Полный текст (6 802 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كأننا وعفاف القلب يعصمنا ... سران في خاطر الظلماء يكتمنا
حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
أفكارنا مع خيالات الغرام لهت ... وبعدكم لسواكم قط ما انتبهت
بالحزن والذكر والأشجان قد ولهت ... لا غروَ أنا ذكرنا الحزن حين نهت
عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
الطيفُ في النوم يرضينا إذا عبرا ... إذ عزت العين صرنا نطلب الأثرا
لا تعجبوا إن صبرنا نحمل القدرا ... إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا
مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
نرضى الهوان بديل العز أكملهِ ... والجسم ينحل سقماً من تحملهِ
ونرتضي وشلاً عن فيض جدولهِ ... أما هواك فلم نعدل بمنهلهِ
شرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لذنا من البعد في ما ليس نرغبه ... حين اللقاء علينا عزَّ مطلبه
فؤادنا أنت دون الخلق مأربه ... لم نجف أفق جمال أنت كوكبه
سالين عنه ولم نهجره قالينا
أعرضتِ عنا وأعرضنا على وصبِ ... نكتم الناس ما في القلب من لهبٍ
فما اتخذت تجافينا بلا سببٍ ... ولا اختياراً تجنبناك عن كثبٍ
لكن عدتنا على كره عوادينا
ضاقت على رحبها الدنيا فلا سعةً ... تحوي فؤاداً وأحشاء مقطعة
نأسى إذا الشمس جازتنا مودعة ... نأسى عليك إذا حثت مشعشعة
فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا شيء يسكن شيئاً من بلابلنا ... ولا نرجي عزاءً من وسائلنا
ظعائن الأُنس شالت عن منازلنا ... لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا
سيما ارتياح ولا الأوتار تسلينا
عين السعود لنا كانت ملاحظةً ... عند اللقاءِ وعين الضدّ جاحظةً
لئن تدم برحاء البعد باهظة ... دومي على العهد مادمنا محافظةً
стр. 247
فالحرُّ من دان إنصافاً كما دينا
لا نغمة العود والقانون تطربنا ... ولا وجوه عذارى الحي تعجبنا
نرضى بوحدتنا والغم يصحبنا ... فما ابتغينا خليلاً منك يحسبنا
ولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا
نصبو إلى موطن في ظل أربعهِ ... لنا حبيب كواه حرُّ أدمعه
فالقلب عندك أضحى جلُّ مطمعهِ ... ولو صبا نحونا من علوِ مطلعهِ
بدر الدجى لم يكن حاشاك يصيبنا
دموعنا عندما تجري مسلسلةً ... تتلو عليكِ أحاديثاً مفصلةً
إن لم تكن ساعة اللقيا مؤملةً ... أو لي وفاء وإن لم تبذلي صلةً
فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
هذا الكتاب سفير عن مرتبهِ ... في طيه شرح شيء من تعذبه
فرددي درسه ترديد منتبه ... وفي الجواب قناع لو شفعت به
بيض الأيادي التي مازلت تولينا
قولي السلام على روح بنا لقيت ... رياً ومن سلسبيل الغير ما سقيت
تحية منك تحيي مهجة شقيت ... منا عليك سلام الله ما بقيت
صبابة منك نخفيها وتخفينا
دمشق
فارس الخوري
стр. 248
الفقراء والأغنياء
يأسف الإنسان وتأخذه الحيرة والدهشة عندما يرى أبناء جنسه بين فقير يكاد يموت من جوعه وعريه وغني أغرق في الترف والسرف فصار لا يعرف كيف ينفق ماله ويتزين بألوف الجنيهات. ربُّ عيال عاجز عن كسب القوت الضروري فقير وقير يسعى وراء الرزق فلا يصل إلى ما يتبلغ به إلا بشق الأنفس وقد ترافقه زوجه فتعاني أنواع العذاب. يعللان النفس بالأماني ويقضيان الحياة وسعادتهما أن يجدا الخبز القفار أو البصل أو البطاطا. يسكنان مع أولادهما في غرفة تريد أن تنقض من دار متداعية تملؤها القذارة والعفن يلتفتون بلحاف واحد لم يمسسه صابون وهو على أشكال غريبة ورائحة تستكره مرقع ممزق. وينامون على فراش أخشن من الأرض حشي بقطع الخروق البالية الرثة هذا إذا لم أقل أنهم يضطجعون على الأرض ويصطلون نار عيدان جمعوها من الأزقة والبساتين يستضيئون بلهيبها أو بسراج لا زجاجة له وربما لا يجرؤون على إطلاق الفتيل مخافة أن ينفذ الزيت فإذا مرض الأب أو الأم أمست العيلة بلا طعام ولا إدام - هذه هي حالة الفقير وبينا ترى الأبوين باكيين شاكيين من ألم الفقر تجدهما يقبلان أبناءهما بحنان من وراء الغاية فيفرحان لضحكهم ويحزنان لبكائهم ويضمانهم إليهم ليدفعا عنهم ألم البرد.
هذا حال الفقير وهو يكاد لا يتخلف في قطر عن غيره إلا قليلاً. والفقر في الغرب أسوأ حالاً منه في الشرق على حين ترى الغني هناك يبذر من المال ما لو جمع لكفى ألوفاً من المعوزين. ولقد قرأت في إحدى المجلات أن الغنية إذا دعيت في الغرب إلى مرقص تلبس فستاناً من أجود الحرير خاطته أشهر الخياطات لا يقل ثمنه عن مائة وخمسين جنيهاً وتلبس تحت هذا الفستان شعاراً (خراطة) قيمته سبعة جنيهات ومشداً بجنيهين وقميصاً ولباساً بسبعة جنيهات ونصف وجوارب بجنيه ونصف وحذاء بثلاثة جنيهات ونصف وقفازين بجنيه بحيث يبلغ مجموع ذلك ١٧٢ جنيهاً وزيادة. فإذا ذهبت العقيلة أو الآنسة إلى المرقص بهذه البزة الجديدة والشارة الحسنة تضع على عنقها فروة تساوي ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه وقد تضع على رأسها تخاريم (دانتيله) من عمل قدماء البنادقة. وشأن هذه التخاريم الانتقال من عقيلة إلى أخرى يتساومن عليها ويتبارين في اقتنائها. دع عنك ما تكمل به زينتها من وضع طوق من اللؤلؤ في عنقها يساوي سبعة آلاف جنيه ووضع تاج من الماس ثمنه خمسة آلاف جنيه وخواتم تلبسها في أصابعها لا يقل ثمن الواحد منها عن
стр. 249
خمسة آلاف جنيه ولا تسل عن الإبر والأمشاط والأقراط. وبالجملة فإن الغنية في أوربا تتجمل بما لا يقل عن خمسمائة ألف فرنك.
وجاء في مجلة فيمنيا أن عقيلة ماكاي الغنية الأميركية في نيويورك دعت صويحباتها إلى مرقص شرطت على المدعوين والمدعوات أن يلبسن أزياء القرن الثامن عشر وكانت تلبس فستاناً محلى بالأحجار الكريمة يساوي خمسين ألف دولار أو مليونين ونصف من الفرنكات لتفوقهن بزينتها وحسن بزتها وقرأت في مجلة فرنسية أن كايكوار بارودا لما استقبل حاكم الهند اللورد مينتو كان متوشحاً بلباس عليه من الأحجار الثمينة ما يساوي ٢٥٠ ألف فرنك وكان في الحضور المهراجا كافاليور ذاك الفتى الغني الذي لا يعلم مبلغ ثروته وعلى رأسه تاج مزدان بالماس واللؤلؤ والزمرد يساوي ثلاثة ملايين فرنك. ولا تسل عن بذخ الأغنياء في نيويورك وما يصرفونه في تزيين قصورهم وحسن خدمتها.
