← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

عما مر على أسنة اقلام العظماء في تبيانهم وبيانهم وأرى أن هذه المعارف توسع ذهنه وتفتح أجنحة تصوره فبالآداب وحدها تهتز القلوب وتحيا الوجدانات ولقد كانت مصنفات اليونان واللاتين مؤثرة في أجيالنا معاشر الإفرنج وفي مصنفاتنا منها مسحة خاصة فنحن واللاتين واليونان من فصيلة عقلية واحدة. ويضاف إلى المعلومات التي يعلمها الطفل أمور يجب أن تنضجها الحياة والعمل وهناك تعليم وطني أدبي ينبغي أن يشرب الطفل حبه ألا وهو معرفة قوانين بلاده السياسية وحالة الطريقة التي تدار بها شؤونها وتراعى في كل تعليم أميال الطفل قابليته فقد قيل أن في الإنسان وفي أعماله المختلفة في الحياة ألف نوع من التفنن ولكل ذوقه. وأمانينا لا ينطبق بعضها على بعض. وتجب العناية بتقوية جسم الطفل ووقاية صحته وأن لا يكون حظ النبات في التربية كحظ البنين ويكون التعليم عامياً (علمانياً) لا دخل للدين فيه يكون كذلك في المدرسة كما يكون في البيت وأن يجد الطفل في بيت أبيه متمماً لدروسه في المدرسة. وخير ما ينفع الطفل أن لا تكون المدرسة والبيت وهما مبعث التربية متناقضتين غي المبادئ بل متحدتين فيها وأن تدرس الفنون بحيث يتمكن التلميذ من إظهار عواطفه بواسطتها فتقوى بها شخصيته وميزته ويعنى بتنمية ملكته في الشعر والتصوير والموسيقى فقد قالب شوبنهور الفيلسوف الألماني: إن استماع الأنغام الجميلة هو حمام يغسل أدران العقل. نعم إن الموسيقى تغسل كل وسخ وتنبذ ما يحط بالنفوس ويشقيها فالموسيقى ترفع مقام الإنسان وتجمع بينه وبين الأفكار النبيلة التي هو أهل لها فيشعر إذ ذاك كل الشعور بما يتأتى له أن يساويه في هذه الحياة. هذا ما قاله العالم الغربي وفيه درس لكل شرقي وجدير بنا أن نجعل قوام تربيتنا على تقوية الإرادة والاحتفاظ بالقديم والأخذ بحظ وافر من المعارف البشرية اللازمة وتربية روح الوطنية والعواطف السامية بالفنون الجميلة فهي وحب الجمال والكمال من العوامل القوية في أسباب الرقي المادي والمعنوي. حماه وحمص اكتشف المسيو بونيون من علماء الآثار أربعة أحجار كانت في عمود كتبت بلغة آرامية

стр. 2067

ممزوجة بالكنعانية والعبرية وذلك في خلال رحلته إلى سورية منذ خمس سنين وهذه الأحجار هي عبارة عن تقدمة قدمها زاكير الملقب بملك حماه ولانش أولاعوش وقالوا أنها مدينة حمص إلى الرب آلور يتضرع إليه فيها أن يكتب له النصر على الملوك الذين اتحدوا وحاصروه في مدينة خرزك وكان أكبر أعدائه ملك آرام (دمشق) المدعو بارحداد ابن خزائيل وقد تولى هذا الملك منذ سنة ٨٠٥ إلى نحو ٧٨٠ ق. م أي على عهد ملك إسرائيل جوهاشاز ابن جيهو وقد كتب المسيو دوسو من علماء الآثار في المجلة الأثرية بحثاً في مملكة حمض وحماه قبل المسيح بثمانية قرون فقال أن مملكة حماة لم تكن تتناول فقط السهول الغنية التي كانت تؤدي الجزية من بلاد نهر العاصي الوسطى بل كانت تمتد أحياناً في وادي هذا النهر إلى البقاع بحسب ما كانت دمشق وهي الخصيمة القوية تتركها تتنفس الصعداء. وفي القرن الثالث أضافت مملكة حماه إليها بلاد لاعوش أو أرض خزرك فأعادت بذلك مملكة أمورو (الأمهوريين) العظمى التي كان خربها الهيتيون في القرن الرابع عشر قبل المسيح وقد كتم المكتشف اسم المحل الذي اكتشف فيه تلك الحجارة واكتفى بأن قال في كتابه الذي نشره حديثاً في المزبورات السامية في سورية وبين النهرين وكور الموصل أنه عثر عليها في سورية على مائتي كيلومتر من البحر الرومي وأنه يأمل أن يذهب ذات يوم لإكمال الحفر فيكتشف ما ينقصه من هذه الآثار إلا أن كاتب المقالة أدرك من حل الكتابات المزبورة على الأحجار أنها آتية من مدينة خزرك فقال أن المكتشف وفق إلى كشف محل هذه المدينة القديمة وهذا الأثر التاريخي العظيم وخزرك مدينة شرقي العاصي بين حماه ودمشق وقد كانت مملكة حماه وهي عبارة عن بلاد لاعوش وأراضي خزرك وكانت في القرن الثامن قبل الميلاد أقوى مملكة في سورية وقد حاول الملك زاكير وأخلافه أن يحصنوا مملكة خزرك لتكون منيعة الحمى حتى أصبحت من بعد سنة ٧٧٢ مدة خمسين سنة والآشوريون لا يغيرون إلا عليها أثناء غاراتهم على سورية وقد عزم توغلات بالازار الثالث ملك آشور سنة ٧٣٠ أن يقسم مملكة حماه فجعلها مقاطعات كثيرة تابعة لمملكة آشور مباشرة ثم دثرت هذه المدينة (خزرك) وفقد اسمها من التاريخ ثم انتفضت مملكة حماه فأمر الملك سراغون الثاني أن ينزع جلد ملكها إيلوبيدي وهو حي وجعل في هذه المدينة حامية آشورية كبرى.

стр. 2068

سر الجنسين قضت مصاعب الحياة أن أصبحت كثير من الأسر في الغرب تتمنى لو ترزق بنين بدل البنات ولكن الخالق تعالى لم يمنح سر كثرة البنات وقلة البنين أحداً من المشتغلين بعقولهم من خلقه. وكانالرأي الشائع من قبل أن أقوى الأبوين هو الذي يولد الولد ذكراً كان أم أنثى. وقد كتب الدكتور روم أن من القضايا التي لا تكاد تختل في جميع العالم بأن في كل مئة طفل يولد ١٠٥ أو ١٠٦ بنات ولا يختل هذا التعديل غلا في الحرب فثبت بالإحصاء أن بعد الحروب يولد للمحاربين ذكوراً أكثر من الإناث فقد زاد عدد البنات في سنة ١٨٦٩ في بروسيا وبعد حرب سنة ١٨٧١ زاد عدد الذكور وفي ثناء حروب الإمبراطور نابليون الأول حدث نقص في البنات وزيادة في الأولاد في فرنسا حتى خيف على مستقبل البلاد من ذلك، وقد ثبت جميع أرباب الرحلات والباحثين بأن جميع القبائل التي لا تفتأ تحارب غيرها يزيد عدد مواليدها من أولادها أكثر من بناتها فمواليد القبائل الماوري في زيلاندا الجديدة هم في الأكثر ذكور ومعلوم أن قلة النساء هي من أعظم السباب في انتشاب الحروب بين القبائل ولذلك كان المحلفون الذين لا يذهبون إلى دار الحرب في الغالب أقل قوة وصحة ونشاطاً ممن حملوا السلاح وذهبوا لقتال العدو فيجيء الأولاد الذين يولدون لهم ذكوراً. وقد شوهد منذ زمن أن سكيراً طاعناً في السن إذا تزوج امرأة شابة يكون أولاده في الأكثر ذكوراً على العكس مما يحدث إذا كانت الزوجة أسن من زوجها. قال سادلير في إحصاء له أنه مقابل كل ألف بنت يوجد ٨٦٥ صبياً يكون أبوه أفتى من أمه و٩٤٨ صبياً يكون أبواه في سن واحدة و١٠٣٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من سنة إلى ست سنين و١٢٦٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من ست عشرة فأكثر. وإذا أرضعت الأم ولدها الأول فتلد بعده بنات وكذلك الأمهات اللائي يحبلن في أوقات متقاربة فإنهن يلدن البنات لأن تكرار الرضاع والحمل هو من أسباب ضعف الأم ومتى حبلت تكون في حالتها الطبيعية أضعف من الزوج فتلد بنتاً وتكون شبيهة بصورتها. وقد لوحظ بأن المرأة إذا حملت عقيب العادة أو في خلالها فتلد إناثاً في الغالب وهذا الضعف المؤقت فيها لا يرزقها إلا بنات. وقد جرت عادة من يربون المواشي أن يفصدون في أوقات خاصة البقرة إذا أرادوا أن تلد لهم عجلة وأن يفصدوا الثور إذا أرادوا أن يلقح

стр. 2069

عجلاً. ولاحظ أحدهم بأن المولود الأول يكون طفلاً في الزواج غير الشرعي وعلل ذلك بأن الأم تكون في تلك الحالة أفتى من الأب وتكون منهوكة القوى مضطرة إلى إتيان ما أتت بإغواء الرجل. وقد ذكر الدكتور بيلون أن إحدى قبائل مصر القديمة سبت مئات النساء فحمل في الطريق معها ٤٨٢ ولما وضعن كان عدد الذكور ٧٩ وعدد الإناث ٤٠٣ وذلك لما كن عليه من الضعف والإعياء مدة الحمل. قال الكاتب رلوكان ثمت ميزان توزن فيه العناصر التي تتكون منها الصحة والنشاط في كل من الزوجين لتيسر أن يتنبأ المرء تنبؤاً صحيحاً فيما إذا كانت الأم تلد ذكراً أم أنثى ولكن القوة والصحة وشدة الحب لا توزن بميزان ولا تقاس بمقياس. ثم أن العناصر التي تتركب منها تختلط وتتداخل على شكل ملتبس حتى أن أدق بحث في صحة الزوجين وعمرهما ونوع معيشتهما ووراثتهما لا يأتي إلا بفرضيات وظنيات لا بحقائق ثابتة ولو عرف المرء حقيقة الأسباب التي بها يستطيع أن يعرف ما يولد له أما كان يخشى أن يقل البنات لأن أحدنا إذا بشر بها ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. مطبوعات ومخطوطات تاريخ الأمم والملوك اشتهر هذا التاريخ بأنه من أعظم الأمهات الصحيحة التي يرجع إليها في دراسة تاريخ الإسلام في القرون الثلاثة الأولى وهو من تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وقد طبع للمرة الأولى في ليدن طبعه المستشرق كوي وأعاد طبعه ع \ هذه الآونة بالمطبعة الحسينية المصرية محمد أفندي عبد اللطيف الخطيب وشركاؤه فجاء متقن الطبع مشكولاً محال الإشكال منه وأحلق به كتاب صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي المنتخب من كتاب ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين تصنيف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري فتم التاريخ الأصلي في ١١ جزءاً والذيل في جزئين وهو يطلب من طابعه بمئة وأربعين قرشاً صحيحاً فنحث أهل العلم والأدب على اقتنائه فإنه أصبح الآن قريب المنال على كل مطالع لرخص ثمنه بالنسبة لطبعة أوروبا. أما وصف الكتاب وفوائده والكلام على مؤلفه فسنعقد له هنا فصلاً إضافياً بحول الله. وهنا نثني الثناء الطيب على

стр. 2070

الطابع ونرجو له أن يوفق لطبع أمثاله من أمهات كتب العرب فينتفع وينفع. التصحيف والتحريف هو من الكتب المنسوبة لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري شرح فيه الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريف مما يعرض في ألفاظ اللغة والشعر وفي أسماء الشعراء وأيام العرب وأسماء فرسانها ووقائعها وأماكنها وما يعرض في علم الأنساب وغيرها من الأشكال فيصحفها عامة الناس ويغلط فيه بعض الخاصة وقد جعله أبواباً فمنها ما جاء في قبح التصحيف وبشاعته وذم المصحفين ونكد التصحيف ومن ابتلي به ونوادر من التصحيف وما وري من أوهام علماء البصرة ومن أوهام علماء الكوفة وما روي من تصحيفات شتى فجاء في أحد وأربعين باباً تجمع إلى الفائدة العلمية اللذة الفكاهية والأدبية طبعته مطبعة الظاهر طبعاً متقناً وجعلته في ثلاثة أجزاء نجز منها الجزءان الأولان إلى الآن. ونعماً تفعل إدارة مطبعة الظاهر في إحياء الكتب العربية النفيسة فمن أعظم الأيادي التي يسديها امرء لأمته إحياء ما كاد يندثر من آثارها ومفاخرها وقيمة اشتراك الكتاب قبل الطبع ١٥ قرشاً وبعد الطبع ٢٠ قرشاً فنتقدم إلى كل متأدب في اقتنائه. سر تقدم الإنكليز أعاد خليل بك صادق صاحب مجلة مسامرات الشعب طبع هذا الكتاب النفيس لمؤلفه أدمون ديمولان من علماء التربية في فرنسا ومترجمه أحمد فتحي باشا زغلول من علماء الحقوق بمصر فتأنق ما شاء وشاءت الإجادة في طبعه وتخير له الورق والحروف فجاء بديعاً شكلاً ووضعاً وتعريباً وأصلاً. وهذا الكتاب من أحسن ما أخرج للغة العربية من اللغات الأوروبية وما قرأه رجل بإمعان إلا وتغير فكره في الحياة وأصلح من أخلاقه وعاداته ما يقدر عليه وفيه من وصف الإنكليز والأميركان والألمان في أخلاقهم ومناحيهم ما هو حري بأن يدرسه كل شرقي المرة بعد المرة. وقد قدم له معربه مقدمة من أبدع ما كتب في حالتنا حاءت والكتاب في النفع سواء فنثني على المعرب والطابع بما هما أهله والكتاب يطلب من مكتبة مسامرات الشعب في باب الخلق بمصر بعشرين قرشاً صحيحاً. مبادئ الاقتصاد السياسي

