← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

يملك. وكان يقال إذا تخالجتك الأمور فاستقل أعظمها خطراً فإن لم يستبن ذلك فأرجاها دركاً فإن اشتبه ذلك فأجدرها أن لا يكون له مرجوع حين تولي فرصته. وكمان يقال الرجال أربعة اثنان يختبر ما عندهما بالتجربة واثنان قد كفيت تجربتهما فأما اللذان يحتاجان إلى تجريبهما فإن أحدهما برٌّ كان مع أبرار والآخر فاجر كان مع فجار فإنك لا تدري لعل البر منهما إذا خالط الفجار أن يتبدل فيصير فاجراً ولعل الفاجر منهما إذا خالط الأبرار أن يتبدل فيصير براً فيتبدل البر فاجراً والفاجر براً. وأما اللذان قد كفيت تجربتهما وتبين لك ضوء أمرهما فإن أحدهما فاجر كان في أبرار والآخر براً كان في فجار. حق على العاقل أن يتخذ مرآتين فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه فيتصاغر بها ويصلح ما استطاع منها وينظر من الأحرى في محاسن الناس فيحليهم بها ويأخذ ما استطاع منها. احذر خصومة الأهل والولد والصديق والضعيف واحتجج عليهم بالحجج. لا يوقعنك بلاء تخلصت منه في آخر لعلك أن لا تخلص منه. الورع لا يخدع والأريب لا يُخدع. ومن ورع الرجل أن لا يقول ما لا يعلم ومن الإرب أن يتثبت فيما يعلم. وكان يقال عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى والهوى آفة العفاف وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون والتهاون آفة الدين. وإقدامه هلى ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح والجماح آفة العقل. وكان يقال وقر من فوقك ولِن لمن دونك وأحسن مواتاة أكفائك وليكن أثر ذلك عند مواتاة الأكفاء فإن ذلك هو الذي يشهد لك أن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم وإن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم. خمسة مفرطون في خمسة أشياء متدمون عليها الواهن المفرط إذا فاته العمل والمنطقع من أخوانه وصديقه إذا نابته النوائب والمستمكن منه عدوة لسوء رأيه إذا تذكر عجزه والمفارق الزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة والجريء على الذنوب إذا حضره الموت. أمور لا تصلح إلا بقرائنها لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عقل ولا شدة البطش

стр. 1507

بغير شدة القلب ولا الجمال بغير حلاوة ولا الحسب بغير أدب ولا السرور بغير أمن ولا الغني بغير جود ولا المروءة بغير تواضع ولا الخفض بغير كفاية ولا الاجتهاد بغير توفيق. أمورٌ هن نبعٌ لأمور فالمروءات كلها تبع للعقل والرأي تبع للتجربة والغبطة تبع لحسن الثناء والسرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة والعمل تبع للقدر والجدة تبع للإنفاق. أصل العقل التثبت وثمرته السلامة. وأصل الورع القناعة وثمرته الظفر. وأصل التوفيق العمل وثمرته النجح. لا يذكر الفاجر في العقلاء ولا الكذوب في الأعفاء ولا الخذول في الكرماء ولا الكفور بشيء من الخير. لا تؤاخين خباً ولا تستنصرن عاجزاً ولا تستعينن كسلاً. إن من أعظم ما يروّح به المرء نفسه أن لا يجري لما يهوى وليس كائناً إلا لما لا يهوى وهو لا محالة كائن. اغتنم من الخير ما تعجل. ومن الأهواء ما سوّفت. ومن النصب ما عاد عليك. ولا تفرح بالبطالة ولا تجبن عن العمل. من استطعم من الدنيا شيئاً فبطر واستصغر من البر شيئاً فتهاون واحتقر من الإثم شيئاً فاجترأ عليه واغتر بعدوّ وإن قل فلم يحذره فذلك من ضياع العقل. لا يستخف ذو العقل بأحد وأحق من لم يستخف به ثلاثة الأتقياء والولاة والأخوان فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه ومن استخف بالولاة أهلك دنياه ومن استخف بالأخوان أفسد مروءته. من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست الرأي والتوفيق والفرصة والأعوان والأدب والاجتهاد وهن أزواج فالرأي والأدب زوج لا يكمل الأدب إلا بالرأي ولا يكمل الرأي بغير الأدب. والأعوان والفرصة زوج لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا تنفع الفرصة إلا بحضور الأعوان. والتوفيق والاجتهاد زوج فالاجتهاد سبب التوفيق وبالتوفيق ينجح الاجتهاد.

стр. 1508

يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس. لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يجد إنجازه ولا يرجو ما يعنف برجائه ولا يقدم على ما يخاف العجز وهو يسخي نفسه عما يغبط به القوالون خروجه من عيب التكذيب ويسخي نفسه عما ينال به السائلون سلامته من مذلة المسألة. ويسخي نفسه عن فرح الرجاء خوف الأكداء. ويسخي نفسه عن محمدة المواعيد براءته من مذمة الخلف. ويسخي نفسه عن مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين. لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنياه وليس من لا عقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها. حاز الخير رجلان شسعيد ومرجو والسعيد الفالج والمرجو من لم يخصم والفالج الصالح ما دام في قيد الحياة وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء والأعداء. السعيد يرغبه الله في الآخرة حتى يقول لا شيء غيرها فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا ولم ينقصه من سروره فيها والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول لا شيء غيرها فيعجل الله له التنغيص في الدنيا التي آثر مع الحزن الذي يلقى بعدها. الرجل أربعة جواد وبخيل ومسرف ومقتصد فالجواد الذي يوجحه نصيب آخرته ونصيب دنياه جميعاً في أمر آخرته. والبخيل الذي لا يعطي واحدة منهما نصيبها. والمسرف الذي يجمعهما لدنياه. والمقتصد الذي يلحق بكل واحدة منهمات نصيبها أغنى الناس أكثرهم إحساناً. قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء قال: غريزة عقل قال: فغن لم تكن قال فتعلم علم قال: فإن حرمه، قال: صدق اللسان، قال فإن حرمه، قال: سكت طويل، قال: فإن حرمه، قال: ميتة عاجلة.

стр. 1509

من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه فإنه من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره لم يقلع عن عيبه الذي لا يعرف ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبداً. خصال يسر بها الجاهل كلها كائن عليه وبالاً منها أن يفخر من العلم والمروءة بما ليس عنده ومنها أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته بهم. ومنها أن يناقل عالماً وديعاً منصفاً له في القول فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه ثم يفلجه نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت وكثرة الضحك. ومنها أن يفرط منه الكلمة والفعلة المعجبة للقوم فيذكر بها. ومنها أن يكون مجلسه في المحفل أو عند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه. من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يُرى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من القول أو يجاذب الرجل الكلام وهو يكلم صاحبه ليكون هو المتكلم أو يتمنى أن يكون صاحبه قد فرغ وأنصت له لم يحسن الكلام. فضل العلم في غير الدين مهلكة وكثرة الأدب في غير رضوان الله ومنفعة الأخيار قائد إلى النار. والحفظ الذكي الواعي بغير العلم النافع مضر بالعمل الصالح والعقل غير الوازع عن الذنوب خازن للشيطان. لا يؤمننك شر الجاهل قرابة ولا جوار ولا ألف فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك وإن ناسبك جنى عليك وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق وإن عاشرك آذاك وأخافك مع أنه عند الجوع سبع ضار وعند الشبع ملك فظ وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم فأنت بالهرب منه أحق منك باهرب من سم الأساود والحريق المخوف والدَّين الفادح والداء العياء. كان يقال قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك عدوك وتذل نفسك ويرغب عنك ناصرك ومثل ذلك العود المنصوب في الشمسي إن أملته قليلاً زاد ظله وإذن جاوزت الحد في إمالته نقص الظل. الحازم لا يأمن عدوه على كل حال إن كان بعيداً لم يأمن من معاودته وإن كان قريباً لم

стр. 1510

يأمن مواثبته فإن رآه متكشفاً لم يأمن استطراده وكمينه وإن رآه وحيداً لم يأمن مكره. الملك الحازم يزداد برأي الوزراء والحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار. الظفر بالحزم. والحزم بإجالة الرأي. والرأي بتكرار النظر وبتحصين الأسرار. إن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فهو يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق به في تبصير خطأ إن أتى به وتلقيب الرأي فيما شكا فيه حتى يستقيم لهما مشاورتهما. لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء ولا الخب في كثرة الصديق ولا الشيء الأدب في الشرف ولا الشحيح في المحمدة ولا الحريص في الأخوان ولا الملك المعجب بثبات الملك. صرعة اللين أشد استئصالاً من صرعة المكابرة. أربعة أشياء لا يستقل منها قليل النار والمرض والعدو والدين. أحق الناس بالتوفير الملك الحليم العالم بالأمور وفرص الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضا والمعاجلة والأناة الناظر في الأمر يومه وغده وعواقب أعماله. السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين طلبته. إن أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلاً والمودة بين الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل كوب الذهب الذي هو بطيء الانكسار هين الإصلاح والمودة وبين الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كالكوز من الفخار يكسره أدنى عبث ثم لا يوصل له أبداً. والكريم يمنح الرجل مودته عن لقاءة واحدة أو معرفة يوم واللئيم لا يصل أحد إلا عن رغبة أو رهبة وإن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين ويتواصلون عليهما ذات النفس وذات اليد فأما المبتذلون ذات اليد فهم المتعاونون المستمتعون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع متاجرة ومكايلة. ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال ولا يُظهر المروءة إلا للمال ولا الرأي والقوة إلا بالمال ومن لا أخوان له فلا أهل له ومن لا أولاد له فلا ذكر له ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة ومن لا مال له فلا شيء له والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس وهو مسلبة للعقل والمروءة ومهذبة للعلم والأدب ومعدن للتهمة ومجمعة للبلايا ومن نزل به الفقر

стр. 1511

والفاقة لم يجد بداً من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ومن ذهب سروره مقت ومن مقت أوذي ومن أوذي حزن ومن حزن ذهب عقله واستنكر حفظه وفهمه ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه كان أكثر قوله وعمله فيما يكون عليه لا له فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمناً واساء به الظن من كان يظن به حسناً فإذن أذنب غيره أظنوه وإن كان للتهمة وسوء الظن موضعاً وليس خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب. فإن كان شجاعاً سمي أهوج. وإن كان جواداً سمي مفسداً. وإن كان حليماً سمي ضعيفاً. وإن كان وقوراً سمي بليداً. وإن كان لسناً سمي مهذاراً. وإن كان صموتاً سمي عيباً. وكان يقال من ابتلى بمرض في جسده لا يفارقه أو بفراق الأحبة والأخوان أو بالغربة حيث لا يعرف مبيتاً ولا مقبلاً ولا يرجو إياباً أو بفاقة تضطره إلى المسألة فالحياة له موت والموت له راحة. وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره فلا يزال صاحب الدنيا يتقلب في بلية وتعب لأنه بخلة الحرص والشره. وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق ولا غنى كالرضا وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره. وأفضل البر الرحمة ورأس المودة الاسترسال ورأس العقل المعرفة بما يكون وما لا يكون وطيب النفس وحسن الانصراف عما لا سبيل إليه وليس في الدنيا سرور يعدل صحبة الأخوان ولا فيها غم يعدل غم بفقدهم. لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل كالمريض الذي قد علم دواء نفسه فإذا هو لم يتداو به لم يغنه والرجل ذو امروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب وإن كان عقيراً والرجل الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس وإن طوق وخلخل. ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلاً فإنك إن فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما

стр. 1512

يطلب الماء السيل إلى الحدور. إن أولى النسا بفضل السرور وكرم العيش وحسن الثناء من لا يبرح رحله من أخوانه وأصدقائه من الصالحين موطوءاً ولا يزال عنده منهم زحام يسره ويسرونه ويكون من وراء حاجاتهم وأمورهم فإن الكريم إذا عثر لم يستقلل إلا بالكرام كالفيل إذا وحل لم تستخرجه إلا الفيلة. لا يرى العاقل معروفاً صنعه وإن كثر كثيراً ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوه المعروف لم ير عيباً بل يعلم أنه أخطر الفاني بالباقي واشترى العظيم بالصغير. وأغبط الناس عند ذوي العقول أكثر سائلاً منجحاً ومستجيراً آمناً. لا تعد غنياً من لم يشارك في ماله ولا تعد نعيماً ما كان فيه تنغيص وسوء ثناء. ولا تعد الغنم غنماً إذا ساق غرماً ولا الغرم غرماً إذا ساق غنماً ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة. ومن المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه وإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه وإذا فرق بين الليف وألفه فقد سلب قراره وحرم سروره. وقال: ما نرانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى لقد صدق القائل الذي يقول: لا يزال الرجل مستمراً حتى يعثر فإذا عثر مرة واحدة في أرض الخباء لج به العثار وإن مشى في جددلان. هذا الإنسان موكل به البلاء فلا يزال في تصرف وتقلب لا يدوم له شيء ولا يثبت معه كما لا يبدوم لطالع النجوم طلوعه ولا لأفلها أفوله ولكنها في تقلب وتعاقب فلا يزال الطالع يكون آفلاً والآفل طالعاً. (انتهى)