وهكذا تجد أولئك الأغنياء يتحلون بالملايين ويصرفون الألوف من الجنيهات ليفاخروا ذلك البائس الفقير ويشولوا بشعرات أنوفهم ويزيدوا قعس صدورهم. ومن العجب العجاب أنك ترى أولئك الأغنياء متألمين شاكين من حالتهم على أنك تجد ذلك الفقير حامداً شاكراً لا هم له سوى كسب ما يسد به رمقه. وهنا مجال ليقال إن الهيئة الاجتماعية كلما ارتقت في مضامير الحضارة زادت مصائب الفقراء وخطت فراسخ وأميالاً واشتدت تباريحهم وأوصابهم. فسبحان المسعد المشقي.
دمشق
شكري العسلي
стр. 250
صحف منسية
كتب القاضي الفاضل إلى العماد الكاتب
وردت مكاتبات كنّ من المجلس العمادي أعزه الله وأكرمه حسنة استفيدت من أثر منقول، وخبر مقول، فأثيب راويه وناسخه، وشكر سارقه ومنتحله وسالخه، وعلى هذا الذكر فإن كان سيدنا تمم التاريخ الناصري فيصل ما عندي منه، ويكمل ما أنعم به، وتركته في دمشق انتظاراً لكماله، وغيرة على تلك المحاسن، أن يتناولها البلاغ، قبل أن تبلغ الفراغ. العدل (كذا) وصل حفظه الله وثقل ثم منَّ الله بعافيته ووهبها، وأتى بلطيفة من لطائف صنعه ما حسبها، وعلى ذكر المرض فالخواطر مشغولة بأمر سيدنا في هذا الإقدام الذي أقدم فيه على نفسه، وحكم الحديد في جلده، ومتى صارت له هذه الجسارة بعدي، وفديته وفدته أحباؤه فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي، وقد كان الصبر على تطاول المرض، أولى من هذا الهجم على هذا المضض، وما أخشى إلا أن يعسر التحامه، وتتمادى أيامه، فإما العاقبة فغير مخشية ولله الحمد، فيعرفني سيدنا ما استأنف من التدبير فيما بعد.
وكتب إليه: وصل كتاب المجلس أدام الله أنس السعادة بأيامه، والملك بأقلامه، ولا حرم الإخوان منه منة اعتزامه، ومؤونة التزامه، ولا برح التوفيق مجزلاً بسهامه، ومسدداً لسهامه، ومساعداً لمراميه، ومساعفاً لراميه، (كذا) وهذا الكتاب المؤرخ بيوم السبت مستهل ذي القعدة أحسن الله فاتحته ومنصرفه، وكشف الضر الذي نؤمل من رحمته أن يكشفه، وكتبه مضمار الأوصاف المرتكضة، وكنوز الخواطر المقترضة، ولما كانت الصدور منشرحة، والنفوس مروحة، كنا نأخذ منها أوصافها، ونعيد إلى كرمتها سلافها، فإما والخطرات معتقلة، والنفوس على همومها مشتملة، فقد ضاق فتر عن مسير، وكاد ينقلب البصر خاسئاً وهو حسير. وعرف ما شرحه المجلس فلو أن ما نحن فيه من الجرح يدمله غير العافية لكان شرحه يدمله، أو لو أن ما بالقلوب من الأسى يرحل بغير بشرى الصحة لكانت ألفاظه ترحله، وعلى ذلك فلو كان الدهر يقاتل بسلاح لقوتل بسلاحها، أو لو كانت جبال الهموم تذرى برياح، لكانت تذرى برياحها، والنفس واثقة بلطف الله تعالى وبما عود، وأن البشارة إن لم تكن في اليوم كانت في الغد. وكانت الألفاظ العمادية كأياديها، وقد جاءت مجيء مسبل الغمام العام، وأضاءت بوارقها فأخجلت ما شام الشام، وتجلت ليالي الهموم
стр. 251
منها بأنفذ أمر عليها من أنوار الأيام، ولكن إلى أن تأتي هذه الكتب قد عفت العيون فكيف منامها، وطلقت العرائس التي تزفها أحلامها. وبالجملة فكل خبر وإن أزعج والعياذ بالله فهو دون ما نظن إذا تأخرت الكتب فتداركونا بها ولله أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، والله تعالى يجعل الخير فيهما، ويعيذنا من جوالب أعمالنا، ونواقص آمالنا، وقد اكتنف بي همان أحدهما أمر العلة، والآخر تأخري عن الخدمة، فأعذاري وإن اتسعت فقد ضيقتها على الحقوق الواجبة، وأخرست لساني عن المحبة الغالبة، وبالله أقسمت أن المشاهدة للآثار وإن كانت رائعة، أروح من التوقع للأخبار وإن جاءت سارة، فأنتم فيما هو أروح، وإن كانت لكم المنة، ونحن فيما هو أبرح، وإن كانت علينا الحجة. وأنا أستحسن قول الشاعر.
لولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها لمبشري بإيابه
لو علمت أن الحياة مع الحركة تحملني إلى أول نظرة لشريتها وما غلت، وسرت وما بعدت، وتجشمت وما شقت، ولكن لست واثقاً والله بالتماسك. ولعل المسألة تقرب، والوقت يطيب، والثلج يرتفع، والطريق يسلك، والأرجاف ينقطع، والضعف الذي أنا عليه يقف، والله المستعان إن شاء الله تعالى.
стр. 252
مطبوعات ومخطوطات
الجواب الصحيح
شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني أعظم عالم بالسنة وهو في الإسلام كلوثيروس في النصرانية من التوفر على الدعوة إلى الإصلاح إلا أن الأول أعلم والثاني أحكم. ولقد توفر ابن تيمية على الإصلاح الديني ببث الدعوة من طريق التأليف والرد على المبتدعة والمخالفين فعدت تآليفه ورسائله بالمئات وكلها آية في انسجامها غاية في نفعها وفيها تقرأ بعض ما خص به هذا الإمام من المواهب التي قل أن يطمح إليها فرد فذ في أمم كبيرة وقورن كثيرة. وكانت تآليفه ﵀ بحسب الحاجة والدواعي. ومعظم المخلصين من المؤلفين يضعون تآليفهم على هذا النحو مدفوعين بتلك العوامل.
ولما ورد من قبرص على عهد المؤلف - وكان يتنقل من دمشق إلى مصر - كتاب فيه الحجج السمعية والعقلية لدين النصرانية ألف كتابه هذا الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جعله فصل الخطاب في هذا الباب. وظل هذا المصنف منذ القرن الثامن للهجرة إلى يوم الناس هذا مطوياً في الخزائن لا يتداوله غير خاصة أهل العلم حتى استرسل دعاة البروتستانت مؤخراً في بث دعوتهم ولاسيما في هذا القطر فانتدب حضرة الفاضل الشيخ مصطفى القباني إلى طبع هذا الكتاب الجليل يقابل به تلك المؤلفات الضخمة والرسائل الكثيرة التي وضعها المرسلون.
وبهذا رأيت أن تأليف الكتاب كان لباعث قوي ونشره بين الخاصة والعامة كان لباعث أقوى. ومن يرجع إليه يعلم مبلغ علم المؤلف واطلاعه على الديانات والنحل ووقوفه على السنة وتاريخها وتأدبه مع مخالفيه ولا عجب فهو هو نسيج وحده وغرة جنسه. أما الطابع فمن الرجال المولعين بإحياء مآثر السلف والعاملين على نشر أعمالهم فقد طبع إلى اليوم من الكتب الممتعة من تآليف أئمة الأمة ما يبيض الوجوه. ومما طبعه من كتب حجة الإسلام الغزالي محك النظر، والاقتصاد في الاعتقاد، والقسطاس المستقيم، وفيصل التفرقة، والحكمة في مخلوقات الله. ونشر أيضاً آراء المدينة الفاضلة للفارابي. وما بعد الطبيعة لابن رشد. وتأسيس النظر للدبوسي. والكلم الروحانية لابن هندو وغيرها.
