم في الأدبيات والماديات ويعرفوا كيفية التذرع بها إلى مجاورة الغير في الرقي وأن ما بلغه الناس في هذا العصر من العلوم والمعارف وما أدركوه من الآداب والفضائل وما استنارت به أذهانهم وارتقت عقولهم واتسعت مداركهم وهذب أخلاقهم وما بلغوه من التفنن والمهارة والإتقأن في الزراعة والصناعة والتجارة وما اعتمدوا عليه من القوانين في السياسة والرئاسة والقضاء والإدارة وما أحرزوه من أسباب التمدن والعمران وما أتوه من جليل الأعمال وعظيم الحسنات ليس جميعه نتيجة الاتفاق وابن الرفاهية والكسل والاختبار ابن الأفراد والنابغين فما نراه اليوم من ترقي المعاصرين وتمتعهم بوسائل التقدم والنجاح إنما أتى على يد تلاميذ خمسة وسبعين قرناً حسب رواية التوراة وأكثر من ذلك على رأي العلماء الطبيعيين والمؤرخين وما مر بهم من الأدوار كاف لتعليمهم والأخذ بأيديهم إلى هذا المقام.
فقد توإلى على الجنس البشري أزمان بين الشدة والرخاء والبؤس والنعيم وأحاطت بأبنائه المضرات والمنافع أحاطة الهالة بالقمر واكتنفتهم العبر من جميع الجهات فكانوا تارة يعتبرون بها وينتفعون وتارة أخرى يتلاهون عنها فيفوتهم النفع ويتضررون. وعلى هذا المنوال كانوا يتراوحون في التقدم والازدهار والتقدم والتأخر والصعود والهبوط وكانت تتفاوت مراكز الأمم في مراتب العمران تفاوتاً عظيماً لم يزل بيناً صريحاً حتى الآن غنياً عن الدليل والبرهان. وذلك لعدم اعتدادها بالأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج بنسبة واحدة.
موضوع خطأبي - الأمم بأفرادها - وأريد بالأفراد ها النوابغ والشاذين الممتازين والمتفردين بأعمالهم ومآتيهم مجددين مخترعين مبتكرين وأعني المحررين من رق العادات المستقلين في الاعتقادات الذين لا يكتفون بتحصيل الرزق والاهتمام بالأكل والشرب واللباس وما أشبه من شؤونهم الخاصة فقط ولا يقلدون التافه المبتذل من الموضوعات والشؤون ولا تصدهم العقبات وتثنيهم المعاكسات الذين يخلدون ذكرهم بفعالهم ويعد الواحد منهم بمقام الألوف والملايين.
هؤلاء هم الأفراد الذين أعنيهم بكلامي الآن وهم الذين يجمعون شتات الأمم ويؤلفونها أو
стр. 1010
يقسمونها ويبعثرونها. يشيدون أركان مجدها ويرفعون أعلام عزها أو يزعزون دعائمها ويهدمون أسوارها. يقيمونها أو يقعدونها. يغنونها أو يذلونها. ينشطونها أو يخملونها. وبعبارة واحدة يؤثرون حسب أميالهم ومبادئهم وغاياتهم. وهم نافع قلما يضر أو ينفع ومتوسط بين النفع والضر أي مفيد ومؤذ معاً. فالأول من هبات الله للخلق والثاني من تلاميذ إبليس والثالث من الجبلتين بدليل ما نراه من التباين والتناقض والاختلاف في نتائج أعمالهم الخاصة والعامة مما يؤيد القول بأن الأمم بأفرادها وتوضح ما لهم فيها من المأثر والأعمال بنسبة استعدادهم وقوأهم وتقر بأنها شاكرة لهم ممتنة أو ناقمة منهم حاقدة عليهم ولا تنكر أنها تنادي على رؤوس الأشهاد أنها مدينة لهم بما تتمتع به من الحسنات أو تصيح أو تتأوه وتتنهد مما حملوها عليه ورغبوها فيه وعودوها إياه من السيئات. وقلما ذكر التاريخ غير الأفراد في كل جيل وأمة ودولة. وقلما عدد مناقبهم ونوه بغير فعالهم من التأثير في الأمم.
