Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
صحف منسية
نثر ابن زيدون
كتب ابن زيدون من قرطبة إلى ابن مسلمة بإشبيلية قبل تحوله إليها
ياسيدي وأرفع عددي. وأول الذخائر في عددي. واخطر علق ملأت من اقتنائه يدي. ومن ابقاه الله في عيشة باردة الظلال. ونعمة سابغة الاذيال. قد تناصر الثناء عليك. وتوالي الحديث الحسن عنك. حتى حللت محل الأمانة. وكنت موضع تقليد الوطر واثبات الطوية. والله يمتعك بما حازه لك من الخير. ووفره عليك من طيب الذكر. في علمك أعزك الله ما تقتضيه العطلة من اظلام الخاطر وصداء النفس ويجنبه طول المقام من أخلاق الديباجة وارخاص القدر وقد رأيت أن اجتني ثمرة من الآداب أطلت الاعتناء بها. وأخلاق ادمت رياضة الأنفس عليها. ولما فحصت الملوك وجدت عميدهم الذي انسى السالف قبله. وتقدم الراهق معه. وأتعب العابر بعده. الحاجب فخر الدولة مولاي. ومن أطال الله بقاءه. وكبت أعداءه. بما خصه الله به من سناء الهمم. وشماخة الشيم، وانتظام أسباب الرياسة. وكمال آلات السياسة. واجتماع المناقب التي أفردته من النظراء. وأعلته عن مراتب الاكفاء. فرأيت قبل أن أحمل لغيره نعمة. واوسم ممن سواه بصنعة. أن أعرض نفسي مملوكته عليه عرض من لا يؤهلها لاجازته لا بالاستخارة ولا يطمع لها في قبوله الا مع المسامحة فو كنت الوليد بن عبيد براعة نظم وجعفر بن يحيى بلاغة نثر وإبراهيم بن المهدي طيب مجالسة وإمتاع مشاهدة ثم حضرت بساطة العالي لما كنت مع سعة أحاطته إلا في جانب التقصير وتحت عهدة النقصان غير أنه الا يعدم مني لنجابة غرس اليد وأصابة طريق المصنع من ولاية أخلصها ونصيحة أمحضها وشكر اجنيه الغض من زهراته وثناء اهدي إليه العطر من نفحاته ففوضت اليك هذه السفارة واعتمدتك بتكليف النيابة لوجوه منها حظوتك لديه ومكانتك منه سوغك الله الموهبة في ذلك وانهضك باعباء الشكر لها ومنها سرو مذهبك وكرم سجيتك وصحة مشاركتك لمن لم يستوجبها استيجابي ولا استدعاها بمثل أسبابي من تداني الجوار وتصافي السلف والانتماء إلى آسرة الأدب. فإن وأفقت السانحة الاراة فحظ أقبل. وعبد بلغ من سيده ما امل. ولم أقل عمرك الله كما قيل في النجمين. بل قلت وقد يجمع الله الشتيتين. وإن عاق حرمان عادته أن يعوق عن الظفر ويعترض دون
стр. 1192
الأمل فأعلمه أيده الله اني في حال العطلة مع غيره والتصرف. ويومي الايطان والتطوف. كالمهتدي بالنجم حين عدم ذكاء ومتيم الصعيد إذا لم يجد الماء
فإن اغش قوماً غيره او ازرهم ... فكالوحش يدنيه من الأنس المحل
والله يتولاه بالفسحة في عمره. والإعلاء لأمره. ويصرف الاقدار مع ايثاره. ويصرف وجوه التوفيق إلى اختياره. ولك سيدي في انتدابك كما ندبتك له ما للساعي المنجح من الشكر. أوللمجتهد البالغ من العذر. وملاك الأمر تقديم المراجعة للايجاب فأسكن إليه. والجواب فاعتمد عليه. وأهدي اليك ندى الغض الناضر من سلامي والارج العطر من تحفتي.
وله رسالة خاطب بها ابا مروان بن حيان المؤرخ المشهور قال في فصل منها وقد أهداه احمالاً من الزيت والبر في سنة ممحلة:
وللذي أسكن إليه من حسن قبولك. وجميل تأويلك. اقابل بالحقير. واواجه بالتافه اليسير. ويعلم الله تعالى إني لو تاحفتك عمري ما رأيت أن ذلك كفوء لقدرك. ولا وفاء ببرك. فكيف ما دونه فلك المنزلة التي لا تسامى. والجلالة التي لا توازي. وما شيء وإن جل الا محتقر لك مستصغر عند محلك. ويصل مع موصل كتابي هذا ما ثبت ذكره في المدرجة طيه وانت بمعاليك تتفضل بقبوله وتصل أجمل صلة بالتغاضي عن رتاحته. والاستجازة لنزارته. مقتضياً بذلك شكري وحمدي ومستبداً منهما بجميع ما عندي.
وقد راجعه ابن حيان برقعة يقول فيها: أن لفجأة المسرات الباعثة لآمال النفوس الحائمة صدمات تذهل الجنان وتعقل اللسأن فمن فرح النفس ما يقتل ومن باهر الصنع ما يذهل. ولا كمثل ما فاجأتني به من فضلك المبتدر ميقانه على وفاض من الازودة وخمود من المصأبيح وضغطة من الظنون المخوفة لنكد السنا لم يشغلك عن وجودك شاغل حتى قضيت يذرك في لأول وقته ولم ترض بعادتك المتكلفة لي بشأن الدين حتى تحملت عن ثقل القوت فطرقني قطار هديتك الفاجئة غداة أصبحت فيها منصفاً من الزاد مستوفزاً للارتياد فسكنت دهشاً فرحاً واستحال بياني بلها حتى نولت كتابك الكريم. نظرت في لإليه فنالني به اهتزاز لذكرك وارتياح لقولك فجوزيت جزاء المحسنين بما لرحت من فكري لكشفك في اديم يوم هم عام مع انك قبلت شكري فلا فضل فيه لمقابلة معروفك الا بامحاض
стр. 1193
الدعاء لك في حراسة مهجتك ودوام نعمتك واستبصار الملك الأعلى عميد الورى مستكفيك في حسن رأيه فيك اعاذك من عين الكمال ووقاك طوارق الأيام والليال وحفظ على زماننا مافيك من كرم الخلال وانهضك بما التزمته من احناث من اقسم في عصرنا أن الجود عدم لا ينال بمنة. وقد طوينا في هذه الرسالة بعض ألفاظ لسقم النسخة المنقول عنها.
شعر ابن زيدون
في دار الكتب الخديوية بالقاهرة نسخة خطية من ديوان بحتري المغرب ابن زيدون وقع في ١٠٧ ورقات صغيرة تغلب عليه الصحة في الغالب ولم يذكر فيه تايخ ليعرف به الزمن الذي كتبت فيه وقد كتب في آخره مانصه: تم شعر ذي الوزارتين أبي الوليد احمد ابن زيدون وشعر الملكين والحمد لله وحده.
وإن خير ما يقرظ به ديوان صاحب قصيدة (أضحى التناحي بديلاً من تجافينا) التي بعث بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله أن يكتفي بنقل شذرات منه تدل على مبلغ ذاك الشعر من العراقة في الحضارة والرقة.
وقد اتصل بنا أن أديباً من دمشق قد مثل هذا الديوان البديع للطبع او كاد ولا شك أن أصحاب القريض سيسرون بنشره بينهم.
قال ابن زيدون يمدح أبا الوليد بن جهور احد ملوك الطوائف وهي أول ديوانه
هذا الصباح على سراك رقيبا ... فصلي بفرعك ليلك الغربيبا
ولديك امثال النجوم قلائد ... الفت سماءك لبة وتريبا
لينب عن الجوزاء قرطك كلما ... جنحت تحت جناحها تغريبا
وإذا الوشاح تعرضت اثناؤه ... طلعت ثريا لم تكن ليغيبا
ولطالما ايديت اذ حييتنا ... كفاً هي الكف الخضيب خضيباً
اطنينة دعوى البراءة شأنها ... أنت العدو فلم دعيت حبيبا
ما بال خدك لا يزال مضرجاً ... بدم ولحظك لا يزال مريبا
لو شئت ما عذبت مهجةعاشق ... مستعذب في حبك التعذيبا
ولزرته بل عدته أن الهوى ... مرض يكون له الوصال طبيبا
ما الهجر الا البين لولا أنه ... لم يشح فاه به الغراب نعيبا
стр. 1194
ولقد قضى فيك التجلد نحبه ... فثوى وأعقب زفرة ونحيبا
وأرى دموع العين ليس لفيضها ... غيض إذا ما القلب كان قليبا
مالي وللأيام لجّ مع الصبي ... عدوانها فكسى العذار مشيبا
وقال مع تفاح أهداه إلى الوزير الأجل محمد بن جهور
اتتك بلون الحبيب الخجل ... مخالط لون المحب الوجل
ثمار يضمن إدراكها ... هواء أحاط بها معتدل
تأتي لا لطاف تدريجها ... فمن حر شمس إلى برد ظل
إلى أن تناهت شفاء العليل ... وانس المشوق ولهوالغزل
فلو تجمد الراح لم تعدها ... وان هي ذابت فخمر تحل
لها منظر حسن في العيون ... لدنياك لكنه منتقل
وطعم يلذ لمن ذاقه ... كلذة ذكراك لو لم يمل
يمثل ملمسها للاكف ... لين زمانك او يمتثل
صفوت فادللت في عرضها ... ومن يصف منه الهوى فليدل
قبولكها نعمة غضة ... وفضل بما قبله متصل
ولو كنت اهديت نفسي اخ ... تصرت على أنها غاية المحتفل
وكتب إلى الأديب أبي بكر مسلم بن احمد رسالة يتنصل بها
شحطنا وماللدار نأي ولا شحط ... وشط بمن نهوى المزار وماشطوا
اءاحبابنا الون بحادث عهدنا ... حوادث لاعقد عليها ولا شرط
لعمركم أن الزمان الذي قضى ... يشت جميع الشمل منا لمشتط
وأما الكرى مذ لم ازركم فهاجر ... زيارته غب والمامة فرط
إلى أن يقول وهو مما ذكر له القلائد
عدا سمعه عني واصغى إلى عدي ... لهم في اديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى اذ قصروا فقلوبهم ... مكامن اضغان اساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلى ... ومادهرهم الا النفاسة والغبط
وقد وسموني بالتي لست أهلها ... ولم يمن امثالي بامثالها قط
стр. 1195
فررت فإن قالوا الفرار ارابه ... فقد فرّ موسى حين همّ به القبط
وقال وهو السحر الحلال
ساحب اعدائي لانك منهم ... يامن يصح بمقلتيه ويسقم
أصبحت تسخطني وأمنحك الرضى ... محضاً ونظلمني فلا اتظلم
يامن تألف ليله ونهاره ... فالحسن بينهما مضيء مظلم
قد كان في شكوى الصبابة راحة ... لو انني اشك وإلى من يرحم
سقى الغيث اطلال الاحبة بالحمى ... وحاك عليها ثوب وشي منمنا
واطلع فيها للازاهير انجما ... فكم رفلت فيها الخرائد كالدما
اذ العيش غض والزمان غلام
أهيم بجبار يعز وأخضع ... إذا المسك من اردانه يتضوع
إذا جئت أشكوه الهوى ليس يسمع ... فما أنا في شيء من الوصل أطمع
ولا أن يزور المقلتين منام
قضيب من الريحان أثمر بالبدر ... لواحظ عينيه ملين من السحر
وديباج خديه حكى رونق الخمر ... وألفاظه في النطق كاللؤلؤ النثر
وريقته في الارتشاف مدام
سقى جنبات القصر صوب الغمائم ... وغنى على الاغصان ورق الحمائم
بقرطبة الغراء دار الأكارم ... بلاد بها عق الشباب تمائمي
وانجبني قوم هناك كرام
فكم لي فيها من مساء واصباح ... بكل غزال مشرف الوجه وضاح
يقدم أفواه الكؤوس بتفاح ... إذا طلعت في راحة انجم الراح
فإنا لإعظام المدام قيام
ويوم لدى النبي في شاطئ النهر ... تدار علينا الراح في فتية زهر
وليس لنا فرش سوى يانع الزهر ... يدور بها عذب اللما اهيف الخصر
بفيه من الثغر الشيب نظام
ويوم بحوحي الرصافة مبهج ... مررنا بروض الاقحوأن المديح
стр. 1196
وقابلنا فيه نسيم البنفسج ... ولاح لنا ورد يخد مضرج
تراه أمام النور وهو أمام
واكرم بأيام العفاف السوالف ... ولهو أثرناه بتلك المعاطف
