Полный текст (6 802 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
البيوت في أميركا
تقول إحدى المجلات الأوروبية أن مساكن أهل الطبقة الوسطى في أميركا أحسن حالاً ونظاماً مما هي في أوروبا والسبب في ذلك أنها مبنية على شكل لا يحتاج معه إلى عمل زائد فلا ترى فيه أشياء تعلق على الجدران ولا غرفاً للتزين والتبرج وأن سر هذا الانتظام ناشئ عن أن كل فرد في البيت يعمل فغي ترتيبه بحسب حاله وشأنه حتى أن رب الأسرة نفسه يتعاطى في إصلاح فرش داره وأثاثه ما تتعاطاه زوجته.
مدفع سريع
صنع أحد مخترعي الإنكليز مدفعاً تقطع قذائفه ثلاثين ألف قدم في الثانية بحيث أنه يتأتى للإنكليز أن يحاصروا باريز من لندرا وهم في بلادهم فيرسلون على أعدائهم القذائف فتسير بقوة الكهرباء كالبرق الخاطف.
السمك النافع
قالوا أن جزائر بارباد هي السالمة وحدها من بين جور الأرخبيل من حمى الملاريا فليس فيها البعوض ذو الجناحين الذي ينقل عدوى هذهالحمى وقد بحث أحد ضباط الإنكليز في تلك الجزائر عن سر نجاة بارباد من هذه الحمى فتبين له أن في جميع بطائح تلك الجزائر أسماكاً كثيرة يسميها السكان لكثرتها الملايين وهذا السمك يأكل ديدان البعوض الناقل للحم، وقد نقلت كمية وافرة من هذه الأسماك إلى جزائر الجامايك وكولون وكوبان وغيرها من جزر أفريقية فعساها تأتي على تلك الديدان فلا تبقى للملاريا أثراً وتوفر الأنفس بحسناتها وقدومها الميمون.
التنويم والجرائم
أعلن الدكتور هبرت خلاصة أبحاثه في الاستهواء بالتنويم المغناطيسي فاستنتج بأنه في عدة أحوال في الجرائم يجب البحث عن التأثيرات التي تأثر بها القاتل بإرادة أقوى من إرادته والنظر فيما دعاه إلى ارتكاب ما ارتكب وفيما إذا كان المجرم في أول أمره حسن المنازع ففسد بالقدوة أو بقوة الاستهواء المغناطيسي الآتية عليه من غيره ودلت التجارب التي جرت مؤخراً في باريز على أناس متهمين بالاشتراك ببعض الحوادث الكبرى
стр. 1997
بواسطة تنويمهم لتعديل حالتهم النفسية كل التعديل على أن التأثيرات ممكنة كما دلت أيضاً بأنه كان كثيراً ما يصعب جداً إرجاع المنومين على هذه الصورة إلى حالتهم الطبيعية الاعتيادية. وقد ثبت من بحث الدكتور هبرت بأن عصابة من اللصوص أو القتلة مثلاً يؤثر فيها زعيمها تأثيراً يخضع إرادات أصحابه لسلطانه فيحركهم كما يحرك نوابض (زنبلكات) ساعة دقاقة فتطيعه وتجري طوع يديه. ثبت ذلك بعدة حوادث في تاريخ الجرائم. وأورد الباحث المشار إليه عدة أمثلة غريبة جداً في الاستهواء فقال أن فتاة كانت تطرب الناس بالضرب على الكمنجة مع جوق موسيقى ولكنها لم تكد تستطع أن تبرهن على اقتدارها وذكائها إلا إذا انفردت وحدها بدون أن يختلط ضربها بضرب رفيقاتها وعندما كان يخلو لها الجو ولا ينغص عليها عملها منغص ولا تخضع لإرادة إرادتها لأحد كانت آية في ضربها وكلما كانت تشعر بأن رفيقاتها مسلطات عليها كان يستحيل عليها أن تبدي مواهبها فكانت من ثم ضرباً من ضروب الاستهواء ومن أهم ما لاحظه الدكتور بأن بين الرجل والمرأة عداوة طبيعية في تنازع البقاء فإن أحدهما يحاول بدون شعور منه أن ينزع من صاحبه أو يقلل من اقتداره الشخصي والعقلي ومن رأيه أن هذا أحد نتائج قانون بقاء الأنسب واستدل من ذلك بأنه يجب على كل امرئ أن يحذر من الاستسلام لغيره في مقاصده وعمله على غير روية وسعة نظر.
مخدر جديد
جرب المستشفى الوطني في لندرا مخدر جديد اسمه نوفوكايين ويظهر أنه سينافس مادة الكوكايين المخدرة المعروفة وذلك لأن تأثيره مثلها ولكنه يدوم التخدير به أكثر والتسمم به أقل وثمنه ارخص وهو ينفع في تخدير الأسنان كما ينفع في غيرها.
الذهب الأبيض
اكتشف في كولومبيا منجم جديد من البلاتين أو الذهب الأبيض وكان لا يعدن في تلك الأقطار حتى الآن غير الذهب المعروف ومعلوم أن كولومبيا غنية بمناجمها المختلفة وأن كثيراً منها لم يجر تعدينه بهد وأن ندرة هذا النوع من الذهب وكثرة استعماله قد زادت في قيمة هذا الاكتشاف.
الإلحاد في ألمانيا
стр. 1998
تنادي الصحف المعتدلة في ألمانيا الآن بالويل والثبور على تسرب الإلحاد إلى نفوس الطبقة المستنيرة من الأمة حتى كاد أهل هذه الطبقة في ألمانيا يشبهون بأمثالهم في فرنسا قائلة أن الإلحاد يودي بالأمم ويجعلها أسفل سافلين وقد نسب أحد علمائهم انهيال الزندقة على الألمانيين لمجلة شهرية اسمها طريقة العالم الجديدة جعلت ديدنها الاكتفاء بذكر النظريات الجديدة التي اكتسبتها العقول والشبان من ارتقاء العلم ولاسيما علم الباليانتولوجيا (علم المطمورات من نباتات وغيرها) والجيولوجيا (طبقات الأرض) ومذهب النشوء وهذه المجلة انتشرت في كليات الألمان ومدارسهم انتشاراً كان منه تأثيرها السيء في الأفكار. وشتان بين أمة تدخل إليها الزندقة فتسعى إلى مداواتها والنظر في أسبابها وبين أخرى تدخل إليها فتعدها من دواعي المدنية والارتقاء.
مكتبة الجيب
يتحدثون في أوروبا بطبع كتب على صور مصغرة جداً لا يتمكن من قراءتها إلا بالمجهر ولهذه الطريقة من تصغير حجم الكتب فوائد كثيرة أقلها أنك تستطيع معها أن تحمل في جيبك مكتبة برمتها. فلله در التفنن.
الجمال عند المالايو
يرى أهل شبه جزيرة مالايو في الهند الصينية أن الجمال بطول العنق على العكس مما يراه بعض أمم الشرق وأكثر أمم الغرب بقدود ممشوقة وعيون دعج وتناسب في الأعضاء ولذلك يضع أهل المالايو في أعناق بناتهم منذ ولادتهن أغلالاً من الحديد تضطرهن إلى أن يجعلن رؤوسهن مستقيمة.
إطالة الشباب
يرى الطبيب تراسي الأميركي أن الإنسان لا يعاجله الهرم إذا لم يعش هذه العيشة الحديثة التي تخل بتركيب جسمه وأن معظم الهرم العاجل يجيء من الإفراط في المأكل واستعمال الكحول فيمتزج الدن بمواد سامة لا تفرز منه وتتفقد الشرايين مرونتها وتتصلب بما يتوالى عليها من الضغط ولا يخفف هذا الضغط عن المجاري إلا بالتدقيق في الأكل والشرب واستعمال الكهربائية وبذلك يطول أمد الشباب لأن هذه المجاري تقلل من ضغط الدم وتقوي
стр. 1999
الإفرازات وتؤثر تأثيراً ميكانيكياً في الأنسجة.
رعاية الأطفال
اسفت مجلات إنكلترا لفقدها رجلاً كبيراً اسمه بنيامين وغ كان الحركة الدائمة في جمعية رعاية الأطفال في إنكلترا فبفضله قويت قوة عظيمة ولها الآن في إنكلترا ١١٣٧ مأوى للبنات وترعى مائة ألف طفل وتحميهم من بوائق الأيام وأنواع الفظائع والآثام.
الخيول
ظهر إحصاء بعدد الخيول في العالم المتمدن فتبين منه أن الجمهورية الفضية أكثرها خيولاً ففيها ٤٧٦٢٣٤٠ أي ١١٢ حصاناً لكل مئة ساكن ثم تجيء سيبريا وفيها يصيب كل مئة ساكن ٨٥ حصاناً ثم الولايات المتحدة وفيها ٦٢ في المئة ثم إنكلترا وفيها ١٣ في المئة ثم فرنسا ٧ وألمانيا ٥.
وادي موسى
عني المسيو ألوا موزيل العالم النمساوي بالرحلة إلى وادي موسى في بلاد العرب المعروفة عند الإفرنج ببترا أي العربية الصخرية وقد أصدر الجزء الثالث من رحلته الآن فجاء فيه أن مجموع سكان تلك البلاد يبلغ سبعين ألف نسمة ينقسمون إلى ٤٨ بطناً يجمعها جد واحد يحترمون قبره. وكان من انقطاع هؤلاء السكان عن الاختلاط بغيرهم أن حفظت لهم أخلاقهم الأصلية حتى أن كثيراً من الأشياء التي لا تفهم من شعر الجاهلية إذا درس المرء ما كتبه هذا العالم عن أخلاق سكان وادي موسى وآثارهم وأصولهم ولغتهم وشعائرهم الدينية تتجلى له كل التجلي فقد بقي في أعمالهم الدينية وفي ذبائحهم وضحاياهم خاصة علامات جوهرية من الأديان السامية القديمة حتى أن تاريخ الخرافات عندهم يرد إلى عهد قديم جداً فمنها أنهم يعتقدون بأم المطر عندما يضر الجفاف بمزروعاتهم فيعمد النساء إلى اتخاذ عصاوين يجعلونهما على شكل صليب ينطن به قميصاً ويطفن الأرض التي تشكو قلة المطر منشدات أغاني أوردها المؤلف. ولم يقف تأثير عادات الجاهلية فقط عند هذا الحد في عادات سكان وادي موسى ومعتقداتهم بل أن النصرانية أثرت في مسلمي الكرك آثاراً لم تبرح بادية للأعين فمنها أنهم يعمدون أولادهم على يد قسيس مسيحي ليضمنوا لهم بذلك صحة جيدة وقد أثنت المجلات العلمية على مؤلف هذا الكتاب وقالت أنه منجم فوائد
стр. 2000
ولم تكن للغربيين معرفة بها من قبل.
أندية العملة
جعلت للعملة في بلاد الإنكليز منذ سنة ١٨٦٢ أندية خاصة يأوون إليها آونة فراغهم ولا يكونون فيها عرضة لتعاطي المشروبات الروحية وما برح المشتركون فيها ينمون حتى غدت وارداتها تكفيها. وفي إنكلترا ١١٠٠ ناد ينفق الفرد فيها كل أسبوع ثمن مشروبات ودخان ومياه معدنية شليناً واحداً ومنها مائتا ناد لها صفة سياسية وجميع هذه الأندية تمثل عامة الآراء والمذاهب وتنشئ محاضرات ومسامرات وسماعاً ومعارض زهور وأعياد إحسان ولكل ناد مال خاص ينفق منه على فقراء المقاطعة التي هو فيها. وأهم ما تمتاز به أندية العملة الامتناع عن المشروبات الروحية والإحسان لمن جار عليه الزمان من أبناء بلادهم ولبعضها خزائن كتب سيارة تطوف البلاد ليطالع فيها الناس مجاناً.
