← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مطبوعات ومخطوطات تحرير مصر أحسن ما يقال في تقريظ هذا الكتاب الذي عربه عن الإنكليزية الكاتب البارع محمد لطفي أفندي جمعة أحد منشئي الظاهر ما قالته جريدة الطان الفرنسية في وصف مؤلفه من أنه هو المؤلف الذي خلص من أوهام محيطه وجنسه وما الخلاص منهما بالأمر السهل في الغالب. وقد بحث فيه بحث المتجرد عن الغرض في تاريخ مصر وأعمال فرنسا بريطانيا فيها وما تم علي يد رجالهما من أعمال العمران ورأى أن تنجلي بريطانيا عن القطر لأنه أصبح من المماليك الحية. وقد جاء التعريب رشيق الأسلوب فصيح التعابير على نحو ما ينتظر من أديب مجتهد متفانٍ في خدمة أمته. فنثني على الكاتب حريته وعلى الناقل غيرته. ونتمنى أن يكثر أمثال هذا في الكاتبين المجتهدين والمعربين المجيدين. وقيمة الكتاب عشرة قروش أميرية وهي زهيدة في جانب جودة طبعه ووضعه. آفات المدنية الحاضرة للكاتب المجيد جرجي أفندي نقولا باز من ناشئة بيروت ولع شديد بخدمة الآداب وتحسين ملكات الأخلاق والمجتمعات عرف له ذلك مما وازر به الصحف والمجلات العربية. وقد أتحفنا هذه المرة بكتابه الأخير آفات المدنية الحاضرة تكلم فيه على ما عهد فيه كلام من برئت نفسه من الأغراض ولم يحرص إلا على الدعوة إلى الفضائل ورفع الستار عما موه به وجه هذه المدنية من الشر الباطل والطلاء الزائل فأفصح كل الإفصاح في كلامه على المقامرة والمعاقرة والمخاصرة وعلى غيرها من الرذائل وعساه يزيدنا من البحث في هذا الموضوع المفيد في رسائل خاصة أو في الصحف فإنه ابن بجدته وأبو عذرته. عين بعين امتاز الأديب البارع نقولا أفندي حداد بأنه يتشبع من الموضوعات التي يجول فيها ولذلك كتبت له الإجادة في اكثر ما كتب من الرسائل والمقالات. وأمامنا الآن روايته الأخيرة عين بعين زبدتها تغلب الخير على الشر ولو في الآخر وفيها عبرة للأشرار وسلوة للأخيار فنحث على اقتنائها. مجلة جمعية الملاجئ العباسية

стр. 212

ومكارم الأخلاق الإسلامية. وهي مجلة دينية علمية أدبية تهذيبية صدرت هذا الشهر بالإسكندرية لسنتها السادسة وقد غيرت شكلها واسمها وعهدت إلى نخبة من العلماء والكتاب بإنشائها فجاءت في مطاويها عدة مقالات منها مقالة مفيدة في الإنسان والحياة دل كاتبها على أنه واقف على روح الإسلام وأن الإسلام وسط لا يأمر بالزهادة المضرة كما هو عند الهنود وغيرهم من الفرق التي دخلت الإسلام ولا بالاسترسال في الشهوات على ما هو مذهب ابيكورس الفيلسوف اليوناني وقال أن المسلمين اليوم استبدلوا الانغماس في الشهوات بزهد تلك الفئات وفيها مقالة في العادات المستهجنة وغير ذلك وقيمة اشتراك المجلة ٣٠ قرشاً أميرياً في القطر و١٠ فرنكات في الخارج يسقط نصفها لتلامذة المدارس وطلبة العلم ولاشك أن القائمين بأعبائها يستحقون من الله المثوبة والأجر ومن الناس الثناء والشكر. المصوَّر اسم جريدة أدبية فكاهية إخبارية مصورة يصدرها مرة في الأسبوع الكاتب البارع خليل أفندي زينية وهو صاحب كتاب التربية وممن عانوا صناعة الإنشاء زمناً وذاقوا من الصحافة حلوها ومرها وعرفوا خلها وخمرها وهي على مثال جريدة البتي جرنال الفرنسية بل نسخة من نسخها في أوضاع عربية وأساليب باعثة على المطالعة وقد كان أصدرها مدة منذ أربع سنين ثم عاود إصدارها الآن في الإسكندرية فنرجو لها الإقبال الذي تستحقه وقيمة اشتراكها ٦٥ قرشاً ولمشتركي الأهرام الأغر ٤٠ قرشاً. الرسائل الفاتحية هي مختارات من رسائل فاتح أفندي الهبراوي الحلبي إلى مراد أفندي الشطي الدمشقي جمعها الأديب محمد جميل أفندي الشطي فجاءت في زهاء أربعين صحيفة. وطريقة الكاتبين في النثر طريقة التسجيع وفي الرسائل شعر كثير. فنثني على الجامع لها ونرجو له الثبات في خطته الأدبية ونستمطر الرحمة على الكاتبين المفننين اللذين قصفت المنية غصني شبابهما وكان يرجى أن يكونا بدرين كاملين.

стр. 213

سير العلم حمام الزاجل هو الحمام الذي طالما استعمل في الحروب وإرسال الأخبار آونة الحصار وغيره وقد كان رائجاً أيام لم يكن أسلاك برقية ولا تلغراف بلا سلك أما اليوم فيستعمل في أوربا وأميركا كما يستعمل في الصين واليابان. وكانت حكومات العرب مولعة بتعهده وتربيته وحصلت منه على فوائد في الحروب كثيرة ولاسيما في حروب الأندلس وحروب الصليبيين. وما برح العلماء من الإفرنج يبحثون في سبب اتجاه هذا الحمام نحو الوجهة التي يراد على الاتجاه إليها وقد قدم في هذا الشهر أحد علماء فينا إلى المجمع العلمي النمسوي بحثاً ارتأى فيه أن الحمام يقود بعضه بعضاً لمعرفة الطرق بحدة حاسة النظر واستحضار الذهن وحفظ الأماكن التي طافها من قبل فالنظر والذاكرة هما اللذان ينفعان الحمام في غدوه ورواحه وسينفع هذا الرأي في الحكم على حيوانات أخرى. القيام والقعود اختلفت الآراء في كيفية تعاطي الأعمال ولاسيما الكتابية منها فقال قوم بأن المراوحة في العمل والاستراحة في الأحايين يعوض الجسم ما يخسره من القعود والانكباب على ما يتعاطاه وقال فريق غير ذلك وارتأى بعضهم أن الكتابة والمرء واقف خير من الكتابة وهو جالس وقد قدم أحد علماء فرنسا إلى مجمع علم الحياة الباريسي رأيه الخاص في هذا المعنى فقال: إذا انتصب المرء قائماً يجيد عمله بحضور ذهن ولكن ذلك لا يدوم كثيراً حتى يناله التعب بسرعة أما العمل والمرء جالس فيوفر على المرء الإجهاد والتعب ويود مجموع النتيجة. الأنباء بالزلازل هذا من العلوم التي وضعت حديثاً واسمها بالإفرنجية (سيسموميتري) وقد أدخل عليه في العهد الأخير من الإصلاحات ما يستطاع به بعد الآن الوقوف على الهزات الأرضية. ثبت ذلك بالبرهان في العام الماضي في زلزال الشمال الغربي من الهند وكذلك في مرصد الزلازل الياباني حيث تمكن العلماء هناك من متابعة المجرى الذي انبعث من الهند واجتاز المحيط الباسيفيكي وأميركا وأوربا بعد أن جاز الخافقين من أطراف الكرة في ساعتين

стр. 214

وثلاث دقائق وخمس وثلاثين ثانية. اكتشاف أثر اكتشفت أحد علماء الآثار من الطليان في القرنة بالأقصر من صعيد مصر لحد. خ. رئيس المهندسين وزوجه من السلالة العشرين في تابوت مموه بالذهب ومعهما كتاب وآنية نبيذ وطول الناووس ١٤ متراً وطول اللحد ٢٠ وعثر في اللحد على أدوات كتابية في صندوق من موسى ودواة وقدوم ومقطع وغيرها وأثاث بيت من مثل سريرين وفراش وفنارات وصوان فيه حلي وسوط وغير ذلك.

стр. 215

المجلات الإفرنجية والعربية الأبحاث العلمية في مجلة إنكليزية بحث في أن أميركا هي التي ينبغي لها أن تعنى بمسألة تبادل الأبحاث العلمية من دعوة أساتذة الكليات وجميع المجدين في البحث والتجارب العلمية على أنحائها وبذلك تفتح طرقاً جديدة للارتقاء وتخدم الإنسانية أجل خدمة. ولم يقصر الكاتب بحثه على الأمور النظرية بل تعداها إلى العملية فقال: أن ذلك يتأتى بتوحيد الإدارة ولا تأتي نتيجة ذلك في يوم بل يقتضي لها زمن والذي يهم أن لا يرأس كل فرع من الأبحاث رجل مقتدر بل أن يرأسه أقدر رجل شاباً كان أو شيخاً ويمده بأسباب أي بالأدوات وبخزانة كتب. الحسر في مجلة ألمانية مقال في الحسر أو قصر البصر ذكر فيها كاتبها تأثير الدرس وسني الدراسة في الحسر فقال أن في مدرسة فيها من التلامذة ٧٠٢ يكون معدل الحسر بين الكسالى ٢٧ في المائة وبين المجتهدين ٣١ في المائة وفي أولاد القرى ٢١ في المائة حسر وفي أولاد العملة ٢٦ وفي المتعلمين بعض تعليم ٥١ في المائة وأن الحسر آخذ في الازدياد بين البشر وقد ارتقى في بعض المدارس منذ بضع سنين من ٢٧ إلى ٩١ في المائة بين الصبيان ومن ٣٨ إلى ٩١ في المائة بين البنات و٥٦ في المائة وبحساب آخر ٥١ في المائة من الحسر يكون آباؤهم حسراً. أما الحسر فليس فيه تأثير كبير وقد ينفع في الكبر ويأتي صاحبه بنتائج حسنة. اليابان والإنكليز واليهود في مجلة فرنسية مقالة بأن بعض سكان الأمة اليابانية القدماء يشبهون سكان الإنكليز وأن أصل بعض سكان يابان من جزائر ماليزيا جاءوها طوارئ وأن اليابانيين يشبهون في صورهم وسحناتهم الإسرائيليين كما أن الإنكليز من نسل الإسرائيليين أيضاً. وقد قال نخبة من رجال اليابان المنورين بأن اليهود الذين خرجوا من الباب الشرقي من بابل انتهى بهم السير إلى يابان ومثل الكاتب صور اليهود في سيرهم إلى تلك البلاد القاسية فكانت مظلاتهم وعصيهم وراياتهم تشبه ما عند اليابان اليوم منها وإن أبناء إسرائيل ساروا في بلوغهم أرض يابان طريق البحر والبر واستخدموا المركبات وأن في بلاد يابان أثراً