стр. 1513

الأخصاء في العلوم المخصي هو الذي يتفرد بدراسة فن واحد من أخصى الرجل إذا تعلم علماً واحد والنتفة (كهمزة) من ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه قال في التاج: وكان أبو عبيدة إذا ذكر له الأصمعي يقول ذاك الرجل نتفة قال الأزهري: أراد أنه لم يستقص كلام العرب إنما حفظ الوخز والخطيئة منه أي القليل. فالأخصاء هو موضوع بحثنا هنا يتوقف عليه نجاح العلم وارتقاؤه ولا يقال عن أمة أنها مرتقية في علومها إلا إذا كثر فيها الأخصائيون في كل علم من علوم الحياة والاجتماع وكل من تفردوا في الغالب وطار ذكرهم في الآفاق وتناقلت أعمالهم الأجيال بعد الأجيال والعصور غبَّ العصور وكانوا بلا مراء من أهل الأخصاء صرفوا وكدهم إلى معاناة علم واحد والنظر في دقائقه وخفاياه ودرسه من عامة أطرافه. وَهِم قوم أن الأخصاء في العلوم يرتجل ارتجالاً فالمهندس يتعلم الهندسة وحدها والأثري يدرس علم الآثار والمؤرخ التاريخ والكيماوي الكيمياء والطبيعي الطبيعيات والفلكي الأفلاك فيبرزون وترتقي مداركهم. ولكن دل تاريخ العلم في الأمم القديمة والحديثة على أن لا يخصي في علم إلا من سبق له أن شارك في علوم كثيرة ولو مشاركة بسيطة لأن للعلوم علاقة بعضها ببعض كعلاقة البشر بعضهم ببعض فكما أنه لا يتيسر النفع لأمة أن تبقى وراء تخومها منعزلة عن جاراتها فكذلك العلم الواحد وهو ثمرة عقول العالمين لا يتقن إلا إذا قدمت له المقدمات وشدا صاحبه شيئاً من أكثر ما ينفع وقلما سمع بأن رجل أثر في إنهاض أمة أو خدم علماً أنفع نفعاً بذكر وكان ما تميز به وحده هو كل رأس ماله العلمي والعقلي حتى أن نفس علماء الدين في الإسلام الذين أثروا تأثيراً كبيراً كانوا مشاركين في علوم الدنيا مشاركة تامة والغزالي والماوردي والفخر الرازي وابن تيمية وابن حزم وابن القيم وأبو حاتم الرازي والجاحظ وغيرهم كثيرون لم يؤثروا في قومهم ولم يزالوا مؤثرين لا لأنهم سعوا في تنمية ملكات عقولهم بالعلوم الرياضية والتاريخية فعرفوا كيف يسلكون ولذلك ترى لكلامهم قبولاً لا تراه لغيرهم ممن لم يشاركوا مشاركتهم في العلوم الدنيوية. وكذلك الحال فيمن عرفوا بالعلوم المدنية كنصير الدين الطوسي وابن رشد وابن سينا والفارابي وعبد اللطيف البغدادي وابن الهيثم والبتاني والبيروني ومئات غيرهم لم ينفعوا في علومهم التي تفردوا فيها إلا بعد أن عرفوا من علوم الدين ما حسنت معه سيرتهم وسريرتهم.

стр. 1514

وإذا أمعنا النظر في تاريخ هذه الأمة نجدها لم تعهد الأخصائيين في العلوم المدنية إلا في أواخر القرن الثاني أو في منتصف الثالث على حين بدأت بالنقل وتعلم علوم الحضارة منذ القرن الأول للهجرة ولما عمت هذه العلوم وخصوصاً الفلسفية نشأ بحكم الطبع أناس متفردون ودام هذا التفرد على أشده إلى أواخر القرن السادس ثم أخذ يضعف بضعف طرق التعليم وزهد الحكومات في العلم إلا ما كان منه تحت ستار الآخرة تمويهاً على عقول السذج وفساد السياسة فساد العالم فكيف بالعلم وهو الذي لا تنفق سوقه إلا في أرض الراحة والطمأنينة ولا يقوى إلا بالبواعث والدواعي. وكأن العقول في أهل هذه البلاد ضعفت بعد اشتغالها الطويل قروناً فأخلدت إلى الراحة طوعاً أو كرهاً في القرون الخمسة الأخيرة التي لم تبق منها إلا حثالة من فروع الدين واللغة فقط وقلَّ في كبار المشتغلين من أهلها بعقولهم من أصبح يدعى نتفة من علم فضلاً عن أخصائي. أو كأن ضعف أمة قوة أخرى كما قال بعضهم: حياةُ بعض ممات بعضٍ ... حياةُ كلّ محالُ فرض فقد كنا هنا كلما ضعفت عقولنا وزهدنا في ترقية مداركنا وانصرفنا إلى التافه الذي لا يؤبه له قويت الأمم الغربية بعلومها ومدارك أهلها وطفق العلم يعم أفرادها جيلاً بعد جيل حتى جاء القرن الثامن عشر الميلادي وقد كثر الأخصائيون فيهم وزادوا في القرن التاسع عشر أي زيادة وأتى هذا القرن العشرون وقد كاد يعم العلم قضهم وقضيضهم وذكورهم وإناثهم. ومن جمهور المتعلمين يخرج في العادة الأخصائيون وهم إما مسوقون بنابل من طبيعتهم إلى إتقان فن أو فنين والتبريز فيهما على الأقران أو أن أحدهم ينمي في نفسه الميل إلى فن ينفع الناس نفعاً حقيقياً. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: من أراد أن يكون عالماً فليطلب فناً واحداً ومن أراد أن يكون أديباً فليتفنن في العلوم. وقال احد الحكماء: اقصد من أصناف العلوم ما هو أشهى لنفسك وأخف على قلبك فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له وسهولته عليك. ما ظهر في الغرب أمثال نيوتن ولابلاس وكيتي وشيلر وهيكل وهيجل وفيختي وماكولي ولايبنز وسبينوزا وكانت وكونت وديكارت وشوبنهور وروسو وفولتير وديدر ودروين وهاكسلي ومئات غيرهم إلا بعد أن نظم التعليم عندهم تنظيماً حسناً وعم الإصلاح أصوله

стр. 1515

وفروعه فصار الأخصاء في أفراد منهم الآن على ما يعجب منه بل أصبح العلم الواحد ينقسم إلى فروع كثيرة ويشتتغل في كل فرع منه عدة أفراد. فواحد للميكروبات وآخر للعدسيات وبعضهم للأجواء وآخرون للأضواء وغيرهم للماء وفريق للسماء وافراد للكهرباء وطائفة للكيمياء وآخرون للعيون وبعضهم للجنون وهكذا تجد لكل ما يخطر ببالك وما لا يخطر من فروع المعرفة مئات من الأخصائيين ومئات من المجامع العلمية الخاصة بها والمدارس الموقوفة عليها. وبحق ما قال أحد أساتذة كلية أكسفورد في مأدبة أقيمت لجماعة من أساتذة الإنكليز في كلية السوربون بباريز منذ شهور أن كانت القرون الوسطى هي قرون التعميم في التعليم فإن هذا العصر عصر الأخصاء فيها. أما هذه البلاد على ما دخل إليها حتى الآن من قشور علوم الغرب فليست إلا كأوروبا في قرنها الخامس عشر أو السادس عشر تحتاج الآن إلى تعلم ما يخرجها عن حد الأمية ثم أن تتعلم البسائط من أوليات العلوم واللغات فإذا تمت لها هذه الأمنية ينشأ فيها بحكم الطبع أولئك الأخصائيون الذين تتطالُّ نفوسنا إلى الاستكثار منهم بين أظهرنا لقيام جامعتنا وأحكام ملكات العلوم فينا والانتفاع بحقائقها ودقائقها في العمليات لا الاقتصار على النظريات منها كما نحن فيها حتى اليوم اللهم إلا الطب والهندسة والحقوق. إن من يقول بأن الأخصائيين اليوم بيننا ينبغي أن يكثروا بين أظهرنا وجمهور الأمة في التعليم كما ترى هو كمن يريد أن يعلم التعليم العالي لمن لم يتعلم مبادئ القراءة والكتابة. فحالنا الآن إذا قست ما أخذناه من بحور العلوم الزاخرة إلى ما عليه حقيقتها حال من لم يعرف القراءة البسيطة وأهله يريدون أن يعلموه الفلسفة التي هي علم العلوم أو كمن هو في سفر بعيد وتريده أن يقطع في اليوم في دقيقة وأن يعدي من سيف البحر إلى سيفه الآخر ولا سفينة لديه أو كمن تريده على أن يخطب في علم ما وراء الطبيعة في صحراء أفريقية. قال لاروس في معجمه الكبير: اتسعت معارف البشر النظرية والعملية بعد استقرار أمرها فاحتاج الناس ن يقسموها بحسب استعدادهم وحاجاتهم إلى أقسام لا آخر لها ينقطع إليها أفراد ويبحثون في مضامينها فالأصول من المعارف هي المعلومات العامة وتفرعاتها هي الأخصائيات. لقد كان بادئ بدءٍ كل شيء مفهوماً في الفلسفة فكانت لفظة عام عند الأمم

стр. 1516

الجاهلة تتناول جميع العلوم وتنقسم إلى قسمين المحسوسات والمعقولات ودعيت علوم الطبيعة وعلوم ما وراء الطبيعة. أما الصنائع اليدوية فلم تكن منظمة تنظيماً معقولاً ولا جارية على طريقة معقولة وكان أرباب الأفكار يحتقرونها فلا يمارسها إلا الصعاليك ينصرفون إليها تقليداً ويخلفون في تعلمها آباءهم بدون وقوف على القوانين الميكانيكية أو الطبيعية التي كانوا يعملون بها على الدوام. ثم حسنت حال الإنسان بالتدريج ودخلت الأعمال في طور نظام وانتظمت العلوم الرئيسة لاسيما الآداب والفنون وعلوم النظر والعلوم العملية أي التجارة والصناعة والحرف ونشأ الأخصاء في كل فرع من فروع هذه الطبقات. فالطبيب مضطر إلى تعلم أمور كثيرة ولا يخصي في تعاطي فرع واحد إلا في المدن أما في القرى فيمارس كل فرع من فروع الأمراض الباطنية والخارجية. وهكذا الحال في الأعمال التجارية والصناعية فإن كل حرفة أو مهنة تنقسم على أقسام تدعى تقسيم الأعمال. وقد دخل كل علم اليوم في دائرة الأخصاء حتى ما يلزم الطاهي والبائع والسوقي في المعارف فأصبح من الضروري بالنظر لتكاثر أعمال البشر وانتشارها أن يزيد أبداً الأخصاء في كل علم وشأن. وإذا نظرت إلى الأخصاء من حيث العلم فإنه دليل الكفاءة وبدونه لا يكون عالم فإن المبادئ الأولية من جميع العلوم هي ولا شك نافعة لكل الناس حتى العامة ومتى حاز المرء قسطاً من هذه العلوم السطحية ورأى أن يتبحر فيها يجب عليه تعيين الموضوع الذي سينصرف إليه وبدون ذلك يتقدم المرء في علمه تقدماً بطيئاً ويخلط فيه ويبقى متوسطاً إلى الضعف. والأخصاء ضروري أيضاً في العلم العملي أي في المعامل والأعمال اليدوية وذلك للإسراع فيها ويرى أرباب معامل الأبر والخياطة في لندرا أن في تقسيم الأعمال اقتصاداً كبيراً. إذا قسمت الأعمال وأخصى المشتغلون بالعلوم وتوسعوا فيها فالأخصاء يؤدي ولا جرم إلى الضعف الأدبي. وذلك أن العاملات مثلاً إذا قضين نهارهن في عملهن السهل اللطيف في الظاهر كأن يتوفرن على إدخال الخيوط في أبرهن فإنهن لا يفقدن شيئاً من حواسهن ولكن ثبت بالإحصاء أنهن يفقدن حاسة النظر في أقرب وقت أما القوى العقلية والقوى المماثلة لها فإنها تتأذى أيضاً. أما في العلم المحض فإن من ينصرفون إلى الأخصاء ككثير من الرياضيين والمهندسين والفلكيين يعيشون في العالم كأنهم ليسوا منه ويدهشون معاصريهم