فمهما اشتغل العاديون أي العامة وكدوا واجتهدوا مهما قلدوا وتشبهوا ومهروا وأتقنوا مهما تعددوا وتكأثروا وتناطروا وتزاحموا فلا يؤثرون في ذويهم تأثير الأفراد في الخير أو في الشر ولا يرقون صنائعهم وفنونهم ترقية الأفراد لها ولو مر عليهم قرن من برمتها ومهما بلغ عديد الأمة في أي زمن كانت مهما ساعدتها طبيعة البلاد ودرت عليها أخلاف الرزق والثروة مهما سعت في سبل العمران ورغبت في نيل الأدبيات والماديات لا قيام لها إلا بأفراد يحثونها على النهوض في والثبات ويرشدونها إلى أقوام السبل ويتولون زعامتها لها ويقودونها في سبل الخير العام وبراعة وتفنن.
ويختلف تأثير الأفراد باختلاف مراكزهم في هيئة الاجتماع ويتباين بنيانها فكلما علا مركز الفرد ازدياد تأثيره واشتد نفعه أو ضره. والويل لأمة لا تعبأ بأفرادها ولا تعمل على تنشيط النافعين منهم ومعاونتهم وترقيتهم جهدهم فإنها لا محالة خاسرة لأن ترقي الفرد لا يتوقف على سعيه الشخصي واعتماده على نفسه فقط واقتحامه واجتيازه العقبات بل ارتقاءه مناط بالأحوال المحيطة به ولها تأثير فيه لا ينكره غير المكابر أن للأفراد يداً في إيجاد الأمم.
وحيثما عرفت قيم الأفراد وجلت أقدارهم فنشطوا وأخذ بأيديهم ووثق بهم وركن إليهم وتعددوا وأفادوا لأن الوسائل المعاونة لهم تسهل سبل نجاحهم فيبلغ معظمهم أو كلهم مبلغ
стр. 1011
النفع الحقيقي بدلاً من أن بلوغ الربع أو الثلث أو النصف فقط. أي فرد يستطيع اليوم أشغال العالم بما شغله به الأسكندر وتيمور لنك ونابليون وأمثالهم قديماً. في مكنة مستعد أن يصير أعظم من روسو وباستور وبرتلو ولكنه يندر جداً أو يستحيل أن يوجد نيرون ثان على الأرض اليوم أو فيما بعد وما ذلك إلا لأن الأمم أمست قادرة على تكييف أفرادها بما بثه فيها الأفراد من المبادئ والآراء وبإمكانها جعلهم فضلاء مجردين إلى النفع ولو بإكراه. والفرق عظيم بين الفرد المفيد المخلص الغيري وبين النصر المرائي الأناني. ذاك يسعد أمته وهذا يشقيها والأمم الحية تتطلب العادة من جميع أبوابها بكل ما فيها من القوى. سطوة الأفراد عظيمة على العقول وليس بمستغرب فإن من طبائع الناس تقليد كبارهم ونوابغهم كل بحسب مهنته وحرفته وميله فالغني يقتدي بالأغنى منه والعالم بالأكثر علماً والأديب بالأوفر أدباً والفاضل بالأفضل منه وهلم جرا. كل ما تتمتع الأمم من الحسنات قد جنته بواسطة الأفراد. العلم والأدب المعرفة والفضيلة الثروة والرفاهية المجد والشهرة جميع ذلك من نتائج أتعابهم وتفردهم. ارتقى الطب بأفراد لا يعدون جزءاً من مليون من الأطباء الذين نشأوا في الأرض محققين ودجالين والناهضون يعدون على الأصابع وهم أبيوقراط وهرفي وجنر وتروسو وبريتونو وباستور وباهرنغ ويزس وككوخ ورو والكيمياء قد تنكر نفسها فضل لافوا زيه وبرتلو. والزراعة لا يمكنها نسيأن النتائج الآتية من تجارب السر جون لوز ورفيقه الدكتور غلبرت. والفلسفة مقرة بخدم أرسطو وابن رشد وتوما وأغسطينوس وديكارت وباكون وكانت وسبنسر والاجتماعيات تردد بالشكر والأمتنان ذكر فولتير وروسو وسيمون وتولستوي. والشعر يترنم بأميروس ودانت والمتنبي وشكسبير وهو كو وكل فن مقر بأفضال أفراده عليه وتأثيرهم فيه. ولا عجب إذا غير الفرد من حالات أمته أو حرفته ما لا يغيره الألوف الملايين من العاديين.