بسود اثيث الشعر بيض السواف ... إذا رفلوا في وشي تلك المطارف
فليس على خلع العذار ملام
وكم مشهد عند العقيق وجره ... قعدنا على حمر النبات وصفره
وظبي يساقينا سلافة خمره=حكى جسدي في السقم رقة خصره
لواحظه عند الدنو سهام
فقل لزمان قد تولى نعيمه ... ورثت على مر الليالي رسومه
وكم رق فيه بالعشي نسيمه ... ولاحت لساري الليل فيه نجومه
عليك من الصب المشوق سلام
وله وقد قال فيها صاحب الذخيرة أنه كتب بها من بطليوس أيام تكدره عليها وهي من غرر نظامة ودرر كلامه
يادمع صب ماشئت أن تصوبا ... ويافؤادي إن ان تذوبا
أن الرزايا أصبحت ضروبا ... لم ار لي في أهلها ضريبا
قد ملأ الشوق الحشا ندوبا ... في الغرب اذ رحت به غريبا
عليل دهر سامني تعذيبا ... ادنى الضنا اذ ابعد الطبيبا
ليت القبول احدثت هبوبا ... ريح يروح عهدها قريبا
بالأفق المهدي الينا طيبا ... تعطرت منه الصبا جنونا
يبرد حر الكبد المشبوبا ... يامتبعاً إساءة التأويبا
مشرقاً قد سئم التغريبا ... اما سمعت المثل المضروبا
ارسل حكيماً واستشر لبيبا
إذا اتيت الوطن الحبيبا ... والجانب المستوضح العجيبا
والحاضر المنفشج الرحيبا ... فحي منه ما رأى الجنوبا
مصانع بجاذب القلوبا ... حيث الفت الرشأ الربيبا
стр. 1197
مخالساً في وصله الرقيبا ... كم تات ليلي بدره الغريبا
لما أنثنى في سكره قضيبا ... تشدو حمام حليه تطريبا
هصرته حلو الجنى رطيبا ... ارشف منه المبسم الشنيبا
حتى إذا ما اعتن لي مريبا ... شباب أفق هم أن يشيبا
بادرت سعياً هل رأيت الذيبا ... اهاجري ام موسعي تأنيبا
من لم أسع من بعده مشروباً ... ما ضره لو قال لا تتريبا
ولا ملام يلحق القلوبا ... فلا ملام لحق المغلوبا
قد طال ما تجرم الذنوبا ... ولم يدع في العذر لي نصيبا
ان قرت العين بان اؤبا ... لم آل أن استرضى الغضوبا
حسبي أن احرم المغيبا ... قد ينفع المذنب أن يتوبا
وقال:
ولما التقينا للوداع غدية ... وقد خفقت في ساحة القصر رايات
وقربت الجرد العتاق وصفقت ... طبول ولاحت للفراق علامات
بكينا دماً حتى كان عيوننا ... بجري الدموع الحمر منها جراحات
وكنا نرجي الأوب بعد ثلاثة ... فكيف وقد كانت عليها زيادات
مطبوعات ومخطوطات
صدر هذا الكتاب النفيس في الشهور الأخيرة باللغة الإفرنسية من قلم المسيو هنري ليشتنبرجي من أساتذة كلية السوربون في باريز وهو في نحو أربعمائة صفحة تلونا في مسطورة أثار عظمة الأمة الجرمانية وارتقائها في أدابها وعلومها وصنائعها وأخلاقها واوضاعها السياسية والاجتماعية ولاقتصادية والدينية في خلال القرن التاسع عشر كل ذلك مكتوب بلسان الانصاف البحت اوحاه العلم الذي لا ينطبق صاحبه من جانب القلب بعامل هوى النفس واملاه التمحيص الذي يتوفر عليه علماء الغرب إذا اخصوا في فن من الفنون وأرادوا أن يضعوا فيه المصنفات الممتعة النافعة. وقد عددنا الطفر بهذا الكتاب نعمة لانا كنا نعرف درجة ارتقاء الألمان معرفة سطحية وذلك لان من أخلاق هذه الأمة بل من أخلاق الأمم السكسونية كالإنكليز والأميركان أن لا يهمها التظاهر بعظمتها الحقيقية الا بعد
стр. 1198
إيراد الدلائل الحسية على ذلك وظهور نتائج الأعمال بالطبع.
ومما استفدناه منه أن الألمان لم يكتفوا بنزول بلادهم بل هم منتشرون في جميع بلاد أوروبا ولاسيما فيما وراء تخومها من الجهات الأربع فقد كأن سنة ١٩٠٠ في بلاد النمسا ٩١٧١٠٠٠ ألماني أي ٣٦ بالمائة من مجموع السكان يحيون فيها لغتهم وحضارتهم ونفوذهم وفي الأكثر في بوهيميا على كثرة مناضلة عنصر الصقالبة لهم. وعلى الرغم من معاكسة العنصر المجري للعنصر الجرماني لايزال في بلاد المجر ٢١٣٥٠٠٠ ألماني أي نحو ٣٣ في المئة من عامة السكان يحافظون على حالتهم وإن شئت فقل يفلحون في الأعمال وينتشرون كما هم في أقليم كرواسياسلافونيا من ديار المجر فإنهم زادوا فيها أربعة أضعاف ما كانوا في النصف الثاني من القرن الأخير. وعدد الألمان في شرق ألمانيا من ولايات البلطيق من أعمال روسيا نحو ربع مليون وهم العنصر المتمدن المتعلم الفني. وفي جنوبي ألمانيا أي في بلاد سويسرا الألمانية يتراجع عنصرهم قليلاً بالنسبة لعنصر الولش وفي غربي ألمانيا ٣٢ الفا أي في هولاندا والبلجيك الفلامندية و٦٨ ألفاً في البلجيك ولوكسمبرغ.
وماعدا هؤلاء فإن هناك ملايين من الألمانيين غادروا ألمانيا على أن يعودوا إليها او هاجروا منها هجرة قطعية فمنهم جنود يخدمون الأجانب ودعاة دين للكثلكة أو إلبرتستانتية ورواد في آسيا وأفريقيا يكتشفون المجاهل والمعالم ومهاجرون مدفوعون بعامل الفقر نزلوا وراء البحر المحيط أي في أمريكيا يبحثون عن الثروة وكل هؤلاء الألمان الذين طرحتهم النوى مطارحاً والقتهم الاقدار في اطراق المعمور كله هم عنصر قوي في جسم القوة الجرمانية ذو شأن عظيم
قال المؤلف ومعلوم أن هجرة الألمان كانت متصلة بعد سنة ١٨٣٠ حتى أنه يقدر عدد الألمانيين الذين غادروا ألمانيا في خلال القرن التاسع عشر بخمسة ملايين ومعظمهم بين سنة ١٨٨١و١٨٩٠ هكذا أسست منذ ذاك العهد مستعمرات ألمانية كثيرة وأهمها مستعمرة الألمان في الولايات المحدة ويقدر عدد الأميركيين الذين هم من أصل الماني بخمسة وعشرين مليوناً وتعشرة إلى اثني عشر مليوناً تقرأ في جبهتهم ألمانيتهم وهم اما أنهم يتكلون بالألمانية او هم مولدون من آباء ألمان او انهم احتفظوا بعاداتهم وتهذيبهم بما قوى
стр. 1199
الرابطة بينهم وبين بلادهم الأصلية وكان هذا العدد الدثر من أعظم القوى الألمانية اذ لم يتشبه على ايسر وجه بمن نزل بين ظهرهم من الأميركان وينزع عنه أخلاقه وأداب جنسه في الجيل الثاني أو الثالث واحياناً في الجيل الأول.
ويبلغ الألمان في أميركيا الجنوبية نصف مليون نسمة وهم فيها أكثر احتفاظاً بلغتهم وآدابهم وأغنياء من الطراز الأول وفي استراليا نتشبهون بالعنصر الإنكليزي السنكسوني لأول أمرهم وعلى العكس في النازحين منهم إلى الشرق من جهات الأملاك العثمانية والروسية كقافقاسيا وتركستان وسبيريا من جهة وفلسطين من جهة أخرى فمنهم احتفظوا بأصولهم ولغاتهم وهم على قاب قوسين من النجاح والتقدم وهكذا الحال في سائر البلاد التي نزلوها في آسيا ولاسيما في المستعمرات الهولاندية وكذلك في أفريقية ولاسيما في مستعمرة الرأس ويقدرون عدد الألمان في أوروبا بستة وسبعين مليوناً ونصف يضاف إليهم نحو اثني عشر مليوناً منتشرين في أطراف القارات الأربع الأخرى منهم عشرة ملايين في الولايات المتحدة وأربعمائة الف في أمريكيا الشمالية وخمسمائة الف في أمريكيا الجنوبية وثمانية عشر ألفاً في أمريكيا الوسطى و٦٢٣ الفا في أفريقيا و١١٠ ألاف في جزائر المحيط و٨٨ ألفاً في آسيا وسنعرب من هذا الكتاب بعض فصوله لفائدة القراء
محمد علي
هي قصة تاريخية غرامية تشتمل على سيرة محمد علي باشا مؤسس العائلة الخديوية من أول نشأته حتة قبض على أزمة الحكومة المصرية عربها عن الإنكليزية نسيب أفندي المشعلاني المشهور في تعريب القصص والفكاهات ونشرتها مجلة الهلال الغراء ملحقاً لها تعويضاً لقرائها عن شهري الصيف وهما اللذان تحتجب فيهما هذه المجلة النافعة وقد جعلتها هدية يدفعون في الاغلب إلا إذا حفزهم حافز ورغبهم كان ما يتنأولونه كل يوم او كل أسبوع او كل شهر من الأفكار والأبحاث لا يساوي وحده في نظرهم أن يقابل بثمن طفيف.
وقد أحسن رصيفنا صاحب الهلال بهذه القاعدة الملذة وهي في زهاء ثلاثمائة صفحة من قطع الثمن فنحت عشاق الفكاهات على مطالعتها ونثني على نأقلها وناشرها بما يستحق فضلها.
стр. 1200
ديوان صريع الغواني
صريع الغواني او مسلم بن الوليد شاعر متقدم من شعراء الدولة العباسية وهو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو الذي لقب هذا الجنس البديع واللطيف وتبعه فيه جماعة وأشهرهم ابو تمام الطائي وكان حسن النمط جيد القول في الشراب وكثير من الرواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى توفي سنة ٢٠٨ وقد كان طبع ديوانه في أوروبا والهند واعاد طبعه الأن فئة من انصار الأدب ببور سعيد فأحسنت ونعما فعلت وحبذا لو تتبعه بغيره من الكتب المطبوعة في أوروبا وهي تعد كالمخطوطة في ديارنا لندرتها. قال مسلم في الحكم:
شكا الزمان بما امضى به قدرا ... أن الزمان لمحمود على الابد
لن يبطئ الأمر ما املت اوبته ... وان اعانك فيه رفق متئد
والدهر أخذ ما اعطى مكدر ما ... اصفى ومفسد ما اهوى له بيد
فلا يغرنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما اعطى على احد
وقال من هذا النوع
كم رأينا من أناس هلكوا ... فبكى احبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهم ... وردهم لو قدموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
قلب الله عليهم وركا ... فاستداروا حيث دار الفلك
مرآة الزمان
جرت عادة كثير من طباع الغربيين أن يطبعوا بالزنكو غراف كثيراً من الكتب القديمة الخطية لاسيما إذا كان خطها بديعاً يغلب عليه الضبط والصحة وفي ذلك فوائد لا تحصى لأن الممالك نسخة من كتاب او رسالة طبع على هذه الصورة كانه ملك النسخة الأصلية الفريدة في بابها وربما طبع الكتاب بهذه الطريقة لا لما ذكر بل لصعوبة النسخ أو الطبع على الطريقة المألوفة ومن ذلك ما فعله الدكتور ريكارد جوت أستاذ العربية في جامعة شيكاغو فإنه طبع في الأيام الأخيرة الجزء الثامن من مرآة الزمان للعلامة يوسف سبط ابن الجوزي وهذا الجزء يحتوي على نهم الأحداث من سنة ٤٩٥إلى سنة ٦٥٤ ولعل بعض
стр. 1201
الطابعين في المشرق يقتنعون هذا الأثر وإن كان يحتاج إلى عناء وكلفة فإن في دور الكتب هنا وعند كثير من المولعين بها كثيراً من الكتب التي يجد ران تطبع على هذه الطريقة لا على الطريقة الأخرى.