стр. 1517

بغرابة أخلاقهم وتشتت أفكارهم التي جرت مجرى الأمثال. وبالجملة فيقضى على كل مخص في العلم أو في الصناعة أن يحرز حظاً من المعارف لأول أمره وأن يخصي في علمين أو ثلاثة فإذا مارس أحدها أراح غيره أهـ. وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: حق الناس أن لا يترك شيئاً من العلوم أمكنه النظر فيه واتسع العمر له ألا ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه ثم أن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه فيها نعمت وإلا لم يصر لجهله بمحله وغباوته عن منفعته إلا معادياً له بطبعه فمن يكُ ذا فم مرّ مريض ... يجد مراً به الماَء الزلالا فمن جهل شيئاً عاداه والناس أعداء ما جهلوا بل قال الله تعالى وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم. وحكي عن بعض الفضلاء أنه رؤي بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة فقيل له في ذلك فقال: وجدته علماً نافعاً فكرهت أن أكون لجهلي به معادياً له ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم بل يجعل لكل حظه الذي يستحقه ومنزله الذي يستوجبه ويشكر من هداه لفهم وصار سبباً لعلمه. ولقد حُكي عن بعض الحكماء أنه قال: يجب أن نشكر أيادي الذين ولدوا لنا الشكوك إذ كانوا سبباً لما حرك خواطرنا لطلب العلم فضلاً عن شكر من أفادنا طرفاً من العلم ولولا مكان فكر نم تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن فهم مصالح دنياهم فضلاً عن مصالح أخراهم. فمن تأمل حكمة الله تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع سكينين مركباً على وجه يتوفى حداهما على نمط واحد للقرض أكثر تعظيم الله تعالى وشكره ويقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. ومن أجمل ما يروى في باب الانفراد بعلم والإلمام بعلوم أخرى ما قاله أبو حاتم السجستاني قال: قدم علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان أبرع منه فدخلت عليه مسلماً قال: يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الصمعي والمازني أعلمنا بعلم النحو وهلال الرازي أفقهنا والشاذكوني أعلمنا بالحديث وأنا أنسب إلى علم القرآن وابن الكلبي أكتبنا للشروط فقال لكاتبه: إذا كان غداً فاجمعهم لي فجمعنا فقال: ايكم المازني فقال أبو عثمان أنا. فقال: هل يجزئ في كفارة الظهار عتق عبد أعور. فقال المازني: أنا صاحب عربية لست بصاحب فقه. فقال: يا زياد كيف تكتب بين رجل وامرأة خلعها

стр. 1518

زوجها على الثلث من صداقها، فقال: ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم. فقال لي: يا أبا حاتم كيف تكتب إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثمرة من الجوائح وتسأل النظر لهم فقلت: أنا صاحب قرآن لست بصاحب بلاغة وكتابة فقال: أقبح بالرجل يتعاطى العلم خمسين سنة ولا يعرف إلا فناً واحداً حتى إذا سئل عن غيره لم يجر فيه جواباً لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا لأجاب. ومن استقرى تاريخ العرب يجد من أمثال الكسائي مئات كما قلنا ممن كتب لهم التقدم في علوم كثيرة فقد ذكر ابن خلكان وابن أبي أصيبعة في ترجمة كمال الدين بن يونس المتوفى سنة ٦٣٩ وهو ممن لم يشتهروا كثيراً بيننا أنه تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة وكان الفقهاء يقولون أنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة منها المهب والخلاف العراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين والحكمة والمنطق والطبيعي والإلهي والصب وفنون الرياضة من إقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والرثماطيقي وطريق الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً مستوفياً وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد طولى وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً وكان أهل الذمة يقرؤن عليه التوراة والإنجيل وشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما له مثله وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه قال صاحب وفيات الأعيان: وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه قال أبو بشر ثمامة بن الأشرس الخميري المعتزلي وكان خصيصاً بالمأمون: رأيت رجلاً يتردد على باب المأمون ورأيت عليه أبهة أديب فجلست إليه فناقشته في اللغة فوجدته بحراً فاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم وبالنجوم ماهراً وبالطب خبيراً وبأيام العرب وأشعارها فقلت له من تكون وما أظنك إلا الغراء فقال: أنا هو.

стр. 1519

وكان القاضي أبو الفرج المعافي النهرواني فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل فن قال ابن خلكان ذكر أحمد بن عمر بن روح أن أبا الفرج المذكور حضر في دار لبعض الرؤساء وكان هناك جماعة من أهل الأدب فقالوا: في أي نوع من العلوم نتذاكر فقال: ابو الفرج لذلك الرئيس خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وصناف الأدب فإن رأيت أن تبعث غلاماً إليها فتأمره أن يفتح بابها ويضرب بيده إلى أي كتاب منها فيحمله ثم يفتحه وينظر في أي العلوم فنتذاكره ونتجارى فيه وقال ابن روح: وهذا يدل على ان أبا الفرج كان له أنسة بشائر العلوم وكان أبو محمد الباجي يقول إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها. وقال: لو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم الناس لوجب أن يدفع إلى أبي الفرج المعافى وكان ثقة مأموناً في روايته. هذا ما حضرنا من أمر الأخصاء والأخصائيين ولعل بعض مؤازرينا يكتبون فصلاً واسعاً في حالة الأخصاء عند الغربيين والطرق التي يعتمدون إليها بتفصيل أوسع وأشفى.

стр. 1520

تاريخ ابن الساعي وقفنا على قطعة من كتاب الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير قال في كشف الظنون أنه تأليف الشيخ تاج الدين علي بن أنجب بن الساعي البغدادي المتوفى سنة ٦٧٤ (خازن الكتب المستنصرية) وهو تاريخ كبير في خمسة وعشرين مجلداً بلغ فيه إلى آخر سنة ٦٥٦ والتاريخ مرتب على السنين وهذا الجزء وهو مخروم من أوله وآخره ويبدأ من حوادث سنة ٥٩٥ وينتهي في حوادث سنة ٦٠٦ أي أن فيه حوادث عشر سنين تامة ذكر فيه ما وقع فيها من الكوائن السياسية والطبيعية وترجم كثيراً ممن توفوا في تلك الحقبة من الزمن ولاسيما القاضي الفاضل والعماد الكاتب والفخر الرازي وأبو السعادات ابن الأثير الجزري صاحب النهاية وهو موجز العبارة سهل الإنشاء. ومعلوم أن الدولة العباسية كانت على ذاك العهد آخذة في الضعف ولذلك تقرأ نموذجاً من هذا الضعف في مسطور هذا التاريخ منها أن ابن ليون صاحب أرمينية أغار على أطراف حلب وغنم ونهب وقتل ومنها أن صاحب الكرج كان يغير على بلاد المسلمين ومنها أن ملوك الطوائف كصاحب غزنة وهراة والشام ومصر كانوا يتقربون لبغداد تقرباً ظاهرياً وفي تلك المدة بدأ الصوفية يرد ذكرهم مع الفقهاء والوعاظ والقراء. وأخذت العادة تسري بتقبيل العتبة الشريفة بباب النوبي الشريف حتى أن نظام الدين محمد بن عبد الكريم السمعاني لما أنفذ رسولاً من علاء الدين محمد خورازمشاه وتلقى بموكب الديوان العزيز ونزل بباب النوبي الشريف وأريد على تقبيل العتبة امتنع عن تقبيلها فأهين ألزم بتقبيلها مكرهاً ولما جاء رئيس علماء بخارى قبل تلك العتبة أسوه غيره من العامة والخاصة. وفي هذا التاريخ ألفاظ واصطلاحات لذاك العصر منها ما ورد في ترجمة بي منصور بن نقطة المشحبر وأنه كان مجيداً في صنعة الغناء وعمل الكانو منها ما ذكره في ترجمة الأمير قيصر العوني نسبة إلى الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة كان مملوكاً إفرنجي الجنس إلا أنه كان موصوفاً بالحسن والملاحة واللطف فقدمه على جميع مماليكه وكان يخرج في الأعياد في صدور موكبه بالقباء والعمامة القصب الكحلية وإلى جانبه خادم له من خدم الوزير بالأهبة أيضاً. وقد كذر فيه ما وقع سنة ٥٩٧ في مصر من الغلاء العظيم الذي أهلك معظم أهلها وهو جملة من كتاب الاعتبار في أخبار الديار المصرية لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي.

стр. 1521

وهذا الكتاب طبع قديماً في مصر وترجم كثيراً من المسيحيين والإسرائيليين وغيرهم من غير أهل الإسلام ووفاهم حقهم وإليك مثالاً على ذلك بالحرف: أبو سعيد الحسن ابن خالد بن المبارك بن محضر النصراني المارديني الملقب بالوحيد كان مؤثراً للوحدة والانقطاع واظب على الاشتغال بالعلم في أول شبابه وأتقن علم الأوائل وبرز فيه ثم رفض الاشتغال وكان بينه وبين قطب الدين بن إيلغازي بن ارتق ملك ديار بكر صحبة في سن التربية فكان يعاتبه على الانقطاع عنه ويندبه إلى خدمته إلى أن أجاب فتقدم عنده وصارت له المنزلة الرفيعة والاحترام والتقدم وندبه بارق شاه بن قلج لوزارته فأبى ثم قصد بغداد وأقام بها مدة عند الجاثليق أبي حكيم ماري بن إيليا بن الحديثي ثم عاد إلى بلده وكان قد رزق طبعاً في نظم الشعر فمن ذلك قوله: ومعتدلٍ ساجي الجفون كأنما ... بعينيه سيفٌ سُلَّ للقتل والفتك إذا رام عند الوصل ترك دلاله ... ترد عليه طبعه صولة الترك وما عذل العذال إلاّ جهالة ... إذا لم أزل معزى الحشاشة بالهلك وما تركت مني الصبابة في الهوى ... سوى جسد مثل الخلال أم السلك أشفعه فيما يريد بحسنه ... ولا أتعدى في الهوى طاعة النسك ولكنني أرعى مباسم ثغره ... وألثم لآلئها موضع الضحك وقوله: لقد أثرت صدغاه في لون خده ... ولاحا كفيءٍ من وراء زجاج ترى عسكراً للروم في الزنج قد بدت ... طلائعه تسعى ليوم هياج أم الصبح بالليل البهيم موشح ... حكى أبنوساً في صفيحة عاج لقد غار صدغاه على ورد خده ... فسيجه من شعره بسياج وقوله في جواب كتاب: وقفت على فحوى كتابك معلناً ... بشكرك أني بالثناء خليق وما خلته إلا كأكناف روضة ... تناثر فيها لؤلؤ وعقيق وراق بسمعي منه لفظ كأنما ... معانيه سحر للقلوب وثيق وإن تك أفعال الجميل تقدمت ... فإنك في بحر الوفاء غريق

стр. 1522

فلا تولني فوق الوداد تفضلاً ... فليس بأعباء الثناء أطيق ولم يك لبدعاً ما قصدت من العلى ... فإنك بالطبع الكريم خليق وقوله في مثله: أتاني كتاب أنشأته أنامل ... حوت أبحراً من فيضها يغرف البحر فواعجباً أنَّى التوت فوق طرسه ... وما عودت بالقبض أنمله العشر وكان مولد أبي سعيد هذا في سنة سبع وأربعين وخمسمائة وتوفي في سنة ستمائة وللمؤلف عناية بأخذ التقاليد الصادرة عن الملوك وغيرها من الصكوك الرسمية ولو كتب لكتابه كله البقاء لانتفع به كثيراً في هذا الباب لأن فيه ولا شك ما يغفله أكثر المؤرخين. ومما ذكر تقليد فخر الدين أبي الحسن محمد بن محمد المختار الكوفي نقابة الطالبين ببغداد قال المؤرخ: وقد وقفت عليه وهو بخط لنكين أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي كاتب ديوان الإنشاء المعمور حينئذ ومن إنشائه ومن خطه نقلت. وهنا أورد العهد وهو في أربع ورقات ولولا أن في بعض الكتب المطبوعة ما يماثله من التقاليد وربما فاقه بأسلوبه وبلاغته لاقتبسناه. ومن فصول الكتاب المهمة ما ذكره في نقل الفتوة وما تجدد فيها سنة أربع وستمائة والفتوة كما في التاج لغة الكرم والسخاء وفي عرف أهل التحقيق أن يؤثر الخلق على نفسه بالدنيا والآخرة وصاحب الفتوة يقال له الفتى ومنه لا فتى إلا علي وقول الشاعر: فإن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوٍّ أو نفع صديق وعبر عنها في الشريعة بمكارم الأخلاق ولم يجيء لفظ الفتوة في الكتاب والسنة وإنما جاء في كلام السلف وأقدم من تكلم فيها جعفر الصادق ثم الفضيل ثم الإمام أحمد وسهل والجنيد ولهم في التعبير عنها ألفاظ مختلفة والمآل واحد. قلنا والفتوة فيما نرى كما يظهر من هذا التقليد الصادر عن الناصر أشبه بجمعية سياسية. والعهد الصادر عن الخليفة الناصر لدين الله الذي نحن بصدده هو في هذه السنة أهدرت الفتوة القديمة وجُعل أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁ القبلة في ذلك والمرجوع إليه فيه وكان هو قد شرف عبد الجبار بالفتوة إليه وكان شيخاً متزهداً فدخل في ذلك الناس كافة من الخاص والعام وسأل ملوك الأطراف الفتوة فنفذ إليهم الرسل وقد ألبسهم سراويلات الفتوة بطريق الوكالة الشريفة