стр. 2071

ألف محمد أفندي فهمي حسين هذا الكتاب المفيد ـ والذي نقل إلى العربية من كتب هذا الفن قليل لا يفي بالحاجة ـ فتوسع في أبوابه مستنداً إلى ما كتب باللغات الإفرنجية في هذا الفن وقد كتبه بعبارة سهلة وأسلوب قربه من الأذهان على من لم يسبق لهم أن قرؤا فيه كتاباً. ودرس كتب الاقتصاد لأهل هذه البلاد أنفع من إلقاء ألف خطبة سياسية خيالية وتلاوة ألف رواية غرامية وهو يطلب من مكاتب القاهرة الشهيرة ومن نادي المدارس العليا بعشرة قروش صحية فنحث الأدباء على اقتنائه والاستفادة منه ونثني على غيرة مؤلفه الأديب ونرجو له التوفيق إلى إتمامه. عقود الجوهر من ترجمة من لهم خمسون تصنيفاً فمائة فأكثر وضع هذا الكتاب جميل بك العظم من أفاضل أدباء دمشق وموضعه كما يدل عليه اسمه جليل نافع يبعث الهمة في صدور الناشئة ويطلعهم على ما قضاه أسلافنا من العناء في النفع وفي هذا الجزء أربعون ترجمة لأربعين عظيماً من عظماء الإسلام واليونان والقدماء والمحدثين فمن القدماء الغزالي وابن تيمية والرازي وابن الجوزي وحنين بن إسحق ويعقوب الكندي وثابت بن قرة والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وابن الخطيب والزمخشري والمعري ومن المحدثين السيوطي وابن كمال باشا وابن طولون والمناوي ومنلا علي القاري ونوح أفندي وأحمد مدحت أفندي والعيدروس. فيترجم المؤلف ترجمة موجزة ثم يسوق كتبه على حروف المعجم ليسهل الاهتداء إليها في الحال. ويشتمل الجزء الثاني وهو الآن تحت الطبع على فهر س عام في الكتب والرسائل التي ذكرت أسماؤها في الكتاب وما يوجد منها في خزائن الكتب العمومية مما لم يطبع. وهمي همة للمؤلف تدل على فضله وغيرته. وقيمة الاشتراك بالجزئين معاً ريال وربع ريال مجيدي ويضاف إليها أجرة البريد وقد طبع في المطبعة الأهلية ببيروت طبعاً متقناً نظيفاً كسائر مطبوعاتها وهذا الجزء من ٣٤٠ صفحة صغيرة فنحث المتأدبين على اقتنائه. افسلام روح المدنية كتاب في ٢٨٨ صفحة صغيرة ألفه الشيخ مصطفى الغلاييني من أفاضل ادباء بيروت رداً على ما جاء في كتاب (مصر الحديثة) تأليف لورد كرومر معتمد إنكلترا في مصر سابقاً

стр. 2072

من الحمل على مدنية افسلام أورد فيه أقوال الغربيين أنفسهم وأتى من الشواهد والحجج الكثيرة ما يناقض ما ذهب إليه مؤلف (مصر الحديثة) ولو عرف لورد كرومر اللغة العربية ودرس تاريخ افسلام درس المجرد عن النزعات السياسية والأهواء الاستعمارية لما كتب ما كتب ولو أعطي وادياً من ذهب. قال الفاضل البيروتي: وإني أعتقد اعتقاداً جازماً أن جميع الأديان تأمر بالخير والسلام وهي وإن اختلفت في بعض اعراض فهي متفقة في الجواهر إذ الغاية منها تهذيب النفس ورفعها من وهاد الشرور والفساد فمن يسعى بهدم أركان الأديان هو كمن يسعى لتقويض العمران لأن في المدنية الحديثة من المفاسد ما لا يحصى ولولا سلطان الأديان القاهر لأبيحت الأعراض والدماء والأموال وفي ذلك من الخراب والدمار ما لا يصلحه الدرهم والدينار فبقاء الإنسان في جهل بعلوم الدنيا مع التمسك بأي دين خير من حياته عالماً طبيعياً مهندساً الخ وهو لا دين له. وقد غلبت الحدة على صاحب الرد فظهرت آثارها على أسلة قلمه أحياناً وكنا نود أن تحذف من كتابه بعض ألفاظ أدعى إلى القبول وإنا نثني على غيرته وفضله ويطلب كتابه من المكاتب الشهيرة بالقاهرة بخمسة قروش. أبو العلاء المعري كراسة في ٧٢ صفحة باللغة التركية التاتارية فيها ترجمة مستوفاة لأبي العلاء المعري من قلم رضاء الدين أفندي بن فخر الدين من علماء أورنبورغ في روسيا وقد تصفحناه فرأيناه قد نسق كلامه على هذا العظيم ورتبه ترتيباً مقبولاً صوَّره للقارئ أحسن تصوير وتطلب من طابعها صاحب مكتبة الشرق في أورنبورغ. اللزوميات اختار موسى أفندي بيكييف من أفاضل قازان أبياتاً كثيرة من لزوميات أبي العلاء المعري ونقلها إلى التركية كما فعل أمين أفندي الريحاني فاختار أبياتاً منه ونقلها شعراً إلى اللغة الإنكليزية. فجاءت في زهاء مائتي صفحة مطبوعة طبعاًُ متقناً على نفقة مكتبة الشرق في أورنبورغ وترجمة أمثال هذه الكتب يساعد أبناء تلك البلاد على تعلم العربية فعسى أن يكثر القائمون بنهضة أهلها من نقل بعض الكتب العربية المفيدة إلى لغتهم وينشروها مع أصلها كما فعل مترجم اللزوميات.

стр. 2073

ليالي سطيح نشر حافظ أفندي إبراهيم الشاعر الاجتماعي الكبير قصة نثرية رواها عن لسان سطيح الكاهن فجاء فيه كلام لطيف على العادات المصرية والأحوال الاجتماعية والسياسية في مصر والسودان صورها تصويراً بديعاً وأودعها من أفكاره ودرر نثاره ما رآه نافعاً وثميناً ومما ننتقده عليه اعتماده على التسجيع في بعض محال من كتابه بحيث كاد يخل بأسلوب البلاغة والفصاحة ولم يناسب العبارات المهذبة التي جاءت في عرضه. أما مرامي الكتاب فكانت أعم نفعاً لو خلت من الغلو في مدح أشخاص والإيغال في الحط من آخرين وكتاب بكتب لينفع الناس في اجتماعهم لا يصح أن يظهر فيه شيء من هذا القبيل. ومنتقدنا عليه من الألفاظ ما يقع مثله لأكثر كتابنا وشعرائنا مثل قوله التنكيت وهولم يرد في اللغة. وقوله كنتم منذ بضع سنين لا تجارون ستة آلاف عداً وعداً هذه ليست من التراكيب الفصيحة وقد وقعت في كلامه أربع مرات وهي من عبارات الجرائد واستعمل لفظة منتزه والضمائر والقواميس والتكتيك والظروف والنقط وحصل بها وجهاراً نهاراً وضحى مصلحة أمة وصوالح القوم وصوالحنا والصواب أن يقول متنزه والقلوب والمعاجم وعلم التعبية والمصافات والأحوال وكان يمكن الاستعاضة عن النقط في قوله نقط تنفيذ الحكم بتركيب آخر ومثلها حصل بها جهاراً نهاراً. وله أن يقول بدى ضحىة فادى بمصلحة أمة ومصالح القوم بدل صوالحهم. وهذه الخرزات لا تقدح في فضل هذا العقد النفيس. فالنقد لا يوجه إلا إلى الثمين والركاكة لا تعاب إلا في كلام أهل البيان والتبيين. النظرات أصدر مصطفى صادق أفندي الرافعي الشهير الجزء الأول من ديوان جديد له سماه النظرات أودعه مثالاً مما وعاه ديوانه المعروف بديوان الرافعي الذي كان أصدره في ثلاثة أجزاء ـ من ضروب الشعر في الاجتماع والرقائق والمديح والغزل والوصف وقدم له مقدمة في حقيقة الشعر لم يكرر فيها ما أودعه من معناها كل جزء من أجزاء ديوانه السابق. ومعظم قراء المقتبس يعرفون طبقة شعر الرافعي مما نشر له فيه. ومما انتقدناه عليه تسرعه في إخراج الشعر للناس حتى أن بعض أبياته يظهر فيها شيء من الغموض لا يكاد يهتدي إليه القارئ إلا بإعمال النظر كما أنا لا نستحسن إكثاره من الاستعارات

стр. 2074

والمجازات على طريقة أكثر الشعراء المحدثين وكتابهم على حين نراها قليلة في شعراء الصدر الأول وكتابه وإن جاءت فإنما تجيء عرضاًُ اعتبر ذلك بكلام ابن المقفع والجاحظ وأبي تمام والمتنبي وغيرهم. ومن الاستعارات البعيدة قوله أشبه شيء بالنور الذي يتألق فيه ماء الصورة وماء الصورة أشبه بماء الملام التي انتقدها البيانيون على أبي تمام ومثلها أجنحة الخواطر وقوله فما أحسن الوجه وهو روضة مصورة وزجاجة منورة وشهادة على الله مزورة وينتقد عليه من الألفاظ الوحشية لفظ مختشب أي غير منقح ومرسل. واختيار لفظ واحد لمعنى واحد لا يحرص عليه في كل اللغات لا في أسماء الفنون والصناعات ونحوها فلا يصح مثلاً أن نقول هات الأداة التي يكتب بها بل نقول هات القلم ومختشب مثل مخشلب التي وردت في شعر المتنبي وسواءٌ في الثقل والوحشية. ومثله قوله رجع بمقصر مما كان يحاول ولنا عن مقصر هذه مندوحة في الاستعمال وكذلك تأنيثه البلد وهو مذكر. وجمعه عادة على عوائد والصواب عادات وعاد وقوله ينطقونها والصواب ينطقون بها وتوريق الشجر والصوب غيراق الشجر والروضة الشجية بمعنى مطربة والشجي المحزن والجرائد تغلط في قولها وكانت الموسيقى تطرب الأسماع بألحانها الشجية والأولى أن يقال المطربة أو ما إليها. وفي الديوان من جيد المنظوم ما يجدر بالأدباء الأخذ منه والنظر فيه خصوصاً والرافعي من الشعراء الذين تفاخر بهم العربية. المسألة الاجتماعية في سورية كتب خير الله أفندي خير الله من أساتذة بيروت هذا الكتاب باللغة الإفرنسية وصف فيه الحالة الاجتماعية وطرق التدريس في سورية قال فيه وإذا كانت الضرورة تقضي بأن نخرج من مدارسنا سوريين لا إفرنسيين ولا إنكليز ولا أميركانيين قضي علينا أن نخرج من النساء كذلك وإلا كانت البيوت جحيماً لا نعيماً. والمدرسة الحسنة التنظيم هي المجتمع المنظم بعينه فإذا لم يكن للمدرسة نظام نافع يجب علينا أن نعمل يداً واحدة على تقويضها من أساسها فخير لنا أن نكون بلا مدارس جملة واحدة من أن تخرج مدارسنا من لا نريدهم من الرجال والنساء. سعت مدارسنا فقد فينا دائرة التعليم ولم تنفحنا مثل ذلك من التهذيب على أن ذاك التعليم نفسه سطحي غير موافق لحاجاتنا. وأجمل الكلام على المعلمين في المدارس والدروس وقال أن المجتمع غير عادل في معاملة