أخلاق المالغاشيين
المالغاشيون سكان جزيرة مدغسكر لهم أخلاق وعادات غريبة من حيث عفة لنساء وإليك ما وصفهم به أحد علماء الإفرنج قال: إن ما يطلب من المرأة المالغاشية هو أن تطبخ في أوقات معينة الأرز والمرق الذي يؤكل معه في العادة وعلى ما ينبغي وأن ترتب شؤون البيت وترتب الثياب وتدير بحكمة أملاك بيتها وهذا في الغالب من خصائصها وأن تلد لزوجها أولاداً كثيرين هذه وظيفة ربة المنزل الأساسية وما عدا ذلك فإنها إذا حافظت على عفتها فبها ونعمت ويعد كمالها نوراً على نور مع أنه قلما يلتفت إليه أو يقلق من أجل فقده. الفتاة المالغاشية حرة باستخدام جسمها على النحو الذي تريده. وليس في اللغة المالغاشية لفظ مرادف للعفة والبكارة حتى المرسلين في بعض أنحاء تلك البلاد التي دانت حديثاً بالنصرانية اضطروا إلى أخذ كلمة بكارة من اللغة الإفرنجية يستعملون جملة للدلالة على لفظها فيقولون طهارة السلوك وطهارة القلب للتعبير عن العفة. ولم يستطع أولئك المرسلون أن يعبروا عن تبتلهم إلا بأنهم قالوا أن الله بعث بهم ليكون آباء للمالغاشيين فلا يجدر بالأب أن يتزوج من بناته.
يبلغ الولد سن الحلم هناك في الثامنة أو العاشرة من عمره والبنت قبل هذه السن أحياناً. ولا سبيل إلى تحديد وقت يرتكب فيه الأولاد ما يرتكبون من الخطيئة للمرة الأولى والأم
стр. 2001
تنظر إلى بنتها إذا أتت منكراً نظرة المسرورة المغتبطة كما أن الأب ينظر لابنة إذا فعل ذلك نظرة تفاخر إلا أن بعض الأمهات يدفعن عن بناتهن عشرة الصبيان الذين هم أكبر سناً منهن. وإنك لتجد هناك في مدارس القرى والمدن النبات والصبيان المتزوجين يتعلمن معاً والزوج في العاشرة والمرأة دون ذلك فإذا جاء المساء تهيء الزوجة لزوجها طعامه وهو يكدح لها بأن يجلب الرز واللحم ويحتطب أو يكتسب بعض دريهمات. وعبثاً حاول المرسلون والمعلمون ورجال الحكومة والإدارة هناك أن يعدلوا من هذه العادات في المالغاشيين ولكنها ما تزال راسخة.
على أن هذا الاقتران قليل البقاء وكلا لازوجين متقلب وكل أمر سائغ بدون أن يمس شرف أحد الزوجين. وتحسن المرأة سلوكها بعض التحسين عندما تلد أولاً وليس من العار أن ترزق أولاداً من آباء مختلفين بل أن زوجها لا يرى من الشنار أن يقبل أولاد غيره مع إيقانه بذلك ويعاملهم كما يعامل من تلدهم زوجته منه من الأولاد.
وهذه الحال في أخلاق المالغاشيين وإن كانت أقل مما هي عفي أوروبا ولكنها غير مموهة وليس فيها رياء كما في أوروبا حيث تحتقر الابنة التي تلد من السفاح ويحتقر ابنهم ويستنكف الناس من الاقتراب منه أما المالغاشي فيرى أن الوليد غير مسئول عما نقص من عدم مراعاة أبويه لشروط الزوجية وهي التي ينبغي أن تسبق ولادته في العالم المتمدن بيد أن كثيرين من الأوروبيين على ما فيهم من التقى جديرون بأن يأخذوا في هذا المعنى عن المالغاشيين المتوحشين. والداعي إلى هذه الحالة في المالغاشيين هواء بلادهم الذي يحرك النفوس منذ الصغر ثم أن الأزواج لا يرون بأساً في أن يناموا مع أولادهم ولو كبروا في محل واحد بل على حصير واحد. فيتعلم الطفل ما يتعلم منذ يأخذ في الإدراك. والجنود الأوروبيون المقيمون هناك لا يسعهم إلا أن يتزوجوا المالغاشيات ويلد لهم منهن. والبنت إذا حملت قبل أن يعرف لها زوج تفرح بما تلد هي وأهلها ن الناس في تلك الأصقاع يرون أن الغاية من الزواج تكثير النسل فلا بأس بالأطفال من أي الطرق جاؤوا.
ثم أن المعيشة هناك سهلة للغاية، فطعام الجميع الأرز ملتوتاً بشيء من مرق اللحم أو اللحم أو السمك والبقول المعروفة عندهم والماء الصرف يتساوى في ذلك الفقير والغني ولماذا يهتم المالغاشيون إذا كثر أولادهم ما دامت غاباتهم مملوءة بالشمع والمطاط بحيث لا تنضب
стр. 2002
مهما نقلوا منها وباعوا وبيعها ميسور لهم ثم أن الأولاد لا يلبسون ثياباً غلا بعد السنة الثانية من أعمارهم ويظلون كما ولدتهم أمهاتهم عراة فإذا جاوز الولد هذه السن يعطى قطعة من الخيش أو الجنفيس يلبسها أوي فتقتطع له قطعة من ثياب أمه وأبيه. وإنشاء البيوت هناك سهل للغاية ففي الغابات متسع ليقطع منها خشب البناء وفي المروج من جذوع أشجارهم ما يجعلونه حواجز وحيطاناً ومن الخيزرو ما يفرشونه حصيراً.
ثم أن القوم لا يهتمون بمسألة المواريث وقل أن يهتم الآباء أن يتركوا لأولادهم إرثاً قل أو كثر لأن هؤلاء لا يعرفون كيف يتصرفون به فالدراهم نادرة جداً عندهم والأرض لا قيمة لها وأراضيهم تكثير فيها البقاع التي تصلح لزراعة الأرز والمراعي. والماشية وحدها هي من العلائم الظاهرة على الثروة ولكنها شائعة بين أهل القرية لا يقسمونها ولا يدعى الأولاد لآبائهم بل على العكس يطلق على الأب والأم اسم والديهم وليس بينهم أثر للأسماء التي تنقل خلفاً عن سلف ويطلق على كل إنسان اسم خاص وله أن يغيره على ما يشاء متى شاء.
وبالجملة فإن أخلاقهم وعاداتهم على غرابتها أقرب إلى الطبيعة. هكذا قال الكاتب
стр. 2003
مطبوعات ومخطوطات
كتاب تأويل مختلف الحديث
للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ مصنفات كثيرة قبل أنها تربى على ثلثمائة مصنف وهذا الكتاب من أجودها. الفه بعد أن رأى ثلب أهل الكلام لأهل الحديث وإسهابهم في ذمهم ورميهم برواية المتناقض حتى كثر الاختلاف بين الأمة وقد تعرض في مقدمته لجل ما قاله علماء الكلام في حق رواة الحديث من الجمهور ومراده بأهل الكلام علماء المعتزلة إذ لم يكن هذا اللقب يطلق قديماً على غيرهم وأجاب عن اعتراضاتهم فيها بجواب مجمل وجعل تتمة الكتاب لتأويل الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض أو المخالفة للكتاب العزيز أو المخالفة لصريح العقل الذي دل على اعتباره صحيح النقل. وأكثر في ذلك وأظهر ما اشتهر عنه من البراعة والإجادة فيما ينحو إليه ولكلامه وقع في النفوس وناهيك بمن قيل فيه أنه لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة. وهذا الكتاب يجدر بكل من له ميل إلى علم الحديث أن يطلع عليه. وهنا نكتة مهمة وهو أن ابن قتيبة كغيره من العلماء قد كثر الناقدون عليه في أكثر كتبه شأن كل عالم أطلق لقلمه العنان فينبغي للمطالع في كتبه أن يكون ممن له قوة في النظر (نظار) والكتاب وقع في ٤٦٤ صفحة صغيرة مطبوع طبعاً في الغاية من الصحة والإتقان مقابلاً على ثلاث نسخ إحداها بغدادية والثانية دمشقية والثالثة مصرية وقد علق عليه مصححه الشيخ إسماعيل الخطيب السلفي الإسعر دي شرح بعض الألفاظ اللغوية وطبع علىنفقة محمود أفندي شابندر من تجار بغداد بمطبعة كردستان العلمية بمصر لصاحبها الشيخ فرج الله زكي الكردي فجاء من إنموذجات الكتب المعتنى بها فنشكر للقائمين بالإنفاق عليه وتصحيحه وطبعه كل الشكر.
المنهج المسلوك في سياسة الملوك
ألف علماء العرب عشرات من الكتب والرسائل أهدوها ملوكهم وبعضها لم يزل محفوظاً في خزائن الكتب ومن هذه الأسفار التي لم تمثل بعد بالطبع كتاب المنهج المسلوك لمؤلفه عبد الرحمن بن عبد الله من علماء القرن السادس ألفه برسم خزانة الملك الناصر صلاح الدين يوسف وقسمه على عشرين باباً منها بيان افتقار الرعية إلى ملك عادل وافتقار الملك إليه ومعرفة قواعد الأدب وأركان المملكة ومعرفة الأوصاف الكريمة والحث عليها ومعرفة
стр. 2004
الأوصاف الذميمة والنهي عنها وكيفية رتبة الملك مع أوليائه حال جلوسه وفضل المشورة وأوصاف أهلها وأصول السياسة والجلوس لكشف المظالم وسياسة الجيش ومصابرة المشركين واستماع المواعظ بعبارة سلسلة وأمثلة كثيرة. والكتاب في ١٤٠ صفحة متوسطة الحجم مطبوع بمطبعة الظاهر طبعاً نظيفاً متقناً على نفقة أحمد زكي أفندي أبو شادي ومحمد أفندي رشدي وثمنه خمسة قروش ويطلب من إدارة هذه المطبعة ومن المكاتب الشهيرة.
رسائل البلغاء
جردنا ما نشر في المقتبس من رسائل عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى الكاتب وحكمهما المثقفة ولكماتهما المأثورة حباً بأن تتناول جميع الأيدي من معين بلاغتهما وتنطبع الملكات بطابع الكتابة العربية البحتة فجاءت في مائة صفحة من مثل هذه الصفحات وبحرف كحرفها فعساها تنفع طلاب الآداب العربية والباحثين في الاجتماع والتاريخ والأخلاق وهي تطلب من إدارة المقتبس في القاهرة ومن وكلائه من الجهات ومن المكاتب الشهيرة في مصر والشام والعراق وثمنها فرنك واحد يضاف إليه ربع فرنك أجرة بريد.
стр. 2005
العدد ٣٣ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩٠٨
стр. 2006
الحسبة في الإسلام
وأربعة مخطوطات فيها
عني المسلمون في القرون الأربعة الأولى خاصة بإقامة شعائر الدين على أصوله لتكون مدنيتهم فاضلة كما عنوا بوضع القوانين المدنية استخرجوها من روح الكتاب والسنة ليعملوا بها في معاشهم ومدنيتهم واجتماعهم. وكان يتولى ذلك في الأكثر ولاة الأمر بمعونة العلماء العاملين فإذا ما ضعفوا في بلد أو ناحية يتولى علية القوم من عامتهم ما يصدهم عن خرق سياج الشريعة وإخلال قواعد المدنية الفاضلة حتى لا يجوز قويهم على ضعيفهم ولا يجاهر أحد بمنكر ولا يعتدي على حق ولا يعمل عملاً من شأنه أن يجعل المدينة فاسقة فاجرة لئلا تهلك كما هلك القوم الفاسقون. وقد سموا هذا العمل الحسبة بالكسر وهو الأجر وهو اسم من الاحتساب أي احتساب الأجر على الله تقول فعلته حسبة واحتسب فيه احتساباً والاحتساب طلب الأجر.