стр. 1523

وانتشر ذلك ببغداد وتفتى الأصاغر إلى الأكابر واتفق أن الفاخر العلوي كان رفيقاً للوزير ناصر بن مهدي وكان له رفقاء فاختصم أحد رفقائه مع رفيق لعز الدين نجاح الشرابي وصار بذلك فتنة عظيمة بمحلة قطفتا حتى تجالدوا بالسيوف فانتهى ذلك إلى الإمام الناصر لدين الله ﵁ فأنكره وتقدم إلى الوزير يجمع رؤوس الأحزاب وأن يكتب في ذلك منشور يؤمرون فيه بالمعروف والألفة وينهون عن التضاغن ويقرأ بمحضر منهم ويشهد عليهم بما يتضمنه فمن خالفه أخذ سراويله وأبطلت فتوته وعوقب بما يرى من العقوبة وأحضر الفاخر العلوي وقال الوزير للحاضرين اشهدوا عليّ أني قد نزلت عنه وقرأن المنشور عليهم لنكين أبو الحسن محمد بن محمد القمي كاتب ديوان الإنشاء المعمور وهو من إنشائه وهذه نسخته: بسم الله الرحم الرحيم، من المعلوم الذي لا يتمارى في صحته ولا يرتاب في وضوح براهينه وأدلته أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو أصل الفتوة ومنبعها ومنجم أوصافها الشريفة ومطلعها وعنه تروى محاسنها وآدابها ومنه تشعبت قبائلها وأحزابها وإليه دون غيره ينسب الفتيان وعلى منوال مؤاخاته الشريفة النبوية نسج الرفقاء والأخوان وأنه كان ﵇ مع كمال فتوته ووفور رجاحته يقيم حدود الشرع على اختلاف مراتبها ويستوفيها من أصناف الجناة على تباين جناياتها ومللها ومذهبها غير مقصر عما أمر به الشرع المطهر وقدره ولا مراقب فيما رتبه من الحدود وقرره امتثالاً لأمر الله تعالى في إقامة حدوده وحفظاً لمناظم الشرع وتقويم عموده فإنه ﵇ فعل ذلك بمرأى من السلف الصالح ومسمع ومشهد من أخيار الصحابة ومجمع فلم يسمع أن أحداً من الأمة لامه ولا طعن عليه طاعن في حد أقامه وحقيق بمن أورثه الله مقامه وناط به شرائع الدين وأحكامه وانتمى إليه ﵇ في فتوته واقتفى شريف شيمته وكريم سجيته أن يقتدي به ﵇ في أفعاله ويحتذي فيما استرعاه الله تعالى واضح مثاله غير ملوم فيما يأتيه من ذلك ولا معارض فتوة ولا شرعاً فيما يورده ويصدره وقد رسم الله على المراسم العلية المقدسة النبوية الإمامية وزادها نفوذاً معضوداً بالصواب وتأييداً ممتد الأطناب محكم الأسباب على كل من تشرف بالفتوة برفاقة الخدمة الشريفة المقدسة المعظمة الممحدة المكرمة الطاهرة الزكية الإمامية الناصرة الدين الله تعالى شرف الله مقامها وخلد

стр. 1524

أيامها وأعلى كلمتها ونصر رايتها أن من قتل له رفيق نفساً نهى الله تعالى عن قتلها وحرمه وسفك دماً حقنه الشرع المطهر وعصمه وصار بذلك ممن قال الله تعالى في حقه حيث ارتكب هذا المحرم واحتقب عظيم هذا المأتم ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ثلاثة أن ينزل عنه في الحال في جميع الفتيان عند تحققه لذلك ومعرفته ويبادر إلى تغيير رفقته مخرجاً بذلك عن دائرة الفتوة التي كان متسماً بها مسقطاً له عداد الرفاقة التي لم تعم نواحيها ذلك خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم وإن كل فتى يحوي قاتلاً ويخفيه ويساعده على أمره ويؤويه تنزل كبيرة عنه ويغير رفاقته ويتبرأ منه وأن من حوى ذا عيب فقد عاب وغوى ومن آوى طريد الشرع فقد ضل وهوى والنبي ﵇ يقول من آوى محدثاً فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا حدث أكبر من قتل النفس عدواناً وظلماً ولا ذنب أعظم منه وزراً وإثماً فإن الفتى متى قتل فتى في حزبه سقطت فتوته ووجب أن يؤخذ منه القصاص عملاً بقوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص وإن قتل غير فتى عوناًُ من الأعوان أو متعلقاً بديوان في بلد سيدنا ومولانا المفترض الطاعة على كافة الأنام الناصر لدين الله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين فقد عيب هذا القاتل في حرم صاحب الحرب بالقتل فكأنما عيب على كبيرة فسقطت فتوته بهذا السبب الواضح واجب القصاص منه عند كل فتى راجح وليعلم الرفقة الميمونة ذلك وليعملوا بموجبه وليجروا الأمر في أمثال ذلك على مقتضى المأمور به وليقفوا عند المحدود في هذا المرسوم المطاع ويقابلوه بالانقياد والاتباع إن شاء الله تعالى وكتب في صفر من سنة أربع وستمائة وسلم إلى كل واحد من رؤوس الأحزاب منشور بهذا المثال فيه شهادة ثلثين من العدول ثم كتب تحت كل مرسوم ومنشور ما هذا صورته: قابل العبد بما تضمنه هذا المرسوم المطاع وقابله بما يجب عليه من الانقياد والاتباع والامتثال وهو الذي يجب العمل به فتوة وشرعاً وهذا المعروف من سيرة الفتيان المحققين نقلاً وسمعاً وقد ألزمت نفسي إجراء الأمر على ما تضمنه هذا المرسوم الأشرف فمتى جرى ما ينافي المأمور به المحدود فيه كان الدرك لازماً لي والمؤاخذة مستحقة على ما يراه صاحب الحرب ثبت الله دولته وأعلى كلمته وكتب فلان بن فلان في تاريخهأهـ.

стр. 1525

ومن العهود ما صدر عن الخليفة العباسي لرئيس اليهود قال ابن الساعي: وفي تاسع ذي القعدة المذكور ولي ابن وهبة رأس مثنية اليهود وكتب عهده بذلك وسلم إليه فقرأه على اليهود في الكنيسة وهذه نسخته: بسم الله الرحمت الرحيم الحمد لله الواجب شكره الغالب أمره العلي شأنه القوي سلطانه السابغة نعمته البالغة حكمته المتفرد بالجلال والاقتدار والمصرف على مشيئته مجاري الأقضية والأقدار الدال على وحدانيته ببديع فطرته المانع لعجائب صنعته من أن تتعذر في الأوهام كنه معرفته الهادي إلى سبيل الرشاد من شاء من خلقه الهاي سحاب فضله على كل مقر بربوبيته عارف بحقه الذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وعلى آله من أكرم أرومة وأعلى محتد وجرثومة وأشرف العرب منصباً وأمجدها أماً وأباً وأعزها قبيلاً وأوضحها في المكارم سبيلاً وأرسه إلى الأحمر والأسود نبياً اختاره من أصناف الأمم عربياً وأيده بالحكم أمياً وجعله منصوراً بملائكته محمياً وابتعثه بالبرهان الساطع والدليل القاطع ونسخ بشريعته المطهرة مالل السالفة والشرائع فلم يزل ﷺ وعلى آله بأمر الله صادعاً ولأنف الباطل جادعاً ولما أنزل الله مبلغاً ولجهده في نصح الأمة مستفرغاً فصلى الله عليه وعلى آله وعلى سلالة عمه ووارثه وصنو أبيه العباس الذي طهره من الأدناس وفرض مودتهم وطاعتهم على جميع الناس الخلفاء الراشدين وأئمة الحق المجتهدين صلاة لا انقشاع لغمامها ولا انقطاع لتوصل دوامها والحمد لله الذي أصار إلى خليقته في أرضه ونائبه في خلقه الإمام المفترض الطاعة على سائر الأمم الناصر لدين الله أمير المؤمنين ووارث الأنبياء والمرسلين حجة الله على الخلق أجمعين من مواريث أنبيائه ومآثر خلفائه في أرضه وأمنائه ما هو أحق بحيازة مجده وارتداء علائه وأخذ ميثاق طاعته على الأمم في الأزل ألزم أواخر منهم ما ألزم الأول وفرض على خلقه الاقتداء به والائتمام وحاز له وراثة الخليفة عن الخليفة والإمام عن الإمام زاده الله شرفاً إلى شرفه وأدام على العالمين ما منحهم به من شمول عدله وحصانة كنفه فالمسلم والذمي والمعاهد في ظل أياديه الشريفة وادعون وفي رياض الآمنة راتعون ومما يكلأهم من عين رأفته اليقظى هاجعون لا يكدر لهم شرب ولا يذعر لهم سرب وحكم عدله يوجب النظر العام في مناظر أمرهم وجوامع مصالحهم ورعاية جمهورهم لما وطله الله تعالى إليه من سياسة عباده وناطه بشرف آرائه واجتهاده. ولما ضرع دانيال بن ألعازر

стр. 1526

بن هبة الله في ترتيبه رأس مثنية عوضاً عن ألعازر بن هلال بن فهد الدارج على قاعدته وجاري عادته وانتهى ما يتحلى به عند أهل نحلته ويتصف به واستحقاقه لما ضرع فيه بحسن طريقته فيهم وسلامة مذهبه رسم أعلى الله تعالى المراسم الشريفة المقدسة المعظمة الممجدة المكرمة النبوية الإمامية الطاهرة الزكية الناصرة لدين الله زادها الله إجلالاً ممتد الرواق ونفاذاً في الأقطار والآفاق ترتيبه رأس مثنية على عادة الدارج المشار إليه حيث كان ابن الدستور رأس مثنية أيضاً وأن يكون له النظر في الولاية عليه في جميع الأماكن التي جرت عادته بتوليها والتصرف فيها وأن يتميز عن نظرائه وأشكاله باللبسة التي عهدت لأمثاله وسبيل طوائف اليهود وحكامهم بمدينة السلام وكناف العراق الانتهاء في ذلك إلى المأمور به والرجوع إلى قوله في توسط أمورهم والعمل بموجبه وأن يخرجوا إليه من الرسوم التي جرت عادة من تقدمه بها بالأماكن التي كان يتصرف فيها من غير معارضة له في ذلك مع قيامه فيما يأتيه ويدبره بشرائط الذمة والتزامه ومحافظته بالامتثال وبواجب الاعتصام والإجلال إن شاء الله تعالى وبه الثقة وكتب في تاسع ذي القعدة من سنة خمس وستمائة والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الذي ختم النبيين وهو سيد المرسلين المصطفى على سائر الخلق أجمعين. والخليفة الناصر لدين الله هذا هو الذي تقدم كما قال ابن الساعي بإنشاء دور ضيافة لفطور الفقراء في شهر رمضان في سائر محال بغداد شرقيها وغربيها فوقع الشروع في ذلك على يد قوام الدين نصر بن ناصر صدر المخزن المعمور وسلم إلى كل ثقة أهل محله مقدار من العين وأمر بإثبات فقراء أهل كل محلة وأن يجري لكل واحد في كل يوم رطلين من الخبز الفائق وقدح طبيخ فيه نصف رطل لحم ضأن فأثبت في كل دار مقدار خمسمائة نفس زائداً وناقصاً فعم الفقراء والضعفاء هذه الصدقة وانتفعوا بها وتفرغ بالهم في هذا الشهر واستراحوا من السعي في تحصيل القوت والاهتمام به فالله تعالى يجعل ذلك نوراً يسعى بين يديه هذا سوى ما يفرق على الفقهاء في جميع المدارس والصوفية في سائر الربط والمنقطعين في الجوامع والمساجد والزوايا م الغنم والدقيق والذهب أجزل الله بذلك ثوابه وخفف به حسابه.

