← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

يكن في رومية صنم فكانوا يعبدون المشتري في صورة حجر ومارس على صورة سيف. ولم يقتدوا إلا مؤخراً باتخذا الأصنام من الخشب على مثال أصنام الإيتروسكيين وأصنام الرخام على مثال أصنام اليونان ولم يتصوروا على العكس في اليونان أن بين الأرباب صهراً ونسباً ولا عزواً إليهم قصصاً كما كان يفعل اليونان مع أربابهم ولا يعرفون لهم جنة يعقدون فيها مجالسهم. وكان في اللغة اللاتينية لفظة مشهورة للتعبير عن الأرباب وهي (التجليات) فكانوا يعتقدون أنها تجليات قوة إلهية مجهولة. ولذلك لم يصورهم الرومان في صورة من الصور ولا نسبوا إليهم رحماً ولا صهراً ولا تاريخاً وكل ما كان يعرف عن الأرباب الرومانيين هو أن كل واحد منهم يسيطر على قوة من قوى الطبيعة ويستطيع أن يعمل للناس الخير والشر على ما يحب ويهوى. العبادة: قلما يحب الروماني أولئك الأرباب المجهولين الصفر الباردين. والظاهر أنه كان يخاف منهم فيخبأ وجهه عندما يتوسل إليهم وربما أتى ذلك لئلا يقع بصره عليهم ولكنه يذهب إلى أن الأرباب قادرون وأن من يرضيهم يخدمونه. قال بلوت (الشاعر الهزلي اللاتيني) إن الرجل الذي يرضى عنه الأرباب يكسبونه مالاً. ويعتقد الروماني بأن الدين عبارة عن مقايضة المنافع فيقدم المرء للرب نذوره وقرابينه ويمنحه هذا بعض المنافع فإذا ثقدم المرء ما يجب تقديمه للرب ولم يظفر بمتمناه يعتبر نفسه قانطاً مخدوعاً. ولقد قدم الشعب للأرباب من خلال مرض القائد جرمانيكوس نذوراً لتمن عليه بالشفاء ولما ذاع خبر موته سخط العامة وقلت المذابح وألقت في الشوارع بتماثيل الأرباب لأن هذه لم تعمل ما كان يرجى منها أن تعمله وهكذا فإنا نرى الفلاح الإيطالي لعهدنا هذا يشتم القديس الذي لم يعطه ما طلبه منه. فالعبارة إذاً عبارة عن القيام بما يرضى عنه الأرباب من الأعمال والشعب يأتيهم بالثمار واللبن والخمر ويضحى لهم بالحيوانات. وفي بعض الأوقات يخرجون تماثيل الأرباب من معابدهم ويجعلونها على سرر ويولمون لها وليمة ويقومون بما يقوم به الشعب في بلاد اليونان فيبنون لهم دوراً جميلة وهي المعابد ويحتفلون بأربابهم. ولم يكن يكفي في تعظيم أرباب الرومانيين أن ينفق الناس مالاً في سبيل إكرامهم بل كانت تنظر إلى الصور التي يقوم بها ذلك الإكرام فتقضي إرادتها أن تجري جميع أعمال التعبد

стр. 2032

والنذور والألعاب بما رسمته القواعد القديمة (الطقوس) فمتى أريد تقديم ضحية للمشتري كان عليهم أن يختاروا حيواناً أبيض وأن يذروا على رأسه دقيقاً مملحاً وأن يضرب بفأس وأن يقف المقدم لهذه الضحية على قدميه ويداه مرفوعتان إلى السماء حيث يقيم المشتري وأن يلفظوا بجملة تقديساً لاسمه. فإذا غلط المقدم بما يقول فمعنى ذلك أن الضحية لا تساوي شيئاً ويذهب القوم إلى أن الرب لا يرضى عما يقدم له. ولقد قام أحد الحكام بألعاب إكراماً للأرباب الحامية لرومية فقال شيشرون: إذا غيرت عبارة وإذا وقف اللاعب بالشباب أو انقطع الممثل فتكون الألعاب غير موافقة للشعائر الدينية فيجب إذ ذاك إعادتها. ولذلك كان أهل الرأي من الناس يحضرون كاهنين أحدهما يتلو الصلاة والآخر يتابعه فيما يقول. يجتمع الكهنة وهم يدعون أخوة رافال كل سنة في معبد بجوار رومية فيرقصون رقصاً مقدساً ويتلون الصلوات وهي مكتوبة بلغة قديمة لا يفهم منها أحد شيئاً ويقتضي في أوائل الصلاة أن يدفع إلى كل كاهن مجموع قوانين مكتوبة في أول الجلسة. وظل الرمانيون بعد أن نسيت هذه اللغة بقرون يتلونها كل سنة دون أن يغيروا منها حرفاً. ومما يدل على أن الرومانيين كانوا يرمون إلى الوقوف عند حد ما رسمه أربابهم هو أنهم كانوا يقومون أحسن قيام بقواعد الدين. ولذلك يرى الرومانيون أنفسهم من أكثر البشر تديناً. قال شيشرون: إننا أحط من جميع الأمم أو مساوون لهم من كل وجه ولكننا نفوقهم من كل وجه في أمور الدين أي بعبادة الأرباب. الصلاة: إذا صلى الروماني فليست صلاته لتزكية نفسه ومناجاة ربه بل ليطلب منه معونة ويسأل حاجة له. فمن ثم تراه قبل كل شيء عن الرب الذي يستطيع أن ينيله رغبته. قال فارون (الشاعر اللاتيني): يلزمنا أن نعرف أي الأرباب يتيسر له أن يعيننا في أحوال مختلفة كما نعرف أين يقوم النجار والخباز وهكذا قضت الحال بأن يعمد إلى سيريس للحصول على زروع جيدة وإلى عطارد لاكتساب المال وإلى نبتون للمعونة على ركوب البحار. فيلبس المستغيث ألبسة نظيفة لما وقر في الأذهان من أن الأرباب يرغبون في النظافة. ويقدم بين يدي نجوه ضحية لأن الأرباب لا يحبون أن يجيء وأيديه فارغة ويقف المستغيث ويكشف رأسه فينادي الرب إلا أن لا يعرف اسم الرب الذي يناديه ويقول

стр. 2033

الرومانيون أنه ما من أحد يعرف أسماء الأرباب الحقيقية. بل يكتفى بأن يقول له مثلاً: أيها المشتري الأعظم الرحيم أو بأس الأسماء التي تحب أن تدعى بها ثم يعرض عليه ما يريد عرضه متوقياً استعمال جمل صريحة كل الصراحة حتى لا ينخدع الرب فإذا قدم له خمر يقال له: تقبل طاعة هذا الخمر الذي أهرقه لأنه يسهل على الرب الاعتقاد بأنه يقدم له خمر آخر غير الذي قدم له وأن يعاقب به. ولذلك كانت صلواتهم مطولة كثيرة الحشو مملوءة بالمترادفات. الفأل: يعتقد الرومان كاليونان بالفأل فيذهب إلى الأرباب يعرفون المستقبل ويرسلون للناس آيات يدركونها فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في عمل فإذا ما أزمع القائد فيهم أن يهجم على عدوه يبحث في أحشاء الموتى والحاكم قبل أن يجمع لديه مجلساً ينظر إلى الطيور السائرة (وهذا ما يدعونه أخذ الطالع والفأل) فإذا كان فيها إشارة موافقة يدركون بأن الأرباب استحسنت المشروع وإلا فمعناه أنهم غير راضين عنه. وكثيراً ما يرسل الأرباب آيات من قبلهم ومن دون أن يسألوا إرسالها. وكل ظاهرة لم تكن متوقعة تعد فألاً على حادث غير منتظر. فقد ظهرت نجمة مذنبة قبل موت قيصر فذهب القوم إلى أنها إشارة إلى نعيه وإذا أرعدت السماء عندما كانت الأمة تجتمع للمفاوضة في أمر فمعنى ذلك أن كوكب المشتري لا يحب أن يبتوا أمراً ذلك اليوم ولذلك يبغضونه كل حادث طفيف ويؤلونه بأنه رمز إلى أمر يقع. فإذا أبر البرق أو سمعت كلمة من متكلم أو وقف جرذ في الطريق أو شوهد عراف فكل ذلك يأخذون منه العبر حتى أن مارسلوس كان إذا عزم على البداءة بعمل أمر بأن يحمل في محفة مغلقة ليكون على ثقة من أنه لا يرى شيئاً يتفاءل به. وما كان ذلك مجرد خرافات للعامة بل كان للجمهورية الرومانية ستة طوالع تتنبأ لها بالمستقبل فكان لها كتاب للنبؤات تبالغ في العناية به دعته كتاب سيبيلين وكان لها فراخ مقدسة يقوم على تربيتها الكهنة وما كان يجري عمل عام ولا تلتئم جمعية ولا يشرع بانتخاب ومفاوضة بدون أن يعمدوا إلى أخذ الطالع أي أنهم ينظرون إلى السارح والبارح. وقد شاع سنة ١٩٥ أن الصاعقة انقضت على معبد للمشتري وأنه نبتت شعرة على رأس تمثال هركول فكتب أحد الولاة بأنه ولدت فرخة ذات ثلاث أرجل فاجتمع مجلس الأمة

стр. 2034

للمفاوضة في هذه الفؤل. الكهنة: لا يقوم الكاهن في رومية بما يقوم به في بلاد اليونان من الأعمال الروحية بل كان ينقطع فقط لخدمة الرب فيلاحظ معبده ويدير شؤون أملاكه ويقوم بالاحتفالات لإكرامه وهكذا كانت جمعية الساليبن (الرقاصين) تحتفظ بترس سقط عليها من السماء كما زعموا وكان يعبد كما يعبد الصنم وكانت تقيم تلك الجمعية كل سنة حفلة رقص بالسيوف وهذا ما كان يتوفر عليه أعضاء تلك الجمعية. والأحبار يراقبون الحفلات الدينية فيضعون تقويماً للسنين ويحددون أوقات الأعياد التي يجب الاحتفال بها في أيام مخصوصة من السنة ورئيسهم هو الحبر الأعظم. وما كان الكهنة ولا العرافون ولا الأحبار يؤلفون طبقة خاصة بهم بل كان يجري اختيارهم من كبار الرجال ويبقون على القيام بجميع وظائف الحكومة فمنهم من يتولى القضاء ومنهم رئاسة الجمعيات ومنهم قيادة الجيوش. ولذلك لم يتألف من الكهنة الرومانيين على قوتهم كما تألف من الكهنة المصريين طبقة كهنوتية فقد كان لحكومة رومية دين خاص بها ولم يكن للكهنة حق الحكم فيها. عبادة الموتى: اعتقد الرومانيون كما اعتقد الهنود واليونان بأن الروح تبقى بعد موت الجسد فإن عنوا بدفن الجثة بحسب العادات فقد اعتقدوا بأن الروح تذهب لتحيا تحت الأرض وتصبح ربة وإلا فالروح ليس في استطاعتها الدخول إلى عالم الأموات بل كانت تعود إلى الأرض تدخل الرعب في قلوب الأحياء وتعذبهم ليدفنوها. حكى بلين لجون قصة شبح كان يختلف إلى أحد البيوت ويهلك سكانه هلعاً فاكتشف أحد الفلاسفة ممن كان له قوة قلب تمكنه من اقتفاء أثره إلى المكان الذي وقف فيه ذاك الطيف ـ عظاماً لم تدفن بحسب العادات المتبعة. وهكذا كانت روح الإمبراطور كاليجولا تطوف في حدائق القصر فاقتضى إخراج جثته ودفنه ثانية على ما رسمته الشعائر الدينية. فمن ثم كان مما يهم الأحياء والأموات على السواء المحافظة على العادات الدينية فكانت أسرة الميت تنصب كومة من الحطب يحرقون فيها الجسد ويجعلون الرماد في صندوق يضعونه في القبر. وكان لهم معبد خاص بدفن الأرباب أي الأرواح التي أصبحت أرباباً فيأتي أهل الميت في أوقات معينة إلى زيارة القبر حاملين طعاماً. ولا جرم أنهم اعتقدوا