وقد وردت في الكتاب العزيز عدة آيات صريحة في وجوب الحسبة وورد عن الشارع الأعظم آثار كثيرة وكذلك عن السلف الصالح والعلماء والعاملين من أهل الصدر الأول. والحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً قسمت كما قسم الأمر بالمعروف إلى ثلاثة أقسام أحدها يتعلق بحقوق الله تعالى والثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين والثالث ما يكون مشتركاً بينهما ويمكننا أن نقسمها إلى دينية ومدنية فالديني منها بطل من بلاد الإسلام منذ أصبحت حكوماتها لا تحافظ على جوهر الدين بالذات. والمدنية بقي أثر ضئيل منها في مصر خصوصاً إلى نحو أواسط القرن الثالث عشر للهجرة واستعيض عنها في بعض البلاد العثمانية بمجالس البلديات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل الحسبة أن يعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فإن الله إنما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون. وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة غلا بالاجتماع والتعاون والتناصر فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم والتناصر لدفع مضارهم ولهذا يقال الإنسان مدني بالطبع فإذا جمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة وأمور يجتنبونها لما
стр. 2007
فيها من المفسدة ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد فجميع بني آدم لا بد لهم من إطاعة آمر وناهٍ فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت ومنهم من لا يؤمن وما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت ولكن الجوزاء في الدنيا متفق عليه من أهل الأرض فإن الناس لم يتنازعوا إن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا روي أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة.
قال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان اقدر من غيرهم وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على كل إنسان بحسب قدرته أن يقول وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض وإذا اجتمع اثنان فصاعداً فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر وأولو الأمر أصحاب الأمر وذوو القدرة وأهل العلم والكلام فلهذا كان أولوا الأمر صنفين العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس كما قال أبو بكر ﵁ للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعاً فإنه من أولي الأمر. أهـ.
وقال ابن الأخوة: الحسبة من قواعد الأمور الدينية وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله وإصلاح بين الناس والمحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم وبياعاتهم ومأكولهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقاتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وقال الماوردي: الحسبة واسطة لين أحكام القضاء وأحكام المظالم فما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصورة عنه من وجهين وزائدة عليه من وجهين فأما الوجهان في موافقتهما لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي علىالمستعدى عليه في
стр. 2008
حقوق الآدميين وليس هذا على عموم الدعاوي وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى أحدها أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن والثاني ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع وثمن والثالث فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة وللناظر في الحسبة من سلاطة السلطة واستطالة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة على الرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزاً فيها ولا خرقاً والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق أن موضوع كل واحد من المنصبين يختلف فالتجاوز فيه خروج عن حده.
وقال ابن خلدون أن الحسبة وظيفية دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلاً له فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها من الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين. ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك ويرفع غليه. وليس له إمضاء الحكم فغي الدعاوي مطلقاً بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكاييل والموازين وله أيضاً حمل المماطلين على الإنصاف وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم وكأنها أحكام ينزه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء وقد كانت في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب والأمويين بالأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي يولي فيها باختياره ثم لما تفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاماً في أمور السياسة اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية.
قلنا أن الناس كانوا يتولون الحسبة بأنفسهم عندما تضعف الحكومات لأن مصلحة أهل كل بلد لا تتم إلا بذب ذي بعضهم عن بعض والتواصي بالحق والجري من العدل على عرق.
стр. 2009
قال ابن الأثير في حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين أن المتطوعة تجردت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذى شديد وأظهروا الفسق وقطعوا الطريق وأخذوا النساء والصبيان علانية وكانوا يأخذون ولد الرجل وأهله فلا يقدر أن يمتنع منهم وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم ويصلهم فلا يقدر على الامتناع وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم ولا يقدر عليهم لأنه كان يغريهم وهم بطانته وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق ولا يعدي عليهم أحد وكان الناس معهم في بلاء عظيم وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطر بل وانتهبوها علانية وأخذوا العين والمتاع والدواب فباعوه ببغداد ظاهراً واستعدى أهله السلطان فلم يعدهم فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنما في الدروب الفاسق والفاسقان إلى العشرة وأنتم أكثر منهم فلو اجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق ولعجزوا عن الذي يفعلونه فقال رجل فدعا جيرانه وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه إلى ذلك فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وامتنعوا عليه وأرادوا قتله فقاتلهم فهزمهم وضرب من أخذه من الفساق وحبسهم ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئاً ثم قام بعده رجل من الحريبة من أهل خراسان فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بالكتاب والسنة وعلق مصحفاً في عنقه وأمر أهل محلته وهاهم فقبلوا منه ودعا الناس جميعاً الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم فأتاه خلق عظيم فبايعوه على ذلك وعلى القتال معه لمن خالفه وطاف ببغداد وأسواقها.
إليك مثالاً مما حدث في حكومة الشرق الإسلامية عندما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض الشيء ومثله جرى في الغرب في مثل هذه الحالة فقد قال ابن خلدون أنه كانت لعهده في القرن التاسع للهجرة بالمغرب نزعة من الدعاة إلى الحق والقيام بالسنة لا ينتحلون فيها دعوة فاطمي ولا غيره وإنما ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغيير المنكر ويعتني بذلك ويكثر تابعه وأكثر ما يعنون بإصلاح السابلة لما أن أكثر فساد الأعراب فيها فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعةا إلا أن الصيغة الدينية فيهم لم تستحكم لما أن توبة العرب ورجوعهم إلى الدين إنما يقصدون بها الإقصار عن الغارة
стр. 2010
والنهب لا يعقلون في توبتهم وإقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك لأنها المعصية التي كانوا عليها قبل المقربة ومنها توبتهم فتجد ذلك المنتحل للدعوة القائم بزعمه بالسنة غير متعمق في فروع الاقتداء والاتباع وإنما دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة ثم الإقبال على طلب الدنيا والمعاش بأقصى جهدهم. انتهى.
هذا غاية ما يقال في تعريف الحسبة وشيء من تاريخها ولمعة من حالتها وقد ألف علماؤنا ما يربي على عشرين كتاباً في الحسبة المدنية خاصة أظفرنا البحث بأربعة منها حتى الآن وها نحن نتكلم على الكتاب الأول منها قال مؤلفه في مقدمته بعد البسملة والحمدلة والصلولة: أما بعد فقد رأيت أن أجمع في هذا الكتاب ما يستند من الأحكام إلى الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مما ينتفع به هذا المنفذ لمنصب الحسبة والنظر في مصالح الرعية وكشف أحوال السوقة وغير ذلك على الوجه المشروع ليكون ذلك عماداً لسياسته وقواماً لرياسته فاستخرت الله تعالى في ذلك وضمنته طرفاً من الأخبار وطرزته بالحكايات والآثار ونبهت فيه على غش المبيعات وتدليس أرباب الصناعات مما يستحسنه من تصفحه من ذوي الألباب والمعلوم المشهور أن الكتاب عنوانه عقول الكتاب وجعلته سبعين باباً يشتمل كل منها على فصول شتى.
الباب الأول: في شرائط الحسبة وصفة المحتسب
الثاني: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الثالث: في الخمر والآلة المحرمة
الرابع: في الحسبة على أهل الذمة
الخامس: في الحسبة على أهل الجنائز
السادس: في المعاملات المنكرة
السابع: فيما يحرم على الرجال استعماله وما لا يحرم
الثامن: في الحسبة على منكرات السواق
التاسع: في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم
العاشر: في معرفة الموازين والمكاييل والأذرع
الحادي عشر: في الحسبة على الطحانين والعلافين
стр. 2011
الثاني عشر: في الحسبة على الفرانين والخبازين
الثالث عشر: في الحسبة على الشوائين
الرابع عشر: في الحسبة على النقانقيين
الخامس عشر: في الحسبة على الكبوديين والبواريين
السادس عشر: في الحسبة على الجزارين
السابع عشر: في الحسبة على الرواسين
الثامن عشر: في الحسبة على الطباخين
التاسع عشر: في الحسبة على الشريجيين
العشرون: في الحسبة على الهراسيين
الحادي والعشرون: في الحسبة على قلائي السمك
الثاني والعشرون: في الحسبة على قلائي الزلابية
الثالث والعشرون: في الحسبة على الحلاويين
الرابع والعشرون: في الحسبة على الشرابيين
الخامس والعشرون: في الحسبة على العطارين والشماعين
السادس والعشرون: في الحسبة على البياعين
السابع والعشرون: في الحسبة على اللبانين
الثامن والعشرون: في الحسبة على البزازين
التاسع والعشرون: في الحسبة على الدلالين
الثلاثون: في الحسبة على الحاكة
الحادي والثلاثون: في الحسبة على الخياطين والرفائين والقصارين
الثاني والثلاثون: في الحسبة على الحريريين
الثالث والثلاثون: في الحسبة على الصباغين
الرابع والثلاثون: في الحسبة على القطانين
الخامس والثلاثون: في الحسبة على الكتانيين
السادس والثلاثون: في الحسبة على الصيارف
стр. 2012
السابع والثلاثون: في الحسبة على الصاغة
الثامن والثلاثون: في الحسبة على النحاسين والحدادين
التاسع والثلاثون: في الحسبة على الأساكفة
الأربعون: في الحسبة على البياطرة
الحادي والأربعون: في الحسبة على سماسرة العبيد والجواري والدواب والدور
الثاني والأربعون: في الحسبة على الحمامات
الثالث والأربعون: في الحسبة على السدارين
الرابع والأربعون: في الحسبة على الفصادين والحجامين
الخامس والأربعون: في الحسبة على الأطباء والكحالين والمجبرين
السادس والأربعون: في الحسبة على مؤدبي الصبيان
السابع والأربعون: في الحسبة على القومة والمؤذنين
الثامن والأربعون: في الحسبة على الوعاظ
التاسع والأربعون: في الحسبة على المنجمين
الخمسون: فصول تشتمل على معرفة الحدود والتعزيرات وغير ذلك
الحادي والخمسون: في القضاة والشهود
الثاني والخمسون: في الولايات والأمراء وما يقلدونه من حالهم وما يتعلق بهم من أمور العباد
الثالث والخمسون: فيما يلزم المحتسب فعله
الرابع والخمسون: في الحسبة على أصحاب السفن والمراكب
الخامس والخمسون: في الحسبة على باعة قدور الخزف والكيزان
السادس والخمسون: في الحسبة على الفاخرانيين والغضاريين
السابع والخمسون: في الحسبة على الأبارين والمسلاتيين
الثامن والخمسون: في الحسبة على المردانيين
التاسع والخمسون: في الحسبة على الحناويين وغشهم
الستون: في الحسبة على الإمشاطيين
стр. 2013
الحادي والستون: في الحسبة على معاصر السيرج واللزيت الحار
الثاني والستون: في الحسبة على الغرابليين
الثالث والستون: في الحسبة على الدباغين والبططيين
الرابع والستون: في الحسبة على اللبوديينن
الخامس والستون: في الحسبة على الفرانين
السادس والستون: في الحسبة على الحصريين والعيداني والكركر
السابع والستون: في الحسبة على التبانين
الثامن والستون: في الحسبة على الحشاشين والقشاشين
التاسع والستون: في الحسبة على النجارين والنشارين والبنائين
السبعون: يشتمل على تفاصيل من أمور الحسبة لم تذكر في غيره
هذه أبواب الكتاب ومنه يفهم ما بني عليه ولا بأس بإيراد فصول منه للدلالة على أسلوبه قال في الباب الأربعين في الحسبة على البياطرة: البيطرة علم جليل سطرته الفلاسفة في كتبهم ووضعوا فيها تصانيف وهي أصعب علاجاً من أمراض الآدميين لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من المرض والألم وإنما يستدل على عللها بالجس والنظر فيحتاج البيطار لى حسن بصيرة بعلل الدواب وعلاجاتها فلا يتعاطى البيطرة إلا من له معرفة وخبرة فالتهجم على الدواب بفصد أو قطع أو كي أو ما أشبه ذلك بغير مخبرة يؤدي إلى هلاك الدابة أو عطبها فيلزمه أرش ما نقص من قيمتها من طريق الشرع ويعزره المحتسب من طريق السياسة.