стр. 216

عظيماً للوصايا العشر وبعض القوانين الدينية المعروفة عند إسرائيل وأن قصة ملكة سبأ التي أغوت سليمان على ما في التوراة مشهورة جداً بين بعض طوائفهم وأن فيها آثار الحية النحاس التي شاهدها موسى في مصر فإن اتحد اليابان والإنكليز فاتحادهم اتحاد بين إسرائيل ويهوذا. المسكرات في إحدى المجلات العلمية بحث مستفيض في صحة النفس جاء فيه أن تكوين الأخلاق مهم كالعناية بصحة الجسد وأن المسكرات من أعظم ما يحول دون تربية الإرادة وإنشاء الملكات الحسنة في الأعمال. فرعون جديد كتب المسيو ماسبرو شيخ علماء الآثار المصرية مقالة تحت هذا العنوان في مجلة مصر والشرق الفرنسية جاء فيها: أن الفراعنة كثيرون كلما سجلت أسماؤهم بالدستات والعشرات ظهر إلى عالم الوجود غيرها وهذا الفرعون الجديد من السلائل الأخيرة التي حكمت مصر أخيراً وهي ممن نقرأ تاريخها فيما كتبه اليونان المعاصرون واسمه يساميتيك بن نايث ظهر في الصعيد بين خرائب صفون وقد قام إزاء منارة هذه القرية بقايا بناء بارز من الأرض وسافان من حجر رملي طولهما نحو متر وطول هذا البناء من الشرق إلى الغرب أربعة أمتار وقد تهدم طرفاه ولكن وجه حجر البناء باق بحاله وهناك صورة ملك يعبد جالساً أمام رب ووراءه الاهة واقفة وقد تهدمت رؤوس هذه الهياكل وما أحاط بها من الخطوط ولم يقرأ منها إلا خط هيروغليفي واحد ذكر فيه أن الملك يساميتيك بن نايث ماناخابراي هو الذي شاد هذا المعبد بحجر أبيض جيد متين ليبقى على الدهر. وحجارة هذا المعبد كانت بحائط مصلى أشبه بالمعابد التي أقامتها كاهنات عمون في ثيبة. ويظن أن هذا الملك من البطالسة المتأخرين وربما رد عهده إلى أربعمائة سنة أو إلى مائتي سنة أو مائة سنة ق. م وكان هو الرابع المدعو بهذا الاسم والذي اغتنم انتقاص الفتى كورش صاحب فارس ليكون مستقلاً بالفرس والظاهر أن يساميتيك اسمه العلم وماناخابراي اسمه الحقيقي ويغلب على الظن أنه من السلالة الحادية والعشرين. النيل الأزرق

стр. 217

المشرق - في مقالة اكتشاف اليسوعيين للنيل الأزرق أن القدماء منذ قرون عديدة يبحثون عن منشأ النيل وعن مخرج ينابيعه وانجلى ذلك كل الجلاء باكتشاف أصل النيل المعروف بالأبيض من بحيرتي فكتوريا نيانزا والبار عند خط الاستواء وفي هذا النيل الأبيض يصب قرب الخرطوم النيل الأزرق المدعو ببحر الغزال وكان أصله مجهولاً فوفق إلى اكتشافه أحد الآباء اليسوعيين الأب دايز الذي أرسل إلى الحبشة ليدعو أهلها إلى الكثلكة وكان ذلك في القرن السابع عشر وبعد وفاته بنحو ١٥٠ سنة قدم الحبشة جمس بروس من أعيان الإنكليز وادعى أنه هو الذي اكتشف ينابيع النيل الأزرق الذي دعاه سفر التكوين بنهر جيجون ويدعوه الحبشان اباوي أي النهر الكبير. ومما قاله ذاك اليسوعي أن النيل عند خروجه من بحيرة باد أغزر منه عند انصبابه فيها وهو مع كثرة مياهه يتسع اتساعاً بالغاً حتى أن المشاة في فصل الصيف يمكنهم قطعه وقال أنه أتيح له أن يشاهدها ما تاق إلى كبار الرجال والفاتحين ككورش وكمبيس واسكندر ذي القرنين ويوليوس قيصر. مالية مصر المقتطف - زادت واردات القطر المصري أكثر من مليون جنيه سنة ١٩٠٥ عن التي قبلها فكانت ٢١. ٥٦٤. ٠٧٦ جنيهاً وبلغت قيمة الصادرات ٢٠. ٣٦٠. ٢٨٥ وكانت في السنة التي قبلها ٢٠. ٨١١. ٠٤٠ فنقصت نحو نصف مليون جنيه. وقدر ديون الأهالي بأربعين مليون جنيه أي أنها زادت كثيراً ولا يخرج من رباها إلى خارج القطر أكثر من مليون ونصف في السنة. وينفق السياح في القطر مساناة نحو مليون جنيه. فنقصت من ثم ثروة مصر في العام الماضي أكثر من ثلاثة ملايين من الجنيهات عما كانت عليه سنة ١٩٠٤. ورد ما يعترض به بعضهم ويستدلون به على غنى القطر من أن ثمن الفدان كان منذ بضع سنين نحو عشرين جنيهاً وهو يساوي الآن ستين جنيهاً على الأقل أي أن ثمن أطيان القطر المصري كان مائة مليون جنيه فصار الآن ثلاثمائة مليون جنيه فقال أن دخل أطيان القطر كان يطعم ويكسو عشرة ملايين من النفوس من غير أن يستدينوا قرشاً من الخارج فهل يطعم ويكسو الآن ثلاثين مليوناً من النفوس من غير دين؟ وكانت الواردات في العام الماضي في ثمن الحبوب والدقيق والنقص في أثمان القطن ولا يتلافى ذلك إلا بتعميم الري الصيفي وإحياء الأرض الموات حتى يزرع القطن في مليوني فدان على الأقل

стр. 218

بدلاً من زرعه في مليون ونصف وأن يعنى بتسميده وخدمته حتى ينبت القطر من عشرة ملايين إلى اثني عشر مليون قنطار. ورأى أن لا يستند القطر إلى زراعته فقط وأن يعنى ولاة الأمر فيه بإيجاد موارد صناعية له حفظاً لثروته. النوم المقتطف - عرب عن مجلة العلم العام الأميركية مقالة في النوم جاء فيها: أن أفضل ضجعة للنوم أقلها مساساً بعمل الأعضاء الرئيسية كالقلب والرئتين والكبد والمعدة والشرايين الكبيرة وهي ما مال الجسم فيها على البطن قليلاً كما تفعل ذوات الأربع. وليكن الرأس على مساواة القدمين في الارتفاع ما أمكن والذراعان والساقان بحيث لا تضغط الأعصاب والأوعية الدموية. أما النوم على الظهر فلا يستصوب لكي لا يقع الضغط مدة طويلة على الأنسجة المجاورة للعمود الفقري التي تستمد أعصابها منه فيوقع الخلل والاضطراب في الأعصاب التي تحرك الأوعية الدموية. ثم أن البطن يضغط الأوعية الدموية الكبيرة فيختل سير الدم فيه أيضاً. وعليه فلا يجوز الاستلقاء على الظهر مدة قصيرة. ويجب أن تكون حرارة الأطراف مثل حرارة سائر الجسم عند النوم لأنه إذا كانت القدمان باردتين تأخر النوم وكان خفيفاً. ومن الجهل أن تملأ المعدة طعاماً قبل النوم فإن ذلك يقلق النائم ويؤرقه مثل الجوع ولكن أكل شيء قليل قبيل النوم ليس مضراً بل مفيد على الغالب. وأفضل النوم ما كان ليلاً وما كان منتظماً ومتواصلاً غير متقطع على أن من الناس من ينام نوماً متقطعاً غير منتظم سواء في الليل أو في النهار ولا يناله أذى من ذلك كالمرضعات والممرضات والبحارة وكذلك من يشتغلون أشغالاً عقلية تقتضي حصر انتباههم في موضوع واحد كالأطباء والمحامين وغيرهم. واتفق الناس على أن النوم الباكر والنهوض الباكر من دعائم الصحة وأن الجسم أحوج إلى النوم شتاءً منه إليه صيفاً ولكن الاختلاف كثير على فتح النوافذ أو إغلاقها مدة النوم في المدن الكبيرة ولقرى الحقيرة وبين الأغنياء والفقراء على السواء على أن مما لا ريب فيه أن النوم والشبابيك مفتوحة بحيث لا يتعرض النائم لمجرى الهواء أفضل للصحة واحفظ وإذا زادت حموضة المعدة قبل النوم أو تأرق النائم فعليه باستعمال قليل من كربونات الصودا أو مسحوق فحم الحطب.

стр. 219

إطالة القامة طبيب العائلة - الألعاب الرياضية كلعب الكرة والتمرين العضلي على أشكاله مفيدة ونافعة جداً ومن نشأ على تلك الألعاب لابد أن يكون أطول قامة متى صار رجلاً. ذكر الأستاذ مكلرن أن الرياضة ليست نافعة لإطالة القامة فقط بل مفيدة جداً في تناسب الأعضاء ولولاها لزال الجمال والرونق. ويزداد النمو بازدياد الصحة ويقل بسبب المرض والسكنى في الأرياف أصح منها في المدن وعلى جودة الصحة يتوقف النمو وطول القامة والشغل المعتدل يزيد القامة والعمل الشاق يقلل نموها والنمو في الصيف يكون على أتمه. كيف نأكل طبيب العائلة - بحث في تفضيل البقول وغيرها من الأطعمة على اللحوم والفول والفاصوليا والعدس والحمص وفيها من الآزوت والكربون ما يفوق كثيراً الكمية الموجودة في أحسن أصناف اللحوم ولا ينبغي أن تغلى الخضر الطرية بالماء الكثير لئلا تفقد ما فيها من الأملاح والمواد الآزوتية ويسلق البيض سلقاً خفيفاً وصفار البيض والنخاع والمحار تحتوي عناصر فسفاتية تفيد كثيراً في أحوال التعب الدماغي أو التعب العصبي والسلق والهليون يفيدان المصابين بفقر الدم والأنيميا والتدبير الغذائي النباتي يمتاز على التدبير الغذائي الحيواني بكمية الآزوت اللازمة لقوام الأنسجة وبالكربون الذي يحفظ الحرارة الحيوانية وهو يوافق جميع الأمزجة ويلطف الأخلاق.

стр. 220

نصيحة حكيم كتب إلينا شيخ من شيوخ العلم وحكماء الإسلام بالنصائح الثلاث الآتية: الأولى - أن لا تلتفت إلى شغب المشاغبين ولا تكترث بهم وإن جلوا فإن الحكيم من يسعى إلى إتمام المقصد وأقل ما يستفيد المشاغبون إضاعة وقت من اكترث بهم وإن قل فالوقت ثمين. بل أقبل على شأنك واعرف مقتضى زمانك. الثانية - لا يمنعك تنكيت المنكتين والمبكتين من تنبيهك على غلط فرط منك فيما سلف فكلما عثرت على شيء من ذلك في عدد فنبه عليه فيما يلي فإن ذلك أقرب إلى الاعتماد على ما تكتب وأكثر العلماء الذين انتفع الناس بكتبهم كانوا على هذه الطريقة ولم يتنكبها إلا الحشوية ومن نحا نحوهم. الثالثة - اعرض عمن يبحث عن تفضيل بلدة على بلدة ونحو ذلك فإن مثل هذا من مباحث الحشوية وقد سألني منذ أيام أحد السياح عن حد المصري والسوري فقلت له المصري من ينفع مصر والسوري من ينفع سورية وكل من نفع بلدة فهو منها طبعاً فالمصري الذي ينفع سورية مصري سوري والسوري الذي ينفع مصر سوري مصري ومن لا نفع لديه لكلتيهما فهو ليس بمصري ولا سوري وقد انتبهت أمريكا لهذه الحكمة الكبرى فجعلت كل من نفع أمريكا نفعاً ما أمريكياً فنجحت.

