Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
واخصها تجارب شوان وباستور التي تثبت بأن الاختمار فعل حيوي نذكر أيضاً شواهد تؤيد بان جميع الظواهر التي تشاهد في الاختماروالتعفن وغيرها لا يمكن أن تكون الا فسيولوجية اعني افعالاً حيوية.
ومن ذلك أن زيادة الاختمار وقلته تكون في نسبة نمو الخلايا وتكأثرها في المحلول الاختماري وأن ذلك يتوقف أيضاً على حصول الحرارة المعتدلة في المكان والمحلول وأن المواد السامة التي توقف الافعال الحيوية في الحيوان والنبات او تخدرها كالكلورفوم والاثير وغيرها ولو جزءاً زهيداً منها توقف أيضاً فعل الخلايا وتعطل الاختمار.
وزد على ذلك مأعرف بالتحليل الكيماوي من أن الاختمار يبدل تبديلاً جوهرياً جميع المواد بنوع وكيفية لا يمكن حصولها الا بفاعل كيماوي له أعظم قوّة وتأثير. ولما كان في المحلول الاختماري لا يدخل شيء من ذلك فالتبدل فيه لا يمكن أن يسند الا إلى فعل حيوي.
أنواع الميكروب وتفصيلها
عرف من الميكروب أنواع كثيره مختلفة لكل منها شكل وخواص وطبائع وافعال تميزه عن غيره لا تقوم الا به. فإن ميكروب الاختمار الالكحولي مثلاً يختلف شكلاً وفعلاً وطبيعة عن الخلي واللبني وغيرها وميكروب الكوليرا ليس ميكروب الطاعون. وكذلك بقية الأمراض الميكروبية فإن لكل منها نوعاً خاصاً يمتاز ويختلف بعضه عن بعض اختلاف الأمراض. وقد عرض الأستاذ سديو في ١١ إذار سنة ١٨٧٨ على الجمعية العلمية الباريسية بان تسمى جميع دقائق الحيوان والنبات المحكي عنها بالميكروب ليكون لها اسم شامل لأنواعها. لأن الاسماء كانت قد كثرت وقتئذ لاكتشاف أجناس وأنواع مختلفة. لهذا صفات نباتية ولذاك حيوانية ولآخر بين بين حتى أن بعضهم اشار بأن يسمى بعالم الدقائق الحية ليمتاز عن عالمي الحيوان والنبات توفيراً لعناء التفصيل والتفريق ودفعاً للشذوذ عن القواعد المصطلح عليها لذلك العهد.
وفي بحثنا الآن عنها لا يفيدنا جدول أسمائها لأنه يبعدنا عن الموضوع ويشغلنا عن حكاية اكتشافها. ولما لم يكن من أنواع الميكروب ما يوجد طبيعياً وحده محضاً إلا في النادر من دون أن يكون مختلطاًمعه من نوع او أنواع أخرى اقتضى أن يوصل العلماء إلى تفصيله
стр. 1227
وتفريقه عن بعضه. فباستور هو أول من بين وجوب ذلك وإليه يعود الفضل في اكتشاف الواسطة وحل المشكلة.
فإنه أخذ من تلك الزجاجة نقطة خلطها في زجاجة ثانيةفمن هذه نقطة في ثالثة وهلم جراً إلى العاشرة بل أكثر. وجعل الزجاجات كلها في محل واحد فصار من بعد ذلك اعني لدى ظهور الاختمار في واحدة منها يفحصها ليرى نوع الميكروب الذي فيها. ففي اغلب الاحيان كان ميكروب الزجاجات الأخيرة من جنس واحد محض إذا أخذ منه وزرع في زجاجات معقمة لا يجني الا من ذلك الميكروب جنساً ونوعاً.
هذه الواسطة اعني تمييز الميكروب بعضه عن بعض واجتناء نوع محض منه صار عليها مدار علم الميكروب فتقدم ونجح واي نجاح.
ولا يخفى ما هنالك من الصعوبات وطول لانتظار وصرف الأموال الجزيلة مع طول الأناة والصبر فاخترع الأستاذ كوخ واسطة عوضاً عن السابق بيانها صار عليها التعويل عند جمهور العلماء لأنها قريبة المأخذ عاجلة النتيجة كفيلة بنجاحها وهي لا تكلف الا شيئاً قليلاًمن المصاريف ولولاها لما توصل لاقتباس علم الميكروب الا الخاصة من المعلمين واغنيائهم.
الاعتراضات
كان أصحاب مذهب التولد الذاتي في بادئ الأمر هم الا كثيرون ولهم الصوت الأعلى واليد الطولي والتصدر في المحافل العلمية فكانوا يعدون من خالفهم مبتدعاً ودخيلاً فيخذلونه بل يحرمون عليه حرية القول والعمل لا يضاح أفكاره والدفاع عن آرائه وعند ما كثر الحيويون واشتهرت آراؤهم المبينة على نتائج التجارب التي يراها ويقبلها كل ذي عقل سليم ولاسيما عند ما ظهر باستور وانتشرت أعماله وانتصر له كثيرون من العلماء اضطر أولئك إلى البروز إلى ميدان الجدال واذ لم تسعهم المكابرة واسكات الخصم ببينات دامغة املوا الانتصار عليه بمقاومته بسلاحه نفسه اعني بالتجربة والأمتحان فأصابتهم سهامهم وسلموا للحق واذعنوا له. لان اعتراضاتهم كانت اوهى من بيت العنكبوت: فمنهم من كان ادّعى أنه وجد بالتجربة بعض الاختمار من دون ميكروب وآخرون استشهدوا لاثبات زعمهم بحدوث التعفن في جوف جثث الموتى وفساد بيض الدجاج مع بقاء قشرها سالماً.
стр. 1228
وكذلك حدوث الاختمار اللبني والخلي على الرغم من منع اختلاط الميكروب بسائلها العقيم. وادعى بعضهم بانهم حافظوا على الحبول بدقة وانتن مع ذلك. وكذلك انهم نقوا مواد الاختمار بالترشيح والتصفية ولم تبق كلها سالمة. وفي تلك الأحوال كلها كانوا اما يزعمون بانهم لم يجدوا أثراً للميكروب في جميع المواد التي أعدت للتجربة فينسون الاختمار والتعفن إلى فعل كيماوي واما يقولون بأن الميكروب وجد في جميعها على كثرة احترازهم منه فيستنتج الطرآئيون حجة صريحة على صحة التولد الذاتي. وقال بيشام أن التدرنات التي تشاهد في الحياة في بروتو بلاسم الخلايا التي يتركب منها جسم كل حي من نبات وحيوان تتجول إلى ميكروب بعد الممات.
ان سخافة تلك الاعتراضات كلها بينة فلم تزعزع رأي الحيويين بل زادته متانه ورسوخاً وسبب ضلالهم وخبطهم هو عدم تصديقهم بوجود الميكروب فلم يعبؤوا به ولم يتخذوا بحق وسائط التحرز من انسيابه فيما يجربونه سيما وانهم لم يردوا التوغل في علم الميكروب الذي كان يومئذ صعب المنال وهم يستهينون به.
الاختمار الكيماوي
ذكرنا فيما سبق بان بعض العلماء كانوا يعتبرون الاختمار فعلاً كيماوياً فكان ليبيح وحزبه منذ سنة ١٨٢٩ يدعي بأن الخميرة هي مادة كيماوية بتحللها يحصل تحول السكر إلى الالكحول والحامض الكربونيك وحأولوا اثبات زعمهم ببينات مسندة كلها على مشابهة الاختمار بفعل بعض الأجسام وعناصرها كيماوياً. فعجزوا وبدل لييبيح سنة ١٨٧٠ مدعاة وزعم بان وجود الخلايا في الاختمارانما يكون ثانوياً فهي تحدث مادة خاصة تسبب الاختمار كيماوياً وهذا لا يتوقف على الخلايا بل على المادة التي تفرزها فلو امكنا إذا بإحدى الوسائط افراز تلك المادة لتوصلنا إلى حصول الاختمار بها وحدها من دون الخلايا.
واستشهد بظواهر حيوية تضاهيها تشاهد في النبات والحيوان من الطبقة العليا وكذلك عند الإنسان وهي حصول التيسين والتربسين والميوزين والدياستاز وغيرها ومنفعتها لا تختلف عن الاختمار قطعياً فهي إذا خميرة كيماوية.
أن الحيويين لم ينكروا وجود الخميرة الكيماوية ولكنهم لم يسلموا بأن للنوعين فعلاً وتأثيراً متشابهين حقيقة. لأن الخمير الكيماوي يؤثر ويفعل بمجرد الاختلاط والملامسة وفعله
стр. 1229
تحليلي اعني أنه يفرق الأجزاء والعناصر بعضها عن بعض كفعل الحامض الكبريتي وغيره بالأجسام وكميته لا تزيد بل تنقض في الاختمار ويقتضي له أكثر من ستين درجة ليؤثروا الأثر الذي لا تعطله السموم الفسيولوجية. وأما الخميرة الميكروبية فتحول وتبدل ماهية المواد تحويلاً جوهرياً وكميتها ليست بمحدودة فإنها تجري حكمها مهما زادت اوقلت وهي تزيد او تنقص على نسبة كثرة الاختمار او قلته.
وفعلها يحصل بين (٢٥ - ٤٠) من درجة الحرارة ويتعطل تماماً إذا أضيفت إليه شيئ من السموم الفسيولوجية. فلا ملابسة إذا بين الاثنين واما في بعض المواقع التي يحدث فيها اختمار مختلط كيماوي وحيوي كما في التعفن فيجري الخميران حكمهما معاً فالكيماوي الناتج بعضه عن الميكروب يحلل بوجوده المواد فيتنأولها الحيوي ويغتذي بها فيحولها ويبدل ماهيتها تبديلاً جوهرياً فإذا أردنا من ثم أن نوأفق ليبيح وتقبل بأن التحلل الطارئ على العناصر في الاختمار يحصل عن اختلاط او معمعة عنصرية أشبه شيء بالخميرة وأن هذه لا يمكن حصولها الا بوجود الخلايا وحياتها واقتياتها فلا يعتبر حينئذ ليبيح معترضاً بل مؤيداً الرأي الحيويين.
وقصاري القول أن الحيويين بعد أن استمروا نحو خمسين سنة بين دفاع وهجوم ظفروا بجميع من عادأهم وعاندهم. وسلم بصحة آرائهم قابضر زمام العلم من جميع الأمم والملل. فتوطدت بينهم دعائم السلام وعلائق الاتفاق ونشرت راية الاتحاد والتعاضد لمحاربة العدو المضر من أنواع الميكروب بالاكتشاف على مكانته وحركاته وختلاته وخزانة فيمزقون حبائله ويخلصون الجنس البشري بل عالم الاحياء اجمع من حملاته وصولاته ويكسرون حدته وشوكته أبداً.
стр. 1230
اليونان
الصنائع اليونانية
المعابد اليونانية - قامت أجمل المباني في اليونان تعظيماً للأرباب فمتى ذكرت هندسة اليونأن فلا يذهب الفكر الا معابدهم. وليس المعبد اليوناني كالبيعة النصرانية خاصاً بقبول المؤمنين الذين يهرعون إلى الصلاة فيها بل هو قصر ينزله الرب وتمثالاً يمثله قصر تحفة الابهة والجلالة ولا يلجه جمهور المؤمنين بل يظلون خارجه حوالي مذبح تحت السماء وقد قامت مقصورة الرب في وسط المعبد وهو مزار سري لا نافذه له ولا ضوء ينفذ إليه الأماكن من كوى في الاعالي. وقام الصنم في داخله معمولا من خشب او رخام او عاج لابساً ذهباً محلى بالثياب والحلي وكثيراً ما يكون هيكلاً عظيماً.