فصل وينبغي للبيطار أن يعتبر حافر الدابة قبل تعليمه فإن كان أحفاً أو بلا (كذا) نسف من الجنب الآخر قدراً يخ \ حصل به الاعتدال وإن كانت الدابة قائمة جعل المسامير المؤخرة صغاراً والمقدمة كباراً وإن كانت يدها بالضد من ذلك صغر المقدمة وكبر المؤخرة ولا يبالغ في نسف الحافر فتغمز الدابة ولا يرخي المسامير فيحرك النعل ويدخل تحته الحصا والرمل ولا يشد الحافر بقوة فتزمن الدابة واعلم أن النعال المطرقة ألزم للحافر واللينة أثبت للمسامير الصلبة والمسامير الرفيهة خير من الغليظة وإذا احتاجت الدابة إلى تسريع أو فتح عرق أخذ المبضع بين إصبعيه وجعل نصابه في راحته وأخرج من رأسه مقدار
стр. 2014
نصف ظفر ثم فتح العرق تعليقاً إلى فوق بخفة ورفق ولا يضرب العرق حتى يحبسه بإصبعه سيما عروق الأوداج فإنها خطرة لمجاورتها للمري فإن اراد فتح شيء من عروق الأوداج خنق الدابة خنقاً شديداً حتى تندر عروق الأوداج فيتمكن حينئذ مما أراد.
فصل وينبغي للبيطار أن يكون خبيراً بعلل الدواب ومعرفة ما يحدث فيها من العيوب ويرجع الناس إليه إذا اختلفوا في الدابة وقد ذكر بعض الحكماء في كتاب البيطرة أن علل الدواب ثلثمائة وعشرون علة تذكر ما اشتهر منها فمنها الخناق الرطب والخناق اليابس والجنون وفساد الدماغ والصداع والحمر والنفخة والورم والمرة الهائجة والديبة والخشام ووجع الكبد ووجع القلب والدود في البطن والمغل والمغص وريح السوس والقطاع والصدام والسعال البارد والسعال الحار وانفجار الدم من الدبر والذكر والنحل والحلق وعصار البول ووجع المفاصل والرهصة والرحس والداحس والنملة والنكب والجلد واللقوة والماء الحار في العين والناحر ورخاوة الأدنين والضرس وغير ذلك مما يطول شرجه فيفتقر البيطار إلى تحصيل معرفة علاجه وسبب حدوث هذه العللل منها ما إذا حدث في الدابة صار عيباً دائماً ولولا التطويل لشرحت من ذلك جملاً كثيرة وتفاصيل فلا يهمل المحتسب امتحان البيطار بما ذكرناه ومراعاة فعله بدواب الناس والله أعلم.
وقال في فصل في الحسبة على الحمامات وقوامها وذكر منافعها ومضارها: وقد ذكر عن بعض الحكماء أنه قال خير الحمامات ما قدم بناؤه واتسع هواؤه وعذب ماؤه وأعلم أن الفعل الطبيعي للحمام التسخين بهوائه والترطيب بمائه فالبيت الأول مبرد مردب والبيت الثاني مسخن مجفف والحمام يشتمل على منافع ومضار فأما منافعها فتوسع المسام واستفراغ الفضلات وتحلل الرياح وتحبس الطبع إذا كانت سهولته عن هيضة وتنظيف الوسخ والعرق وتذهب الحكة والجرب والإعياء وترطب البدن وتجود الهضم وتنظج النزلات والزكام وتنفع من حمى يوم ومن حمى الدق والربع بعد نضج خلطها عند طول المقام فيها وتسقط شهوة الطعام وتضعف الباه وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة وقد تستعمل على الريق والخلاء فتجفف تجفيفاً شديداً أو تهزل وتضعف وقد يستعمل الحمام على قرب عهد بالشبع بعد الهضم الأول فإنه يرطب البدن ويسمنه ويحسن بشرته.
стр. 2015
فصل وينبغي أن يأمرهم المحتسب بغسل الحمام وكنسها وتنظيفها بالماء الطاهر غير ماء الغسالة ويفعلون ذلك مراراً في اليوم. ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة لئلا يتعلق ماء السدر أو الخطمى فينزلق الناس عليها ويغسلون كل يوم حوض النوبة من الأوساخ المجتمعة فيه وكذلك الفساقي والقدور من الأوساخ المجتمعة من المجاري والعكر الراكد في أسفلها في كل شهر مرة لأنها تركت أكثر من ذلك تغير الماء فيها في الطعم والرائحة ولا يسد الأنابيب بشعر المشاطة بل يشدها بالخرق الطاهرة أو الليف الطاهر ليخرج من الخلاف ويستعمل فيها البخور في اليوم مرتين بالحصالبان الذكر أو المصطكى أو اللادن ولا يدع الأساكفة وأصحاب اللبد يغسلون شيئاً من اللبد ولا من الأديم في الحمام فإن الناس يتضررون برائحته ولا ينبغي أن يدخل الحمام مجذوم أو أبرص وينبغي أن يكون للحمامي ميازر يؤجرها للناس وتكون عريضة حتى تستر ما بين السرة والركبة ويأمر بفتح الحمام في السحر لحاجة الناس إليه للتطهر قبل وقت الصلاة ويلزم الوقاف حفظ أقمشة الناس فإن ضاع منها شيء لزمه ضمانة على الصحيح. ويتخذ بالحمام زيراً كبيراً برسم الماء الحلو أو عذباً إن كان يشرب برسم شرب الناس لاسيما في زمن الحر فإن ذلك من المصالح وكذلك فليكن عنده السدر والادلوك فقد يحتاج الإنسان له ولا يمكنه الخروج مإلى ظاهر الحمام ولو رتب سداراً دائماً على الباب الحمام لبيع السدر وآلة الحمام كان ذلك حسناً.
فصل ويلزم صاحب النوبة باستعمال الأمواس الجيدة الفولاذ حتى ينتفع الناس بها وينبغي أن يكو المزين خفيفاً رشيقاً بصيراً بالحلاقة ويكون حديده قاطعاً كما ذكرناه ولا يستقبل الرأس ومنابت الشعر استقبالاً ولا يأكل كل ما يغير نكهته كالبصل والثوم والكراث وغيره في يوم نوبته لئلا يتضرر الناس برائحة فيه عند الحلاقة ولا يحلق شعر صبي إلا بإذن وليه ولا عبداً غلا بإذن سيده ولا يحلق عذار أمرد ولا تحت مخنث.
فصل ويلزم المحتسب أن يتفقد الحمام في كل وقت ويعتبر ما ذكرناه وإن رأى أحداً قد كشف عورته عزره على كشفها لأن كشف العورة حرام وقد لعن رسول الله ﷺ الناظر والمنظور والنساء في هذا المقام أشد تهاتكاً من الرجال ولهن محدثات من المنكر أحدثها الآن من الملابس ما لم يخطر للشيطان في حساب وتلك لباس الشهرة التي لا يستتر منه أسبال مرط وأدنى جلباب ون جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة
стр. 2016
ويخرجن من جهارة أشكالها في الصورة المعلمة.
وقال في الحسبة على الأطباء الطبائعية والكحالين والجرايحيين والمجبرين: الطب علم نظري وعلم أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة ودفع العلل والأمراض عن هذه البنية الشريفة وقد ورد في ذلك أحاديث منها ما ورد عن عطاء بن السائب قال دخلت على أبي عبد الرحمن السلمي أعوده فأراد غلام له أن يداويه فنهيته فقال: دعه فإني سمعت عبد الله بن مسعود يخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء. وربما قال: سفيان شفاء علمه من علمه وجهله من جهله إلى أن يقول: والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها وأسبابها وأعراضها وعلاماتها والأدوية النافعة فيها والاعتياض عما لم يوجد منها والوجه في استخراجها وطريق مداواتها ليساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها ويخالف بينها وبين كيفياتها فمن لم يكن كذلك فلا يحل له مداواة المرضى ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه ولا يتعرض لما لا علم له فيه وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم. فقد حكي أن ملوك اليونان كانوا يجعلون في كل مدينة حكيماً مشهوراً بالحكمة ثم يعرضون عليه بقية أطباء البلد ليمتحنهم فمن وجده مقصراً في محله أمره بالاشتغال وقراءة العلم ونهاه عن المداواة. وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض أن يسأله عن سب مرضه وعما يجد من الألم ثم يرتب له قانوناً من الشربة وغيرها من العقاقير ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض فإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه ورفع قارورته وسأل المريض هل تناقص به المرض أم لا ورتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال وكتب له نسخة وسلمها لأهله وفي الثالث كذلك وفي اليوم الرابع كذلك وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته وإن مات حضر أوليائه عند الحكيم المشهور وعرضوا عليه النسخ التي كتبها الطبيب فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير من الطب قال: هذا قضى بفروغ أجله وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم خذوا دية صاحبكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه. فكانوا يحتاطون
стр. 2017
على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله ولا يتهاون الطبيب في شيء منه. وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء ويحلفهم أن لا يعطوا أحداً دواءاً مضراً ولا يركبوا له سماً ولا يصفوا السموم عند أحد من العامة ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة ولا للرجال الذي يقطع النسل وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى ولا يفشوا الأسرار ولا يهتكوا الأستار ولا يتعرضوا لما ينكر عليهم فيه.
فصل وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب بكتاب حنين أعني العشر مقالات في العين فمن وجده قيماً فيما امتحنه به عارفاً بتشريح طبقات العين وعدد السبعة وعدد رطوباتها الثلاثة وما يتفرع من ذلك من الأمراض وكان خبيراً بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس ولا يفرط في شيء من لات صنعته مثل صنانير النشل والظفر ومباضع الفصد ودرج المكاحل وغير ذلك وأما كحالو الطرقات فلا يوثق بأكثرهم إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالقطع والكحل بغير علم ومخبرة بالأمراض والعلل الحادثة ولا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينه ولا يثق بأكحالهم وأشيافهم فإن منهم من يضع أشيافاً أصلها النشا والصمغ ويصبغها ألواناً مختلفة فيصبغ أحمر بالسيلقون والأخضر بالكركم والنيل والأسود بالقافيا والأصفر بالزعفران ومنهم من يجعل أشيافاً من مائها ويعجنه بالصمغ ومنهم من يعمل كحلاً من نوى الإهليلج المحرق والفلفل وجميع غشوش أكحالهم لا يمكن حصرها فيحلفهم المحتسب على ذلك إذ لا يمكنه منعهم من الجلوس.
فصل وأما المجبرون فلا يحل لأحد أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يعرف المقالة السادسة من كتاب قوانين الجبر وأن يعلم عدد عظام الآدمي وهي مائتا عظم وثمانية عظام وصورة كل عظم منها وشكله وقدره حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع رده إلى موضعه على الهيئة التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب على ذلك.
فصل وأما الجرايحيون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بفاطاجالس في الجراحات والمراهم وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب ليتجنب بذلك في وقت فتح المواد وقطع البواسير ويكون معه دست
стр. 2018
المباضع فيه مباضع مدورات الرأس والموربات والحربات وفاس الجبهة ومنشار القطع ومخرقة الأذن ورد السلع ومرهمدان المراهم ودواء الكندر القاطع للدم ومنهم من يتهرجون على الناس بعظام تكون معهم فيدفنونها غي الجرح ثم يخرجونها منه بمحضر من الناس ويزعمون أن أدويتهم القاطعة أخرجتها. ومنهم من يضع مراهم الكلس المغسول بالزيت ثم يصبغ لونه أحمر بالمغرة وأخضر بالكركم والنيل والأسود بالفحم المسحوق فيعتبر عليهم ذلك.