стр. 2035

قديماً أن الروح محتاجة إلى الغذاء لأن القوم كانوا يهرقون الخمر واللبن على الأرض ويحرقون لحم المنكوبين ويتركون في الأواني لبناً وحلويات. وكانت هذه الاحتفالات بالموتى تدوم ما شاء الله أن تدوم وما كان لأهل بيت أن يتخلوا عن أرواح أجدادهم بل يظلون على العناية بقبورهم ويأتونهم بالغذاء لإطعامهم. ثم أن تلك الأرواح التي تتأله أو تصبح في عداد الأرباب تحب ذريتها وتحمي أحفادها من البوائق وهكذا كان لكل أسرة أرباب يحمونها يدعونهم آلهة البيت. عبادة البيت: اعتقد الرومان كاعتقاد الهنود بأن اللهيب رب كما أن البيت مذبح فكان لكل أسرة بيت تعبده وتقوم على العناية به ليل نهار تحمل إليه الزيت والشحم والخمر والبخور فيتصاعد اللهب ويسطع كأنه منبعث من الضحية. فكان الروماني قبل أن يبدأ بتقديم الطعام للميت يشكر لرب البيت ويدفع له جزءاً من الأطعمة ويصب له قليلاً من الخمر وهذا ما يدعونه بالصب والإهراق حتى أن هوراس نفسه على قلة اعتقاده كان يتعشى أمام بيته مع خدمته ويصب الطعام ويصلي الصلاة المعتادة. وكان لكل أسرة رومانية في بيتها قبر يجعل فيه أرباب البيت وأرواح الأجداد ومذبح البيت. وكان لمدينة رومية بيت مقدس في قبر الآلهة فستا وهي عبارة عن أربع عذارى من أعظم الأسرات الرومانية عهد إليهن حراسته وذلك لأنهم يرون أن لا ينطفئ اللهيب المقدس مطلقاً ولا يعهد بالقيام عليه إلا الأناس من الأطهار فإذا أبت إحدى تلك العذارى أن تقوم بما فرض عليها التوفر عليه من هذه الخدمة يدفنونها حية في قبو لأنها ارتكبت عملاً طالحاً وأوقعت الشعب الروماني في خطر. الجيش الروماني الخدمة العسكرية: لم يكن يكفي لقبول الرجل في خدمة الجيش الروماني أن يكون وطنياً رومانياً بل يجب أن يكون له بعض الموارد ليجهز نفسه بالسلاح على نفقته لأن الحكومة لم تكن تعطي الجندي سلاحاً حتى أنها لم تكن تعطيه جراية يأكلها إلى سنة ٤٠٣ وعلى هذا فلم يكن يجند من الوطنيين إلا من كانوا يملكون بعض ثروة أما الفقراء فكانوا يعفون من الخدمة العسكرية وبعبارة ثانية ليس لهم الحق في خدمتها ويحق لكل وطني له بعض الغنى أن يقبل في الجيش بعد أن يكون أبلى بلاء حسناً في عشرين حملة وإذا لم يقم بذلك فهو

стр. 2036

تبع للقائد أي منذ سن السابعة عشرة إلى السادسة والربعين فكل فرد في رمية كما في المدن اليونانية وطني وجندي في آن واحد والرومان أمة مؤلفة من صغار أرباب الأملاك المدربين على القتال. التجنيد: متى احتاجت الحكومة إلى جند يصدر القنصل أمره إلى جميع الوطنيين اللائقين للخدمة بأن يجتمعوا في معبد الكابيتول وهناك يلتئم ضباط تختارهم الأمة وهم يختارون من ينبغي لهم من الجند لتأليف جيش وهذا هو التجنيد عند الرومانيين ويسمونه الاختيار. ثم يجري التحليف العسكري فيبدأ الضباط أولاً يقسمون اليمين المألوفة ثم الجند وكلهم يقسمون الطاعة للقائد وأن يقاتلوا دون أعلامهم حتى يكونوا في حل من إيمانهم في نضره. فيتلو رجل عبارة ويتقدم كل فرد في نوبته فيقول: وأنا أيضاً فيرتبط الجيش إذ ذاك بالقائد ارتباطاً دينياً. دعي الجيش الروماني أولاً الفرقة أو التجنيدة ولما نما الشعب أصبح يؤلف بدل الفرقة فرقاً والفرقة الرومانية عبارة عن ٤٢٠٠ أو ٥٠٠٠ رجل كلهم من أبناء البلاد. وكان أصغر جيش على الأقل عبارة عن فرقة وكان كل جيش بقيادة قنصل عبارة عن فرقتين على الأقل. ويتألف نحو نصف الجيش من هذه الفرق وكان على جميع شعوب إيطاليا الخاضعة لرومية أن تبعث إليها ببعوثها ويدعى هؤلاء الجنود المحالفون وهم تحت قيادة الضباط الرومانيين. وكنت ترى المحالفين في الجيش الروماني أكثر عدداً من كتائب الوطنيين. وجرت العادة أن يبعثوا مع كل أربع فرق (١٦٨٠٠ جندي) عشرين ألف راجل من المحالفين وهكذا كان الشعب الروماني في حروبه يستخدم رعاياه أكثر من مواطنيه. التسليح: اعتاد الرومان كاليونان أن يحاربوا مترجلين متدرعين بالدروع والخوذ والمسامي (الطماقات) قابضين بأيديهم اليسرى على ترسة ليدفعوا بها الضربات. مضى عليهم زنمن وهم يقاتلون بالرمح والسيف فكانوا إذا تلاقوا بالعدو يجتمعون كتيبة واحدة على نحو ما كانت تجتمع الكتائب الرومية ثم عمدوا إلى استعمال ضرب آخر من ضروب الكر والفر. وتقسم الفرقة على سرايا صغيرة كل سرية مؤلفة من ١٢٠ جندياً مانييول أي الفريقة لأن علمهم عبارة عن حزمة من الحشيش فتصطف كل فرقة منفصلة عن جارتها بحيث يكون المجال أمامها متسعاً للعمل على حدتها فيضرب جنود فرق الصفوف الأولى بحرابهم

стр. 2037

ويضعون سيوفهم في أيديهم ويبدؤون القتال. فإذا اندحروا يتراجعون إلى الفضاء الذي وراءهم فيزحف الصف الثاني من الفرق في نوبته إلى القتال فإذا ما دحر ينكفئ راجعاً نحو الخط الثالث وهذه الفرق هي خيرة رجال الجيش يحملون الرماح وهم واسطة لقيادة أخوانهم الآخرين لقتال الأعداء بهم. وبعد فإن الجيش الروماني لا يتألف جملة واحدة للقتال في آن واحد بل أن القائد يعبئ جنوده مراعياً حالة الأرض التي يتخذها ساحة لقراع الأعداء. ولما التقى كتائب جنود الرومانيين وفرق المكدونيين في جبال سينوسيفال في تساليا للمرة الأولى وهما أشهر ما عهد من الجيوش في العهد القديم كان ميدان القتال عبارة عن أكمات وتلعات فلم يكن في إمكان الستة عشر ألف محارب من المكدونيين أن يظلوا متماسكين متجمعين بل كان صفوفهم ذات فروج فزحفت الفرق الرومانية ودخلت الفضاء الذي كان يتخلل صفوفهم ومزقت شملهم كل ممزق. التمرينتا: لم يكن لرومية محال للألعاب الرياضية فكان الجنود يتمرنون في ساحة المناورات أي في ساحة المريخ في الضفة الثانية من نهر التيبر وهناك كان الشاب يسير ويعدو ويقفز وعليه العدة الكاملة من السلاح يلعب بسيفه ويضرب بحربته ويستعمل معوله فإذا ما علاه الغبار والعرق يجتاز نهرالتيبر عائماً. وكثيراً ما كان الرجال المدربون بل والقواد يشاركون فتيان الجند في تمريناتهم إذ كان من دأب الروماني أن لا ينقطع عن التمرين حتى كانت القاعدة المتبعة إذ ذاك أن لا يترك الجنود حتى في الحرب بلا عمل فيمرنون مرة في اليوم على الأقل فيشغلونهم بإنشاء الطرق والجسور والمجاري إذا لم يكن أمامهم عدو يقاتلونه ولا متاريش يقيمونها. المعسكر: يحمل الجندي الروماني حملاً ثقيلاً مؤلفاً من سلاح وأوان وأطعمة تكفيه أياماً ووتد يبلغ وزن مجموعها ستين رطلاً رومانياً وإذا تلاقى الجيش بجيش العدو يسهل عليه الحرب بسرعة إذ لا يكون له من الأثقال ما يشغله. وكل مرة كان يريد الجيش الروماني الوقوف ليعسكر يخط المساح نطاقاً مربعاً ويحفر الجند في محيط ذاك النطاق هوة عميقة ويبقون التراب في ناحيتهم في الداخل يكون منحدراً ويضربون فيه أوتاداً وهكذا يكون المعسكر محمياً بنطاق من أوتاد وأرض ذات وهاد وفي

стр. 2038

داخل هذه القلعة المؤقتة يضرب الجنود خيامهم ويجعلون سرادق القائد في الوسط ويبقى العيون والحراس طوال الليل يحرسون المعسكر وهكذا يكون الجيش في مأمن من كل عدو مفاجئ. تعليم الجند: يعلم الجيش الروماني تعليماً قاسياً فيحق للقائد أن يميت جنده أو يبقي عليهم والجندي الذي يترك محله أو يركن إلى الفرار في الزحف يحكم عليه بالموت فيربطه حملة الفؤوس بعمود ويضربونه بالعصي ويقطعون رأسه أو يقع عليه الجند فيضربونه بالعصي. وإذا تمردت كتيبة من الجيش يقسم القائد المجرمين إلى عصابات كل عصبة مؤلفة من عشرة أشخاص يقترعون في كل عصابة على واحد يكون نصيبه الإعدام ويسمون هذا التعشير أي أخذ واحد من عشرة أما الباقون فيقضى عليهم أن يعطوا خبز شعير ويزكوهم يعسكرون خارج المعسكر ليكونوا أبداًُ على خطر من مفاجأة العدو لهم. لا يقبل الرومانيون أن يغلب جندهم ولا أن يؤسروا فقد سلم من القتل ثلاثة آلاف جندي بعد وقعة كان وراحوا يهيمون على وجوههم إلا أن مجلس الشيوخ أرسلهم يخدمون في صقلية بدون جرايات ولا ألقاب شرف ريثما يخرج العدو من إيطاليا وبقي ثمانية آلاف جندي في المعسكر فقبض عليهم وقد عرض هانيبال أن يعيدهم إلى الحكومة لقاء فدية طفيفة تدفعها عنهم فأبى مجلس الشيوخ أن يفتديهم. الغلبة: متى كتب الظفر لأحد القواد يصدر مجلس الشيوخ أمره إليه بأن يحتفل بما تم له من الغلبة دليلاً على تشريفه فيحتفل بذلك احتفالاً دينياً في معبد المشتري فيسير في المقدمة الحكام والشيوخ ثم تأتي العجلات مملوءة بالغنائم والأسرى مقيدين من أرجلهم وفي المقدمة عربة مذهبة تجرها أربعة جياد يأتي القائد الغازي متوجاً بالغار وجنده يتبعونه مترنمين بأدوار دينية يرددون فيها اسم الظفر فيجتاز هذا الموكب المدينة بهذا الاحتفال ويطلع إلى معبد الكابتول وهناك يضع الغازي أغصان الغار على أرجل المشتري ويحمده على أنه كان سبباً في نصرته وعند انتهاء الحفلة تضرب أعناق الأسرى كما فعلوا مع الزعيم الغالي فرسختوركس أو أن يلقوا الأسير في مطبق (حبس مظلم) يموت جوعاً كما فعلوا مع جوكورتا ملك فوميديا أو أنهم يكتفون بأن يسجنوا الأسير. وقد دام ظفر بولس أميل الذي تغلب على ملك مكدونية (١٦٧) ثلاثة أيام مرت في اليوم الأول ٢٥٠ مركبة تحمل لوحات

стр. 2039

وتماثيل وفي الثاني ما غنمه من الأسلحة و٧٥ برميلاً من المال وفي اليوم الثالث ١٢٠ ثوراً من ثيران الضحايا والملك البرسي في المؤخرة لابساً السواد يحف به خاصته مقيدين وثلاثة أولاد له مدوا أيديهم للأمة يضرعون إليها وأخذوا يحركون شفقتها. فتح إيطاليا: كان في رومية معبد خاص بالرب جانوس تبقى أبوابه مفتحة ما دام الشعب الروماني في الحرب. ولم يغلق هذا المعبد إلا مرة واحدة دامت بضع سنين في خلال خمسمائة سنة التي طال فيها عمر الجمهورية الرومانية وعليه فإن رومية عاشت في حرب دائمة وإذا كان جيشها أقوى جيش ي عصره انتهت بها الحال أن تتغلب على جميع الشعوب الأخرى وأن تفتح العالم القديم. فبدأت بإخضاع جيرانها أولاً فأخضعت اللاتينيين أولاً ثم الشعوب الأخرى النازلة في الجنوب مثل الفولسكيين والإيكيين والهريكيين ثم الإيتروسكيين والسامنتيين ثم المدن اليونانية. وكان هذا الفتح من أشق الفتوح وأبطئه. بدأ على عهد الملوك ولم ينتهي إلا في سنة ٢٦٦ أي بعد قرون ذلك لأنه كان على الرومانيين أن يقاتلوا شعوباً هم وإياهم من عنصر واحد على شاكلتهم في القوة والنجدة والشجاعة. ومن هذه الشعوب من أبى إباؤها أن تخضع للرومان فما كان من رومية إلا أن أبادتهم فأصبحت سهول فولسكا الغنية قفراً ذات بطائح ومستنقعات ولم تعد بطائح بونتين صالحة للسكنى حتى يوم الناس هذا وقد كانت بلاد السامنتيين تعرف بعد ثلاثمائة سنة من الحرب التي وقعت فيها بما بقي فيها من بقايا المتاريس أكثر مما تعرف بخلو جوارها من السكان وكان فيهخا ٤٥ معسكراً للإمبراطور دسيوس و٨٦ للقائد فابيوس. الطرق العسكرية: أقام الرومانيون في جميع إيطاليا طرقاً عسكرية ليتسنى لهم أن يبعثوا بالبعوث القاصية وكان هذه الطرق عبارة عن طرق مستقيمة مرصوفة بالجير والحجر والرمل وبلغ من متانتها أنها صبرت على اليام خلال ذلك العهد برمته. وقد أكثر الرومان منها في عامة بلاد إيطاليا فليس فيها بقعة لا ترى فيها إلى اليوم أثراً من آثار تلك الطرق الحربية وكانوا يسمونها باسم الوالي الذي أمر ببنائها وأهم هذه الطرق طريق أبين الممتد إلى الجنوب إلى البطائح بوتين حتى ترانتا وبرندس ثم طريق فلامنين الذي يجتاز طريق أبنين ويصل إلى بحر الإدرياتيك وطريق أورلين الذي يقطع إقليم طوسكانيا آخذاً إلى

стр. 2040

الشمال على طول الشاطئ حتى بلاد الغول ثم طريق أملين الممتد من بحر الإدرياتيك مجتازاً جميع سهل بو.