هدم باكون وديكارت أسوار الفلسفة القديمة وأسسا الحديثة وأوضح دروين مذهب النشوء والارتقاء. وعم مكس ملر الأوروبيين والمشارقة كثيراً مما لم يكونوا يعلمونه من تاريخ لغاتهم ومعتقداتهم. وبطرس الأكبر الروسي وكرم ويل الإنكليزي وفرن كلين الأمريكي وبسمارك الألماني والميكادو الياباني الحالي وأمثالهم كثيرون ممن قد نهضوا ببلادهم بتفردهم دع عنك المصلحين والمشرعين كما أن كثيرين من الأفراد قد أساؤوا إلى أممهم
стр. 1012
إساءات قلما يغفرها لهم التاريخ ككارلوس الثاني عشر ملك الأسوجيين ونابليون الثالث إمبراطور الفرنسيس وأشباههما. كولمبوس ومجلان وفاسكودي غاما أغنوا العالم باكتشافاتهم أدباً ومادة. فكتور وهو كو وكمال بك غير طرائق الإنشاء في الفرنسية والتركية. بهرام ما لا باري وأحمد خان أفاد الهنود أكثر مما استفاد وه من أنفسهم وهم عشرات الملايين. بوكر واشنطون يعمل على ترقية السود أعمالا لم يأت بمثلها ملايين منهم. فإنديك وبلس والبستانيون واليازجيان أفادونا أكثر مما استفدنا من مجموعنا برمته.
عرف الغربيون أن الأمم بأفرادها نشطوا الأفراد وعزروهم ورفعوا أقدرهم ولم يضنوا بعزيز وغال في سبيل هذا السبيل. وأول ما وجهوا أنظارهم إليه تكثير الوسائل العامة التي يسهل وصول الأفراد إليها واستخدامها في ما يقدمهم ويرقيهم فأكثروا المدارس وجعلوا التعليم إلزامياً وأنشئوا المكاتب للمطالعة وأسسوا المنتديات للمباحثة غير جأهلين أن وجود الأفراد غير متوقف على هذه الأمور وإنا حجتهم تسهيل الوسائل لظهورهم ومعاونتهم على الاستفادة والإفادة إذ لا يعلم غير الله من أي فئة ينبغ الأفراد في حين كل من الفقراء أم من الأواسط أم من الأغنياء. ولكن الرأي المعول عليه أن الأفراد كثيراً ما يرون نور الوجود في الأكواخ والبيوت المتوسطة لا في القصور والمنازل الفخمة. وبهذا تتضح غاية إنشاء المدارس المجانية والمكاتب والمنتديات العمومية. ولم نعد نحن في بلادنا أفاضل منا ومن محبينا أدركوا هذا الأمر الجليل فعملوا على إيجاده وتعزيزه.
كثير من الناس لا يعبأون بغرف القراءة ولا يرون فيها غير غرف التسلية وصرف أوقات الفراغ لغرض أسمي وأعم ولا يقتصر نفعها على استمالة الشبان عن القهاوي والحانات وترقية عقولهم بالمطالعة وتهذيب نفوسهم بها بل هي مورد عذب للأفراد يستفيدون منها ما يضن به الدهر عليهم. وإذا لم يكن لها غير هذا النفع لكفاها فضلاً وفخراً.
стр. 1013
الميكروب
تولده وعلة الاختمار
انقسم العلماء نظرياً بناء على اكتشاف شوان السابق بيانها في علة الاختمار إلى ثلاثة أقسام. أولهم القائلون أن الاختمار عارض يطرأ على بعض الجوامد في أحوال مخصوصة لا ينتج ولا يتوقف حصوله على الخلايا أو الميكروب التي لا يكون لها فعل أو مدخل في الاختمار إذا وجدت في شيء من تلك المواد بل تصادف أحياناً فيها لأنها تتكون منها بنوع طارئ بلا علة أو والد. سمي أهل العلم (أصحاب التولد الذاتي أو الطر آني). والقسم الثاني هم القائلون أن الاختمار فعل حيوي قائم بالخلايا وملازم لحياتها وهي تنمو وتتكأثر وتتخلد طبيعياً بالتناسل وهؤلاء هم (الحيويين).
والقسم الثالث هم الذين ينسبون الاختمار إلى فعل كيماوي. وكان الرأي الأول مرجحاً ومقبولاً عند جميع الذين ينسبون لما لم يكن قائماً على أساس وقاعدة علمية وليس في تعليلاته النظرية ما يشفي غليل المنتقد المتوغل ويقنع النبيه المتبصر كان يقوم الحين بعد الآخر من يخطئ القائلين به ويحاول اكتشاف سبب حقيقي وتعليل تركن إليه العقول ويقبله الحدس السليم. وكان كثيرون قد وقعوا على الحدس وقرروا وجود سبب خفي عن الأبصار يكون علة الاختمار والأمراض ولكنهم كانوا قاصرين عن إثباته ببرهان تستند قضاياه على الإدراك حسياً ومنطقياً.