وقال في الحسبة على الزعاظ: يجب على المحتسب أن ينظر في أمر الوعاظ ولا يمكن أحداً ممن يتصدى لهذا الفن إلا من اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة عالماً بالعلوم الشرعية وعلم الأدب حافظاً للكتاب العزيز ولأحاديث النبي ﷺ وأخبار الصالحين وحكايات المتقدمين ويمتحن بمسائل يسأل عنها من هذه الفنون فإن أجاب وإلا منع كما اختبر الإمام علي بن أبي طالب ﵁ الحسن البصري وهو يتكلم على الناس فقال له: ما عماد الدين، قال: الورع. قال: فما آفته. قال: الطمع. قال: تكلم الآن إذا شئت. ومن كانت هذه الشرائط فيه مكن من الجلوس على المنبر في الجوامع والمساجد وفي أي بقعة أحب ومن لا يدري ذلك كان جاهلاً بذلك أمنع من الكلام فإن لم يمتنع ودام على كلامه عزر ومن عرف شيئاً يسيراً من كلام الوعاظ وحفظ من الأحاديث وأخبار الصالحين مثل ذلك وقصد الكلام يسترزق به ويستعين على وقته فسح له بشرط أن لا يصعد المنبر بل يقف على قدميه فإن رتبة صعود المنبر رتبة شريفة لا تليق أن يصعد عليه إلا من اشتهر بما وصفناه وكفى به علواً وسمواً أن النبي ﷺ صعد عليه والخلفاء الراشدون من بعده والعلماء والأئمة وكان العصر الأول لبا يصعد فيهم المنبر إلا أحد رجلين خطيب في جامع يوم جمعة أو عيد أو رجل عظيم الشأن يصعد المنبر يعظ الناس ويذكرهم بالآخرة وينذرهم ويحذرهم ويخوفهم ويحثهم على العمل الصالح وكان للناس بذلك نفع عظيم.
وفي زماننا هذا لا يطلب الواعظ إلا لتمام شهر ميت أو لعقد نكاح أو لاجتماع هذيان ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا لفائدة وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب والاجتماع وتجري في المجلس أمور لا تليق من اجتماع الرجال والنساء ورؤية بعضهم
стр. 2019
لبعض وأشياء لا يليق ذكرها وهذا من البدع المضلة وكان الأولى حسم الباب في ذلك والمنع منه وإن تعذر فلا يمكن (المحتسب) من ذلك إلا رجلاً مشهوراً بالدين والخير والفيلة كما تقدم من شرطه ن يكون عاملاً لله مجتهداًُ قولاً فعالاً. قال الله تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ وقال: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً﴾ والفقهاء والمتكلمون والأدباء والنحاة يسمون أهل الذكر والوعاظ قصاصاً. قال بعض العلماء: مجالس الوعاظ خير المجالس وملابسها أفخر الملابس فيها ترق قسوة القلوب وفيها يتاب عن الذنوب ويعترف بالعيوب.
وقال في معرفة القنطار والأرطال والمثاقيل والدراهم: لما كنت هذه المعاملات وزنها اعتباراً للمبيعات لزم المحتسب معرفتها وحقيقتها لتقع المعاملة بها على الوجه الشرعي وقد اصطلح أهل كل إقليم على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان ونحن نذكر من ذلك ما لا يسع المحتسب جهله ليعلم تفاوت الأسعار أما القنطار الذي ذكره الله العظيم في كتابه الكريم فقد قال: معاذ بن جبل هو ألف ومائتا أوقية وهو قول ابن عمر ورواه أبي بن كعب عن النبي ﷺ وعن الضحاك ألف ومائتا مثقال ورواه الحسن عن النبي ﷺ وقال أبو نصره هو ملء مسك ثور ذهباً أو فضة وعن أنس بن مالك قال النبي ﷺ القنطار ألف دينار وعن ابن عباس والضحاك إثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية الرجل المسلم وعن أبي صالح مائة رطل وهو المتعارف بين الناس. والرطل اثنتا عشر أوقية والأوقية اثنا عشر درهماً وهذا لا خلاف فيه لكن الرطل فيه اختلاف كثير في الأمصار والبلدان فالرطل الحجازي مائة وعشرون درهماً والرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهماً والرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً والرطل الدمشقي ستمائة درهم والرطل الحلبي سبعمائة وعشرون درهماً والرطل الحموي ستمائة وستون درهماً والرطل الحمصي سبعمائة وأربعة وتسعون درهماً والرطل الليتي مائتا درهم والجروي ثلاثمائة واثنا عشر درهماً والرطل الحراني سبعمائة وعشرون درهماً والعجلوني والرومي ألف ومائتا درهم والرطل الغزاوي سبعمائة وعشرون درهماً والرطل المقدسي والخليلي والنابلسي ثمانمائة درهم والرطل الكركي تسعمائة درهم.
وفي المحلات أرطال مختلفة فالمتعامل بها في الأسواق ما يذكر: مدينة قوص ولها أحوال
стр. 2020
رطل اللحم والخبز والخضر ثلاثمائة وخمسة وعشرون درهماً وباقي الحوائج مائتا درهم. مدينة أسيوط بمختلف الأحوال فالخبز واللحم ألف درهم ويسمى مناً وباقي الحوائج ليتي مائتا درهم. ومنفلوط اللحم والخبز ليتي مائتا درهم وباقي الحوائج مصري مائة وأربعة وأربعون درهماً. أخميم مدينة مختلفة احوال: الخبز واللحم ألف درهم ويسمى منا والباقي ليتي مائتا درهم. منية بني خصيب على رطل مصر مائة وأربة وأربعون درهماً. ديروط الصربان على رطل مصر مائة وأربعة وأربعون درهماً. مدينة المحلة رطلان وثلثا رطل يكون أربعمائة درهم. ثغر الإسكندرية رطلان وأوقيتان ثلاثمائة واثنا عشر درهماً. ثغر دمياط رطلان وربع ونصف أوقية ثلاثمائة وثلاثون درهماً. البلبيسي رطل وربع مصري مائة وثمانون درهماً. منية سمنود رطلان وسدس ثلاثمائة درهم. مدينة الفيوم مائة وخمسون درهماً ولم أسمع أن بلدة وافق رطلها البلدة الأخرى إلا نادراً أو قرية لقرية لا يؤبه بهما والأوقية م نسبة رطلها جزء من اثني عشر جزءاً.
وأما المثقال فاتفق على أنه درهم ودانقان ونصف وهو أربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات أو أربعة أسباع حبة وهو خمسة وثمانون حبة وخمسة أسباع حبة ووزن كل حبة منها مائة حبة من حبوب الخردل البري المعتدل قال بعض العلماء: الدرهم خمسون حبة وهمسا حبة من حب الشعير كما ذكرنا. ووزن كل حبة من الدرهم سبعون حبة من حب الخردل البري المعتدل والدينار مثل الدرهم وثلاثة أسباعة والدرهم ثم الدينار بنصفه وخمسه وهذا يفيد تقريباً على ما ضبطه الأئمة فإن عرف الدرهم الإسلامي بطريق غير هذه الطريق وتحقق قدره كان ذلك معتمداً في معرفة المثقال وإلا فلا ضابط إلا بما تقدم ذكره من حب الشعير. واختلفت في سبب استقراره على هذا الوزن فذكر أن عمر بن الخطاب رضي اللهعنه لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانيق ومنها الطبري وهو أربعة دوانيق ومنها ما هو ثلاثة دوانيق ومنها اليمني وهو دانق قال: انظروا الأغلب مما يتعامل فيه الناس من أعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والطبري بينهما فكانا اثنى عشر دانقاً فأخذ نصفها فكان ستة داوانيق فجعل الدرهم الإسلامي ستة دوانيق ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالاً ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهماً وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان والله أعلم.
стр. 2021
وحكى سعيد بن المسيب أن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية وكانت الدراهم ترد كسروية وحميرية قليلة فأمر عبد الملك الحجاج بضرب الدراهم بالعراق فضرب بها سنة أربع وسبعين وقيل خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وكتب عليها الله أحد الله الصمد. وحكة يحيى بن النعمان الغفاري أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة وعليها بركة من جاني والله من جانب ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب بسم الله الحجاج وهذه فائدة ذكرت هاهنا لتعلقها بذكر الدراهم فيجب على المحتسب أن لا يهمل أمر هذا الباب وينظر فيه كل وقت والله أعلم.
وقال في معرفة الموازين والمكاييل والأذرع: أصبح الموازين وما استوى جانباه واعتدلت كفتاه وكان ثقب علاقته في وسط العمود ويحدد الثقب ويجعل المسمار فولاذاً حتى تكون سريعة الجريان فمتى لم يفعل ذلك كانت تسكن فيضر بالمشتري.
فصل ويأمر أصحاب الموازين بمسحها وتنظيفها من الأدهان والأوساخ في كل ساعة فإنه ربما يجمد شيء من جرمها فيضر كما ذكرنا وينبغي إذا شرع في الوزن أن يسكن الميزان ويضع فيها البضاعة من يده في الكفة قليلاً قليلاً ولا يهمز الكفة بإبهامه فإن ذلك كله بخس وتكون موازين الباعة معلقة ولا يمكن لأحد من الباعة أن يزن بميزان الأرطال في يده ومن البخس الخفي في ميزان الذهب أن يرفعه بيده تلقاء وجهه ثم ينفخ في الكفة التي فيها المتاع نفخاً خفيفاً فيرجح بما فيه وذلك أن المشتري يكون عينه على الميزان لا إلى فم صاحبه.
ولهم في الميزان صناعة يحصل بها البخس مثل أن يلصق شمعة تحت أحد كفتي الميزان أو يشكل رزة الميزان العليا بخيط شعر رقيق لا ينظره المشتري فيحصل له في ذلك تفاوت. ولهم أيضاً العلاقة التي تسمى الموى وهو أن يكون عمود الميزان فولاذاً ويعمل لسانه أرمهان أو يعوج رأس اللسان إلى الجانب الذي يردي أن يأخذ به فيحصل له ذلك القدر الحرام فيلزم المحتسب مراعاة ذلك في كل وقت. واعلم أنك وليت من الكيل والميزان أمراً من أجله هلكت الأمم السالفة فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار ولا تقل أهلها عثرة فإن الإقالة لا تنهى عن العثار وكل هؤلاء من سواد الناس فمن لم يفقه نفسه وليس همته إلا
стр. 2022
فرجه أو ضرسه فحدهم التعزير التي هي نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى.
فصل والقبان القبطي فينبغي للمحتسب أن يختبره بعد كل حين فإنه يفسد بكثرة استعماله في وزن الحطب والبضائع الثقيلة ويتخذ عنده عيارات من حصى في خرائط ليف هندي أو خيش ويضعها في موضع لا تصل إليها النداوة ولا الغبار ويعين لعيار القبانين رجل يوثق بدينه وأمانته ولا يشوبه في ذلك رياء ولا محاباة لأحد من أبناء جنسه ويلزم المحتسب أن لا يمكن أحداً من الوزن بالقبان إلا من ثبتت أمانته وعدالته ومعرفته بالعدول من أهل الخبرة في مجلسه فإنها صناعة عظيمة والبائع والمشتري واقفان لا يعلمان صحة ذلك من سقمه إلا من لفظه فيعتبر فيه ما ذكرناه.
فصل وينبغي أن يتخذ الأرطال من حديد ويعتبر المحتسب ويختم عليها بختم من عنده ولا يتخذوها من الحجارة لأنها إذا قرع بعضها ببعض فتنقص فإذا دعت الحاجة إلى اتخاذها لقصور يده عن اتخاذ الحديد أمره المحتسب بتجليدها ثم يختمها بعد العيار ويجد النظر فيها بعد كل حين لئلا يتخذوا مثلها من الخشب ورؤوس اللفت ولا يكون في الحانون الواحد دستان من ارطال أو صنج من غير حاجة لأنها تهمة في حقه ولا يتخذ عنده إلا ما جرت العادة باتخاذه مثل ثلث الرطل وثلث أوقية وثلث درهم لمقاربة النصف وربما اشتبه ذلك عليه بالنصف في حال الوزن عند كثرة الزبون والله أعلم.
فصل وينبغي للمحتسب أن يتفقد عيار المثاقيل والصنج والرطال والحبات على حين غفلة من أصحابها فإن في الصيارف من يأخذ حبات الحنطة فينقعها في الماء ثم يغرز فيها رؤوس الأبر الفولاذية ثم تجفف فتعود إلى سيرتها الأولى ولا يظهر فيها شيء ويأمرهم أن يجعلوا لون صنج الفضة مخالفاً للون صنج المثاقيل فربما وضعوا صنجة النصف درهم عوض الرباعي وبينهما تفاوت وكذلك صنجة الثمن عوض صنجة القيراطين والله اعلم.