فنشكر له تحفته الأخيرة ونثني على عنايته بتبويب الجواب الصحيح وتصحيحه وهو في
стр. 253
أربع مجلدات تتجاوز صفحاتها ١٣٠٠ صحيفة من قطع الوسط وبحرف صغير ومطبوع طبعاً جيداً على ورق صقيل كسائر مطبوعاته وقد جعل ثمنه عشرين قرشاً أميرياً ويطلب من محله بخان الخليلي بمصر ومن سائر المكاتب الشهيرة.
رسائل القاضي الفاضل
عرف القارئ من ترجمة القاضي أن رسائله بلغت مائة مجلد بعضها خاص وأكثرها كتب عن صلاح الدين يوسف ولم أظفر له إلا برسائل قليلة مفرقة في كتب التاريخ والأدب وكان من حقها أن تشتهر بين العالمين والمتأدبين كما اشتهرت رسائل أبي بكر الخوارزمي وأبي الفضل بديع الزمان الهمذاني وأبي اسحق الصابي وغيرهم من كتاب الرسائل أيام ارتقاء ملكة البيان العربي.
ولقد ظفرت في خزانة كتب المدرسة الكلية السورية في بيروت بمجلد ضخم من القطع الوسط من رسائل الكاتب المشار إليه كتب في القدس سنة ٦٨٣ فيه جانب من رسائله ومعظمها مما كتبه لعماد الدين الكاتب الأصفهاني صديقه بل صنيعته. وعلمت أن أحد الأدباء في بيروت سيطبعه على نفقته وعساه يوفق إلى ذلك ويعنى بطبعه وتصحيحه وتعليق حواشي عليه إن أمكن على نحو ما يصنع الغربيون عندما يريدون أن يطبعوا لنا كتاباً.
صناعة إنشاء العرب
للعالم اللوذعي الأستاذ الشيخ أحمد الهاشمي نفس طويل في خدمة الأدب واللغة اشتهرت مؤلفاته بين ناشئة هذا القطر لما اشتهر عنه من معاناة هذا الفن علماً وعملاً. وقد أتحفنا الآن بالطبعة الرابعة من كتابه جواهر الأدب في صناعة إنشاء العرب جمع فيه كل شاردة نافعة وحكمة رافعة وأبيات ومقامات وروايات ومكاتبات ممتعة لقدماء الكتاب والشعراء ومحدثيهم مما يفيد طالب هذه الصناعة الشريفة في النسج على منوال أهلها. أجاد في الاختيار ما شاء وشاء ذوقه فجاء كتابه نافعاً في بابه لاسيما وفيه نموذج من إنشاء بعض المعاصرين وخصوصاً من المصريين أمثال عبد الله فكري وتوفيق البكري وعبد الله نديم ومحمد عبده وحفني ناصف وحمزة فتح الله وإبراهيم اليازجي وشكيب أرسلان ومحمود أبو النصر وحسن توفيق وأحمد سمير وسلطان محمد وأحمد مفتاح وطه محمود ومحمد دياب
стр. 254
ووفا محمد ومصطفى نجيب وعبد الكريم سلمان وعبد العزيز جاويش وحافظ إبراهيم واحمد شوقي وعلي الليثي وطنطاوي جوهري وغيرهم. وعدد صفحات الكتاب ٦٥٥ صحيفة مطبوع طبعاً نظيفاً ومشكول بعض محال الأشكال منه ومعلق عليه شرح لغوي ينتفع به الطالب فلجامعه منا أعظم ثناء.
مقامات الحريري
أهدى إلينا حضرة الفاضل الشيخ محمود عبد القادر سعيد الرافعي صاحب المكتبة المعروفة في السكة الجديدة نسخة من الطبعة السابعة التي طبعها من مقامات الحريري في المطبعة الأميرية الكبرى وقد جعل شرح ألفاظها اللغوية في أسفل كل صحيفة فجاءت في زهاء سبعمائة صحيفة منصفة الحجم وقد ألحقها بفهرس في مفردات الألفاظ اللغوية المشروحة والأمثال العربية والأعلام المشهورة على حروف الهجاء فزاد إلى خدمة هذه المقامات خدمة وماذا عسانا نقول في الحريري وليس من المتأدبين والعالمين إلا من قرأه وانتفع به.
ديوان الحماسة
وأتحفنا حضرة الشيخ الرافعي الموما إليه بنسخة من ديوان الحماسة وهو ما اختاره أبو تمام من شعر العرب ذاك الديوان الذي لا مندوحة لطالب الأدب والشعر عن الأخذ منه لأنه زبدة ما بقي لنا من آثار الشعراء الأقدمين وناهيك بديوان ينتخبه مثل أبي تمام الذي شهد له بالإجادة في جمعه كما شهد له بالإجادة في شعره. وانتخاب المرء دليل عقله. وقد علق عليه شرحاً موجزاً وطبع الأصل بالشكل الكامل فجاء من الكتب المفرحة الممتعة وعسى أن يظل الطابع الفاضل يتجنب الأدب والعلم بأمهات كتب القوم على هذا الطبع اللطيف والشكل البديع فقد سئمت النفوس تلاوة تلك الكتب السقيمة الحرف والورق. والكتاب في جزئين يقع في زهاء ٦٥٠ صحيفة متوسطة فنثني على صاحب هذه التحف أطيب الثناء.
رواية شرف الاسم
مسامرات الشعب مجلة قصصية تاريخية فكاهية لناشرها الأديب عزت خليل بك صادق صاحب مكتبة الشعب ومطبعتها بالقاهرة وهي تصدر مرة في الشهر رواية مستقلة برأسها بقلم كاتبٍ من كتاب مصر وقد كانت هذه المرة رواية شرف الاسم من قلم الأديب أحمد أفندي فخري وهي كسائر ما ينشره صاحب مسامرات الشعب لطيفة الأسلوب وتقع في
стр. 255
١٦٤ صحيفة.
الفلاكة والمفلوكون
كتاب جم الفوائد جزل الألفاظ والمعاني طبعته مطبعة الشعب ومكتبتها الآنف بيانها وهو تأليف أحمد بن علي الدلجي من أهل القرن التاسع للهجرة وهو في الفقر والفقراء وقد قدم له مؤلفه مقدمة هي مثال من أمثلة البلاغة في التوكل وخلق الأعمال وغيرها ثم أتى على تراجم علماء تقلصت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل والكتاب كله درر وغرر يليق به أن تراه العيون كل ساعة لما فيه من الأدب الغض والعبرة البالغة وقد طبع أجود طبع فجاء في ١٤٥ صحيفة كبيرة على ورق جيد فنثني على صاحب مطبعة الشعب الأديب على هذه الذخيرة وعساه لا يضن أيضاً بنشر أمثال هذه الكتب النافعة في جملة ما ينشره.
تقويم المؤيد
قلما رأينا لأبناء هذه البلاد عملاً سار به صاحبه على سنة الارتقاء الطبيعي وصبر عليه زمناً لينضج مثل هذا التقويم الذي أخذ ينشره كل سنة الكاتب الفاضل محمد أفندي مسعود أحد منشئي المؤيد الأغر وأمامنا الآن تقويمه لسنة ١٣٢٤هـ وهي السنة التاسعة وفيه من الفوائد السياسية والاجتماعية والتاريخية والصحية والحيوية ما لا يعثر عليه إلا في المظان المشتتة ولا يستغني عن الرجوع إليه كل فرد من أفراد المجتمع وهو في زهاء أربعمائة صحيفة ومطبوع أجمل طبع على أجود ورق وقيمته خمسة قروش. وإن إقبال القوم على اقتنائه لأكبر دليل على وفرة حسناته فنثني على صاحبه العامل أطيب ثناء.