стр. 2075

المدرسين وكان عليه أن يعطيهم من الأجر أكثر مما يعطيهم ويرفع مقامهم أكثر مما رفعهم. كما تكلم على إدارة المدارس وترتيباتها وأصولها الصحية وقال أن الواجب أن لا نستسلم للأجانب ونأخذ عنهم قضية مسلمة كل ما يدعون أنه لازم لقوام حياتنا العملية. وأننا يجب أن نضع نظام دروسنا بأيدينا وإلا فإن الدروس التي نتلقاها في المدارس لا تخرج رجالاً تامة أدواتهم بل كثيراً ما تضطرهم إلى الهجرة ولا يكون منهم خير لبلادهم. ومن رأيه أن يعقد مؤتمر وطني أو عام للنظر في إصلاح التعليم حتى لا يسوغ لكل قادم علينا بحجة تعليمنا أن يعبث بعقول فتياتنا على هواه ليجعلهم على مثاله ويقتل في عقولهم الحمية والشجاعة والشعور بالوطنية وعزة النفس لتأتي منهم رؤوس فارغة من التعليم والإحساس مملوءة بالعجب والإعجاب ويجب أن يقرن تعلم اللغة العربية بلغة أجنبية على أن لا يعلم من لغة البلاد إلا ما يتمكن معه التلميذ من الكتابة فيها بسهولة على نحو ما يكتب بالإفرنجية وأن يعلم الأخلاق بأصولها على طريقة موجزة متينة تكون الوطنية شعارها حتى إذا خرج التلميذ من المدرسة يكون عارفاً بحقوقه وواجباته وتاريخ بلاده مجسماً وله فكر إجمالي في التاريخ العام متقناً جغرافية بلاده مع إجمال عن الجغرافية العمومية وبعض مبادئ العلوم لئلا تستولي عليه الخرافات. ورأى أن تعلم العربية بدراسة كتب المتأخرين لأن إنشاءهم وشعرهم أحسن مما كتبه المتقدمون من العرب. وهذا رأي لا يوافقه عليه أحد من أهل العلم لما عرف من أن المتأخرين هم سبب فساد اللغة والرجوع بالمتعلمين إلى كتبهم رجوع القهقرى وعنده أن يعتني باللغة العامية السورية ويقابل بينها وبين اللغة الفصحى لأن في العامية أشياء لا ينبغي الزهد فيها وأن الواجب تدريس العلوم العربية لتقوى ملكتها في المتعلمين. وتكلم على ما ينبغي للسوري أن يتعلمه من اللغات فجعل المقام الأول للإفرنسبة ثم للإنكليزية فالألمانية فالإيطالية. وأجاد الكلام على التربية وتلقين العادات النافعة وختم بقوله أن مجتمعنا متألم مما صارت إليه حاله وحاجته ماسه على الشفاء مما أصابه والدواء هو الإصلاح وأحسن أداة له إصلاح المدرسة. وقد تجلى لنا من تصفح الكتاب أن مؤلفه ذو خبرة بأمور المدارس ومواد التدريس وحالة المدرسين فنشكر له حسن أدبه في بيان أفكاره وكنا نود أن يكتبه باللغة

стр. 2076

العربية ليستفيد منه من كتب لهم أولاً بالذات وعساه أن يقله إليها قريباً ليعم نفعه لأن موضوعه جديد مفيد.

стр. 2077

العدد ٣٤ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩٠٨

стр. 2078

الطالع السعيد من المخطوطات النفيسة التي كادت تعبس بها يد الضياع كتاب الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد لكمال الدين أبي الفضل جعفر بن تعلب الأدفوي المولود في نصف شهر شعبان سنة ٦٨٥ والمتوفى في سابع عشر شهر صفر سنة ٧٤٨ ألفه بإشارة من شيخه أثير الدين أبي حيان النحوي الأندلسي وقصره على تراجم النابغين من إقليم قوص وما يتبعه من البلدان والقرى وهو أول ما ألف من نوعه خاصاً بأهل الصعيد. ولم يكن بمصر من نسخ هذا الكتاب غير اثنتين بدار الكتب الخديوية كلتاهما ناقصة وما زلت في شوق إليه وبحث عنه حتى ظفرت بنسخة منه كاملة كتبت سنة ٨٨٠ برسم الفقيه مجد الدين أبي عبد الله بن شرف الدين حمزة الخطيب الواعظ وهي كغالب المخطوطات لا تخلو من التحريف والتصحيف خصوصاً في مواضع أهمل الناسخ إعجامها فلا تتيسر قراءتها إلا بضرب من العنت وتدقيق النظر. افتتح المصنف كتابه بمقدمة تشتمل على مسافة هذا الإقليم وتفصيل ما اختص به من المزايا فذكر أن مسافته تبلغ في الطول اثني عشر يوماً بسير الجمال السير المعتاد وتبلغ في العرض ثلاث ساعات وأكثر أو أقل تبعاً للأماكن العامرة وأنه ينقسم إلى كورتين يفصل بينهما النيل فالشرقية منهما تتصل شرقاً بالبحر الملح (هو بحر القلزم المسمى الآن بالبحر الأحمر) وأولها من الشمال أرض أفنو وآخرها من الجنوب أبهر الشرقية بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة وضم الهاء ومن مدنها قنا وقفط وقوص وهي قاعدة الإقليم في عصره وكان بها أربعون مسبكاً للسكر وست معاصر للقصب وبها قباب بأعالي دورها قيل أن من ملك عشرة آلاف دينار يجعل له قبة في داره وإليها تكاتبه ستة ملوك. ومنها الأقصر وأسوان قال وأهلها يوصفون بالمحك في المعاملة وشدة المخاصمة وفيها يقول دعبل بن علي الخزاعي وكان أقام بها والياً كما نقل أهل التواريخ: وإن امرأ أمست مساقط رأيه ... بأسوان لم يترك له الحزم معلما حللت محلاً يقصر الطرف دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجسما ولهم لغة يجعلون الطاء تاء فيقولون التريق في الطريق والتاق في الطاق ويبدلون الفاء بالباء والباء بالفاء فيقولون ضربته في هذا بعنوان بهذا أهـ. والكورة الغربية أولها شمالاً برديس وآخرها جنوباً أبهر الغربية ومن مدنها أدفو بلد المصنف وعشة الذي درج منه. ثم

стр. 2079

أفاض في محاسن هذا الإقليم من عذوبة ماءٍ وطيب هواءٍ ووفرة غلةٍ وكثرة فاكهة قال وأظن مساحة أرض بساتينه ونخله تقارب عشرين ألف فدان ونقل غرائب في حمل أشجاره قد يعد بعضها من المبالغة والغلو ولا غرو فكل فتاة بأبيها معجبة. وذكر في معادنه معدن البروم بالقرب من قنا ومعدن الزمرد وحجر البازهر والنفط والنطرون والرخام ومن معاهد العلم ست عشرة مدرسة بقوص وثلاثاً بأسوان واثنتين بأسنا وواحدة بالأقصر وأخرى بأرمنت واثنتين بقنا وواحدة بهو وأخرى بقمولا. أما ترتيب الكتاب فعلى حروف المعجم ابتدأه بإبراهيم وختمه بيونس وذيله بباب في الكنى ذكر به من كنيته اسمه وغالب تراجمه مختصرة يقتصر فيها على المولد والوفاة وشيء من أخبار المترجم وروايته إن كان من المحدثين. على أنه خالف ذلك في البعض فأطال فيهم كالنويري صاحب نهاية الإرب والرشيد بن الزبير وأخيه المهذب الشاعر والتاج بن المفضل وعبد الرحمن النخعي وذكر من سعة تبحره في الفقه أن الفتوى كانت ترفع إليه ورجله في الركاب فيكتب عليها بدون توقف وابن الحاجب مؤلف الكافية وقيصر المعروف بتعاسيف العالم الرياضي الذي عمل لسلطان حماه كرة عظيمة صور عليها الكواكب المرصودة وصنع له طاحوناً على العاصي وبنى له أبراجاً وتحيل فيها بحيل هندسية ومجد الدين بن دقيق العيد وابنه تقي الدين الإمام المشهور وترجمته أطول ترجمة في الكتاب والقفطي صاحب التاريخ وغيرهم ممن استحقت أعمالهم إطالة الكلام فيهم. ولم يهمل النساء فذكر منهم من اشتهرن بالعلم والفضل كتاج النساء ابنة عيسى القوصية وأختها مظفرية وخديجة بنت علي بن وهب ورقية بنت محمد بن علي بن وهب وكلهن من أسرة بني دقيق العيد. وأعجبني منه التزامه الصدق وميله مع الحق فيما كتب فترجم كل إنسان بما له وعليه حتى تقي الدين بن دقيق العيد لم يمنعه ذكره لمناقبه وحسناته وشهادته له ببلوغ رتبة الاجتهاد من أن يقول فيه: ولكنه تولى القضاء في آخر عمره وذاق من حلوه ومره وحط ذلك عند أهل المعارف والأقدر من قدره وحسن الظن ببعض الناس فدخل عليه إلباس وحصل له من الملامة نصيب والمجتهد يخطئ ويصيب ولو حيل بينه وبين القضاء لكان عند الناس أحمد عسره ومالك دهره الخ. . وترجم عبد القادر بن المهذب وهو ابن عمه فوصفه بالذكاء

стр. 2080

النادر وسعة الإطلاع إلا أنه أنحى عليه لسوء عقيدته وقال في آخر ترجمته ومرض فلم أصل إليه ومات فلم أصلِّ عليه. وفي الكتاب رسائل وخطب وقصائد ومقطعات لا تخرج عن الأسلوب المألوف لأهل ذلك العصر ومنها وصية لجلال الدين الدشنائي كتبها لابنه تاج الدين يقول فيها: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً. يا بني أرشدك الله وأيدك أوصيك بوصايا إن أنت حفظتها وحافظت عليها رجوت لك السعادة في دينك ومعاشك بفضل الله ورحمته إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله. أولاها وأولاها مراعاة تقوى الله تعالى تحفظ جوارحك كلها من معاصي الله حياء من الله والقيام بأوامر الله عبودية لله. ثانيتها لا تستقر على جهل ما تحتاج إلى علمه وثالثتها أن لا تعاشر إلا من تحتاج إليه في مصلحة دينك ومعاشك. وراعتها أن تنصف من نفسك ولا تنتصف لها إلا لضرورة وخامستها أن لا تعادي مسلماً ولا ذمياً وسادستها أن تقنع من الله بما رزقك من جاه ومال وسابعتها أن تحسن التدبير فيما في يديك استغناء به عن الخلق وثامنتها أن لا تستهين بمنن الرجال عليك وتاسعتها أن تقمع نفسك عن الخوض في الفضول بترك استعلام ما لم تعلم والإعراض عما قد علمت وعاشرتها أن تلقى الناس مبتدئاً بالسلام محسناً في الكلام منطلق الوجه متواضعاً باعتدال مساعداً بما تجد إليه السبيل متحبباً إلى أهل الخير مدارياً لأهل الشر متبعاً في ذلك السنة اللهم أهله لامتثالها. وغالب ما ورد فيه من المنظوم أشبه بشعر العلماء منه بشعر الشعراء على أنه لا يخلو مما يستجاد كقول الأمير مجير الدين بن تميم اللطمي: أعيذك أني بين أهلي وجبرتي ... وحيد لديهم عادم ودٍّ مشفق اقلب طرفي لا أرى لي مؤنساً ... لعمرك فيهم غير طرس منمق يحدثني عن حسن أحوال من مضى ... ويخبرني عن قبح أحوال من بقي وقول تفي الدين بن دقيق العيد: تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرَّب مني في صباي مزاره لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره وقول فتح الدين القنائي:

стр. 2081

بعادم علم الطرف السهادا ... ونفر عنه في الليل الرقادا وبات بليل أرمد ليس يرجو ... لليل بات يشهره نفادا كأن الليل فارقه حبيب ... فلم ينزع لفرقته الحدادا فما للدهر لا ينفك يهوى ... مخالفة الذي أهوى عنادا يباعد من أريد له دنواً ... ويدني من أريد له بعادا كأن عليه ميثاقاً ووفى ... به أن لا يبلغني المرادا ومن طريف ما رواه أن ناظم هذه الأبيات ادعى أنه كان ينظم القصيدة ويجعلها في ديوان أبي تمام ثم يعرضه على الناس فلا يميزون بين الشعرين فقال له أحد الأدبلاء أنت لا تمدح شعرك وإنما تذم الناس. وقول أنجب الدين الإسنائي: ألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود هكذا نسبهما لأنجب الدين نقلاً عن العماد في الخريدة. قلت وقد وهم الشيخان فالبيتان لولادة بنت المستكفي لا يكاد يختلف في ذلك اثنان وقد وقفت على أوهام من هذا القبيل فرطت من بعض الأئمة فنسبوا أشياء لغير قائليها أما لاشتباه في الأسماء أو لسهو عرض وحلّ من لا يسهو وربما أفردت نبذة لذكرها إن شاء الله. ومن غريب ما رأيته فيه من المنظوم نوع من الزجل تكرر ذكره سماه المصنف (بليقة) وجمعها على بلاليق مما يدل على أن اللام في المفرد مشددة ولا أدري أكانت البليقة تطلق عندهم على كل ما نسميه اليوم زجلاً أو هي خاصية بنوع منه فمنها قول هبة الله الأفودي وقد سئم من قراءة الفصول لابن معظ في النحو: يا قوم واش هذا الفضول ... نقرا الفصول الملحة نقرا يا فلا ... أو مختصر شيت والبيان=هذا يجنن بالضمان لسائر أرباب العقول من قوله معد يكرب ... القلب أضحى منكرب=وبيت عقلي قد خرب وشرح حالي فيه يطول