стр. 1527

كيف كانوا يسيحون كتب أحد الباحثين فصلاً إضافياًُ تحت هذا العنوان في المجلة فآثرنا تحصيله لجمعه بين الفائدة والفكاهة قال: إن السفر اليوم لا يتعدى حد السباق السهل اللطيف فهو قليل النفقة وفي مكنة كل إنسان أن يقوم به ولم يكن كذلك في الأزمان السالفة. بل كان التنقل ولا تدعو إليه إلا الحوادث والأشغال لا اللذة وحب الانتقال يستلزم صنوفاً من المتاعب والمصاعب والمخاطر يصعب علينا الآن تصورها. لم تكن وسائط النقل في القديم لتتعدى الحمار والحصان والجمل والعجلات والهوادج فينزل المسافرون في فنادق لم تكن وافرة العدد. ولقد كان عند العبرانيين فنادق غير مستوفية لشروط النزول فيها حتى أن أرباب الحشمة كانوا يربأون بأنفسهم عن قصدها فكان لهم في كل مدينة أحباب يستقبلونهم فينزلون عليهم وهم يقابلونهم بالمثل وينزلونهم في بيوتهم عندما يسافر هؤلاء أيضاً. دام هذا الحق بين الأسرات مرعياً معمولاً به وأصبح القرى عندهم من أقدس الفروض ولكنه لم يلبث أن اعتوره القلب والإبدال. ولم يمض زمن حتى انقلبت كيفية الضيافة في بلاد اليونان والرومان والعبرانيين وذلك لأنه من الصعب أن يؤوي الإنسان كل قادم واقتصروا في إنزال الضيوف على معارفهم وأصحابهم ومن لهم مقام سام في قومهم أو يحملون وصية لا بد من تنفيذها وكانوا يرسلون بمن عداهم إلى الخانات على نحو ما يقوم اليوم أبناء القرى في إيواء الجند وضباطهم خلال الحرب. وعمت هذه العادة على عهد الفيلسوف اليوناني تيوفراست (٣٧٤ ـ ٣٨٧ ق. م) وقد وصف المؤرخ توسيديد هذه الخانات أو المضافات بأنها دور كبيرة طولها مائتا قدم وهي مقسومة إلى مساكن عالية وسفلية مفروشة فيها سرر من حديد وقلز. لم تكن تعرف الفنادق في أرض اليهودية ولكن كان منها على طريق مصر رأى بعضها موسى وامرأته صنورة على أنها لم تكن ذات بهجة ونيقة بل هي عبارة عن مرابط للبهائم وبالقرب منها آبار فيقضي على المسافر أن يأتي معه بجميع ما يلزم لغذائه. ولا تزال الخانات في المدن والمضافات في الأرياف ببلاد الشرق إلى عهدنا هذا على هذه الصورة لا تفوق القديمة بوضعها ولا باستعدادها. وكانت فنادق الأجرة عند العبرانيين سيئة السمعة وقد صرح بلوتارك المؤرخ اليوناني بأنه لا يجب أن يتعب المرء نفسه بل عليه أن يعمل ما يهوى ولا يحفل بجيرانه فكنت ترى

стр. 1528

فيها محلاً للمائدة واصطبلاً للبهائم ومكاناً للمركبات. وقد وصف أفلاطون أصحاب الخانات في عصره بأنهم لصوص متجبرون أهل قحة وسلاطة يزدرون بمن يعطيهم قليلاً من الأجرة وهي صورة تصدق ولا جرم على بعض أصحاب الفنادق في عصرنا. من كان يظن أن البلاد التي تفردت في تلك الأعصر براحة السائحين فيها هي بلاد فارس؟ فقد كان البريد ينقل فيها (ولا يزال كذلك) مع السعاة على الخيل فينقلون من محطة إلى أخرى الأوامر وقد توفرت أسباب الرفاهية في تلك الفنادق الفاخرة. وعهد عند الرومانيين ضربان من الفنادق منها الفاخر وهو ما كان ينزل فيه السائحون والجند وكانت تحت مراقبة الحكومة وقد ذكر مسيو كالي بأنه رأى مثالاً عنها عندما أقام في البوسنة والهرسك. والحكومة النمسوية تلاحظ تلك الفنادق وتشرف عليها ولكن كانت تلك الفنادق للطبقة العالية من الناس وربما حل فيها الملوك فهل يسوغ أن ينزل هؤلاء مع الصعاليك وربما وصل إليهم منهم أذى. أما الفنادق العامة فكانت منازل حقيرة قال فيها هوراس الشاعر اللاتيني: إذا رغب المرء أن ينزل في أحد هذه الفنادق التي يراها على طريقه من كابو إلى رومية فالعقل أن يترجل وإذا لارضي لنفسه النزول أحياناً فلا ينزلها إلا ذا بلغت به الحال أن تلوث بالوحل إلى ظهره وتبلل بالمطر إلى عظمه وكنت ترى أمثال هذه الأكواخ على الطريق في إيطاليا بكثرة وهي ممقوتة حتى لقد شكا بلين العالم الروماني من أن الفراش لم تكن وثيرة بل كانت محشوة بعيدان القصب على مثال الريش وكان طعامها غليظاً. ومن أجل ذلك كان الأغنياء السائحون يحملون معهم أدوات مطابخهم وبعض أرباب الشرف يصحبون معهم عجلات تحمل البطيخ والثمار التي لم تنضج لئلا يحرموا الفاكهة ويحمل كل منهم معه أواني السفرة كما لا تزال العادة في روسيا إلى اليوم أن يأتي المسافر معه بأدوات الفراش لنومه. وكانت فنادق رومية وخاناتها كثيرة ولاسيما من طريق إبين وهي كأمثالها في بلاد الغاليين سكان فرنسا الأقدمين من حيث قلة العناية وسوء الخدمة. وعلى عهد المؤرخ بوليب اليوناني (٢٠٤ ـ ١٢٢ ق. م) أحدثت طريقة أخذ شيء من الدراهم من كل مسافر أجرة مبيته في أحد الخانات وكان ثمن غذاء الرجل ومبيته يعادل في اليوم ثلاثة سنتيمات بسكة زماننا. وفي القرن السابع للميلاد بدأ المسيحيون في الغرب يحجون إلى الأرض المقدسة وفي

стр. 1529

تأليف أدمان وويلبالد أسقف أشتياد سنة ٧٣٠ إشارات كثيرة تدل على ما كانت عليه أسباب التنقل في القرن السابع والثامن على أن الحج إلى البيت المقدس بدأ قبل ذلك العهد ببرهة طويلة فقد كتب كاهن لم يذكر اسمه منذ سنة ٣٣٣ جدولاً ذكر فيه الطريق من بوردو إلى القدس ذكراً مجرداً. وفي خلال تلك المدة كان للنورمانديين فضل السبق على سائر الأمم الأوروبية بتحمسهم في مثلب هذه الزيارات يضاف إليها في الغالب رغبتهم في جمع المال والإتجار فكانوا يتحاشون تجسم أهوال البحر ولذلك كنت تراهم يقطعون المسافة براً فيمرون بفرنسا وبجزء عظيم من إيطاليا ثم يركبون البحر من نابولي أو كايت أو سالرنا وهي المواني التي كانت تتقايض المتاجر مع سورية. وفي السنين الأولى من القرن الحادي عشر للميلاد اجتمع أربعون سائحاً من النورمانديين وردوا العرب على أعقابهم عندما أغاروا على سالرة وأشؤوا لهم دولة نورماندية في جنوبي إيطاليا. وكانت الحملات الصليبية الأولى على الشرق تسير براً في طرق متعددة. وقد ساعدت العادة في الحملة الثالثة على إدخال تسهيلات كثيرة في تسفير تلك الحملات الضخمة فأنشؤوا يؤثرون الرحيل من البحر. وكانت المدن أو بعض أفرادها تتعهد بتقديم لوازم السفر فقد قال ريكاردوس قلب الأسد ملك الإنكليز في حرب الصليب ميناء مارسيليا على أن تقدم له عشرين سفينة وثمانية مراكب متوسطة الحجم لتقله وتقل أتباعه إلى الأرض المقدسة وكان قد تقدم فن الملاحة وكثر التفنن في إحداث السفن الكبيرة والصغيرة وبلغ عدد الأسطول الذي اجتمع في إيكومورت في الحملة الصليبية السابعة ألفاً وخمسمائة سفينة وقد قضى الصليبيون الذين سافروا إلى فلسطين من طريق الأستانة ثمانية أشهر. وما لنا ولتلك الحملات وما قاسته من المتاعب في قطع المساوف فإن أخبار الأفراد الكبراء ومنهم من كانوا يسيحون لأشغال لهم أو للزيارة أحق بالتدوين. فقد كانت الهوادج والمحفات مألوفة لكبار الأغنياء يركبونها في أسراتهم ولهم عجلات ضخمة خاصة بهم غريبة في شكلها وبطئها ومهما كانت البقر التي تجرها قوية فإنها لا تكاد تجتاز بضعة كيلومترات في النهار إلا بشق الأنفس وذلك لوعوثة الطرق وكثرة البطائح ولطالما اضطرت السائحين أن يحملوا على ظهورهم ما كان يحملهم. وقد كثرت الأديار والصوامع في القرون الوسطى في أوروبا فكنت تراها حيثما انقلبت في

стр. 1530

المدن والقرى تؤوي المسافرين وتطعمهم (على نحو أديار جبال سورية لى اليوم) وإذا دفع المرء من تلقاء نفسه شيئاً من الدراهم للدير الذي أطعمه وآواه فإنما يدفع ما لا يتجاوز القدر الذي كان يلزمه لو نزل في خان أو فندق بعد أن ينزل على الرحب والسعة. ويكفي المؤونة بفضل أصحاب الدير وهذه الأديار على الصورة التي وصفناها تعد والحق يقال أعظم حسنات القرون الوسطى تأتيها تلك الأدباؤ ضاحكة مستبشرة وهي لا تريد ممن تسدي إليهم معروفها جزاءاً ولا شكوراً. ولقد كان الحاج إلى البيت المقدس يدفع في القرون الوسطى خمساً وخمسين دوكاً (سكة ذهبية تختلف باختلاف البلاد) ليركب البحر من مدينة البندقية إلى يافا وذلك ثمن الطعام. وكان المترفون من الفرنجة يتزودون باللحوم والمآكل المغذية كما يحملون الحصر والفرش والخمور والماء وتحمل السفينة مائة راكب. وقد صرفت إحدى السفن سنة ١٤٨١ خمسين يوماً في البحر للسفر من البندقية إلى يافا وفي هذه المدينة يتلقاهم العرب وبعد أن يبقوهم خمسة أيام في مكان رديء يركبونهم الحمير إلى القدس ويحمونهم من البدو ومن الباعة. قال أحد الرهبان ممن رافقوا تلك العصابة ولم يكن العرب يعتدون إلا على المأكولات والمشروبات يطيلون أيديهم عليها ليملؤوا بطونهم. وقد كثر التأنق في السياحات خلال القرن الخامس عشر على كثرة الاضطرابات التي حدثت فيه بحيث أصبحت أساليب النقل أكثر رفاهية من القرون التالية. وشاع على عهد الملك شارك السادس (١٣٨٠ ـ ١٤٢٢) استعمال الجياد والبغال وكان النساء يركبن رديفات للرجال ومن بعده كثر ولوع الناس بالبغال منذ سنة ١٥٤٠ وصار الناس يسيحون على ظهورها لا فرق في ذلك بين الأساقفة ورؤساء الأديار والحكام ومستشاري المملكة والزعماء. وسهل على الناس إنشاء محطات كثيرة للبريد بين البلاد أن يسيحوا بسرعة. والأثقال (العفش) يحملها الخدم على ركائب أخرى يتبعون ساداتهم وعلى ذلك العهد قل الأمن في الطرق وشاعت الخرافات في فرنسا بما حملت إليها ألمانيا من الأفكار فأصبح القوم يكثرون من الاعتقاد بالسحر والسحرة والطوالع السيئة وشاع أن أصحاب الفنادق على وفاق مع الشياطين ومع ذلك كان القتل يكثر في الفنادق وتزورها الأرواح فيفزع السياح ولا يسع أصحابها أن يأخذوا النازلين فيها إلى دورهم ويوهمونهم بأنهم ما داموا