ترجمة الرافعي
آل الرافعي من الأسرات العريقة في العلم والعمل في مصر والشام تولى أفرادها المناصب العلمية والإدارية القضائية في القطرين وقد انتهى مؤخراً كتاب في ترجمة الشيخ عبد القادر الرافعي الكبير مفتي مصر السابق جمعها بحله الأستاذ الشيخ محمد رشيد وقدم لها مقدمة في ترجمة المرحوم ثم أورد أقوال الصحف فيه ومراثي العلماء والأدباء في الأقطار العربية بحيث أصبح هذا الكتاب مرجعاً في التعريف بهذا الفقيد العظيم ووزعه مجاناً على أحبابه وكل طالب جزاه الله خيراً.
أسرار ديوان التفتيش
стр. 256
أهدى إلينا حضرة النشيط إبراهيم أفندي فارس صاحب المكتبة الشرقية في مصر نسخة من هذه الرواية وهي من سلسلة روايات حديقة الفكاهة التي يصدرها كل شهر وهي غرامية تاريخية فيها تفصيل ما كان يجري في تلك الدواوين الدينية من الأعمال الغريبة على ما يعلم من قرأ تاريخ أوربا في القرون الوسطى وهي أجزاء وثمن الجزء قرشان فنشكر له هديته ونثني على نشاطه.
عاقبة الأمانة
هي رواية أدبية علمية غرامية تاريخية لمؤلفيها الأدبيين علي أفندي توفيق ومحمد أفندي ربيع من مدرسي الإنكليزية في هذه العاصمة وفيها كأكثر الروايات ما يرمض ويسر وهي في زهاء خمسين صحيفة صغيرة فنثني على اجتهادهما.
стр. 257
سير العلم
مساكين المحترفين
ليس الفقر مختصاً بطبقة خاصة من الناس من سوقة وباعة ومزارعين وصناع بل قد عض ناب الفقر في الغرب أيضاً طبقة ممن يتعاطون المحاماة والتعليم والكتابة فقد بحث أحد الأمريكان فرأى أن أحسن طريقة لتلافي هذا الخطب النازل تغيير أساليب التربية فيدخل الأولاد أولاً مدارس ابتدائية إجبارية في السن التي يحظر عليهم فيها دخول المعامل ثم يدخلون المدارس الصناعية ولا تكون إجبارية ويبدأ التعليم بالحال بعد الخروج من المدرسة الابتدائية ويكون موجزاً. أما من يريدون التخرج في المحاماة والطب والهندسة فيبدأون بالدراسة ويداومون العمل طويلاً وتجد الدروس العالية لها مكاناً بين المدرسة الابتدائية والمدارس التجهيزية إلى اتخاذ الصنائع الحرة وتخف بذلك النفقات التي تنفقها الحكومات الآن ويكون التعليم خاصاً ويقضي التعليم الصناعي على الفقر والحاجة.
مدفع للبرد
معلوم أن البرد يضر كثيراً من المزروعات بنزوله عليها ناهيك بأن واحدتها قد تكون بحجم الجوزة. وقد فكر أحدهم في إيجاد مدفع يبدد شمل البرد إذا تجمع الجو ويدفع عاديته عن المزروعات والمغروسات ومازال مخترعه واسمه سيتجر يتوفر على إكمال مدفعه حتى وفق في العهد الأخير إلى وضع حلقة في داخل المدفع قطرها من ١٢ إلى ١٣ سنتيمتراً وبهذه الواسطة تمكن من قذف الهواء المضغوط بواسطة انفجار البارود بسرعة على أطراف الحلقة بقوة غريبة في القذف العلوي فيضطرب الجو بشدة في الطبقة التي يكون فيها البرد.
كتب الدنيا
أحصى أحد العارفين الكتب التي طبعت منذ اختراع الطباعة فقال أنه طبع منذ سنة ١٤٥٠ إلى سنة ١٥٣٦، ٤٢ ألف مؤلف وطبع من سنة ١٥٣٦ إلى ١٦٣٦ قرابة ٢٧٥ ألفاً ومن سنة ١٦٣٦ إلى ١٧٣٦، ١. ٢٢٥. ٠٠٠ ومن سنة ١٧٣٦ إلى ١٨٣٦، ١. ٨٣٩. ٩٦٠ فكان مجموع ما طبع إلى سنة ١٨٣٦، ٣. ٦٨١. ٩٦٠ مصنفاً فلو فرض أنه طبع من كل كتاب ثلاثمائة نسخة فيكون مجموع ما طبعته مطابع العالم إلى سنة ١٨٣٦، ٣. ٣١٣.
стр. 258
٧٦٤. ٠٠٠
وأحصى أحد الأمريكان كتب الولايات المتحدة فقال أن في بيوتها ٤٢. ٠٠٠. ٠٠٠ مجلد وعند علمائها وكتابها ومخترعيها ١٥٠. ٠٠٠. ٠٠٠ وعند كتبيها وطابعيها ٦٠ مليوناً وفي خزائن كتبها العمومية ٥٠ مليوناً وعند تلامذتها ثمانية ملايين وعلى تلك النسبة حسب ما في العالم من أسفار فكانت ٣. ٢٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠
كليات الشعب بإسبانيا
نجحت الكليات التي أنشئت لعامة الشعب ممن لم تساعدهم الأيام على الدراسة في الكليات العالية في إسبانيا وهي تفتح مرتين في الأسبوع وتعلم علماً واحداً وليس التدريس فيها خاصاً بالأساتذة بل إن جماعة من أهل الأخصاء من طبيب ومهندس ومحام بل وتلميذ يلقون فيها على المستمعين من طلاب الاستفادة كل ما شاق وراق من الموضوعات.
كلية النساء في اليابان
أسس اليابان كلية جامعة في طوكيو سنة ١٨٩٦ خصت بالنساء دون الرجال وغايتها تعليم اليابانيات ما يؤهلهن للعمل على ترقية الوطن ومدة الدراسة ثلاث سنين تنال الطالبة بعدها شهادة تنطق باقتدارها وكان عدد الطالبات سنة ١٩٠١ ثمانمائة طالبة وتقسم الدروس إلى ثلاثة فروع وهي الآداب اليابانية والآداب الإنكليزية والعلم والأدب وهذان العلمان يقسمان إلى فروع أهمها الاقتصاد السياسي والقانون المدني والفيسيولوجيا وتدبير المنزل والصحة. والمعلمات بأجمعهن من نساء يابان أو إنكلترا ويشترط أن لا يقل عمر الطالبة عن ١٧ سنة وتعيش هذه الكلية بالإعانات الخاصة ولا تدفع لها الحكومة في السنة غير ألفي يان (ريال ياباني).
أعظم شلال
كان الباحثون موقنين بأن أعظم شلال في العالم هو شلال نيكاراغا في أميركا أو شلال فكتوريا على نهر الزمبيز في إفريقية وقد اكتشفت الآن شلال ثالث يفوق الشلالين السابقين في كثرة ارتفاع مائه وهو شلال اينياسو القائم على نهر صغير المتدفق من نهر بارانا في البرازيل من جنوبي أميركا سعته ٤٧٣٤ متراً أي أنه بالقياس إلى شلال نيكاراغا ضعفان ونصف ويدفع في الساعة ٩٤٠ مليون طن (الطن ألف كيلو غرام) من علو سبعين متراً
стр. 259
وهو في غابة غبياء لم ينزلها بشر ولا رفع منها حجر ولا مدر ومساحتها لا تقل عن ألف وخمسمائة كيلومتر مأهولة من جهاتها الأربع.
باطية عجيبة
اخترع أحدهم باطية أو زجاجة تحفظ السوائل التي تملأ بها حارة كانت أو باردة وهي عبارة عن غطائين من الزجاج بينهما فراغ يطلى داخلهما فيمتنع الإشعاع وينفع هذا الاختراع الأطباء والجنود والصيادين والسائحين كما ينفع المرضى ممن يضطرون أن يتناولوا اللبن المغلي في أوقات معينة ومن يريدون تناول الأشربة حارة فيجد المرء متى أراد شيئاً من الشوكولاتا الحارة أو الشاي الساخن أو القهوة الحارة ويتيسر للمريض أخذ الماء المغلي متى أراد.