ففي سنة ١٧٧٦ حاول (سيلنزاني) الإيطالي إثبات وجود الخلايا وبيان تولدها وفعلها في الاختمار مستنداً على التجارب فأخذ بعض السوائل الاختمارية ووضعها في أكواب من الزجاج أحكم سدها ثم غلاها في الماء قاصداً إتلاف ما فيها من الخلايا أو الميكروب ومنع دخول الهواء إليها بعد الغليأن فنجحت تلك. لأن بعض الأكواب دامت معقمة لم يفسد ما فيها ولم يتخمر. وذاع خبرها فبينت عليها كيفية حفظ بعض المأكولات من الفساد بوضعها في علب تغطى ويحكم سدها ليمتنع دخول الهواء إليها.
إن نجاح هذا المسعى وأن لم يكن غير كاف لإقناع الكافة فقد كفاه فضلاً إدخاله الشك على المذهب القديم وفتحه باباً للدخول علمياً وعملياً في الموضوع.
وبعد ذلك قام كثيرون وتفرعوا للبحث والتوغل في المسألة وخصوا أنفسهم لها ويذلوا
стр. 1014
النفس والنفيس في استقصاء الحقيقة فتركوا المناقشات النظرية والحدسية واقتصروا على التجربة والعمل وإذ كانت سوق العلوم وقتئذ رابحة ناجحة لم يتركوا واسطة أملوا منها بعض النجاح لأي علم أو فن نسبت ولم يستعينوا بها في البحث عن الحقيقة. وأفضل الوسائط والآلات لهم خدمة هو كما سبق القول المجهر الذي كان وقتئذ قد أيقنت صناعته واستكملت فتوصلوا به إلى رؤية أدق الميكروب عيناً وعياناً.
ولما كان مجرد وجود الأجرام الحية في مادة مختمرة أو متعفنة لا يكفي للتصديق بأنها المسبب الوحيد لذلك اقتضى أن يتبين أيضاً بالتجربة بأن ظواهر الاختمار لا يمكن حصولها في مادة ما جردت من تلك الإجرام وحجبت عنها. وعليه فإنهم كانوا يصنعون المواد التي يقصدون التجربة عليها في زجاجات فيغلونها في الماء لكي تموت بالحرارة الأجرام الحية من السائل والزجاجة وذلك إما بسد الزجاجات أثناء الغليان أو بتعرية الهواء الداخل إليها من الأجرام الحية.
قلت فيما سبق أن هذا الأمتحان كان سبق إليه وجرب منذ سنين عديدة. فكان العالم منثار قد اختبر بأنه يقي من الفساد جميع المواد التي يغليها ثم يغمرها في الزيت يحجرها عن الهواء أو إنه كان ينقي ويصفي الهواء من أجرامه بالحوامض قبل أن يمس تلك المواد المغلية.
وفي سنة ١٨٣٧ أعاد شوأن الموما إليه تلك التجارب عينها وكان زيادة على ذلك إذا هلك الأجرام الموجودة في الهواء بأمراره في أنبوب حام قبل وصوله إلى المواد المعروفة للتجربة لم تفسد.