стр. 2082

من صحروات مع حبليات ... ومد وشد مع حات بات=من الذي عنده ثبات يفهم مفاعيل مع فعول ومنها مطلع بليقة لبعضهم في هجو قاض: قاضي القضاة أعزل نفسه ... لما ظهر للناس نحسه ولا يستقيم الوزن إلا بإسكان آخر الكلم كما تنطق العامة. ومما استفدته من هذا الكتاب عثوري فيه على كلمات عامية مستعملة إلى الآن بمصر أدمجها المصنف في عبارته مما يدل على أنها أقدم في الاستعمال من عصره حتى صارت من المألوف عندهم وإلا لما جرى بها قلم مثل هذا الإمام في مثل هذا التأليف. وبالجملة فمحاسن الكتاب كثيرة وفوائده غزيرة فلعل أحد المشتغلين بالطبع من الوراقين يتنبه له فيطبع ليعم نفعه. القاهرة أحمد تيمور

стр. 2083

جالينوس العرب أو أبو بكر الرازي ألا لفتة منا إلى الزمن الخالي ... فنغبط من أسلافنا كل مفضال تلونا أناساً في الزمان تقدموا ... وكم عبرة فيمن تقدم للتالي ألا فاذكروا يا قوم أربع مجدكم ... فقد درست ألا بقية أطلال تتطلبتمو صفو الحياة وأنتمو ... بجهل وهل تصفو الحياة لجهال وما أنتمو إلا كسكران طافح ... تحسى من الصهباء عشرة أرطال مشى بارتعاش في الطريق فتارة ... يقوم وأخرى ينهوي فوق أوحال يمد إلى الجدران كف استناده ... فتقذفه الجدران قذفة إذلال ويفتح للطراق مقلة حانق ... فيغمضها خزيان عن شتم عذال رمى الدهر قومي بالخمول فلمتهم ... وأوسعتهم عذلاً فلم يجد تعذالي فهاج البكا يأسي فلما بكيتهم ... بدمعي حتى بلَّ دمعي سربالي نظرت إلى الماضي وفي العين حمرةٍ ... كأن على آماقها نضج جريال فشمت بروق الأولين منيرةً ... على أفق من ذلك الزمن الخالي تنورتها في أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وقلبت طرفي في سماء رجالها ... وهم فوق عرش للجلالة محلال فآنست آثاراً وهم سلك درها ... وأبصرت أعمالاً وهم جيدها الحالي ولما طويت الدهر بيني وبينهم ... على بعد أزمان هناك وأجيال قعدت بأوساط القرون فجاءني ... (أبو بكر الرازي) فقمت لإجلال فتى عاش أعمالاً جساماً وإنما ... تقدر أعمار الرجل بأعمال حكيمٌ رياضيٌ طبيبٌ منجمٌ ... أديب وفي الكمياء حلال إشكال أتى فيلسوفاً للنفوس مهذباً ... بأفضل أفعال وأحسن أقوال لقد طبب الأرواح من داء جهلها ... كما طبب الأجسام من كل إعلال مولده

стр. 2084

تولد عام الأربعين الذي انقضى ... لثالث قرن ذي مآثر أزوال إلى زكريا ينتمي أنه له ... أب تاجر في الريّ صاحب أموال على حين كانت بلدة الريّ غادةً ... إلى العلم يعطو جيدها غير معطال مدارس بالشبان تزهو ودونها ... كتاتيب للتعليم تزهو بأطفال بها جل درس القوم طب وحكمة ... وفلسفة فيها لهم أي إيغال وكانت نفيسات الصنائع عندهم ... يحاولها ذو الفقر منهم وذو المال وما كان هذا الحال في الريّ وحدها ... بل الحال في البلدان طر كذا الحال فإن هدى الإسلام أنهى فتوحه ... وأوصلها للحد أحسن إيصال وبدل أبطال الحرب من الورى ... بأبطال علم للجهالة قتال فدارت رحى تلك العلوم وقطبها ... ببغداد مركوز بربوة إجلال وكانت يد المأمون في ذاك أخجلت ... لسنا العلى في شكره أي إخجال منشؤه تدرج في تلك المدارس ناشئاً ... مترجمنا يسعى بجد وإقبال تعلم فن الصوت بديء بدئه ... ومارس تفضيلاً به بعد إجمال فكانت بموسيقى اللحون دروسه ... تغني بإهزاج وتشدو بإرمال وقد جاوز العشرين سناً ولم يكن ... لشيء سوى فن الغناء بميال فرام أبوه منه تحويل عزمه ... بجذب إلى شغل التجار وإدخال غفال له دعني مع العلم إنني ... إذا ما أمتُّ الجهل أحييت آمالي وهل يستطيع المرءُ شغلاً إذا غدا ... له شاغل بالعلم عن كل إشغال هناك استقى الرازي من العلم شربة ... فجاد بإعلال له بعد إنهال سعى سعيه نحو التعلم بادئاً ... بعلم لدى أهل التفلسف ذي بال وقد كان مفتاح العلوم تفلسف ... تفك به من جهلهم كل أغلال فزاول أنواع العلوم تنقلاً ... بابين أوضاح لها غير أقفال نضا همة في العلم مشحوذة الشبا ... جلت ما لحرب الجهل من ليل قسطال وقد أكمل الطب المفيد قراءة ... على الطبري الحبر أحسن إكمال

стр. 2085

سياحته ومذ جاوز الرازي الثلاثين واغتدى ... مدلاً على أقرانه أي إدلال رأى في تمام العلم للمرء أنه ... يسيح بضري في البلاد وتجوال ما العلم إلا بالسياحة إنها ... لمن علموا في علمهم درس أعمال فقام وشد الرحل والغرز وامتطى ... لقطع الفيافي متن هوجاء شملال فجاء بلاد الشام تواً وجازها ... إلى مصر في وخد حثيث وأرقال وخاض عباب البحر للغرب قاصداً ... مواطن للإسلام لم يسلها السالي ففيها اجتلاه العز مذ لاح طالعاً ... لها كهلال يجتلى عند إهلال وحل حلول البدر في السعد نائلاً ... بقرطبة آماله ناعم البال وهب هبوب الريح ثمة ذكره ... يطير على صيت من العلم جوال وودعها من بعد ذلك راجعاً ... إلى مصر لا توديع مستكره قال ومنها إلى بغداد سافر قاطعاً ... إليها الفلا ما بين حل وترحال فألقى عصا التسيار في عرصاتها ... بمغرس عرفان ومنبت أفضال وبغداد كانت وهي إذ ذاك جنة ... بها العلم أجرى منه أنهار سلسال كأن رجال العلم في غرفاتها ... بلابل تشدو غدوة بين أدغال فكم محفل للكتب فيه خزانة ... وكم مرصد دان وكم مرقب عال ولما غدا الرازي ببغداد باسطاً ... من العلم أبواعاً له ذات أطوال أقيم لمارستانها عن كفاءة ... رئيساً بتطبيبي وتدبير أحوال فرتب مرضاه وأصلح شأنه ... بما كان لم يخطر لسابق أجيال وظل به يسعى طبيباً ممرضاً ... ويبذل جهداً لم يكن فيه بالآل ويلقي السريريات وهي مسائل ... لدى سُرر المرضى تقرر في الحال قثد كان يلقيها على القوم ناطقاً ... بأوضح تبيان وأحسن إملال مآثره العلمية لقد أشغل الرازي ببغداد شغله ... عدا الطب فغي الكمياء أعظم أشغال فقضى بها أيامه في تجارب ... وواصل أبكاراً لهن بآصال

стр. 2086

فلقب فيها بالمجرَّب حرمةً ... تفرد مخصوصاً بها بين أمثال وأصبح مشهوراً بأسنى مآثرٍ ... من العلم لم يسبق إليها وأعمال فإن أبا بكر لأول مفصح ... إلى الناس بالدرس السريري مقوال وأول من أبدى لهم كيف يبتني ... ويفرش مارستانهم قصد إبلال وألف في المستشفيات مؤلفاً ... تقصى به وصفها دون إغفال ولا تنسى للرازي الكحول فإنه ... يجدد طول الدهر ذكراه في البال ومن عمل الرازي انعقادٌ لسكر ... وما كان في محصوله غير سيال أخلاقه أرى العلم كالمرآة يصدأ وجهه ... وليس سوى حسن الخلائق من جال أخو العلم لا يغلو على سوء خلقه ... وذو الجهل أن أخلاقه حسنت غال ولو وازن العلم الجبال ولم يكن ... له حسن خلق لم يزن وزن مثقال وإن المساوي وهي في خلق عالم ... لا قبح منها وهي في خلق جهال ولكنما الرازي قد ازدان علمه ... بأحسن أخلاق وأشرف أفعال خلائق غرّ إن أردت بيانها ... بدأت بحرف الحاء والميم والدال فتى كان مملوء الجوانح رحمة ... بكل هزيل الجسم من سقم إقلال يزور بيوت البائسين بنفسه ... ويفتقد المرضى بفحص وتسآل ويأتيهم بالمال والعلم مسعداً ... لتطبيب أوجاع وتأمين أوجال وما كان يقنو المال إلا لبذله ... لتعليم علم أو لإعطاء سؤال وكان حليف الجد لم يأل جهده ... بدحض خصوم العلم من كل هزال فكم راح مخذولاً به متطبب ... سعى كاذباً في طبه سعي إضلال وكان سليماً غي العقيدة ينسبونه ... لزيغ فقد أغناك عنهن إجمالي عوده إلى الري ولما قضى الرازي ببغداد برهة ... مضى قافلاً للريّ شوقاً إلى الآل فلما أتى تلك البلاد غدا بها ... طبيباً لدى المنصور صاحبها الوالي وألف للمنصور إذ ذاك باسمه ... كتاباً حوى في الطب أحسن أقوال

стр. 2087

ولم تصف للرازي أواخر عمره ... وعاد أخا همّ شديد وبلبال فقد عميت عيناه من بعد واغتدى ... يجول من الفقر بأسمال وإن عداء الدهر شنشنة له ... يصول بها قهراً على كل مفضال ولما انتهى نحو الثمانين عمره ... قضى نحبه من غير مال وأنسال ولكنه في الناس خلف بعده ... من العلم آثاراً قليلة أمثال فكم كتب أبقى بها الذكر في الورى ... وألفها نسجاً على خير منوال وما ضرّ من أحيا له العلم بعده ... على الدهر ذكراً أنه ميت بال وإني إن أطنبت في بحر علمه ... لمقتصرٌ منه على بعض أوشال وها أنا أنهي القول لا لتمامه ... ولكن لعجزي عن نهوض بأجبال وأجعل هذا الشعر مسكاً ختامه ... بما قال في بيتين معناهما حال لعمري وما أدري وقد آذن البلى ... بعاجل ترحال إلى أين ترحالي وأين محل الروح بعد خروجه ... من الهيكل المنحل والجسد البالي بغداد معروف الرصافي

стр. 2088

الحسبة في الإسلام وأربعة مخطوطات فيها وصفنا في الجزء السالف المخطوط الأول الذي عثرنا عليه في فن الحسبة وما نحن أولاء نصف المخطوط الثاني. قال في مقدمته: نحمد الله الحسيب الرقيب على نواله إيماناً واحتساباً والصلاة على رسوله محمد الحبيب النسيب وآله ما لا يحصى كتاباً ولا حساباً أما بعد فقد جمع عبده الغريق في بحر فضله الطامي عمر بن محمد بن عوض الشامي ألهمه الله تقواه فيما يكتسب ويجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب في تصنيف هذا الكتاب وهو نصاب الاحتساب مسائل اختصت بالنسبة إلى منصب الحسبة من كتب معتبرة بين الفقهاء معول عليها عند العلماء بعدما تحمل في جمعه نصباً وكمل في قيده نصباً وصرف إلى تنقيحه وتصحيحه مدة وتكلف في ترتيبه وتهذيبه شدة شديدة ليكون للمبتلى آية يعرف بها فيما يحتاج إليه غاية وهو مرتب على أبواب الأول في تفسير اللفظين المتداولين في هذا الكتاب أحدهما الاحتساب والثاني الحسبة فالاحتساب لغة يطلق على معنيين أحدهما من العد والحساب ذكر في المغرب احتسب بالشيء اعتد به وجعله في الحساب ومنه احتسب عند الله خيراً إذا قدمه ومعناه اعتده فيما يدخر عند الله وعليه حديث أبي بكر الصديق رضي اله تعالى عنه إني أحتسب خطاي هذه أي أعتدها في سبيل الله وقول النبي ﵇ من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه أي صام وهو يؤمن بالله ورسوله ويعتقد صومه عند الله والثاني الإنكار على الشيء ذكر في الصحاح احتسبت عليه كذا إذا أنكرته عليه قاله ابن دريد والحسبة معنيين أيضاً أحدهما بمعنى الحساب مصدر كالعقدة والركعة والثاني التدبر يقال فلان حسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبير له وفي الشرع هما الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله في كتاب أحكام السلطان ووجه الاستعارة أما الاحتساب فلأنه إن كان من الاحتساب بالمعنى الأول وهو يتعدى بالباء فهو يحتسب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الله أجراً فكان من قبيل تخصيص العام وإن كان من قبيل الإنكار فهو من قبيل تسمية المسبب بالسبب لأن الإنكار على الغير سبب للأمر بإزالته وهو الاحتساب لأن المعروف إذا ترك فالآمر بإزالة تركه آمر بالمعروف والمنكر إذا فعل فالأمر بإزالته هو النهي عن المنكر.