الفضيلة والرذيلة
جورج اونه من مشاهير كتاب فرنسا المعاصرين له عشرات من المؤلفات في التمثيل والقصص وكلها منتشرة بين الفرنسين وهو من الناقمين على أرباب المجد والمال ولذلك ترى معظم كتاباته تدور على هذا المحور. وقد عرب منشيء هذه المجلة في هذه الآونة رواية من سلسة روايات له كثيرة سماها جهاد الحياة نشرتها مجلة مسأمرات الشعب في٢٦٧ صفحة منصفة القطع وسميت (الفضيلة والرذيلة) وهي تمثل رجلاً من أهل الأدب والقريض اتصل بقتاة أدبية وامرأة متأدبة فحاول أن يحل من الأولى محلاً دفعته عنه بفضل أدبها وتربيثها مع أن امها كانت معروفة بالخلاعة والتبذل وحل من الثانية وهي غنية من ربات القصور محلاً لا يليق بمن كتب وصفت أن يحله فأخذت ترفع مقامه بين خاصتها وتبره ليصلح لها كتاباتها المنثورة والمنظومة لأنها كانت مولعة بالشهرة أدبية ولما تستعد لها على أصولها وقد تخلل ذلك كلام في النقد على أرباب الرفاهية والمجد وطلاب الشهرة الباطلة مثال من تغفل بعض أرباب المطابع والجرائد والمجلات والمجامع العلمية في فرنسا مما تحتاج كل صفحة من صفحاته إلى شرح طويل. وهذه الرواية تلذ مطالعتها الخاصة أكثر من العامة وهي تطلب من مجلة مسأمرات الشعب وثمنها خمسة عشر قرشاً وتهدى لمن يشترك بالمجلة المذكورة.
المجرم البريء
نشرت مجلة مسأمرات الشعب القصصية هذه الرواية معربة بقلم كاتب هذه السطور أيضاً وهي رواية بلذ مطالعتها جمهور الناس تمثل صورة من صور التهور في الغرام الحرام وعواقبه المدمرة وذلك أن صاحب معمل في باريز كان في حالة حسنة من دنياه يعيش في غبطة مع زوجته وفتاته فساقة الغرور إلى الاتصال بامرأة احد كبار المحامين استلت منه آدابه وماله ثم جمعته الاقدار في حرب السبعين مع زوجها وكان يعرفه من قبل معرفة بسيطة فتصادقا على الرغم منه وانقذ كل منهما حياة صاحبه في بعض المواقع فعاد صاحبه
стр. 1202
وقد قطعت ساقاه فلم ير صاحب المعمل أن يعود إلى سالف عهده مع زوجة صاحبه بعد تلك الحقوق التي بينهما وراح يوبخ نفسه على ما قدمت يداه اما هي فكتمت الأمر وأخذت تدبر له مكيدة للانتقام منه بواسطة رجل كان قبض عليه صاحب المعمل في دار الحرب وهو يتجسس للعدو وسجنه ريثما ينفذ عليه حكم الإعدام ففر في الليل وعادإلى باريز وتعرف إلى تلك المرأة وكان مطلعاً من قبل على شيء مما يدور بينها وبينه قبل الحرب. وصادف أن وقع صاحب المعمل في ضائقة عقيب وقوف الحركة المالية في فرنسا وكان مديناً لرجل عجوز بمبلغ من المال فأراده أن ينظر إلى ميسرة فالح هذا في تقاضي دينه فلم يسعه إلا أن يدفع إليه ما أراد وعندها دمر ذاك الجاسوس إلى دار الشيخ وذبحه وأخذ اوراقه المالية التي كانت فيها إشارة إلى انها صادرة عن صاحب المعمل ودفع القسم الأعظم منها إلى عشيقة صاحب المعمل القديمة لتؤديها إليه وفاء عن مبلغ كانت اقترضته منه أيام اتصالها به فأخذها هذا فرحاً وصادف أن كانت دار صاحب المعمل في ضاحية باريز مناوحة لدار الشيخ القتيل الذي كان دائن الأول مديناً له وإن صاحب المعمل تأخر ليلة القتل مضظرباً من الأزمةا لمالية التي تهدده بالخراب وإن زوجته وابنته رأتا شخصاً شبه لهما به فظنتا انه هو الذي دخل دار ذاك الجار العجوز قبيل منتصف الليل واتفق وجود شبه في الصورة بين صاحب المعمل وبين الجاسوس القاتل ووقعت للابنة وامها امارات قوية تدل على أن صاحب المعمل هو القاتل لا محالة ولما استنطقتهما النيابة من الغد ظهر عليهما تردد لم يشك القضاة معه بأن القاتل هو صاحب المعمل قتل غريمه بعد أن دفع إليه المبلغ كما علم من كتأبين كان بعث بهما إليه قبل يومين من مقتله يهدده فيهما ضمنا أن لم يمهله في الدفع ولما سجن صاحب المعمل بما قامت عليه من الإمارات وهو ينادي بانه بريء تقدم صديقة في دار الحرب ذاك المحامي على عجزه ليتولى الدفاع عنه وفاء بحقوق الصداقة فابى أن يطلعه على سر قضيته ليحسن انقاذه من ايدي القضاة لكن صديقة المحامي عرف بأن في المسألة سراً له اتصال بأمور نسائية ابت مروءة صاحبه أن يبوح به إليه لأنه ربما ادى إلى خراب بيت وتشتيت شمل أسرة عظيمة وبينا هو في المحكمة يدافع عنه يوم صدور الحكم عليه وقد ايقن الناس بانه كاد يؤثر بطلاقة لسانه في عقول القضاة فيبرؤن صاحبه او يحكمون عليه بعقوبة خفيفة جداً ألقيت إليه بطاقة فلما
стр. 1203
قرأها دهش وتلعثم ثم نقلوه إلى غرفة وجاء الطبيب وقد فارق المحامي الحياة وعندها حكمت المحكمة على الذي تبين لها أنه القاتل بالاشغال الشاقة مؤبداً. وفي خلال ذلك هلكت امرأة صاحب المعمل حزناً وخلفت ابنتها وهي في السابعة يتيمة عجية فكفلها خال أبيها وباع المعمل والمصيف وجميع ما يملكه ابن اخته ووفى ما كان عليه من الديون. اما صاحب المعمل فتمكن بعد سنة من الفرار ومن محبسه في خمسة من المجرمين السياسيين وانقلب إلى نيويورك فقيراً وقيراً فدخل في أحد المعامل وكان يحسن صناعة الحديد قوي العضل عارفاً بالميكانيكيات فظهرت كفاءته ووفق إلى أن جمع مبلغاً من المال عاد به بعد سنتين إلى فرنسا متخفياً وأخذ ابنته من خاله ورجع إلى أمريكيا فزوده بمبلغ منالمال يستعين به على تربية ابنته وكان خاله عقيماًُ فإنشأ ذاك المحكوم عليه بتوسع عمله وذهب إلى كندا فاغتنى كثيراً بفضل كده وعمله وسعة معارفه في الميكانيكيات والطبيعيات وعلم ابنته التعليم العالي وبدل اسمه واسم اسرته وبعد أن قضى هناك نحو عشر سنين حدثته نفسه بالرجوع إلى وطنه ليكشف سر قضيته ويعاد النظر فيها ليعرف من اين أبى فرجع واتخذ له داراً في ظاهر باريز. ومن غريب المصادفات أن القصر الذي اكتراه كان بالقرب من مزرعة انتقلت بالارث الشرعي لزوجة صديقه الذي هلك في خلال الدفاع عنها وعشيقته القديمة وكانت اوت إليها بعد وفاة زوجها مع ولديها فاتصل أهل البيتين بواسطة ابنة صاحب المعمل وعقدت بينهما صلات التعارف ومازال الغني المحكوم عليه يبحث حتى توصل إلى معرفة القاتل الحقيقي ودخل معه في شركة ثم بعث إلى البورصة من قبله بمن سعى إلى اسقاط اسهمها فافلس شريكه او كاد ولم يجد ملجأ الا شريكه صاحب المعمل فوعده باعطائه شيئاً من المال إلا أن القاتل القديم اضمر أن يقتله وراح من الليل إلى داره وكان نصب له تمثالاً من الخشب وضعه على المنضدة فشبه له وظنه هو فإنشأ يضربه بخنجره وكان صاحبنا كامناً له مع اثنين من رجال الشرطة وقاضين كان لهم يد في الحكم عليه سابقاً فأمسكوه واعترف بفعلته وهو متلبس بالجريمة إلا أنه طعن نفسه في الحال بخنجره وسألوه أسئلة فاعترف بانه هو قاتل ذاك الشيخ العجوز الذي كان صاحب المعمل مديناً له وأن له شريكاً في قتله وحشرجت روحه فلم يسم ذاك الشريك وعندها صدر عفو الحكومة عن صاحب المعمل وعقد لابنته على احد ولدي صديقة المحامي وكان محامياً
стр. 1204
أيضاً وماتت في خلال ذلك أمهما أي عشيقة صاحب المعمل وقد اقرت بما جنته وسقطت من عيني ابنيها وراح الزوجان الجديدان تحالفهما السعادة بعد أن شقي أبواهما وأماهما هذا الشقاء الذي قاد ليه الغرور وطيش الصبا والصبوة. وقد وقعت القصة في ثمانمائة صفحة صغيرة صدرت في أربعة أجزاء وهي تطلب من مكتبة المسامرات وثمنها ثمانية قروش وفيها كثير من الحوادث التي بلذ العامة وبعض الخاصة.
стр. 1205
سير العلم
حروب العالم
ألف أحد علماء الفرنسيس كتاباً جليلاً سماه ماضي الحرب ومستقبل السلم ذكر فيه ما احدثته الحروب من الويلات قي القرن التاسع عشر قرن العلم والنور فقال أن القوانين حكمت في خلاله على عشرة آلاف مجرم بالإعدام في العالم على حين أن الحروب ازهقت ارواح خمسة عشر مليون شاب شجاع وعلى هذا فقد كفر مجرم واحد عن فعلته بالموت وفضى الفإن من الابرياء في ميادين الوغى فكان الماضي حقاًُ مجزرة عقيمة وإذا ظلت هذه المجازر تجري على مرأى ومسمع من العالم فإن عارها تحمر منه الخدود وذكراها تقشعر منه الجلود. قال ومن ادعى بأن فرنسا إذا سعت إلى أبطال الحرب ولم تعد إلى مااتته من حوادث الجنون في إهراق الدماء على عهد فرنسيس الأول ولويس الرابع عشر ونابليون الأول تسعى إلى حتفها بظلفها فهو في غرور وإذا فعلت فرنسا فإنها بذلك تعمل على ما فيه مجدها وإعلاء شأنها. قال واما أولئك الألوف من الضباط ومئات الألوف من العملة في دور الصناعات الذين يعملون الآن فإنهم ينصرفون إلى أعمال غير أعمالهم الأن فبدلاً من إنشاء الدوارع الحربية ينشئون البواخر التجارية وبدلاً من صنع الخرطوش يعملون على استنبات الحنطة وقال ينبغي أن تكون معاهدات التحكيم إجبارية بين الأمم وبذلك تمتنع الحروب من العالم.