стр. 221

العدد ٥ - بتاريخ: ٢٢ - ٦ - ١٩٠٦

стр. 222

صدور المشارقة والمغاربة القاضي الفاضل ولد سنة ٥٢٩ وتوفي سنة ٥٩٦ هذا هو الرجل الذي قال فيه عبد اللطيف البغدادي أحد فلاسفة الإسلام: دخلنا عليه فرأيت شيخاً ضئيلاً كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام وكأنه يكتب بجملة أعضائه. . . وسألني مسائل كثيرة ومع هذا فلا يقطع الكتابة والإملاء. هو عبد الرحيم بن علي البيساني نسبة لبيسان إحدى بلاد فلسطين الملقب بالقاضي الفاضل. قيل أن سبب تعلمه الإنشاء ما روي له من أنه قال: كان فن الكتابة بقصر في زمن الدولة العلوية غضاً طرياً وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكاناً وبياناً، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطاناً، وكان من العادة أن كلاً من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع أشياء من علم الأدب. قال: فأرسلني والدي وكان ذا ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ وهو أحد خلفائها وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات وكان الذي ترأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن الخلال. فلما حضرت إلى الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبتي رحب بي وسهل. ثم قال لي: ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات فقلت ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة. فقال: في هذا بلاغ. ثم أمرني بملازمته فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه أمرني: بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني أن أحله مرة ثانية فحللته. وصف العماد الكاتب من كتاب الدولة الصلاحية المترجم به على طريقته في الكتابة فقال: رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة: والفضل الذي ما سمع في الأوائل، ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط

стр. 223

الملك بآرائه، رابط السلك بلألائه، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصنعة، خير بضاعة، أين قس عند فصاحته، وابن قيس في مقام حصانته، ومن حاتم وعمرو في سماحته، وحماسته. طريقة القاضي الفاضل هي كطريقة العماد الكاتب في الأسجاع المنمقة المحبرة ولقد استحكمت هذه الطريقة في القاضي حتى صار يكتب فيها كأنها فيه طبع لا مسحة عليها من التكلف والتعمل. وهي الطريقة التي نقلها العماد الكاتب الأصفهاني عن الفارسية في الغالب ولم تكن شائعة بالعربية في بلاد الشرق وقد برز فيها صاحب الترجمة حتى فاق المتقدمين. قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها. وكثيراً ما يقع للفاضل عبارات تكاد تكون من دلائل الإعجاز على بيانه، ومن أسرار البلاغة التي يسمو بها على أقرانه. مثل قوله في صفة قلعة شاهقة ويقال أنها قلعة كوكب: وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة، عمامة، وانملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. ولقد نال القاضي الفاضل الحظوة من صلاح الدين يوسف بن أيوب بإنشائه حتى أنه لم يكن وزير الإنشاء عنده بل مدبر أمور مملكته وله من الدالة ما للولد على الوالد أو الوالد على الولد حتى استشاره السلطان يوماً في الحج فلم يسمح له وقال له أن رفع مظلمة عن أهل وادي الزبداني أفضل من الحج إلى بيت الحرام على ما جاء في كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين النورية والصلاحية. وفي هذا التاريخ من أحواله وانموذجات من إنشائه تدل على ماله من المنزلة السامية في قلب السلطان صلاح الدين والمكانة من تدبير أمور مملكته ودولته. وكان القاضي يعمل الخيرات ولم تشغله مصالح الدولة عن النظر فيها وإقامة معالمها وحبس الأوقاف على وجوهها النافعة وإكرام العلماء والأدباء قصاده من أقطار البلاد الإسلامية في عصره. كل هذا وكان في وقته متسع لطلب العلم ومذاكرة أهله وخطب ودهم وقربهم. وناهيك بأشغال تقتضيها أمور الدولة على ذاك العهد المحفوف بالمخاوف والفتن.

стр. 224

واستمرت حال القاضي على ما كانت عليه زمن الملك الناصر صلاح الدين عند ولده الملك العزيز وكان يميل إليه في حياة أبيه. ولما توفي العزيز قام ولده الملك المنصور بالملك بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين وتوفي أول دخول الملك العادل أبو بكر بن أيوب إلى الديار المصرية وقد نال بصناعة الإنشاء ما عز نيله على المحدثين والقدماء ولسان حاله ينشد لابن مكنسة الإسكندري وكثيراً ما كان يرددهما. وإذا السعادتك لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان

стр. 225

النهضة الأميركية قال أحدهم إن مبدأ حماية التجارة الحديث أي حصر المباراة الأجنبية وتنشيط التجارة الداخلية وجعلها حرة ما أمكن كان صفة من الصفات اللازمة لسياسة الرجال الذين قاموا في عصر مونرو بتأسيس الممالك. وهذه الحماية الحديثة هي في الأكثر من عمل الأميركيين فأراد زعماء الأمة عملاً بمبدأ مونرو أن يدفعوا عن أميركا فساد المفسدين كما هو الحال في حماية ولد قاصر تنثني قدماه لأقل صلابة تلقيانها في الأرض ويطبق أجفانه بما يخطف بصره من نور الشمس المشرقة. وإذ رأى مونرو بلاده قاصرة وذات منعة وقوة طمح إلى ضمان هذه القوة فيها ليكون لسان حال كل أميركي بعد يخاطب به الأوربي: إني ذاهب إلى بلادك لأنك في حاجة إليّ ولكن لا تجيء إليَّ إذ ليست حاجتي ماسة إليك. وجاء بعد مونرو من دعم مبدأه في حماية التجارة ومن قال بحريتها المطلقة مثل الاقتصادي هنري كاري. بيد أنهم عادوا جملة إلى رأي مونرو ووجدوا فيه سلامة تلك الأمة وقالوا أن الحماية معقولة وهي القاعدة العامة التي تقوم عليها الممالك المتمدنة ثم جرت حرب من أجل حماية التجارة بين سكان الشمال والجنوب كان داعيها وضع الضرائب على القطن والتبغ وهما من المواد الأساسية في الصادرات. والتقى الحزبان بالسلاح فغلب أهل الشمال أهل الجنوب فقوي عندئذ مبدأ حماية التجارة وصارت من العناصر الحيوية للأمة إذا كانت سنة ١٨٩٠ صدر منشور ماكنلي في هذا المعنى والدعوة إلى الاحتفاظ به ولم يعف في منشوره من الضرائب الباهظة إلا واردات بعض المواد الأولية والغلات مثل السكر وأرهق بالضرائب الصوف الخشن وأنواع الحرير والحديد والفولاذ وغزل القطن والقطنية والمنسوجات المختلفة والخمور والكحول والأعمال الصناعية. فتضررت من ذلك كل من ألمانيا وإنكلترا وفرنسا. ثم جعلت الحماية سنة ١٨٩٧ من ٥٥ إلى ٦٠ في المائة من ثمر الحاصلات وعقدوا بعض معاهدات تجارية مع بعض الدول ظل فيها حق حماية تجارة الأمريكان سالماً لم يمس بسوء واحتفظ الأميركي بالدفاع عن حماه من انهيال الواردات الأجنبية عليه كما خاف على سلامة بلاده من غارة الجماعات المهاجرة إلى بلاده. ومذ ثبتت قدم الحرية في أميركا سنة ١٨٢٠ قذفت أوربا إلى العالم الجديد بسيل من البشر من طليان وألمان وسلافيين وبولونيين وبوهيميين وإنكليز واسكندنافيين وفرنسيين وصينيين. فهاجر إلى بلاد الدولار منذ سنة ١٨٢٠ إلى سنة ١٨٧٠ زهاء سبعة ملايين

стр. 226

ونصف من الخلق. وكان الصيني أكثر المهاجرين امتصاصاً لمادة البلاد. والصينيون يهاجرون وتبقى قلوبهم معلقة ببلادهم ومساقط رؤوسهم ولا تزال تحدثهم نفوسهم في غربتهم بالعودة إلى ربوعهم حتى أنهم ليضنون بجثث موتاهم عن أن تدفن في أرض الغربة فهم أشبه بطيور تمر بناحية وهي مفترسة شرسة فلا تعتم أن ترجع أدراجها وتروح إلى أوكارها القديمة حاملة في مخالبها فريسة وقنيصة. فقد قدر أن ما بعث به الصينيون المقيمون في الولايات المتحدة منذ سنة ١٨٥٣ إلى سنة ١٨٧٨ بلغ مائة وثمانين مليون دولار كانت معظمها من ولاية كاليفورنيا وبلغ من إعناتهم أهل تلك البلاد أن قامت الفتنة عليهم سنة ١٨٧٩. ومع هذا دامت مهاجرة الصينيين متواصلة. وسنة ١٨٨٨ حظرت الولايات المتحدة دخول الصينيين البلاد إلى مدة عشرين سنة ولم ينفذ هذا القانون حق التنفيذ رغم العناية بتأكيده. وما برحت الولايات المتحدة نشدد في نزول فقراء المهاجرين بلادها حتى قضت في العهد الأخير أن لا تقبل الفقير المعوز ولا المريض العاجز ما لم يقدم الداخل ضمانة مالية أو يؤكد بأن لديه مبلغاً من المال ويفحص فحصاً طبياً دقيقاً. فمن ثم باتت البلاد في مأمن من حيث الأمور الاقتصادية لا تضاهيها في ذلك مملكة في الأرض. قال باتان أحد أساتذة مدرسة فيلادلفيا الجامعة: تحتاج الأمم القوية أن تدفع عنها عوادي الأمم الضعيفة كما تحتاج الأمم الضعيفة أن تدفع عنها عوادي الأمم القوية. وقد خصت الولايات المتحدة بأن كان لها على أوربا التقدم الطبيعي فملكت سطحاً من الأرض لم تعمل فيه أيدي العاملين ولم تستخرج خزائنه وخيراته. وفي أوربا يثقل كاهل الناس بضرائب باهظة لأن ثروة الأرضين قد احتكرها أفراد معلومون. حتى لقد تضطر الحكومات أن تضرب ضرائب على أجور العمال. وهي ضريبة لا أثر لها في أميركا. ولذا قضت الحال على هذه البلاد أن تحتفظ بمبدأ حماية تجارتها سواء كان في الحاصلات الزراعية أو في النواتج الصناعية وإذا خفضت حكومة الولايات المتحدة الرسوم الجمركية ونزعت ما يحول دون تلك الحواجز من مطامع الأمم تنهال غلات الأمم الزراعية أي انهيال ويحدث لها نفوذ في الأسواق الداخلية وتق أثمان وارداتها بحيث تجاري الغلات الأميركية وتباع أسهل بيع بحيث تصبح أميركا وهي تؤدي دخلها العقاري لتلك الأمم المزارعة فتتضرر الأجور للحال