стр. 2089

أما الحسبة فلأنه إن كان بمعنى الاحتساب فهو نظير الأول من الاحتساب وإن كان بالمعنى الثاني فهو كذلك وإن كان التدبير عاماً ولكنه أريد به تدبير خاص وهو تدبير إقامة الشرع فيما بين المسلمين وإنما سمي به لأنه أحسن وجوه التدبير فصار كتسمية القود به ثم الحسبة في الشريعة عام يتناول كل مشروع يفعل الله تعالى كالآذان والإقامة وأداء الشهادة إلى كثرة تعدادها ولهذا قيل القضاء باب من أبواب الحسبة وقيل القضاء جزء من أجزاء الاحتساب وفي العرف اختص بأمور أحدها إراقة الخمور كلها والثاني كسر المعازف والثالث إصلاح الشوارع وذلك باب كبير فيه مسائل إحداها أمر الميزاب والثانية أمر الأوحال والأرداغ والثالثة أمر الدكانجة على الباب والرابع منع جلوس الباعة عليها والخامسة منع سوق الحمير والبقر للخشابين والآجريين ونحوهم والسادسة منع ربط الناس دوابهم فيها والسابعة منع عمارة الحيطان في شيء من الشوارع والثامنة منع شغل هواء الشارع بالجناح ويسمى بون داشت والتاسعة منع المبرز في الجدار بحيث يكون إزالة النجاسة منه بالوقوف في الشارع والعاشرة منع الظلة والرابع في التقسيم الأول النظر بين الجيران في التصرفات المضرة كالنظر وسد الضوء إلا فيما يرجع إلى الملك كغصب قطعة من الأرض والخامس تقويم الموازين والسادس تفحص الصنجات والسابع تنقية دكان الطباخين والخبازين ونحوهم والثامن تفحص نظافة الفقاع ودكانه والتاسع منع إسبال الإزار ونحوه على الكعبين والعاشر زجر الناس عن الغناء والنوحة والحادي عشر منه الرجال من التشبه بالنساء ومنع النساء عن التشبه بالرجال والثاني عشر أمر التنبوليين بطهارة مائهم وثيابهم وتنقية نورتهم عن الحصاة والثالث عشر إحراق المعازف وكسرها يوم الأضحى في المصلى وغيرها والرابع عشر منه الناي عن تطيير الحمامات والخامس عشر منع البغايا وتعزيرهن ومنع أوليائهن ومواليهن وأزواجهن والسادس عشر أمر أهل الذمة بتطهير الأواني التي يبيعون فيها المائعات من الدهن واللبن والسابع عشر أمر الغسالين بإقامة السنة واجتناب البدعة في غسل الموتى وحفر القبور والحمل وزجرهم عن الغلاء في أخذ الأجرة ونصب الصلحاء وذوي الخبرة بهذه الأمور في هذه المصلحة والثامن عشر تفحص الجامع يوم الجمعة والمصلى يوم العيدين وإخلاؤهما عن البيع والشراء ومنع الفقراء عن التخطي ومنع القصص المفتراة ومنه النساء السائلات عن الدخول ومنع الصبيان

стр. 2090

والمجانين فيه والتاسع عشر دفع الحيوانات المؤذية عن العمرانات كالكلاب العقور والعشرون النهي عن النجس (والأمر بالتنظيف) والحادي والعشرون منع الناس عن الوقوف في مواضع التهم كتحدث الرجال مع النساء في الشوارع والثاني والعشرون منع النقاشين والصباغين والصواغين عن اتخاذ تماثيل ذات الروح وكبر الصور. والثالث والعشرون منع المسلمين عن الاكتسابات الفاجرة كاتخاذ الأصنام والمعازف والصنج وبيع النبيذ والبختج والرابع والعشرون منع الطباخين والخبازين في أول نهار رمضان عن بيع الطعام على مثال غير رمضان والخامس والعشرون منع الناس عن اتخاذ القبور الكاذبة وخروج الناس إلى زيارة بعض المتبركين أو بعض المساجد على مشابهة الخروج إلى الحج والسادس والعشرون منع النساء عن التبرج والتفرج بالخروج إلى النظارات وزيارة القبور والسابع والعشرون منع الناس عن التصرفات في المقابر بلا ملك والثامن والعشرون منع المطلسمة والسحار والكهان عن منكراتهم والتاسع والعشرون نهي أصحاب الحمام عن منكراتهم وأمرهم بتطهير المياه وإخلاء الحمام عن المرد ودخول العراة فيه ونهي الحجام عن حلق العانة واللحية وأمرهم باتخاذ الحجاب بين الرجال والنسار الثلاثون منع أهل الذمة عن الركوب بهيئة المسلمين ولباس الصالحين واتخاذهم معابدهم في بلاد المسلمين الحادي والثلاثون منع المسلمين عن الدخول في معابدهم للتبرك والتماس الحوائج من نساكهم والثاني والثلاثون منه الناس عن الترسم برسوم الكفار في ولادتهم ومرضهم وصحتهم وصحة صبيانهم وعماراتهم وزراعاتهم وركوبهم في البحر والثالث والثلاثون منه الناس عن تعلم علم النجوم مما لا يحتاج إليه في الدين وتصديق الناس للكهنة والمنجمين والرابع والثلاثون منع الناس عن بدعة ليلة البراءة. والخامس والثلاثون منع أهل الذمة عن إظهار شعائرهم في مواسمهم في بلاد المسلمين والسادس والثلاثون منه الناس اللعابين بالنرد والشطرنج وتفريق جمعهم وأخذ بساطهم وتماثيلهم السابع والثلاثون منع القوابل عن إسقاط جنين الحوامل والثامن والثلاثون منع الجراحين عن الجب والخصاء في الناس والتاسع والثلاثون منع الحجامين عن مس الأجنبيات إلا لضرورة لا بد منها وعن حجامة الحبالى في أوان مضرتها بالحجامة والأربعون منع الناس من الإقامة في المساجد ووضع الأمتعة فيها والحادي والأربعون منع الذي مسه الشيطان باللمم عن التكلم بالغيب واجتماع

стр. 2091

الناس عنده زاعمين أنه صادق في أخباره بالغيب وهو كفر واستحل له والمصدق به مرتد والثاني والأربعون منع الخطاط ومعلم القرآن ومعلم النحو بأجر عن الجلوس في المساجد الثالث والأربعون منع المعلم ونحوه عن أخذ شيء باسم النيروز والمهرجان والرابع والأربعون تعزير الآبق وإن كان من باب الاحتساب لإجماع الصحابة ﵃. هذه أبواب الكتاب الثاني وهي كما تراها مخالفة للأول من وجوه وموافقة له من أكثر الوجوه. أما الكتاب الثالث فهو: نهاية الرتبة في طلب الحسبة تأليف الشيخ عبد الرحمن ابن نصر بن عبد الله بن محمد الشيزري الشافعي قال في أوله بعد البسملة والحمد له والصلاة: وبعد فقد سألني من استند لمنصب الحسبة وقلد النظر في مصالح الرعية وكشف أحوال السوقة وأمور المتعيشين أن أجمع له مختصراً كافياً في سلوك نهج الحسبة على الوجه المشروع ليكون عماداً للسياسة وقواماً للرياسة فأجبته إلى ملتمسه ذاهباً إلى الوجازة لا إلى الإطالة وضمنته طرفاً من الأخبار وطرزته بحكايات وآثار راجياً بذلك ثواب المنعم يوم الحساب واقتصرت فيه على ذكر الحرف المشهورة دون غيرها لمسيس الحاجة إليها وجعلته أربعين باباً يجري المحتسب على مثالها وينسج على منوالها وهي نهاية الرتبة في طلب الحسبة. وقد جعل في الأول الكلام فيما يجب على المحتسب من شروط الحسبة ولزوم مستحباتها والثاني النظر في الأسواق والطرقات والثالث معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم قال فيه: لما كانت هذه أصول المعاملات وبها اعتبار المبايعات لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها لنفع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي وقد اصطلح أهل كل إقليم وبلد في المعاملة على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان سيما أهل الشام خاصة وسأذكر من ذلك ما لا يسع المحتسب جهله ليعلم تفاوت الأسعار أما القناطير القنطار الذي ذكر الله في كتابه الكريم فقد قال معاذ بن جبل هو ألف ومائتا أوقية وقال أبو سعيد الخدري ذهباً وأما القنطار المتعارف عليه فهو مائة رطل والرطل ستمائة وأربعة وثلاثون درهماً وهو اثنا عشر أوقية والأوقية سبعة وخمسون درهماً هذا رطل شيراز (شيزر) الذي رسمه فيها بنو منقذ وأما رطل حلب فهو سبعمائة وأربعة وعشرون درهماً وأوقيتها ستون درهماً ورطل دمشق ستمائة درهم وأوقيتها خمسون درهماً ورطل حمص

стр. 2092

سبعمائة درهم وأربعة وتسعون درهماً وأوقيتها سبعة وستون درهماً وحبة وثلثا حبة ورطل حماه ستمائة وستون درهماً والرطل البغدادي نصف المن والله اعلم. فصل وأما المثقال فهو درهم ودانقان ونصف وهو أربعة وعشرون قيراطاً وهو خمسة وثمانون حبة والدرهم الشامي ستون حبة وقد اختلف صنج الشام أيضاً فالمثقال بمحروسة شيزر يزيد على مثقال حلب نصف قيراط ومثقال حماه مثل الشيرزي ومثقال دمشق يزيد على الشيزري ومثقال المعرة مثقال الدمشقي. فصل وقفران المكيلات ومكاكيكها مختلفة أيضاً فالقفيز بمحروسة شيزر ستة عشر كيلاً وهو مكيال متعارف فيها يسمع رطلاً ونصفاً بالشيزري والقفيز الحموي ينقص عن الشيزري شنبلان والقفيز الحمصي مثل الحموي والمكوك الحلبي يزيد عن القفيز الشيزري ثلاثة شنابل والمعري مثله وهو أربع مرازب من كل مرزبان أربعة أكيال بالحلبي والغرارة ثلاثة مكاكي بالحلبي وجميع ما ذكرته غير مستقر في جميع الأزمان وإنما اصطلح كل قوم على شيء في زمن كل سلطان ثم يغير ذلك بتغير السلطان. وتكلم في الباب الرابع على معرفة الموازين والمكاييل وعيار الأرطال والمثاقيل وفي الخامس على الحسبة على الحتويين والدقاقين والسادس في الحسبة على الخبازين ثم الفرانين فصناع الزلابية فالجزارين والقصابين فالشوايين فالرواسين فقلايي السمك وفالطباخين فالهرايسيين وفالنقانقيين فالحلوانيين فالصيادلة فالعطارين فالشرابيين فالسمانين فالرزازين فالدلالين والمنادي فالحاكة فالخياطين فالقطانين فالكتانيين فالحريريين فالصباغين فالأساكفة فالصيارف فالصاغة فالحدادين فالبياطرة فنخاسي العبيد والدواب فالحسبة على الحمامات وقوامها وذكر منافعها ومضارها ثم الحسبة علا الفصادين والحجامين والأطباء والكحالين والمجبرين والجرايحيين ومؤدبي الأطفال والحسبة على أهل الذمة. وفي الباب الأربعين جمل وتفاصيل من الحسبة ذكر فيها ميالزم المحتسب فعه من أمور الحسبة في مصالح الرعية غير ما ذكره فمن ذلك السوط والدرة والطرطور أما السوط فيتخذه سوطاً لا بالغليظ الشديد ولا بالرقيق اللين بل يكون سوطاً بين سوطين حتى لا يؤلم الجسم ولا يخشى منه غائلة وأما الدرة فتكون من جلد البقر والجمل محشوة بنوى التمر وأما الطرطور فيكون من اللبد منقوشاً بالخرق الملونة مكللاً بالخرز والودع والأجراس