الدخان الضار
يحدث من دخان المعامل في المدن الصناعية الكبرى كلندن وباريز ما يضر بالسكان والمكان فقد قدر الحامض الكبريتي الذي يتكون منها كل سنة في لندن وحدها بنصف مليون طن تدخل في رئة الناس فتقرضها كما تفرض الحجر الجيري والرضم والقرميد وتحيل هذه المواد إلى سلفات الجير وتتفتت ويخشى منها على المصانع الكبيرة والمعاهد والمعابد.
وقد جربوا عدة مواد لملافاة ضرر هذا الدخان ورأوا أن أحسن واسطة طلي البنايات بمحلول الباريت لأنه كلاملاط يحكم الربط بين أجزاء الحجارة فاسفرت تجربته عن تقوية الحجارة كانها الآن خارجة من المقلع وكانت من قبل تتفتت باليد. ولكن إذا اغتبطت الجمادات بانها لا تتضرر بعد الآن بهذا الدخان فإن الإنسان والنبات مازالا يتضرران منها
стр. 1206
والعلماء يبحثون عن طريق تقي منها البشر.
أقزام جدد
صادف أحد رجال البعثة الإنكليزية التي عهد إليها صعود جبال القمر في خلال سياحتها في أفريقيا جيلاً من الأفريقيين الأقزام لم يكن معروفاً من قبل في بقعة كاد يظن أنها أمنع من جبهة الأسد تمتد من جنوبي بحيرة إلبرت ادوارد وهي جبلية ذات وهاد ونجاد وعقاب وشعاب وفيها فوهات بركانية خامدة وهذه الجبال مغطاة بأشجار الخيزران الجيد وقد نزل أولئك الأقزام في ادغال هناك وهم يعيشون بشن الغارات على من في جوارهم ونهب السكان المنتشرين في الجبال. وهم اقصر قامات من أقزام الكونغو ولم يعرف العلماء الباحثون في أصول الأمم عنهم شيئاً. فهم لا يعرفون الصنائع ولا الصيد ولا يحسنون غير السلب والنهب وعندهم خلايا يقتاتون بعسلها مع اللبن وقد أتى المكتشف معه إلى أوروبا باقزمين مثالاً من أولئك القزم المجهولين.
اللغة العربية
قال الدكتور براون احد أساتذة جامعة كامبردج في مأدبة أقامتها اللجنة المصرية في دار الندور الإنكليزية لجماعة المصريين: أن لغة مصر الآن تهبط وهي اللغة العربية الفصحى لأن الازهر قد بقى في خلال هاتيك القرون المظلمة حصناً منيعاً للغة العربية والآداب الإسلامية. وقال: يقولون أن اللغة العربية غير صالحة للعلوم العصرية. يقولون هذا وهم من الضياع. اللغة التي نقلت لنا آداب الفرس والهنود القرون البائدة. اللغة التي كتبت بها جميع المؤلفات العلمية الثمنية كيف يمكن أن يقال أنها لا توسع صدرها لتلقين مبادئ علوم عصرية؟
ألفت الكتب في علم الجغرافيا وتخطيط البلدان على طريقة لم يؤلف مثلها وكتبهم العربية في التاريخ اوسع الكتب وادقها بل في نظري أن التاريخ في بعض المؤلفات العربية لم يكتب على نسقة في أوروبا وذكر ابن خلدون وابن الاثير والطبري والفخري وغيرهم ثم قال: وفي باب العلم والفلسفة والأخلاق نجد من المؤلفات ما لا يوجد له مثيل. ما ظنكم بجماعة من كبار أهل العلم يجتمعون في القرون التي كنا فيها في دور الهمجية والوحشية يؤلفون دائرة علوم اسمها (اخوأن الصفاء) ونحن من الآن نفتخر بكتاب دائرة العلوم
стр. 1207
الإنكليزية في القرن العشرين ونقول أن اللغة العربية لا تصلح لتلقين العلوم. هذا الشهر ستاني في كتابة (الملل والنحل) قد جمع في مؤلف صغير خلاصة الآراء الدينية والفلسفية التي كانت تعتقد فيها الأمم الغابرة والحاضرة وهذه دوائر العلوم العربية في مكاتب اسبانيا وفي مكاتب أوروبا وكيفما كأنت الحجة في عدم تعليم العلوم باللغة العربية في مصر فلا مراء مطلقاً في أن تعليم امة بغير لغتها صد لها عن التقدم وعقبة كبرى في سبيل نهضتها بل أقول أنه لا تعليم البته لامة بغير لغتها.
ورق الخيزور
ذكرنا ما كان من اتخاذ بعضهم الورق من شجيرات الاريقي وما كان من اتخاذه من سوق القطن وعيدانه. وقد قرأنا في الأخبار العلمية الآن انهم أخذوا يصنعون الورق من الخيزور في برمانيا من أعمال الهند الصينية فمنحت حكومتها عدة امتيازات للانتفاع بالخيزران وقد كان الصينيون منذ الزمن الأطول يعرفون ألياف الخيزور وانه يصنع به الورق وأن لم يستعمل في الصناعة بالفعل ولكن أحد الإنكليز المقيمين في جزائر الجاماييك عن له هذا الخاطر فأخذ منذ عام ١٩٠٠ يضاعف الهمة في زرع الخيزران في ذاك الارخبيل ولكن أعماله لم تأت بفائدة لنزع أليافه من الصمغ الذي يلصقها بالجذوع وقد توصلوا الأن إلى صنع ورق جميل جداً من ألياف الخيزور وهو من الطراز الأول في الجودة والمتانة وأخذت الحكومة الإنكليزية في ذاك الصقع تنشيط زراعة الخيزران لرخص أسعاره وجودة ورقه وسيعمل من أليافه بعد سبع سنين كل سنة عشرة آلاف طن وبعد خمس عشرة سنة عشرون ألف طن فيأتي بأرباح عظيمة.
البيض
قدم أحد العارفين إلى كلية باريز بحثاً في منافع بيض الدجاج وبيض الفسيخ (البطارخ) قابل فيه بين تغذية هذا البيض وتغذية اللحوم فقال أن البيض ولاسيما بيض الفسيخ تكثر فيه مادة الألبومين أكثر من اللحم وانه حسن الرأي الاعتماد على هذا البيض في التغذية على شرط أن لا يتعدى معدله من الجنسين من خمسين إلى مائة غرام في اليوم وقال أنه من حيث الثمن ارخص من اللحم وسالم من العيوب وفيه غذاء نافع فوسفوري.
المطاط
стр. 1208
كتب أحدهم في مجلة المجلات الأمريكية مقالاً تكلم فيه عن المطاط وذكلا شيئاً من تاريخ معرفة الناس فوائده واكتشافهم الجهات التي تنمو فيها أشجاره واستخراجهم له قال: في المنطقة الحارة التي هي المنبت الحقيقي لأشجار المطاط نحو الثلاثمائة أو الأربعمائة شجيرة وغرسة يخرج منها سائل يضرب لونه إلى البياض فيه خواص المطاط وأهم مورد له الآن وادي الأمازون والكونغو ومن المحتمل الحصول عليه أيضاً في المستقبل من جزيرة سيلان ومستعمرة سنغافورة بكميات وافرة. وفي هذا الوقت تزرع ملايين من أشجار بالهند مع أنواع منها جديدة يرجى أن يكون مطاطها رائجاً جداًُ في جميع الأنحاء.
المطاط مادة يستخرج من لحاء الأشجار ولتلك المادة لون يشبه لون اللبن وهي في عرف علماء الكيمياء من قسم الجوامد التي تعرف بالمواد الغروية غير أنهم يجهلون كل الجهل المنشأ الحقيقي لخاصتها الغروية. وقد وفق شارلش ماكنتوش عام ١٨٣٣ إلى تذويب المطاط في البينزين وفي سنة ١٨٣٩ اكتشف شارلس جدبير من نيويورك أنه إذا مزجت كمية من المطاط مع أخرى تعادلها من الكبريت لم يكن الناتج لينحل إذا استلطت عليه حرارة خفيفة او لنزلج إذا كانت درجة الحرارة عالية. لم يكن المطاط في ذاك الوقت مستعملاً بكثرة في الولايات المتحدة أما اليوم فإنها تستعمل زهاء نصف ما يستخرج من المطاط في الكرة الأرضية ويصح أن نقول أن المطاط يكون غداً من الزم ضروريات الحياة وأصبح عظيم الخطر والقدر وقد جاء وافياً بما كنا ننشده من متمات معينات التنقل. فلولاه لكان من المستحيل عمل مركبات السكك الحديدية الهوائية (مركبات تسير على قضبان من حديد بواسطة الهواء المضغوط) ولولاه لماتمكنا من نقل الكهرباء وتسييرها في الاسلاك.
من الممكن للناس أن يستغنوا عن المطاط في صنع الاحذية والجوارب مثلاً ولكنهم لا يمكنهم أن يتخلوا عن استعماله - اذ لايوجد ما يغني عنه - في عمل وسائل التنقل الجديدة كعربات السكك الحديدية والسيارات وفي المفاوضات بالكهرباء والإنارة بها وكذلك يحتاج إليه في عمل الجراحات وفي الادوية ويبلغ مجموع ثمن ما يباع منه في أنحاء العالم ١٦ مليون درهم إنكليزي وزنه هذا المحصول ١٢٥ مليون رطل إنكليزي والمدن التي فيها أكبر سواقي المطاط والتي يصدر منها إلى سائر الأمم وهي: نيويورك وليفربول ولندرة
стр. 1209
ولشبونة والهافر ولا يزيد ما يؤخذ سنوياً من المطاط من الأشجار التي زرعت حديثاً عن مائة طن. والاشتغال بجمع المطاط في جهات الأمازون والكونغو صعب جداً ولا يقدر على المعيشة والعمل هناك غير الوطنين. وجميع الاحذية والنعال والملابس المصنوعة منه بالولايات المتحدة - ما عدا مدينة بوسطن - تحتكرها شركة واحدة تدعى (شركة مطاط الولايات المتحدة) ويفيدك أن تعلم أنه يمكن إصلاح ما يخرب مما يصنع من المطاط إذا تقادم عليه العهد وإرجاعه إلى سابق حاله.
السكك الحديدية
تكثر الاعشاب والجميم في ممر الخطوط الحديدية حتى تكاد تكون احياناً من عوائق القطارات وقد استعملت عدة ذرائع لأهلاكها فلم تأت بنتيجة وقد اخترعت الآن شركة سكك حديد المحيط الهادي في أمريكيا مركبة كهربائية ذات دواليب تحرق الاعشاب على طول الخط الحديدي فتزيل في النهار الواحد الحشيش والعشب من ثلاثين إلى أربعين كيلو متراًُ وهذه المركبة تسير كما يسير القطار العادي وإذا اجتازت مرتين ثلاثاً في مكان فبشره بعدها بانه لا ينبت فيه عرق أخضر.
اللبن النباتي
يستعمل هذا اللبن في الصين ويستعاض به في أحوال عن لبن البقر وهو يصنع من بزور الفأصوليا الزيتية فتطبخ وتعصر جيداً بحيث يأتي منها نوع من العصيدة إذا حلت في الماء يكون منها مشروب يسمى اللبن النباتي ويصنع من جبن طري ويمكن جفظه بوضعه في الملح فيشبه جبن (الروكفور) وجبي العنز المعروف بالشيبيشو وجبن (الجرافيرا)
اللغات الأوروبية
يقول احد علماء السكسونيين أنه سيكون عدد المتكلمين باللغة الإنكليزية في أواخر القرن العشرين ٦٥٠مليوناً من البشر وعدد المتكلمين بالروسية ٢٣٥ مليوناً وعدد المتكلمين بالألمانية ٢١٥ وعدد المتكلمين بالإفرنسية ٩٠ مليوناً وعدد المتكلمين بالايطالية ٧٩ مليوناً وبالاسبانية ٧٥ وقد اوقع بعض الفرنسيس الشك في هذا التخمين.