وقد مثل زيوس في معبد الأولمبيا قاعداً ويكاد يصل رأسه إلى القمة ولذا قيل أن الرب لو تمثل قائماً لخرق السقف وقد حجب هذا المزار عن الانظار من كل ناحية وهو عبارة عن مستودع ذخائر الصنم ويجتاز من يروم دخله ضرباً من الرواق مؤلفاً من صفوف من السواري. ووراء الغرفة غرفة ثانية معلقة فيها الاعلاق الثمنية الخاصة بالرب وجميع قنياته وربما جعل فيها ذهب المدينه وفضتها.
وهكذا كان المعبد صواناً وكنزاً ومتحفاً وتحيط بالمعبد صفوف من السواري من أطرافه الأربعة مؤلفة حوالي جدار المزار عشاء ثانياً للرب وكنوزه والسواري على ثلاثة أنواع تختلف باختلاف أساسها ورأسها او تاجها وعلى كل منها اسم الأمة التي اخترعها او اكترث من استعمالها وهي بحسب اختلافها في القدم السواري الدورية والسواري الايونية والسواري الكورنتية.
ويدعى المعبد باسم السواري التي بنى عليها. وفوق الاعمدة حوالي البناء صفائح من رخام منقوشة على شكل اللوحة تتناوب على قطع من رخام منظمة ومنها يتألف الافريز. ويعلو المعبد بنية مثلثة في أعلى مقدم البناء مزدانة بتماثيل وقد صورت المعابد اليونانية بألوان عديدة من أصفر وازرق وأحمر وبقي أهل التمدن الحديث زمناً وهم يأتون تصديق ذلك. وكان من الوأهم العام أن لأبناء اليونان ذوقاً معتدلاً جداً في نقش البناء. بيد أنه اكتشف في كثير من المعابد أثار نقوش لا تبقى مجالاً للشك حتى ادت الحال أن علموا بالتأمل فيها أن
стр. 1231
تلك الألوأن اللامعة لم تحسن اخراج الخطوط وكان عليها أن تحسنه أكثر من ذلك.
صنعة النقش اليوناني - يتراءى المعبد اليوناني بادئ بدء أنه ساذج لا زينة فيه وما هو الا علبة مستطيلة من حجر موضوع على صخر أما الواجهى فتحوي على شكل مربع تعلوه زاوية. فلا ترى لأول نظرة غير خطوط مستقيمة وأسطوانات حتى إذا نظرت فيها عن أمم تنكشف لك أنه ليس من هذه الخطوط المستقيمة العديدة الا خط واحد مستقيم في الحقيقة. فالسواري منتفخة نحو الوسط والخطوط القائمة منحنية قليلاً نحو المركز والخطوط الأفقية محدبة في الوسط.
وكان هذا من الدقة بحيث اقتضى قياسه بالتدقيق لاكتشاف الصنعة فيه. وقد لحظ النقاشون اليونان أن اخراج مثل هذا المجموع المتطابق من البناء يقتضى تجنب الخطوط الهندسية التي تظهر منحدرة وتوفير العناية بظواهر المناظر البعيدة. قال كاتب يوناني إن غاية النقاش أن يخترع طرقاً يسحر بها اعين ناس. ولقد كان أهل الصنائع في يونان يعملون باخلاص لأنهم يعتقدون عملهم قربى من أحد الأرباب لذلك كانت صنائعهم معتنى بها في كل أطرافها حتى فيما لا يرى منها وهي من المتانة بحيث بطول امد بقائها بعد لولم يعاجلها التخريب بشدة. ودام البارتينون إلى القرن السابع عشر سليماً وانشق شطرين بانفجار مخزن من البارود كان بقربه وقد جمعت النقش اليوناني إلى المتانة حسن ذوق وإلى السذاجة علماً ومهارة.
زالت معابد اليونان كلها تقريباً ويكاد يبقى بعضها مبعثراً مخدوشاً مهدماً متداعي الاركان وربما كانت طبقات من سوار على أنها تكفي على علاتها أن تفلت نظر من يراها.
النقش - لم يكن النقش عند المصريين والاشوريين الا زينة من توابع الابنية أما اليونأن فقد احلوه محل صناعة رئيسية. وأشهر أرباب الصنائع عندهم النقاشون فيدياس وبرا كسيتيل وليزيب. فينقشون التارز دون النصف من البناء ليزينوا جدران معبد وواجهته والبنية المثلثة في أعلى البناء. ومن هذا النوع الافريز الشهير في الباناتينيه المحيط بالبارتينون وهو يمثل تطواف شابات أثينة يوم الاحتفال بعيد الربة الكبيرة. وكان هؤلاء النقاشون ينقشون هياكل وتماثيل خاصة بعضها يمثل رباً ويستخدم صنماً وبعضها يمثل مصارعاً ظافراً في الالعاب الاحتفالية أقيمت له هذه التماثيل جزاء نصرته.
стр. 1232
واقدم التماثيل اليونانية منحدرة عوجاء تشبه النقوش الاشورية ثم غدت لدنة ظريفة وكانت أعظم الأعمال من صنع فيدياس في القرن الخامس وبراكسيتيل في القرن الرابع اما تماثيل القرون التالية فإنها على التأنق فيها أقل شرفاً وعظمة. وكان في نونأن الوف من التماثيل اذ أن لكل مدينة تماثيلها وقد تابع النقاشون عمل التماثيل بلا أنقطاع مدة خمسة قرون ولم يبق منها على كثرتها غير خمسة عشر تمثالاً لم تعبث به الايدي. ولم تنقل الينا طرفة من الطرق الشهيرة بين اليونان وأشهر تماثيلنا اليونانية اما أن تكون نسخة من الأصل مثل تمثال الزهرة في ميلوا او أعمالا أثرت عن عصر الانحطاط مثل تمثال ابولون في البلفيدير.
ومع هذا فقد بقي منها ما يكفي إذا أضيفت إليها قطع التماثيل والصور البارزة التي ما زالت تستخرج بالحفر لان يتصور المرء حالة النقش اليوناني ويكون له فكر اجمالي عنها المهندسون اليونأن فكروا أولاً في تمثيل أجمل الأجسام في مظهر وقور شريف. وما اضاعوا الفرص كلما سنحت ليشهدوا أجمل الرجال في أجمل الهيآت من محل الرياضة والجيش والمراقص والاجواق المقدسة فيدرسونها ويحسنون نقلها. وما ضاهأهم احد في محاكاة الجسم البشري ومن العادة أن يكون الرأس صغيراً في تمثال يوناني والوجه ساكناً كامداً ولم يعن اليونان مثلنا بمعاني الوجه بل يعتنون بجمال التخاطيط ولم يراعوا التناسب بين الأعضاء والرأس والجسم برمته مثال الجمال في التماثيل اليونانية.
صناعة الخزف - عرف اليونان أن يتخذوا من الفخار صناعة حقيقة دعوها سيراميك بقي منها اسمها فقط فالخزف أو الفخار لم يعتبر في يونان مساوياً لسائر الصناعات ولكن له منفعة عظيمة لنا وذلك اننا نعرفه أحسن من معرفتنا غيره فقد تداعت المعابد والتماثيل اما أعمال الخزافين اليونأن فقد حفظت بحالها في المدافن التي يعثر فيها عليها اليوم.
وقد جمع منها إلى الآن زهاء عشرين الف خزفة في متاحف أوروبا وهي نوعان: الأواني المنقوشة بنقوش سوداء او حمراء على اختلاف الحجم والشكل. والتماثيل الصغيرة المعمولة من التراب المطبوخ التي عرفت منذ خمس عشرة سنة وقد اشتهرت الآن او كادت منذ اكتشف الدمى البديعة في تاناكار من يبوسيا ومعظمها انصاب صغيرة وبعضها يمثل أولاداً او نساء.
стр. 1233
التصوير - اشتهرت في يونان عصابة من المصورين مثل زوكسيس وفارانيوس وايبل وكل ما اتصل بنا عنهم يرجع إلى بضع اقاصيص وربما كانت مبهمة في الاحايين أو إلى بعض أوصاف ذات صور. وانا للوقوف على حالة التصوير اليوناني قد اقتصرنا على ماعثر عليه من تصاوير الحوائط في بيوت إحدى المدن الايطالية وهي من القرن الأول للميلاد وكانها تقول بلسان الحال اننا لم نعرف عنها شيئا.
التجارة الأثينية - أصبحت أثينة في القرن الخامس مدينة كبرى على حين كانت اتيكيا أقليما مجدبا لا تغل ما يكفي لاعالة سكانها فتضطر إلى حلب الحنطة والخمر والسمن والسمك من الخارج. وقد كان عبيد أثينة على العكس يعملون الثياب والخزف والسلاح والأثاث مما يباع خارج بلادهم. فمن ثم كثرت أساليب التجارة. فكأنت البضائع ترد إلى مرفأ بيرا او تصدر منها وكانت أنشئت فيها ارصفة ومخازن وقد سماها احد الخطباء في القرن السادس بانها سوق بلاد اليونان بأسرها. وكانت تأتيها حأصلات بلاد الشمال خاصة ويحمل إليها من الداخلية في مواني البحر الاسود وتراسيا الحنطة والخشب والجلود والعبيد وكانت أثينة تتجر مع اليونأن النازلين في جنوبي إيطاليا إلى نابولي. وإذ كان لكل مدينة يونانية نقودها الخاصة بها فقد كان يأتي أثينة دراهم من ضروب مختلفة فاقتضى لذلك صيارفة يبدلونها وكانوا يدعونهم (ترأبيزيت) لأنهم كانوا يجلسون في الساحة وراء منضدة وكانوا كلهم تقريباً من الغرباء الذين أصبحوا ميتيكيين ثم انهم كانوا اتخذا مهنة اضافوها إلى مهنتهم تلك وهي اقراض النقود فيخزنون الدراهم ويقرضونها بفائدة فاحشة بنحو (٢٠ في المئة).
стр. 1234
حرب المورة
خصائص عامة - انقسم اليونأن إلى قسمين بعد تأسيس مملكة أثينة في الجزائر اليونانية فكانت المدن الساحلية خاضعة إلى أثينة والمدن الداخلية باقية بحت أمرة اسبارطة. وبعد خلاف طال أمره نشبت حرب بين اسبارطة وحليفاتها في ذاك الصقع من جهة وأثينة ورعاياها الساحلييين من الجهة الأخرى وكانت هذه الحرب هي المعروفة بحرب المورة. دامت سبعاً وعشرين سنة (٤٠٤ - ٤٣١) ولما القت اوزارها عادت فنشبت باسم آخر إلى سنة٣٦٠.
كانت تلك الحروب مشوشة بقتتل المحاربون فيها براً وبحراً يقتتلون في ارض اليونان وفي آسيا وتراسيا وصقلية أي في اصقاع مختلفة وكان جيش الاسبارطيون أحسن انتظاماً فجعل مقاطعة اتيكيا قاعاً صفصفاً وكان اسطول الأثينيين أكثر استعداداً فخرب الشواطئ ولم يؤثر عن تلك الحروب الناشبة بين المدن اليونانية الا الشدة ويكفي في وصفها الإشارة إلى بعضها. فقد كان احلاف الاسبارطيين في بدء الحرب يلقون في البحر جميع سلع المدن المعادية لهم فقابلهم الأثينيون بقتل سفراء اسبارطة بدون أن يستمعوا لاقوالهم.