стр. 2041

مثنيات شعرية أشر فعل البرايا فعل منتحر ... وافحش القول منها قول مفتخر إن التمدح من عجبومن أشرٍ ... والمرء في العجب ممقوت في الأشر يا راجي الأمر لم يطلب له سبباً ... كيف الرماية عن قوس بلا وتر ليس التسبب من عجز ولا خورٍ ... وإنما العجز تفويض إلى القدر دع الأناسي واسنبني لغيرهم ... إن شئت للشاء وإن شئت للبقر فإن في البشر الراقي بخلقته ... من قد أنفت به أني من البشر ألبس حياتك أحوال المحيط وكن ... كالماء يلبس ما للظرف من جُدر وإن أبيت فال تجزع وأنت بها ... عارٍ من الأنس أو كاسٍ من الضجر إن رمت عزّاً على فقر تكابده ... فاستغن عن مال أهل البذخ والبطر فإنما النفس ما لم تنأ عن طمع ... فريسةٌ بين ناب الذل والظفر إذا نظرت إلى الجزئي تصلحه ... فارقبه من مرقب الكلي في النظر فإن نفعك شخصاً واحداً ربما ... يكون منه عموم الناس في الضرر قد يقبح الشيء وضعاً وهو من حسن ... كالنعش يدهش مريء وهو من شجر فالقبح كالحسن في حكم النهى عرض ... وليس يثبت إلا عند معتبر لا تعجبن لذي عقل يروح به ... لينتج الشر خبراً غير منتظر فإنما لمعات الخير كامنة ... بين الشرور كمون النار في الحجر سبحان من أوجد الأشياء واحدة ... وإنما كثرة الأشياء بالصور هب منشأ الكون يبقى مبهماً أبداً ... فهل ترى فيه عقلاً غير منبهر الحب والبغض لا تأمن خداعهما ... فكم هما أخذا قوماً على غرر فالبغض يبدي كدوراً في الصفاء كما ... أن المحبة تبدي الصفو في الكدر وأشنع الكذب عندي ما يمازحه ... شيءٌٌ من الصدق تمويهاً على الفكر فإن إبطال هذا في النهى عسرٌ ... وليس إبطال محض الكذب بالعسر قالوا عشقت معيب الحسن قلت لهم ... كفوا الملام فما قلبي بمنزجر ما العشق إلا العمى عن عيب من عشقت ... هذي القلوب ولا أعني عمى البصر قالوا ابن من أنت يا هذا فقلت لهم ... أبي امرؤٌ جده الأعلى أبو البشر

стр. 2042

قالوا فهل نال مجداً قلت واعجبي ... أتسألوني بمجدٍ ليس من ثمري لا درَّ درّ قصيد راح ينظمه ... من ليس يعرف معنى الدرّ والدرر يبكي الشعور لشعر ظل ينقده ... من لا يفرق بين الشعر والشعر قالت نوار وقد أنشدتها سحراً ... ممن تعلمت نفث السحر في السحر فقلت من سحر عينيك الذي سحرت ... به المشاعر من سمع ومن بصر بغداد معروف الرصافي

стр. 2043

مآكل العرب الأطعمة في الأمم تابعة لحضارتها تكون بسيطة في الأمة البدوية ومركبة منوعة في الأمة الحضرية كما هي إلى السذاجة في الريف والتنوع في المدن. ولما كانت البداوة أصلاً والحضارة فرعاً وكانت القرى هي المعول عليها في حياة المدن كان الناس يطعمون في أيام خشونتهم ورفاهيتهم مما تنبت لهم الأرض من بقل وثمر وتنتج من مواشيهم من ألبان ولحوم وتقذف أجواؤهم وسهولهم وأجبلهم وبحيراتهم وأنهارهم وبحارهم من طيور وأسماك وصيود ولا يكادون يعدون ذلك بحال. فأطعمة العرب في جاهليتها على النزر القليل الذي انتهى إلينا من أخبارها قبل الإسلام كانت إلى السذاجة والفطرة خصوصاً في البلاد التي هي إلى الإجداب أقرب منها إلى الإخصاب لقلة أمطارها وعصيان تربتها على الاستنبات. ونعني بالعرب هنا سكان جزيرة العرب من تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن وكلها قاحلة إلا بعض بلاد اليمن التي سميت الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها وفي بعض كورها ما هو كبلاد الشام باعتدال أهويته وزكاء تربته. قال الصمعي جزيرة العرب أربعة أقسام اليمن ونجد والحجاز والغور وهي تهامة فمن جزيرة العرب الحجاز وما جمعه وتهامة واليمن وسبأ والأحقاف واليمامة والشجر وهجر وعمان والطائف ونجران والحجر وديار ثمود والبئر المعطلة والقصر المشيد وإرم ذات العماد وأصحاب الأخدود وديار كندة وجبال طيء وما بين ذلك. ومتى أطلقنا العرب هنا فإنا نريد بهم سكان الحجاز ونجد وتهامة وهم صميم العرب العاربة ومن بلادهم انبعثت النبوة وفي الحجاز قريش أشرف القبائل ومن قريش بني هاشم أكثر من كانوا يطعمون الطعام ويقرون الضعيف وكنا نود أن يتناول بحثنا أهل كل قبيلة وأهل كل كورة من كور العرب ولكن ليس في الكتب التي بين أيدينا ما يدعونا إلى التوسع في القول. وغاية ما اتصل بنا علمه أن الإسلام وإن أصلح من نفوس العرب فإن طبيعة بلادها لم تتغير منذ قرون ولذلك كان بعض العرب يأكل اليربوع والضب والجراد والرنب ويعدها نعمة وبسطة في العيش حتى قال مديني لأعرابي: أي شيء تدعون وأي شيء تأكلون. قال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين فقال المديني: لتهن أم جبين العافية. ولذلك كنت ترى العرب ولا تزال تراهم إذا أصابتهم سنة مجاعة وعالة على جيرانهم من سكان الشام

стр. 2044

والحيرة واليمن وقد عيرهم بذلك ملك الفرس لما جاؤه فاتحين يوم القادسية وذكر لهم كيف كان يوسع عليهم عندما كانوا ينزلون بلاده منتجعين مستطعمين. وقول المديني أن العرب يأكلون ما دب ودرج لا يؤخذ منه أنهم كلهم لأن منهم من كانوا يتقززون من أكثر الدويبات والصيد قال الجاحظ: ومن الطعام المذموم الخزيرة التي تعاب بأكلها مجاشع بن دارم وكنحو السخينة التي تعاب قريش والسخينة كانت من طعام قريش وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان يقرب النخل بأكل التمر وتهجى أسد بأكل الكلاب وبأكل لحوم الناس والعرب إذا وجدت رجلاً مت القبيلة قد أتى قبيحاً ألزمت ذلك القبيلة كلها كما تمدح القبيلة بفعل جميل وإن لم ذلك إلا بواحد منهم فتهجو قريشاً بالسخينة وعبد القيس بالتمر وذلك عام في الحيين جميعاً وهما من صالح الأغذية والأقوات كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان رجلاً واحداً فلعلك إذا أردت التحصيل تجده معذوراً وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. وقال قد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم ولا في ناحية من النواحي وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار وينزع عمامته من رأسه فيشد بها بطنه وإنما عمامته تاجه والإعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسراً ما لا يجده أحد لطول ملازمته العمامة ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها ولربما اعتم بعمامتين ولربما كانت قلنسوة خدرية. ومهما يكن فإن العقل يحكم بأن عرب الشام كغسان كانوا لمجاورتهم للروم يأخذون عنهم كل شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية أكثر من عرب الحجاز وإنه كان لعرب الحيرة من المطاعم ما ليس لأهل نجد لقرب بلاد الأولى من بلاد الأكاسرة وأخذهم عنهم رفاغة العيش والناعم من الطعام ومطاعم العرب في جملتها لا تتعدى اللحوم والالبان والبر والتمر. والإبل عندهم أفضل من عامة الذبائح إذا ضاف أحداً رجلاً من أهل السعة ولم ينحر له عدَّ ذلك إهانة. نزل عمرو بن معدي كرب برجل من بني المغيرة وهم أكثر قريش طعاماً فأتاه بما حضر وقد كان فيما أتاه به فضل فقال لعمر بن الخطاب وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين قال: وكيف. قال نزلت بهم فما قروني غير قريين وكعب ثور قال عمر: إن ذلك

стр. 2045

لشعبة وكم قد رأينا من الأعراب نزل برب صارمة فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء فبات ليلته ثم أصبح يهجوه كيف لم ينحر له وهو لا يعرف بعيراً من ذوده أو من صرمته ولو نحر هذا البائس لكل كلب مر به بعيراً من مخافة لسانه لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة يتكفف الناس ويسألهم العلق. وإذا اعتبرت أسماء الأطعمة عندهم تجدها دائرة على تلك المواد الأولية ومتى رأيت تكرر المعنى الواحد بألفاظ كثيرة فمنشأ ذلك والله أعلم تعدد لغات قبائل العرب لأن ما عرفته قبيلة باسم تعرفه أخرى بآخر. فمن أطعمتهم (الوشيقة) وهو لحم يغلى إغلاة ثم يرفع و (الصفيف) مثله ويقال هو القديد قال ابن السكيت: إذا شرح اللحم وقدد طوالاً فهو القديد فإذا شرح عراضاً فهو الصفيف والوشيق يجمعهما إذا جفا (والتثمير) أن يقطع صغاراً ثم يجفف و (الوزيم) المجفف و (العفير) لحم يجفف على الرمل في الشمس و_الجبجبة) كرش البعير يغسل بالماء والملح ثم يشرح أعلاه ثم ينفخونها ويحشونها بالشجير أو بعر افبل اليابس ثم تعلق حتى تضربها الريح وتجفف ثم يأخذون اللحم فيقددونه ويجعلونه على حبال حتى يذبل ذبله ويذهب ماؤه وكذلك يفعلون بالشحم ثم يطبخون لحمها بشحمها جميعاً ثم يفرغونه في القصاع حتى يبرد ويصفون الإهالة على حدة فإذا برد كثبوا اللحم والشحم في الجبجبة وصبوا عليه الودك ثم بردوه حتى يجمد ويصير كالحجر ثم يلقى في جوالق (أكياس) ويستر من الحر أن يفسد فيأكلون منه جامداً ومن شاء أذاب منه على القرص. و (الأرة) لحم يطبخ في كرش و (الهلام) طعام يتخذ من لحم عجلة بجلدها. والشبارق الألوان من اللحم المطبوخة فارسي معرب. والخضيعة طعام يتخذ بالشام والقلية مرقة تتخذ من أكباد الجزور ولحومها. والحنيذ الشواء الذي لم يبالغ في نضجه وقد حنذت أحنذ حنذاَ قال ابن السكيت: الحنيذ أن يؤخذ اللحم فيقطع أعضاء وينصب له صفيح الحجارة فيقابل يكون ارتفاعه ذراعاً وعرضه أكثر من ذراعين في مثلهما ويجعل له بابان ثم يوقد في الصفائح بالحطب فإذا حميت واشتد حرها وذهب كل دخان فيها ولهب أدخل فيه اللحم وأغلق البابان بصفيحتين قد كانت قدرتا للبابين ثم صربتا بالطين وفرث الشاة وأدفئت شديداً بالتراب فيترك في النار ساعة ثم يخرج كأن البسر قد تبرأ العظم من اللحم من شدة نضجه. والحند أيضاً أن يأخذ الرجل الشاة فيقطعها ثم يجعلها في كرشها ويلقي مع كل

стр. 2046

قطعة من الكرش رضفة وربما جعل في الكرش قدحاً من لبن حامض أو ماء ليكون أسلم للكرش من أن تنقد ثم يخلها بخلال وقد حفر لها بؤرة أحماها بها فيلقي الكرش في البؤرة ويغطيها ساعة ثم يخرجها وقد أخذت من النضج حاجتها. و (شواء ملعوس) إذا أكل بالسمن وهو العلس و (الصلائق) اللحم المشوي المنضج وقيل الرقاق الخبز وفي حديث عمر ﵁ لو شئت أمرت بصلائق وصناب. قال ابن سيده في باب ما يعالج من الطعام ويخلط نقلاً عن أبي علي أن أكثر هذا الباب على فعيلة أما بناؤهم على هذا البناء فلأنه في معنى مفعول ألا ترى أن البسيسة في معنى مبسوسة وكلها مطبوخ ملتوت أو مليون أو متمور أو مسمون أو معسول والجنس الغالب العام له قولنا مخلوط ودخلت الهاء للمبالغة. وذلك مثل (الضبيبة) وهي سمن وربٌّ يجعل للصبي في العكة يطعمه يقال ضببوا لصبيكم. (والربيكة) شيء يطبخ من بر وتمر وقد ربكته أربكه ربكاً مثل غراثان فأربكوا له. قال ابن السكيت الربيكة تكر بعجن بسمن وأقط فيؤكل وربما صب عليه الماء فشرب شرباً. والبسيسة كل شيء خلطته بغيره مثل السويق يلت بالسمن أو الزبد ثم يؤكل ولا يطبخ وهو أشد من اللت بللاً والأقط يدق ويطحن ثم يلبك بالسمن المختلط بالرب و (البكيلة) السويق والتمر يؤكلان في إناء واحد وقد بلا بللبن وقد بكل الدقيق بالسويق خلطه. و (الغثيمة والغبيثة) طعام يطبخ ويجعل فيه جراد و (الفريقة) شيء يعمل من البر ويخلط فيه أشياء للنفساء و (الفئرة والفؤارة) حلبة وتمر يطبخ للمرض أو النفساء و (الرغيدة) اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقاً و (الحريرة) الحساء من الدسم الدقيق و (السريطاء) حساء شبيه بالحريرة أو نحوها و (الصية) طعام كالحساء يصنع بالتمر وقد يقال له الرغيغة و (العكيس) الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب و (الوجيئة) التمر يدق حتى يخرج نواه ثم يبل بلبن أو سمن حتى يتدن ويلزم بعضه بعضاً فيؤكل والوجيئة أيضاً جراد يدق ثم يلت بسمن أو بزيت فيؤكل و (الخزيرة أو الخزير) الحساء من الدسم أو الدقيق والخزيرة مرقة تصفى بلالة النخالة ثم تطبخ تسميه الفرس سيوساب والخزيرة أن تنصب القدر بلحم يقطع صغاراً على ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم و (العصيدة) السمن يطبخ بالتمر و (الرهيدة) برٌ يدق ويصب عليه الماء و