قاموس المجمع العلمي
стр. 1210
ذكروا أن عدد المفردات التي شرحها قاموس المجمع العلمي الفرنسوي اثنان وثلاثون ألفاً فيها عشرون ألفاً من أصل علمي او غريب. وقد قدروا عدد المفردات البسيطة المستعملة بالإفرنسية في الحاجيات اليومية بأربعة آلاف كلمة. ويقول اللغوي ماكس موللر في كتابة علم اللغات أن غاية ما يستعمله المتعلم من الإنكليز في شؤونه هو أربعة آلاف كلمة أيضا. ونحن لا نظن أن المألوف من الألفاظ في معظم اللغات يتجاوز هذا القدر او أكثر منه بقليل مهما كأنت اللغة متسعة.
أثر لأرخميدس
عثر المؤرخ هبرج الدانيمركي مؤخراً على نسخة خطية كتبت على ورق صادرمن مدينة القدس وهي عبارة عن رسالة في الحساب غير معروفة من أرخميدس أعظم مهندس يوناني وهذه الرسالة تكاد تصور حساب التكامل الذي عرف في العصور المتأخرة وبهذا الا كتشاف يكون أرخميدس أعظم رياضي قام في العالم.
التربية المتحدة
انشأ أحدهم مجلة بالإنكليزية في إنكلترا سماها مجلة (كليتي اكسفورد وكمبردج) وهما أشهر مدارس إنكلترا يتوخى فيها الجمع بين المدرستين ليتحدا في التعليم وقد كتب أحدهم فيها مقالة بين طريقة الولايات المتحدة في توحيد التربية فقال أنه لم يكن في أميركا سنة ١٨٧٠ - في المئة من المدارس المختلطة من الصبيان والبنات وما بقي منها كان يختلف إليه الصبيان فقط. وفي سنة ١٨٩٨ أصبحت المدارس المشترك ٧٠ في المائة من مجموع مدارسها وربما أنشئت هناك كلية عظمى خاصة بالبنات فقط.
تنزيه المستخدمين
يتنافس كثير من المحال التجارية الكبرى في فرنسا في إرسال مستخدميهم لاسيما مستخدمانهم إلى الضواحي والجبال خلال الشهر الصيف ليروحن نفوسهن بأجور طفيفة جداً وقد أنشئت في باريز جمعيات لإرسال الأولاد إلى الجبال مدة القيظ وبمثل هذه الأعمال الأفرادية تنحل المشاكل الاجتماعية أحسن حل.
مدارس النساء
стр. 1211
قالت المجلة يجدر بنا بمناسبة مرور السنة الخامسة والعشرين على تأسيس مدارس البنات العالية أن نقول أن فرنسا ٥٦ مدرسة وسطى و٤٧ مدرسة عالية للبنات.
العاملات في فرنسا
في فرنسا ستة ملايين امرأة مستخدمة في الصناعة ومليون امرأة تخدم في البيوت والحوانيت ومائة وخمسون ألفاً انصرفن إلى الأعمال الحرة ومئة ألف في خدمة الحكومة في العاصمة والولايات
المهاجرون إلى أمريكيا
يؤخذ من التقرير السنوي الذي نشره مكتب المهاجرين إلى أميركا إنه كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة سنة ١٩٠٦ زهاء مليون نسمة ولم يهاجر إليها في سنة واحدة أكثر من هذا العدد حتى الآن ومعظم المهاجرين هم الطليان فقد بلغوا ٢٨٧ ألفاً ويليهم البولونيون والألمان واليابانيون والفرنسيس.
المتعلمون في العالم
احصى احد أساتذة كلية كولومبيا الجامعة عدد الأولاد الذين يتعلمون في المدارس فكان عددهم ٢٣ في المئة من مجموع الأمة في الولايات المتحدة و١٩ في المئة في ألمانيا و١٥ في إنكلترا وفرنسا وثلاثة ونصفاً في المئة في روسيا سبعة ملايين ولد ليس لهم مدرسة يتعلمون فيها.
سياح الأميركان
تشاءمت صحف أميركا من كثرة إقبال الأميركان على السياحة في أوروبا فقد زاد عددهم في هذه السنة زيادة عظيمة فقدر الراحلون منهم بمئة ألف سائح فإذا كان معدل ما ينفقه الواحد منهم خمسة آلاف فرنك فيكون ما تخسره أميركا من ذلك خمسمائة مليون فرنك.
الاحتكار في أمريكا
بدأت الولايات المتحدة تدرك مضار الاحتكار فقد قدر بأن معامل السكر التي أغلقت بمنافسة كبار المحتكرين لها سنة ١٩٠٥ في تلك البلاد بلغت ثلثمائة معمل ومثل هذا العدد من المدابغ ومعامل الاحذية كما أغلق مائتا معمل للقطن وقد زادت أثمأن هذه المصنوعات
стр. 1212
ثلث ما كانت عليه كما زاد المصنوع منها ثلاثين في المئة.
ثروة أميركيا
كتب أحدهم في مجلة العالمين الباريزية فصلاً في ثروة الولايات المتحدة قال فيه أن نجاحها في زراعتها هو بيت قصيد فلاحها فإن صادراتها الزراعية بلغت أربعة مليارات فرنك وهي تزيد عن وارداتها الزراعية ملياراً او خمسمائة مليون. فالثروة الزراعية تساوي نصف ثروة الأمة باسرها والزراع الأميركي يمثل ٣٥ في المئة من مجموع الشعب العامل وأكثر رؤوس تصرف في الزراعة وما ينهضها وتصريف المياه والتنقل والمهاجرة وتسهيل الموأصلات وأسباب النقل. وما نظارة الزراعة في تلك البلاد العظيمة الا مستودع عظيم للبذور (التقاوي) على اختلاف أنواعها توزعها على المدارس العامة او يوزعها نواب البلاد بايديهم على الفلاحين يناولونهم اياها باليمين كما يناولونهم بالشمال كراسة تطبع منها تلك النظارة ملايين من النسخ فيها كل ما ينفع الزراع في زراعته.
طعام الفرد
قالت مجلة العلم في القرن العشرين أن الاعتماد على البقول في الغذاء نافع على شرط أن يطبق على حاجة كل فرد ولا يكفي أن يحرم المرء نفسه من اللحم ويجشو معدته بالبقول الخضراء والمواد النشوية ولا أن يمتنع من تنأولها بل ينبغي أن ينظر في ذلك إلى القوى الهاضمة التي تختلف في كل إنسان بحسب الشهوة والجنس والسن وثقل الجسم وغير ذلك فالفرد الذي يبلغ وزنه من ٦٥ إلى ٧٠ كيلو غراماً مثلاً يكتفي بالفين او بالفين وخمسمائة جزء من الكالوري إذا اجاد مضغ الأطمعة تماماً.
قانون الأمية
اقترح على الولايات المتحدة وضع قانون من شأنه أن لا يرخص بالدخول للعامي الأمي من المهاجرين إليها فلا يدخل الولايات المتحدة الا من تعلم التعليم الابتدائي وإذ كان أهل إيطاليا أكثر الأمم هجرة إلى أمريكا فسيقضى عليهم أن يتعلموا كلهم ما يخرجهم عن الأمية لان قانون التعليم الإجباري لم يسر في إيطاليا إلا في سنة ١٨٨٢ ومع هذا فقد دل الإحصاء الأخير أن على ٦٠ في المئة من اهالي أقليم كالابر وهي واقعة إلى الجنوب الغربي من شبه الجزيرة إيطاليا لا يعرفون أن يوقعوا على صك زواجهم وفي مقاطعة
стр. 1213
نابولي ٣٠ في المائة من المتزوجين ما برحوا أميين اما في رومية فإن عدد الأميين ١٢ في المئة ونصف من هاجروا في السنة الماضية من إيطاليا إلى أميركيا أمييون.
دائرة المعارف الألمانية
صدر الجزء الثامن من هذه الموسوعات التي دعوها (العلوم العصرية وانتشارها وغاياتها) التي ينشرها الأستاذ بولس هيتبرغ تحت حماية امبراطور الألمان ويساعده في وضعها مئات من أهل الاخصاء في العلوم والفنون المنوعة ومن المقالات التي فيها ما يعد بين كبار أهل العلم من الأثار النادرة والكتابات الباهرة وهي كسائر دوائر المعارف على حروف المعجم ولكنها تقسم إلى أربعة اقسام فالقسمين الأوليين يتناولان البحث في العلوم العقلية كالدين والفلسفة والأدب والفنون الجميلة والحكومة والمجتمع والحقوق والاقتصاد السياسي والقسم الثالث مخصص للعلوم الطبيعية والقسم الرابع يبحث في العلوم الاصطلاحية وهو من أهم الأسفار التي الفت في هذا القرن لأنه خلاصة علوم البشر وزبدة ابحاث الألمان المعروفين بصبرهم وانكماشهم.
الجرذان
الجرذان من أشد المصائب على العالم ولم تعرف إلى الان واسطة لابادتها. نادت بذلك نظارة الزراعة في الولايات المتحدة وحق لها أن تنادي لأن الجرذان قد قامت منذ قرون باضرار لا تحصى في أميركيا وهي آمنة مطمئنة وراحت تنتقل إلى العالم الجديد من العالم القديم وتنتاسل وتتكأثر وكأنت الأسباب المتخذة لابادتها عقيمة بلا جدوى. والجرذان ثلاثة أنواع الاسود وهو المنتشر في أمريكيا منذ ثلاثة قرون والاسمر وأصله من نروج وصل إلى هناك منذ سنة ١٧٧٥ وأثار حرباً عواناً على الاسود والنوعة الثالث جرذ انتقل إلى أميريكا من مصر على البواخر التجارية وانتشر على الشواطئ ولاسيم في الجنوب وباض فيها وفرخ الجرذ الاسمر أشد هذه الأنواع فتكاً وأكثرها تخريباً ويقدرون ما تقضمه الجرذأن في الولايات المتحدة كل سنة من الحبوب بما لا يقل عن نصف مليار فرنك وهو لايكتفي بتنأول الحبوب فقط بل يقرض الاقمشة والحرائر والأمتعة ولا يتحامى قضم الاسلاك الكهربائية وكثيراً ما كان يحدث عن فعله حرائق. وقد قدرت الخسائر التي تنجم عن الحريق في السنة بخمسة وسبعين مليوناً من الفرنكات بأميركيا الجرذان هو السبب الأعظم
стр. 1214
في أكثرها. خل عنك سطو الجرذانعلى غيره من الحيوأن الذاجن والحمام والاطفال في سررهم. هذا وهو واسطة لنقل الجراثيم المعدية من بيت إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى. والسبب في كثرته أنه تناسل تناسلاً غربياً فتلد الفأرة في كل شهرين او ثلاثة من عشر إلى أربع عشرة فأرة ثلاث سنين يلد منه ويولد له زهاء عشرين مليون جرذ يموت أكثرها ولكن مايبقى منها كاف لان يقرض الطري واليابس. والحكومة الأميركية ساعية لابادة الجرذان ووضع نشره بمضاره وخبث أثاره وستشاركها الدول كلها في إعلأن الحرب على تلك القراصنة.
стр. 1215
العدد ٢٢ - بتاريخ: ١٥ - ١١ - ١٩٠٧
стр. 1216
صدور المشارقة والمغاربة
لسان الدين ابن الخطيب
٧١٣ - ٦٧٧
قلما يتأتى لعالم ولي المناصب الرفيعة في الدول أن يبارك به في وقته فيجتمع على أحسن وجه القيام باعبائها إلى الأعمال العلمية. والأمارة والعلم قلما يجتمعان وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. من اجل هذا رأينا مثل ابن حزم وابن الهيثم يزهدان في الوزارة بل يحتالأن إلى الخلاص من توليها علماً منهما بانها صارفة لهما عن التمجض لخدمة العلم والتوفر على التصنيف.