стр. 227

ويهدد نجاح صناعة الأمة من هذا الوجه فتجارة الولايات المتحدة لا تحمى لكونها في حالة الطفولية بل حباً بالاحتفاظ بعلو مرتبتها الحاضرة المحققة في أوربا. ولقد عظمت النتائج الاقتصادية بهذا الفكر فتضاعف عدد الأماكن في ثلاثة أرباع قرن كما تضاعفت القوة الصناعية وارتقى عدد الغلات من ١٥ ملياراً إلى ٦٥ ملياراً. ويظهر من تقرير نشره مكتب الإحصاء في واشنطون منذ سنتين في معنى تجارة أميركا مع العالم أجمع أن الولايات المتحدة أول قوة اقتصادية في الكرة الأرضية ولإنكلترا المقام الثاني. ففي الولايات المتحدة ينبت ٧٥ في المائة من مجموع غلات القطن في العالم وهي تحرص على إبقائها لمعاملها الخاصة. من أجل ذلك ما فتئت تبني المعمل إثر المعمل حتى زادت الآلات في معاملها ٢٢ في المائة على حين لم تزد في معامل أوربا على عشرة في المائة. ومن جملة ما بني معمل فيه خمسمائة ألف آلة ومغزل و١٢ ألف نول في ضواح سان لويس. تلك المدينة التي قام فيها معرض أميركا سنة ١٩٠٤ في بقعة مساحتها خمسمائة هكتار من الأرض وكلف من النفقات ٢٥٠ مليوناً وهو ضعفا معرض شيكاغو سنة ١٨٩٣ وأربعة أضعاف معرض باريس سنة ١٩٠٠. معرض دهش له عالم الصناعة والتجارة. ولا غرو في هذا فإنك تعرف مقدار ارتقاء هذه الأمة من أرقام وارداتها وصادراتها فقد كانت وارداتها سنة ١٨٩٧_٩٨، ٣٠. ٠٨٠. ٢٤٨. ٢٧٠ فرنكاً وصادراتها ٦. ١٥٧. ٤١١. ٦٥٠ فرنكاً ومجموع تجارتها ٩. ٢٣٧. ٦٥٩. ٩٢٠ فرنكاً وارتقت وارداتها سنة ١٩٠٢_٩٠٣ إلى ٥. ١٢٨. ٧٥٧. ٦٤٠ وصادراتها إلى ٧. ٤٠٠. ٦٩٠. ٠٧٠ ومجموع تجارتها إلى ١٢. ٢٢٩. ٤٤٧. ٧١٠ ومن ذلك يدرك القارئ ولاشك ما تم من النجاح في تلك البلاد بفضل مبدأ مونرو وهو كما وصفه أحد علماء الألمان الإنجيل السياسي الذي تراه معلقاً في شوارع الولايات المتحدة لعهدنا وبفضله كفت عنها غارة الأوروبيين ووقيت سوء المغبة في شؤونها المالية. ٦ الآشوريون والبابليون بلاد الكلدان

стр. 228

وصفها - ينبجس من قمم جبال أرمينية المغطاة بالثلوج نهران سريع جريهما بعيد غورهما وهما الرافدان دجلة والفرات الأول من الشرق والثاني من الغرب. يتقاربان أولاً ثم يتباعدان عند بلوغهما السهل فيستقيم دجلة في جريته وينعطف الفرات في صحاري الرمال ثم يجتمع النهران قبل أن يصلا إلى البحر. فالبلاد التي يجتازها هذان النهران هي بلاد الكلدان. وهي سبسب من صلصال تمطره السماء قليلاً وتشتد فيه الحرارة والقيظ بيد أن الأنهار تسقي بجداولها هذه الأرض الصلصالية فتصيرها من أخصب بقاع الأرض وأنبت قيعانها. وأن حبة القمح والشعير لتأتي مائتين وفي أعوام الرخاء ثلاثمائة. والنخيل في تلك البلاد غابات غبياء يستخرج منه الخمر العسل والطحين. الأمة الكلدانية - باكرت الحضارة بلاد الكلدان في العهد الذي باكرت فيه مصر فسكنتها شعوب متمدنة. وقد هاجر إليها عدد من الأجناس من أصقاع كثيرة فاجتمعوا وامتزجوا في هذه السهول الفسيحة الأرجاء. جاءها من الشمال الشرقي ناس من التورانيين أهل اللون الأصفر وهم يشبهون الصينيين وأتاها من الشرق طائفة من الكوشيين ولونهم أسمر قاتم وهم أنسباء المصريين ونزل إليها من الشمال فئة من الساميين وألوانهم صافية وهم أقرباء العرب فتألف الشعب الكلداني من هذا المزيج. مدنها - زعم كهنة الكلدان أن ملوكهم تبسطوا في مناحي السلطة منذ مائة وخمسين ألف عام وهو زعم خرافي يعذرون عليه لأن الحامل لهم عليه توغل مملكة الكلدانيين في القدم. هذه الأرض تتخللها هضاب وآكام كلها كومة أنقاض من بقايا بلد عفته طوارق الدهر. وقد فتح كثير منها وأخرجت منه عدة دفائن مثل أور ولارسام وبال ايلو وظفر الباحثون بعدة آثار. وما برح أمر هذه الشعوب مستوراً عن الأنظار مجهولة حقيقتهم على أرباب الأفكار على أنه من المأمول أن يظفروا بكتابات جديدة في الأماكن الكثيرة التي لم تتناولها الأيدي بالحفر واستخراج الدفائن. وبعد فقد دعت هذه الأمم نفسها بالسوميريين والاكاديين وانقرض ملكهم حوالي سنة ٢٣٠٠ قبل المسيح وربما كانت إذ ذاك في إبان قدمها فيرد عهدها إذاً إلى ثلاثين قرناً قبل الميلاد على الأقل. الآشوريون أشور - هذه البلاد واقعة وراء بلاد الكلدان على شاطئ دجلة وهي مخصبة التربة قائمة

стр. 229

على تلعات كثيرة فيها وأحادير. تخترقها هضاب وتتخللها صخور. تثلج فيها السماء في الشتاء لقربها من الجبال وتهب عليها الأعاصير في الصيف. أصولهم - زخر بحر العمران في بلاد الكلدان فكان فيها أمصار عاش فيها الآشوريون خاملين في جبالهم وقد أغار ملوكهم بجيوشهم الجرارة في القرن الثالث عشر على السباسب والفدافد فأسسوا مملكة ضخمة عاصمتها نينوى. أساطير قديمة - لم نكد نعرف عن الآشوريين منذ أربعين سنة إلا قصة ذكرها ديودورس الرومي من أهل جزيرة صقلية وقيل إن نينوس بنى مدينة نينوى وافتتح آسيا الصغرى جملة واستخضعت امرأته سميرا ميس بلاد مصر وكانت من الأرباب فاستحالت بعد حمامة فخلفها ملوك خاملون مدة ١٣٠٠ سنة. حوصر آخرهم في عاصمته واسمه ساردانابال فحرق نفسه ونساءه إلى ما شاكل ذلك من الأقاصيص التي قل فيها الصدق وأعوزت كلمة الحق. نينوى - هذا ما عرف عن مملكة أشور القديمة إلى أن اكتشف المسيو بوثا قنصل فرنسا في الموصل سنة ١٨٤٢ أطلال قصر عظيم بالقرب من قرية خراساباد الحقيرة وقد غشيتها رمال صيرتها رابية. وهذه هي المرة الأولى التي شوهدت فيها الصناعة الآشورية بمظهرها ووجدت الثيران المجنحة بالأحجار سالمة مائلة على باب القصر. وقد جيء بها إلى باريس فجعلت في متحف اللوفر. ولقد استلفت بوثا بحفرياته أنظار أوربا فأنفذت بعثات كثيرة وخصوصاً الإنكليز. توفر بالاس وليارد على الحفر في آكام أخرى فاكتشفت قصور غير هذه. سلمت هذه الخرائب لجفاف الهواء في تلك الأرجاء وبما غشيها من طبقات التراب. ثم أنه عثر على جدران مغشاة بنقوش بارزة وصور وتماثيل وكتابات كثيرة فتسنى درس حال تلك العمارات في أماكنها وأخذت عنها صور المعاهد والنقوش. وأول ما اكتشف قصر خراساباد وهو الذي بناه الملك سراغون مكان نينوى عاصمة ملوك أشور وهي قائمة على عدة هضاب يحيط بها سور ذو أبراج مربع الأضلاع ذرعه ٢٦٠ غلوة (نحو ٤٣ كيلومتراً) وقد بني خارج الجدران بالقرمد وداخله تراب مهيل. أما دور المدينة فقد دثرت ولم يبق منها أثر ضئيل ولا رسم محيل بيد أنه ظهرت عدة قصور شادها غير واحد من ملوك أشور. وقد ظلت نينوى عاصمة الملوك إلى أن أوغل الماديون

стр. 230

والكلدانيون في أحشاء مملكة أشور ومزقوها شذر مذر. كتابات القرمد - يتألف كل حرف في الكتابات الآشورية من مجموع علامات على شكل سهم أو زاوية ولذلك دعي هذا الخط بالخط المسماري وكانوا يستعملونه خنجراً مثلث النصل في آخره حد مثلث الأضلاع لرسم هذه العلامات يبلونه في صحيفة من الخرف الرطب ثم يدخلونه التنور فيصير صلداً لا ينمحي أثره. وقد كشفت في قصر اسوربانيال مكتبة تامة من الصفائح قام فيها القرمد مقام الورق. الخط المسماري - غالى جملة من رجال العلم في حل هذا الخط أعواماً كثيرة فتعذرت عليهم قراءته إذ كان لأول عهده يستعمل في كتابة خمس لغات متباينة وهي الآشورية والسوسية والمادية والكلدانية والأرمنية. دع عنك الفارسية القديمة. وكانت تلك اللغات مجهولة فدامت اللغة التي نتكلم عليها الآن مشوشة كل التشويش لأسباب عديدة أهمها تكبها من خطوط رمزية ينوب كل منها مناب كلمة مثل شمس رب سمك ومن خطوط ذات مقاطع. ولأن لهذه اللغة نحو مائتي خط ذي مقاطع يتشاكل بعضها مع بعض ويسهل التباسها وإشكالها ولأن الخط الواحد كثيراً ما ينوب عن كلمة وعن مقطع ولأن الخط الواحد يقوم مقام مقاطع مختلفة بمعنى أن خطاً واحداً يقرأ ايلو تارة وآن طوراً وهو أصعب هذه الصور وأشكلها. كان هذا الخط عسراً حتى على من يكتبونه. ونصف ما لدينا من الآثار المسمارية هو كتب إرشادات من نحو ولغة وصور مما ساعد على حل النصف الآخر فتأتى الرجوع إليها في حل المشكلات على ما كان عليه شأن المتعلمين في مملكة أشور منذ ٢٥٠٠ سنة وقد أفلح العلماء في حل الكتابات الآشورية كما أفلحوا في حل الكتابات المصرية. فكانت لهم كتابة مستطيلة في لغات ثلاث آشورية ومادية وفارسية ونفعت الفارسية ف حل غيرها. الشعب الآشوري - فطر الآشوريون على حب الصيد والحرب وأن نقوشهم لتمثلهم مدججين بالأقواس والرماح راكبين صهوات الخيول بحيث ساغ أن يوصفوا بأنهم كماة مجال وأبطال يحسنون الكر والفر. وأن استوى في أعينهم رواحهم إلى مناوشة ومغداهم في حرب زبون. ولقد عرفوا بالخيانة وسفك الدماء فوطئوا آسيا ستة قرون وخرجوا من جبالهم يغيرون على جيرانهم. ولطالما آبوا من غزواتهم وقد أسروا شعوباً بأجمعها والظاهر أنهم