إن تنقية الهواء من الأجرام الحية سواء كانت بوسائط كيماوية أو بحرارة النار لم تغير تركيبه الطبيعي. على أن المخالفين للرأي الحيوي تشبثوا بها محتجين بأن الهواء بتلك الوسائط يطرأ عليه تبدلات جوهرية فلا يعود صالحا للحياة. فرداً لهذا الاعتراض عاود شريدر وفوندش سنة ١٨٥٤ تلك التجارب ولكنهما جعلا ذلك في زجاجات ذوات عنق أو أنبوب طويل منحن على زاوية قائمة. والغرض من ذلك هو تسريح البخار والهواء الخارج من الزجاجة عند الغليان وبعد تصفية الداخل إليها بقطعة قطن مندوف نقي توضع في فوهة الأنبوب فصحت التجربة وأفحم المعترضون. ولكن حاول بوشه في سنة١٨٥٨ أيضاً إثبات
стр. 1015
حدوث الاختمار من دون هواء ومن بعد تعقيم المواد المجرب عليها ثم أخذ الزجاجة وسد فمها سداً محكماً فكبه في إناء مملوء الزئبق. فبعد أن برد في الزجاجة أدخل إليها من تحت الزئبق كمية من الأوكسجين وبضعة غرامات من حشيش يابس معقم فما لبث الماء أن فسد والزجاجة في الزئبق لم يدخلها الهواء فاستنتج المعلم الموما إليه بأن هذه قد حصلت من ذاتها ولم تأت لا من المواد التي كانت قد عقمت ولا من الهواء الذي لم يدخل الزجاجة. فرد عليه وباستور بأن جراثيم التي ظهرت بماء الزجاجة إنما وصلت إليه بواسطة الزئبق الذي لم يعقم قبل التجربة وكان معرضاً للهواء تتساقط عليه الجراثيم المنثورة في الهباء ثم أخذ وباستور بالاتفاق مع شفر ويل في إعادته جميع التجارب التي تثبت رأي الحيويين وذلك بأسلوب جلي بسيط تراه العيون وتدركه العقول فصنعا زجاجة ذات عنق كالأنبوب طولها نحو متر أو أكثر منحنية على زاوية قائمة عند أصلها وذات تعرجات كثيرة أشبه بالحية الزاحفة تنتهي فوهتها منحنية نحو الأرض. والغرض من ذلك أن الهواء الداخل إلى الزجاجة بمروره في الأنبوب يترك في تعرجاته جميع ما يحمله من الهباء حتى ينتقي إذا وصل إلى داخل الزجاجة واختلط بالسائل. فيكون بهذه الواسطة غنياً عن جميع الوسائل التي اتخذها المجربون من قبل لتنقية الهواء فكانت هذه التجربة الأخيرة لأنها أكدت جميع ما قبلها وقطعت قول كل معترض. وناهيك بأن وباستور لم يكن يكتف بتجاربه العديدة على ملاحظة زجاجة واحدة لا اختلاف بينها البتة. فكان يعقم الزجاجات وما فيها ويتركها في مكان خاص تصلح درجة حرارته لحدوث الاختمار فلم يظهر ذلك في شيء منها. فكان السائل يختلط ببعض الجراثيم المتساقطة في الأنبوب فيختمر لا محالة. وقصارى القول فإن الزجاجات المعقمة كانت تبقى كذلك أبداً ما لم يدخل إليها عمداً للاختبار بعض جراثيم الاختمار. فاشتهرت تلك التجارب وعرفت قواعدها وشروطها في العالمين حتى صارت دستور العمل لحفظ المأكولات والمشروبات ووقايتها من الفساد وسميت باسم واضعها ومكتشفها وباستور. وعندما كثر المجربون واختلفت مآربهم ودرجة معلوماتهم في فن الميكروب تهاون بعضهم في الدقة واستكمال الشروط التي لا بد منها للنجاح حبطت بعض تجاربهم فاعتمدوا على القواعد الموضوعة وغالطوها وادعوا بأنهم اتخذوا جميع الوسائط المقررة فلم يتمكنوا من منع الفساد والاختمار ولما كأن ذلك نتيجة خطأهم وقلة دقتهم وقصر
стр. 1016
باعهم فاعتراضهم لم تزعزع القواعد التي تقرر حكمها أبداً.
جراثيم الميكروب وصئبانه
لم يفتر وباستور من تحصين اكتشافه واستكمال الفوائد والشروط للاحتراز فيها من الفشل. من ذلك أنه عندما أطلع بأن بعض الميكروب لم تهلكه حرارة الماء التي تغلي والقدر مكشوفة بل كان يبقى بعضه حياً من بعد الغليان أما على الزجاجات أو فيها فيفسده أخذ يسخنها والزجاجات إلى درجة ١١٠=١٢٥ من الحرارة في القدر المعروفة باسم مخترعها بابن.
وعرف شريدر أيضاً ذلك فصار إما يسخن المواد الآلية بالقدر المذكور أو يتركها تغلي على العادة القديمة بضع ساعات. ولا يخفى أن من الميكروب الذي لم تممته حرارة الماء الغالي هي جراثيمه أو وصئبانه. واكتشف وباستور سنة ١٨٦٥ جراثيم أو بيضات ونسجها صئباناً لكل من أنواع الميكروب تخلفها هي فيتكون منها النسل.