وقل في رجال هذه الأمة من جمعوا بين المزيتين ولاية الأعمال وصرف أوقات الفراغ في التصنيف وتنمية ملكة العلم على ما كان شأن القاضي الفاضل ولسأن الدين ابن الخطيب فمترجمنا هذا هو احد مفاخر الأندلس ونوابغها علماً وعملاً لم تلهه أعمال الوزارة عن النظر في علوم كانت هي السبيل في وصوله إليها وساعده زيادة على ما كان يحافظ عليه من اوقاته إنه كان مبتلى بالارق يسهر الليل الا أقله ولذل قيل له ذو العمرين لإنه كان يعمل في ليلة كما يعمل في نهاره. فلا عجب بعد هذا أن عدت مصنفاته بستين مصنفاً لو خلف بعضها عالم انقطع للعلم جملة لعدت غربية في تابها فما بالك بابن الخطيب يتولى أمور الناس والأندلس قد أشرفت على السقوط والفتن بين الأمراء على ساق وقدم والدسائس عليه من كل جهة يكتب ويفكر وقد ترجمه ابن خلدون فقال: أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة كان له بها سلف معروفون في وزارتها وانتقل ابو عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه وامتلأ حوض السلطان من نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه وبلغ في الشعر والترسيل حيث لا يجاري فيها.
وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر وملأ الدولة بمدايحه وانتشرت في الآفاق قدماه فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن ابن
стр. 1217
الحباب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية ولما هلك ابن حباب سنة تسع وأربعين وسبعمائة ولى السلطان أبو الحجاج يومئذ محمد بن الخطيب هذا رياسة الكتاب ببابه وثناه بالوزارة ولقبه بها فاستقل بذلك وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة ثم داخله السلطان في توليه العمال على يديه بالمشاركات فجمع له بها أموالاً وبلغ به المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد من قبله وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مروان بالعدوة معزياً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته. ثم هلك السلطان أبو الحجاج وبويع ابنه نحمد بالأمر لوقته فأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره وجعل ابن الخطيب رديفاً له في أمره وتشاركا في الاستبداد معاً.
ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمدين له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه فلما قدم السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها استأنه في إنشاد شي من الشعر يقدمه بين يدي نجواه فأذن له وأنشد وهو قائم أبياتاً اهتز السلطان لها فأذن له في الجلوس وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم الا يجميع عطائهم. ثم أثقل كأهلهم بالإحسان وردهم بجميع مطالبهم. قال القاضي أبو القاسم الشريف: لم يسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان الا هذا. وبعد ذلك اعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه إلى أن شفع فيه ثم سار في ركاب السلطان إلى وادي آش قادمين على السلطان أبي سالم فارغد هذا عيش ابن الخطيب في الجراية والاقطاع ثم أستأذنه السلطان في التحول إلى جهات مراكش والوفود على أثار الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال باتحافه فبادروا في ذلك وحصل منه على حظ وعند ما مر بسلا في قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدته على روية الراء الموصولة يرثية ويستثير به استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها
ان بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو غبرة ... هذا تراه وهذه أثاره
فكتب السلطان ابو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه واستقر هو بسلا منتبذا
стр. 1218
عن سلطانه طول مقامة بالعدوة ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس فاستقدم ابن الخطيب من سلا ورده إلى منزلته كما كان.
وبعد ذلك فصل عن الوزارة ثم أعيد إلى مكانة من الدولة من علو بده وقبول اشارته وأدركته الغيرة من عثمان بن يحيى مقدم القوم في الدولة ونكر على السلطان الاستكفاء به والتخوف من هؤلاء الاعياص على ملكه فخدره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبة واباه واخوته واودعهم المطبق ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان وأخذ ودفع الية تدبير المملكة وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت عليه الأمال وغشي بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتوأفقوا على السعاية فيه وقد صم السلطان عن قبولها ونما الخبر بذلك إلى اين الخطيب فشمر عن ساعده في التفويض عنهم.
وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية وربما خيل أن السلطان مال إلى قبولها وانهم قد احفظوه عليه فاجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب وأستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه ابنة علي الذي كان خالصة السلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه اذ ند بين يديه فخرج قائد الخيل لتلقيه وقد كان السلطان عبد العزيز لملك العدوة قد اوعز إليه بذلك وجهز إليه الاسطول من حينه فاجاز إلى سبته وتلقاه بها بأنواع التكرمة وامتثال الأوامر ثم سار بقصد السلطان فاهتزت له الدولة واركب السلطان خاصته لتلقيه واحله بمجلسه بمحل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان الشرف والغزة واخرج لوقته كاتبه ابا يحيى بن أبي مدين سفيراً إلى الأندلس في طلب أهله وولده فجاء بهم على اكمل الحالات من الأمن والتكرمة
ثم لغط المنافسون له في شأنه واغروا سلطانه بتتبع عثراته وابدوا ما كان كامناً في نفسه من سقطات دابته وإحصاء عصابته وشاع على السنة اعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة احصوها عليه ونسبوها إليه ورفعت إلى قاضي الحضرة الحسن بن الحسن فاسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي أبو الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وامضاء حكم الله فيه فصم لذلك وانف
стр. 1219
لذمته أن تحفز ولجواره أن يردى وقال لهم: هلا أنتقم وهو عندكم وانتم عالمون بما كان عليه واما أنا فلا يخلص إليه بذلك احد ما كان في جواري ثم وفر الجراية والاقطاع له ولبنيه ولمن جاء من فرسأن الأندلس في جملته فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن عازي القائم بالدولة فنزل فاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنات وحفظ له القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفي. ولما استوفى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه قبض على ابن الخطيب واودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان أبي العباس واحضر ابن الخطيب بالمشورة في مجلس الخاصة وأهل الشورى وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه فعظم عليه النكير فيها فونح ونك ل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ ثم تل إلى محبسه واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه وافتى بعض الفقهاء فيه ودس سليمان بن داوود رديف وزير السلطان لبعض الاوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السجن ليلاً ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه واخرجوا شلوه من الغد فدفن ثم أصبح من الغد على شأفة قبره طريحاً وقد جمعت له اعواد واضرمت عليه ناراً فاحترق شعره واسود بشره واعيد إلى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته.
قال ابن خلدون: وعجب الناس من هذه السفاهة التي جاءت بهاسليمان واعتدوها من هناته وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته ولله الفعال لمايريد. وكان عفا الله عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتيجيش هواتفه بالشعر يبكي نفسه ومما قال في ذلك
بعدناوان جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت
وانفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاماً ... كنا نقت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غر بن فناحت عليها البيوت
فكم جدلت ذا الجسام الظبا ... وذو البخت كم جدلته النجوت
وكم سيق للقبر في خرقه ... فتى ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطي ... ب وفات ملئت من كساه التخوت
стр. 1220
فمن كان يفرح منكم له ... فقل يفرح اليوم من لا يموت
قلت هي اهواء السياسة صيرت لسأن الدين إلى ما صيرته إليه وماعدوه عليه مما خالف به الشرع وجرى مع الفلسفة فإنما هي حجة طالما كثر التوكؤ عليها منذ ضعف العلم في هذه الأمة ولوصح مازعموا اما كان الاجدر بالأمناء على الدين وهو في عهد عزة أن يغيروا عليه وينبذوه عن حمى سلطانهم لئلا يستشري افساده للعقائد بما نشره من المصنفات والقليل الذي انتهى الينا مما خطه يمين لسأن الدين يدل ولا جرم على حرية في الفكر لم يجاب معها ولم يداج ولعلها هي التي عدها اعداؤه له من الهنات قال في ترجمة الحاكم باديس بالأندلس في كتابة الأحاطة بعد أن وفاه حقه من الوصف موانه من الملوك الجبابرة فائل الرأي خليع الرسن: وقد ادال اعبقاد الخليفة في باديس بعد وفاته وقدم العهد بيعرف أخبار جبروته وعتوه على الله سبحانه لما جبلهم عليه من الانقياد للاوهام والانصياع للاضاليل فعلى حفرته اليوم من الازدحام بطلاب الحوائج والشفاء من الأسقام حتى أولو الدواب الوجيعية ما ليس على قبر معروف الكرخي وأبي يزيد البسطامي.
واليك كيف وصف في مكان آخر جعفر بن احمد الخزاعي الغرناطي من مشايخ الطريق قال: إن قومه خرجوا من وطنهم عند تغلب العدو على شرق الأندلس فنزلوا في ربض البيازين جوفي المدينة وارتاشوا وتأثلوا وبنوا المسجد العتيق وأقاموا رسم الأرادة يرون انهم تمسكوا من طريق الشيخ أبي احمد بأثره فلا يغبون بيته ولا يقطعون اجتماعاً على حالهم المعروفة من تلاوة حسنة وايثار ركعات ثم ذكر ثم ترجيع أبيات في طريق التصوف مما ينسب للحسين بن الحلاج وامثاله يعرفونها منهم مشيخة قوالون هم فحول الاجمة وصواديك تلك القطيعة يهيجون بلابلهم فلا ينشبون أن يحمي وطيسهم ويخلط مرعيهم بالهمل فيرقصون رقصاً غير مساوق للايقاع الموزون دون العجال الغإليه منهم بأفراد كلمات من بعض المعقول ويكر بعضهم على بعض وقد خلعوا خشن ثيابهم ومرقعات قباطيهم ودرانيكهم فيدوم حالهم حتى يتصببوا عرقا وقوالهم يحركون فتورهم ويذمرون روحهم يخرجون بهم من قول إلى آخر ويصلون الشيء بمثله فربما أخذت نوبة رقصهم بطرفي ليل التمام ولا تزال المشيعة لهم باخشيشانهم مبدياً التبرك بهم.
إلى أن يقول فتسقط فيما بينهم بفلتة سماعة أي المزمار اخوة الطريق وهم أهل سذاجة
стр. 1221
وسلامة أولو اقتصاد في ملبس واقتيات بادنى بلغة ولهم في التعصب نزعة خارجية وأعظمهم ما بين مكتسب متسبب وبين معالج مدره ومريع حياكه وبين اظهرهم من الذعرة والصعاليك كثير. والطرق إلى الله تعالى على عدد انفاس الخلائق جعلنا الله مما قبل سعيه وارتضى ماعنده ويسره لليسرى.
وقد ترجم لسأن الدين نفسه في آخر كتاب الأحاطة ونقل عنه المقري في سبب نكبته ما يأتي متخصاً: وخلفني يعنى اباه عبد الله عالي الدرجة شهير الخطة مشمولاً بالقبول مكنوفاً بالعناية فقلدني السلطان سره ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن معززة بالقيادة وسوم الوزارة واستعملني في السفارة إلى الملوك واستنابني بدار ملكه ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه وائتمنني على صوان حضرته وبيت ماله وسجوف حرمه ومعقل امتناعة. ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي وأعلى مجلسي وقصر المشورة على نصحي إلى أن كانت عليه الكائنة فاقتدى في اخوه المتغلب على الأمر فسجل الاختصاص وعقد القلادة ثم حمله أهل الشحناء من اعوان ثورته على القبض علي فكأن ذلك وتقبض علي ونكث ما ابرم من اماني واعتقلت بحال ترفيه وبعد أن كبست المنازل والدور واستكثر من الحرس وختم على الاعلاق وابرد إلى ما ناء واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات الأمثال في تبحر الغلة وفراهة الحيوان وغبطة العقار ونظافة الالات ورفعة الثياب واستجادة العدة ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والابنية واكتسحت السائمة وثيرأن الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل فأخذ ذلك البيع وتناهبتها الأسواق وصاحبها البخس ورزأتها الخونة وشمل الخاصة والأقارب الطلب واستخلصت القرى واعملت الحيل وطوقت الذنوب امد الله تعالى بالعون وانزل السكينة وانصرف اللسأن إلى ذكر الله تعالى وتعلقت الأمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها الحال حسبما قلت عند اقالة العثرة والخلاص من الهفوة
تخلصت منها نكبة مصحفية ... لفقداني المنصور من آل عأمر
ووصلت الشفاعة في مكتبة بخظ ملك المغرب وجعل خلاصي شرطاً في العقدة ومسالمة الدولة فإنتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب وبالغ ملكي في بري: منزلاً رحباً وعيشاً خفضاً واقطاعاً جماً وجراية ما وراءها مرمى وجعلني بمجلسه صدراً ثم اسعف
стр. 1222
قصدي في تهيوء الخلوة بمدينة سلا منوه الصكوك مهنأ القرار متفقداًُ باللها والخلع مخول العقار موفور الحاشية مخلى بينه وبين إصلاح معادي إلى أن رد الله تعالى على السلطان أمير المؤمنين أبي عبد الله بن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه وصير إليه حقه فطالبني بوعد ضربته وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته ولم يوسعني عذراً ولا فسيح في الترك مجالاً فقدمت عليه بولده وقد ساء بامساكه رهينة ضده ونغص رهينة الفتح بعده على حال من التقشف والزهد فيما بيده وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده حسبما قلت من بعض المقطوعات:
قالوا لخدمته دعاك محمد ... فإنفتها وزهدت في التنويه
فاجبتهم انا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محب فيه
لما عاهدت الله على ذلك وشرحت صدري للوفاء به وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيده املي ومرمى نيتي وعملي فعلق بي وخرج لي عن الضرورة واراني أن مؤازرته ابر القرب وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين امد الثواء واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة واشهد من حضر من العلية ثم رمى إلى بعد ذلك بمقاليد رأيه وحكم عقلي في اختيارات عقله وغطى وصرف هواي في التحول ثانياً قصدي واعترف بقبول نصحي.