стр. 2047

(الوديكة) دقيق يساط بشحم شبه الخزيرة و (اللهيدة) الرخوة من العصائد ليست بحساء يحسى ولا غليظة فتلقم و (الخطيفة) الدقيق يذر على اللبن ثم يطبخ فيلعقه الناس لعقاً و (اللفيتة) العصيدة المغلظة من لفت الشيء ألفته لفتاً إذا لويته و (النحيرة) ماء وطحين يطبخ وقيل هو لبن حليب يجعل عليه سمن و (الحسيلة) حشف النخل إذا لم حلا بسره فيبسونه فإذا ضرب أنفت عن نواه ويدفونه باللبن ويمردون له تمراً حتى يحليه فيأكلونه لقيماً وربما ودن بالماء و (النهيدة) أن يغلى لباب الهبيد وهو حب الحنظل فإذا بلغ أناه من النضج والكثافة ذرت عليه قميحة من دقيق ثم تحل و (الفهيرة) مخض يبقى فيه الرضف فإذا ذر عليه الدقيق وسيط به ثم أكل و (السخينة) التي ارتفعت عن الحساء وثقلت عن أن تحسى وهي دون العصيدة و (النفيتة والحريقة) أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب حتى ينفت تتجبس من نفتها وهي أغلظ من السخينة يتوسع فيها صاحب العيال إذا علبه الدهر و (الخضيمة) حنظة تؤخذ فتنقى وتطيب ثم تجعل في القدر ويصب عليها الماء فتطبخ حتى تنضج و (الوهية) جراد يطبخ ثم يجفف ثم يدق فيقمح أو يبكل ويخلط بدسم و (الصحبرة) من المحض إذا أسخن يقال اصحروا لنا لبناً وربما جعل فيه دقيق وربما جعل فيه سمن إذا سخن فيه الحليب خاصة حتى يحترق فهو صحيرة وقد صحرته أصحره صحراً و (الغميم) اللبن يسخن حتى يغلظ و (القطيبة) لبن المعزى والضأن و (الأخينخة) دقيق يصب عليه ماء بر بزيت أو سمن ويشرب ولا يكون إلا رقيقاً و (الوظيئة) تمر يخرج نواه ويعجن بلبن و (العجة) دقيق يعجن بسمن ثم يشوى و (الوليفة) طعام يتخذ من دقيق وسمن ولبن و (اللوقة) زبد ورطب و (الألوقة) كل ما لين من الطعام وفي الحديث لا آكل إلا ما لوَّق لي. و (الرهية) بر يطحن بين حجرين ويصب عليه لبن و (الحيس) تمر وأقط وسمن و (الغذيرة) دقيق يحلب عليه لبن ويحمى بالرضف و (المجيع) التمر واللبن و (الصعقل) التمر ايابس ينقع في اللبن الحليب و (القشيمة والقميشة) هبيد يحلب عليه لبن و (الوضيعة) حنطة تدق ثم يصب عليها سمن فتؤكل و (القفيخة) طعام من تمر وإهالة و (البغيث) الطعام المخلوط بالشعير و (الشقدة والقشدة) حشيشة كثيرة الإهالة واللبن يصبخ مع دقيق وأشياء تؤكل و (الدليك) طعام يتخذ من الزبد واللبن شبه اللبن. إذا أخذ الحليب فأنقع فيه تمر برني فهو (طكديراء) و (الرض) التمر يدق فينقى عجمه

стр. 2048

ويلقى في المحض و (الوغيرة) اللبن محضاً يسخن حتى ينضج وربما جعل فيه السمن. وفي لغة الكلبيين الإيغار أن تسخن الحجارة ثم تلقى في الماء لتسخنه وفي اللبن أيضاً لينعقد ويطيب و (الحليجة) عصرة نحي أو لبين أنقع فيه تمر و (غنية) هي السمن على المحض و (الدبوس) خلاص التمر يلقى في مسلا السمن فيذوب فيه وهو مطيبة للسمن و (الرضيف) اللبن يصب على الرضف وهي حجارة تحمى فيوغر بها اللبن. و (الحميمة) المحض يسخن وقد حممته وأحممته. مش الشيء يمشه مشاً إذا دافه في ماء حتى يذوب. و (العجال والعجول) تمر يعجن بسويق و (العمص) ضرب من الطعام تقول عمصت العامص وأمصت الآمص وهي كلمة تجري على ألسنة العامة وليست فصيحة يعنون الخاميز وربما قالوا العاميص و (العويثة) قرص يعالج من البقلة الحمقاء بزيت و (العلهز) وبر مخلوط بدماء الحلم كان يؤكل في الجدب و (المجدوح) دم يخلط بغيره كان يؤكل في الجاهلية وأصله من الجدح والتجديح وهو الخوض بالمجدح وهي خشبة في رأسها خشبتان معترضتان و (الخردق) طعام يعمل شبيه الحساء والخزيرة و (الوزين) حب الحنظل المطحون يبل باللبن فيؤكل و (الفرني) واحدته فرنية وهي خبزة مسلكة مصغنة تسوى ثم تروى سمناً ولبناً وسكراً قال ابن سيده وأهل الشام يتخذون الخبزة الفرنية على صنعة كير الزجاجين يخبزون فيه الفرنية ويسمون ذلك المخبز فرناً و (الطعام مبروت) مصنوع بالمبرت وهو السكر الطبرزد و (البهط) فارسي وهو الأرز يطبخ باللبن والسمن خاصة واستعملته العرب تقول بهطة طيبة و (سويق مقنود ومقند) مخلوط بالقند والقنديد وهو عصير قصب السكر و (البريقة) وجمعها برائق وهي التباريق وهي شيء قليل من الدسم ولم يسفسفوه أي لم يوسعوه دسماً. و (المشنق) العجين الذي يقطع ويعمل بالزيت واسم كل قطعة منه فرزدقة وجمعه فرزدق (وعامة أهل الشام يقولون الآن جردقة وجرادق) و (الفرفور والفرافر والفرافل) سويق يتخذ من ثمر الينبوت و (الحلواء) من الطعام ما عولج بحلاوة يمد ويقصر ومنها الفولذ والفالوذق وهو فارسي معرب زعم الفارسي أن معناه حافظ للدماغ بالفارسية وهو الفالوذج والطائفة منه فالوذجة وهو الصفرق. و (القبيطي) الناطف و (اللمص) كالفوذ معرب ولا حلاوة له يأكله الصبيان بالبصرة بالدبس و (الكامخ) من الأدم منهم من خصصه بالمخللات التي تستعمل لتشهي الطعام و (الصير والصحناءة) ضربان

стр. 2049

من الكامخ وفي القاموس والصحناء والصحناة ويمدان ويكسران أدام يتخذ من السمك الصغار مشه مصلح للمعدة قال في التاج الصحناة فارسية تسميها العرب الصير وقال ابن الأثير الصير والصحناة فارسيتان و (الصير) السميكات المملوحة تعمل منها الصحناة ومن أطعمتهم (الدرامك) وهي الحواري أي الدقيق الخالص قال زياد بن فياض: فأطعمها شحماً ولحماً ودرمكاً ... ولم يثننا عنه النسيم الحنادس ومن مآكلهم (المضيرة) مريقة تطبخ باللبن المضير أي الحامض وهي مثل اللبنية المعروفة في بلاد الشام عقد لها البديع مقامة ولعنها أبو الفتح الإسكندري عندما دعاه وأصحابه بعض تجار البصرة فرفعوها عن الخوان مجارة له: فارتفعت لها الأفواه تلمظت لها الشفاه واتقدت لها الأكباد ومضى في أثرها الفؤاد و (السكباج) معربة كما في التاج عن سركة باجة وهو لحم يطبخ بخل مثل (السكرجات) وهي التوابل والسكرجة قصاع يؤكل فيها صغار وليست يعربية وهي كبرى وصغرى وفي حديث أنس لا آكل في سكرجة ومعناه أن العرب كان تستعملها في الكوامخ وأشباهها من الجوارش على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم فأخبر أن النبي ﷺ لم يأكل على هذه الصفة. ومنها (الفانيد) قال في التاج ضرب من الحلواء معرب بانيد و (الهلياثا) وردت في كلام الجاحظ فقال: إذا أطعمتهم اليوم البرني أطعمتهم غداً السكر وبعد غد الهلياثا. والغالب أن الهلياثا طعام ثمين عندهم. و (الطفيشل) كسميدع نوع من المرق و (الهريسة والفجلية والكرنبية) أولان ولعل أسماء البقول المطبوخة تسمى بالاسم الذي صنعت منه مثل الباقلاء والقرع والفول والملفوف والسلق وغيرها مما كان معروفاً للعرب وينبت في بعض بلادهم. سئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام وما قسم لكل قوم منه فقال ذهبت الروم بالجشم والحشو وذهبت فارس بالبارد والحلو وقال عمر لفارس الشبارق والحموض فقال دوسر المديني: لها الهرائس والقلايا ولأهل البدو اللباء والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد وقال الشاعر: ألا لبت خبزاً قد تسربل رائباً ... وخيلاً من البرنيّ فرسانها الزبد ولهم البرمة والخلاصة والحيس والظطيئة. وقد علم بهذا أن الحلويات عند العرب ما يعملونه بالدقيق والتمر ويدخل أكثرها الدبس أو العسل أو السكر وهذا كان نادراً في الجملة

стр. 2050

عندهم لأنه يأتيهم من فارس كما دل عليه اسمه عندهم إذ أخذوا عن جيرانهم الاسم ونقلوا المسمى. ويحكى أن عبد الله بن جدعان أحد اشراف قريش ذهب مرة إلى كسرى فأطعمه الفالوذج فاستطابه وسأل كيف يصنع فقيل له أنه لباب البر يلبك بالعسل فابتاع غلاماً يصنعه له ورجع إلى مكة وصنع الفالوذج ودعا إليها أصحابه وممن أكلها أمية بن أبي الصلت فقال يمدحه: لكل قبيلة رأس وهادي ... وأنت الرأي تقدم كل هادي له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشيزى ملاءٍ ... لباب البر يلبك بالشهاد قال الجاحظ ومن اشرف ما عرفوه من الطعام ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان وهو الفالوذق. هكذا كانت الأطعمة في الجاهلية وأما في الإسلام فكان فيها في أخبار أهل الصدر الأول وخصوصاً في أخبار أبي بكر وعمر وعلي وعمر بن عبد العزيز من الزهد والتقشف ما يعجب منه كل من عرف أنهم فتحت لهم كنوز الأرض فعفوا عنها. ولما اشتدت حاجة عمر بن الخطاب أراد بعض الصحابة ومنهم عثمان وعلي وطلحة والزبير أن يزيدوه في رزقه فعزموا أن يأتوا حفصة ويسألوها ويستكتموها فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمي له أحداً إلا أن يقبل وخرجوا من عندها فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك. فقال: لو علمت من هم لسوءت وجوههم أنت بيني وبينهم. أنشدك الله ما أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ قالت ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع فقالت: خبزنا خبزة شعير نصيبنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا فجعلناها هشة دسمة فأكل كنها وتطعم منها استطابة لها قال: فأي مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ قالت كساء لنا ثخين كنا نربعه في الصيف فنجعله تحتنا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه قال: يا حفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله ﷺ قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية وإني قدرت فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالترجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقاً فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ

стр. 2051

ثقم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم أتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. ولقد كان عمر بن الخطاب يشدد على عماله حتى لا يسترسلوا في التنعم بالأطايب فتقسى قلوبهم ويكونوا قدوة في الترف للرعية قال الربيع بن زيادة الحارثي: كنت عاملاًً لأبي موسى ألشعري على البحرين فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ يأمره بالقدوم عليه هو وعماله وأن بيستخلفوا جميعاً قال: فلما قدمنا أتيت يرفأ فقلت يا يرفأ مسترشد وابن سبيل أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله: فأومأ إلي بالخشونة فاتخذت خفين مطارقين ولثت عمامتي على رأسي فدخلت على عمر فصففنا بين يديه فصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه أحداً غيري فدعاني فقالك من أنت. قلت: الربيع بن زياد الحارثي قال: ما تتولى من أعمالنا. قلت: البحرين. قال: كم ترزق قلت: ألفاً. قال كثير فما تصنع به قلت: أتقوت منه شيئاً وأعود على أقارب لي فما فضل عنهم فعلى فقرءا المسلمين قال: فلا بأس ارجع إلى موضعك. فرجعت إلى موضعي في الصف فصعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا علي فدعاني فقال: كم سنك قالت: خمس وأربعون سنة قال: الآن حين استحكمت ثم دعا بالطعام واصحابي حديث أمرهم بلين العيش وقد تجوعت له فأتى بخبز وأكسار بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكل فأجيد فجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سخت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني ثم قال: كيف قلت فقال: أقول يا أمير المؤمنين أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز ليناً واللحم غريضاً فسكن من غربه وقال: أههنا غرت قلت نعم: فقال ريا ربيع أنا لو نشاء ملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب ولكني رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، ثم أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابي. نعم لو أراد عمر أن يملأ داره من هذهالطيبات التي عدها وهي أتقن شيء في نظره وأغلاه لما تعذر عليه بعد أن فتح المسلمون فارس والشام في عهده ولكن نفسه العظيمة أبت إلاالتقشف ومثله بعض عماله حتى أن أبا عبيدة لما هزم الفرس في كسكر من أعمالهم جمع

стр. 2052

الغنائم فرأى من الأطعمة شيئاً عظيماً فبعث بمن يليه من العرب فاقتسموا خزائنها وجعلوا يطعمونه الفلاحين وبعثوا بخمسه لعمر وكتبوا أن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها وأحببنا أن تروها ولتذكروا إنعام الله وأفضاله. ثم أن بعض الفرس حملوا إلى أبي عبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس والألوان والأخبصة وغيرها فقالوا هذه كرامة أكرمناك بها وقرى لك فقال: أأكرمتم الجند وقريتوهم مثله قالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون قالوا فرده وقال: لا حاجة لنا فيه بئس المرء أبو عبيدة إن صحب قوماً من بلاده أهرقوا دماءهم دونه أو لم يهرقوه فاستأثر عليهم بشيء يصيبه لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم غلا مثل ما يأكل أوساطهم. قال زياد بن حنظلة في فتح عمر بن الخطاب لإيلياء من أبيات: وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها ... وعيشاً خصيباً ما تعد مآكله وبذلك عرفت أن معظم الأطعمة الشهية فارسية أو رومية استعملها العرب في البلاد التي نزلوها ومنها ما عربوه ومنها ما أبقوه على حاله ولكل بلد خصائصه في مآكله ومن تعمد استقصاءها يضطر بعد البحث الشديد إلى وضع مصنف فيها يكون من أنفع الدروس الصحية والاجتماعية لا محالة. ومن المجالس الغريبة المجلس الذي عقده المستكفي بالله ليتذاكر مع ندمائه أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوماً وقد أورد المسعودي في مروج الذهب هذه القصائد ومنها قصيدة لابن المعتز يصف سلة سكارج كوامخ وأخرى لكشاجم في صفة سلة نوادر وثالثة لابن الرومي في صفة وسط ورابع لإسحاق الموصلي في صفة سنبوسج وأخرى لكشاجم في وصف هليون وغيرها للحافظ الدمشقي في وصف إدريسة وغيرها في وصف المضيرة ولغيرة قصيدة في جوزابة. ومن القصائد التي ورد فيها ذكر بعض الأطعمة الدمشقية حوالي القرن الرابع للهجرة قصيدة أبي القاسم الحسين بن الحسين بن واسانه بن محمد المعروف بالواساني الذي كان في زمانه كما قال الثعالبي في اليتيمة كابن الرمي في أوانه وصف ما جرى عليه في الدعوة التي عملها في قرية جمرايا من أعمال دمشق وقد أخذها صاحب اليتيمة برمتها: فقال أنه أحسن فيها غاية الإحسان وأبان فيها عن مغزاه أحسن بيان وتصرف فيها وأطال وأمكنه القول فقال وإذا تخلص الشاعر عن الإطالة والوصف هذا التخلص وسلم مما يؤديه إلى التكلف والتلصص فهو الذي لا يدرك غوره ولا يخاض بحره.

стр. 2053

جيران الفراعنة نشر المسيو جبرائيل مدينا في المجلة التونسية فصلاً إضافياً في أصول شعوب الأرخبيل في البحر الرومي وأحلافهم الليبيين الأفريقيين مستنداً فيه إلى ما عرف من الآثار المصرية والمصانع المصورة في آسيا الصغرى قال فيه ما تعريبه: عرض المسيو إيفانس في مؤتمر الجمعيات العلمية الدولي الذي التأم في موناكو سنة ١٩٠٧ نتيجة أعمال الحفر التي قام بها في كنوس عاصمة جزيرة كريت القديمة وهي حفريات ظهر بها مواد كثيرة يرجع عهدها إلى قدم الأزمنة في تاريخ كريت ويستدل منها على أمور كانت غير معروفة عن حال مدينة قامت في تلك البقاع. وقد أطلق هذا المكتشف على ما عثر عليه من بقايا الآثار اسم المينوئية وإن دلت كلها في الجملة على أنها صنعت على مثال الآثار الليبية المصرية دلالة لا يتمارى فيها اثنان. وقد نشر الآن المسيو هوغو ونكلر أستاذ كلية برلين كراسة صغيرة ذكر فيها ما عثر عليه أثناء حفرياته في بوغاز كوي وهي مشهورة بنقوشها البارزة الهيتية وكان من حظ هذا العالم أن يضع يده على السجلات السياسية لملوك الهيتيين مما يرجع على الأقل إلى خمسمائة سنة قبل الميلاد. وبين الألواح التي ظفر بها الأستاذ ونكلر الصور الأصلية من الرسائل التي بعث بها ملك الهيتيين إلى الأمراء الخاضعين له ونسخة من المعاهدة التي عقدت بينه وبين رعمسيس الثاني بعد موقعة قادش وهي المعاهدة التي عرفناها من الترجمة البديعة التي ترجمها المسيو ماسبرو منقولة عن الأصل المصري الذي وجد في الكرنك. ولقد عثر المسيو ونكلر أيضاً على نحو مائة قطعة من القرميد محفورة من أطرافها فيها بضع مئات من السطور المكتوبة بحروف المسند ولكنها كتبت باللغة الآشورية والهيتية وهي اللغة التي لم تنحل حتى الآن. وقد ظهر من حال بعض الألواح الآشورية أن بليدة بوغاز كوري كانت عاصمة المملكة الهيتية على عهد عظمتها وارتقائها أي في القرن السادس عشر إلى القرن الثلاث عشر قبل المسيح لا مدينة كركميس كما كان يظن من قبل. وأن تلك العاصمة كانت تسمى خاتي وبهذا استبان مقر تلك الأمة وعليه فإنا نقول أنها كانت في إقليم كابودسيا لا في الوادي الغربي من الفرات الأوسط كما كانوا يزعمون حتى الآن.

стр. 2054

وإذا اغتبطنا بهذين الاكتشافين فذلك لأنهما يقفان بنا على حقيقة تاريخية في منشأ الليبيين وأصولهم كما عرف تاريخ مصر عندما انجلت الكتابة التي كانت كتبت بها مدارج البردي والكتابات المزبورة على مصانعها وعادياتها. ذكرنا في كتابنا مملكة البحار المصرية على عهد توتيمس الثالث كيف كانت حال مصر من حيث جنديتها على عهد الدولة الثامنة عشرة من الارتقاء والعظمة ولاسيما في زمن توتيمس هذا. أما في زمن الدولة التاسعة عشرة والدولة العشرين فقد انحطت جندية مصر. وتبعث الكتابات المصرية القديمة التي كتبت على ذاك العهد على التخمين بأنه لم يكن للفراعنة إذ ذاك أساطيل في استطاعتها أن تؤيد سلطان مصر على البحر المتوسط وتحاول أمم الأرخبيل (بحر ' يجي) في الشمال أن تهاجم مصر من طريق الدلتا. والهيتيون من الشرق والليبيون من الغرب والعنصر القوشي نسيب الليبيين من الجنوب وكلهم يحاولون الإغارة على وادي النيل. والظاهر أن هذه الأساطيل وهذه الجيوش وإن كانت تعمل كل منها منفصلة عن الأخرى لكنها كانت تعمل بإشارة خاتي عاصمة مملكة هيت وهي العدوة الزرقاء لملوك مصر منذ سقوط ملوك الرعاة. وقبل درس حال هؤلاء المتحالفين أو الأمراء التابعين لمملكة هيت جماعة جماعة يجب أن نبين عناصرهم وأصولهم أولاً. فإذا أخذنا شعوب الأرخبيل وهذا الجزء من قارة آسيا فإنك لا تراهم إلا مزيجاً من الشعوب البحارة الذين كان يطلق عليهم في القديم البلاسج فكان أصل بعضهم من كريت وبعضهم من الشوطئ الغربية في آسيا الصغرى فهذا الشعبان بحسب رأي الباحث أربوا دي جونيفيل من أصل واحد بيد أن التاريخ اليوناني إذا طبقناه على الاكتشافات الأثرية الحديثة يداخلنا الشك في صحته وكذلك المكتوبات المصرية المزبورة على المصانع والمعاهد فإنها تميز الشعب الأول باسم بلست والثاني باسم تورسها ويظهر أن الأول كان من الفيلستينيين الذين هم معدودون من سلسلة النسب بحسب رواية سفر التكوين من أخلاف مصرائيم ومن فرع كسلوحيم. ويظهر لنا أنهم ليسو سوى ليبيين مصريين الذين قال المؤرخ بلين والجغرافي بومبينوس ميلا أنهم نازلون على التخوم الغربية من مصر وسماهم المؤرخ هيرودوتس بالأدرماشيديين. وبهذا عرفت أن أصل الكريتيين والفيلستينيين ليبي مصري على ما ثبت من الحفريات الحديثة التي حفرها

стр. 2055

المسيو إيفانس في جزيرة كريت إثباتاً لا يحتمل الأخذ والرد. ولكن هل نشأن احتكاك ليبيا ببلستا في زمن سبق عهد أمم البيلاسج بما كان بين القطرين من لاصلات أو هو ناشئ من صلات تجارية ليس إلا؟ أما نحن فلا نسلم بهذا الفرض بل نقول فقط أنه ناشئ من وحدة أصولهما واتحادهما في المعتقدات وتذكرهما بأن لهما أصلاً واحداً بين السكان المتاخمين للآريين في الشاطئ الشمالي من آسيا الصغرى وكريت وليبيا. فالبيلاسج الكريتيون يمتازون عن البيلاسج التورسانيين بأخلاقهم النابية عن الآداب والحشمة مثل مخالفتهم الفطرة في الشهوات وتصويرهم أعضاء التناسل في كل مكان فترى في ليبيا وكريت وآسيا الصغرى أن هذه العادة شائعة في كل مكان وقد ذكر هيرودتس أن في كل مكان انتشرت فيه عبادة الكابيريين الكنعانية سواء كان في كريت وساموتراس ولمنوس كنت ترى أن رمز أعضاء التناسل معروضة على صورة تعبدية. ويقول المؤرخ سترابون أن مثل هذه الصور كانت تنقش على الحجر في أبواب مدينتي لامبساك بانوبوليس احتراماً لها وإكراماً. وقد ذكر المسيبو ستارك فيما جمعه من الساطير عن صقع جبل سيبيل أن الملك تانتال الذي كانت عاصمته على خمسة كيلومترات من أزمير تجاسر في خلال إحدى الحفلات أن ينازع الرب زيوس في النعم التي أسداها إلى الأميرة جانيد فأهلكه المشتري عقوبة له ولأمته. وقد زرت بلاد سيبيل منذ بضع سنين وتعهدت خرائب تانتاليس وقبر ملكها تانتال وكلها تدل على قدمها وتدل جميع القبور التي كشفت بالحفر على عبادة آلات التناسل كما أن أديم الأرض يدل على حقيقة لا جدال فيها وهي أن تلك البلاد كانت عرضة للحوادث الأرضية. وفي التقاليد اليونانية أن أصل تانتال هذا من جويرة كريت وهو مننسل الرب زيوس وأبوه زحل رب ليبيا وهذه القصة أشبه بما ورد في التوراة من قصة قوم لوط في سدوم الذين غضب الله عليهم فأهلكهم ولم نذكر قصة تانتال للدلالة على أن أقدم تقاليد مبونيا (وأليديا) تشعر بأن ما أتاه قوم لوط قد انتقل إلى سكان هذه البلاد وليس هو من اختراعهم. أما البلاسج التورسانيون الذين يمتازون كما قلنا عن البلاسج الكريتيين فالظاهر أن العبادة المألوفة عند الكريتيين كانت مألوفة أيضاً عند التورسانيين بدون أن يصوروا الرجال عراة