стр. 1531

معهم فلا تسطو عليهم الشياطين ويتلاعبون بهم ويستعملون من أساليب الدهاء والجربذة ألواناً فصار القوم يعتقدون أن الفنادق مسكونة بالجن. وفي أواخر القرن الخامس عشر عنيت الحكومة الفرنسوية بالسائحين وأخذت توعز إلى أرباب الفنادق أن يرفقوا بمن ينزل عليهم فحددوا أسعار المآكل والنوم وكتبوها على واجهات نزلهم وكانت الأجور غالية بالنسبة لذاك العصر وكانت فنادق إسبانيا سيئة الحال إذا قيست بالفنادق الفرنسوية وذلك من حيث الوساخة وسوء الخدمة وكآبة الداخل من بنائها والخارج منه. أما فنادق ألمانيا وإيطاليا فكانت أحسن من فنادق تينك المملكتين لكثرة اختلاف السائحين إليها. جاء القرن السادس عشر وقد اشتهرت أوروبا بنهضة الآداب والفنون ولكن الأخلاق بقيت على توحشها على المبالغة في التنطس في إبداء الأفكار. وكلما كان ينتشر الأدب والعلوم والفلسفة واللاهوت والتصوير بين الناس وتصفو النفوس وتسمو لى قمم الحقائق والعظمة والكمال كانت العادات تنحط إلى دركات التوحش فتكثر الحروب والسلب والقتل من أجل أمور تافهة وكل اختلاف في الأذواق يسوى بحد الخناجر وأقل نزاع ديني يكفي لنشوب ثورة في البلاد. يلبس الرجال ثياب الديباج والمخمل ويزين الظرفاء آذانهم بأقراط ويعطرون شعورهم ويمسكون بأيديهم الخناجر وهم يلبسون القفافيز (الكفوف) بسرور يوازي سرور من يحمل آنية الملبس أو يروح بمروحة. أما النساء فكن يكتسين الألبسة الحريرية والأطواق الغليظة اللؤلؤ والزنانير المحلاة بالجواهر ولم تكن تلك الأبهة لتخفي أخلاق الرجولية فيهن بل كن يطلقن العيارات النارية كما يطلقها فرسان الألمان ممن جعلوا إطلاق النار صناعة لهم وعندئذ أخذت الأذواق تتحسن في فرش الدور والقصور وتسير نحو الرفاهية والملائمة بيد أنه لم ينشأ من ذلك تحسين في أسباب السياحة ولا في موارد الفنادق والخانات وظلت على حقارتها على نحو ما كانت عليه في القرون الماضية أو أكثر. وقد كثر إقبال الفرنسيس على السياحة في القرن السادس عشر ومن أهم السياحات التي تؤثر عن ذاك القرن سياحة الرحالة الجسور آرامون فإنه خلف إيضاحات نافعة عن زيارته للأستانة سنة ١٥١٨ ومما أدهشه ما شاهده من حذق بعض أبطال العثمانيين إذ ذاك ورشاقة

стр. 1532

أيديهم فقال أنه رأى أحدهم بلع بيضة بدون أن يكسرها وبعد ربع ساعة أخرجها سالمة. ووصف القافلة عند منصرفه إلى فارس فقال أنه كان معهم عشرة أعلام وأربعون جملاً وثمانية عشر بغلاً وإحدى عشر دابة أخرى وهودج يقله بغلان وكانوا خمسة وخمسين سائحاً راكبين على أحسن صورة مسلحين سافروا من الأستانة سنة ١٥٤٨ فرجعوا إلى فرنسا في أوائل سنة ١٥٥٠ بعد أن زاروا البلاد العثمانية والفارسية والقدس ومصر. ورحل الرحالة فيليب دي فرسن سنة ١٥٧٢ إلى الأستانة فرأى سوق النخاسة قائمة فيها والإماء والعبيد من أطراف الأرض يعرضون للبيع ومن أراد ابتياع أمة يكشف عن وجهها القناع ولكي يتمكن من معرفة سحنتها وصباغها لا يستنكف عن البصاق عليه ليتأكد فيما إذا كان صبغة أم هو خلقة بلا تصنع. وقد سار في الطريق التي كانت متبعة في القرن السادس عشر للذهاب من فرنسا إلى الشرق براً وهو راغوس ـ نوي بازار ـ اسكوب ـ تاتار بازارجق. ولا يذهبن الفكر إلى أن جميع السائحين كانوا يصرفون وقتاً طويلاً لقطع المسافات فلم يكن جميع الناس كالرحالة مونتين في رفاهيته وبطئه يسيرون على هواهم فإن البارودي لا كارد قضى اثنين وعشرين يوماً للذهاب من الأستانة إلى فونتينبلو في فرنسا وقد عدت هذه السرعة من الغرائب التي يفتخر بها. وبعد أن زار برتراندون دي لابروكيير القدس رجع راكباً من الأستانة إلى فرنسا من طريق بلاد الفلاخ وبلغراد وبست في خمسين يوماً وقف في الطريق أياماً كثيرة. وكثرت على ذاك العهد الرحلات العظيمة فرحل يعقوب كارتيه ثلاث رحلات متوليات إلى كندا وطاف دراك الإنكليزي الهند الغربية وطاف الهولنديان بارنتز وهمسكرك للبحث عن منفذ إلى بلاد الهند من شمالي أميركا وفي رحلتهما أمور نافعة فقد كتبا رحلتهما سنة ١٥٩٦ وكأنهما دوناها أمس بل أنك إذا تلوت ما كتباه يتجليان لك كأنهما الرحالتان المتأخران نوردا لسكيولد ونانسن فقد أعربا فيها آمال كآمال هذين الرحالتين وقاسيا مثل ما قاسيا من قلة الجوع وبرد ونصب. كل هذا والمركبات قليلة فلم يكن في أوائل سنة ١٦٠٠ في باريز سوى أربع مركبات منها واحدة للملك والفنادق فيها مما يضحك ومضى قرنان بعدها والقوم في أوروبا عدتهم البغال

стр. 1533

والخيل والمركبات وسياحتهم تختلف باختلاف أغراض السائحين ومبلغهم من الشجاعة حتى جاء البخار والكهرباء فقصروا المساوف وسهلا السفر بعد أن كان قطعة من العذاب وبعد أن كانت تصرف الأيام الطويلة في الرحلات ويتعارف الناس إلى بعضهم ويقضون الأيام والليالي في المحادثات أصبحوا الآن يصلون أسرع من البرق الخاطف ولعل الأتوموبيل الذي رغبت النفوس في السفر فيه اليوم بدل السكك الحديدية سيبطل بعد حين كما بطلت العربات والهوادج والمحفات ويرى أبناء أبنائنا ما لا يخطر لنا ببال فقد أصبحت الخانات قصوراً فيها كل ما لذ وطاب والحوافل بعد أن كانت يجرها البقر والخيل أصبحت تجر بقاطرة بخارية.

стр. 1534

القضاء على الشقاء كتب فريديك بياسي أحد أعضاء مجمع العلوم الأدبية والسياسية في باريز مقالة في الشقاء الإنساني وتخفيف ويلاته أو نزع شأفاته فقال أنه على كثرة الباحثين في تخفيف ويلات الإنسان والكاتبين فيه ما زال الناس يقولون بأن الشقاء إن لم يزد عما كان فهو لم ينقص ولم يوفق أحد من أولئك العالمين إلى فتح دور النعم والرضى العام. ومهما كان من حسن نية واضعي القوانين وواضعي الأدوية فليس من السهل الاهتداء إلى طريقة تنهض الإنسانية من كبوتها المزمنة في يوم وليلة ولا من الهين اللين القضاء على ما يحف بالبشر من الآلام والأوصاب. ومع هذا فلا أزال أقول أن هذه المعضلة ليست مما يتعذر حله وهذا الداء لا بد من شفائه وهو مما يجب على كل ذي ذمة يحترم طبيعته ويهتم لما يلقى عليه من أعباء المسؤولية أن يسعى إلى بلوغ تلك الضالة المنشودة سعيها ويعقد ناصية الأمل بشفاء الداء. ولا يتم ذلك بسن القوانين واتخاذ الذرائع الخارجية للحيلولة دون هذه الويلات لتقف عند حد القشور دون النفوذ إلى اللباب بل لا يرجى الفوز بهذه الأمنية إلا إذا غيرت الأفكار والأخلاق ولا يدخل التغيير والإصلاح اللذان يقللان من الشر ويدفعانه إلا إذا أدخل الإصلاح من الداخل لا من الخارج على من يتألف منهم المجتمع. وما على من يود الوقوف على أسباب هذا الشر والشقاء إلا أن يبحث ويستقصي وعندها يتجلى له فيما إذا لم تكن الأسباب كلها اختيارية ومعظمها مما يدخل في طوقنا ويصدر عن إرادتنا. فإذا صحت إرادتنا وطردنا شيطان الجهل الذي يضل عقولنا وابتعدنا عن الشهوات المفسدة والسيئات والخطيئات المهلكة وكلها مولدة للشقاء فنكون قد قضينا على الداء في موطنه واجتثثنا عرق الفساد من أصله. لا ينبغي الخلط بين لفظتي الشقاء والفقر واختلاف طبقات الناس فالفقر نسبي وليبس من لوازمه أن يكون مضنياً. قد قال البارون روتشيلد الغني المشهو في نحو النصف من القرن الماضي عندما بلغه موت أغادو من أغنياء الإسبان: يا حسرتا على أغادو فقد كنت أظنه في سعة من العيش أكثر من ذلك. وذلك لأنه بلغه أنه لم يترك سوى ستين مليوناً من الفرنكات. وقالت عجوز للفيلسوف جول سيمون عندما زار منازل مدينة ليل للبحث في حالة ساكنيها: الحمد لله على أن لنا أحذية من قش. تريد ذلك تشبيه نفسها بجيرانها الذين

стр. 1535

قضي عليهم أن يضطجعوا على الأرض بلا غطاء ولا وطاء. ومن المحقق أن الفقر يحالفنا من بعض الوجوه إذ ليس من الناس إنسان إلا ويحرم من الاستمتاع بلذة شريفة ولا يصد عن أمنية مطلبوة. ولكن هذا الحرمان إذا لم يبلغ حده فينا وفي الموجودات التي نعزها لا يمس جوهر الحياة ومتى حصلنا بفضل العمل والعناية الكثيرة اليومية على ما يبلغنا الضروريات إلى حد محدود وأخذنا بحظ من الطعام واللباس والمسكن والمنام لنا ولذوينا. متى حصلنا بفضل الكد على ما نقدر به قدر كفاية أنفسنا بأنفسنا ونستحق به أن نحيا فلا يحق لنا أن نتكلم في الشقاء وإذا فعلنا فنكون قد جلبنا على أنفسنا الإهانة. وما على المرء إلا أن يغتبط وهو في ثيابه القليلة بل وعليه أن يفاخر بها ويباهي بسعادتها إذا كان غنياً عن مسألة أحد على حين لا يظفر بزخارف الحياة الدنيوية والبذخ العالمي إلا بإراقة ماء الوجه ومقاساة الهموم والغموم. الشقاء حالة تصيب المرء بغلطات ارتكبها هو مباشرة أو هو نتيجة سيئة لأغلاط ارتكبها من يلوذ به أو هو عقبى سوء سلوك سببه الجهل والفساد والشهوة والمطامح السيئة وانحلال عرى التضامن فيصير به الإنسان كلاً على غيره عاجزاً مادياً أو أدبياً عن كفاية نفسه وآله تنقطع حيله عن المقاومة وتحرير النفس من ربقة العبودية والانحطاط الذي أصابه أو قبل به فأمسى غريقاً في لجة مزبدة بالنقص الإنساني وما هو إلا الفضيحة والألم والخطر على مجتمعاتنا. بيد أني أكرر ما قلت بأن هذا الانحطاط وذاك التسفل الذي يصيب كثيرين من البشر يسهل تعيين تأثيراته المضنية التي كانت سبباً فيه وإن من السهل وضع الدواء لداء هذه العوارض ما خلا الحوادث والنكبات التي قد يتأتى تخفيف ويلاتها أيضاً. قال الكاتب لابولاي إذا أردت أن تنزح بحر الآلام البشرية فلا تحاول أن تأتي ذلك باتخاذ بعض الكؤوس الكبيرة تجعلها سلاحاً في يد المشرّع فإن البحر تجري إليه المادة على الدوام وخير ما تأتيه أن تحول دون تلك المصادر التي تأتي إليه بالمياه. أصلح الغلط وافثأ سورة الغضب وسدد الأميال الفاسدة واجعل الحكمة عوضاً عن الجنون وحسن الألفة بدل الشقاق وعندها ينزل ذاك البحر اللجي عن معدله بالطبع وتتحسن الحالة العامة. ولنفهم هذه النصيحة ولننظر ما هي تلك المجاري والأنهار التي تجري إلى ذاك البحر الذي لا يغاث الناس فيه ويهلك من يهلك.