خضعت مدينة بلاتيه صلحاً وكان وعد الاسبارطيون جماعة المحاصرين بانهم لا يعاقبون أحداً بدون محاكمة واليك مع هذا كيف كان قضاة الاسبارطيين يعاملون الاسرى: يسألون كل واحد منهم عما إذا قام في خلال الحرب بخدمة للاسبارطيون فكان نالاسير يجيب سلباً فيحكمون عليه بالإعدام.
وقد بيع النساء كالأماء. عصت مدينة مدللي على الأثينيين فاعادوها إلى طاعتهم ثم اجتمع الشعب الأثيني وبعد المشورة بينه قضى بإعدام سكان مدللي نعم إنه رجع من الغد عن رأيه وارسب باخرة ثانية تحمل العفو عن أولئك المنتقضين. بيد إنه كان نفذ حكم الإعدام على زهاء الف من سكان مدللي. وكان من العادة إذا دأهم جيش بلاد العدو أن يخرب البيوت ويقطع الأشجار ويحرق الغلات ويقتل الحرأثين. وبعد أنتهاء الحرب يجهز على الجرحى ويعمد إلى قتل الاسرى صبراً. وإذا جرى الاستيلاء على مدينة يؤول كل مافيها ملكاً للغالب فيباع رجالها ونساؤها وأولادها كما يباع العبيد. هكذا كانت إذا حقوق الحرب. وقد أوجزها توسيد في خطاب له في الجملة الآتية: قال تنقض المسائل بين الناس بواسطة قوانين العدل متى اضطروا إليها من الطرفين ولكن القوي يأتي ما في طاقته والضعيف
стр. 1235
يذعن له. فالأرباب يتسلطون بضرورة الفطرة لأنهم الاقوياء والناس يجرون على مثالهم.
الاستيلاء على أثينة - ولما تعب الشعبان من هذه الحرب الباطلة عقدا السلم بينهما ولكن امده لم يطل. وذلك أن أثينة بعثت بجيشها إلى صقلية لتفتح سيراكوس المحالفة لاسبارطة وهناك أحيط به وبعد النكبة سيراكوس أسر الجيش الأثيني برمته وطفق الغالبون يخنقون عامة القواد وجماعة الجند ومن ابقوا عليه انزلوهم إلى لاتومي وهي مقالع قديمة كانت تتخذ حبوساً القوهم فيها سبعين يوماً ومتزاحمين متراصين لا وقاية تقيهم حرارة الشمس في الصيف او رطوبة ليالي الخريف. فمات كثير منهم مرضاً وجوعاً وعطشاً لأنهم لم يكادوا يطعمونهم الا ما يسد رمقهم بعض الشيء وبقيت اشلاؤهم ملقاة على الأرض تفسد الهواء ثم اخرج أهل سيراكوس من بقي حياً من الأثينيين وباعوهم كما يباع الرقيق. وأقاموا الاسبارطيون حامية في جبال اتيكيا بحيث تمكنوا من توقيف تجارة أثينة مع بلاد الشام ومنها كانوا يأتون بالحنطة. وذهب ليزاندر القائد الاسبارطي إلى آسيا وأخذ مالاً من الفرس جهزيه اسطولاً وطاف شواطئ آسيا وإذ كان احلاف أثينة لا يقاتلون الا بالقوة تركوه وشأنه ثم أن ليزاندر حطم الاسطول الأثيني في آسيا (٤٠٥) وحاصر أثينة وأخذها جوعاً واضطرها إلى تخريب اسوارها وحرق سفنها الحربية.
стр. 1236
أين منى ما أريد
اريد لو استتب لي الخلود ... ولكن اين مني ما أريد
على أن البقاء يطيل همي ... وما في ريثه ما استفيد
وليس بنافعي شيئاً بقائي ... وقد غصت باحبأبي اللحود
ولكن كيف اقناعي لنفس ... تعلقها بدنياها شديد
أأصبر عن احبائي الأولي قد ... ثووا اني إذا رجل جليد
مشوا للموت من دار أقاموا ... معي فيها فاقفرت العهود
تثير ديارهم حزناً بقلبي ... وتوحشني التهائم والنجود
فإن بك في الاسى رجل وحيد ... فإني ذلك الرجل الوحيد
يسير إلى المقابر كل يوم ... اخ منها التراب به يزيد
ولو عاد الذي يمضي سلونا ... ولكن من يرحل لا يعود
وماهي حالة الشهداء فيها ... أايقاظ هنالك ام رقود
لعمرك لا يرد الموب حصن ... ولا هذي العساكر والجنود
يبيد نعم يبيد المرء لكن ... عناصره تدوم ولا تبيد
يدور الشيء من صفة لأخرى ... ولكن منه لا يفنى الوجود
وجسم المرء تبنيه خلايا ... زمان حياتها فيه زهيد
إذا مات منها فيه قسم ... يجيء مكانه قسم جديد
وينقطع التجدد حين يؤدي ... فلا يخضر بعد اليبس عود
إلا أن الحياة أعز شيء ... يحب وأنها الخصم اللدود
شقاء عم هذا الناس حتى ... تشتكي الشيخ منه والوليد
وقالوا تعض من يحيا سعيد ... فمن هو ذلك الحي السعيد
اتعكس حالة الشرق الليالي ... فتجتمع المعارف والجدود
لعمرك لا ينيل المجد مال ... ولا خيل ولا ابل ترود
ولا ثوب على طرفيه وشي ... ولا قصر على تل مشيد
قأن المجد ذب عن ضعيف ... تهضمه اخو الظلم العنيد
اداري الحاسدين رجاء أن الا ... يبالغ في مساءتي الحسود
стр. 1237
يضر النفس منه او يقيها ... فتى يلج الحوادث او يحيد
وأوقات الفتى اما نحوس ... تدور على المصائب او سعود
ليال هن بالافراح بيض ... وأيام من الاحزن تسود
كذاك الشعر فهو يكون اما ... رديئاً لايطيب به النشيد
واما رائق الألفاظ يزهو ... فتحسب أنه العقد الفريد
وذاك هو الذي إن أنشدوه ... تتزين منه للآداب حيد
أقول الشعر منقاداً إليه ... بطبعي وهو أكثره قصيد
فإنظمه ولا ادري أأني ... مسيء حين أنظم ام مجيد
اليك عن المجرة لا تسلني ... وعن عدد العوالم كم يزيد
ولا عما وراء السحب فيها ... فذلك أمر مطلبه بعبد
حدود تنتهي الأفكار منا ... وما أن تنتهي تلك الحدود
وبين الفرقدين على اتصال ... تراه عيوننا بعد مديد
ألكني يا ضياء إلى نجوم ... منورة لها منها وقود
يراها من له لب شموساً ... ويعمه عن حقائقها البليد
وجيء منها بأخبار الينا ... فإنك يبننا نعم البريد
سترقى النفس طائرة إليها ... إذا انفكت عن النفس القيود
لقد تعست هنا فإذا تعالت ... يكون نصيبها عيش رغيد
لعمرك قد تشابهت الليالي ... فما في عودها شيء جديد
نهار خلفه يأتي نهار ... وليل كلما ولى يعود
ترى عيني بكف الموت قوساً ... بها سهم إلى جهتي سديد
فياموت ارمني إن كنت ترمي ... فإني بالردى صب عميد
ولم ار منهلاً كالموت عذباً ... على طرفيه تزدحم الورود
أقول لم يهاب الموت جبناً ... برغمك كائن ما لا تريد
ولكني اخلف عند موتي ... نساء حزنها بعدي شديد
فتلد ام للجوى منها صدور ... وتخمش في الاسى منها خدود
стр. 1238
مرزأة وأخرى ذات نوح ... وأخرى ما لا عينها جممود
стр. 1239
حكم مقتبسة عن الإنكليز
الكمال
البساطة هي غاية الكمال في صفات المرء وأخلاقه وعبارته
اقصد الكمال في كل شيء
الكمال لا ينال الا مهلا مع مرور الزمان
لا ينال الرجل كمالاً إلا إذا كان له أصدقاء صادقون او أعداء الداء
إذا اقتلعنا من انفسنا رذيلةً واحدة في كل سنة شرعنا في سبيل الكمال
قياس الإنسأن القياس الأعلى
الكمال مكوّن من صغار الأمور وما الكمال بالأمر الصغير
الرجاء
آمالنا تقصد كالبزاة الشامخة أغراضاً في مرتفعات الهواء
لا شيء يؤيد النفس بالاقدام والمخاطرة في كل ما تطلبه كالأمل الوطيد
متى انحدرت غيوم العواصف كان المستقبل شديد الدجى لولاشروق الرجاء باشعته المبهجة في هذا العالم المظلم
إذا كان طبعك طبع الرجاء المتسع فذلك هو حصنك الوحيد المنيع الذي تحتمي به في هذا الوادي وادي الدموع
يستقيظ باكراً من يوقظه الرجاءُ وإذا رأفقه في الطريق كان سيره حثيثاً
الطاعة
الطاعة واجبة على الذين لا يعملون كيف يحكمون
الطاعة جيدة لا غنى عنها
ولدنا خاضعين لأحكام الله ومن اطاع الله كان حراً آمناً مرتاحاً (سنكا الفيلسوف الروماني)
الاشرار يطيعون خيفةٌ والصالحون على حب (أرسطو)
من لا يقدر على الطاعة لا يقدر على الحرية او على السلطة ومن لا يكون ادنى في شيء لا يكون أرفع في شيء
انني اتعلم كل ساعة تعليماً من تعاليم الطاعة
стр. 1240
السرور
من اسر غيره كأن ذلك سروراً لنفسه
كن بهجياً ما امكن لأن السرور لنفسه لاينحصر فينا بل هو كامل عظيم في سرور غيرنا
الصديق البهيج كنهار منير يضيء كل ما حوله
لا سعادة ثابته في الحياة الا لمن ينسى نفسه من اجل غيره
إذا كان الزحف نصيبي فازحف راضياً وإن كان الطيران نصيبي فاطير نشيطاً ولكنن سأجهد كل الجهد أن لا اكون مغموماً
الرفيق البهيج كمركبة لمن قد تعب في الطريق
آمال الدنيا التي قد يشغل الناس قلوبهم بها تخيب اوقد تصح ولكنها كالثلج الذي يغطي وجه الأرض ساعة او ساعتين ثم يزول (عمر المختار)
الشوق النفس إلى الكمال
الشوق إلى الكمال خفير قوي إلى الفضيلة
كل إنسان يتوق احياناً إلى مايجب عليه من معالي النفس
جزاء المرء الذي يشتاق إلى أعلى ما تتصوره النفس هوانه لا ريب له فيها
كل ما على الأرض اظلال لأشياء في السماء هي وحدها الباقية
لاريب في أن التصورات العالية ثابته الوجود
الكمال الذي يتخيله الإنسان آفة لما عنده من نقص الكمال
التشوقات الخيالية بعيدة جداً عنا فلنرض بالسعي وبما يمكن من الدنو إليها.