وأشهر من توغل في البحث عنها المعلم كوخ الألماني ونشر فيه كتاباً سنة ١٨٧٦ وأظهر بأن جميع الميكروب وهو في إبان نشوئه ونموه يهلكه الماء المغلي بل أقل حرارة من درجتها إنما جراثيمها تحتمل بطراً شديد الأجاج وأظهر أيضاً بأن الحرارة الرطبة أنجع منها يابسة لأهلاك تلك الجراثيم فجعل بعض أنواعها في حمام جاف حرارته١٢٠ مدة أربع ساعات فلم تهلك ولكن تم ذلك بمدة ساعتين في حمام درجة حرارته ١٤٠ وأما الحرارة الرطبة أعني في حمام فيه بخار الماء فمائة درجة من الحرارة تكفي غالباً لأهلاكها تماماً بمدة قصيرة. ولأجل الحصول على الأمنية التامة في ذلك علمنا كوخ بان نكرر عملية التسخين في حمام البخار المذكورة بضع دفعات بين بعضها عدة ساعات ريثما يبرد السائل. فالجراثيم التي لم تهلكها الحرارة تنتعش وتنمو حينئذ فقبل أن يدرك وقت تخليفها وضع السائل من جديد في حمام البخار فيهلك الميكروب الناشئ فيه. فإذا أعيد ذلك مرة أخرى أو أكثر تتحول الصئبان كلها إلى خلايا ناضجة فتهلك ويحصل كذلك التعقيم التام.
стр. 1017
اليونان
غارات على أرضهم ورحلات إليها
تاريخ اليونان - لم يسكن جميع شعوب يونان منذ الزمن الأطول البلاد التي كانوا فيها في القرن السابع أي في العصر الذي أخذ أهل العلم يعرفون عنهم شيئاً يوثق به. وقد حفظ كثير من هذه الشعوب ذكرى نزولهم في تلك البلاد وامتازوا عن الشعوب العريقة في القدم النازلة في تلك البلاد. جاءت أمم كثيرة فاحتلت أرض يونان بقوائم سيوفها وتشتت شمل غيرهم أمام المغيرين عليهم. ويقول اليونان أن بدء هذه الغارات الشعواء والرحلات كانت من القدم بحيث لم تصلنا أخبارها مسطورة ونقلت وشاع ذكرها تقليداً ويقولون أنها كانت في القرن الثاني عشر (أي بعد أخذ طروادة بثمانين سنة) ولا عبرة على أن هذا التاريخ أخذ قضية مسلمة بدون جدال ولا نزاع فيه.
دعي أقدم سكان يونان بالبيلاسج (ولعل معناه القدماء) ولم يعرف عنهم شيء ولا فيما إذا كانوا من جنس يوناني أو من جنس آخر. ومن هؤلاء السكان غير اليونان ولا يعلم أيضاً كيف أبدل اسم بيلاسج بالهيلانين إذ لم يرد أشعار هوميروس أيضاً ذكر لهذا الاسم. ومن المقرر أن بضعة بلاد حفظت أثراً من أثار فاتحيها وغزاتها. فقد جاء قوم برابرة من البلاد المشهورة ببلاد المهاجمين عصابة من الفرسأن الإشراف وأمسى سكان البلاد الأصليون عملة يزرعون ويحرثون ليس إلا. وقد رحل وأمسى الذي سمي باسم (بيوسيا) كل من لم تخضع لهذا الحكم.
وبعد ردح من الدهر خرج الدور يون من جبال البند واجتازوا برزخ كورنت وأغاروا على بلاد المورة واستوطنوا من أقاليمها ما أمرعت تربته وغنيت رباعه وبقاعه مثل لا كونيا ومسينيا وارغوليديا وسيكيونيا وكورنت ومي كار. ويروى أن قدماء ملوكهم دعوهم الهيراكليديين (أي نسل المعبود وهيراكليس) ليغلبوا رعايأهم الثائرين ويعيدوهم إلى عروشهم وكان ملوك إسبارطة يرون أنهم من نسل قدماء السكان لا من الدور يين وقد استحال الشعب الذي احتل البلاد التي أغار عليها الدور يون إلى زراع وأهل فلاحة.
واستولت عصابة من الأيتوليين الذي صحبوا الدوريين في تلك الحملة على مقاطعة إيلديا في الغرب. وأنهال الأشياتيون ممن أبت نفوسهم الخضوع على شاطئ شبه جزيرة المورة.
стр. 1018
الشمالي وطردوا منها الأيونيين وأسسوا الأثنتي عشرة مدينة الآشيانية فلجأ الأيونيين المطرودون إلى مقاطعة اتيكيا وامتزجوا بسكانها الأقدمين ومن ذاك العهد عرف الأثينيون أي سكان اتيكيا شعباً أيونياً. ثم انفصلت عصابات من عدة شعوب وراحوا يؤسسون مستعمرات في السيف الآخر من البحر. والأيوليون أقدم هذه العصابات النازلة في آسيا ثم سكنوا بعد ذاك الشاطئ بعينه. واحتل الدور يون جزيرة أقر يطش (كريت) وبعد زمن استعمر اليونان صقلية وإيطاليا الجنوبية.