стр. 2056

وكانت الصور عندهم على جانب من الوقار والطهر وسلامة الأدب على أنهم لم يستنكفوا عن تعرية النساء وقد اكتشفت في جزائر الأرخبيل من مدينة تارس مئات من تماثيل النساء عاريات وقد جعلن أيديهن على صدورهن. وهذه التماثيل ليست من التماثيل الفينيقية فكان على ما يظهر من طبيعة هذا الشعب أن يعنى كثيراً بجنس النساء ولذلك وجد في بلادهم ويظهر أنها سيلسيا عدة بيوت خاصة بالنساء كما وجد في أقليم كابادوسيا مدن مثل زليا وكومونا وبسينونت سكانها كلهم من أهل الفاحشة من الجنسين وكهنتها خصيان والفجور فيها مقدس وشائع. وأكد الجغرافي سترابون الذي ولد في أمازا في وسط بلاد البحر السود أنه مكان في عصره في مدينة فنازا من أعمال موريمينيا معبد كان فيه ثلاثة آلاف فاحشة ومثل هذا القدر في مدينة بسينونت وفي مدينة كونا ستة آلاف. أما زيليا فإنها كانت مأهولة خاصة بالمقدسات من المومسات وهذه المدينة معتبرة بأنها مقر هذه العبادة حيث كان يقيم حبرها الأعظم تحيط به خدمة كثيرون ويحكم حكماً مطلقاً على اولئط الفاشقات المعروضات لكل قادم. وكانت هذه المعابد منتشرة فيالخمس ممالك الآسياوية يعني في جميع آسيا السالفة ومنها أودية ما وراء سلسلة جبال طوروس وطوروس أمازيوس ويظهر أن وجود هذه المعابد في جميع الطريق الآخذة من تارس إلى خليج فارس ومنها إلى البحر الأسود يدل على وجود هذه الأسواق الكبرى من النساء المستعبدات الفاسقات اللائي كن يقربن التجار من جميع الأمم الذين يأتون مع القوافل أو في البحار وربما نشأ من هنا ما نراه الآن من الأسواق العامة والخانات التي لم يزل لها أثر حتى اليوم في آسيا الصغرى. أما البيلاسج التورسانيون فقال هيرودتس في سبب أصلهم أنه حدثت مجاعة هائلة خربت إقليم ليديا على عهد الملك أتيس ابن مانيس فاستسلمت الأمة لها زمناً ولكنها ما فتئت تفتك بهم ولما لم يجدوا سبيلاً للخلاص منها أخذ كل واحد يفكر في طريق لنجاته وعلى ذلك العهد اخترعوا زهر النرد والكعاب والكرة وسائر اللعاب فكانوا يتراوحون كل يومين بين اللعب والأكل فيقضون اليوم الأول بطوله في اللعب لئلا يفكروا في الطعام وفي اليوم التالي يتوقفون عن اللعب ويأكلون. وبفضل هذه الواسطة دام القحط ثماني عشرة سنة وهي بحالها لا تزداد إلا شدة فعندها نادى الملك في قومه فقسمهم شطرين ثم اقترع بينهما فقسم

стр. 2057

وقعت عليه القرعة بالسفر وقسم بقي في البلاد. أما الملك فبقي مع المقيمين وأقام ابنه تورسينوس ملكاً على المهاجرين فذهب هؤلاء إلى أزمير وأنشئوا سفناً جعلوا فيها كل ما يحتاجون إليه من الزاد في رحلتهم الطويلة وأقلعت سفنهم تطلب أرضاً تطعمهم وشطأوا (حاذوا شواطئ) أمماً كثيرة حتى بلغت بهم خاتمة مطافهم إقليم أومبيريا (من إيطاليا وهي ولاية بروز اليوم) فأنشئوا فيها بيوتاً لم يزالوا ساكنين فيها حتى الآن وغيروا اسمهم وتسلموا باسم ملكهم فدعوا التورسانيين. هذه القصة التي أوردها هيرودتس على حقيقتها لا تقبل بجمالها وذلك لأن هذه المجاعة التي دامت ثماني عشرة سنة وهذه الحيلة الصبيانية من اختراع الألعاب ليدفعوا عنهم آلام الجوع قد ظهرت للعلماء من العبث وتجلى أصل الإيتروسكيين الليدي من أساطير الأقدمين للقدماء والمحدثين. وللوقوف على ذلك لا يرجع إلا التقاليد القديمة بل إلى ما ظهر من المكتوبات والآثار المحفورة في مصر وآسيا الصغرى وبالمقابلة بينها يستنتج بأن أتيس الذي ذكر خبره هيرودتس لم يكن ليدياً بل أن الآثاؤ التي وجدت في مدينة خاتي عاصمة الهيتيين ومدينة عبو والألواح التي اكتشفها ونكار في بوغاز كوي كلها تدل على أن أتيس لم يكن ملكاً لميوبيا فقط بل ملكاً على مملكة واسعة كانت ليديا بأجمعها من جملتها وتدجل الكتابات المصرية والرسوم البارزة في آسيا الصغرى على ذلك كل الدلالة. والمصانع المرسومة كتاب من التاريخ لا يكذب ولا تجد له مثيلاً في الأساطير القديمة والتقاليد المتعارفة عن الأمم البائدة بواسطة هذا الكتاب تضمحل النظريات والأفكار الواهية المبنية على تخمينات لا يمكن الجمع بينها وتنجلي الحقيقة كالشمس رأد الضحى. في الطريق الموصلة من ساردس إلى أزمير قرية معروفة عند الروم اليوم باسم نينفي ويسميها الأتراك قره بكلي وهناك ساعد من سواعد نهر الهرموز يخرج من صخرة ويشرف على مجرى طوله خمسون متراً وترى داخل تلك الصخرة كوة علوها متران ونصف وفيها صورة تمثل محارباً يلبس على رأسه تاجاً مقرناً على مثال قبعات ملوك الهيتيين وهو لابس قميص قصير على مثل ما نراه في المصانع المصورة في أيوك أو بوغاز كوي وهذا التمثال يحمل بيده قوساً وفي الأخرى رمحاً ويلبس في رجله حذاءً ذا رأس طويل منحن. وقد كتبت من جانب رسم الصورة ستة حروف باللغة الهيتية إلا أنها لا

стр. 2058

تقرأ ولم يستطع أحد أن يحلها. وقد قال هيرودتس نقلاً عما ذكره له كهنة المصريين من غزوات رعمسيس الثاني الموهومة في آسيا الصغرى أن هذه النقوش البارزو هي رسم سروستريس ملك مصر أما اليوم فلا يتردد أحد من الاعتراف بأن هذا الرسم هو رسم مجاهد هيتي وربما كان تي خاتي بالذات أو أتيس الذي ذكره هيروديتس وهما وليست هذهالصورة وحيدة في بابها بل أن المسيو هومان اكتشف واحدة مثلها في أفيس وهاتان الصورتان هما صورتان مزورتان لسروستريس خدع بهما هيرودتس وهما شاهدتان للأعقاب بامتداد سطوة الهيتيين العسكرية في آسيا الصغرى. ويستفاد من تطبيق تاريخيهما أن هذين النقشين البارزين يرد تاريخهما إلى القرن الخامس عشر قبل المسيح. وقد ذكر في الآثار المصرية التي وجدت في مدينةعبو في ذاك التاريخ نفسه خبر ثورة عظمى بين الشعوب في تلك البلاد من قارة آسيا واسم هذه الشعوب الثائرة المنيريون والميونيون والليسيون والموشيون والدرادانيون والكاريون الببدارزيون. وقد قيل أن جميع هذه الشعوب كانت من تراسيا أو فرغانة على أنه لميجر ذكر للبريج أو التراسيين بين تلك الأسماء ويحق ما لاحظه المسيو جورج برو بقوله: أليس من المحقق أن الفرغانيين لو سكنوا شبه الجزيرة الشرقية (بين الإدرياتيك والأرخبيل) لكانوا انجذبوا طوعاً أوكرهاً بالحركة العظمى بين تلك الأمم وأكرهوا أو أغووا على الانضمام إلى النزول إلى سورية على أنه ليس في قائمة الشعوب التي دعاها الهيتيون إلى مساعدتهم ولا في تسمية كهنة الهيتيين لهم فيما بعد بشعوب البحار ذكر لاسم الفرغانيين. وإذا لم نجد في كتابات تلك الأعصر إشارة للهيتيين ألا نستنتج من ذلك أن التراسيين لم يجتازوا بوغاز الدردنيل وأن أحلاف الخاتيين لم يكونوا أوروبيين ولا تراسيين؟ وغذا تركنا الكتابات المصرية جانباً ونظرنا في كتابات التوراة التي هي أحدث منها فإنا نبدأ بحسب الطريقة التي اختارها كاتب الإصحاح العاشر من سفر التكوين أي بأن نتتبع أجيال الناس من الغرب إلى الشرق فيتجلى لنا أنه جعل في مقدمة أولاد يافث الشعوب التي هي نمن بلاد الشمال وفي سكان الجنوب الجافانيين أو الروم وقد أتى بهم بجانب التيرانيين والموشيين الذين ذكرهم هيرودتس. ولم نر للفرغانيين أو الكومريين ذكراً لهم وهم شعوب وسط بين سكان الأرخبيل والآسياويين. ويرى أحبار اليهود أنالتراسيين هم الإسكينازيون

стр. 2059

إلا أن هذا مجرد فرض منهم لا يفهم من نصوص العهد القديم وإذا أطلق هنا على إقليم فرغانة اسم أفريقية فهذا أيضاً ري من الآراء لا حقيقة من الحقائق الثابتة. ثم أن بعض الشراح من الربانيين قالوا بأن الترشيشيين هم من التراسيين بدون أن يدركوا أن التوراة قد جعلت ترشيش بن جافانا واسكنار بن كومر على أن هذين الفرضين لا يمكن تطبيقهما من الوجهة الجغرافية والشعبية على نصوص شرح التوراة. وليس في الكتابات اآشورية شيء بشأن التراسيين أو البيرجيين سكان آسيا الصغرى. جاء في التواريخ الآشورية المحفورة على اسطوانات من الأجر (الطوب) المحفوظة في المتحف البريطاني ذكر ملك مداس أوميتا وورد على صورتين (ميتا) ملك الموسخو وميتا ملك الموسخاي أي ميداس ملك الموشيين أو ميداس الموشيني لا ميداس الفرغاني كما يزعم ذلك كتاب اليونان. وقد طاف المسيو بيرو إقليمي ليديا وكابادوسيا طواف عالم أثري وقابل بين مصانعها المختلفة فرأى أن هذه التناقضات لم تنشأ إلا من ضعف إرادة هوميرس في نسبة أصل أبناء وطنه إلى فرع أوروبي لا إلى فرع آسياوي. ومن تأمل فرأى أن ليس من أحد بين اليونان كان يود مناقضة هوميروس كما أن الباحثين في أوروبا قديماً عن أصول التاريخ كانوا يعنون قبل كل أمر بتوفيق أقوالهم على نصوص التوراة ـ يدرك في الحال السب الذي دعا إلى التفاسير القديمة والحديثة لم يتيسر لها أن تخلص من هذه الوجهة المهمة من سلطة التقليد. وكذلك الحال في البيتيتيين والتينييين والميزيين والذيم أرادوا أن يلصقونهم بالأصل التراسي. وإنما نكتفي هنا فقط بأن نقول أن في اللواح الآشورية ذكراً لبلاد في آسيا الصغرى اسمها بيت أني أو أنو وهي على التحقيق ليست من أصل تراسي وقد رسم أنو هذا في الأساطير الكلدانية على صورة رب سمكة أو رب السواحل البحرية. على أن الأثري شلمان اكتشف في اليسيرليك على بضعة كيلومترات من المكان الذي يزعمون أنه مقر الفرغانيين على عمق ستة عشر متراً في الأساس الذي دعاه قصر بريان على عدد كثير من الأواني والصحاف عليها صورة سواستيكا أوالصليب (المقلوب) الذي يرى بريخ مدير المتحف البريطاني أنه رمز أنو. وأنت ترى أن في مسائل أصول الشعوب صعوبات

стр. 2060

جمة واختلافات كثيرة في التأويل أما نحن فلا نجزم فيما نقول بل نقول بأنه من المحتمل كل الاحتمال أن الشعوب البائدة كان بينها قرابة ويجب التوفيق في ذلك بينها إلا فإذا خانتنا النصوص الموروثة عن عصورهم وظهورهم في التاريخ أو إذا رأيناها تسكت عنهم فإن الشك يسمح به والتأكيد المطلق غير مقبول.