стр. 231

يناشبون غيرهم القتال لمحض حب السفك والتدمير والنهب فإنهم أشد خلق الله بأساً وأقساهم قلوباً. الملك - رأى الآشوريون لملكهم الخلافة عن الله في الأرض جرياً على العادة الآسياوية فأطاعوه طاعة عمياء وبذلوا في حبه مهجهم. فكان الملك عندهم سيداً مطلقاً في حكمه رعاياه مهما اختلفت طبقاتهم يدعوهم إلى حمل السلاح تحت لوائه فيقاتل بهم شعوب آسيا حتى إذا قفل منصوراً يصور مآثره على جدران قصره ذاكراً انتصاراته وما ناله من الغنائم وحرقه من المدن وذبحه من الأسرى وسلخه من أحيائهم. الحملات - إليك بعض فقرات من نشرات الحروب قال اسورنازير هابال عام ٨٨٢: إنني عمرت جداراً أمام أبواب المدينة العظمى وسلخت جلود زعماء الثورة وغطيت هذا الجدار بجلودهم وقد دفن بعضهم أحياء في أسا البناء وصلب فريق آخر وجعلوا على أوتاد في الحائط وسلخت جلود كثيرين في وكسوت الحائط بها وجمعت رؤوسهم على هيئة التيجان وضممت جثثهم إلى أشكال الأكاليل. وكتب توكلابالازار عام ٧٤٥ ما نصه: حبست الملك في عاصمته ورفعت كوماً من الجثث أمام الأبواب. هدمت مدنها كلها ودمرتها وأحرقتها وأقفرت البلاد وصيرتها آكاماً وقاعاً صفصفاً ينعق فيها بوم الخراب. وقال سنحاريب في القرن السابع: انطلقت كالعاصفة المدمرة فسبحت السروج والأسلحة في دماء الأعداء كلها في نهر والتراب مبلل وجمعت جثث جندهم كما تجمع الغنائم وبترت أطرافهم وقضقضت عظام من أخذتهم أحياء على نحو ما تقصف التبنة وقطعت أيديهم عقاباً لهم بما جنت أيديهم هذا وقد صورت في إحدى النقوش التي تمثل مدينة سوس وهي ترد إلى عهد اسوربانيبال وشوهدت فيها رؤوس المغلوبين يعذبهم الآشوريون وقد صلمت آذان بعضهم وسملت أعين آخرين ونتفت لحاهم. وهناك رجل يسلخ جلده وهو حي مما دل على أن أولئك الملوك كانوا يرتاحون إلي ما يتم على أيديهم من الحرائق والمذابح والعذاب. خراب المملكة الآشورية - بدأت هذه الطريقة في الحكم في القرن الثالث عشر زمن الاستيلاء على بابل وذلك نحو عام ١٢٧٠ وظل الآشوريون منذ القرن التاسع يسرحون الحملات ويشنون الغارات حتى أخضعوا وإن شئت فقل خربوا بلاد بابل وسورية

стр. 232

وفلسطين ومصر وكان المغلوبون يثورون في غضون تلك المدة بلا انقطاع والمذابح قائمة على ساق وقدم. ثم ضعفت قوى الآشوريين واتحد البابليون والماديون فقلبوا عرش مملكتهم نينوى عاصمة بلادهم سنة ٦٢٥ وهي المدينة التي سماها أنبياء بني إسرائيل عرين الأسد ومدينة الدم والغنيمة فتيسر الاستيلاء عليها وخربت فلم تقم لها قائمة بعد. قال النبي ناحوم (خربت نينوى فمن يشفق عليها يا ترى؟).

стр. 233

مقاصد المؤلفين الانتقاد في البشر خلة يجيدون فيه بحسب ما رزقوا من القوى العقلية واستنبطوا من الأسرار العلمية والمرء في الغالب لا يرى عيوب نفسه ويحتاج أن يدله دال معتدل عاقل عليها. وكلك المؤلف وما تأليفه إلا بضعة من نفسه وحسنة من حسناتها أو سيئة من سيئاتها. ولكن ما يسوغ للقرين أن يقوله لقرينه لا يسوغ للعامي أن يقوله للخاصي ولا للغائب أن يعرضه على الحاضر. ومن الأسف أن سرعة الحكم فاشية في المشرق مستحكمة من نفوس أهله فنرى أحد المتعلمين من أبنائه إذا ألقي إليه كتاب ينظر فيه أسطراً ويحكم على المؤلف حكمه المسمط الذي لا يقبل النقض ولا الرد دون أن يعرف مقصده أو يقرأ كتابه برمته أو مقدمته على الأقل. ولطالما كتب بعضهم تقريظاً على بعض الكتب بمجرد تلاوة صفحة من كتاب وسلق كاتبه بالسن حداد لجملة رآها فيه وربما فاته تدبر السياق والسباق وكان ما انتقده منبهاً عليه فصار الناقد ومقصد المؤلف على طرفي نقيض ينتقد عليه ما لو كان قرأ مقدمته على الأقل لما ألقى القول على عواهنه وحكم ابتساراً وافتئاتاً. وبعد فإن كتب العلم كالبضائع تعرض في السوق فتتناولها الأيدي بحسب الرغبات فكما أنه لا يحق لمن نزل السوق لابتياع ثوب أن يعترض على قماش لا يوافق ذوقه وحالته إذ أن الناس من لا يرغب في غير هذا الضرب من النسيج فإنه لا يسوغ لمن يعد نفسه من طبقة العالمين أو المعلمين أو المتعلمين أن يزيف قولاً لقائل دون النظر في المبدأ والغاية والأصل والفرع. لابد لكل مؤلف من غاية يرمي إليها في تأليفه يفهم ذلك في الغالب مما رتبوا كما قال ابن ساعد في صدر كل كتاب من تراجم تعرب عنها سموها الرؤوس وهي ثمانية: الغرض والمنفعة والسمة والواضع ونوع العلم ومرتبة ذلك الكتاب وتربيته ونحو التعليم المستعمل فيه. قال وكتب العلوم لا تحصى كثرة ككثرة العلوم وتفننها واختلاف أغراض العلماء في الوضع والتأليف ولكن تنحصر من جهة المقدار في ثلاثة أصناف: مختصر لفظها أوجز من معناها وهذه تجعل تذكرة لرؤوس المسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني والعبارات الدقيقة ومبسوطة تقابل المختصرة وينتفع بها للمطالعة ومتوسطة لفظها بإزاء معناها ونفعها عام.

стр. 234

فالناظر في كتاب يقتضي عليه بادئ بدء أن يطالعه كله حتى إذا أتى على آخره ورأى المؤلف خالف شرطاً أخذ على نفسه أن يجري عليه كأن يطيل وهو يريد الاختصار أو يختصر وهو يتوخى الإطالة أو يدخل علماً في علم أو يخبط في العبارة ويخلط في الإشارة أو يركب مركباً لا يسوغ ركوبه في التأليف كأن يكون كتابه في الأدب ويودعه صنوفاً من الخلاعة والرقاعة - إذا فعل المؤلف هذا يسوغ للمطالع بعد أن يتلو كلامه حق تلاوته أن يصدر رأيه فيما طالع ويعتدل في حكمه على كل حال. كنت مرة أطالع تاريخ ابن جرير الطبري وهو في عشرين مجلداً فلم أكد أقرأ جزأين أو ثلاثة حتى كاد يعروني الملل لكثرة ما قرأته من الأسانيد ولقيته من الحوادث قبل البعثة وأكثرها مأخوذ عن الإسرائيليات معدود في نظر المحققين من الأخبار الضعيفة. فشكوت أمري لأحد الأدباء وأشرت إلى ما ألقاه من العنت والتعب فعذلني على تطلبي لمثل هذه الأسفار المطولة وعجب من توفري على دراستها والأخذ منها فما أجبته بغير السكوت إلا أنه لحظ بالحال أنني وإياه على طرفي نقيض في هذا التصور. ثم ذكرت مثل ذلك أمام إمام من أئمة العلم فأغضى عن خطابي وتلهى عن جوابي إلا أنه قال حبذا لو ظفرنا له بمختصر فإن بعض العلماء اختصروه قديماً. وما كدت أتصفح الجزء الرابع من كتابي حتى ارتاحت نفسي إليه بعد انقباضها ولانت بعد شموسها وأخذت أطالع فيه الساعات الطويلة واستفيد منه ما لم أره غيره من قبل. وأنشأت أقيم الأعذار للمؤلف ﵀ في إطالته لأنه جعله مأخذاً للمؤرخين والمطالعين فعدَّ كتابه من الأمهات كما أنه هو من الإثبات الثقات. مضت على ذلك أيام فذاكرت الإمام المشار إليه فيما وقع في نفسي فاندفق يهدر بما جاش به صدره وأفاض في هذا الموضوع إفاضة أبانت عن ضعف المتسرعين في الأحكام على المؤلفين بما تمنيت لو كنت كلي أقلاماً تكتب ما أملاه في ساعة فمما قاله: هذا كتاب الحيوان للجاحظ ضمنه ما يلزم الطبيب والأديب فجاء عبد اللطيف البغدادي فاختصره مقتصراً فيه على ما هو أمسُّ بحاجة الطبيب وأعلق بغرضه وربما يجيء غيره فيكتفي من كتاب الحيوان بما يروق الأديب. ولما ذكرت له ما نقله الدميري من ذكر ملوك الإسلام في كتاب حياة الحيوان قال: الحق معك في ذلك لكن لا يفوتك أن الدميري ليس من علماء