стр. 1536

فالحرب هي أول المدمرات والمهلكات. أما الحرب فلا أحاول أن أقضي عليها بعد الذي علم من تنافس الأمم فيما تتخذه من أسباب الحذر والحيطة. وما دام يخشى شر الحريق فلا أحسن من الاستسلام الآن على أصحاب المضخات ودفع مبالغ لضمانة البيوت والمحال وإذا لم نؤد إليهم ما يلزم لإعالتهم فلا نلومن إلا أنفسنا ولعله يقال بأن المال الذي يصرف في هذا السبيل فاحش ولكن إذا توصلنا إلى إلغاء الخطر فلا معنى إذ ذاك للإنفاق على الضامنين وأرباب المضخات وإذ أن خطر الحرب صعب تقليله وهي مخاطرة يمكن توقي الوقوع فيها أكثر من خطر الحريق لأن الحرب توقد نارها الحكومات والأمم فهي ذاً شر لا يجري دائماً بالرضى لأن كثيراً ما يتحمل الناس مصائبها مكرهين وما الحرب إلا صناعية تضمحل ذات يوم فتصل الأمم بكثرة ما تعلمها التجارب إلى درجة تعلم معها أنها لا تربح شيئاً من تحاسدها وإلحاق الأضرار وأن الأريح لها أن تحترم أنفسها وتتعاون وما يقال في تحاسد الأم ومنافستها وتباغضها يقال أيضاً في الأحقاد الاجتماعية وشدتها وما سبب ما نرى من بوادي الحرب وبواردها مهما كان من تجليها أو خفائها بين الأمم والجماعات إلا أننا نعتقد في الغالب بأن الأغراض والحقوق متغايرة ويصعب بث روح السلام فيها لأن عظمة الأمة وقدرتها وثروتها تتجلى لنا كأنها غنائم قضي علينا أن نتضارب من أجلها وليست إرثاً عاماً عهد إلينا تنميته بحسن العشرة والمعونة المتبادلة فبدلاً من أن نفتح تخومنا للتجارة لتأتينا بما ينقصنا من الغلات ونفتح لنا مصارف نصرف فيها ما يزيد عندنا منها لا نفكر إلا في وضع العقبات في تلك التخوم لأنا موقنون بأن الواحد إذا كسب يلزم عليه أن يخسر الثاني وهذا لأننا لا تعلم أن رأس المال هو ثمرة العمل وبذر لا يحفظ وينمو إلا إذا استجال إلى أجور وبذلك يضم إلى العمل المنتج قوة أخرى تقضي قضاءها على الهموم والأحقاد. ألا فلنصلح الأفكار والعدل والإحساس لنحكم الرضا والمعونة المتبادلة بدلاً من التخوف والحسد. ليس ثمة غير الخطيئات العامة كعداوة الأجناس بعضها لبعض وعداوة أهل اللغات المتباينة وعداوة الدين وعداوة الطبقات وهناك خطيئات شخصية كلما زادت تصبح خطيئات عامة ولا تبقى قاصرة على فاعليها. كان علماء الأخلاق هم المتشددين سابقاً في النقمة على انتشار المسكرات والموبقات ولكن من منا اليوم لا يشعر بما شعروا هم به من قبل ونددوا

стр. 1537

بسيئاته. ليست الحكومات وحدها هي التي تبوء بتبعة إكثار الضرائب على الناس كما قال فرنكلين بل هناك ضرائب كثيرة وضعناها بأنفسنا على عواتقنا وذلك إن كسلنا يتقاضانا مما يعادل تلك الضرائب وشراهتنا تسلبنا ضعفي ذلك وعُجبنا ثلاثة أضعافه. وهناك سلسلة من سلاسل المصائب الإنسانية هي هي سبب البلاء واللأواء وأعني بها الخصومات وضروب القسوة وسوء معاملة النساء والأولاد والأمراض التي تنجم عن الخصومات وقلة العفة وضعف البصر ورجفان اليد وأعمال تؤدي بفاعلها إلى الجنون وتضعف الجنس وتورث الأبناء بجهل الآباء أمراضاً يجنيها عليها آباؤهم. ولا تنس أن تذكر في تلك السلسلة نهب الوقت والمال وصرفهما في الملاذ والبذخ والإسراف وما يصرف في الحفلات والأعياد مما جمع بعرق القربة وإنهاك القوى وكذلك ما يجري في سباق الخيل فإن أدعى قوم بأن السباق نافع للجياد فهو ولا جرم غير نافع للناس. وسواء كان المرء بيده شقاؤه أم لم يكن وهو به جدير أم لم يكن فينبغي النظر إلى الأصل فيه فإن من الناس من يقولون بأن للأقدار أيضاً يداً في الشقاء وإسعاد السعيد وذلك لأن العوارض والأمراض والمصائب هي التي تحمل على البيوت فتخربها وتعبث بالنفوس فتشقيها. أما أنا فأقول أن معظمها صادر عنا ونتيجة لازمة لسيئاتنا نحن لا نحسن تناول الغذاء وجعل نسبة بين طبيعة الأغذية اللازمة للقوة العضلية والعصبية والدماغية وبين كميتها. نحن لا نحسن لبس الثياب ولا نجيد التصرف ولا نُعنى بأمور الصحة والنظافة المطلوبة واستجادة الهواء والمسكن الذي يقينا التعرض لضروب الأدواء نحن وعيالنا. لا نحسن انتخاب دور نسكنها وأهلنا بحيث تضمن لنا الهواء النقي والتعرض المطلوب للنور الذي يلقي الحياة. ولا تحفل بالأسباب المختلفة اللازمة للرفاهية كل حين وبدونها تهزل الحياة ولا تنمو ويصبح المرء عرضة للأمراض على اختلاف أنواعها كالحميات الطفحية والرمد والخناق والسل. ومتى دققنا النظر في الشؤون وأعملنا العناية معملها نجد أننا لو أحسنا العناية والحذر والعلم لكنا نجونا من تلك السيئات والنزلات. بقي هناك شيء لا ينبغي لنا أن نغلو فيه لأنه قليل وأعني به المصائب التي لا ضامن من الوقوع فيها كالأمراض التي تصيب أعقل العقلاء وأكبر أرباب الانتباه. هناك الموت الذي

стр. 1538

لا ينجو منه إنسان والحريق الذي لا يكون أبداً نتيجة سوء التدبير. والغرق والفيضانات والمقذوفات وسقوط السكك الحديدية. فهذه المصائب لا ينفع فيها إلا التسليم وهذا ما أعنيه بتولي القضاء على الشقاء لا تلك الضروب من الحوادث التي ليست في الحقيقة مادة الشقاء وأس أساس كل بلاء. على أنها ليست كلها مما يتعذر شفاؤه بل أن العلم بما بلغه من الارتقاء قد أحدث أساليب كثيرة لاستئصال شأفة تلك المواد فإذا لم تستطع أن تمنعها كلها ففي وسعك على الأقل أن تقلل صدماتها وتعدل من نتائجها. نعم إن الحذر قد لا يمنع من قدر. ولكن ليس هناك ما يمنع من التوقي منه بأن يبذل في سبيله ما لا بد منه من العناية ما أمكن. والضمان إذا لم يحل دون حرق العقار وضياع السفينة والموت بأخذ المرء من وسط أشغاله وعياله فهو على الأقل يهيئ السبل لإعادة بناء البيت وفتح المعمل والاستعاضة عن تلك السفينة فلا يدخل المرء إلى داره مع الحزن والخراب والفضيحة فيكون قد أتى بحشف وسوء كيلة. وما أسباب الشقاس في الحقيقة إلا نتيجة أغلاط ناشئة من الجهل وأغلاط ناشئة من سلوك إذا تدبرنا مصيرها وتعلمناه وكانت لنا إرادة في إصلاح النفس كان في الإمكان الخلاص من الشقاء. فالمسألة متوقفة على قليل من المعرفة وقليل من الإرادة فعلينا أن نثير بصائرنا وبصائر غيرنا. والإرادة الثابتة تحول دون الشقاء. وجماع النجاح في ثلاث كلمات: المعرفة والإرادة والقدرة. والعلم والإرادة تولدان القدرة. ويقول تولستوي: إن داء الدواء لا يخرج عنا وليس هو محصوراً في تدابير الإدارة التي تتخذها الحكومات ولا في إدخال الإصلاح على المجتمع بطريقة عرفية قاسية وما الدواء إلا بيدنا بل القسم الأعظم منه فينا فإذا أريد تحسين حالة الإنسانية فالواجب أولاً تحسين حالة الإنسان. وربما قام المشككون وقالوا وهل في الاستطاعة تغيير الناس فنقول لهم نعم نحن نستطيع تغييرهم بتأن ويجب علينا أن نسعى إلى تغييرهم وهذا في الإمكان.

стр. 1539

الرومان وصف إيطاليا شعوبها القديمة: سكنت إيطالي عدة أجناس من الأمم لم يتحدوا في عاداتهم ولغاتهم فكان يعتبر السه لالعظيم الشمالي بين جبال الألب والأبنين جزءاً من إيطاليا وهناك نزل شعوب من الغاليين أتوها من الشمال. فكان الأتروسكيون ينزلون في البلاد الواقعة بين جبال الأبنين والبحر (هو إقليم توسكانيا) إلى نهر التيبر وفي جنوبه ينزل اللاتين. ولقد سكنت قبائل كثيرة في جبا الأبنين الوعرة وراء السهول الرومانية في الشرق والجنوب ولم تدع كل هذه الشعوب باسم واحد ولم تؤلف أمة واحدة بل كانت تنقسم لى أومبريين وصابنيين وفولسكيين وإيكيين وهرنكيين ومارسيين وسامنتيين ولكنهم يكادون كلهم يتكلمون بلغة واحدة ويعبدون أرباباً واحدة ولهم عادات واحدة. يتكلمون كالفرس والهنود واليونان بلغة آرية ولبعدهم وراء جبالهم عن الاختلاط بغيرهم احتفظوا بعاداتهم القديمة وعاشوا عصابات مع قطعانهم مشتتين في الخلاء ولم يكن لهم مدن ولا حواضر بل كانوا يلجؤن زمان الحرب إلى حصون أقيمت في الجبال وقد عرفوا بالشجاعة والقتال وبسلامة الأخلاق ومتانتها وكان منهم بعد حين أعظم قوة للجيش الروماني وفي أمثالهم: من يستطيع أن يتغلب على المارسيين أو أن يغلب بدونهم. جاء في إحدى أساطيرهم أن الصابنيين نزل بهم خطب فادح فاعتقدوا أن الأرباب ساخطون عليهم فعقدوا العزم على أن يسكنوا غضبها وأن يقدموا ضحية إلى رب الحرب والموت كل من يولدون من الأولاد في إحدى فصول الربيع. ودعيت الضحية الربيع المنذور فأصبح جميع الأطفال الذين وضعتهم أمهاتهم تلك السنة ملكاً للرب حتى إذا بلغوا سن الرجال غادروا البلاد وبعدوا عنها إلى القاصية فتألفت عصابات فاختارت كل عصابة أحد حيوانات إيطاليا المقدسة دليلاً من مثل الصرد والذئب والثور وهي تتبعه كأنها تتبع مرسلاً من الرب وحيثما وقف الحيوان تنزل العصابة وتتخذه موطناً لها. وقيل أن عدة شعوب من إيطاليا كان أصلها من تلك الأسرات من النازحين وما زالت محافظة على اسم الحيوان الذي كان أجدادها اتبعوا آثاره في القديم وذلك مثل الهربينيين (شعب الذئب) والبيسانتينيين (شعب الصرد) والسامنتيين وكانت عاصمتهم تسمى بوفيانوم أي مدينة

стр. 1540

البقرة. السامنتيون: كان السامنتيون من أقدر تلك الشعوب وقد سكنوا في إقليم الأبروز وهو معصى حقيقي فينزلون إلى السهول المخصبة في نابلي وبويل وينهبون المدن الأتروسكية والمدن اليونانية. جاهدوا قرنين في الرومانيين فكانوا كل مرة يردون على أعقابهم خاسرين إذ لم يكن لهم موطن ولا نظام ثم يعاودون القتال. وكان جهادهم الأخير شديداً. ولقد أتى شيخ إلى زعماء الجيش بكتاب مقدس كتب على نسيج من الكتان فأقاموا داخل المعسكر سوراً من نسيج الكتان وجعلوا في وسطه مذبحاً والجند واقفين من حوله شاهرين سيوفهم فيدخل أشجع المحاربين إلى السور وتؤخذ عليه العهود أن لا يهربوا من الزحف أمام العدو وأن يقتلوا المنهزمين فأخذ من أقسموا الإيمانات المغلطة وكانوا ستة عشر ألفاً ألبسة من الكتان فتألف منهم (كتيبة الكتان) وشرعت في القتال فقتلت عن آخرها. يونان إيطاليا: سكن إيطاليا الجنوبية طواريء من اليونانيين كما سكن بعضهم مدينة سيباريس وكروتون وتارانت وقوي فيها أمرهم وكثر سوادهم. بيد أن اليونانيين لم يلقوا بأنفسهم قط إلى الوقوع في التهلكة إذ لم يقصدوا رومية خوفاً من الأتروسكيين وما عدا مدينة كومس فإن المستعمرين من أبناء يونان كانت لهم إلى القرن الثالث صلات قليلة مع الرومانيين. الأتروسكيون: أطلق اسم الأتروسكيين إلى الآن على أقليم توسكانيا فسمي تروسكي وهو إقليم حار رطب مخصب للغاية. وظلت حال الأتروسكيين إلى الآن طلسماً من الطلاسم لم نفكه فهم لم يكونوا يشبهون جيرانهم ولا يعلم من أين أتوا بل أننا لا نعرف اللغة التي كانوا يتكلمون بها إلا أن أبجديتهم تشبه أبجدية اليونان ولكن الآثار التي عرفت عن هذا الشعب قصيرة لا نتمكن معها من استثبات لغتهم. كان الأتروكسيون يحسنون استخدام أرضهم في الزراعة على أنهم عرفوا بالبحارة والتجارة أيضاً وكانوا يذهبون كالفينيقيين إلى البلاد القاصية للبحث عن عاج الهند وعنبر البلطيق وعن القصدير والأرجوان الفينيقي والحلي المصرية المكتوب عليها حروف هيروغليفية وعن بيض النعام. وإنك لتجد من جميع هذه الأشياء في قبورهم. وكانت سفنهم تتقدم نحو الجنوب حتى جزيرة صقلية. وقد كان اليونان يكرهونهم ويدعونهم (التيرينيين المتوحشين)