стр. 2061

سير العلم والاجتماع تعليم الشعب كثرت مدارس الشعب في أوروبا كثرة زائدة بفضل المنورين من أهلها. ومدارس الشعب هي مدارس تعليم عامة الناس في المدن والأرياف ما فاتهم أن يتعلموه في المدارس في صباهم تنوع فيه التعليم على أساليب كثيرة وقد كانت انتشرت أول الدعوة إلى إنشاء مدارس العشب أو العامة في الممالك الصغرى سنة ١٨١٠ في الدانيمرك على يد رجل منها اسمه كرواندويك وما برحت المدارس فيها تكثر حتى أصبح فيها نحو تسعين مدرسة عالية لتعليم العامة يتخرج منها كل سنة نحو سبعة آلاف طالب وطالبة وكلهم لا تقل سنهم عن ١٨ ولا تزيد عن ٢٥ ولو لم يتعلم أبناء الفلاحين هذا التعليم العالي بعد فوات السن ما تيسر لهم تصدير حاصلات بلادهم ومصنوعاتها إلى الخارج والغاية الأولى التي يرمي غليها السائرون على خطة كرواندويك أن ينشروا المعارف بين جميع الطبقات وقد انتقلت طريقتهم هذه من الدانيمرك إلى نروج والسويد وإلى فنلندا وكل بلد من هذه البلاد تحاول صبغ مدارس الشعب بصبغة تلائمها وتلقى فيها من العلوم ما له مساس بقيام عمرانها واجتماعها كأن تعلم فنلندا مثلاً الموسيقى لأنها محبوبة من الأمة وفيها أربعمائة جمعية لتعليم العامة فن الموسيقى وفي فنلندا ونفوسها لا تتجاوز الثلاثة ملايين ٣٥ مدرسة عالية لتعليم الكبار من عامة الشعب ما يلزمهم من هذه الحياة مما لم يسعدهم الحظ بتعلمه صغاراً. الأولاد الفاسدون استعمل الدكتور بريللون طريقة جميلة في التربية لإصلاح نفوس الأولاد الفاسدين كالذين اعتادوا السرقة دون أن يستفيدوا مما يسرقون ويسمي الأطباء عملهم كبتوماني أو الذين يألفون بعض العادات الضارة كقضم الأظافر وغيرها فعمد إلى تنويم من أراد إصلاحه تنويماً مغناطيسياً وألقى إليه قطعة من النقود وأوعز إليه أن يتناولها فيسرقها ثم يقول له أن يرجعها فيرجعها ويوبخه على عمله ويقول له عليك أن لا تعود إلى مثل عملك هذا. . وهكذا يتعلم السارق بالاستهواء أن يكف عن عادته قال وهذه الطريقة أنجع من جميع الطرق الأدبية والطبيعية التي اتخذت في إصلاح مثل هذه النفوس حتى الآن. الزجاج في مصر

стр. 2062

كتب أحد علماء الآثار في المجلة الثرية الفرنسوية يقول أنه كان من التقاليد الشائعة أن الفينيقيين هم الذين اخترعوا الزجاج ومنذ حل الخط المصري القديم تبين أن كثيراً من الأواني الزجاجية الملونة التي اشتهرت بأنها فينيقية قد نقش عليها اسم فراعنة مصر وقد أبان أحدهم أنه وإن ثبت وجود أواني زجاجية مصرية أو يونانية صنعت قبل الإسكندر فلم يثبت وجود معمل فينيقي في فينيقية وبذلك تبين أنه لم تنتشر صناعة الزجاج في سورية إلا على عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر ولاسيما على عهد الرومانيين وقد ثبت الآن أن سورية وبلاد دجلة والفرات لم تعرف الزجاج قبل العهد اليوناني وأن الآنية الآشورية الوحيدة التي نقش عليها تاريخ وحفظت في المتحف البريطاني وكتب عليها اسم سراغون الثاني هي بدون ريب من أصل مصري كما ثبت ذلك من شكلها ووضعها. وكما يؤخذ من علبة مرصعة بالزجاج الأسود والأخضر وجدت في حفريات أبيدوس. وقد اقتنى متحف برلين مؤخراً عصا قائمة الزوايا طولها بضعة سنتمترات نقش على وجهها بالأبيض اسم لامار أحد فراعنة الدولة الثانية عشرة ولامار لقب له واسمه الأصلي أمنيس الثالث وكان يعبد في الفيوم. وما وجد في هذه المدينة من الزجاج القديم يدعو إلى الجزم بأنها كانت في القديم مصنع الزجاج وإن صنع الزجاج بلغ درجة عالية في مصر على عهد الدولة الثامنة عشرة وأقدم ما وجد من الأواني الزجاجية ثلاث قطع حفظت فإحداها في القاهرة والأخرى في لندرا والثالثة في ميونيخ. وقد استدل الكاتب بأن ما لاحظه يتري من أنه كان في تل العمارنة هي عاصمة أمينوفيس الرابع معمل للزجاج على أن هذه الصناعة كانت فيها على أتم الرواج في الدولة الثامنة عشرة الفرعونية وأن المصريين كانوا يصنعون الأقداح والتعاويذ من الزجاج. ومعمل تل العمارنة دليل واضح على أنه كان في مصر معامل كثيرة للزجاج والعقل يقضي بأن ما عثر عليه من الزجاج أقدم من هذا التاريخ وهو من صنع مصر أيضاً كالزجاج الذي عثر عليه في قصر أمينوفيس الثالث في ثيبة. وقد بيعت مصنوعات مصر الزجاجية في شواطئ البحر الرومي فنسبت للفينيقيين لأنهم هم الذين كانوا يحملونها على سفنهم ثم أثبت أن صناعة الزجاج ازدهرت في زمن الدولة الساميتية وكانوا ذاك العهد يفضلون التعاويذ الصغيرة والتمويه والتزيين بأنواعه على الأواني الملونة يتخذون من ذلك ما يزينون به

стр. 2063

بيوتهم وفرشهم بل ويتزين به صاحب الدار نفسه. ومن الصعب التمييز بين عصر البطالسة وعصر الرومان. ومن رأيه أن نفخ الزجاج اخترع في معامل فينيقية بعد عهد الإسكندر وهذا السبب في أرجحية معامل فينيقة على غيرها. وتكلم عن الزجاج المعمول بالفسيفساء فقال أن ما وجد منه قد كتبت عليه كتابات مصرية ويونانية وكثير منها من صنع الإسكندرية والفيوم وواحة سيوة ومنها نقلت إلى بلاد اليونان وإيطاليا وغاليا ولا يبعد أن تكون أوروبا نسجت على منوال صناع الزجاج المصريين وهؤلاء علموا الأوروبين على عهد الإمبراطورية الرومانية صنع الزجاج وقد كانت مدينة أكيلة القديمة على شاطيء الإدرياتيك مركزاً في أوروبا لصناع الزجاج ومنها هاجر البنادقة الذين صنعوا الزجاج للشرق الإسلامي وأصبحت مصنوعاتهم نموذجاً تقلده جميع معامل أوروبا وكانت الصلات مستحكمة بين أكيلةومصر. وظل الزجاج يصنع في مصر حتى في عهد استيلاء الرومان وفتح العرب وهذهالثناعة رائجة فيها كما أن العرب عنوا بالكاشاني وتغيرت طرق صنعه وأشكاله،. واشتهرت في القرون الوسطى الأواني الزجاجية والمصابيح العربية الملونة التي انتقلت إلى معامل البندقية وأصبحت تطرس على آثارها ثم كتب التقدم لمعامل البنادقة وعرفت تقلد النموذجات الشرقية أحسن تقليد وما زالت معامل الشرق في انحطاط حتى زالت جملة واحدة واليوم بعد أن كان الشرق يصنع لأوروبا منذ عهد الرومان أوانيه الزجاجية أصبح يجلب من إيطاليا وألمانيا وفرنسا ما يلزمه من الأواني في حاجاته اليومية. التربية الحرة لكل أمة ضرب من التربية فالأمة الديمقراطية أو الجمهورية لا تشبه تربية الأمة الدستورية المقيدة أما تربية الأمة المطلقة فنمطها مختلف عن تينك التربيتين وقد كتب أحد علماء الفرنسيس مقالة في التربية الديمقراطية فقال أن الديمقراطية وهي كمال الحياة التي سعى إليها الكل لفائدة الكل يجب أن تعتبر التربية أس أساسها ولا تحصل الغاية من التربية في أمة ديمقراطية بكثرة المواد التي يتعلمها أبناؤها فقد اختلف مشاهير علماء الأخلاق في النوع اللازم للديمقراطية من التربية وإن كانت مبادئهم بحسب الظاهر تؤدي إلى غرض واحد.

стр. 2064

الناس يخلطون بني التربية والتعليم فيرونهما شيئاً واحداً على أن التربية غاية والتعليم واسطة فالغرض من التربية أن تربي في الطفل شعور مكارم الأخلاق فتكون سلماً يصعد به على ذرى التعلم فتصرف وكدها في إنارة عقله وحكمه عندما يتجليان وتكون أخلاقه رقيقة متينة فيصبح الطفل على ثقة من تنبه الشعور والعقل والعمل عندما يبلغ سن الرجولية ويتعلم عمل الخير والإدراك والتأمل كما يتعلم الإرادة وصحة العزيمة فتربية الوجدان تهم كما تهم تربية العقل وكثر المدارس لا تعنى بالتربية الأولى فتأتي أمراً أداً يجب أن يعلم الأطفال مكارم الأخلاق فإن صلاح المرء بأن يكون عادلاً وحكيماً ويجب أن يربى في المرء قوة التمييز وتنمى فيه قوة الانتباه وهي القوة التي تنفع أكثر من تحصيل المعارف الجديدة كما يجب تربية دائرة العقل وإمداده بالأدوات الأولى التي يهيء أمامه سبل العمل فالأرض الزراعية مهما بلغت من الخصب تحتاج أن تعد لها المعدات وإلا فلا تنبت فيها البذر الذي يبذر فيها. ثم أن حسن العشرة والسلوك في المجتمع مناطان بأخلاق الفرد وعلى قدر أخلاقه في الغالب تكون أعماله وجهاده. ومتى ظهرت في الطفل علائم إرادته الأولى كان منها توجه نفسه إلى العمل فإن لين أخلاقه ومضاءها تعلمانه أن يعنى بالضروريات الخارجية بدون أن تؤثر فيها كل التأثير. فحربتنا الأدبية هي عبارة عن اعتمادنا على أنفسنا. فإن قيل هل يجب أن تكون التربية عامة أم أهلية أي أن تربية الأطفال في المدارس العامة خير أم تربيتهم في بيوت أهليهم فقد ذكر الفيلسوف ديدرو كلمات في هذا الصدد هي جماع الحكمة في التربية وهي على اختصارها أجمل جواب على هذا السؤال قال: لقد قضيت السنين الأولى من حياتي في المدارس العامة ورأيت أربعة أو خمسة تلاميذ من الطبقة العالية يتناوبون في غضون السنة المكافآت ويتناولون الجوائز فيدخلون بتقدمهم اليأس على نفوس رفاقهم وتأخر هؤلاء عن اللحاق بهم، رأيت عناية الأستاذ مصروفة إلى تخريج هذا العدد المختار القليل من الطلبة ويهمل من عداهم ورأيت معظم هؤلاء الأولاد يخرجون من المدرسة بلهاً مغفلين وجاهلين فاسدين فقلت في نفسي: يا لشقاء أب يستطيع أن يربي ابنه في بيته فيرسله إلى مدرسة عامة. ليت شعري من أين أخذ البشر المعارف التي تميز بها في الآداب بعض الرجال الذين ربوا في المدارس ومن السبب في وصولها إليهم؟ لا جرم

стр. 2065

أنها ابنة دروسهم الخاصة. ولطالما أسفوا وهم في حجراتهم للوقت الذين قضوه على دكات المدرسة. فكيف السبيل إذاً؟ هل تصلح الحال بتغيير طريقة التعليم العام ومتى اغتنى المرء يربي ابنه في منزله. أنا لا أستحسن تربية الدير للبنات إلا إذا كانت أخلاق الأمهات فاسدة ولا أستحسن المدرسة للبنين إلا إذا كان الآباء مسرفين يعطون ألف ريال للحوذي الذي يسوق مركباتهم وألفي ريال للطاهي الذي يطبخ طعامهم. هذا ما قاله ديدرو وقال مونتين يجب أن تصرف خمس عشرة أو ست عشرة سنة للدرس والباقي للعمل. وما قطبا الحياة في الحقيقة إلا الفكر والعمل فالأول يولد الثاني والثاني متمم للأول. ويقول بعضهم أن التربية لا ينتهي دورها إلا بانقضاء أجل الحياة على أنه من اللازم أيضاً أن ينظر بأن التجربة التي يحرزها المرء كل يوم يكون لها عمل لتنوب مناب التربية كلما تفهمها ولا تربي إلا إنساناً ناقصاً. أما فيما يتعلق بالمواد التي يجب تعليمها فيجب أن يتوسع فيها ما أمكن فمن الميسور تلقين الطفل أموراً كثيرة إذ القوة الحافظة فيه على أتمها وقد أخطأ روسو في كتابة (أميل) في رأيه أن الاستظهار يضعف الذاكرة على أن الذاكرة ليست خزانة يحشر إليها الطفل صنوفاً من المبادئ يرجع إليها الطفل فيما بعد. فبعد أن يلقن الطفل واسطة للحصول على معارف حقيقية بتعليمه القراءة والكتابة يجب أن يعلم لغة بلاده ومبادئ العلوم الطبيعية والظواهر الجوية والرياضيات وذلك إما بدرسها في كتاب أو في نقشها ورسمها والعلم ينزع الخرافات ويودع في النفس فكر الارتقاء الثابت والنشوء البطيء المنظم بنواميس. يصدق هذا على الحالة الاجتماعية والسياسية كما يصدق على الحالة الطبيعية والجيولوجية. ويعلم الطفل الأعمال اليدوية والرياضية. ويعلم التاريخ لا التاريخ المملوء بالشوائب بل التاريخ الحقيقي. فبالتاريخ يتجلى له بأن الكمال ممكن وأن الناس آخذون في السير نحوه فيحب المتعلم طريقة الحكم الديمقراطي ويؤثرها على غيرها من أنواع الحكم كما يعلم أن يحب كل من قضوا نحبهم في سبيل ترقية البشر وكل من نقلوا إلينا حرية الوجدان. ويجب أن يعلم الطفل مع هذه المواد فن الآداب حتى لا يكون غريباً عن مظهر من مظاهر الجمال ويمتزج في روحه الفتية حب الكمال قال بول برت: من الواجب أن يتعلم الطفل اللغات الأجنبية بل اللغات الميتة حتى لا يفوته شيء مما أنتجته المدارك البشرية ولا يكون بعيداً