стр. 235

الحيوان ولذلك كان كحاطب ليل جمع بين النافع والضار وما كان أحراه لو كان من أهل التحقيق أن يجرب بنفسه خواص الحيوانات التي ذكرها فقد كان يتيسر له هذا وإن لم يكن ذا إلمام بهذا الفن فيخفف من عناء قراء كتابه ويضمنه فوائد حسنة نافعة على أن كتابه على ما فيه قد وقع في أيدي فئة من المطالعين فاستفادوا منه واشتهر بينهم. قال وليس من الصواب الأخذ على المقري صاحب نفح الطيب لأنه لم يذكر في كتابه تاريخ الأندلس وما توالى عليها ولو أنعم الناقد نظره في مقدمة الكتاب بل في اسمه وأكثر أسماء الكتب تدل على مسمياتها لما حكم هذا الحكم وما كان نفح الطيب إلا كتاب أدب خص فيه بالذكر الوزير لسان الدين بن الخطيب وأورد بحسب ما اقترح عليه بعض أهل الأدب في الشام طرفاً صالحاً من نثره ونظمه واستطرد إلى ذكر بعض رجال الأندلس إلى عهده وجملة من أخبارها بالعرض. ثم قال وكذلك الحال في قلائد العقيان للفتح بن خاقان فإنه كتاب توخى فيه مصنفه إظهار الصناعة اللفظية وأن المترجمين هم من أهل حرفته فاقتصر من ترجمتهم على إيراد طرف من منثورهم ومنظومهم وليس كتابه كالذخيرة لابن بسام فإن هذا ترجم حقائقهم وقصد بذخيرته أن تكون نافعة في الوقوف على أحوال الأندلسيين وتصوير صفاتهم فإن تأفف بعض من تصفحوا قلائد العقيان وعابوا عليه خلوه من تاريخ مواليد المترجم بهم ووفياتهم فإن من الناس من لا يرتضون من مثل هذه الكتب إلا بهذه الطريقة الأدبية. ولكل فئة من المطالعين طائفة من الكتب تروقها ويستهجنها غيرها. هذا مثال في النقد السليم وقد كتب في القديم محمد بن ساعد الأنصاري كتاباً في أنواع العلوم وذكر النافع من كتبها كما كتب عبد اللطيف البغدادي مقالة في إحصاء مقاصد واضعي الكتب في كتبهم وما يتبع ذلك من المنافع والمضار وكتب الفارابي في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها واليوم علينا أن نتدارس ما انتهى إلينا من علم أسلافنا الأقدمين ونضيف إليه ما وصل إليه العلم عند أهله من المتأخرين ونتعلم عن الغربيين صحة النقد والحكم كما نأخذ عنهم العلم والفهم فليس العيب في الحركة وإنما العيب في الجمود والله يسددنا حتى لا ننطق عن هوى.

стр. 236

أمثال إنكليزية إذا نهيأ الإنسان للشر فكثيراً ما يغلبه. اختر الزوج بما تسمعه بأذنك أكثر مما تراه بعينك. لا تتسلق علواً مفرطاً لئلا يكون سقوطك عظيماً. الحديث العادي خير مرآة لعقل الرجل وصفاته. لا تعد فراخك قبل أن تخرج من البيض. الحسود يعيش عيشة العناء ويموت موت الأشقياء. الحيلة تحتاج إلى اللباس وأما الحق فيذهب عرياناً. ذاكرة الدائن أحد من ذاكرة المدين. الأعوج بالطبع لا يستقيم بالتربية (الطبع غلب التطبع). أجسر على عمل الخير ولو هزأ الناس بك. الازدراء بالعدو يهيجه. تبصر ملياً ثم أجر حالاً. اليأس يصير الجبان شجاعاً. البراعة تأتي من الخبرة. اختلاف القروح يوجب اختلاف المراهم. أحسن إلى من يسيء إليك فتغلبه. اعمل ما عليك وليأت ما يأتي. ما السكر إلا جنون اختياري. السكر يخرج الإنسان من نفسه ويتركه بهيمة في مكانه. التهذيب يجلي الطبائع الصالحة ويصلح الطبائع الشريرة. ليس كل اثنين زوجاً. خير ما يتعلمه الإنسان بالاقتداء وأحسن الأعمال يأتي بأحسن الأصدقاء. لكل نهار ليل ولكل مسرة حزن. لكل مد جزر. لا يصلح كل عالم للتعليم.

стр. 237

كل امرئ يحب العدل في بيت غيره ولا يبالي به في بيته. كل إنسان ينسب ذنوبه للدهر. ليكنس كل واحد قدام بيته. كل خطأٍ حامل قصاص نفسه. لكل أمر زمان يجب رصده. الخبرة أم المعارف. الجبان لا يربح أبداً. المدح الضعيف تبخيس. لا تخاصم صديقاً لأمر طفيف. الصديق الكاذب شر من العدو الظاهر. الشهرة كالنهر ضيقة عند المصدر واسعة عند البعد. النار المشتعلة بالمنفاخ والحب المغصوب لا ينفعان. لا تخش إلا العار واقتحم كل أمر إلا الضرر بالناس. الولائم حصاد الطبيب. دبدب أولاً ثم امش. استحق أولاً ثم تمنى. التمليق يجلس في صدر المكان وقول الحق يطرد إلى الخارج. آثر متابعة العقلاء القليلين على متابعة الجهلة الكثيرين. الجهال يفتحون آذانهم للتدليس ويغمضون عيونهم عن الحق. الجهال يعقدون العقد والحكماء يفكونها. القوة قد تغلب ولكن المحبة هي التي تربح فمن سامح أولاً نال الفوز. الحظ السعيد يقرع باب المرء ولو مرة واحدة. إذا لم يصل الثعلب إلى العنب قال أنه غير ناضج. الصداقة هي الوردة الوحيدة التي لا شوك لها. كلما صادقت الصداقة تمكنت.

стр. 238

الصداقة تزيد الأفراح وتشطر الأحزان. من لا شيء لا يأتي شيء. من أسلافنا يأتينا الاسم ومن أعمالنا تأتينا الكرامة. ربح المال أهون من حسن التصرف به. اربح عادلاً وأنفق رضيناً واعط بشوشاً وعش راضياً. إذا هيأت المغزل أرسل الله لك الغزل. إذا أعطيت اللئيم إصبعك أخذ يدك كلها. أبطئ في الذهاب إلى ولائم أصدقائك وأسرع إليهم في مصائبهم. بيروت يوحنا ورتبات

стр. 239

كتاب مادي بعث إلينا حضرة العالم الألمعي رفيق بك العظم بما يأتي: جاءني كتاب من ذي قرابة لي سائح في أميركا بلاد العجائب توخى فيه وصف الأشياء المادية التي لها مساس بترقي البلاد المادي دون المعنوي أي الشؤون الاقتصادية التي تفيد المهاجرين إلى تلك البلاد الشاسعة والبعيدين عنها أيضاً فرأيت أن أبعث به إليك حتى إذا رأيته نافعاً لقراء المقتبس تتكرم بنشره فيها ليرى الناس كيف يعيش ذلك الشعب الراقي في بحبوحة السعادة والراحة والغنى وكيف يحاول ذلك العالم الجديد أن يبتلع في جوفه قسماً كبيراً من العالم القديم بما يمتُّ به إليه من وسائل الكسب بالطرق العلمية النافعة وبما يشمل به النازحين إلى تلك البلاد من حقوق الوطنية الأميركية بعد مضي خمس سنين على المقيم فيها من الأجانب وكيف يعلم الشعوب دروس الآداب العالية والعلم الصحيح والاقتصاد النافع. ففله در ذلك الشعب ما أعظم همته، وأبعد في الأمور نظره، فإنه ولا نكران للحق حقيقي بالثناء، حري باقتداء الأمم به، والله أعلم بما يكون له من الشأن، ما في مستقبل الزمان، وإليك نص ذلك الكتاب: يأتي الولايات المتحدة كل سنة عدد عظيم من مهاجري أوربا وقد بلغ عدد المهاجرين في السنة الماضية نحو مليون نسمة فيهم قليل من الأرمن والروم والسوريين. ومعظم هؤلاء النازحين عبارة عن أخلاط همج من الناس لا يعرف أكثرهم الكتابة والقراءة، ولا يفقهون معنى للتربية، ولا يقيمون وزناً للأدب، وفقرهم مدقع، وعيشتهم ضنكى. تراهم بعد وصولهم إلى هذه البلاد بقليل في حال حسنة من السعادة والرفاهية. وأن بعضهم ليجني ثروة جسيمة وما ذلك إلا لانتظام الأحوال وكثرة الأعمال. ولقد زادت ثروة الأمة الأميركية وتوفرت الأشغال حتى أنك لتجدها في حاجة شديدة إلى عملة أبداً فكل فرد ينزل بينهم رجلاً كان أو امرأة يجد ما يشغله ويقوم بمعاشه وزيادة. فيأخذ العامل الغريب خمسين ريالاً مشاهرة على الأقل. وأقل أجرة يتناولها العامل الأميركي خمسة وسبعون ريالاً في الشهر (وقيمة الريال الأميركي كقيمة الريال المصري) وهذا جدول أجرة العامل هنا وهو أقل راتب شهري يناله: فمشاهرة العامل الغريب ٥٠ ريالاً والحوذي ٦٠ والطاهي (الطباخ) البسيط ٥٠ والطاهي المرتقي ١٥٠ وأجير الحلاق ٦٠ والنجار البسيط ٨٠ والدهان ١٠٠ والبناء ١٠٠ والكاتب البسيط ٥٠ والشرطي

стр. 240

(بوليس) ٩٠ وسائق الترامواي ٦٠ وأدنى مستخدم في السكة الحديدية ٧٥. وأسباب المعاش سهلة ورخيصة للغاية فالعامل الغريب يعيش بإنفاق ربع ريال إلى نصف ريال يومياً عيشاً طيباً إذ التسهيلات الموجودة هنا لراحة العيش لا أثر لها في بلادنا ولا في مصر ومن ذلك يتضح لك أنه ليس في الأمة الأميركية فقير. وأفقرهم أحسن حالاً من بك في بلادنا. ويجب أن يكون سن الغريب الذي يود الهجرة إلى هذه البلاد دون الستين وأن يكون قوي الجسم سليماً من الأمراض وإلا فلا يباح له الدخول وأن يكون معه يوم خروجه إلى البر من النقد نحو ٥٠ ريالاً أو يكون له قريب أو صديق في البلاد يقبله ويكفله وعلى كل حال ينبغي له أن يفيدهم أنه جاء ليعمل. وعلى من أراد أن يفلح من المهاجرين أن يكون سنه الثلاثين وذا إلمام قليل بالإنكليزية وأن يدخل إحدى المدارس الصناعية لدن وصوله إلى نيويورك يختار ما يشاء من الصنائع. وهنا مدارس للصنائع على أنواعها وأقل مدة للتخرج بصناعة الحلاقة فإنه يمكن إتقانها في شهرين وأكثر مدة تصرف لتعلم صناعة الهندسة ثلاث سنين فينال المهندس سوم خروجه من المدرسة مائتي ريال راتباً شهرياً على الأقل. ومدة تعلم الصنائع الأخرى بين سنة وسنتين من مثل دهان وحداد ونجار وكاتب تجارة ومستخدم في إدارة الأسلاك البرقية وكاتب أداة كتابية وغير ذلك ومنها أشغال يدوية وأشغال عقلية. وزبدة القول أن البلاد بلاد عمل ومضاء لا بلاد كسل ووناء. يعتبر المرء من البلاد عندما يدوس أرضها ويصبح مساوياً لغيره في الحقوق. والأمة هنا متساوية في حقوقها لا فرق بين كبير وصغير ولا تمييز بين العناصر والنحل فيصير بائع الفحم أو تاجر المسكرات رئيساً للولايات ولا عيب عندهم سوى أمور معلومة أولها البطالة. فكل فرد رجلاً كان أو امرأة يعمل ويجد حتى أنك لا تجد هنا محال للقهوة كما هو الحال في بلادنا إذ ليس هناك عاطلون عن العمل يجلسون فيها - وثانيها السرقة والمتاجرة بالعرض وما عدا ذلك فكل صنعة شريفة بدون استثناء. وبعد أن يقضي الغريب في البلاد خمس سنين ينال حق التابعية الأميركية ويكون كذلك هو وأحفاده. في أي بلد كان وأما إذا غادر البلاد قبل قضاء هذه المدة فيعود إلى تابعيه.