стр. 1541

أو القرصان الأتروكسيين. وكل بحار في تلك العصور ساعدته الأحوال يأتي منه قرصان بحر فكان من مصلحة الأتروسكيين خاصة أن يردوا البحارة اليونان ويصدوهم ليخلوا لهم الجو في الشاطيء الغربي من إيطاليا ويستأثروا بتجارته. ولم يبقوا من آثارهم إلا حوائط حصينة وقبوراً وعندما فتح قبر أحد الأتروكسيين تشاهد وراء باب ذي عمد غرفاً فيها سرر وقد امتدت عليها جثث وحواليها حلي من الذهب والعاج والعنبر وأقمشة الأرجوان وفرش وأوان كبيرة منقوشة ما الجدران فيرسمون عليها صور حروب وألعاب وولائم ومشاهد غريبة. وإن ما استخرج من القبور بالألوف هومن صنع الأتروسكية فازدانت به متاحفنا وصنع على مثال الأواني اليونانية هو من صنع الأتروسكيين أنفسهم وفيها مشاهد ميثولوجية يونانية ولا سيما صور الحروب التي جرت حول طروادة والأشخاص ناتئة حمراء على صفيح أسود وقد أسس الأتروسكيون فقي طوسكانيا اثنتي عشرة مدينة ولكل منها ملكها وحكومتها وكان لهم من الجانبين مستعمرات فلهم اثنتا عشرة مستعمرة في إقليم كامبانيا في جوار نابولي واثنتا عشرة في سهل البو. ديانتهم: اعتقد التروسكيون بأرباب جبارين وربما كانوا أشرارً وأرقى أولئك الأرباب الأرباب المستورون المجهول أمرهم ثم يجيء بعدهم الأرباب الذين يرسلون الصاعقة وعددهم اثنا عشر رباً يؤلفون مجلساً لهم ويعتقدون أنه يقيم تحت الأرض في مدافن الأمواب أربائب مشائيم وكثيراً ما كانوا يمثلون صورهم على أوان من صنع أيديهم فيمثلون ملك الجحيم المدعو مانتوس في صورة جبار مجنح جالس وتاج على رأسه ومشعل بيده كما يمثلون شياطين آخرين مسلحين بسيف ومطرقة والحيات يقبضون عليها بأيديهم وهم يتلقون أرواح الموتى وأهمهم الشيطان شارون المعروف عند اليونان بهذا الاسم أيضاً وقد تخيلوه على صورة شيخ ذي هيئة قبيحة يحمل مطرقة ثقيلة ليضرب بها ضحاياه. ويعتقدون أن أرواح الموتى وتسمى (المان) تخرج ثلاثة أيام في السنة من مقرها في عالم الظلمات وتطوف الأرض تروّع الأحياء وتؤذيهم فيقدم لهم الأتروسكيون ضحايا بشرية تسكيناً لغضبهم لأنهم يحبون الدم. وكانت معارك المصارعين المشهورة التي اصطلح عليها الرومان ضحايا دموية إكراماً للميت في أصل نشأتها وكان للعرافين الأتروسكيين الذين

стр. 1542

دعوا بالهاروسبيسيين أو أهل الفل قواعد يجرون عليها للتنبؤ عن المستقبل فيرصدون أحشاء الضحايا كما يرصدون الصاعقة وطيران الطير فيقف العرف ويدير وجهه نحو الشمال ماسكاً بيده عصا معقوفة ويخط خط يقطع به السماء شطرين فشطر الشرق وهو على اليمين يكون فأل خير وفأل الشمال يكون فأل شر ثم يقطع الشطر الأول على قطع الصليب ويؤلف خطوطاً متوازية يكون منها في السماء شكل مربع يدعونه المعبد فيرمي العرّاف ببصره إلى الطيور التي تمر في ذاك المربع فبعضها كالنسر علامة خير وأخرى كالبومة طالع شؤم. ولقد تنبأ الأتروكسيون عن مستقبلهم بأنفسهم فهم الشعب الوحيد من بين الشعوب القديمة الذي لم يعتقد بأنه خالد وكانوا يقولون أن بلادهم يدون أمرها عشرة قرون وهذه القرون لم يكن كل واحد منها مؤلفاً من مئة سنة ولا تعين مدة القرن إلا بعد أن يجري له فأل. ففي سنة ٤٤ وهي سنة وفاة قيصر ظهر في السماء نجم مذنب فقال أحد العرافين من الأتروسكيين في رومية في جمع من الأمة أن هذا النجم يشير إلى نهاية القرن التاسع وابتداء القرن العاشر وهو آخر قرن يستقيم فيه أمر الأتروسكيين. نفوذ الأتروسكيين: كان الرومان أمة نصف متوحشة فاقتدوا كثيراً بالأتروسكيين وهم أكثر منهم تمدناً وأخذوا عنهم بعض المصطلحات الدينية خاصة مثل ألبسة الكهنة والحكام والشعائر الدينية وعلم معرفة الغيب وزجر الطيور وعندما كان الرومانيون يؤسسون مدينة يجرون على شعائر الأتروسكيين فيخط المؤسس لها بالمحراث سوراً مربعاً وللمحراث سكة من النحاس يجرها ثور أبيض وبقرة بيضاء فيتبع الناس المؤسس ويلقون بمزيد من العناية جميع مدر الأرض من ناحية السور وتصبح كل الهوة التي يشقها المحراث مقدسة لا يستطيع أحد أن يتعداها للدخول في السور ولذلك اقتضى أن يقطع المؤسس تلك الأثلام أو الهوى المقدسة من عدة مواقع فكل مكان يتخطاه المحراث يفتح فيه باب وكل فرجة لم تمسسها السكة تبقى غير مقدسة وتكون باباً يسوغ منه الدخول. ولقد أسست رومية بحسب هذه المراسيم الدينية وكانت تسمة رومية المربعة ويقولون أن مؤسسها قتل أخاه عقاباً له عن تجاوزه السور المقدس الذي خطه ثم جرى الاصطلاح أن تخطط أسوار المستعمرات والمعسكرات الرومانية بل وحدود المساكن بحسب هذه القواعد الدينية وبخطوط نصف

стр. 1543

هندسية. وكان دين الرومانيين من أصل أتروسكي فنقلوه إلى أرجاء العالم القديم بأسره ولذلك حق لآباء الكنيسة أن تسمي بلاد الأتروسكيين أم الخرافات. اللاتينيون: نزل اللاتينيون في بلاد الآكام والشعاب الواقعة جنوبي نهر التيبر وهي يطلق عليها اليوم اسم برية رومية وكانوا قليلاً عددهم ولم تكن مساحة البقعة التي يسكنونها أكثر من ٢٧٠ كيلومتراً مربعاً وكانوا من عنصر واحد كسائر الطليان يشبهونهم باللغة والدين والأخلاق ولكنهم يفوقونهم بالتمدن بعض الشيء يزرعون الأرض ويبنون المدن الحصينة وينقسمون إلى شعوب صغيرة مستقلة ولكل شعب أرضه الخاصة به ومدينته وحكومته وتدعى تلك المملكة الصغيرة مدينة. ولقد قامت ثلاثون مدينة لاتينية فألفت منها مجتمعاً دينياً يشبه مجتمع الأمفكتيون اليوناني وأخذوا كل عام يحتفلون احتفالاً عاماً بعيد لهم وتندب كل مدينة عنها من يمثلها في مدينة ألب فيذبحون صوراً ضحية للرب المشترك بينهم وهو كوكب المشتري اللاتيني.

стр. 1544

وقفة في الأجداث حاطت بليل اليأس مني غياهب ... تضيءُ من الآمال فيها كواكب وجاءت أخيراً من همومي سحائب ... فحجبت الآمال تلك السحائب فما بان لي إلاّ شبحاً متكاثف ... ولا لاح لي إلاّ دجلاً متراكب فيا لك من ليل هناك حالكٍ ... بأهواله ضاقت عليّ المذاهب وطال إلى أن لاح لي في سمائه ... على الأفق فجرٌ من رجائي كاذب قول لعيني حين جفت دموعها ... أأمسكت لما أفجعتنا النوائب لقد غاب من تهوين مرأى وجوههم ... كأنهم زهر النجوم الغوارب وما كان ظني أنه بعد ساعة ... تجف كذا منك الدموع السواكب جمودك يا عيني وقد وقع النوى ... على غير ما وعدٍ لهم لا يناسب وأني على هذا الجمود وطوله ... ألومك يا عيني وإني عاتب فلست براض عنك يا عين بعدهم ... لأنكِ ما أديتِ ما هو واجب وللقلب مني بعد أن كرّ راجعاً ... وقد رحلت أظعانهم والركائب عهدتك تمشي أيها القلب خلفهم ... فقل لي لماذا أنت يا قلب آيب سألتك يا قلبي عن السبب الذي ... رجعت له إني لعودك عاجب فما لك تجثو راجفاً متغيراً ... وما لك ترنو ساكتاً لا تجاوب أجئت تعزيني لأني آسفٌ ... وإني مفجوعٌ وإني خائب فقال بصوت هزَّ أوتاره الأسى ... فرنت رنيناً أكبرته المصائب تبعتهم حتى ثووا في حفائر ... وحجبهم عني من الترب حاجب وقفت على الأجداث حيث تغيبوا ... وصحت فما ردَّ الجواب مجاوب فجئتك كيما أخبر الحال أنها ... شجتني فمرني بالذي أنت طالب ورأيي أن نسعى معاً لقبورهم ... فقلت له يا قلب رأيك صائب أصبت نعم يا قلب فيما رأيته ... فلي بني هاتيك القبور مآرب تقدَّم أمامي ماشياً لتدلني ... عليهم فسرنا والحنين مصاحب فلما وصلنا ساء عيني أن ترى=هنالك أجداثاً عفاهن حاصب سطور قبور في العراء تناسقت ... كما نمق العنوان في الطرس كاتب

стр. 1545

قبورٌ بها نامت أوانس خرَّدٌ ... ونامت بها في جنبهن الذوائب فجاشت هناك النفس من لاعج الجوى ... وقلت لهاتيك القبور أخاطب هنا فيك قد غابت حسان كواعب ... فما فعلت تلك الحسان الكواعب وما فعلت تلك السوالف في الثرى ... وما فعلت في الترب تلك الترائب إلى من تشير اليوم فيك عيونها ... وفوق العيون النجل تلك الحواجب نجوم جمالٍ أمعنت في غروبها ... وأنت لهاتيك النجوم المغارب وكانت مشيدات القصور بروجها ... فمن أين جاءتها تصيب المعاطب لقد كنّ أما ودهن فحاضرٌ ... قريبٌ وأما صدهن فعازب وفي كل يوم كان للزي مطلبٌ ... لهن تجلى منه فيما يناسب ولكنكما اليوم انتهت لتعاستي ... بثوب الأكفان تلك المطالب وكنَّ كأزهار الربيع مبادياً ... أهذي لهاتيك المبادي عواقب قد انتزعتها من حياتي يبد الردى ... كما ينهب العقد المفصل ناهب هنالك جادت أعيني بدموعها ... فهن على الخدين مني سوارب هنالك من نفسي وصدق طويتي ... تمنيت لو أن المنون تقارب نظرت إلى قلبي وكان بجانبي ... إذا هو من فرط الكآبة ذائب فلملمت ذوب القلب ثم سكبته ... على جدث فيه حبيبي غائب وألفيت في نفسي العزاء كمعبدٍ ... قد انهدَّ منه جانب ثم جانب وفارقني لبي لهيبة مصرعي ... فأبعد عني في الفلا وهو هارب وجدت على الأيام والطب والغنى ... وقلت لهم إني عليكم عاتب وأوحشت الدنيا كأن بيوتها ... بعيني وإن كانت قصوراً خرائب مكثت إلى أن أقبل الليل زاحفاً ... وأظلم منه في عيوني الجوانب فأبت لي داري وفي شعب الحشى ... لهيبٌ من الحزن المبرّح لاهب وليس معي في أوبتي لا نهىً ولا ... عزاءٌ ولا قلب لشخصي صاحب سوى نفس في الصدر مني مردد ... فذلك طول الليل آت وذاهب ستبسم في وجهي المنون كأنّها ... محب يسي أو صديق يراقب
следующие страницы →