стр. 2093

وأذناب الثعالب والسنانير وتكون هذه الآلة كلها معلقة على دلبة ليشاهدها الناس فترعد منها قلوب المفسدين وينزجر بها أهل التدليس. وعدد أوراق هذا الكتاب ٣٣ صفحة وهو بخط مقروء لم تكتب سنة كتابته ولا تاريخ تأليفه والصحة تغلب عليه بالجملة. أما الكتاب الرابع فهو المعروف باسم نهاية الرتبة في طلب الحسبة أيضاً تأليف محمد بن أحمد بن بسام المحتسب قال في مقدمته بعد البسلمة والحمد له والصلاة: قال الله تعالى الذين أن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور فأمر بذلك مع القدرة عليه والتمكن منه ومن الأمر بالمعروف أيضاً نصفح أحوال السوقة في معاملاتهم واعتبار موازينهم وغشهم ومراعاة ما تجري عليه أمورهم وقال ﵎ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وقال عز من قائل حكاية عن بيه شعيب ﵇ ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين وقد رأيت المؤلفين من المتقدمين سبقوا إلى ذكر كثير مما يحتاج إليه وينتفع به ولم أجد أحداً منهم ذكر ما ينبغي ذكره من الغبن والفحش والخيانة بين الناس في المعاملات والمبايعات. وقد قسم كتابه إلى مئة وأربعة عشر باباً: (١) فيما يجب على المحتسب من أمور الحسبة، (٢) في النظر في الأسواق والطرقات (٣) في الخبازين والخبز (٤) في السقايين والماء (٥) في الشسوقية وغشهم (٦) في جزاري الضأن والمعز وغيرهم (٧) في الشوائين وتدليسهم (٨) في الهرايسيين وغشهم (٩) في الزلبانيين وغشهم (١٠) الرواسين وغشهم (١١) الطباخين وغشهم (١٢) الحلوانيين وغشهم (١٣) هرايسي التمر وغشهم (١٤) الباقلانيين وغشهم (١٥) السماكين وحماليه (١٦) الملح والصبر والبوري (١٧) قلائي السمك (١٨) الطيور وصياديها (١٩) الطحانين وغشهم (٢٠) الفرانين (٢١) الحطابين (٢٢) القصابين (٢٣) الجبانين (٢٤) الجبارين (٢٥) الحمامات (٢٦) الغزالين (٢٧) الكتانيين (٢٨) الحريريين (٢٩) القطانين (٣٠) القلانسيين (٣١) الخياطين (٣٢) سماسرة البز (٣٣) البزازين (٣٤) الغسالين (٣٥) القصارين (٣٦) المرزين (٣٧) الرفائين (٣٨) الصيادلة والعقاقير (٣٩) الأشربة والمعاجين (٤٠) العطر والعطارين (٤١) الصيارف

стр. 2094

(٤٢) الصباغ والصباغين (٤٣) الأطباء والفصادين (٤٤) الكحالين والكحل (٤٥) المجبرين (٤٦) الجرايحيين (٤٧) البياطرة (٤٨) صباغي الحرير والغزل (٤٩) الخزازين وصناع الشراك (٥٠) الأساكفة وصناع الخفاف (٥١) عمل الإسقاط وغيره (٥٢) عمل البطط (٥٣) الحناطين والعلافين (٥٤) صنعة السرابات (٥٥) الزتهار وغشه (٥٦) الأبزار والإبزاريين (٥٧) السماسم وبايعيه (٥٨) الخشب وباعته (٥٩) الزفاتين (٦٠) الحدادين (٦١) السامريين وغيرهم (٦٢) النحاسين وسباكي النحاس (٦٣) النجارين والبنائين والفعلة والنشارين (٦٤) نجاري الضبب (٦٥) نجاري المراكب (٦٦) النخاسة باعة العبيد (٦٧) النخاسين باعة الدواب (٦٨) الطوابين وغشهم (٦٩) الدلالين ودلالي العقارات (٧٠) تقديرات المراكب (٧١) باعة الفخار (٧٢) سقائي البرام (٧٣) الزجاجين وغشهم (٧٤) معلمي الصبيان من الفقهاء ومعلمات البنات (٧٥) الدهانين وغشهم (٧٦) المكارية وغشهم (٧٧) النحاتين والمصولين في التراب (٧٨) كساحي السماد وحمالته (٧٩) الغرابيل ومناخل الشعر (٨٠) حافري القبور (٨١) الوراقين والمبهرجين (٨٢) فيمن يكتب الرسائل على الطرق والرقاع والدروج (٨٣) كتاب الشروط (٨٤) الوكلاء بأبواب القضاة وتدليسهم (٨٥) الميازين ومضرتها (٨٦) إصلاح الجوامع والمساجد (٨٧) قراءة القرآن قدام الموتى (٨٨) غسالي الموتى (٨٩) المراصد والمراقب (٩٠) طباخي الولائم (٩١) معرفة الموازين (٩٢) معرفة المكاييل (٩٣) معرفة مثاقيل الذهب (٩٤) معرفة الأرطال والقناطير (٩٥) معرفة الأقساط (٩٦) معاصر الزيت وغشها (٩٧) التبن والتبانين (٩٨) القرط والقراطين (٩٩) الأنماط (١٠٠) صناع الأخمرة (١٠١) الحصر العبداني (١٠٢) اللبود واللبادين (١٠٣) الأرجوان وصباغه (١٠٤) العصارة (١٠٥) الأبارين (١٠٦) الحلفاء (١٠٧) المحامل وصناعها (١٠٨) الروايا والقرب (١٠٩) الدباغين (١١٠) في أهل الذمة (١١١) التعزير (١١٢) مجالس الحكام (١١٣ مجالس الولاة والأمر لهم بالمعروف والنهي عنالمنكر. هذا فهرست كتاب الحسبة وأنت ترى فيه كما رأيت في الكتاب الأول بعض أسماء صناعات لا عهد لنا بها اليوم مثل عمل البطط ونجاري الضبب وغيرهما وهناك عشرات من الفصح والمفردات التي نكاد لا نجد له مرادفاً في العربية اليوم إذا عربنا أو كتبنا في

стр. 2095

مثل هذه الموضوعات كضروب الآنية والماعون. قال في الفصل الرابع من السقايين وغشهم: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ويعرفه أنه لما كانت الأمواج تجيب الأوساخ والأقذار إلى الشطوط وجب أن تكون يدخل السقاؤن في الماء إلى أن يبعدوا عن الأوساخ وأن لا يستقوا من مكان يكون قريباً من سقاية ولا مستحم ولا مجراة حمام ومن اتخذ منهم راوية جديدة فلينقل بها الماء إلى الطين أياً فإن ماءها يكون متغير الطعم والرائحة من أثر الدباغ فإذا زال التغير أذن له المحتسب في بيع مائها وينبغي أن يكون في أوساطهم التبابين ليستروا عوراتهم وسقاة الماء بالكيزان أصحاب القرب يؤمرون بنظافة أزيارهم وصيانتها بالأغطية وتغطية قربهم التي يسقون منها في الأسواق بالميازر ويمنعهم أن يسقوا بكيزانهم المجذم والأبرص وأصحاب العاهات والأمراض الظاهرة وجلاء الكيزان النحاس كل ليلة وتطيب شبابيكها بشمع المسك واللادن الطيب العنبري وافتقاد الخوابي بالبخور والغسل كل ثلاثة أيام. وقال في جزاري الضأن والمعز والإبل والقصابين وغشهم: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل معيشتهم ثم بعد ذلك يستحب أن يكون الجزار مسلماً بالغاً عاقلاً يذكر اسم الله على كل ذبيحة وأن يستقبل القبلة وأن ينحر الإبل معقوله من قيام والبقر والغنم مضجعة على الجانب الأيسر لأن ذلك وردت به السنة عن النبي ﷺ ويأمرهم أيضاً أن لا يجر الشاة برجلها جراً عنيفاً وأن لا يذبحوا بسكين كالة فإن في ذلك تعذيباً للحيوان وقد نهى رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان ويلزمه في الذبح أن يقطع الودجين والمري والحلقوم ولا يشرع في السلخ بعد الذبح حتى تبرأ الشاة وتخرج منها الروح لأن عمر بن الخطاب ﵁ أمر منادياً ينادي في المدينة أن لا تسلخ شاة مذبوحة حتى تبرد وتجوز الزكاة بكل شيء إلا الألسن والظفر فإن رسول الله ﷺ نهى عن الزكاة بهما ويمنعهم أيضاً أن لا يذبحوا جملاً يكون مقرح الجسم إلى أن يبرأ جميع ما فيه من القروح وقد كان أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله في سجل مجلد في ديوان الإنشاء بأن لا يذبح من البقر إلا المخلوع الورك والأعور والأعمى والمقلوع السن والمريش العين والمجفون والجرب وكل مشقوق الحافر والمقطوع والمكوي كل شيء كانت عيونه ظاهرة والصحيح الرقاد والمعلوفة إذا كان بها شيء من هذه العيوب المذكورة

стр. 2096

فينهاهم المحتسب عن ذلك جميعه وينهاهم أن لا ينفخوا شاة بعد السلخ فإن نكهة ابن آدم تغير اللحم وتزفره ومنهم من يشق اللحم من السفاقين وينفخ فيه الماء ولهم أماكن يعرفونها في اللحم ينفخون فيها الماء فيجب مراعاتهم في ذلك ومنهم من يشهر في الأسواق البقر السمان ثم يذبح غيرها وهذا تدليس وأما القصابون فيمنعهم من إخراج توالي اللحم على حد مصاطبه والركبتين فلا يلاصقوا ثياب الناس فيضرون بها ويأمرهم أن يفردوا لحوم المعز من لحوم الضأن وأن لا يخلطوا بعضها ببعض وينقطوا لحوم المعز بالزعفران ليتميز عن غيره وتكون أذناب المعز معلقة على لحومها إلى آخر البيع ولحم المعز يعرف برقة لحمه وعظمه وبياض شحمه ويأمرهم أن لا يلصقوا على شيء من سائر اللحوم شيئاً من القزدير فإن الحكماء قد ذكروا بأنه يسمه ولا يخلطوا اللحم السمين بالهزيل بل يباع كل واحد منهما على حدته ويمنعهم أيضاً أن لا يخلطوا شحم المعز بشحم الضأن وعلامة شحم المعز صفو لونه وبياضه وشحم الضأن تعلوه الصفرة وكذلك بطون المعز لا تختلط ببطون الضأن وكذلك الأليات تباع مفردة لا يخالطها جلد ولا لحم وإذا فرغ من البيع وأراد الانصراف أخذ ملحاً مسحوقاً ونثره على القرمة لئلا تلحسها الطلاب أو يدب عليها شيء من الهوام فإذا لم يجد ملحاً وإلا الأشنان والمصلحة أن لا يشارك بعضهم بعضاً لئلا يتفقوا على واحد ويمنعهم أيضاً من بيع اللحم بالحيوان وهو أن يشتري الشاة بأرطال لحم معلومة ويدفع إليه كل يوم ما يتفقان عليه من اللحم فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك. وقال في عمل البطط: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يمنعهم أن يعملوا من جلود الجمال الميتة ويحلفون بما لا كفارة لهم منه أنهم لا يعملونها من الميتة ويفتش دكاكينهم كل وقت وبيان ذلك عليهم أنهم إذا عملوها من الميتة كان لونها مائلاً إلى السواد ويعتبر عليهم بالرائحة وخشونة اللمس وأيضاً أنه لا بد أن يبقى عليه اليسير من الشعر لأن الصانع لا يقدر على إنقاء الشعر من الميتة وما عمل من جلود الميتة يمكن عند جفافه والصواب أن يمنعوا من عمل المصاصات لأن كل من يمص بها لا بد ينزل شيء من بصاقه في أطعمة الناس من الزيوت والعسل وغيرهما وذلك ضرر ووسخ ولاسيما إن كان الفاعل أبخر فالصواب أن يمنعوا من ذلك. وقال في الزتهار وغشه: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بغش صناعاتهم فقد يغش

стр. 2097

بالسبك بتربة تعرف بالشمعة تكون إلى الحمرة مائلة بدقيق الرمل حتى ينقل وقد يغش العصفر بالتراب الأحمر وهو يزيده المثل أو قريباً منه فينبغي أن يحلف من يبيعه بما لا لهم منه كفارة أنهم لا يخلطون فيه شيئاً مما ذكرنا ولا يخلطوا دقيق الفول وأيضاً قد ندق قشور الرمان ويغش به الكركم المطحون ويغش أيضاً بالتربة المصرية وقد يغش بالحناء وبالرمل. وقال في نجاري الضبب ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم بصيراً بهذه الصناعة وينشر جواسيسها وهو باب جليل يحتاج إلى ضبطه لأن فيه حفظ أموال الناس وصيانة حريمهم فينبغي أن يراعي حفظ أموال الناس ويحلفوا بحضرة عريفهم بما لا كفارة لهم منه أن لا يعملوا لرجل ولا امرأة مفتاحاً إلا أن يكونا شريكين مشهورين ويؤمرون أن لا يثقبوا رأس الأبيات لطرح الأسنان التي فيها سريعة الرؤوس مدورة الأسافل مبرودة مجلسة وكذلك أسنان المفتاح مبرودة مجلسة حتى لا يخرب ذكر الغلق لا من فوقه ولا من تحته ويؤمروا أن يغمسوا الأغلاق بالجواسيس المختلفة حتى لا يعمل مفتاح على مفتاح ومن خالف ذلك أدب. هذا ما ساعد عليه المقام من البحث في هذه المخطوطات النادرة وفيها فوائد كثيرة غير التي ذكرناها فعسى أن يتصدى بعض من يهمهم إحياء آثار السلف إلى تمثيلها كلها بالطبع لتستفيد بها اللغة والتاريخ والمدنية والاجتماع والغيض لا يغني عن الفيض والجملة لا تنفع مع التفصيل والله أعلم.