стр. 241

يقضى هنا على كل ولد ذكراً كان أو أنثى أن يختلف إلى مدرسة حية إلى السنة الثامنة عشرة من عمره والمدارس كلها مجانية حتى أن الأولاد يعطون فيها الكتب والأوراق بلا عوض فلا عذر إذاً للوالدين في عدم إرسال الولد. ويجازى وليه إذا لم يبعث به إلى المدرسة. والتعليم خال من كل نزعة دينية وقد طالعت كتبهم المدرسية للسنة الأولى والثانية والثالثة والرابعة فلم أجد فيها ذكراً للأديان حتى ولا اسم الدين المسيحي أو عيسى أو الكنيسة أو العبادة وكتبهم عبارة عن حض الولد وبعثه على العمل والرغبة عن البطالة وعمل الخير للإنسان والحيوان والصدق والاستقامة. والحق يقال أن أصول هذه التربية ناجحة عياناً لأن الكذب والنفاق والتدليس والسرقة لا وجود لها في الجنس الأميركي على العكس من ذلك في بلادنا. والنساء الأميركيات أعفُّ من نساء مصر والأستانة على جمال فيهن وحسن بزة وشارة. ولكنه هو الجمال الذي زانه الكمال والحسن الموصوف بالاعتدال. ولاشك عندي أن هذه الأمة أرقى الأمم خَلقاً وخُلقاً. أما التعليم الديني فأمره راجع للأسرة يتعلم الولد دينه من أبيه وأمه خارج المدرسة. والدين الغالب هنا بعض مذاهب البروتستانت. زرت كثيراً من مدارس الفقراء فوجدتها أحسن بكثير من مدارس نيشان طاش وبشكطاش أعني محال الأكابر في الأستانة ولا نسبة بينها. وشاهدت مدرسة لتعليم صب الرصاص مدة التعليم فيها من سنة إلى سنتين وينال المتعلم ١٥٠ ريالاً راتباً شهرياً بعد إتمام تعلمه ومدرسة فن إصلاح الساعات. ومما شاهدته هنا وعددته من غرائب العقل الأميركي أن ابنة فرنسية حضرت معنا في الباخرة من فرنسا هاربة مع رجل فرنسي تود الاقتران به خلافاً لرضا والده وبعبارة أوضح هرب الرجل معها لأنه لا يجوز للرجل في فرنسا الزواج قبل بلوغه السادسة والعشرين من غير رضا وليه وإذ كان سن الولد دون ذلك اضطر أن يحضر مع خطيبته إلى أميركا ولما خرجنا إلى البر منعت الحكومة خروج الابنة وطلبوا إليها أن تعين ولياً يكفلها لان خروج النساء بدون ولي ممنوع لئلا يدخل الفاسدات فاضطر الشاب أن يخبرهم بجلية الأمر فقالوا أنهم يريدون عقد النكاح في الحال فما هو إلا أن أتى محرر المقاولات وعقد له عليها في خمس دقائق وأخذوا نفقة على ذلك ربع ريال. فانظر إلى هذه التسهيلات

стр. 242

في نظام الزواج هنا. وكل أنثى بعد سن الثامنة عشرة وكل ذكر بعد سن العشرين يحق لهما الزواج ولو بدون رضا وليهما ولا تسأل الحكومة من جنسية ولا عن دين ولقد قرأت منذ أيام إعلاناً وأظن ناشره غنياً بأنه يدفع سبعة وثلاثين ألف ريال لكل حرمة توفق إلى الهرب من إحدى قصور العظماء في الشرق وترضى بزواج أحد التبعة الأميركية. ومما شهدته هنا من العادات المستحسنة عند الأمريكان النظافة فإنه يوجد في كل بيت عادةً حتى في بيوت أفقر الفقراء حمام بالماء الساخن والبارد وأنك لترى أولاد العملة في هذه الديار أجمل منظراً وأحسن ملبساً وأنظف جسماً من أولاد أكابر بلادنا بمعنى أن أولاد العملة هنا يعادلون أولاد أكابر الأستانة ومترفيها وأما أولاد أكابر سورية فهم أدنى بكثير من أولاد أفقر الفقراء. ومن عاداتهم المستحسنة في معظم البلاد هنا أن الحانات تقفل أيام الآحاد لئلا يتمكن العملة من الانهماك في شرب المسكرات وهم مشغولون بأعمالهم سائر أيام الأسبوع ولا يوجد الأحد حانة للسكر. ويحظر بيع النبيذ والجعة (البيرة) يوم الأحد والبائع الذي يخالف ذلك يعاقب وهم يعتبرون النبيذ والجعة من المشروبات المضرة. أما محال لتمثيل فإنها مرتقية أكثر من أوربا وأرخص أجوراً حتى أنك لترى في بعض الملاعب مائة فتاة يرقصن معاً وأجور الفرجة رخيصة للغاية. صدر عن مدينة سنت لوي في ولاية ميسوري

стр. 243

تخميس قصيدة الوزير أحمد بن زيدون وهي التي كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة كانت أشعتكم تجلو دياجينا ... وقربكم عن شؤون الدهر يسلينا فبعد ما لعبت خمر الهوى فينا ... أضحى التنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا أمسى لنا الغم إلفاً لا يبارحنا ... والأنس صار عدواً لا يصالحنا يا من خبت في تنائيهم مصابحنا ... بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا لئن تكن حجبت عنكم نواظرنا ... فما خلت ساعة منكم سرائرنا وإذ تحن إلى النجوى خواطرنا ... يكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا حب قديم به أرواحنا اتحدت ... وجمرة للتلاقي طالما اتقدت حتى إذا باللقا نار الجوى بردت ... حالت لبعدكم أيامنا فغدت سوداً وكانت بكم بيضا ليالينا لم ندر يوم سعدنا في تعرفنا ... أن الشقاء وراء السعد قد دفنا آها على زمن بالحظ مسعفنا ... إذ جانب العيش طلق من تألفنا ومورد اللهو صافٍ من تصافينا هل نرتجي زورة للنفس شافيةً ... وهل تعود لنا الأيام صافية قد كان إذ كانت الأقدار راضية ... وإذ هصرنا غصون الأنس دانية قطوفها فجنينا منه ماشينا لله ساعات أنس عندما التأم ... شمل الهناء بكم والوجد مانأما سقيتمونا بماء اللطف ريَّ ظما ... ليسق عهدكم عهد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا الدهر جرَّ علينا في رواحهم ... ذيول ذل فهل هم بانشراحهم لم يعلموا ما دهانا من براحهم ... من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم

стр. 244

حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا نفرُّ من نكد الدنيا فيدركنا ... يخني على صفونا حيناً ويتركنا بالوصل والفصل يحيينا ويهلكنا ... إن الزمان الذي مازال يضحكنا أنساً بقربهم قد عاد يبكينا كم مرة جاءنا حسادنا ونعوا ... لنا الوفاء وفي قطع الصلات سعوا وإذ تبين أن العاشقين رعوا ... غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغص فقال الدهر آمينا دعوا لدى الدهر في تنكيس أرؤسنا ... وحرَّضوه على تفريق مجلسنا حتى تصدى إلى تكدير أكؤسنا ... فانحل ما كان معقوداً بأنفسنا وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا ما كان يهجعنا أضحى يؤرقنا ... والمزدري صار بالإزراء يرمقنا فالدهر يومان مروينا ومحرقنا ... وقد نكون وما يخشى تفرقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا كل الورى لم نجد فيهم شمائلكم ... وهب وجدنا فما كنا لنبدلكم إنا وإن أقصت الأيام منزلكم ... لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأياً ولم نتقلد غيره دينا لو أن أيامنا فيكم تخيرنا ... لاختار قرَّتهُ بالقرب نيرنا لكنما حادث الدنيا يسيرنا ... لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا إن طال ما غير النأيُ المحبينا طنَّ الوشاة إذا ما شملنا انفصلا ... أن يدركوا من تراخي حبنا أملا خابوا فلو أدركت أجسادنا الأجلا ... والله ما طلبت أرواحنا بدلا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا قصر سهرنا على أنوار كوكبه ... وفيه ورد الهوى فزنا بأعذبه دعنا على الوجد نقلى في تلهبه ... يا ساري البرق غادِ القصرَ فاهق به من كان صرف الهوى والود يسقينا

стр. 245

إن كان أحبابنا اُّنسوا محبتنا ... وحتفنا عندهم يجري مودتنا فيا عذاب النوى عجل منيتنا ... ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حياً كان يحيينا يا ظبية لم تذقنا طعم نفرتها ... حرصاً على عيننا من فقد قرتها يا كرمة كم تمتعنا بخمرتها ... ويا حياة تملينا بزهرتها منىً ضروباً ولذات أفانينا هل يرجع القمر الزاهي لدارته ... فتنجلي ظلمات باستنارته عد يا صفاءً رتعنا في نضارته ... ويا نعيماً رفلنا من غضارته في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا كانت بطلعتك الأرواح منعمة ... ومنك كانت كؤوس الصفو مفعمة يا من هوانا بها أضحى لنا سمة ... لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا أوصافك الغر ما مرَّت على شفةٍ ... إلا غنيت بها عن كل معرفةٍ بقامة في تثنيها مهفهفةٍ ... إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا الشعر يروي منِ الهجرانُ أظمأهُ ... وأن تلاه عليل القلب أبرأه قريض شوق نظمناه ليقرأهُ ... ربيب لطف كأن الله أنشأه مسكاً وقدر إنشاء الورى طينا صبابة في النوى ناءت بكلكلها ... وأين آخرها من طيب أولها يا رشفة عهدنا نابٍ بمنهلها ... يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها والكوثر العذب زقوماً وغسلينا على الصفا سحبت ذيلا كوارثنا ... فزال عاقدنا واختال ناكثنا مرت كقبسة عجلان حوادثنا ... كأننا لم نبت والوصل ثالثنا والسعد قد غضّ من أجفان واشينا في خلوة ما بها إلا تتيمنا ... نارٌ ولا نأمة إلا تكلمنا