إلى أن قال ومع ذلك فلم اعدم الاستهداف للشرور والاستعراض للمحذور والنظر الشزر المنبعث من خزر العيون شمة من ابتلاه الله بسياسة الدهماء ورعاية سخطة ارزاق السماء وقتلة الأنبياء وعبده الاهواء ممن لا يجعل الله تعالى أرادة نافذة ولا مشيئة سابقة ولا يقبل معذرة ولا يحمل في الطلب ولا يبلبس مع الله بأدب.
هذا ما قاساه لسأن الدين من ضروب النعم والنقم فعد فرداً في التقلب في نعمائه وغريباً في بلواه وقد اكتفينا آنفاً بنقل ما قاله فيه ابن خلدون صديقه وماقاله هو في شرح نكبته أوردناه بعبارتهما الا قليلاً وإن اورث هذه الترجمة تطويلاً وذلك لعلمنا بان إنشاءهما مما ينبغي احتذاء مثاله وجزالة ألفاظهما وجودة معانيهما مما يعز نظيره.
стр. 1223
الميكروب
اعتراض أهل المذهبين الكيماوي الطرآني على الحيويين
لم تزد الأيام والتجارب نذهب الحيويين الا تحقيقاً وثبوتاً. فبعد أن تقرر بانه إذا منع اختلاط الميكروب بالمواد الآلية المفعمة لن تحصل فيها ظواهر الحياة والاختمار حتى يرتفع الحجر عنها فيحدث الاختلاط عمداً كان ام سهواً كان الأولى والاجدر أن تتقرر هذه النتيجة بأن الميكروب لا يمكن تكونه من ذاته طرآيياً بل تتولد من آخر مشابه له جنسياً ولكن أهل الرأي الكيماوي اعترضوا بقولهم: إن جميع المواد القابلة للاختمار التي يعرضها المجربون للحرارة تتغير جوهرياً وتفقد الخميرة الكيماوية طبيعياً فيها فلم تعد تختمر. لأنهم يزعمون بأن الاختمار يحصل بواسطة خميرة كيماوية والحرارة تتلفها فيتعذر الاختمار. ومن ثم كانت تلك المواد عينها التي لم تعرض للحرارة تختمر لا محالة من دون الميكروب. وكذلك كان أصحاب أعراض التوليد الذاتي القائلون بأن الحرارة تغير المواد جوهرياً فيمتنع حصول الاختمار فيها وتولد الميكروب. هذا كان اصعب الاعتراضات حلاً لا جوهرياً لأنه دعا إلى ايجاد وسائط ومواد غير التي دارت عليها التجارب والأمتحانات ومن دون تعقيم بالحرارة.
ففتقت الحاجة للحيويين بان يعيدوا جميع التجارب ولكن على مواد عقيمة طبيعياً وذلك كالدم والحلييب والبول وعصير العنب الخ فإن هذه المواد السائلة إذا أخذت باحتراز ووضعت في الزجاجات ذوات الأنبوب المذكورة في الفصل السابق من دون أن يختلط بها او يلامسها الهواء الخارجي كانت تفي بالمقصود حق الايفاء. لان تلك المواد عرضت للتجربة ودامت في الزجاجات عقيمة لم يمسها الفساد. وبعضها لم يزل ولن يزال باقياً إلى ما شاء الله ذكراً انفيساً وشاهداً لتلك التجارب التي قطعت قول كل معترض معاند.
وجود الميكروب في الماء والهواء والتراب
أثبت الحيويون بان أنواع الميكروب موجودة ومنتشرة في المسكونة لأن المواد الصالحة للاختمار كلها تختمر لا محالة حيث وجدت إذا استوفت الشروط الملأزمة للحياة ولم تحجر عن الميكروب.
هذا دليل كاف وواضح على وجود الميكروب في كل مكان على سطح الأرض ومع ذلك
стр. 1224
فإن العلماء اجهدوا قرائحهم لاثبات وجوده عيناً وفعلاً فيما يحيط بنا ويجاونا.
ففي سنة ١٨٢٨ ابتدأ اهرنبرغ بفحص الماء والغبار فوجد فيها من الخلايا ما سماه بالانفزوار ومعناه خلايا مائية وسمأهم بعضهم بالنقاعيات. واظهر من بعده بوسنه وتندال وباستور بأن الهواء والماء والتراب وجميع ما يحيط بنا لا يخلو أبداً من الميكروب الذي يكون هباءً في الريح وسابحاً في الماء وملتصقاً بالأواني وجميع ما يستعمل فينتشر بواسطتها ويتساقط حيث اتفق له.
فالواقع منها على مايليق به ويصلح لمعاشه وساعدته الأحوال والشروط التي لا بد منها للحياة لم يلب أن تنتعش فيه الحياة فينمو ويتكأثر محولاً تلك المواد إلى حال أخرى يقال لنوع منها اختمار وللآخر ختر فتعفن. . . . فالحوأصل الآلية تكون أصلياً لا ميكروب فيها وهذا أنما ينتقل إليها بواسطة خارجية.
في أن الميكروب هو سبب الاختمار
لم يترك خصوم الحيويين وسيلة املوا منها بعض الصواب في آرائهم ولم يتشبثوا بها. فمن بعد أن افحمهم برهان وجود الخلايا وتكونها بالتناسل الطبيعي ووجوب وجودها الحصول الاختمار في أي مادة كانت على الاطلاق وكذلك وجودها وانتشارها على وجه البسيطة قام من ادعى بان من ذلك كله لا ينتج بأن الميكروب هو بنفسه السبب الوحيد الملازم للاختمار لأنه لم يتبين باي نوع وكيف وما هي القوة الكامنة فيه تؤثر بالمواد الجامدة فتبدلها من حال إلى أخرى.
صرح (شوان) باديء بدء بان زيادة ظواهر الاختمار وقلتها تلازم نمو الخميرة وازديادها وقلتها وذلك لأن الخلايا تأخذ من المواد الصالحة لها ما ينفعها في غذائها ونموها وما لم تنتفع به يتكون منه الاكحول.
وقال كثيرون بعد شوان بذلك المبدأ ودافعوا عنه جهدهم ولكنه لما لم يسند إلى تجارب وبينات تدركها الحواس لم يكن كافياً للاقناع وعندها قام ابن بجدتها بل عذيقها المرّجب وجذيلها المحكك واعني به باستور وأثبت سنة ١٨٥٧ أولا أن الاختمار يلازم جوهرياً حياة الخميرة ونموها وإن ظواهره كلها تتوقف على فعل الخلايا التي تنمو وتنشأ باتخاذها غذاء الأجزاء التي تتركب منها المواد الصالحة للاختمار. ومن اجل ذلك فباقتياتها بالمادة
стр. 1225
السكرية مثلاً لا تتحول هذه جميعها إلى الالكحول وحامض الكربونيك بل بجزء منها نحو خمس في المائة تتكون الخلايا نفسها. فكانت من ثم أجزاء المواد الاختمارية هي غذاء الخميرة وهذه تصرف الجزء الأصغر من ذلك لنموها وتكأثرها والأكبر يتحول بالاغتذاء إلى الالكحول وحامض الكربونيك.
ولما كان في تركيب الخلايا يدخل أيضاً جزء من الازوت والأملاح المعدنية ظن باستور في أول الأمر بانه لا بد من وجودها في المحلول المعدّ للاختمار لكي تنمو الخلايا وتحلل المادة السكرية.
واطلع بعد ذلك على أنه لا حاجة لذلك فإن الخلايا إن تنمو في المحلول السكري المحض بدون ازوت واملاح. على أن النموّ في هذه الحال يحصل أما من مادة ازوتية مذخورة في الخلايا نفسها او أن الخلايا الفتية تستفيد فيه من بقايا اسلافها. واطلع أيضاً بانه إذا جعل الخميرة وحدها في الماء الخالي عن السكر تصلح تلك البقايا موقتاً لان تكون غذاء تاماً تعيش عليه هذه الخلايا الفتية وتحولها إلى الالكحول وحامض الكربونيك: بمعنى أنه يحصل هنالك الاختمار من دون سكر وفي سنة ١٨٧٠ اظهر باستور بأن الأجزاء الآزوتية الداخلة في غذاء الخلايا ليس من الواجب أن تكون من المواد الزلالية فإن الأملاح النشادرية تقوم مقامها في التغذية. والحأصل فإن المحلول المركب من جزء من الأملاح المذكورة والمعدنية ومن السكر يكون أصلح غذاء (مادة) للاختمار الالكحولي. تحقق كثيرون بعد باستور ذلك عملياً وأثبتوا بأن لي دخل للمواد الزلالية لحصول الاختمارونشوء الخلايا بخلاف ما ادعاه وفتئذ الكيماوي الشهير لببتيج.
واما غاز الاكسجين الذي يحتوي عليه الهواء وكان يظنه الأولون السبب الوحيد للاختمار فقد اظهر باستور أن الخلايا تجتذبه من الهواء بكثرة وتقذف حامض الكربونيك كما تفعل بقية الحيوانات وجاء بعده شتزمبرغ فابأن ذلك وأثبته أيضاً بأن الاختمار انما يتوقف على اغتذاء الخلايا وتنفسها الهواء لا على الاكسجين. ولما كان باستور قد اظهر من بعد ذلك بان بعض الميكروب لا يحب الاكسيجين ويعيش بدونه وبدون الماء سمى ذلك بالهوائي وهذا بغير الهوائي. وفي ذلك بحث طويل لا يساعدنا المجال على تفصيله. أن الاختمار هو فعل حيوي (فسيولوجي) وما عدا الادلة التي سبق بيانها الناتجة عن التجارب المختلفة
стр. 1226
واخصها تجارب شوان وباستور التي تثبت بأن الاختمار فعل حيوي نذكر أيضاً شواهد تؤيد بان جميع الظواهر التي تشاهد في الاختماروالتعفن وغيرها لا يمكن أن تكون الا فسيولوجية اعني افعالاً حيوية.
ومن ذلك أن زيادة الاختمار وقلته تكون في نسبة نمو الخلايا وتكأثرها في المحلول الاختماري وأن ذلك يتوقف أيضاً على حصول الحرارة المعتدلة في المكان والمحلول وأن المواد السامة التي توقف الافعال الحيوية في الحيوان والنبات او تخدرها كالكلورفوم والاثير وغيرها ولو جزءاً زهيداً منها توقف أيضاً فعل الخلايا وتعطل الاختمار.
وزد على ذلك مأعرف بالتحليل الكيماوي من أن الاختمار يبدل تبديلاً جوهرياً جميع المواد بنوع وكيفية لا يمكن حصولها الا بفاعل كيماوي له أعظم قوّة وتأثير. ولما كان في المحلول الاختماري لا يدخل شيء من ذلك فالتبدل فيه لا يمكن أن يسند الا إلى فعل حيوي.