الدور يون - يراد بالدور يين نسل سكان الجبال النازلين من الشمال ممن طردوا أو أخضعوا سكان السهول شاطئ بلاد اليونأن الجنوبية المعروف ببلاد المورة ويذكر هؤلاء المغيرون أن ملوكاً من إسبارطة من نسل البطل هيرا كليس قد طردهم رعايأهم فجاءوا يبحثون عنهم في جبالهم فتبع الدور يون أخلاف هذا البطل حباً به ونصبوهم على عروشهم ثم أغاروا على السكان واستضعفوا أرضهم وديارهم. وكان هذا العنصر جيلاً من الناس اشتهر بجماله وقوته وصحة أجسامه وتعود البرد وشظف العيش وحياة الفقر والفاقة فترى رجالهم ونساؤهم يلبسون ثياباً قصيرة ى تصل إلى ركبهم. والدور يون أمة حربية دعاها الاضطرار إلى أن تكون أبداً على قدم الدفاع تحمل عدتها وعتادها وهم أقسى أهل يونأن لبعد أقليمهم عن سكان البحر ولذلك احتفظوا الأمصار لأنهم كانوا على وحدتهم لا يستطيعون الأمتزاج بالغرباء ولا تقليدهم في منازع أخلاقهم.
الأيونيون - يدعى شعوب اتيكيا والجزائر وشاطئ آسيا بالأمة الأيونية. ولا يعلم من أين جاءتهم هذه التسمية وهم على عكس الدور يين جنس من البحارة أو التجار. ومن أكثر شعوب اليونانية تهذيباً لأنهم استفادوا من الاحتكاك بأمم مشارقه أعرق منهم في الحضارة واقتبسوا من النظر إليهم وهم ضعاف في صبغتهم اليونانية لامتزاجهم بالآسيويين ولأنهم نحوا نحو هؤلاء في عاداتهم إلا قليلاً يميلون إلى السلم ويولعون بالصناعات ويعيشون عيش الترف يمضون الكلام ويرققونه ويلبسون ثياباًًً ضافية الأذيال على مثال المشارقة.
الهيلانيون - هذان العنصران أو الجنسأن المتباينأن المعروفإن بالدور يين والأيونيين هما عناصر اليونان وأقدرها. فأقليم إسبارطة للدور يين وأقليم أثينية للأيونيين وليس السواد الأعظم من اليونان والدور يين ولا أيونيين ويعرفون بالأيوليون وهو اسم مجهول يطلق
стр. 1019
على شعوب مختلفة في تلك الأصقاع من أيوليين واكرنا نيين وفوسيديين وبيوسيين من أهل البلاد اليونانية الوسطى والأشانيين من أهل المورة. وكل من تقدم ذكرهم يسمون باسم الهيلانيين الذين عرفوا به منذ ذاك العهد وهم لا يعرفون تسميتهم هذه كما نجهل نحن ذلك على أنهم يقولون أن دور وس وعولس كانا هيلانة وأيون حفيدهما.
مستعمرات اليونان
الاستعمار اليوناني - لم يقتصر الهيلانيون على سكنى بلاد اليونأن فقط بل قام منهم طوارئ من أهل المدن أنشؤا بلداناً في جميع الأنحاء المجاورة وكانت عدة من هذه الممالك الصغيرة اليونانية في جميع جزائر الأرخبيل وعلى شاطئ آسيا الصغرى وأقر يطش وقبرص وفي كل ما أحاط بالبحر الأسود إلى بلاد القاف قاس والقريم على طول البلاد العثمانية في أوروبا (المعروفة إذ ذاك بتراسيا) وعلى شاطئ أفريقية وفي صقلية وإيطاليا إلى شواطئ فرنسا وأسبانيا.