стр. 2066

عما مر على أسنة اقلام العظماء في تبيانهم وبيانهم وأرى أن هذه المعارف توسع ذهنه وتفتح أجنحة تصوره فبالآداب وحدها تهتز القلوب وتحيا الوجدانات ولقد كانت مصنفات اليونان واللاتين مؤثرة في أجيالنا معاشر الإفرنج وفي مصنفاتنا منها مسحة خاصة فنحن واللاتين واليونان من فصيلة عقلية واحدة. ويضاف إلى المعلومات التي يعلمها الطفل أمور يجب أن تنضجها الحياة والعمل وهناك تعليم وطني أدبي ينبغي أن يشرب الطفل حبه ألا وهو معرفة قوانين بلاده السياسية وحالة الطريقة التي تدار بها شؤونها وتراعى في كل تعليم أميال الطفل قابليته فقد قيل أن في الإنسان وفي أعماله المختلفة في الحياة ألف نوع من التفنن ولكل ذوقه. وأمانينا لا ينطبق بعضها على بعض. وتجب العناية بتقوية جسم الطفل ووقاية صحته وأن لا يكون حظ النبات في التربية كحظ البنين ويكون التعليم عامياً (علمانياً) لا دخل للدين فيه يكون كذلك في المدرسة كما يكون في البيت وأن يجد الطفل في بيت أبيه متمماً لدروسه في المدرسة. وخير ما ينفع الطفل أن لا تكون المدرسة والبيت وهما مبعث التربية متناقضتين غي المبادئ بل متحدتين فيها وأن تدرس الفنون بحيث يتمكن التلميذ من إظهار عواطفه بواسطتها فتقوى بها شخصيته وميزته ويعنى بتنمية ملكته في الشعر والتصوير والموسيقى فقد قالب شوبنهور الفيلسوف الألماني: إن استماع الأنغام الجميلة هو حمام يغسل أدران العقل. نعم إن الموسيقى تغسل كل وسخ وتنبذ ما يحط بالنفوس ويشقيها فالموسيقى ترفع مقام الإنسان وتجمع بينه وبين الأفكار النبيلة التي هو أهل لها فيشعر إذ ذاك كل الشعور بما يتأتى له أن يساويه في هذه الحياة. هذا ما قاله العالم الغربي وفيه درس لكل شرقي وجدير بنا أن نجعل قوام تربيتنا على تقوية الإرادة والاحتفاظ بالقديم والأخذ بحظ وافر من المعارف البشرية اللازمة وتربية روح الوطنية والعواطف السامية بالفنون الجميلة فهي وحب الجمال والكمال من العوامل القوية في أسباب الرقي المادي والمعنوي. حماه وحمص اكتشف المسيو بونيون من علماء الآثار أربعة أحجار كانت في عمود كتبت بلغة آرامية

стр. 2067

ممزوجة بالكنعانية والعبرية وذلك في خلال رحلته إلى سورية منذ خمس سنين وهذه الأحجار هي عبارة عن تقدمة قدمها زاكير الملقب بملك حماه ولانش أولاعوش وقالوا أنها مدينة حمص إلى الرب آلور يتضرع إليه فيها أن يكتب له النصر على الملوك الذين اتحدوا وحاصروه في مدينة خرزك وكان أكبر أعدائه ملك آرام (دمشق) المدعو بارحداد ابن خزائيل وقد تولى هذا الملك منذ سنة ٨٠٥ إلى نحو ٧٨٠ ق. م أي على عهد ملك إسرائيل جوهاشاز ابن جيهو وقد كتب المسيو دوسو من علماء الآثار في المجلة الأثرية بحثاً في مملكة حمض وحماه قبل المسيح بثمانية قرون فقال أن مملكة حماة لم تكن تتناول فقط السهول الغنية التي كانت تؤدي الجزية من بلاد نهر العاصي الوسطى بل كانت تمتد أحياناً في وادي هذا النهر إلى البقاع بحسب ما كانت دمشق وهي الخصيمة القوية تتركها تتنفس الصعداء. وفي القرن الثالث أضافت مملكة حماه إليها بلاد لاعوش أو أرض خزرك فأعادت بذلك مملكة أمورو (الأمهوريين) العظمى التي كان خربها الهيتيون في القرن الرابع عشر قبل المسيح وقد كتم المكتشف اسم المحل الذي اكتشف فيه تلك الحجارة واكتفى بأن قال في كتابه الذي نشره حديثاً في المزبورات السامية في سورية وبين النهرين وكور الموصل أنه عثر عليها في سورية على مائتي كيلومتر من البحر الرومي وأنه يأمل أن يذهب ذات يوم لإكمال الحفر فيكتشف ما ينقصه من هذه الآثار إلا أن كاتب المقالة أدرك من حل الكتابات المزبورة على الأحجار أنها آتية من مدينة خزرك فقال أن المكتشف وفق إلى كشف محل هذه المدينة القديمة وهذا الأثر التاريخي العظيم وخزرك مدينة شرقي العاصي بين حماه ودمشق وقد كانت مملكة حماه وهي عبارة عن بلاد لاعوش وأراضي خزرك وكانت في القرن الثامن قبل الميلاد أقوى مملكة في سورية وقد حاول الملك زاكير وأخلافه أن يحصنوا مملكة خزرك لتكون منيعة الحمى حتى أصبحت من بعد سنة ٧٧٢ مدة خمسين سنة والآشوريون لا يغيرون إلا عليها أثناء غاراتهم على سورية وقد عزم توغلات بالازار الثالث ملك آشور سنة ٧٣٠ أن يقسم مملكة حماه فجعلها مقاطعات كثيرة تابعة لمملكة آشور مباشرة ثم دثرت هذه المدينة (خزرك) وفقد اسمها من التاريخ ثم انتفضت مملكة حماه فأمر الملك سراغون الثاني أن ينزع جلد ملكها إيلوبيدي وهو حي وجعل في هذه المدينة حامية آشورية كبرى.

стр. 2068

سر الجنسين قضت مصاعب الحياة أن أصبحت كثير من الأسر في الغرب تتمنى لو ترزق بنين بدل البنات ولكن الخالق تعالى لم يمنح سر كثرة البنات وقلة البنين أحداً من المشتغلين بعقولهم من خلقه. وكانالرأي الشائع من قبل أن أقوى الأبوين هو الذي يولد الولد ذكراً كان أم أنثى. وقد كتب الدكتور روم أن من القضايا التي لا تكاد تختل في جميع العالم بأن في كل مئة طفل يولد ١٠٥ أو ١٠٦ بنات ولا يختل هذا التعديل غلا في الحرب فثبت بالإحصاء أن بعد الحروب يولد للمحاربين ذكوراً أكثر من الإناث فقد زاد عدد البنات في سنة ١٨٦٩ في بروسيا وبعد حرب سنة ١٨٧١ زاد عدد الذكور وفي ثناء حروب الإمبراطور نابليون الأول حدث نقص في البنات وزيادة في الأولاد في فرنسا حتى خيف على مستقبل البلاد من ذلك، وقد ثبت جميع أرباب الرحلات والباحثين بأن جميع القبائل التي لا تفتأ تحارب غيرها يزيد عدد مواليدها من أولادها أكثر من بناتها فمواليد القبائل الماوري في زيلاندا الجديدة هم في الأكثر ذكور ومعلوم أن قلة النساء هي من أعظم السباب في انتشاب الحروب بين القبائل ولذلك كان المحلفون الذين لا يذهبون إلى دار الحرب في الغالب أقل قوة وصحة ونشاطاً ممن حملوا السلاح وذهبوا لقتال العدو فيجيء الأولاد الذين يولدون لهم ذكوراً. وقد شوهد منذ زمن أن سكيراً طاعناً في السن إذا تزوج امرأة شابة يكون أولاده في الأكثر ذكوراً على العكس مما يحدث إذا كانت الزوجة أسن من زوجها. قال سادلير في إحصاء له أنه مقابل كل ألف بنت يوجد ٨٦٥ صبياً يكون أبوه أفتى من أمه و٩٤٨ صبياً يكون أبواه في سن واحدة و١٠٣٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من سنة إلى ست سنين و١٢٦٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من ست عشرة فأكثر. وإذا أرضعت الأم ولدها الأول فتلد بعده بنات وكذلك الأمهات اللائي يحبلن في أوقات متقاربة فإنهن يلدن البنات لأن تكرار الرضاع والحمل هو من أسباب ضعف الأم ومتى حبلت تكون في حالتها الطبيعية أضعف من الزوج فتلد بنتاً وتكون شبيهة بصورتها. وقد لوحظ بأن المرأة إذا حملت عقيب العادة أو في خلالها فتلد إناثاً في الغالب وهذا الضعف المؤقت فيها لا يرزقها إلا بنات. وقد جرت عادة من يربون المواشي أن يفصدون في أوقات خاصة البقرة إذا أرادوا أن تلد لهم عجلة وأن يفصدوا الثور إذا أرادوا أن يلقح

стр. 2069

عجلاً. ولاحظ أحدهم بأن المولود الأول يكون طفلاً في الزواج غير الشرعي وعلل ذلك بأن الأم تكون في تلك الحالة أفتى من الأب وتكون منهوكة القوى مضطرة إلى إتيان ما أتت بإغواء الرجل. وقد ذكر الدكتور بيلون أن إحدى قبائل مصر القديمة سبت مئات النساء فحمل في الطريق معها ٤٨٢ ولما وضعن كان عدد الذكور ٧٩ وعدد الإناث ٤٠٣ وذلك لما كن عليه من الضعف والإعياء مدة الحمل. قال الكاتب رلوكان ثمت ميزان توزن فيه العناصر التي تتكون منها الصحة والنشاط في كل من الزوجين لتيسر أن يتنبأ المرء تنبؤاً صحيحاً فيما إذا كانت الأم تلد ذكراً أم أنثى ولكن القوة والصحة وشدة الحب لا توزن بميزان ولا تقاس بمقياس. ثم أن العناصر التي تتركب منها تختلط وتتداخل على شكل ملتبس حتى أن أدق بحث في صحة الزوجين وعمرهما ونوع معيشتهما ووراثتهما لا يأتي إلا بفرضيات وظنيات لا بحقائق ثابتة ولو عرف المرء حقيقة الأسباب التي بها يستطيع أن يعرف ما يولد له أما كان يخشى أن يقل البنات لأن أحدنا إذا بشر بها ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. مطبوعات ومخطوطات تاريخ الأمم والملوك اشتهر هذا التاريخ بأنه من أعظم الأمهات الصحيحة التي يرجع إليها في دراسة تاريخ الإسلام في القرون الثلاثة الأولى وهو من تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وقد طبع للمرة الأولى في ليدن طبعه المستشرق كوي وأعاد طبعه ع \ هذه الآونة بالمطبعة الحسينية المصرية محمد أفندي عبد اللطيف الخطيب وشركاؤه فجاء متقن الطبع مشكولاً محال الإشكال منه وأحلق به كتاب صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي المنتخب من كتاب ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين تصنيف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري فتم التاريخ الأصلي في ١١ جزءاً والذيل في جزئين وهو يطلب من طابعه بمئة وأربعين قرشاً صحيحاً فنحث أهل العلم والأدب على اقتنائه فإنه أصبح الآن قريب المنال على كل مطالع لرخص ثمنه بالنسبة لطبعة أوروبا. أما وصف الكتاب وفوائده والكلام على مؤلفه فسنعقد له هنا فصلاً إضافياً بحول الله. وهنا نثني الثناء الطيب على

стр. 2070

الطابع ونرجو له أن يوفق لطبع أمثاله من أمهات كتب العرب فينتفع وينفع. التصحيف والتحريف هو من الكتب المنسوبة لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري شرح فيه الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريف مما يعرض في ألفاظ اللغة والشعر وفي أسماء الشعراء وأيام العرب وأسماء فرسانها ووقائعها وأماكنها وما يعرض في علم الأنساب وغيرها من الأشكال فيصحفها عامة الناس ويغلط فيه بعض الخاصة وقد جعله أبواباً فمنها ما جاء في قبح التصحيف وبشاعته وذم المصحفين ونكد التصحيف ومن ابتلي به ونوادر من التصحيف وما وري من أوهام علماء البصرة ومن أوهام علماء الكوفة وما روي من تصحيفات شتى فجاء في أحد وأربعين باباً تجمع إلى الفائدة العلمية اللذة الفكاهية والأدبية طبعته مطبعة الظاهر طبعاً متقناً وجعلته في ثلاثة أجزاء نجز منها الجزءان الأولان إلى الآن. ونعماً تفعل إدارة مطبعة الظاهر في إحياء الكتب العربية النفيسة فمن أعظم الأيادي التي يسديها امرء لأمته إحياء ما كاد يندثر من آثارها ومفاخرها وقيمة اشتراك الكتاب قبل الطبع ١٥ قرشاً وبعد الطبع ٢٠ قرشاً فنتقدم إلى كل متأدب في اقتنائه. سر تقدم الإنكليز أعاد خليل بك صادق صاحب مجلة مسامرات الشعب طبع هذا الكتاب النفيس لمؤلفه أدمون ديمولان من علماء التربية في فرنسا ومترجمه أحمد فتحي باشا زغلول من علماء الحقوق بمصر فتأنق ما شاء وشاءت الإجادة في طبعه وتخير له الورق والحروف فجاء بديعاً شكلاً ووضعاً وتعريباً وأصلاً. وهذا الكتاب من أحسن ما أخرج للغة العربية من اللغات الأوروبية وما قرأه رجل بإمعان إلا وتغير فكره في الحياة وأصلح من أخلاقه وعاداته ما يقدر عليه وفيه من وصف الإنكليز والأميركان والألمان في أخلاقهم ومناحيهم ما هو حري بأن يدرسه كل شرقي المرة بعد المرة. وقد قدم له معربه مقدمة من أبدع ما كتب في حالتنا حاءت والكتاب في النفع سواء فنثني على المعرب والطابع بما هما أهله والكتاب يطلب من مكتبة مسامرات الشعب في باب الخلق بمصر بعشرين قرشاً صحيحاً. مبادئ الاقتصاد السياسي
следующие страницы →