التأمل والتذكير
تذكر مراحم الله السابقة علاج دافع للقنوط في يوم الشدة
ما مضى فقد إلى الابد وهو مجموع مذخور ولكنه لم يبق لنا فكل كلمة نطقنا بها وكل خطوى نخطوها لايمكن استراجعها
إذا نظرنا إلى ما مضى من الشدائد رأينا أن بعضها كإن خيراً عظيماً يفوق ما تحملناه من مشقتها
إذا تردد فيك العقل وارتاب فاذكر ما مضى واهتد به واذهب إلى البيت الذي ولدت فيه وإن
стр. 1241
كان قد ولد الإيمان هناك فردد ما كان يعتقد ابوك والصلاة التي كانت تصليها امك
التذكر مهما كان محزناً فهو أفضل العلائق التي تصل حياة الدنيا بحياة الآخرة.
العادة
العادة حبل ننسج منه خيطاً كل يوم إلى أن نبلغ حجماًُ لا يمكن قطعه
رب في نفسك عادة الانتباه الشديد إلى كل أمر يعرض لك سواء كان في القراءة أو المراقبة أو الاصغاء إلى التعليم
العادة افعل النواميس التي تعمل في الفطرة البشرية
تتكون فينا العادات كما يتراكم الثلج بعضه فوق البعض
عادة النظر إلى الأشياء بالسرور وتأمل الحياة بالأمل تتربى فينا كغيرها من العادات
تتكون العادات الحسنة بأعمال العقل والمجاهدة الدائمة للتغلب على المحن
النصيب
كل أمريء عامل على نصيب نفسه
إذا قرع النصيب بابنا فمن الخطأ أن لا نفتح له ونرحب به
دولاب النصيب يدور أبداً ومن يستطيع أن يقول انني سأكون اليوم إلى الأعلى؟
стр. 1242
السجن
سكنا ولم يسكن حراك التبدد ... مواطن فيها اليوم ايمن من غد
عفا رسم مغنى العز منها كما عفت ... (لخولة اطلال ببرقة ثهمد)
بلاد اناخ الذل فيها بكلكل ... على كل مفتول السبالين اصيد
معاهد عنها ضل سابق عزها ... فهل هو من بعد الضلالة مهتد
أحاطت بها الارزاء من كل جانب ... إلى أن محتها معهداً بعد معهد
وحلق في آفاقها الجور بازياً ... مطلاً عليها صائتاً بالتهدد
وينقض احياناً عليهافتارة ... يروح وفي بعض الاحايين يغتدي
فيخطف اشلاء من القوم حية ... ولم يقد المقتول منها ولم يد
ويرمي بها في قعر اظلم موحش ... به اين تسقط جذوة الروح تخمد
هو السجن ما إدراك ما السجن انه ... جلاد البلايا في مضيق التجلد
بناء محيط بالتعاسة والشقا ... لظلم بريء او عقوبة معتدي
زر السجن في بغداد زورة راحم ... لتشهد للانكاد افجع مشهد
محل به تهفو القلوب من الاسى ... فإن زرته فاربط على القلب باليد
مرّبع سور قد أحاط بمثله ... محيط بأعلى منه شيد بقرمد
وقد وصلوا ما بين ثان وثالث ... بمعقود سقف بالصخور مشيد
وفي ثالث الاسوار تشجيك ساحة ... تمور بتيار من الخسف مزبد
ومن وسط السور الشمالي تنتهي ... إليها بمسدود الرتاجين موصد
هي الساحة النكراء فيها تلاعبت ... مخازيق ضيم تخلط الجد بالدد
ثلاثون متراً في جدار يحيطها ... بسمك زهاء العشر في الجو مصعد
توأصلت الاحزأن في جنباتها ... بحيث متى يبل الاسى يتجدد
تصعد من جوف المراحيض فوقها ... بخار إذا تمرر به الريح تفسد
هناك يود المرء لو قاء نفسه ... وأطلقها من اسر عيش منكد
فقف وسطها وانظرحواليك دائراً ... إلى حجر قامت على كل مقعد
مقابر بالاحياء غصت لحودها ... بخمس مئتين انف ساو بازيد
وقد عميت منها النوافذ والكوى ... فلم تكتحل من ضوء شمس بمرود
стр. 1243
تظن إذا صدر النهار دخلتها ... كانك في قطع من الليل اسود
فلو كان للعباد فيها أقامة ... لصلوا بها ظهراً صلاة التهجد
يزور هبوب الريح الا فناءها ... فلم تحظ من وصل النسيم بموعد
تضيق بها الانفاس حتى كانما ... على كل حيزوم صفائح جلمد
وحتى كان القوم شدت رقابهم ... بحبل اختناق محكم القتل محصد
بها كل مخطوط الخشام مذلل ... متى قيد مجروراً إلى الضيم ينقد
يبيت بها والهم ملءاهابه ... بليلة متبول الحشا غير مقصد
يمييت بمكذوب العزاء نهاره ... ويحيى الليالي غير نوم مشرد
ينوء باعباء الهوان مقيداً ... ويكفيه أن لو كان غير مقيد
وتقذفهم تلك القبور بضغطها ... عليهم لحر الساحة المتوقد
فيرفع بعض من حصير ظلالة ... ويجلس فيها جلسة المتعبد
وليست تقيه الحر الا تعلة ... لنفس خلت من صبرها المتبدد
وبالثوب بعض يستظل وبعضهم ... بنسج لعاب الشمس في القيظ يرتدي
فمن كان منهم بالحصير مظللا ... يعدونه رب الطراف الممدد
ترأهم نهار الصيف سفعا كانهم ... اثافي أصلاها الطهاة بموقد
وجوه عليها للشحوب ملامح ... (تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد)
وقد عمهم قيد التعاسة موثقاً ... فلم يتميز مطلق عن مقيد
فسيدهم في عيشه مثل خادم ... وخادمهم في ذلة مثل سيد
يخوضون في مستنقع من روائج ... خبائث مهما يزدد الحر تزدد
تدور رؤوس القوم من شم نتنها ... فمن يك منهم عادم الشم يحسد
ترأهم سكأرى في العذاب ومأهم ... سكأرى ولكن من عذاب مشدد
وتحسبهم دوداً يعيش بحمأة ... وما هو من دود بها متولد
الا رب حر شاهد الحكم جائزاً ... يقود بنا قود الذلول المعبد
فقال ولم يجهز ونحن بمنتدى ... به غير مأمون الوشابة ينتدي
على أي حكم املاية حكمة ... ببغداد ضاع الحق من غير منشد
стр. 1244
فادنيت للنجوى فمي نحو سمعه ... وقلت لأن العدل لم يتبغدد
رعى الله حياً مستباحاً كانه ... من الذعر اسراب النعام المطرد
وما صاحب البيت الحقير بناؤه ... بافزع من رب البلاط الممرد
وماذا ك إلا أنهم قد تخاذلوا ... ولم ينهضوا للخصم نهضة ملبد
فناموا عن الجلى ونمت كنومهم ... سوى نوحة مني بشعر مغرد
وهل انا الا من أولئك إن مشوا ... مشيت وإن يقعد أولئك اقعد
وكم رمت ايقاظاً فاعيا هبوبهم ... وكيف وعزم القوم شارد مرقد
نهوضاً نهوضاً ايها القوم للعلى ... لتبنوا لكم بنيان مجد موطد
تقدمنا قوم فابعد شوطهم ... وقد كان عنا شوطهم غير مبغد
وسد علينا الاعتساف طريقنا ... فاحجف بالغوري والمتنجد
افي كل يوم يزحف الدهر نحونا ... بجند من الخطب الجليل مجند
فيارب نفس من كروب عظيمة ... ويارب خفف من عذاب مشدد
بغداد
معروف الرصافي
стр. 1245
كتاب الاشربة
لابن قتيبة
وإنما معنى قوله (انما الخمر والميسر والانصاب والازلام وجس) أي معصية والكفر والنفاق والمعاصي رجس يدلك على ذلك أن الازلام هي القداح فاي نتن لها؟ وهذا مثل قوله: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ أي نفاقاً إلى نفاقهم ومثله ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ وكيف يكون رجساً أي نتناً وهي في الجنة؟ وقال الله تعالى: ﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ فوصفها باللذاذة ولم يصف بذلك عيرهما مما ذكر معها. وقال: ﴿يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً﴾ ولم يرد فيما يرى أهل النظرأن الزنجبيل يلقى فيها وإنما أرادوا إنها تلذع اللسان كانها مزجت بزنجبيل. والشعراء تصف أفواه النساء براح مزجت بالزنجبيل. قال المسيب ابن علس
وكان طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر
وقال الأعشى بمشبهه بالزنجبيل والعسل:
كان جنياً من الزنجبي ... ل بات بفيها وأريا مثورا
وقال الجعدي
وبات فريق منهم وكانما ... سقونا طفا من اذرعات مفلفلا
ولهذا يقول الشعراء للخمر مزة للذعها اللسان ولا يريدون الحموضة وقال بعض أصحاب اللغة: إنما مزّة بفتح الميم أي فاضلة من قولك: هذا أمز من هذا أي أفضل وأرفع. وقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون) فنفى عن خمر الجنة عيوب الخمر الدنيا وهو الصداع ونفاذ الشراب وذهاب العقل والمال ونحو هذا قوله في فاكهة أهل الجنة (لا مقطوعة ولا ممنوعة) فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا لأن فواكه الدنيا تأتي في وقت وتنقطع في وقت ولأنها ممنوعة الا بالثمن والعرب تسمي الخمر درياقة يريد انها شفاء كالدرياق. قال ابن مقبل
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عظامي تلن
وقال الله تعالى ﴿ويسئلونك عن الخمر والميسر قل فيها اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما﴾ فالإثم العذاب وكذلك الآثام قال: ﴿ومن يفعل ذلك يلق إثاما﴾ أي عقاباً وأما
стр. 1246
منافعهما فكثيرة لا تحصى. وإنما تقع مضارها مع إكثار وتجاوز المقدار فأما الاقتصار فلم يكن لشاربيها قبل التحريم فيها مضار. فمن منافعها ما يصيبه للناس من أثمانها ولو لم تعتصر الأعناب لبارت على أهلها. ومن ذلك منفعتها الجسم لأنها تدر الدم وتقوي المنة وتصفي اللون وتبعث النشاط وتفتق اللسان ما أخذ منها بقدر الحاجة فإذا أخذ الإفراط فكل شيء مع الإفراط يضر.
وكأنت الأوائل تقول: الخمر حبيبة الروح وكان رجل من قدماء الأطباء إذا دخل على عليل لم ير فيه موضعاً لسقي الدواء سقاه الخمر الريحانية الممزوجة بالماء ليلقي الروح بحبيبه ويبعث من النفس بالمسرة ما قد أسقطه الداء فإن رأى العليل قد قوي قليلاً واحتمل بعض الدواء عالجه. قالوا: ولذلك اشتق لها اسم من الروح فسميت راحاً وأصل الراح والروح والرَّوح من موضع وأحد الا أنهم خالفوا بينها في البناء ليدل كل واحد منها على معناه ويقارب معانيها كتقارب أسمائها فالروح روح الأجسام والروح النفخ لأنه ريح يخرج عن الروح والروح طيب النسيم والروح هي الريح الهابة.