стр. 2098

الرومان فتح حوض البحر المتوسط صبغة السياسة الرومانية: لم يخطر للرومان أن يفتحوا العالم أولاً حتى أنهم تمهلوا بعد أن بسطوا حكمهم على إيطاليا وقرطاجنة مدة مئة سنة قبل أن يخضعوا الشرق إلى سلطانهم والظاهر أنهم فتحوا فتوحاتهم دون أن يختطوا لها خطة من قبل لأن مصلحتهم كلهم كانت بأن يفتحوا الفتوح ويدوخوا الممالك. فكان يرى الحكام وهم قواد الجيوش من الفتوحات فرصة لنيل علائم التشريف بالظفر الذي يكتب لهم ويكونون على ثقة من الاشتهار بين أمتهم والتأثير فيها. وكان أعظم رجال الحكومة في رومية مثل بابيرويوس وفابيوس وسيبيون الأول والثاني وكانوا من القواد الذين فتحوا الفتوح وكتب الظفر لأعلامهم ويربح الأشراف الذين يتألف منهم مجلس الشيوخ إذا كثر سواد رعايا رومية فيذهبون كما يذهب الحكام لقبول احتراماتهم وهداياهم. وأما الفرسان أي الصيارف والتجار وأرباب المشاريع فإن كل فتح حديث كان لهم بمثابة مشروع جديد يستثمرونه. والأمة نفسها تنتفع من الغنائم التي تؤخذ من العدو وقد رفعت الضرائب بصورة دائمية بعد أن دخلت خزانة الدولة الرومانية كنور ملك مكدونية. أما الجنود فكانوا يقبضون رواتب عالية من قوادهم وقد أخذوا يحاربون البلاد الغنية دع عنك ما كانوا يمدون إليه أيديهم من مال المغلوبين. وعلى هذا فقد فتح الرومان العالم للفوائد المادية أكثر من المجد. قرطاجنة: لما امتد سلطان روية إلى جزيرة صقلية حملت على قرطاجنة وعندئذ بدأت الحروب الفينيفية فحدثت ثلاثة حروب فكانت الحرب الأولى من سنة ٢٦٤ ـ ٢٤١ حرباً بحرية ولا نعرف عنها شيئاً إلا ما روته الأساطير بعد زمن من حدوثها. فذكروا أن الرومانيين لم يملكوا سفناً حربية قط وأنهم جعلوا سفنهم على مثال سفينة قرطاجنة وقامت بالعرض على الشاطئ فأخذوا يمرنون فجذفيهم على استعمال المجاذيف في اليابسة هذه القصة لا أساس لها لأن بحرية رومية قديمة أما الرومان فقد نقلوا أخبار هذه الحرب كما يلي: غلب القنصل دوبليوس الأسطول القرطاجني في ميلي (٢٦٠) وكان نزل إلى أفريقيا من البحر جيش روماني على عهد الحاكم رجولوس فغلب وتمزق شذر مذر (٢٥٥) وأشر

стр. 2099

رجولوس وأرسل إلى رومية ليعقد الصلح وقرر مجلس الشيوخ إباء الصلح فرجع هذا إلى قرطاجنة حيث قضى نحبه في العذاب ثم حمي وطيس الحرب في صقلية فكتبت الغلبة للأسطول القرطاجني أولاً (٢٤٩) ثم دمر بالقرب من جزائر إيغات (٢٤١) وبعد ذلك حوصر هامليكار في جبل أركيس فوقع على الصلح ودخلت صقلية في حوزة رومية. ونشبت الحرب الثانية من سنة (٢١٨ ـ ٢٠١) وكان قائدها هنيبال من نسل الأسرة القرطاجنية صاحبة الحول والسطوة في بادكاس وكان قاد أبوه هاميلكار إلى صقلية جيشاً قرطاجنياً في الحرب الفينيقية الأولى ثم عهد إليه أن يفتح أسبانيا وكان هانيبال إذ ذاك طفلاً فصحبه أبوه. وكانت العادة أن تقدم الضحايا للأرباب عندما يغادر الجيش البلاد ويقال أن هاكليكار بعد تقديم الضحايا حلف ابنه أن يكون أبداً عدواً أزرق للرومان. ربي هانيبال وسط الجند فأصبح أحسن قائد وأمهر راجل في حرب. ولم يكن يعرف من الحياة إلا أنه محارب وكانت عنايته منصرفة إلى تعهد حصانه وأسلحته واشتهر أمره كثيراً حتى إذا هلك القائد اسدروبال الذي كان يقود الجيش الإسباني انتخبوه قائداً عليهم دون أن ينتظروا أوامر مجلس الأعيان القرطاجني في ذلك، وهكذا أصبح هانيبال في الحادية والعشرين من عمره قائد جيش لا يطاع أحد سواه فدخل غمار الحروب على الرقم من مجلس الشيوخ في قرطاجنة وراح يحاصر ساغونت حليفة رومية فاستولى عليها وخربها. ومما كتب به المجد لهانيبال أنه عوضاً عن أن ينتظر الرومانيين جرأ على أن يقتحمهم في عقر دارهم في بلاد إيطاليا ولم يكن له أسطول يحمله وجيشه إليهم فعزم على اجتياز البلاد إليهم فقطع جبال البيرنيه ونهر الرون وجبال الألب وضمن لنفسه محالفة الشعوب الغالية وقطع جبال البيرنيه دون أن يلقى فيها مقاومة في جيش مؤلف من ستين ألف مقاتل من الجنود المستأجرة من الفريقيين والأسبانيين ومعه سبعة وثلاثون فيلاً مدربة على الحرب وقد طمع بع الشعب الغالي أن يحولوا بينه وبين المسير في نهر الرون فأرسل فرقة من جيشه تقطع النهر على مسافة بضعة أميال من أعلاه وتهاجم الغاليين من ورائهم على حين يجتاز معظم جيشه النهر على زوارق وتجر الفيلة على أرماث كبيرة. ثم صعد وادي أيزر وانتهى إلى جبال الألب في أواخر شهر تشرين الأول (أكتوبر) فقطعها على ما كانت مغشاة به من الثلوج وعلى الرغم من غارة السكان الجلبليين عليه فوقع الكثير من الرجال

стр. 2100

والخيول في الهاويات. وقضى تسعة أيام لبلوغ قمة جبل الألب وصعب عليه النزول لأن المضيق الذي كان يجب عليهم السير فيه غطته الثلوج فاقتضى لجيشه أن يتخذ له طريقاً يحفره في الصخر ولم يصل إلى السهل إلا وقد أصبح جيشه نصف ما كان. ثم لقي هانيبال ثلاثة جيوش رومانية في مسافة متدانية على شاطئ نهر تيسين وضفة نهر ترييا بالقرب من بحيرة ترازيمين في أوترويا فهزمها كلها وكان كلما تقدم إلى الأمام يزداد جيشه وينضم المحاربون من الغاليين (إيطاليا الشمالية) تحت لوائه ليخدموه وينصروه على الرومانيين. فاجتاز هانيبال إيطاليا واتخذ لنزوله إقليم أيوليا في الجهة الثانية لرومية فهاجمه فيها الجيش الروماني. وكان جيشه نصف جيش ولكن كان معه فرسانه الغريقيون يركبون خيولاً سريعة وقد رابط في سهل (كان) بحيث جعل الرومانيين يقابلون بوجوههم الشمس والتراب الذي تثيره الريح فأحاط الفرسان بالجيش الروماني إحاطة السوار بالمعصم وذبحوه عن آخره (٢١٦) وكان يظن أن هانيبال سيزحف على رومية إلا أنه لم يكن على تعبية تامة. وهكذا ظل هانيبال في إيطاليا الجنوبية تسع سنين يحاول أن يفصل عن رومية الشعوب المحالفة لها ولم ينجح إلا بالاستيلاء على بضع مدن حاصرها الرومان وخربوها. وبعد ذلك سافر أخور أسدروبال في جيش أسبانيا للالتحاق به فوصل إلى أوساط بلاد إيطاليا فسار الجيشان القرطاجنيان أحدهما على الآخر يقابل كلاً منهما جيش روماني بقيادة أحد حكام الرومان وكان نيرون محاذياً لهانيبال فجرأ على قطع إيطاليا الوسطى لينضم إلى رصيفه مقابل أسدروبال. ولقد سمع أسدروبال في صبيحة ذات يوم الأبواق تبوق مرتين في المعسكر الروماني وكان في ذلك إشارة إلى أنه كان في المعسكر قنصلان أو حاكمان فوقع في نفسه أن أخاه غلب وانهزم وأن الرومان يطاردونه وأنه قتل وذبح جيشه عن بكرة أبيه ثم رجع نيرون إلى الجيش الذي غادره أمام هانيبال وألقى في معسكر قرطاجنة رأس أسدروبال (٢٠٧) فلم يبق لهانيبال غير قوته يعتصم بها وأقام خمس سنين في إقليم كالابرا وما أكره على الخروج من إيطاليا إلا لما علم أن جيشاً رومانياً كان نزل إلى أفريقية وأخذ يهدد قرطاجنة فذبح هانيبال الجند الإيطالي الذي أبى الالتحاق به وركب البحر إلى أفريقية (٢٠٣) وانتهت الحرب بواقعة زاما (٢٠٣) وكان هانيبال اعتمد بحسب عادته أن يسوق الجيش الروماني إلى الدخول في صفوفه ولكن القائد الروماني سبيون ثبت مع جيشه وما

стр. 2101

طكانت إلا هجمة وأختها حتى ركب هذا أكتاف عدوه وهزم جيشه شر هزيمة. فاضطرت قرطاجنة إلى عقد الصلح وتنازلت عن كل ما تملكه خارج أفريقية وتركت أسبانيا للرومانيين. واضطرت زيادة على ذلك إلى تسليم سفنها وفيلتها وأن تدفع مبلغاً من المال يربو عن خمسين مليوناً من الفرنكات وتعهدت بأن لا تعلن حرباً قبل الاستئذان من رومية وكانت عاقبة الحرب الثالثة من سنة ١٤٩ إلى ١٤٦ القضاء على قرطاجنة فطال حصار الرومان كثيراً لها حتى أخذوها عنوة وجعلوا عاليها سافلها وفتحوا إقليمها وأعمالها وجعلوها ولاية أفريقية خاضعة لسلطانهم. مكدونية والشرق: كان ملوك اليونان أخلاف قواد الاسكندر اقتسموا الشرق وحارب أعظهم سطوة مملكة رومية وغلبوا مثل ملك مكدونية فيليب سنة ١٩٧ وابنه برسي سنة ١٦٨ وملك سورية أنطيوشوس سنة ١٩٠ وهكذا خلا الجو للرومانيين فأخذوا يفتحون البلاد التي يرونها تناسبهم واحدة بعد أخرى فافتتحوا مكدونية سنة ١٤٨ ومملكة فرغانة ١٢٩ وبقية آسيا من سنة ٧٤ إلى ٦٤ بعد هزيمة ميترايداتس ومصر ٣٠ وما عدا مكدونية لم يندب الشرق لقتالهم غير جنود مستأجرة أو برابرة غير منظمين يتفرقون أيدي سيا لأول صدمة يلقونها. ولم يقتل في الغلبة العظمى على أنطيوشوس في مانيزيا سوى ٣٥٠ جندياً رومانياً وافتخر سيللا بأنه لم يفقد من جيشه في شيرونيا سوى اثني عشر جندياً. ودخل الرعب قلوب سائر الملوك فخضعوا لسلطان مجلس الشيوخ من دون مقاومة فإن أنطيوشوس العظيم ملك سورية بعد أن فتح جزء من ديار مصر جاءه بوبيليوس مندوباً من قبل مجلس الشيوخ يأمره بالجلاء عما بسط يده عليه من البلاد فتردد أنطيوشوس وكان بيد بوبيليوس مجنة فاختط بها في الأرض خطوطاً حول ملك سوريا وقال له أجب مجلس الشيوخ قبل أن تخرج من هذه الدائرة التي رسمها لك. فلم يسمع أنطيوشوس إلا الخضوع وألقى حبل مصر على غاربها وجاء بروزياس ملك بيتنيا وقد حلق رأسه ولبس ثياب العبد المطلق وركع أمام مجلس الشيوخ الروماني. وحاول ميترايدتس ملك بون أن يقاوم وحده فطرد من بلاده بعد حرب خمس وعشرين سنة (٦٣ ـ ٨٩) واضطر إلى أن يتناول السم ويقول بيدي لا بيد عمرو. إسبانيا وغاليا الجنوبية: لم يستطع الرومان أن يتغلبوا على الشعوب البربرية والمحاربين