стр. 246

كأننا وعفاف القلب يعصمنا ... سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا أفكارنا مع خيالات الغرام لهت ... وبعدكم لسواكم قط ما انتبهت بالحزن والذكر والأشجان قد ولهت ... لا غروَ أنا ذكرنا الحزن حين نهت عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا الطيفُ في النوم يرضينا إذا عبرا ... إذ عزت العين صرنا نطلب الأثرا لا تعجبوا إن صبرنا نحمل القدرا ... إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا نرضى الهوان بديل العز أكملهِ ... والجسم ينحل سقماً من تحملهِ ونرتضي وشلاً عن فيض جدولهِ ... أما هواك فلم نعدل بمنهلهِ شرباً وإن كان يروينا فيظمينا لذنا من البعد في ما ليس نرغبه ... حين اللقاء علينا عزَّ مطلبه فؤادنا أنت دون الخلق مأربه ... لم نجف أفق جمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجره قالينا أعرضتِ عنا وأعرضنا على وصبِ ... نكتم الناس ما في القلب من لهبٍ فما اتخذت تجافينا بلا سببٍ ... ولا اختياراً تجنبناك عن كثبٍ لكن عدتنا على كره عوادينا ضاقت على رحبها الدنيا فلا سعةً ... تحوي فؤاداً وأحشاء مقطعة نأسى إذا الشمس جازتنا مودعة ... نأسى عليك إذا حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا لا شيء يسكن شيئاً من بلابلنا ... ولا نرجي عزاءً من وسائلنا ظعائن الأُنس شالت عن منازلنا ... لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا سيما ارتياح ولا الأوتار تسلينا عين السعود لنا كانت ملاحظةً ... عند اللقاءِ وعين الضدّ جاحظةً لئن تدم برحاء البعد باهظة ... دومي على العهد مادمنا محافظةً

стр. 247

فالحرُّ من دان إنصافاً كما دينا لا نغمة العود والقانون تطربنا ... ولا وجوه عذارى الحي تعجبنا نرضى بوحدتنا والغم يصحبنا ... فما ابتغينا خليلاً منك يحسبنا ولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا نصبو إلى موطن في ظل أربعهِ ... لنا حبيب كواه حرُّ أدمعه فالقلب عندك أضحى جلُّ مطمعهِ ... ولو صبا نحونا من علوِ مطلعهِ بدر الدجى لم يكن حاشاك يصيبنا دموعنا عندما تجري مسلسلةً ... تتلو عليكِ أحاديثاً مفصلةً إن لم تكن ساعة اللقيا مؤملةً ... أو لي وفاء وإن لم تبذلي صلةً فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا هذا الكتاب سفير عن مرتبهِ ... في طيه شرح شيء من تعذبه فرددي درسه ترديد منتبه ... وفي الجواب قناع لو شفعت به بيض الأيادي التي مازلت تولينا قولي السلام على روح بنا لقيت ... رياً ومن سلسبيل الغير ما سقيت تحية منك تحيي مهجة شقيت ... منا عليك سلام الله ما بقيت صبابة منك نخفيها وتخفينا دمشق فارس الخوري

стр. 248

الفقراء والأغنياء يأسف الإنسان وتأخذه الحيرة والدهشة عندما يرى أبناء جنسه بين فقير يكاد يموت من جوعه وعريه وغني أغرق في الترف والسرف فصار لا يعرف كيف ينفق ماله ويتزين بألوف الجنيهات. ربُّ عيال عاجز عن كسب القوت الضروري فقير وقير يسعى وراء الرزق فلا يصل إلى ما يتبلغ به إلا بشق الأنفس وقد ترافقه زوجه فتعاني أنواع العذاب. يعللان النفس بالأماني ويقضيان الحياة وسعادتهما أن يجدا الخبز القفار أو البصل أو البطاطا. يسكنان مع أولادهما في غرفة تريد أن تنقض من دار متداعية تملؤها القذارة والعفن يلتفتون بلحاف واحد لم يمسسه صابون وهو على أشكال غريبة ورائحة تستكره مرقع ممزق. وينامون على فراش أخشن من الأرض حشي بقطع الخروق البالية الرثة هذا إذا لم أقل أنهم يضطجعون على الأرض ويصطلون نار عيدان جمعوها من الأزقة والبساتين يستضيئون بلهيبها أو بسراج لا زجاجة له وربما لا يجرؤون على إطلاق الفتيل مخافة أن ينفذ الزيت فإذا مرض الأب أو الأم أمست العيلة بلا طعام ولا إدام - هذه هي حالة الفقير وبينا ترى الأبوين باكيين شاكيين من ألم الفقر تجدهما يقبلان أبناءهما بحنان من وراء الغاية فيفرحان لضحكهم ويحزنان لبكائهم ويضمانهم إليهم ليدفعا عنهم ألم البرد. هذا حال الفقير وهو يكاد لا يتخلف في قطر عن غيره إلا قليلاً. والفقر في الغرب أسوأ حالاً منه في الشرق على حين ترى الغني هناك يبذر من المال ما لو جمع لكفى ألوفاً من المعوزين. ولقد قرأت في إحدى المجلات أن الغنية إذا دعيت في الغرب إلى مرقص تلبس فستاناً من أجود الحرير خاطته أشهر الخياطات لا يقل ثمنه عن مائة وخمسين جنيهاً وتلبس تحت هذا الفستان شعاراً (خراطة) قيمته سبعة جنيهات ومشداً بجنيهين وقميصاً ولباساً بسبعة جنيهات ونصف وجوارب بجنيه ونصف وحذاء بثلاثة جنيهات ونصف وقفازين بجنيه بحيث يبلغ مجموع ذلك ١٧٢ جنيهاً وزيادة. فإذا ذهبت العقيلة أو الآنسة إلى المرقص بهذه البزة الجديدة والشارة الحسنة تضع على عنقها فروة تساوي ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه وقد تضع على رأسها تخاريم (دانتيله) من عمل قدماء البنادقة. وشأن هذه التخاريم الانتقال من عقيلة إلى أخرى يتساومن عليها ويتبارين في اقتنائها. دع عنك ما تكمل به زينتها من وضع طوق من اللؤلؤ في عنقها يساوي سبعة آلاف جنيه ووضع تاج من الماس ثمنه خمسة آلاف جنيه وخواتم تلبسها في أصابعها لا يقل ثمن الواحد منها عن

стр. 249

خمسة آلاف جنيه ولا تسل عن الإبر والأمشاط والأقراط. وبالجملة فإن الغنية في أوربا تتجمل بما لا يقل عن خمسمائة ألف فرنك. وجاء في مجلة فيمنيا أن عقيلة ماكاي الغنية الأميركية في نيويورك دعت صويحباتها إلى مرقص شرطت على المدعوين والمدعوات أن يلبسن أزياء القرن الثامن عشر وكانت تلبس فستاناً محلى بالأحجار الكريمة يساوي خمسين ألف دولار أو مليونين ونصف من الفرنكات لتفوقهن بزينتها وحسن بزتها وقرأت في مجلة فرنسية أن كايكوار بارودا لما استقبل حاكم الهند اللورد مينتو كان متوشحاً بلباس عليه من الأحجار الثمينة ما يساوي ٢٥٠ ألف فرنك وكان في الحضور المهراجا كافاليور ذاك الفتى الغني الذي لا يعلم مبلغ ثروته وعلى رأسه تاج مزدان بالماس واللؤلؤ والزمرد يساوي ثلاثة ملايين فرنك. ولا تسل عن بذخ الأغنياء في نيويورك وما يصرفونه في تزيين قصورهم وحسن خدمتها. وهكذا تجد أولئك الأغنياء يتحلون بالملايين ويصرفون الألوف من الجنيهات ليفاخروا ذلك البائس الفقير ويشولوا بشعرات أنوفهم ويزيدوا قعس صدورهم. ومن العجب العجاب أنك ترى أولئك الأغنياء متألمين شاكين من حالتهم على أنك تجد ذلك الفقير حامداً شاكراً لا هم له سوى كسب ما يسد به رمقه. وهنا مجال ليقال إن الهيئة الاجتماعية كلما ارتقت في مضامير الحضارة زادت مصائب الفقراء وخطت فراسخ وأميالاً واشتدت تباريحهم وأوصابهم. فسبحان المسعد المشقي. دمشق شكري العسلي

стр. 250

صحف منسية كتب القاضي الفاضل إلى العماد الكاتب وردت مكاتبات كنّ من المجلس العمادي أعزه الله وأكرمه حسنة استفيدت من أثر منقول، وخبر مقول، فأثيب راويه وناسخه، وشكر سارقه ومنتحله وسالخه، وعلى هذا الذكر فإن كان سيدنا تمم التاريخ الناصري فيصل ما عندي منه، ويكمل ما أنعم به، وتركته في دمشق انتظاراً لكماله، وغيرة على تلك المحاسن، أن يتناولها البلاغ، قبل أن تبلغ الفراغ. العدل (كذا) وصل حفظه الله وثقل ثم منَّ الله بعافيته ووهبها، وأتى بلطيفة من لطائف صنعه ما حسبها، وعلى ذكر المرض فالخواطر مشغولة بأمر سيدنا في هذا الإقدام الذي أقدم فيه على نفسه، وحكم الحديد في جلده، ومتى صارت له هذه الجسارة بعدي، وفديته وفدته أحباؤه فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي، وقد كان الصبر على تطاول المرض، أولى من هذا الهجم على هذا المضض، وما أخشى إلا أن يعسر التحامه، وتتمادى أيامه، فإما العاقبة فغير مخشية ولله الحمد، فيعرفني سيدنا ما استأنف من التدبير فيما بعد. وكتب إليه: وصل كتاب المجلس أدام الله أنس السعادة بأيامه، والملك بأقلامه، ولا حرم الإخوان منه منة اعتزامه، ومؤونة التزامه، ولا برح التوفيق مجزلاً بسهامه، ومسدداً لسهامه، ومساعداً لمراميه، ومساعفاً لراميه، (كذا) وهذا الكتاب المؤرخ بيوم السبت مستهل ذي القعدة أحسن الله فاتحته ومنصرفه، وكشف الضر الذي نؤمل من رحمته أن يكشفه، وكتبه مضمار الأوصاف المرتكضة، وكنوز الخواطر المقترضة، ولما كانت الصدور منشرحة، والنفوس مروحة، كنا نأخذ منها أوصافها، ونعيد إلى كرمتها سلافها، فإما والخطرات معتقلة، والنفوس على همومها مشتملة، فقد ضاق فتر عن مسير، وكاد ينقلب البصر خاسئاً وهو حسير. وعرف ما شرحه المجلس فلو أن ما نحن فيه من الجرح يدمله غير العافية لكان شرحه يدمله، أو لو أن ما بالقلوب من الأسى يرحل بغير بشرى الصحة لكانت ألفاظه ترحله، وعلى ذلك فلو كان الدهر يقاتل بسلاح لقوتل بسلاحها، أو لو كانت جبال الهموم تذرى برياح، لكانت تذرى برياحها، والنفس واثقة بلطف الله تعالى وبما عود، وأن البشارة إن لم تكن في اليوم كانت في الغد. وكانت الألفاظ العمادية كأياديها، وقد جاءت مجيء مسبل الغمام العام، وأضاءت بوارقها فأخجلت ما شام الشام، وتجلت ليالي الهموم
следующие страницы →