والراح على فعل وأصله روح فقلبت واوه ألفاً لما أنفتحت ما قبلها ثم اشتقوا الريحان من ذلك لرائحته وربما سموا الخمر روحاً قال النظام:
مازلت أخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح
وربما سموا الخمر دماً لأنها تزيد في الدم والنفس تتصل بالدم. وكذلك قالوا: نفست المرأة إذا حاضت. وقالوا نفساه لسيلأن الدم. قال المسلم:
خلطنا دماً من كرمة بدمائنا ... فاظهر في الألوان من الدم الدم
وحدثني الرياشي عن مورج عن سعد بن سماك عن أبيه عن عبيد راوية الاعشي قالت: قلت للأعشى: اخبرني عن قولك
ومدامة مما تعيق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء يريدان حمرتها صارت دماً. وقال الطثرية
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
وفي الخمر انها تسخي البخيل وتستخرج من اللئيم. قال عمرو بن كلثوم:
стр. 1247
مشعشة كان الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
ترى اللخر الشحيح إذا مرت ... عليه لماله فيها مهيبا
قوله: سخينا من السخاء وأراد بقوله إذا ما الماء خالطها لأنها لا تمزج الا عند الشرب قال طرفة:
وإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل جواد وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحقون الأرض هداب الأزر
وقد عيب بهذا طرفة لأنه مدحهم بالعطاء وهم نشاوي ولم يشترط لهم ذلك في صحواتهم كما قال عنترة
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما اقتصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
والجيد في هذا المعنى قول زهير
اخو ثقة لا يذهب الخمر ماله ... ولكنه قد يذهب المال نائله
يريد أنه يعطى إذا بخلت النفوس. وقال ابن ميادة
ما أن الح على الإخوان اسألهم ... كما يلح بعظم الغارب القتب
وما أخادع ندماني لأخدعه ... عن ماله حين يسترخي به اللبب
وقال بعض المحدثين
كساني قميصاً مرتين إذا انتشى ... وينزعه مني إذا كان صاحيا
فلي فرحة في مسكرة وانتشائه ... وفي الصحو ترحات تشيب النواصيا
فياليت حظي من سروري وتر حتي ... ومن جوده أن لا علي ولا وليا
وفي الخمر أنها تشجع الجبان وتبعث الحصر العي وقيل للعباس بن مرداس في جاهليته لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد من جرأتك؟ الترك وكثير من العجم يشربونها في الحرب وكانوا في الجاهلية ينالون منها يوم اللقاء وكذلك اصطحبها قوم من المسلمين يوم بدر قبل أن ينزل تحريمها وفي الخمر أن كل شارب يمل شرابه غير شرابها وإن أحداً لا يقدر يشرب منها فوق الري إلا بالكره للنفس على القليل غير شارب الخمر وما أشبهها من المسكر. حدثني القطعي عن أبي داوود قال حدثنا أبو بجرة عن الحسن قال: لو كان في شرابهم هذا
стр. 1248
خير لرووا منه وفي الخمر أنها تزيد في الهمة والكبر وتهيج الأنفة والأشر وسقى قوم إعرابياًكؤوساً ثم قالوا له: كيف تجدك؟ قال أجدني اسر واجدكم تحسنون إلي وقال الأخطل
إذا ما زياد علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت اجر الذيل من كانني ... عليك أمير المؤمنين أمير
العلل بين النهل فلذلك قال ثلاث زجاجات لأنها نهل وعللان قال المنخل
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير
فإذاسكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير
وقال الأعشى:
ولقد شربت ثمانياً وثمانياً ... وثمان عشر واثنتين وأربعا
من قهوة باتت ببابل صفوة ... تدع الفتى ملكاً يميل مصرعاً
وقال الخمر انها تمد في الأمنية قال الأعشى
لعمرك أن الراح إن كنت شاربا ... لمختلف آصالها وغدائها
لنا من ضحاها خبث نفس وكابة ... وذكرى هموم ما تغيب اداتها
وعند العشي طيب نفس ولذة ... ومال كثير عده نشواتها
وفي الخمر انها تطيب النفس وتذهب الهم وكانت ملوك العجم تجعلها مجمة للقلوب ومستراحاً من الشغل. قال اعرأبي كان يشرب النبيذ ثم تركه وشرب اللبن
قد تركت النبيذ مذ كن عندي ... وتحسيت رسلهن مذيقا
فوجدت المذيق يوجع بطني ... ووجدت النبيذ كان صديقا
تعد النفس بالعشي مناها ... وتسل الهموم سلاً رقيقاً
وذكر الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمي ران جبلة بن الايهم
قال لحسان: يا ابا الوليد اني مشغوف بالخمر فذمها لي فقال:
لولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرع ... دني وأن العقل ينأى فذهب
فقال: أفسدتها فامدحها فقال:
стр. 1249
لولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... كأفضل مال يستفاد ويطلب
أمانيها والنفس يظهر طيبها ... على همها والحزن يسلى فيذهب
وفي الخمر إن كل شارب على شرابه يصبر عنه غير الخمر فإن لها ضراوة لا يشبهها الا ضراوة اللحم. وكان عمر ﵁ يقول: اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر. وقالوا: أهلك الرجال إلا حمرأن اللحم والخمر. وأهلك النساء إلا صفرأن الذهب والزعفران. وقال الشاعر حين منع أهل الشام من شرب الخمر:
الم تر أن الدهر يعبر بالفتى ... ولا يملك الإنسان صرف المقادير
صبرت ولم اجزع وقد مات إخوتي ... وما أنا عن شرب الطلاء يصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر
فهذه وما أشبهها منافعها في الجاهلية وأما منافع الميسر فإن أهل الثروة والأجواد من العرب كانوا في شدة البرد وجدب البلاد وكلب الزمان ييسرون أي يتقأمرون بالقداح وهي عشرة اقداح على جزور يحزئونها على ثمانية وعشرين جزءا وقد ذكرت هذا في كتاب الميسر وبينت كيف كانوا يفعلون فإذا قمر أحدهم جعل أجزاء الجزور لذوي الحاجة وأهل المسكنة واستراش الناس وعاشوا وكأنت العرب تمدح بأخذ القداح ويعيب من لا ييسر وتسميه البرم قال متمم يرثى أخاه مالكاً
ولا برما تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
ولم اسمع أحداً من الإسلاميين ذكر أنه قأمر بالقداح فافحش افحاش القائل وهو الأخطل:
ولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست باكل لحم الاضاحي
ولست بقائم كالعير ادعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وآكل ما تفوز به قداحي
قال: واما ذمهم شربه المسكر بقلة الوفاء وسوء العهد فاسوأ من ذلك اقدامهم على السكر وترك الصلاة وركوب الفواحش واعجب منه عقدهم على أن كل مسكر خمر محض لعلة الاسكار وهم يشربونه وعلمهم بأن الله حرم المسكر وهم لا يبيتون الا عليه فإذا عوتبوا على شربه مع الاعتماد أنه خمر قالوا: لان نشربه ونحن نعلم أنه ذنب نستغفر الله منه احب الينا من أن نشربه مستحلين له غير مستغفرين منه. وما ادري أمن الجرأة على الله
стр. 1250
اعجب ام من العلة.
أما الجرأة على الله والاقدام على ماحرم في كتابه عندهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم وأما العلة فالطمع في المغفرة وهم مصرون لا ينصرم عنهم يوم جمعتهم الا عقدوا النية على الاجتماع في غده او بعد غده وإنما يغفر الله بالاستغفار للمقلعين ويتقبل من المتقين وكيف ما جاهروا الله بالعصيأن فيه وهم مستيقنون اسلم مما ركبوه وهم غارون وماذا يقولون في رجل زنى وهو لا يعلم أن الله حرم الزنا وآخر زنى وهو يعلم أن الزنا من الكبائر التي تسخط الرب وتوجب النار ايهم اقرب إلى السلامة وأولى من الله بالعفو او ليس أهل العلم على أن الذي لا يعلم لا حد عليه من جلد وتعزير ولا رجم وإن على الآخر حد البكر إن كان بكراً وحد المحصن إن كان محصناً فهذه أحكام الدنيا واما أحكام الآخرة فلولا كراهة التألي على الله لقلنا في الذي ركب الفاحشة وهو لا يعلم أن الله حرمها معفو عنه.
وقد روي أن رجلاً اقرّ بالزنا بأم مثواه فلما أمر بأقامة الحد عليه قال: ما علمت أن الله حرم ذلك فاستحلف ثم دريء عنه الحد. وكأنت العلماء تنهى العوام عن كثرة السؤال وقالوا لان يؤتى السيء على جهل به اسلم من أن يؤتى على علم. وقال رسول الله ﷺ : البر ما سكنت إليه القلوب واطمأنت اليه النفوس والاثم ما حاك في صدرك فكرهت أن تطلع عليه الناس.
стр. 1251
التقية
لما قرأ احد كبار علماء دمشق ما كتبناه في التقية في الجزء الثالث من مجلد هذه السنة كتب الينا يقول: (ان مسألة جواز التقية قولاً وعملاً عند الصفرية الزيادة فيه نظر اذ المعلوم انها جائزة عندهم قولاً لا عملاً لأن المذاهب فيها عند الخوارج ثلاثة عدم جوازها أصلاً عند الازارقة وجوازها قولاً وعملاً عند النجدات وجوازها قولاً لا عملاً عند الصفرية الزيادية)
وقد عقد في كتاب مشارق العقول لعبد الله بن حميد السالمي العماني الاباضي فصل في التقية فقال:
اجز تقية بقول أن خلص ... من نيل ضر من به القول يخص
وأمنعها في إتلاف نفس انجنى ... والخلف في إتلاف مال ضمنا
ولم تجز تقية بالفعل ... كالحرق والغرق ومثل القتل
لكن جواز ما أبيح في الضرر ... كالأكل للميتة والدم اشتهر
ومكره جاء بما الحد يجب ... عليه في أن لا يحد نستحب
وقال ابن حزم في الملل والنحل: وقد اجمع أهل الإسلام على أن إنساناً لو سمع مظلوماً قد ظلمه سلطان وطلبه ليقتله بغير حق ويأخذ ماله عصباً فاستدر عنده وسمعه يدعو على من ظلمه قاصداً بذلك السلطان فسأل السلطأن ذلك السامع عما سمعه منه وعن موضعه فإنه إن كتم ما سمع وأنكر أن يكون سمعه او أنه يعرف موضعه او ماله فإنه محسن مأجور مطيع لله وإن صدقه فاخبره بما سمعه منه وبموضعه وموضع ماله كان فاسقا عاصياً لله فاعل كبيرة مذموماً نماماً وقد أبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية.
ونقل الأستاذ غولد سير في رسالته التقية في الإسلام عن بعض علماء الشيعة: أن الله جعل هذه التوريه مما حفظ به شيعتنا ومحببنا. ونقل: مؤمن لاتقية له كمثل جسد لا رأس له.
ونقل من كتاب كشف القناع عن وجوه حجة الإجماع أن أمير المؤمنين كان منذ قبض الله نبيه في حال التقية ومداراة ومدافعة لاستيلاء من استبد بالأمر الخ. . . أن التقية لم تفارقه ولم يجد منها بداً في حال من الأحوال ولم يتمكن من تتبع أحوال القوم وكان يقول لقضاته وقد سألوه بماذا نحكم فقال: أحكموا بما كنتم تحكمون حتى يكون الناس على جماعة أو أموت كما مات أصحأبي.