مخيم قديم
عثر منذ سنين في ضواحي مرفأ فارامبول من أعمال مقاطعة فكتوريا في أستراليا على آثار أقدام بشرية قديمة جداً وذلك في قطعة من الحجر الرملي فأخذت قطعة منه ودفعت لكلاتش أحد علماء الحيوانات والنباتات الأرضية (بالونتولوجست) ومن أساتذة كلية هايدلبرغ الألمانية فقال أنها آثار وجدت قبل التاريخ. ثم رحل بالذات إلى تلك البلاد ليحقق قوله بالبرهان. وقد نشر الآن خلاصة أبحاثه ويؤخذ منها أنه في عهد يرتقي إلى ألوف من السنين ما تألف به ذاك الحجر الرملي فقام عليه هذا المخيم وحوى أجناساً من البشر قبل التاريخ في أستراليا وأن هذه القارة وتاسمانية كانت جزءاً من القارة الجنوبية التي كانت تمتد إلى المحيط الهندي وتصل أستراليا بآسيا وإفريقية. فدل ذلك على أن الإنسان على الأرض أقدم بكثير مما يتوهمه بعضهم وربما رد عهده إلى مئات الألوف من السنين على ما يحققه العلم والبحث.
اختفاء بحيرة
الظاهر أن إفريقية الوسطى أخذت تنشف بطائحها وتجف مياهها بالتدريج والعناية وقد غابت عن الأنظار هذه الأيام بحيرة شيروا في الجنوب الشرقي من نياسا في إفريقية الوسطى وطولها ٤٥ كيلومتراً وعمقها عشرون اكتشفت سنة ١٨٦٩ وخفيت هذه السنة.
تلفون جديد
стр. 260
التلفون وعربه بعضهم بالمقول معروف في هذه البلاد وقد توصل العلماء إلى اختراع نوه منه لا سلك له يستخدم إذا حدثت حوادث في الخطوط الحديدية أثناء سيرها وسينتقل من أميركا محل اختراعه إلى أوربا وغيرها فتوصل آلته بأي سلك كان.
السل البقري
قر الرأي أو كاد على أن السل قد ينقل بواسطة لبن حليب البقر إلى السليمين ممن يشربونه وقد كان ادعى الأستاذ بهرنغ لما نال منذ أربع سنين جائزة نوبل في استكهولم عاصمة الدانمارك جزاء اكتشافه مصلاً للخناق - أنه اكتشف طريقة أكيدة لتلقيح المصابة من البقر بالسل فثبت الآن دعواه وصحت. وطريقته هذه أن يحقن كل حيوان في الأعصاب مرتين في بضعة أسابيع وبمقادير معلومة من باشلس السل المأخوذ من المرضى من البشر.
حالة العلم الحاضر
هو كتاب ألفه اميل بيكارد أحد أعضاء المجمع العلمي في فرنسا ذكر فيه فصولاً في الجبر والرياضيات والفلك وعلم جر الأثقال والطبيعيات والكيمياء وعلم طبقات الأرض ومنافع الأعضاء والنبات والطب بقلم يشف عن سلاسة وتحقيق ولا يستقل به الأكبار أهل الأخصاء المحققين فكأن المؤلف وضع دائرة معارف يصعب على كثيرين أن يقوموا ببعض ما قام به هذا الفرد إذ أن الإجادة في هذه الموضوعات لا تتأتى إلا لمن وقفوا على الاشتغال أعمارهم وصرفوا في البحث ليلهم ونهارهم قام بهذا العمل العظيم وهو من مشاهير الرياضيين وجعل بين تلك العلوم المختلفة صلة تتجلى منها حالتها اليوم.
ومما قال أن العلوم الطبيعية آخذة لهذا العهد أن تتكيف بصورة رياضية وليست الطبيعيات والكيمياء فقط بل العلوم الطبيعية بأجمعها وإن تكن هذه مختلفة عن تلك من هذه الوجهة فعلم الحياة (بيولوجيا) الحاضر مثلاً آخذ بوضع مبدأ مسلم به من أن الحادثات الحيوية تؤول إلى الحادثات الطبيعية والكيماوية. وكل مباحثه تدل على ما ينبغي للعالم أن يعده عما قريب للمستقبل من عدد العلم ليتأتى له أن يحسن البحث العلمي. والحياة العلمية كالحياة الاجتماعية كلما تعاقبت القرون يكثر فيها تعاور الأيدي والاشتراك.
стр. 261
مقالات المجلات
الجولان في النوم
الضياء - مازال أمر الرؤى الليلية من الأمور الغامضة التي لم يتوصل الحكماء إلى حلها بما يكشف عن شرها ويعلل كيفية حدوثها. ومن أغرب أطوارها ما يعرض لبعض الناس أن ينهض من فراشه وهو نائم ويسعى من موضع إلى آخر ويفعل أفعالاً شتى قد لا يصدر مثلها إلا عن إرادة وتعقل وشعور تام حتى لا يشك من يشاهده في تلك الحالة أنه مستيقظ. أما ما ذهبوا إليه في تعليل ذلك فذكر ولتر سكوت أن الحواس تكون حينئذ نائمة نصف نوم بحيث أن صاحب هذه الحال يشعر بمكان وجوده لكنه لا يكون تام الانتباه حتى يستطيع أن يميز ما حوله بجلاء. وقال غيره أنه حتى تكون عيناه مغمضتين يشعر بقوة النور إلى حد لا يشعر به في حال اليقظة وفضلاً عن ذلك يكون حس اللمس فيه على أشد التنبه وبه يتقي ما يتعرض له من الأخطار كالمشي على سطوح المنازل وشواطئ الأنهار وبهذا التنبه الشديد في حسه يتأتى له أن يفعل أفعالاً أعجب مما ذكر فيقرأ ويكتب كتابة في نهاية الضبط من نثر ونظم وقطع موسيقية ويميز أدق الأشياء. قالوا والظاهر أن ما يأتيه النائم من ذلك هو من فعل الذاكرة والعادة بحيث أن حركات الفكر تتألف في النوم على نفس الوجه الذي اعتادت أن تتألف عليه في اليقظة فيكون ما يفعله في النوم تكراراً لما يفعله في اليقظة وأكثر ما تعرض هذه الحال للمصابين بالاضطرابات العصبية كالصدع والهستيريا وما شاكلهما.
فوائد صحية
الأفكار - تدل الطبقة البيضاء على سطح اللسان على خلل في وظيفة الهضم لأسباب أهمها ضعف عمومي في جميع البدن وعدم مناسبة الطعام والإكثار نمن تناول اللبن في الصباح وقد يحدث بياض اللسان عن النوم والفم مفتوح لمرض في الأنفين أو الحنجرة. وعلاجه في تقوية عامة الجسم وأعضاء الهضم خصوصاً كاستعمال الطعام المناسب في الوقت المناسب والالتجاء إلى الرياضة البدنية المعتدلة.
يجب أن يكون حمام الصباح قصير المدة وأن يستمر عليه المرء يومياً حتى في البرد بشرط أن تكون نوافذ غرفة الحمام محكمة القفل وأن يستعمل المستحم الفرك القوي بمنشفة
стр. 262
خشنة قبل أن يغطس وبعد التنشيف الأول.
سئل الدكتور كلون في مجلته عن علة القبض المستعصي فأجاب أن أهم الأسباب معيشة العزلة والجلوس الكثير الذي يضعف عضلات البطن والانحناء كما في الكتاب والمعلمين والتجار ومن جاراهم في الأعمال الكتابية وإفراط في الأكل وإهمال الاعتياد على إطلاق الأمعاء كل يوم بأوقات معينة وعدم مناسبة الطعام كالإكثار من اللحوم والنشويات وعدم تناول الخضر والبقول. ويقوم علاج هذا القبض المستعصي الأصلي بتقوية عضلات المعدة والأمعاء خصوصاً وكل عضلات البطن عموماً كما في الألعاب الرياضية واستعمال التغميز (الدلك) والاستحمام واستنشاق الهواء النقي أبداً.