أخلاق هذه المستعمرات - يبدأ تاريخ المستعمرات اليونانية منقرون كثيرة أي من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس وهذه المستعمرات اشتقت من كل المدن ونتجت عن كل جنس دورياً كان أو أيونياً أو أبولياً. ولطالما قامت المستعمرات في أماكن قفرة تارة وفي بلاد مأهولة أخرى أسست حيناً بالفتح وآونة بالإتحاد مع السكان وأنشأها بحارة أو تجار أو منفيون أو متشردون. وتمتاز هذه المستعمرات على اختلاف زمانها ومكانها وجنسها وأصلها بخلق عام وأنها نشأت دفعة واحدة بمقتضى قواعد ثابتة. وما كان الطوارئ أو المستعمرون من اليونان يحلون في بلد واحد بعد واحد عصابات صغيرة ولم ينزلوا بقعة عرضاً فيقيمون لهم مساكن تصبح بالتدريج مدينة على نحو ما يفعل الطوارئ من الأوروبيين في أمريكا اليوم بل أن الطوارئ منهم يسافرون قضهم وقضيضهم دفعة واحدة ورئيسهم واحد فتؤسس المؤسس لها سواراً مقدساً ويجعل بيتاً مباركاً يوقد فيه ناراً مقدسة.
تقاليد المستعمرات - يتضح مما نقل من القصص القديمة في تأسيس بعض هذه المستعمرات وجه الاختلاف بينها وبين المستعمرات الحديثة. وإليك كيفية استعمار مرسيليا والبداءة به فقد جاء إلى بلاد الغال (فرنسا اليوم) أوكس نيس أحد أهالي مدينة فوسي في آسيا الصغرى على سفينة تجارية فدعاه أحد زعماء الغاليين إلى عرس ابنته ومن عادة هذا
стр. 1020
الشعب أن تدخل العروس بعد الطعام حاملة كأساً تقدمها لرجل تختاره من الجماعة فوقفت أمام اليوناني ومدت الكأس نحوه. فظهر للقوم أن هذا العمل كان بإلهام من السماء إذا لم يكن متوقعاً. فما كان من الزعيم الغالي إلا أن تزوج أوكسينس من ابنته وسمح له بأن يؤسس ورفاقه مدينة على خليج مرسيليا ثم رأى أهل فوسي أن الجيش الفارسي يحاصر مدينتهم فقاموا يعدون لهم سفناً تقل عيالهم وأثقالهم وأصنامهم وحلي معابدهم وغادروا بلدهم ماخرين في سفنهم وأقسموا عند منصرفهم أن لا يعودوا إليها إلا إذا عامت على وجه الماء الحديدة المحماة التي ألقوها في البحر. وقد نكث كثير منهم بالعهد وعادوا إلى مسقط رؤوسهم أما الباقون فظلوا يشقون العباب بعد العباب حتى وصلوا إلى مرسيليا بعد أن تجشموا أهولاً كثيرة. وأسس الأيونيون مدينة ميلت تاركين نساؤهم وراءهم واستولوا على بلد يقطنها ناس من آسيا فذبحوا الرجال وتزوجوا النساء وبناتهم قسراً. ويقال أن هؤلاء النساء أقسمن أن لا يتنأولن الطعام مع أزواجهن وأن لا ينادينهم بيا أزواجنا. عادة بقيت قروناً يعمل بها نساء ميلت. أما مستعمرة برقة في أفريقية فقد أسست بأمر صريح من المعبود أبولون ووحي منه. فلم يكن سكان مدينة تيرا الذين أمروا بذلك يحاذرون من نزول بلد مجهول ولم يعملوا بهذا الأمر إلا بعد سبع سنين وكانت جزيرتهم عرضة للجفاف فاعتقدوا أن أبولون ساقهم إلى تلك الجزيرة عقاباً منه لهم. وحاول الطوارئ الذين أنقذوهم أن يرجعوا فدأهمهم مواطنوهم وأكرهوهم على السفر. وبعد عامين في إحدى الجزر وقد خانتهم فيها أسباب النجاح انتهى بهم الحال أن يستوطنوا أبد الدهر مدينة برقة فكان منها مدينة عأمرة راقية.
خطورة المستعمرات - شأن هذه الطوارئ أن تؤسس حكومة جديدة في كل مكان تنزله ولا تخضع لأم القرى التي انفصلت عنها بتة. وهكذا بلغت الحال بأن كان البحر المتوسط محاطاً بمدن يونانية كل منها مستقلة تمام الاستقلال. فأصبح كثير من هذه المدن آية في غناه وقوته لم تضاهه بهما المدن التي خرجت منها وكان لها أصقاع أوسع وأخصب وسكان أوفر وأكثر. ويقال إنه كان في مدينة سيباريس في إيطاليا ثلاثمائة ألف رجل يحمل السلاح وأن كروتون جيشت جيشاً مؤلفا من مئة وعشرين ألف مقاتل وفاقت سيراكوزة في صقيلة وميلت في آسيا بقوتهما مملكتي إسبارطة وأثينية وكان يدعى جنوب إيطاليا يونأن
следующие страницы →