فصل في المكاييل قال الله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ وقال ﷺ : المكيال على مكيال المدينة والوزن على وزن مكة. والمكيال الصحيح ما استوى أعلاه وأسفله في الفتح والسعة من غير أن يكون محصور الفم ولا يكون بعضه داخلاً وبعضه خارجاً وينبغي أن يشده بالمسامير لئلا يصعد
стр. 2023
فيزيد أو ينزل فينقص وأجود ما عيرت به المكاييل الحبوب الصغار التي لا تختلف في العادة مثل الخردل والبرسيم والبزرقطونا والكسفرة وما أشبه ذلك يكون في كل حانوت من المكاييل الصحيحة مكيال وربع مكيال وثمن مكيال مختوم عليها بختم الحسبة لأن الحاجة تدعو إلى اتخاذ ذلك.
وينبغي للمحتسب أن يجدد النظر في المكاييل فإن من الحمصانيين والفوالين والعلافين من يأخذ قطعة خشب يحفرها مكيالاً فيكون طولها شبراً مثلاً والمحفور في داخلها أربع أصابع فيغتر الناس بسعتها وطولها ولا يعلمون المقدار المحفور وهذا تدليس لا يخفى ويراعى أيضاً ما يلصقونه في أسفل المكيال فإن منهم من يلصق في أسفله الجبر أو الجبس الأسود فيلصقونه لصقاً لا يكاد يعرف منهم من يلصق في جوانبه الكسب فلا يعرف لهم ولهم في مسك المكيال صناعة يحصل بها البخس فلا يدع الكشف عليهم في كل وقت وأما الكيالون فلا خير فيهم ولاسيما في هذا الزمان فإن أكثرهم يكتال ما يقبضه زائداً ويسمى عندهم الفرز والطرح وعند الصرف يجعله ناقصاً ويسمى عندهم المسفق وقد ذمهم الله تعالى بما ذكرنا في أول الفصل فينبغي للمحتسب أن يحذرهم ويخوفهم عقوبة الله تعالى وينهاهم عن البخس والتطفيف في ذلك كله ومتى ظهر له من أحدهم خيانة عزره على ذلك وينهره حتى يرتدع به غيره.
وخرّج أبو داو عن أحمد بن حنبل قال صالح بن أبي ذئيب: خمسة أرطال وثلث واسند البخاري إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل ذكر لي أبي أنه عير مد النبي ﷺ فوجده رطلاً وثلثاًوفي كتاب عقد الجوهر أن أهل المدينة لا يختلف اثنان أن مد النبي ﷺ الذي يؤدى به الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف ولا أقل من رطل وربع وقال بعضهم: رطل وثلث وهو الذي عليه أكثر العلماء. والولبة ستة عشر قدحاً من نسبة كيل البلد.
فصل الأذرع سبع أقصرها القاضية ثم اليوسفية ثم السوداء ثم الهاشمية الصغرى وهي الثلاثية ثم الهاشمية الكبرى وهي الزيادية ثم العمرية ثم الميزانية فأما القاضية وهي تسمى ذراع الدور وهي أقل من ذراع السوداء بإصبع وثلثي إصبع وأول من وضعها ابن أبي ليلى القاضي وبها يتعامل أهل كل وادي وأما اليوسفية إلي يذرع بها القضاة الدور بمدينة
стр. 2024
السلام وهي أقل من ذراع السوداء بثلثي إصبع وأول من وصفها القاضي أبو يوسف وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بإصبع وثلثي إصبع وأول من وصفها الرشيد وقدرها بذراع خادم أسود على رأسه وهي التي يتعامل بها النسا في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر.
وأما الذراع الهاشمية الصغرى وهي البلالية فهي أطول من الذراع السوداني بإصبعين وثلثي إصبع وأول من أحدثها بلال ابن أبي بردة وذكر أنها ذراع جده أبو موسى الأشعري وهي أنقص من الزيادية بثلاثة أرباع عشر وبها يتعامل الناس بالبصرة والكوفة وأما الهاشمية الكبرى فهي ذراع الملك وأول من نقلها إلى الهاشمية المنصور وهي أطول من الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع ويكون ذراعاً وثمناً وعشراً بالسوداء وينقص منها الهاشمية الصغري بثلاثة أرباع عشر وسميت زيادية أن زياداً مسح بها أرض السواد وهي التي تذرع بها أهل الأهواز أما الذراع العمرية وهو ذراع عمر بن الخطاب ﵁ التي مسح بها السواد قال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر بن الخطاب التي مسح بها أرض السواد وهو ذراع وقبضة وإبهام قائمة قال الحكم: إن عمر عمد إلى أطولها وأقصرها وأوسطها فجمع منها ثلاثة وأخذ الثلث منها وزاد عليها قبضة وإبهاماً قائماً ثم ختم طرفيه بالرصاص وبعث ذلك على حذيفة وعثمان بن حنيف حتى مسحا بها أرض السواد وكان أول من مسح به بعده عمر بن هبيرة وأما الذراع الميزانية فيكون بالذراع السوداء ذراعاً وثلثي ذراع وثلثي إصبع وأول من وضعها المأمون وهي التي يتعامل بها الناي في ذراع البريد والسكور والسوق وكري الأنهار والحفائر والذراع المقدر الشرعي الذي ذكره الإمام الغزالي وغيره فهو أربعة وعشرون إصبعاً والإصبع ست شعيرات بطن حبة لظهر أخرى والشعيرة ست شعرات بشعر البغل الناعم والله أعلم.
وقد وردت أسماء في الأبواب المتقدمة في أول هذا المبحث نسيت لطول العهد بها وكثرة دخول الألفاظ الأعجمية بدلها مثل البوارديين الذين يطحنون السدر وهو من المطهرات كالصابون إذا غش يضر ولا ينفع والفاخرانيين والغضاريين وهم الذين يصنعون الزبادي السلطانيات من الحصا المطحون والغضارون باعة الكيزان والمسلاتيين صناع المسلات والمرادنيين الذين يعملون المرادن آلات الغزل القديمة تعمل من خشب السماسم أو من
стр. 2025
السنط الأحمر، وتمثيل المؤلف بالكيل المصري بدل غيره كما رأيت فيالحسبة على الموازين والمكاييل وكما جاء في الحسبة على الهراسين فيه دلالة على انه مصري من أهل القرن السابع ومما يستأنس به أن الكتاب ألف لمصر ما ورد أيضاً في الحسبة على الكتانيين فقال إن أجود الكتان المصري الجنوبي الغض وأجوده الناعم المؤرق وأردأ القصير الخشن الذي يتقصف ولا يخلطون جيده برديئه ولا الكتان البحري بالصعيدي ولا الصعيدي بالكوري وقال في الحسبة عل معاصر السيرج والزيت الحاروعيارة الجرة بالركل المصري ستة وعشرون رطلاً وربع الرطل وسكت وكذلك مثل بالرطل المصري في عصر الزيت وفي غيره.
للبحث صلة
стр. 2026
الرومان
معربة من كتاب تاريخ الحضارة لشارل سليوبوس
رومية الأصلية
رمية: على تخوم قطر اللاسيوم من ناحية بلا الإيتروسكيين يمتد سهل ذو بطائح تتخلله أكمات وتامات هناك على ضفة نهر التيبر أشئت مدينة رومية مقر الشعب الروماني المتفرق في الخلاء. ولقد كانت الحميات تنتاب تلك البلاد وحالتها من الكآبة والبؤس على جانب ولكن كان موقعها جميلاً ونهر التيبر بمثابة هوة قائمة في وجه الإيتروسكيين كما كانت تلك الآكام كالحصون وبين تلك المدينة والبحر ستة أميال وهو بعد لا يكاد ينجيها م سطوة قرصان البحر ويقربها قليلاً من تناول البضائع الواردة إليها. وكان مرفأ أوستي عند مصب نهر التيبر حياً من أحياء رومية كبير مثل بيرة مرفأ آثينة. فموقع رومية كان والحالة هذه مناسباً لحال أمة حربية تجارية.
تأسيس رومية: لا نعرف من حال القرون الأولى لرومية غير أساطير. والرومانيون أنفسهم لا لم يعرفوا عنها شيئاً مثلنا. قد اعدوا أن رومية كانت لأول أمرها مدينة صغيرة مربعة المساحة قائمة كلها على رابية بالاتين ويدعى مؤسسها رومولوس وهو الذي اختط سورها بمحراث مراعياً تخطيطها الشعائر الإيتروسكية. وكان الرومانيون يحتفلون كل سنة يوم ٢١ ابريل (نيسان) بعيد هذه المدينة فيطوفون حول سورها الأصلي فيدق أحد الكهنة مسماراً في بعض المعابد تذكاراً للحفلة. وكان يقدر أن الاحتفال بتأسيس تلك المدينة قد وقع في سنة ٧٥٤ قبل المسيح.
أنشئت على الروابي الأخرى قبالة جبل بالاتين عدة مدن صغرى ونزلت عصابة من سكان الجبال من السابنيين في معبد الكابيتول كما حلت عصابة أخرى من متشردي الأيتروسكيين في جبال سليوس وربما كان ثمة أيضاً شعوب أخرى. وانتهت الحال بجميع أولئك الجماعات الصغيرة أن يجتمعوا في مدينة رومية الواقعة على رابية بلاتين ثم أنشئ سور جديد أحاط بالسبع أكمات. أما ساحة المريخ حيث يقف الجيش فكانت ممتدة إلى نهر التيبر من الشاطئ الآخر من النهر خارج السور فكان الكابيتول في رومية مثل الأكروبول في آثينة. ولقد قامت على هذا الصخر معابد الأرباب الثلاثة حامية المدينة وهي المشتري
стр. 2027
وجونون ومنيرفا وهنالك القلعة التي حوت خزانة الحكومة وسجلات الأمة. وفي أساطيرهم أنهم عثروا عندما حفروا أسس المدينة على رأس رجل قطع حديثاً فكان هذا الرأس فألاً حسناً أولوه بأن رومية ستغدو رأس العالم.
تقاليد بشأن الملوك وإنشاء الجمهورية: جاء في هذه التقاليد أنه حكم رومية ملوك مدة قرنين ونصف ولم تذكر فيها أسماؤهم وتاريخ وفياتهم بل ذكرت تراجمهم وقيل أنهم كانوا سبعة ملوك خرج الأول وهو رومولوس من مدينة آلب اللاتينية فأنشأ مدينة بالاتين وقتل أخاه الذي ارتكب محرماً بأن قفز من فوق خندق سور المدينة ثم حالف أحد ملوك السابنيين المدعو تاتيوس. وفي تقليد آخر أنه أنشأ في سفح المدينة حياً محاطاً بسياج حشر إليه جميع المتشردين الذين أحبو الانضمام إليه.
أما الملك الثاني وهو نومابومبيليوس فقد كان سابنياً وهو الذي رتب الديانة الرومانية آخذاً برأي إحدى الربات إيجري التي كانت تسكن في غابة وكان الملك الثالث المدعو تولوس مارتيوس حفيد نوما الموما إليه بنى جسراً من خشب على نهر التيبر وأنشأ جسر أوستي وعليهما كانت تمر تجارة رومية منذ ذاك الحين. وكان الملوك الثلاثة الآخرون من الإيتروسكيين وحدث من أمر تاركين القديم أن توسع المملكة الرومانية وأدخل الاحتفالات الدينية الشائعة في بلاد إيتر وريالو الإيتروكسكيين ونظم سرفيوس توليوس الجيش الروماني بان أدخل فيه جميع أهل البلاد بدون تمييز في موالدهم وأعمارهم. ووزعهم مئات مئات بحسب ثروتهم أما الملك الأخير المدعو تاركين الباهر فقد ظلم الأسرات الكبرى في رومية فتآمر عليه بعض الأشراف ووفقوا على طرده.
ومذ ذاك العهد (٥١) لم يملك الرومانيين ملك فكان البلاد الرومانية أو كما يقال الملك العام يحكم عليها حاكمان يختاران كل سنة ويسميان (القناصل). وليس من الممكن أن نعلم ما في هذا التقليد من الحقيقة لأنه نشأ قبل أن يبدأ الرومان في وصف تاريخهم بزمن طويل وفي هذا التقليد من الأساطير ما لا يسعنا قبوله برمته. وقد حاول بعضهم أن يفسر أسماء هؤلاء الملوك ويستدل منها بأنها رمز إلى جنس أو على طبقة خاصة كما حاول بعضهم أن ينشئ تاريخ رومية في عهده الأول على ضروب من الصور ولكن كلما بذلت العناية للنظر فيه صعب الاتفاق بين المشتغلين في ذلك على تقرير أمر وكثر الخلاف بينهم.