стр. 1252
هذا ما أتانا من القول بعد طبع ذاك المبحث فألحقناه به تتمة له والغاية منه كما علمت تاريخيه اجتماعية صرفة وذلك لأن للتقية علاقة كبرى بمجتمعنا ونهضتنا.
стр. 1253
التعليم في ألمانيا
أعظم حسنة تسجل لألمانيا فصلها التعليم الديني عن التعليم الذنيوي بدون أن تمس أحدهما بسوء وتعطي لأحدهما ما سلبته من الثاني ولذلك استقام أمرها وأصبحت مدرسة العالم فلم تغل في محاربة الدين كفرنسا ولم تبالغ في التعصب له كاسبانيا بل كانت بين بين واليك ما قاله صاحب كتاب ألمانيا الحديثة ونشوئها في كيفية فصلها للتعليمين على اسلوب حكيم قال ماترجمته:
جاهدت ألمانيا في سبيل نشؤها المادي ولم تترك الجهاد في طريق ارتقائها العلمي وإحداث تعليم وطني لبلادها تتعاوره الايدي بالإصلاح كل حين.
ومن المحقق أن الحكومة الألمانية أخذت على نفسها أن تنظم قواها الدفاعية والهجومية وإن تنمي شعبها وثروتها وتسهر على امن رعاياها ورفاهيتهم المادية ولكنها لم تقف عند هذا الحد في القرن التاسع عشر بل ما كاد يطلع فجره حتى قام الفيلسوفإن فيختي وهيجل يحققأن الأماني بما أنشآه من الاوضاع العلمية ويدلأن الألمان على الطرق التي تبلغ بهم أقصى درجات الارتقاء.
ومابرح هذا الاعتقاد منذ نهض هذان العظيمان ينتشر ويقوى حتى ادى إلى نتيجتين عظيمتين إحداهما تولي الحكومة لادارة التعليم بدل الكنيسة وأخذها على عاتقيه تنسقه ومراقبته وتوفرها على نشره على اختلاف درجاته توفراً لم يسبق له نظير وثانيتهما أن الأمة انتظمت حالها على التدريج فايقنت بما تسأل عنه مع جميع أفرادها ورأت أن من واجبها أن تحتفظ برأس مالها الإنساني فتحمي المساكين والضعفاء خاصة وتدفع عنهم عوادي الهلاك واسواء الفساد الأدبي وتمد إليهم يد المعونة في الازمات وتقيهم عوارض العجز والزمانة.
وهكذا كان نجاح التعليم العام وتنظيم التضامن الاجتماعي أول مابذلت الحكومة الألمانية عنايتها به.
أخذت الحكومة أولا بالتتابع تصبغ التعليم بصبغة عامية وتسلب من الكنيسة هذا الحق بعد أن كان في القرون الوسطى لها وحدها القول الفصل في شؤون التعليم. ففي أواخر القرون الوسطى سقطت الكليات تحت مراقبة الحكومة وبعد دخول عهد الإصلاح (قيام لوثيروس المصلح في النصرا نية) سقطت في يدها المدارس الثانوية أيضاً. وفي القرن الثامن عشر
стр. 1254
والتاسع عشر جاء دور المدارس الابتدائية فآل أمرها إلى الحكومة تصرفها كما تشاء وتهوى.
قبضت بيدها على أزمة التعليم وأخذت في إدخال التغيير عليه. فقد كأنت الكليات والمدارس اللاتينية فيما سبق ترى من أهم واجباتها أن تخرج رهباناً ولاهوتيين فتعنى المدارس الابتدائية بنشر مبادئ الاعتقاد الديني بين الأمة لم تلبث أن نزعت عنها الصفة الدينية فأصبحت مجامع علمية لا يتصدر فيها اللاهوتيون اليوم كما كانوا امس ولا يتصدر فيها الفلاسفة واللغويون كما كانوا في أوائل القرن التاسع عشر بل الصدارة فيها كل الصدارة لرجال العلم والأطباء.
انتظمت المدرسة الألمانية على صورتها الحاضرة في أوائل القرن التاسع عشر وخلعت عنها اللباس الديني بل صبغة الفكر الأدبي المولد من الحضارة اليونانية التي ازدهرت دراستها على ذاك العهد في ألمانيا وانشأت تعلم تعليماً من مجملات العلوم كعلم اللغات والتاريخ والرياضيات والعلوم الطبيعية. ثم نزعت يدها من يد الكنيسة بتحريص بستالوزي وأخذت تلقي في نفوس التلاميذ الاعتماد على النفس وحب العمل وتبث فيهم بحسب مطالب اللاهوت الأدبي الذي قال به (كانت) الفيلسوف القول بحب الذات او بالشخصية الحرة المستقلة.
ولئن كان التعليم العام نحو منتصف القرن الثامن عشر قد بقي على صبغته الدينية ولاسيما في البلاد التي تنتشر فيها الكثلكة فإن المدرسة الابتدائية في القرن التاسع عشر أصبحت على التدريج مدرسة وطنية تشرب فيها قلوب الشبأن محبة للوطن كانها دين ثان. كل ذلك بفضل العناية التي صرفت لتعليم اللغة الألمانية وتاريخ ألمانيا.
ولا يزال الكنيسة إلى اليوم تأثير مهم في ألمانيا ولاسيما في دائرة التعليم الابتدائي.
وقد ظلت المدرسة على الجملة تقر بالإيمان وتعترف به ومازالت تعلم تعليماً دينياً اعتقادياً.
ومن العجب أن ترى ثمت مدارس كاثوليكية اوبرتستانتية او إصلاحية تعلم تحت حماية الحكومة حقائق دينية بادية التناقض وهي خاضعة في كثير من الأحوال للتفتيش الكنائسي. وقد ثبت أن الاصوات ما برحت تعلو بالشكوى من هذه الحالة فيشتكي المخالفون من الزام أولادهم بتعليم مناف لإيمانهم او لمعتقدهم العلمي.
стр. 1255
حتى انك لترى في المعلمين كثير يقيمون الحجة على الاكراه في تعليم الدين بحسب قانون لا ينطبق على معتقداتهم الدينية الخاصة. وهناك حزب عظيم من القوم يطالب على الدوام بالاستكثار من المعاهد التي تقبل التلاميذ من كل المذاهب.
والظاهر أن ألمانيا لاتنوي الان نزع النصرانية من المدرسة حتى أن أرباب الأفكار الحرة وهم بعيدون عن كل معتقد لا يرون بان نزع الصبغة الدينية من التعليم في ألمانيا هو من الممكن او مما يرغب فيه وهم معتقدون بانه متى أصبحت المدرسة (كافرة) لا دين لها يحول قسم وافر من سكان البلاد ولاسيما من الكاثوليك وجوههم عن المدارس العامة وينظمون لأبنائهم مدارس خاصة يتلقى فيها الأبطال التعليم الديني الذي يراه ذووهم ضرورياً لهم. على أن جمهور كبير من الألمان لا يرون (المدرسة الحرة) على الطريقة الفرنسوية من الانموذجات التي تحتذي والأمثلة التي ينسج عنها.
يرى المسيو بولسان وهو من مشاهير المؤرخين في علم التربية ومن أرباب التأثير أن فرنسا الكاثوليكية إن رأت اضطرارها إلى تأسيس مدرسة عامية حرة لتكون متشبعة بالروح الوطنية فإن هذه الضرورة لم توجد لحسن الطالع عند الألمان لأنهم اعتادوا مجاراة للنشوء الديني أن يوفقوا بين العلم والدين والمعرفة والإيمان ولهم من التوراة اداة لا مثيل لها من التربية الأدبية لا تغني عنها أجمل الشذرات المنتخبة من كتب الآداب العامة. إذا فلا مانع الأساتذة من احتفاظهم بالتعليم الديني والتوارة وإن يعدوا عقول النابتة الألمانية لتعليمها مبادئ النصرانية التاريخية مشذبة من صبغتها الدينية مقتصراً على مافيها من لباب الآداب. اما أنا فلا اعجب مما يذهب إليه العالم المشار إليه من هذا التوفيق إذا كان هوالمقبول بين أهل الطبقة الوسطى في البلاد أكثر من المذهب المتطرف الذي ينبذ من المدرسة كل تعليم ديني.
فالتعليم العام على هذا الوجه بتحرر من قيوده كما أنه يكون أكثر انصباغاً بالصبغة الديمقراطية.
ولقد كان التعليم في ألمانيا بادئ بدء مقصوراً على طائفة خاصة من الناس ثم صار تعليماً اكليريكياً في القرون الوسطى ثم عالياً وارستقراطياً على عهد النهضة (سنة ١٤٥٣) إلى القرن الثامن عشر ثم أصبح مدنياً بامتتزاجه بفلفسة إنكار الوحي والانصياع بصبغة
стр. 1256
الحضارة اليونانية فساغ بذلك لأهل الطبقة المتحضرة. ومن الألمان أن يرأسوا الحركة العقلية. وفي القرن التاسع عشر اقتربت ألمانيا شيئاً مما كانت ترمي إليه من التهذيب الوطني الذي نادى به فيختي فيخطبه للامة الألمانية.
زالت الحواجز التي كانت تحول دون اصناف التعليم ولم تبق اللغة اللاتينة لغة إجبارية لكل من أراد التهذيب العالي. وانتزع من المدرسة المدنية على التدريج ما كان لها سابقاً من صبغة مدرسة لاتينية وكان من النجاح الذي تم للمدارس الابتدائية او قرب بينها وبين المدارس الثانوية وإن قلت على التوالي مسافة الخلاف بين الأساتذة الذين تخرجوا في المدارس الدينية وبين الأساتذة الذين تلقوا التعليم العلمي لاسيما وأن التعليم على اختلاف درجاته أصبح يلبس ثوب العمل والحقائق. وكان تعليم الطبقات العالية في المجتمع الألماني في أواخر القرن الثامن عشر عبارة عن تحسين الذوق والأدب فخلف هذا التعليم في أوائل القرن التاسع عشر التعليم الأدبي. وقد رأينا النشوء نحو الفلسفة الحسية الذي تم بين الطبقات المستنيرة وكان من أمر هذا النشوء بالطبع رد فعل في معاهد التعليم فغدا التعليم على اختلاف درجاته أكثر تشبعاً بالروح الأدبية أو الفلسفية وأقل تمسكاً بالنظريات. وقامت بجانب المدرسة الأدبية مدارس احدث من مدارس الفلسفة الحقيقية والحسية وزادت العناية بتعليم العلوم واللغات الحية فكانت وافية بحاجات أهل المدن الصناعية أو التجارية ونشأت بالقرب من الكليات في كل مكان مجامع علمية ما زالت على ارتقاء ونماء. وهكذا أخذ يتداعى الحاجزالقديم الذي كان قائماً بين المتعلم في القديم العلوم الأدبية واللغوية والأمي الذي لم يكن وأحداً للكل بل يحق لكل فرد أن يأخذ منه بقدر ما تسمح له قواه الطبيعية والعقلية محل التهذيب الأدبي واللغوي الخاص بعلية القوم وأهل الطبقة المستنيرة منهم.