стр. 2102

في الغرب بأدني سبب كما تغلبوا على غيرهم فقضوا قرناً لإخضاع إسبانيا لسلطانهم. وقد ناوشهم الحرب في جبال البرتقال رجل من الرعاة اسمه فيرياث (١٤٩ ـ ١٣٩) وهزم خمسة جيوش وأكره أحد قناصل الرومان على عقد الصلح معه ولم يتخلص مجلس الشيوخ من شره إلا بقتله. وأهلك الأريفاكيون وهم شعب صغير في الشمال الشرقي عدة جيوش رومانية واقتضى لرومية أن ترسل أحد قوادها سبيون للاستيلاء على عاصمة تلك البلاد وهي المدينة الصغرى المسماة نومانس. وكانت الشعوب الصغيرة الخاملة في صيتها المعتصمة في جبال جين كثيراً ما تناوش الرومانيين القتال. وكان الغاليون أشد الأعداء على رومية وهم منتشرون في جميع سهل بو ويزحفون على إيطاليا الجنوبية وقد استولت إحدى عصاباتهم على رومية سنة ٣٩٠ فكان جندهم يدخل الذعر في قلوب الجند الروماني بأجسامهم الضخمة البيضاء وسبلاتهم الطويلة الشقراء وعيونهم الزرقاء وأصواتهم التي تعج فيبلغ صداها عنان السماء. والخوف يستولي على رومية عندما يبلغها مجيء العسكر الغالي فيصدر مجلس الشيوخ أمره بجمع عامة الجند. وكانت هذه الحروب شديدة جداً ولكنها تضع أوزارها في الحال ففي الحرب الأولى استولى الرومان على إقليم غاليا المعروف بسيزالبين أي إيطاليا الشمالية ونشبت الحرب الثانية (١٢٠) للدفاع عن مارسيليا حليفة رومية فدمر الجيش الغالي وأخضعت رومية بلاد الرون وشاطيء البحر الرومي (إقليم لانكدوك وبروفانس ودوفينه) عواقب الفتوح سريان الإصطلاحات اليونانية: إن الفتوح هي التي دعت الرومان إلى رؤية الروم والمشارقة عن أمم فاستوطن رومية ألوف من اليونان جاؤوها أسرى أو للإتجار وتعاطى بعضهم الطب وآخرون التعليم وغيرهم العرافة وغيرهم التمثيل. وكان القواد والضباط والجنود الرومانيون يعيشون في آسيا وسط الشعوب التي تتكلم اليونانية فتخلقوا بأخلاق اليونان وهكذا عرف الرومان عادات حديثة ومعتقدات جديدة لم يكن لهم عهد بها وأخذوا يعملون بها على التدريج وقد بدأ هذا التبدل بعد الحرب المكدونية الأولى (٢٠٠) ودام إلى أواخر المملكة الرومانية. القائدان كاتون وسيبون: بينا كانت الأخلاق تتغير اشتهر أحد رجالهم كاتون باحتفاظه

стр. 2103

بعادات أسلافه. ولد هذا الرجل سنة ٢٥٢ في بلدة توسكولوم وقضى شبيبته في الحرث والكرث وفي السابعة عشرة من سنه دخل في الجيش بحسب العادة المتبعة واشترك في عامة الحملات على هانيبال. ولم يكن من الأشراف ولكنه اشتهر بقوته واستقامته وزهده وقد انتخب مرات وزيراً للمالية وناظراً للأبنية والملاعب وقاضياً وقنصلاً ووكيلاً للإحساء وشغل مناصب الشرف عامة وكان في جميع حالاته على قدم قدماء الرومان قاسياً جافاً محتشماً وقد وبخ قنصله عندما كان وزيراً للمالية وكان القنصل سبيون غالب هانيبال فأجابه لست في حاجة إلى ناظر مدقق مثلك إلى هذا الحد. ولما عين ناظراً للأبنية والملاعب في ساردينيا أبى أن يمس المال الذي دفعته إليه تلك الولاية للنفقة. ولما صار قنصلاًَ تكلم بشدة عن قانون أوبيا القاضي بالحظر على النساء الرومانيات بأن لا يتزين بالحلي الثمينة فظفر النساء بمطلبهن وألغي ذلك القانون. ولما ذهب لقيلدة الجيش الروماني في إسبانيا أتى بأموال طائلة ودفعها إلى خزانة الإمبراطورية وباع حصانه عندما ركب البحر ليقتصد في نفقات نقله ولما عين وكيلاً للإحصاء أسقط من قائمة مجلس الشيوخ عهدة من الأعاظم لما عرفوا به من الترف والبذخ وأحال جباية الأموال الأميرية بثمن عال وقدر حلي النساء وزينتهن وعرباتهن بعشرة أضعاف ما تساوي وبعد أن خفقت له أعلام النصر لم يستنكف من الخدمة في الجيش الروماني ضابطاً بسيطاً. صرف كاتون حياته في مناهضة الأشراف والبغض من بذخهم وترفهم وتجملهم وحمل خاصة على أمثال القائد سبيون متهماً إياه بالاختلاس إلا أنه لم ينج هو أيضاً من إلصاق التهم به فاتهم أربعاً واربعين مرة ولكنه كان يبرأ كلما اتهم. وكان يحرث أرضه مع عبيده ويواكلهم ويضربهم بالعصي منى رآهم يحيدون عن جادة الصواب وقد ذكر في رسالته في الزراعة التي كتبها إلى ابنه جميع ما كان يأتي الفلاحين الرومانيين من الإيرادات ويرى أن من الواجب على المرء أن يغتني وكان يقول: للأرملة أن تصرف من مالها وعلى الرجل أن يزيد وكل من شهدت دفاتر حساباته بعد موته بأنه ربح أكثر مما ورث جدير بالشهرة وملهم من الأرباب ولما رأى أن الزراعة لا تأتيه بأرباح طائلة أخذ يقرض ماله ليجهز به سفناً تجارية واتخذ له خمسين شريكاً جهزوا كلهم معاً خمسين سفينة ليتقاسموا بينهم الأخطار التي تنال سفنهم والأرباح التي تأتيهم بها. وعلى هذا كان كاتون زارعاً

стр. 2104

ماهراً وجندياً عظيماً عدواً للبذخ حريصاً على الكسب فهو مثال الروماني الأصيل وأنموذج الفضيلة والثبات. وعلى العكس منه كان القائد سبيون مثالاً للاهتمام بالفنون والأفكار الفلسفية وهو صديق المؤرخ اليوناني بوليب الذي أمسك رهينة في رومية. ولم يكن يهتم بجمع المال وقد دفع إلى شقيقاته دفعة واحدة من المال كان عليه أن لا يدفعه إليهن إلا في أوقات مختلفة وتنازل لأخيه وكان أقل منه مالاً عن حصته في إرث أبيه ولم يخلف سوى كمية قليلة جداً من الأواني الذهبية والفضية. الأخلاق القديمة: مضى زمن طويل على قدماء الرومانيين وهم يتوفرون على زرع حقولهم وقتال عدوهم والقيام بفرائض دينهم حتى كانوا حقاً الريفيين العاملين والجفاة. فكانوا يزرعون جانباً صغيراً منن إقليم لاتيوم ولاسابين وهم من نسل اللاتين والإيطاليين الذين تغلبت عليهم رومية وقد صور لنا الشيخ كاتون في كتاب له في الزراعة شيئاً من أخلاقهم بقوله: كان أجدادنا إذا أرادوا الثناء على رجل يصفونه بأنه زارع ماهر وحراث مجيد وهذا غاية ما يمدح به الإنسان. فكان هؤلاء الزراع أشداء في أعمالهم وأهل طمع في مكاسبهم وتنظيم في شؤونهم واقتصاد في نفقاتهم وبذلك كانوا قوة الجيوش الرومانية. ولطالما تألف منهم مجلس الأمة أيضاً وكانت لهم القوة العظمى في الانتخابات. . فيجيء الأشراف الذين يطمعون في أن ينتخبوا حكاماً إلى ساحة السوق ليهزوا أيدي هؤلاء الفلاحين. رأى أحد المرشحين أنفسهم للانتخابات يد أحد الزراعين وهي شثنة غليظة فسأله: هل تمشي على يديك؟ وكان السائل من الأشراف ينتسب إلى أسرة كبيرو ولكنه لم ينتخب. سكن الرومان بيوتاً ضيقة ذات طبقة واحدة لا نظام في بنائها وكان الأتريوم أهم ناحية من الدار وفيه المكان المقدس وهو مكشوف من أعلاه ينزل منه ماء المطر. والأثاث عبارة عن بضعة صناديق ومقاعد من الخشب. طعامه بسيط مؤلف خاصة من حساء معمول بالبر ومن خبز وبعض بقول وما كانوا يتناولون اللحم إلا في الأعياد وما شرب النساء الخمر قط والرجال يتناولون منه على الندرة. ولباسهم عبارة عن قميص يلبسون فوقه رداء من صوف زمن البرد. ويلبس الوطنيون في أيام الأعياد حلة من الصوف مزينة من جهة العنق

стр. 2105

ويلبسون في أرجلهم نعالاً منوطة بسيور. ويقضون حياتهم في التوفر على أعمالهم فالرجال يصطادون دون أن يحرثوا أو النساء يغزلن الصوف وينسجن الأقمشة ويطحن الحبوب ليجعلنها براً. ولم يكن للرومانيين من ضروب التسلية إلا أن يذهبوا كل تسعة أيام إلى السوق أو يحضروا الأعياد التي تقام إكراماً للأرباب. كان يرى قدماء الرومان أن الرجل الشديد هو غاية ما تطمح إليه الآمال ويقال أن سينسيناتوس كان يسوق محراثه بنفسه عندما أتاه نواب الأمة من قبل مجلس الشيوخ يدفعون إليه الأمر بتنصيبه. ولم يكن عند فابريسيوس من الأواني غير كأس ومملحة من فضة. وكان كوريوس وأنتاتوس وهو غالب السامنتيين جالساً على مقعد يأكل بقولاً في قصعة من خشب عندما أتاه مندوبو السامنتيين ليقدموا له المال فقال لهم: اذهبوا وقولوا للسامنتيين أن كوريوس يؤثر أن يقود من عندهم ذهب أكثر مما يؤثر أن يكون هو مالكاً له. هذه هي بعض الأقاصيص التي يروونها عن قواد الأزمنة القديمة وسواء أكانت حقيقة أو ملفقة فإنها تدل على ما كان الرومانيون بعد يذهبون إليه بشأن قدماء أجدادهم. الأخلاق الجديدة: أخذ كثير من الرومانيين بعد القرن الثاني ولاسيما طبقة الأشراف يقلدون الأجانب. وكان زعماؤهم قواداً رأوا بلاد اليونان والشرق عن أمم فكتبت الغلبة لسبيون على ملك سورية ولفلامنيوس وبولس أميل على ملوك مكدونية ثم للوكلوس على ملك أرمينية. فعزفت نفوسهم عن الحياة القاسية الصعبة التي كان عليها أجدادهم وأخذوا يسيرون في حياتهم على البذخ والرفاهية وما زال الحال كذلك حتى نسج على منوالهم عامة النبلاء والأغنياء بحيث لم يطلع فجر القرن الأول حتى لم يعد في إيطاليا إلا سادة عظام يعيشون المعيشة الشرقية أو اليونانية. يرى الشرقيون من دواعي العجب أن يعرضوا للأنظار الأقمشة البديعة والأحجار الكريمة وأثاث الفضة وأواني الذهب وأن يستكثروا في بيوتهم من الخدم على غير طائل وأن ينشروا على الشعب المجتمع دراهم ليدهشوهم فكانوا يرغبون في الأعلاق النفيسة النادرة أكثر من رغبتهم في النفائس الجميلة المناسبة. وأصبح للرومان على شدة عجبهم وضعف استعدادهم في الصناعات ذوق في هذا الضرب من البذخ فكانوا قلما يحفلون بالجمال أو بالموافق ولم يعرفوا قط إلا الأبهة والفخفخة
следующие страницы →