стр. 2028
وصف ترتيبات الرومانيين على سبيل الإيجاز: كان في رومية نحو القرن الخامس قبل المسيح طبقتان من الناسي وهما الباترسين والبلبين (أي الأشراف والعامة) فكان الباترسيون من نسل قدماء الأسرات المقيمة منذ القدم في البقعة الضيقة في ظاهر مدينة رومية وكان لهم وحدهم الحق أن يظهروا في مجمع الأمة وأن يحضروا الحفلات الدينية وأن توسد غليهم الوظائف. ويعتقدون أن أجدادهم أسسوا المملكة الرومانية أو كما يقال المدينة الرومانية وأوصوا بها لهم فكانوا هم من ثم الشعب الأصلي في رومية أما البلبين فهم من نسل الغرباء النازلين في المدينة ولاسيما من المغلوبين من سكان المدن المجاورة إذ أن رومية أخضعت بالتدريج جميع المدن اللاتينية وضمن سكانها إليها بالقوة فأصبحوا رعايا لرومية لكنهم ظلوا غرباء عنها يخضعون لحكومة رومية دون أن يشركوها في شيء من الأمر فلا يدينون بالدين الروماني ولا يسوغ لهم أن يحضروا الحفلات الدينية ولا أن يتزوجوا من الأسرات الشرئفة وكانوا يدعون بالبلب أي الجمهور ولا ينظر إليهم بأنهم جزء من الشعب الروماني. وقد وجدت في الصلوات القديمة هذه العبارة لخير الشعب وخير البلبين في رومية.
وكان يجتمع أبناء البلاد وعليهم أسلحتهم كل سنة خارج المدينة في ساحة المناورات (ساحة المريخ) ينتخبون زعيمين يطلقون عليهم لقب القضاة أو القناصل. وكان هؤلاء القناصل في خلال السنة التي يتوظفون بها يحكمون رومية ويقودون جيشها وبيدهم حياة جميع أفراد الأمة وموتها. يرافقهم إثنا عشر رجلاً من حملة الفؤوس إشارة لما لهم من السلطة فيحمل كل منهم فأساً وحزمة قضبان لجلد المجرمين أو ضرب رقابهم. فيجلس القناصل على عادة قدماء الملوك على دكة تشبه العرش وهي كرسي عال من العاج. ويستعاض في أوقات الحروب الخطرة عن القنصلين بحاكم واحد يلقون إليه بزمام السلطة فيصبح الحاكم المتحكم والآمر الناهي وحده ويكون في قبضته الأربعة والعشرون جلاداً ولكن سلطته لا تدوم إلا ستة أشهر.
فيجمع القناصل مجلس الشيوخ وهو مؤلف من رؤساء الأسرات وكبار أرباب الأملاك للمفاوضة في المسائل المهمة ويدعى هؤلاء بالآباء ويدعى نسلهم بالأشراف فكان مجلس الشيوخ يصدر رأيه ويطلقون عليه رأي الشيوخ ومن العادة أن يلتزم القناصل امتثاله
стр. 2029
فكانت من ثم رومية محكوماً عليها من القناصل ومجلس الشيوخ في آن معاً.
النزاع بين طبقات الشعب: كان العامة وأهل الطبقة الوسطى عبارة عن شعبين متبايني سادة ورعية. ومع هذا كان حال أهل الطبقة الوسطى يشبه كثيراً حال الأشراف فهم يخدمون في الجندية مثلهم ويخدمون في الجيش على نفقتهم ويفادون بأرواحهم في خدمة الشعب الروماني وهم مثلهم من أهل الفلح والكرث يعيشون في قراهم وأماكنهم وكان كثير من أهل الطبقة المتوسطة أغنياء ومن أسرة قديمة والفرق بين الطبقة المتوسطة وبين الأشراف أن الأول كانوا من نسل أسرة عظيمة من بعض المدن اللاتينية المغلوبة على حين كان الأشراف من نسل أسرة قديمة من سكان المدينة الغالبة. ولم ترض نفوس أهل الطبقة الوسطى أن تظل ساكتة على ما قضي به عليها من المهانة بل ثار بينهم وبين الأشراف نزاع دام قرنين من نحو ٢٩٣ إلى سنة ٥٠٠ وإليك كيف بدأ ذلك على نحو ما ورد في أساطيرهم.
رأى أهل الطبقة الوسطى ذات يوم أنفسهم مهانة فاعتصموا في جبل هناك وعليهم أسلحتهم وعزموا أن يناوئو الشعب الروماني فهال عزمهم جماعة الأشراف فبعثوا إليهم بالقائد منينوس أغريبا ليقص عليهم قصة الأعضاء والمعدة فرضيت الطبقة الوسطى بالدخول في الطاعة وعقدت محالفة مع الشعب فمنح رؤساء هذه الطبقة الحق في أن يمدوا يد المساعدة لأهل الطبقة الوسطى للأخذ بيدهم من حيف خحكام الأمة ولأجل أن يحولوا دون قيام أمر يخالف رغائبهم. وقد كان يكفي أن يلفظ أحدهم قوله فتو أي إني أعارض فيتوقف البت في الأمر. وقد كان الدين يحظر الانتقاض على المدافع عن حقوق الشعب ومن فعل ذلك استحق العقاب من أرباب الجحيم.
فضل أرباب الطبقة الوسطى آخذين أنفسهم بمجاهدة خصومهم من أهل الطبقة العالية وإذ كانوا أعز منهم نفراً وأكثر غنى وأيداً انتهت بهم الحال أن ظفروا بهم فتوصلوا أولاً إلى وضع قوانين عامة للجميع وأن يسمح بالزواج بين أهل الطبقة العالية والطبقة والوسطى وكان أصعب ما في هذا التغيير نزع الاستئثار بسلطة الحكم أو الذهاب بفضل الشرف وقد كان الدين يأمر بأنه يجب قبل ن يعين رجل حاكماً أن يطلب من الأرباب فيما إذا كانت توافق على انتخابه أم لا. فيسألون الأرباب عن رأيها في ذلك بزجر الطيور ويسمونه أخذ
стр. 2030
الفأل. بيد أن الديانة الرومانية القديمة لم تكن تسمح بأخذ الفأل إلا على اسم رجل من أهل الطبقة العليا وما كان يخطر في بال القوم بأن الأرباب يقبلون بحاكم من أهل الطبقة الوسطى. وكان ثمت أسر كبرى من الطبقة الوسطى تحرص على أن تصبح مساوية لأسر الأشراف في تولي المناصب كما كانت تساويها في الغنى والمكانة فاضطر أهل الطبقة الأولى إلى أن تفتح لهم جميع المناصب شيئاً فشيئاً فبدأوا يدخلون في مجلس القناصل سنة ٣٦٦ وفي مجلس الحكم ٣٥٥ والقضاء سنة ٣٣٧ والمراقبة سنة ٣٣١ وزعامة الدين الكبري سنة ٣٠٢ ومن ذاك العهد امتزج الأشراف أهل الطبقة العليا بأهل الطبقة الوسطى وأصبحوا شعباً واحداً.
الديانة
أرباب الرومان: اعتقد الرومان كاعتقاد اليونان بأن كل ما يحدث في هذا العالم هو مما قضت به إرادة خالق ولكنهم لم يعتقدوا بإله واحد يدبر العالم بل قالوا بتعدد الرباب بتعدد المظاهر المختلفة التي تتجلى فيها أوامرهم ونواهيهم. فهناك رب ينبت البذر وآخر يحمي حدود الحقول وثالث يحرس الثمار. ولكل رب اسمه وجنسه وعمله. وأهم الأرباب المشتري رب السماء وجانوس ذو الرأسين والمريخ رب الحرب وعطار رب التجارة وفولكان رب النار ونبتون رب البحر وسريس ربة الحصاد والأرض والقمر وجونون وومنيرفا.
ثم يجيء الأرباب من الدرجة الثانية فكانت تتجسد في بعض تلك الأرباب صفة من الصفات كالفتاء والاتحاد والراحة والسلام ويشرف بعضها على عمل من أعمال الحياة فعندما يولد المولود يأتيه رب يعلمه النطق وربة تعلمه الشرب وأخرى تقوي عظامه وربان يرافقانه إلى المدرسة وآخران يرجعان به وبالجملة فإنهم كانوا يعتقدون بوجود جيش من الأرباب من الدرجة الثانية. ويعتقدون بأن هناك أرباباً تجمي مدينة وحارة وجبلاً وغابة. ولكل نهر ولكل نبع ولكل شجرة رب خاص بها حتى لقد قالت امرأة صالحة في إحدى القصص من تأليف بترون الكاتب اللاتيني: إن بلادنا غاصة بالأرباب بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها رباً من أن تصادف رجلاً.
ولم يتمثل الرومانيون كاليونان أربابهم على صورة مخصوصة فقد مضى زمتن طويل ولم
стр. 2031
يكن في رومية صنم فكانوا يعبدون المشتري في صورة حجر ومارس على صورة سيف. ولم يقتدوا إلا مؤخراً باتخذا الأصنام من الخشب على مثال أصنام الإيتروسكيين وأصنام الرخام على مثال أصنام اليونان ولم يتصوروا على العكس في اليونان أن بين الأرباب صهراً ونسباً ولا عزواً إليهم قصصاً كما كان يفعل اليونان مع أربابهم ولا يعرفون لهم جنة يعقدون فيها مجالسهم. وكان في اللغة اللاتينية لفظة مشهورة للتعبير عن الأرباب وهي (التجليات) فكانوا يعتقدون أنها تجليات قوة إلهية مجهولة. ولذلك لم يصورهم الرومان في صورة من الصور ولا نسبوا إليهم رحماً ولا صهراً ولا تاريخاً وكل ما كان يعرف عن الأرباب الرومانيين هو أن كل واحد منهم يسيطر على قوة من قوى الطبيعة ويستطيع أن يعمل للناس الخير والشر على ما يحب ويهوى.
العبادة: قلما يحب الروماني أولئك الأرباب المجهولين الصفر الباردين. والظاهر أنه كان يخاف منهم فيخبأ وجهه عندما يتوسل إليهم وربما أتى ذلك لئلا يقع بصره عليهم ولكنه يذهب إلى أن الأرباب قادرون وأن من يرضيهم يخدمونه. قال بلوت (الشاعر الهزلي اللاتيني) إن الرجل الذي يرضى عنه الأرباب يكسبونه مالاً. ويعتقد الروماني بأن الدين عبارة عن مقايضة المنافع فيقدم المرء للرب نذوره وقرابينه ويمنحه هذا بعض المنافع فإذا ثقدم المرء ما يجب تقديمه للرب ولم يظفر بمتمناه يعتبر نفسه قانطاً مخدوعاً. ولقد قدم الشعب للأرباب من خلال مرض القائد جرمانيكوس نذوراً لتمن عليه بالشفاء ولما ذاع خبر موته سخط العامة وقلت المذابح وألقت في الشوارع بتماثيل الأرباب لأن هذه لم تعمل ما كان يرجى منها أن تعمله وهكذا فإنا نرى الفلاح الإيطالي لعهدنا هذا يشتم القديس الذي لم يعطه ما طلبه منه.
فالعبارة إذاً عبارة عن القيام بما يرضى عنه الأرباب من الأعمال والشعب يأتيهم بالثمار واللبن والخمر ويضحى لهم بالحيوانات. وفي بعض الأوقات يخرجون تماثيل الأرباب من معابدهم ويجعلونها على سرر ويولمون لها وليمة ويقومون بما يقوم به الشعب في بلاد اليونان فيبنون لهم دوراً جميلة وهي المعابد ويحتفلون بأربابهم.