وعلى الجملة فقد عملت ألمانيا في خلال القرن الماضي بهمة لم تعرف الوناء في سبيل نشر العلم بين جميع أبنائها والاشك أن حماستها في ميدان المدارس اختلفت صعوداً وهبوطاً في تلك الحقبة من الزمن. فكانت شديدة للغاية في خلال الثلث الأول من القرن الذي وضعت فيه أسس تنظيم التعليم العام من المدرسة الابتدائية إلى الكليات ثم بردت في خلال الثلث الثاني من نالقرن خاصة فكانت حكومات ألمانيا على عهد الثورة بين سنتي ١٨٣٠و ١٨٧٠ يحذرون بل يعادين التعليم العام ولكنه عادت إليه حياته غداة الغلبة التي
стр. 1257
كتبت لبريوسيا وتوطيد كلمة الأمبراطورية.
وقد جرى بين الناس جرى المثل بأن المعلم الألماني كان هو الظافر الحقيقي في معركتي سادوفا وسيدان وأن الغلبة ألمانيا اتتها في الحقيقة من سر تقدمها في مضمار العلم والتهذيب. لا جرم أنه بدرت اليوم بوادر الشك في فضيلة تأثير حالة تشبه الحالة التي دفعت أرباب الأفكار عندنا (الفرنسيون) ان يطالبوا باسقاط العلم وتفليسه فأثبتوا والسويداء متغلبة على عقولهم بأن العلم الذي يرجى أن يكون منه كشف اسرار ما في الكون وأن يأخذ بايدي الأخذين من معينة فيقودهم إلى وجهة عامة ويسوق أرادتهم سوقاً لم يؤد قط إلى حقائق قطعية مطلقة. بلى كان من منافعه أن حل بعض المعضلات حلاً قليلاً موقتاً لا يزال على الدهر موضع النظر والتنقيح. وكثير في الناس من شعروا دفعة واحدة بان قد انتهكت قوأهم بما يقضى عليهم تعلمه من المعارف الكثيرة التي تؤهلهم إلى الأحاطة بعض الشيء في دائرة من دوائر العلم ولذلك يئسوا او كادوا من هذه الحالة التي توشك أن تكون مستديمة لهذا النشوء الذي لا حد له وتستلزمه دواعي العلم. وربما ظهر اليوم ما كان يخالج افئدة الطبقة الخاصة وبعض أهل الطبقة الوسطى من سوء الظن لتستقبل الذي استحكم منها حوالي منتصف القرن. وتتساءل الحكومة فيما إذا كانت لم تسرف في بث التعليم بين طبقات الأمة وفيما إذا لم يكن التعليم نقمة لا نعمة على قسم عظيم من الأمة وفيما إذا كان لا تتعذر أرادة شؤون امة نالت من التعليم شطره او نصفه. وقد ساعد القلق الذي سببه النجاح الاشتراكية على نشر هذه الشكوك بين أناس كانوا منذ عهد غير بعيد مقاومين كل المقاومة بل مقتنعين كل الاقتناع بانه من الفروض العينية على الحكومة أن تبذل العلم وتنشره بين جميع رعاياها.
وقد ظل الرأي المعتدل موقناً على الجملة كما قال المسيو بولسان بانه لا تحرز المكانة العليا في الجهاد العام نحو التفوق والسلطة الا الأمم التي تحسن أن تضمن لفتيانها تعليماً متيناً وتهذيباًَ راسخاً بما تنظمه من المدارس المتقنة وما تكونه من البيوت الناحجة من حيث شؤونها الاقتصادية والسالمة من شوائب المفاسد الأخلاقية.
ويرى العارفون أن تأويل الارتقاء الذي قامت به ألمانيا أتى من اسرع الألمان قبل جميع الأمم في وضع التعليم الإجباري قبل غيرهم ومن عنايتها بتخريج أساتذة عارفين ما امكن
стр. 1258
في جميع فروع التعليم.
ويستنتجون من ذلك بان جهل السواد الأعظم من الأمة لا يتأتى أن يكون البتة ضماناً لراحة مملكة وبقائها وأن الطاهر من مصلحة الحكومة الملوكية انها تطلب تفإني الحكومة في نشر التعليم وأن المستقبل مضمون للأمم التي تحسن أكثر من غيرها حل مشكلة التعليم الوطني.
стр. 1259
صحف منسية
وصف عاصمة الأندلس
قال لسأن الدين بن الخطيب في (كتاب الأحاطة في أخبار غرناطة) عند ما ألم باسم هذه المدينة ووضعها ووصفها الجغرافي ما نصه: وبردها لذلك من المنقب الشتوي شديد وتجمد بسببه الادهان والمائعات ويتراكم بساحاتها الثلج في بعض السنين فجسوم أهلها بصحة الهواء صلبة وسحناتهم خشنهة وهضومهم قوية ونفوسهم لمكان الحر الغريزي جريئة وهي دار منعة وكرسي ملك ومقام حصانة. وكان ابن غانية يقول للمرابطين في مرموته وقد عول عليها للامتساك بدعوتهم (الأندلس درقة وغرناطة قبضتها فإذا تجشمتم يا معشر المرابطين القبضة لم تخرج الدرقة من ايديكم)
ومن ابدع ما قيل في الاعتذار عن شدة بردها مما هو غريب في معناه قول القاضي أبي بكر بن شبرين
رعى الله من غرناطة متبوا ... يسر كئيباً او يجير طريدا
تبرم منها صاحبي عند ما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صأن الله من أهلت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا
وقال الرازي عند ذكر كورة البيرة: أن ارضها سقي غزيرة الأنهار كثيرة الثمار ملتفة الأشجار وأكثرها ادواح الجوز ويحسن فيها قصب السكر ولها معادن جوهرية من ذهب وفضة ورصاص وحديد وكورة البيرة أشرف الكور نزلها جند دمشق. . . وفحصها لا يشبه بشيء من بقاع الأرض طيباً ولا شرفاً الا بالغوطة غوطة دمشقز وقال بعض المؤرخين بعد أن عدد نباتاتها ومعادنها: وكفى بالحرير الذي فضلت به فجراً وقنية وغلة شريفة وفائدة عظيمة تمتاز منها البلاد وتجلبة الرفاق فضيلة لا يشاركه فيها الا بالبلاد العراقية وفحصها الافيح المشبه بالغوطة الدمشقية حديث الركاب وسمر الليالي قد دحاه الله في بسيط سهل تخترقه المذانب (مسيل الماء إلى الأرض) وتتخلله الأنهار والجدأول وتتزاحم فيه الغرف والجناحات في ذرع أربعين تنبو العين فيها عن وجهه. . .
وبعد أن فصل المؤلف كتابه إلى فصول كثيرة وأتى على ذكر ما آل إليه حال من ساكن المسلمين بغرناطة من النصاري وما ينسب لهذه الكورة من الاقاليم التي نزلها العرب وما
стр. 1260
اشتمل عليه خارج المدينة من القرى والجنات والجهات قال في احضاء بيوتها: وتذهب هذه الغروس المغروسة قبلة ثم يفيض تيارها إلى غرب المدينة وقد كثرت بها الجبال الشاهقة والسفوح العريضة والبطون الممتدة والاغوار الخائفة مكللة بالأعناب غاصة بالادواح متزاحمة بالبيوت والابراج بلغ إلى هذا العهد عدها في ديوان الحرص إلى ما يناهز أربعة عشر الفا نقلت ذلك من خط من يشار إليه في هذه الوضيعة. وقال في فصل آخر: ويحيط بما خلف السور من المباني والجنات في سهل المدينة العقار الثمن العظيم الفائدة المتعاقب الغلة الذي لا يعزفه الحمام ولا يفارق الزرع من الأرض البيضاء ينتهي ثمن المرجع منها إلى خمسة وعشرين ديناراً من الذهب العين لهذا العهد فيه مستخلص السلطان مايضيق عنه نطاق القيمة ذرعاً وغبطة وانتطاماً يرجع إلى دور ناجمة وبروج سامية وبيادر فسيحة ومصاب للحمائم والدواجن ماثلة منها في طوق البلد وحمى سورها جملة. . . إلى أن يقول بعد ذكر القرى والدساكر: أن أكثر هذه القرى امصار فيها ما يناهز خمسين خطبة تنصب فيها لله المنابر وترفع الايدي وتتوجه الوجوه. وجملة المراجع العلية المرتفعة فيها في الأزمنة في العام بتقريب ومعظمها السقيا الغبيط (اغبط النبات غطى الأرض وكثف وتدانى كانه من حبة واحدة) السمين الغالي ما ينيف على اثنين وستين الفا وينضاف إلى ذلك مراجع الأملاك السلطانية ومواضع احباس المساجد وسبل الخير ما ينيف على ما ذكر فيكون المجموع باحتياط خمسمائة الف وستين الفا والمستفاد فيها من الطعام المختلف المجلوب للجانب السلطاني ثلاثمائة الف قدح ويزيد ويشتمل سوادها وما وراءه من الارحاء الطاحنة بالماء ما ينيف على مائة وثلاثين رحى الحقها جناح الأمنة ولا قطع عنها مادة الرحمة بفضله وكرمه.
وقال في وصف أخلاق أهل ذاك القطر وعاداتهم وملابسهم: فتبصرهم في المساجد أيام الجمع كانهم الازهار المفتتحة في البطاح الكريمة تحت الاهوية المعتدلة. وذكر أصولهم وانسابهم وجندهم واسلحتهم ثم قال: وأعيادهم حسنة مائلة إلى الاقتصاد والغنى بمدينتهم فاش حتى في الدكاكين التي تجمع صنائعها كثيراً من الأحداث كالخفافين ومثلهم واشار إلى طعامهم وفواكههم وصرفهم (سكتهم) فقال ما نصه: وعادة أهل هذه المدينة الانتقال إلى حلل العصير اوإن إدراكه بما تشتمل عليه دورهم والبروز إلى الفحوص بأولادهم وعيالهم
стр. 1261
معولين في ذلك على شهامتهم واسلحتهم على اكتاد دوابهم واتصال امصارهم بحدود ارضه. وحليهم في القلائد والدمالج والشنوف والخلاخل الذهب الخالص إلى هذا العهد في اوالي الجدة واللجين في كثير من آلة الرجلين فيمن عدأهم والأحجار النفسية من الياقوت والزبرجد والزمرد ونفيس جوهر كثير ممن ترتفع طبقاتهم المستندة إلى ظل دولة او اصالة معروفة موقرة.
وحريمهم حريم جميل موصوف بالحسن وتنعم الجسوم واسترسال الشعور ونقاء الثغور وطيب النشر وخفة الحركات ونبل الكلام وحسن المجاورة إلا أن الطول يندر فيهن وقد يبلغن من التفنن في الزينة لهذا العهد والمظاهرة بين المصبغات والتنافس بالذهبيات والذيباجيات والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر ويكف كف الغدر ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة وأن يعامل جميع من بها بستره ولا يسلبهم خفي لطفه بعزته وقدرته.
وصف لسأن الدين امة ملك قشتالة فقال: وحال هذه الأمة غريبة في الحماية الممزوجة بالوفاء والرقة والاستهانة بالنفوس في سبيل الحمية عادة العرب الأول وأخبارهم في القتال غريبة من الاسترجال والزحف على الاقدام أميرهم ومأمورهم والجثو في الأرض أو الدفن في التراب والاستظهار في حال المحاربة بعض الالحان المهيجة ورماتهم قسيهم عربية جافية وكلهم في دروع ولا لجام عندهم والتقهقر مقدار الشبر ذنب عظيم وعار شنيع ورماتهم يسبقون الخيل في الطراد وحالهم في باب التحلي بالجواهر وكثرة آلات الفضة غريب.