يعالج الزكام (الرشح) المزمن أو المستعصي بوضع مقدار صغير من البولين ٣٠ غراماً و١٠ نقط من زيت اليوكالبتوس في ماء متبخر ويستنشق البخار بعد أن يكون المزكوم غسل الأنفين جيداً فيشعر براحة حالاً وإذا داوم عليه فمن المرجح بل المؤكد شفاؤه.
стр. 263
العدد ٦ - بتاريخ: ٢٢ - ٧ - ١٩٠٦
стр. 264
صدور المشارقة والمغاربة
كولريج ١٧٧٢_١٨٣٤
الغالب أن الشعراء في كل أمة يتقلبون مع الأهواء فلا يثبتون على حال في مناحيهم ومنازعهم. ومن يعشق الخيال ويهيم بالطبيعة فيخاطب السماك والأسماء، ويهيم بنجوم الأرض كما يهيم بنجوم السماء، لابد أن يقلبه الدهر كل مقلب، وتختلف عليه الأطوار والأدوار، كاختلاف الطبيعة بين صيف وشتاء وليل ونهار. وصاحب الترجمة ما خرج عن هذا الخلق وخروج الشاعر عنه يعدُّ من الغرائب ولا عبرة بالشذوذ. هو من شعراء الإنكليز وفلاسفتهم ربي يتيماً منذ نعومة أظفاره فبعث به أهله إلى مدرسة متوسطة في لندن امتاز فيها بأخلاقه الساكنة وشعوره اللطيف وذوقه العجيب في علوم ما وراء الطبيعة والفلسفة. دخل كلية كامبردج وغادرها بعد سنتين وبعد أن انضم إلى سلك عصابة من سرية الدراغون سعى بعض أصحابه فأخرجوه منه.
سافر إلى مدينة برستول لأول أمره فاتحد وشاعرين شابين مثله (روبرت لوفل وسوتني) وزعموا أنهم يريدون أن ينشئوا في ايلينوا من بلاد أميركا مستعمرة تكون أنموذج المستعمرات تحكمها قاعدة المساواة المطلقة والفضائل الاجتماعية كافة بيد أنهم ما عتموا أن عشقوا ثلاث أخوات فتزوجوا بهن وعدلوا عن أفكارهم الخيالية وجمهوريتهم الكمالية وتفرقوا تحت كل كوكب فراح صاحب الترجمة يؤازر في إحدى الصحف الحرة بلندن موجهاً أبداً كلامه إلى الأمة ولذا حازت مقالاته إقبالاً. ثم كتب رواية وكان نشر من قبل ديواناً من شعره وأنشأ جريدة سياسية أسبوعية لم يصدر منها غير عشرة أعداد فذهب تعبه فيها سدى.
ثم عزفت نفسه عن السياسة واعتزل في إحدى بقاع سويرستهير الجميلة وأخذ ينظم فيها أشعاره ويخلد لهذه المدرة بأقواله ذكراً لا يحمى على الدهر وانكب على العمل والدرس أيما انكباب وهناك ألف أحسن قصائده الموشحات فنجحت كثيراً ولكنها لم تأته بربح يذكر. وزار ألمانيا وتمكن من إحكام آداب الألمانية ثم تقلبت به الأحوال فاعتزل واحد صاحبيه الاثنين المشار إليهما مدة ولم يلبث أن عاود المسائل السياسية والدينية فأصبح ملكياً وداعية إلى التثليث على ما كان يميل إليه من الحرية المفرطة.
стр. 265
تخلى عن الشعر منذ ذاك العهد وأنشأ ينشئ في جريدة مورنن بوست مقالات يجادل بها خصومه أشد جدال في معنى الثورة مما دل على فكر متقلقل يذهب مذاهب الخيال بحس بالأحوال. وسعى أحد أصدقائه فأنقذه من تعاطي الأفيون تلك العادة الخبيثة الشائعة في الشرق فخلصه بذلك من الجنون وجاءت المنية على الأثر فاختطفته دون أن يتم أعماله العلمية فعهد إلى زوجه أن تنشرها بعده.
وكان نفوذ هذا الشاعر الحكيم قوياً في إنكلترا لما عرف به من حب الحكمة وأثر عنه من الكتابات الدينية وجاء من حيث شعره مبشراً بالشاعر بيرون ومملياً على قلبه وروحه فقد استظهر بيرون قطعة صالحة من قصائده كانت له عوناً على الرسوخ في ملكة الشعر. يقول كتاب التراجم الناقدون لو كتب لكولريج أن يتخلى عن الدينيات والسياسيات لجاء منه أعظم شعراء عصره وكان أحد الأحدين غير مدافع وذلك لما خض به من الاقتدار العقلي وسعة التعبير ولطف الأداء. قالوا وكان حديثه مطرباً في الغاية حتى أن إحدى الحانات الغنية في لندن كانت تنقده مبلغاً جسيماً من المال ليحضر إليها ويتسامر وبعض المختلفين إليها. وشبهوا أعماله العلمية بقصر ناقص ترى كل ما فيه هائلاً جميلاً فخيماً ولكن لا تشهد فيه شيئاً قد تم على أصله. وسبب ذلك تلونه في مشربه ومذهبه. والثبات على مبدأ من أقوى عوامل الانتفاع بالرجال.
стр. 266
النظامية والمستنصرية
بلغت بغداد في الحضارة أعلى درجاتها إبان التمدن الإسلامي وكانت عاصمة العلم ومبعث أشعة الحكمة حتى في عصور تدنيها أيام ضعف سياستها وأصبح حكم العباسيين فيها اسمياً ولم تبرح تنفخ فيها روح النمو والرقي التي بثها فيها خلفاء القرن الثاني والثالث فكان العادة أو قوة الاستمرار حكمت أن لا يكون القرن الرابع والخامس والسادس والسابع دون ذينك القرنين إلا قليلاً. وظلت هذه العاصمة على علاتها أرقى من قرطبة والقيروان ومصر ودمشق وسمرقند وخراسان وغيرها من أمصار الحضارة وقواعد العمل على ما بذل زعماء تلك العواصم من العناية في مضاهاة دار السلام وقبة الإسلام.
ولقد كانت المدارس إحدى العوامل الكبرى في ذاك الترقي ويكاد الفضل يرجع إلى بغداد في إحداثها على هذا الطرز المألوف وإن بقيت الأمة زمناً تتلقى علوم الدنيا والدين في حلقات المساجد والمجامع الخاصة. ولقد استاء علماء ما وراء النهر لما بلغهم توفر الخلفاء على بناء المدارس في بغداد وأقاموا للعلم مأتماً تفادياً من ابتذاله وخشية أن تصبح الغاية من الدراسة دنيوية محضة غايتها جر مغنم واجتلاب ديناً عريضة وأسفوا أن رأوا بعض رجال العلم أخذوا يتناولون رواتب لقاء دروس ينفعون بها الأمة وكانوا وأجدادهم من قبل يلقونها بلا عوض ولا عرض ينالونه.