ولم يكن يكفي في تعظيم أرباب الرومانيين أن ينفق الناس مالاً في سبيل إكرامهم بل كانت تنظر إلى الصور التي يقوم بها ذلك الإكرام فتقضي إرادتها أن تجري جميع أعمال التعبد
стр. 2032
والنذور والألعاب بما رسمته القواعد القديمة (الطقوس) فمتى أريد تقديم ضحية للمشتري كان عليهم أن يختاروا حيواناً أبيض وأن يذروا على رأسه دقيقاً مملحاً وأن يضرب بفأس وأن يقف المقدم لهذه الضحية على قدميه ويداه مرفوعتان إلى السماء حيث يقيم المشتري وأن يلفظوا بجملة تقديساً لاسمه. فإذا غلط المقدم بما يقول فمعنى ذلك أن الضحية لا تساوي شيئاً ويذهب القوم إلى أن الرب لا يرضى عما يقدم له. ولقد قام أحد الحكام بألعاب إكراماً للأرباب الحامية لرومية فقال شيشرون: إذا غيرت عبارة وإذا وقف اللاعب بالشباب أو انقطع الممثل فتكون الألعاب غير موافقة للشعائر الدينية فيجب إذ ذاك إعادتها. ولذلك كان أهل الرأي من الناس يحضرون كاهنين أحدهما يتلو الصلاة والآخر يتابعه فيما يقول.
يجتمع الكهنة وهم يدعون أخوة رافال كل سنة في معبد بجوار رومية فيرقصون رقصاً مقدساً ويتلون الصلوات وهي مكتوبة بلغة قديمة لا يفهم منها أحد شيئاً ويقتضي في أوائل الصلاة أن يدفع إلى كل كاهن مجموع قوانين مكتوبة في أول الجلسة. وظل الرمانيون بعد أن نسيت هذه اللغة بقرون يتلونها كل سنة دون أن يغيروا منها حرفاً. ومما يدل على أن الرومانيين كانوا يرمون إلى الوقوف عند حد ما رسمه أربابهم هو أنهم كانوا يقومون أحسن قيام بقواعد الدين. ولذلك يرى الرومانيون أنفسهم من أكثر البشر تديناً. قال شيشرون: إننا أحط من جميع الأمم أو مساوون لهم من كل وجه ولكننا نفوقهم من كل وجه في أمور الدين أي بعبادة الأرباب.
الصلاة: إذا صلى الروماني فليست صلاته لتزكية نفسه ومناجاة ربه بل ليطلب منه معونة ويسأل حاجة له. فمن ثم تراه قبل كل شيء عن الرب الذي يستطيع أن ينيله رغبته. قال فارون (الشاعر اللاتيني): يلزمنا أن نعرف أي الأرباب يتيسر له أن يعيننا في أحوال مختلفة كما نعرف أين يقوم النجار والخباز وهكذا قضت الحال بأن يعمد إلى سيريس للحصول على زروع جيدة وإلى عطارد لاكتساب المال وإلى نبتون للمعونة على ركوب البحار. فيلبس المستغيث ألبسة نظيفة لما وقر في الأذهان من أن الأرباب يرغبون في النظافة. ويقدم بين يدي نجوه ضحية لأن الأرباب لا يحبون أن يجيء وأيديه فارغة ويقف المستغيث ويكشف رأسه فينادي الرب إلا أن لا يعرف اسم الرب الذي يناديه ويقول
стр. 2033
الرومانيون أنه ما من أحد يعرف أسماء الأرباب الحقيقية. بل يكتفى بأن يقول له مثلاً: أيها المشتري الأعظم الرحيم أو بأس الأسماء التي تحب أن تدعى بها ثم يعرض عليه ما يريد عرضه متوقياً استعمال جمل صريحة كل الصراحة حتى لا ينخدع الرب فإذا قدم له خمر يقال له: تقبل طاعة هذا الخمر الذي أهرقه لأنه يسهل على الرب الاعتقاد بأنه يقدم له خمر آخر غير الذي قدم له وأن يعاقب به. ولذلك كانت صلواتهم مطولة كثيرة الحشو مملوءة بالمترادفات.
الفأل: يعتقد الرومان كاليونان بالفأل فيذهب إلى الأرباب يعرفون المستقبل ويرسلون للناس آيات يدركونها فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في عمل فإذا ما أزمع القائد فيهم أن يهجم على عدوه يبحث في أحشاء الموتى والحاكم قبل أن يجمع لديه مجلساً ينظر إلى الطيور السائرة (وهذا ما يدعونه أخذ الطالع والفأل) فإذا كان فيها إشارة موافقة يدركون بأن الأرباب استحسنت المشروع وإلا فمعناه أنهم غير راضين عنه.
وكثيراً ما يرسل الأرباب آيات من قبلهم ومن دون أن يسألوا إرسالها. وكل ظاهرة لم تكن متوقعة تعد فألاً على حادث غير منتظر. فقد ظهرت نجمة مذنبة قبل موت قيصر فذهب القوم إلى أنها إشارة إلى نعيه وإذا أرعدت السماء عندما كانت الأمة تجتمع للمفاوضة في أمر فمعنى ذلك أن كوكب المشتري لا يحب أن يبتوا أمراً ذلك اليوم ولذلك يبغضونه كل حادث طفيف ويؤلونه بأنه رمز إلى أمر يقع. فإذا أبر البرق أو سمعت كلمة من متكلم أو وقف جرذ في الطريق أو شوهد عراف فكل ذلك يأخذون منه العبر حتى أن مارسلوس كان إذا عزم على البداءة بعمل أمر بأن يحمل في محفة مغلقة ليكون على ثقة من أنه لا يرى شيئاً يتفاءل به.
وما كان ذلك مجرد خرافات للعامة بل كان للجمهورية الرومانية ستة طوالع تتنبأ لها بالمستقبل فكان لها كتاب للنبؤات تبالغ في العناية به دعته كتاب سيبيلين وكان لها فراخ مقدسة يقوم على تربيتها الكهنة وما كان يجري عمل عام ولا تلتئم جمعية ولا يشرع بانتخاب ومفاوضة بدون أن يعمدوا إلى أخذ الطالع أي أنهم ينظرون إلى السارح والبارح. وقد شاع سنة ١٩٥ أن الصاعقة انقضت على معبد للمشتري وأنه نبتت شعرة على رأس تمثال هركول فكتب أحد الولاة بأنه ولدت فرخة ذات ثلاث أرجل فاجتمع مجلس الأمة
стр. 2034
للمفاوضة في هذه الفؤل.
الكهنة: لا يقوم الكاهن في رومية بما يقوم به في بلاد اليونان من الأعمال الروحية بل كان ينقطع فقط لخدمة الرب فيلاحظ معبده ويدير شؤون أملاكه ويقوم بالاحتفالات لإكرامه وهكذا كانت جمعية الساليبن (الرقاصين) تحتفظ بترس سقط عليها من السماء كما زعموا وكان يعبد كما يعبد الصنم وكانت تقيم تلك الجمعية كل سنة حفلة رقص بالسيوف وهذا ما كان يتوفر عليه أعضاء تلك الجمعية. والأحبار يراقبون الحفلات الدينية فيضعون تقويماً للسنين ويحددون أوقات الأعياد التي يجب الاحتفال بها في أيام مخصوصة من السنة ورئيسهم هو الحبر الأعظم.
وما كان الكهنة ولا العرافون ولا الأحبار يؤلفون طبقة خاصة بهم بل كان يجري اختيارهم من كبار الرجال ويبقون على القيام بجميع وظائف الحكومة فمنهم من يتولى القضاء ومنهم رئاسة الجمعيات ومنهم قيادة الجيوش. ولذلك لم يتألف من الكهنة الرومانيين على قوتهم كما تألف من الكهنة المصريين طبقة كهنوتية فقد كان لحكومة رومية دين خاص بها ولم يكن للكهنة حق الحكم فيها.
عبادة الموتى: اعتقد الرومانيون كما اعتقد الهنود واليونان بأن الروح تبقى بعد موت الجسد فإن عنوا بدفن الجثة بحسب العادات فقد اعتقدوا بأن الروح تذهب لتحيا تحت الأرض وتصبح ربة وإلا فالروح ليس في استطاعتها الدخول إلى عالم الأموات بل كانت تعود إلى الأرض تدخل الرعب في قلوب الأحياء وتعذبهم ليدفنوها. حكى بلين لجون قصة شبح كان يختلف إلى أحد البيوت ويهلك سكانه هلعاً فاكتشف أحد الفلاسفة ممن كان له قوة قلب تمكنه من اقتفاء أثره إلى المكان الذي وقف فيه ذاك الطيف ـ عظاماً لم تدفن بحسب العادات المتبعة. وهكذا كانت روح الإمبراطور كاليجولا تطوف في حدائق القصر فاقتضى إخراج جثته ودفنه ثانية على ما رسمته الشعائر الدينية.
فمن ثم كان مما يهم الأحياء والأموات على السواء المحافظة على العادات الدينية فكانت أسرة الميت تنصب كومة من الحطب يحرقون فيها الجسد ويجعلون الرماد في صندوق يضعونه في القبر. وكان لهم معبد خاص بدفن الأرباب أي الأرواح التي أصبحت أرباباً فيأتي أهل الميت في أوقات معينة إلى زيارة القبر حاملين طعاماً. ولا جرم أنهم اعتقدوا
стр. 2035
قديماً أن الروح محتاجة إلى الغذاء لأن القوم كانوا يهرقون الخمر واللبن على الأرض ويحرقون لحم المنكوبين ويتركون في الأواني لبناً وحلويات. وكانت هذه الاحتفالات بالموتى تدوم ما شاء الله أن تدوم وما كان لأهل بيت أن يتخلوا عن أرواح أجدادهم بل يظلون على العناية بقبورهم ويأتونهم بالغذاء لإطعامهم. ثم أن تلك الأرواح التي تتأله أو تصبح في عداد الأرباب تحب ذريتها وتحمي أحفادها من البوائق وهكذا كان لكل أسرة أرباب يحمونها يدعونهم آلهة البيت.
عبادة البيت: اعتقد الرومان كاعتقاد الهنود بأن اللهيب رب كما أن البيت مذبح فكان لكل أسرة بيت تعبده وتقوم على العناية به ليل نهار تحمل إليه الزيت والشحم والخمر والبخور فيتصاعد اللهب ويسطع كأنه منبعث من الضحية. فكان الروماني قبل أن يبدأ بتقديم الطعام للميت يشكر لرب البيت ويدفع له جزءاً من الأطعمة ويصب له قليلاً من الخمر وهذا ما يدعونه بالصب والإهراق حتى أن هوراس نفسه على قلة اعتقاده كان يتعشى أمام بيته مع خدمته ويصب الطعام ويصلي الصلاة المعتادة.
وكان لكل أسرة رومانية في بيتها قبر يجعل فيه أرباب البيت وأرواح الأجداد ومذبح البيت. وكان لمدينة رومية بيت مقدس في قبر الآلهة فستا وهي عبارة عن أربع عذارى من أعظم الأسرات الرومانية عهد إليهن حراسته وذلك لأنهم يرون أن لا ينطفئ اللهيب المقدس مطلقاً ولا يعهد بالقيام عليه إلا الأناس من الأطهار فإذا أبت إحدى تلك العذارى أن تقوم بما فرض عليها التوفر عليه من هذه الخدمة يدفنونها حية في قبو لأنها ارتكبت عملاً طالحاً وأوقعت الشعب الروماني في خطر.
الجيش الروماني
الخدمة العسكرية: لم يكن يكفي لقبول الرجل في خدمة الجيش الروماني أن يكون وطنياً رومانياً بل يجب أن يكون له بعض الموارد ليجهز نفسه بالسلاح على نفقته لأن الحكومة لم تكن تعطي الجندي سلاحاً حتى أنها لم تكن تعطيه جراية يأكلها إلى سنة ٤٠٣ وعلى هذا فلم يكن يجند من الوطنيين إلا من كانوا يملكون بعض ثروة أما الفقراء فكانوا يعفون من الخدمة العسكرية وبعبارة ثانية ليس لهم الحق في خدمتها ويحق لكل وطني له بعض الغنى أن يقبل في الجيش بعد أن يكون أبلى بلاء حسناً في عشرين حملة وإذا لم يقم بذلك فهو
следующие страницы →