أنواع الميكروب وتفصيلها
عرف من الميكروب أنواع كثيره مختلفة لكل منها شكل وخواص وطبائع وافعال تميزه عن غيره لا تقوم الا به. فإن ميكروب الاختمار الالكحولي مثلاً يختلف شكلاً وفعلاً وطبيعة عن الخلي واللبني وغيرها وميكروب الكوليرا ليس ميكروب الطاعون. وكذلك بقية الأمراض الميكروبية فإن لكل منها نوعاً خاصاً يمتاز ويختلف بعضه عن بعض اختلاف الأمراض. وقد عرض الأستاذ سديو في ١١ إذار سنة ١٨٧٨ على الجمعية العلمية الباريسية بان تسمى جميع دقائق الحيوان والنبات المحكي عنها بالميكروب ليكون لها اسم شامل لأنواعها. لأن الاسماء كانت قد كثرت وقتئذ لاكتشاف أجناس وأنواع مختلفة. لهذا صفات نباتية ولذاك حيوانية ولآخر بين بين حتى أن بعضهم اشار بأن يسمى بعالم الدقائق الحية ليمتاز عن عالمي الحيوان والنبات توفيراً لعناء التفصيل والتفريق ودفعاً للشذوذ عن القواعد المصطلح عليها لذلك العهد.
وفي بحثنا الآن عنها لا يفيدنا جدول أسمائها لأنه يبعدنا عن الموضوع ويشغلنا عن حكاية اكتشافها. ولما لم يكن من أنواع الميكروب ما يوجد طبيعياً وحده محضاً إلا في النادر من دون أن يكون مختلطاًمعه من نوع او أنواع أخرى اقتضى أن يوصل العلماء إلى تفصيله
стр. 1227
وتفريقه عن بعضه. فباستور هو أول من بين وجوب ذلك وإليه يعود الفضل في اكتشاف الواسطة وحل المشكلة.
فإنه أخذ من تلك الزجاجة نقطة خلطها في زجاجة ثانيةفمن هذه نقطة في ثالثة وهلم جراً إلى العاشرة بل أكثر. وجعل الزجاجات كلها في محل واحد فصار من بعد ذلك اعني لدى ظهور الاختمار في واحدة منها يفحصها ليرى نوع الميكروب الذي فيها. ففي اغلب الاحيان كان ميكروب الزجاجات الأخيرة من جنس واحد محض إذا أخذ منه وزرع في زجاجات معقمة لا يجني الا من ذلك الميكروب جنساً ونوعاً.
هذه الواسطة اعني تمييز الميكروب بعضه عن بعض واجتناء نوع محض منه صار عليها مدار علم الميكروب فتقدم ونجح واي نجاح.
ولا يخفى ما هنالك من الصعوبات وطول لانتظار وصرف الأموال الجزيلة مع طول الأناة والصبر فاخترع الأستاذ كوخ واسطة عوضاً عن السابق بيانها صار عليها التعويل عند جمهور العلماء لأنها قريبة المأخذ عاجلة النتيجة كفيلة بنجاحها وهي لا تكلف الا شيئاً قليلاًمن المصاريف ولولاها لما توصل لاقتباس علم الميكروب الا الخاصة من المعلمين واغنيائهم.
الاعتراضات
كان أصحاب مذهب التولد الذاتي في بادئ الأمر هم الا كثيرون ولهم الصوت الأعلى واليد الطولي والتصدر في المحافل العلمية فكانوا يعدون من خالفهم مبتدعاً ودخيلاً فيخذلونه بل يحرمون عليه حرية القول والعمل لا يضاح أفكاره والدفاع عن آرائه وعند ما كثر الحيويون واشتهرت آراؤهم المبينة على نتائج التجارب التي يراها ويقبلها كل ذي عقل سليم ولاسيما عند ما ظهر باستور وانتشرت أعماله وانتصر له كثيرون من العلماء اضطر أولئك إلى البروز إلى ميدان الجدال واذ لم تسعهم المكابرة واسكات الخصم ببينات دامغة املوا الانتصار عليه بمقاومته بسلاحه نفسه اعني بالتجربة والأمتحان فأصابتهم سهامهم وسلموا للحق واذعنوا له. لان اعتراضاتهم كانت اوهى من بيت العنكبوت: فمنهم من كان ادّعى أنه وجد بالتجربة بعض الاختمار من دون ميكروب وآخرون استشهدوا لاثبات زعمهم بحدوث التعفن في جوف جثث الموتى وفساد بيض الدجاج مع بقاء قشرها سالماً.
стр. 1228
وكذلك حدوث الاختمار اللبني والخلي على الرغم من منع اختلاط الميكروب بسائلها العقيم. وادعى بعضهم بانهم حافظوا على الحبول بدقة وانتن مع ذلك. وكذلك انهم نقوا مواد الاختمار بالترشيح والتصفية ولم تبق كلها سالمة. وفي تلك الأحوال كلها كانوا اما يزعمون بانهم لم يجدوا أثراً للميكروب في جميع المواد التي أعدت للتجربة فينسون الاختمار والتعفن إلى فعل كيماوي واما يقولون بأن الميكروب وجد في جميعها على كثرة احترازهم منه فيستنتج الطرآئيون حجة صريحة على صحة التولد الذاتي. وقال بيشام أن التدرنات التي تشاهد في الحياة في بروتو بلاسم الخلايا التي يتركب منها جسم كل حي من نبات وحيوان تتجول إلى ميكروب بعد الممات.
ان سخافة تلك الاعتراضات كلها بينة فلم تزعزع رأي الحيويين بل زادته متانه ورسوخاً وسبب ضلالهم وخبطهم هو عدم تصديقهم بوجود الميكروب فلم يعبؤوا به ولم يتخذوا بحق وسائط التحرز من انسيابه فيما يجربونه سيما وانهم لم يردوا التوغل في علم الميكروب الذي كان يومئذ صعب المنال وهم يستهينون به.
الاختمار الكيماوي
ذكرنا فيما سبق بان بعض العلماء كانوا يعتبرون الاختمار فعلاً كيماوياً فكان ليبيح وحزبه منذ سنة ١٨٢٩ يدعي بأن الخميرة هي مادة كيماوية بتحللها يحصل تحول السكر إلى الالكحول والحامض الكربونيك وحأولوا اثبات زعمهم ببينات مسندة كلها على مشابهة الاختمار بفعل بعض الأجسام وعناصرها كيماوياً. فعجزوا وبدل لييبيح سنة ١٨٧٠ مدعاة وزعم بان وجود الخلايا في الاختمارانما يكون ثانوياً فهي تحدث مادة خاصة تسبب الاختمار كيماوياً وهذا لا يتوقف على الخلايا بل على المادة التي تفرزها فلو امكنا إذا بإحدى الوسائط افراز تلك المادة لتوصلنا إلى حصول الاختمار بها وحدها من دون الخلايا.
واستشهد بظواهر حيوية تضاهيها تشاهد في النبات والحيوان من الطبقة العليا وكذلك عند الإنسان وهي حصول التيسين والتربسين والميوزين والدياستاز وغيرها ومنفعتها لا تختلف عن الاختمار قطعياً فهي إذا خميرة كيماوية.
أن الحيويين لم ينكروا وجود الخميرة الكيماوية ولكنهم لم يسلموا بأن للنوعين فعلاً وتأثيراً متشابهين حقيقة. لأن الخمير الكيماوي يؤثر ويفعل بمجرد الاختلاط والملامسة وفعله
стр. 1229
تحليلي اعني أنه يفرق الأجزاء والعناصر بعضها عن بعض كفعل الحامض الكبريتي وغيره بالأجسام وكميته لا تزيد بل تنقض في الاختمار ويقتضي له أكثر من ستين درجة ليؤثروا الأثر الذي لا تعطله السموم الفسيولوجية. وأما الخميرة الميكروبية فتحول وتبدل ماهية المواد تحويلاً جوهرياً وكميتها ليست بمحدودة فإنها تجري حكمها مهما زادت اوقلت وهي تزيد او تنقص على نسبة كثرة الاختمار او قلته.
وفعلها يحصل بين (٢٥ - ٤٠) من درجة الحرارة ويتعطل تماماً إذا أضيفت إليه شيئ من السموم الفسيولوجية. فلا ملابسة إذا بين الاثنين واما في بعض المواقع التي يحدث فيها اختمار مختلط كيماوي وحيوي كما في التعفن فيجري الخميران حكمهما معاً فالكيماوي الناتج بعضه عن الميكروب يحلل بوجوده المواد فيتنأولها الحيوي ويغتذي بها فيحولها ويبدل ماهيتها تبديلاً جوهرياً فإذا أردنا من ثم أن نوأفق ليبيح وتقبل بأن التحلل الطارئ على العناصر في الاختمار يحصل عن اختلاط او معمعة عنصرية أشبه شيء بالخميرة وأن هذه لا يمكن حصولها الا بوجود الخلايا وحياتها واقتياتها فلا يعتبر حينئذ ليبيح معترضاً بل مؤيداً الرأي الحيويين.
وقصاري القول أن الحيويين بعد أن استمروا نحو خمسين سنة بين دفاع وهجوم ظفروا بجميع من عادأهم وعاندهم. وسلم بصحة آرائهم قابضر زمام العلم من جميع الأمم والملل. فتوطدت بينهم دعائم السلام وعلائق الاتفاق ونشرت راية الاتحاد والتعاضد لمحاربة العدو المضر من أنواع الميكروب بالاكتشاف على مكانته وحركاته وختلاته وخزانة فيمزقون حبائله ويخلصون الجنس البشري بل عالم الاحياء اجمع من حملاته وصولاته ويكسرون حدته وشوكته أبداً.
стр. 1230
اليونان
الصنائع اليونانية
المعابد اليونانية - قامت أجمل المباني في اليونان تعظيماً للأرباب فمتى ذكرت هندسة اليونأن فلا يذهب الفكر الا معابدهم. وليس المعبد اليوناني كالبيعة النصرانية خاصاً بقبول المؤمنين الذين يهرعون إلى الصلاة فيها بل هو قصر ينزله الرب وتمثالاً يمثله قصر تحفة الابهة والجلالة ولا يلجه جمهور المؤمنين بل يظلون خارجه حوالي مذبح تحت السماء وقد قامت مقصورة الرب في وسط المعبد وهو مزار سري لا نافذه له ولا ضوء ينفذ إليه الأماكن من كوى في الاعالي. وقام الصنم في داخله معمولا من خشب او رخام او عاج لابساً ذهباً محلى بالثياب والحلي وكثيراً ما يكون هيكلاً عظيماً.
وقد مثل زيوس في معبد الأولمبيا قاعداً ويكاد يصل رأسه إلى القمة ولذا قيل أن الرب لو تمثل قائماً لخرق السقف وقد حجب هذا المزار عن الانظار من كل ناحية وهو عبارة عن مستودع ذخائر الصنم ويجتاز من يروم دخله ضرباً من الرواق مؤلفاً من صفوف من السواري. ووراء الغرفة غرفة ثانية معلقة فيها الاعلاق الثمنية الخاصة بالرب وجميع قنياته وربما جعل فيها ذهب المدينه وفضتها.
وهكذا كان المعبد صواناً وكنزاً ومتحفاً وتحيط بالمعبد صفوف من السواري من أطرافه الأربعة مؤلفة حوالي جدار المزار عشاء ثانياً للرب وكنوزه والسواري على ثلاثة أنواع تختلف باختلاف أساسها ورأسها او تاجها وعلى كل منها اسم الأمة التي اخترعها او اكترث من استعمالها وهي بحسب اختلافها في القدم السواري الدورية والسواري الايونية والسواري الكورنتية.
ويدعى المعبد باسم السواري التي بنى عليها. وفوق الاعمدة حوالي البناء صفائح من رخام منقوشة على شكل اللوحة تتناوب على قطع من رخام منظمة ومنها يتألف الافريز. ويعلو المعبد بنية مثلثة في أعلى مقدم البناء مزدانة بتماثيل وقد صورت المعابد اليونانية بألوان عديدة من أصفر وازرق وأحمر وبقي أهل التمدن الحديث زمناً وهم يأتون تصديق ذلك. وكان من الوأهم العام أن لأبناء اليونان ذوقاً معتدلاً جداً في نقش البناء. بيد أنه اكتشف في كثير من المعابد أثار نقوش لا تبقى مجالاً للشك حتى ادت الحال أن علموا بالتأمل فيها أن
следующие страницы →