وكأن الله خص القرن الرابع بأن قامت فيه أعظم كليات المسلمين اليوم إلا وهو الأزهر في القاهرة الذي بناه القائد جوهر كما خص القرن الخامس بأن وفق نظام الملك وزير السلاجقة لتأسيس المدرسة النظامية سنة ٤٥٩هـ ببغداد ووفق المستنصر بالله العباسي أيضاً أن أسس مدرسته المستنصرية في أوائل القرن السابع ببغداد. ولما كانت النظامية والمستنصرية عامرتين بضروب العلم غاصتين بالطلاب والأساتذة لم يكن الأزهر يذكر في جنبهما. ولكن دالت الأيام ودرست معالم هاتين الكليتين العظيمتين وكتب البقاء لهذه المدرسة المصرية. ولذلك أحصر الكلام فيهما الآن فأقول:
أسس نظام الملك مدرسته النظامية وسط الجانب الشرقي من دجلة وقسمها إلى مقاصير كثيرة خص كل فرع من فروع العلوم الدينية والدنيوية ببعضها وجعل فيها غرفاً كثيرة يأوي إليها الطلبة والأساتذة هذا عدا ما هناك من أبهاء ومنتديات وقاعات وبستان فسيح ومصلى وأماكن للاستراحة وجميع ما يلزم لدار علم مثلها من سائر موافق الحياة كالمطبخ
стр. 267
والحمام وغيرهما وكانت فيها خزانة كتب عظيمة كما في غيرها من المدارس الكبرى مسبلة على العالمين والمتعلمين فيها. وبنيت طبقتين وأقيمت في أطرافها أروقة وطاقات وجعلت فيها أنابير ومستودعات فيها كل حاجيات أهلها من طعام ولباس وفراش وكان المعلمون كالمتعلمين يكفون المؤونة فيها فينال كل واحد من أوقافها الدارة ما يسد به عوزه وربما ما يفيض عن حاجته.
وليس فيما لدي من المواد شيء يصح الاستنباط منه لإصدار حكم صحيح على نظام الدروس والمدرسين والدارسين في تلك المدرسة وناهيك بأنه كان لها مفت يفتي أهلها في مصالحها على ما هناك من أساتذة هم فخر الإسلام والمسلمين في أعصارهم فقد كان الشيخ رضي الدين أبو داود سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي الشافعي مفتياً فيها. كما درس فيها جلة مثل أبي اسحق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأخيه أبي الفتوح أحمد وأبي الفتح بن برهان وأبي القاسم الدبوسي وأبي عبد الله الطبري وأبي محمد الشيرازي وضياء الدين السهروردي وأبي القاسم القشيري وأبي منصور الوزان وأبي الفتح أسعد المهيني وأبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله شيخ العراق في وقته وأبو سعيد المتولي وكمال الدين النحوي وفخر الإسلام أبو بكر المستظهري وأبو بكر بن الدهان النحوي الضرير والشرف يوسف بن بندار الدمشقي وعشرات غيرهم ممن تخرج بهم مئات من الفقهاء والمحدثين والأصوليين والمتكلمين والمتأدبين وغيرهم.
وشقيقة هذه المدرسة بل خليفتها المدرسة المستنصرية بناها سنة ٦٣١ المستنصر بالله في الرصافة على ضفة دجلة الشرقية وانفق في بنائها ما ينفقه الملوك في بناء إذا أرادوا به تخليد ذكرهم وإحياء مفاخرهم. وجعل فيها خزانة كتب حملت من الآفاق حملها مائة وستون حمالاً وفي رواية بعض المؤرخين أنها كانت مائتين وتسعين حملاً عدا ما أضيف إليها بعد. قال الذهبي وأوقاف هذه المدرسة عظيمة غلت في بعض السنين سبعين ألف دينار قيل أن قيمة ما وقف عليها يساوي ألف ألف دينار. وقد جعلت على المذاهب الأربعة وأقيم فيها مستشفى وأطباء يدرسون الطب كما يدرس فيها علم الحيوان النبات والفلك والرياضيات على اختلاف ضروبها والآداب على أنواعها والجغرافية والتاريخ وعلوم الحديث والقرآن.
وشرط بانيها أن يكون عدد الفقهاء فيها مائتين وثمانية وأربعين فقيهاً يصيب أهل كل
стр. 268
مذهب ربع هذا العدد يأخذون رواتب وجرايات كثيرة هذا ما عدا المحدثين والمقرئين ومشاهراتهم وعدا كتاب متصل بالمدرسة خص بثلاثين يتيماً يستظهرون فيه الكتاب العزيز ويكفون المؤونة وعدا المدرسة الطبية والمستشفى والصيدلية التي يدرس فيها الدارسون ويستشفى بها المرضى ويأخذون ما يقتضي لهم من المعاجين والأدوية.
وأول من عهد إليه التدريس في تلك الكلية محي الدين أبو عبد الله ابن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو جعفر الفرغاني الحنفي والنيابة عنهما جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي وأبو الحسن المغربي المالكي واشتهر من مدرسيها جمال الدين العاقولي. ووصف هذه المدرسة العالم محمود شكري الآلوسي في كتابه مساجد بغداد ومدارسها فقال أنه كان فيها مزملة للماء البارد وأن الداخل إليها اليوم من بابها الكبير الجنوبي يرى فسحة طولها نحو مائة متر وعرضها نصف ذلك وفي كل جهة منها إيوان رفيع السمك كأنه أعد كل واحد منها لمدرس من المذاهب الأربعة وأن الموظفين بها كانوا أقل من المشتغلين فإنهم في كل وقت كانوا دون ألفي طالب على اختلاف طبقاتهم واستعدادهم وأما الموظفون فهم دون الألف وكانت التفرقة بين الأصناف والطبقات بألوان الطيالس فذوو الطيالسة الصفر صنف والبيض صنف والحمر صنف وهكذا. وكان في بابها ساعة عجيبة.
هذا ملخص ما كانت عليه النظامية والمستنصرية من الإتقان العجيب ولم يبق للأولى من أثر اليوم غير قاعدة منارتها وهي مطبخ أحد الإسرائيليين وبقيت الثانية محفوظة من أيدي التخريب إلا قليلاً بيد أنها حولت إلى إدارة جمرك منذ بضع سنين وذهبت تلك الحضارة وما يتبعها جملة وراحت النظامية ولم نعد نسمع إلا بأخبارها وربما تتبعها المستنصرية تلك المدرسة التي بلغ من غرام بانيها بها كما قال ابن العبري أنه بنى بجانبها بستاناً خاصاً له وقلما يمضي يوم إلا ويركب في السيارة ويأتي البستان يتنزه فيه ويقرب من شباك مفتح في إيوان المدرسة ينظر إلى البستان وعليه ستر فيجلس وراء الستر وينظر إلى المدرسة ويشاهد أحوالها وأحوال الفقهاء ويشرف عليهم ويتفقد أحوالهم. فليت المستنصر يحيا اليوم فيرى ما فعلت الأيام بما شاده وشاده نظام الملك.
стр. 269
البابليون
المملكة الكلدانية - قامت مملكة آشورية جديدة مكان بلاد الكلدان القديمة الداثرة دعيت مملكة البابليين أو المملكة الكلدانية الثانية. وقد تكلم أحد أنبياء إسرائيل على لسان الرب فقال: أنا أحيي الكلدان تلك الأمة الظالمة وسرعان ما تطوف الأرض للاستيلاء على مساكن غيرها وأن خيولها لأخف سيراً من النمر وفرسانها لينشرون في الأطراف ويطيرون كالنسر ينقض على قنيصته وبالجملة فقد ألف الكلدانيون الفروسية والحرب والفتح وهم يماثلون الآشوريين كل المماثلة فاستولوا على بلاد الفرس والجزيرة وبلاد اليهود وسورية وكانت مدة حكمهم قصيرة فقد أنشئت المملكة البابلية سنة ٦٢٥ وأبادها الفرس سنة ٥٣٨ ق. م.