стр. 1262
مطبوعات ومخطوطات
الأحاطة في أخبار غرناطة
قل في كتب الأدب والتاريخ ما ينتفع به مطالعه في أمور كثيرة بقلة الجيد منها وذلك لأن المصنفات كالبضائع فيها الجيد وفيها الرديء والمصنفين اصناف فقسم يؤلف وقد تمت ادواته وتشبع بما يود الحوض فيه فلا يكتب الا الثمين النافع وقسم بين ذلك وقسم يخلط ويخبط لاهوى له إلا في ذكر اسمه وحشر نفسه في عداد المصنفين. وصاحب كتاب الأحاطة في أخبار غرناطة هو من أهل الصنف الأول ما كتب كتأبا الا عن فكر وروية وناهيك بما يصدر من نفثات ابن الخطيب حسنة الأندلس ونابغة عصره بل كثير من العصور قبله وبعده. وفقت شركة طبع الكتب العربية بمصر إلى نشر الجزئين الأولين من هذا الكتاب واوفقت طبع الثالث لكثرة التجريف الذي وجدته فيه بحيث يتعذر على القارئ كشف وجه الحقيقةمنه.
ولئن وقع في هذين الجزئين اغلاط وتحريفات التبس بها الحق بالباطل وكأنت العناية تقضي استثبات صحتها وإرجاعها إلى نصابها لو امكن فإن هذا التهاون يغتفر في جانب تلك الذخيرة التي نبشوها ونشروها وهي ولا جرم من بعض ما يعمر به بناء الشعر والنثر ولسأن الدين حجة فيهما قاطعة.
وأن لنا ريبة في كون هاته المجلدات الثلاث هي كل ماكتبه المؤلف في رجال عاصمته وعبارة صاحب نفح الطيب تساعد على هذا الشك. قال: ان كتاب الأحاطة هن الطائر الصيت بالمشرق والمغرب والمشارقة أشد إعجاباً به من المغاربة او أكثر بهجاً بذكره مع قلته في هذه البلاد المشرقية وقد اعتنى باختصاره الأديب الشهير البدر البشتكي وسماه مركز الأحاطة في أدباء غرناطة وهو في مجلدين سنة ٧٩٣ وقد جعل كل أربعة أجزاء من الأصل في مجلد اذ هو في مجلدين ونسخة الأصل في ثمان مجلدات. وقف سلطأن الأندلس نسخة منه على بعض مدارس غرناطة وكانت في اثني عشر سفراً متقنة الخط والعمل وكان لسأن الدين ارسل في حياته نسخة من الأحاطة إلى مصر وقفها على أهل العلم وجعل مقرها بخانقاه سعيد السعداء قال المقري وقد رأيت المجلد الرابع منها وكان في ثمانية أجزاء ورأيت بظهر أول ورقة من هذه النسخة خطوط جماعة من العلماء وعلمت أن
стр. 1263
المكتوب في الوقفية ثمان مجلدات لا اثني عشر فلعل ذلك الاختلاف بسبب الكبر والصغر.
قلت وهذه العبارة كتبت بعد الالف. وكيفما كانت حال الكتاب كبراً وصغراً فقد اخرج إلى عالم المطبوعات نموذجات من نثر لسان الدين وشعره ونثر جماعة من أصحابه وشعرهم. ابتدأ الجزء الأول بوصف جغرافية الأندلس الطبيعية والسياسية والاسيما عاصمتها بحيث يتراءى لك متى قرأته أن الكابت عصري نشأ في حجر حضارة هذا القرن.
للسأن الدين نمط خاص به في الإنشاء وتعبيرات لا تجدها لغيره من كتاب المغرب المشرق تتمثل في كلامه روحاً عالية ولفظاً شفافاً ومعنى جزلاً.
وما كان نسقه ليرضى كل الرضى لو لم يكن يغوص على بدائع المعاني التي يميلها عليه اشمئزازه من محيطه وتقززه من خدمة دولته حتى كان يدعو أن يلطف الله بمن اتبلى بذلك وأن يخلصه خلاصاً جميلاً. وكيف لا تدفعه حميته إلى القول وقد استولى العدو في أيامه على معظم قواعد الأندلس مثل إشبيلية وقرطبة ومرسية وجيان والمرية ولسأن الدين يستصرخ وزعماء السلطة في لهوهم وغرورهم مسترسلون. ولئن خاطبهم (دون الجهر من القول لمكان التقية) فما تجار ممن يرميه بالزندقة ايضا في كتابه هذا لأن لسأن الدين املاه بلسان الانصاف والانطلاق فعز على نظرائه خروجه عن مألوف العادة في ذكر تراجم الناس حتى يخيل اليك انهم كلهم كأسنأن المشط في الاستواء.
تقرأ الترجمة في الأحاطة وهو في تراجم الرجال الذين نشأوا فيها او مروا بها وبعبارة أخرى هو تاريخ الأندلس ورجالها فيتجلى لك المترجم به كانك تراه وما اظن أن كتاب التراجم من الإفرنج اليوم باقدر على وصف رجالهم من صاحبنا لسأن الدين ولا عجب فهو اوروبي ايضا غدي تلك التربة المسكية والهواء الصافي والماء العذب وللبقاع تأثير في الطباع وما المرء الا نسخة ثانية من محيطه وبيته.
ولم يقتصر المؤلف كتابه على ذكر الملوك والرؤساء والفقهاء وأهل الطرق كما هي عادة معظم المؤرخين بل ذكر كثيراً ممن غلبت عليهم المعارف الدنيوية مثل أبي القاسم اصبغ بن محمد (٤٢٦) احد مفاخر الأندلس قال وكان محققاً لعلم العدد والهندسة مقدماً في علم الهيئة والفلك والنجوم وكانت له مع ذلك عناية بالطب وذكر تآليفه على عادته في اثبات حسنات المترجمين وسيئاتهم. ومثل أبي على الصعلعل حسن بن محمد رئيس الموقتين
стр. 1264
بالمسجد الأعظم من غرناطة (٧١٦) وكان فقيهاً أماماً في علم الحساب الهيئة أخذ عنه الجلة والنبهاء قائماً على الاطلال والرخائم والالات الشعاعية ماهراً في التعديل مع التزام السنة والوقوف عند حد العلماء في ذلك مداوم النظر ذا استنباطات ومستدراكات وتواليف نسيج وحده ورجعه وقته. ومثل أبي جعفر احمد بن الحسن بن باضة السلمي الموقت بالمسجد الأعظم بغرناطة قال وكان نسيج وحده وقريع دهره معرفة بالهيئة وأحكاماً للآلة الفلكية ينحت منها بيده ذخائر يقف عندها النظير والحبرة جمال خط واستواء صنعة وصحة وضع بلغ في ذلك درجة عالية ونال غاية بعيدة حتى فضل بما ينسب إليه من ذلك كثيراً من الاعلام المتقدمين وازرت آلة بالحمائريات والصفاريات وغيرها من آلات المحكمين وتغإلى الناس في يأثمانها أخذ ذلك عن والده الشيخ المتفنن شيخ الجماعة في هذا الفن. ومثل أبي العباس احمد ابن مفرج الأموي النباتي المشهور ومن ضارعهم في علمهم من الأطباء والفلاسفة والحكماء والكيماويين ممن لا يعدهم أكثر المؤرخين في صنف العلماء.
وذكر شهيرات النساء في عصره مثل نزهون بنت القلاعي وام الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطبحالي وحمدة بنت زياد المكتبي وحفصة بنت الركوني وغيرهن من نالأديبات وتجوز في إيراد بعض مجالسهن مع أدباء الأندلس وما كان في ذلك بأس في عصره. والكلام على الجزء الثاني لا يخرج عن حد الكلام على الجزء الأول وإن كان في الثاني يطول في بعض التراجم كأطالته في ترجمة أبي عبيد الله محمد القرشي التلمساني فإنه كتب تسعاً وعشرين صفحة بين شيوخه ونثره ونظمه ونكته مما اخرجه عن الصدد وكذلك ترجمة ابن زمرك احد اعيان أدباء الأندلس كتب فيه عشرين صفحة وقيل أن ابن زمرك كان يعد من جملة الساعين بنكبة ابن الخطيب. وقد يحمل المؤلف الحنق فيطلق عنان القلم في ترجمة الكبراء أيضاً كنا وصف اسماعيل بن يوسف بن اسماعيل بن فرج بن نصر السلطان الذي احتال على اخيه المتوثب على ملكه ومثل ما ترجم به محمد بن اسماعيل بن محمد بن فرج بن اسماعيل بن نصر الرئيس المتوثب على الملك على كرسيه الأمارة ووزراء دولته وكاتب سره وشيخ الغزاة على عهده. وقد عثرت فيه على ألفاظ ما كان يخيل لي أن الأندلسيين سبقونا إلى استعماله مثل طومارة للبطاقة وفي القاموس الطأمور
стр. 1265
والطوأما الصحيفة ج طوأمير. ولفظه الممطر لما يعرفه الفرنسيس بالباردسو ذاك الرداء الطويل. واستعمل لفظة عائلة التي أنكرها احد علماء اللغة المعاصرين فقال في ترجمة احدهم: عظيم الهشة مبذول البشر عظيم المشاركة قديم العائلة. ووردت لفظة يخت في الشعر الأندلس وكنا نظنها من قبل إنكليزية ففي قصيدة لمحمد بن جزي الكلبي:
نعم لست ارضى عن زماني اوأرى ... مكاناً به السفن المواخر واليخت
الزجل وتاريخ الدول
للسأن الدين الخطيب كتاب سماه رقم الحلل في نظم الدول طبع في تونس نظم فيه ملوك المسلمين من لدن صاحب الرسالة (ص) إلى القرن الثامن كل دولة على حدتها نظماً رائعاًٍ ليس فيه للتكليف شائبة وعلق على كل دولة شرحاً لطيفاً ضمنه ما ساعد عليه الاختصار من أخبار الملوك وأحوال اممهم ووزارائهم. وفي هذا المختصر من الحقائق مالا يكاد يوجد إلا في المطولات وخصوصاً في أخبار دول المغرب كبين الاغلب وملوك الشيعة من العبيد بين بأفريقية ومصر وبني امية بالأندلس وملوك الطائف فيها ودولة المرابطين من لمتونه أهل اللثام والموحدين ودولة بني أبي حفص بأفريقية وبني زيان بتلمسان وبني مرين وبني نصر وهاك نموذجاً منه في وصف ملك المأمون
وهو المليك العالم الحليم ... ساعده السعد بما يروم
من بعد ما كابد أمر عمه ... وفرج الله من غمه
فقر المأمون ملك الأمة ... بعد اضطراب دائم وغمه
واشرق السعد على الخلافة ... وانسدل الا من بلا مخافة
وكان حبراً عالماً حكيماً ... عدلاً تقياً حازماً حليماً
وثار إبرأهيمنجل المهدي ... وناله قسراً بغير عهد
فأثر العفو واغضى عن دمه ... منقبة شاهدة بكرمه
ومات في غزواته المعلومة ... كانت بها أعماله مختومة
معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار
هي رسالة طبعت حديثاً في فاس بمطبعة الدكتور احمد يمني أفندي لسانها لمؤلفها لسان الدين بن الخطيب جاءت في ٥٤ صفحة في أحمل حرف واجود ورق ولم تنقصها الا
следующие страницы →