بابل - كان بختنصر (٦٠٤_٥٦١) من أقدر ملوكها وهو الذي خرب بيت المقدس وساق اليهود أسرى وأسس في بابل عاصمة بلاده كثيراً من المعابد والقصور. أقيمت هذه المعاهد بالآجر لقلة الحجر في سهل الفرات. ولما كتب عليها الدثور والعفاء لم يبق منها إلا كوم من التراب والأنقاض وقد عثر في المكان الذي كانت فيه بابل على بعض كتابات فعرفت هيئة المدينة. بيد أن هيرودتس اليوناني وصف مدينة بابل وصفاً مسهباً وكان زارها في القرن الخامس ق. م فإذا هي محاطة بسور مربع يشقه الفرات وكانت المدينة تشغل حيزاً من الأرض مساحته ٥١٣ كيلومتراً مربعاً (أي سبعة أضعاف مدينة باريس) ولم تكن كل هذه البقعة الفسيحة الأرجاء عامرة بالدور والمساكن بل كان يتخللها حقول مزروعة تقوم بأود السكان آونة الحصار. فكانت بابل من ثم أشبه بمعسكر حصين منها بمدينة. وفي جدرانها أبراج ولها مائة باب من النحاس الأصفر وكان سمكها صالحاً لمرور مركبة عليها وفي حيال السور خندق عريض عميق مليء ماء وسترت حافاته بالقرمد. وكانت دورها ذات ثلاث طبقات أو أربع والشوارع وسطها زوايا قائمة. وما أعجب بناء جسر الفرات وأرصفته والقصر الحصين والجنان المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع. وهذه الجنان سطوح مغروسة بالأشجار قائمة على عمد وقباب مصفوفة طبقات الأولى بعد الثانية.
برج بابل - بنى بختنصر في طرف المدينة برج بابل وقال في إحدى كتاباته لقد جددت أعجوبة بورسيبا (من ضواحي بابل) ليعجب الناس منها وهو معبد السيارات السبع في الدنيا فأعدت تأسيسه على النحو الذي كان عليه في الأزمان السالفة. وهذا المعبد على شكل
стр. 270
مربع مؤلف من سبعة أبراج بعضها على بعض وخص كل برج بإحدى السيارات السبع وصور باللون الذي أختاره الدين لتلك السيارة. وهذه الألوان إذا بدئ بها من أسفل فهي: زحل (سواد) والزهرة (بياض) والمشتري (أرجوان) وعطارد (أزرق) والمريخ (قرمزي) والقمر (فضي) والشمس (ذهبي). وكان في أعلى الأبراج مصلى ومنضدة من ذهب وفراش وثير تسكن إليه كاهنة.
أخلاقهم وديانتهم
أخلاقهم - لا نعرف هذه الشعوب إلا بمعاهدها ومعاهدها تكاد لا تتعدى أعمال ملوكها فلا ترى الآشوريين أبداً إلا وهم مصورون في حرب أو في صيد أو في احتفالات وما صور نساؤهم قط إذ كن حلس بيوتهن لا يخرجن للناس. وعلى العكس في الكلدان فإنهم كانوا أهل حراثة وتجارة ولكننا لا نعرف شيئاً عن حياتهم. يقول هيرودتس أن هذه الأمة كانت تجمع البنات في مدنها مرة واحدة في العام لتزويجهن فيبيعون الجميلات منهن ويؤخذ ثمنهن ليعطى جهازاً إلى مشوهات الخلقة. قال وعندي أن هذا القانون من أحكم ما وضع من القوانين والشرائع.
ديانتهم - دين هاتين الأمتين واحد فالآشوريين تمذهبوا بمذهب الكلدانيين وقد التبس علينا هذا الدين لأنه نشأ كدين الشعب الكلداني من مزيج ديانات متباينة مشوشة كلها. فكان التورانيون يعتقدون على نحو ما تتوهمه قبائل سبيريا الصفر أن العالم غاص بالشياطين (مثل الطاعون والحمى والأشباح والعفاريت) دأبها تربص البشر بالشر والأخذ بمخنقهم ولذلك تراهم لا يلجأون إلى السحرة ليطردوا عنهم هاته الشياطين برقياتهم. وكان الكوشيون يعبدون ربين ذوي اقنومين الذكر وكان القوة بزعمهم والأنثى وهي المادة وكان الكهنة الكلدان وهم مجموع طوائف قوية من المنعة بحيث ساغ لهم أن يعنوا بتوحيد الدينين.
الأرباب - الرب المتعال هو ايلو في بابل واسور في أشور وقلما يقيمون له معبداً ومنع يشتق ثلاثة أرباب وهم آنوا رب الظلمة وصورته صورة رجل وذنب نسر معصب رأسه برأس سمكة. وبعل ملك الأرواح مصور كالملك على عرشه. ونواح وهو العالم المنظور هيئته هيئة جبار ذي أربعة أجنحة منتشرة. ولكل من هذه الأرباب ربة أنثى إشارة إلى كثرة الأولاد والذراري. ثم ترد من أسفل صور القمر والشمس والسيارات الخمس
стр. 271
والكواكب وفي هواء بلاد الكلدان الشفاف يضيء سناها إضاءة لم نعهدها فتتلألأ كالأرباب. وقد أقام الكلدانيون معابدهم باسم هذه الأرباب وما هي في الحقيقة إلا مراصد يتمكن منها المتعبد من مراقبة سير الأفلاك.
علم التنجيم - ذهب الكهنة إلى أن هذه الكواكب أرباب عظيمة تعمل عملها في حياة الإنسان. فكل امرئ يولد في الدنيا في طالع كوكب من الكواكب فيتأتى التنبؤ بسعده إذا علم الكوكب الذي ولد في طالعه. ومن هنا نشأ علم التنجيم والفأل فما يحدث في السماء علامة على ما سيحدث على الأرض. فالنجمة المذنبة مثلاً تنبئ بحدوث ثورة. ويعتقد كهنة الكلدانيين أنهم إذا رصدوا القبة الزرقاء وسياراتها يتنبأون بالحوادث وهذا أصل التنجيم.
علم السحر - للكلدان ضرب من الرقى والطلسمات يدمدمون بها لطرد الأرواح أو استحضارها. وهذه العادة من بقايا ديانة التورانيين وهي أصل السحر. نشأ علم السحر والتنجيم في بلاد الكلدانيين وانتشر في أفق المملكة الرومانية ثم تعداها إلى بلاد أوربا. عرف ذلك من تتبع القوانين السحرية في القرن السادس عشر وكان فيها إذ ذاك كلمات آشورية محرفة.
العلوم - نشأت علوم النجوم في بلاد الكلدان فمنها عرفنا منطقة البروج وتألف الأسبوع من سبعة أيام إكراماً للسيارات السبع وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهراً واليوم إلى أربعة وعشرين ساعة والساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية. وعنهم أخذنا طريقة الأوزان والمكاييل محسوبة على مقياس الطول مما ألف بالاستعمال عند الشعوب القديمة كافة.
الصنائع
علم عقود الأبنية - لا نعرف صنائع الكلدانيين حق معرفتها إذ قد سجل العفاء على معاهدهم. وقد حذا أهل الصنائع من الآشوريين ممن رأينا صنائعهم حذو الكلدانيين فصح الحكم على المملكتين جملة واحدة. كان الآشوريون يبنون كالكلدانيين بآجر مجفف بالشمس ويغشون ظواهر الأبنية بالأحجار.
القصور - أقام الكلدانيون قصورهم على آكام صناعية جعلوها واطئة مسطحة تشبه سطوحاً كبيرة واقتضى جعل العلالي والغرف ضيقة واطئة واكتفى بتطويلها كثيراً لأن
стр. 272
الآجر لم يكن لينفع في بناء القباب المنبسطة العالية. فالقصر الآشوري يشبه سلسلة أروقة ودهاليز. والسقوف سطوح ممتدة ذات شرفات وفي الباب ثيران ضخمة مجنحة على هيئة الإنسان. والجدران مغشاة من الداخل تارة بروافد من الخشب النفيس وطوراً من الآجر المزين بالمينا وأخرى بصفائح من الرخام الأبيض المنقوش وآنات تزدان الغرف بالصور ويحلى الأثاث بالترصيع البديع.
النقش - يعجب المرء من نقوش الصور الآشورية خاصة ومن المحقق أن التماثيل نادرة ولا إتقان فيها لان النحاتين يؤثرون نحت صفائح كبيرة من الرخام ونقوش ناتئة تشبه الصور ويرسمون مشاهد لا نظام فيها أحياناً وحروباً وصيوداً وحصارات مدن واحتفالات يخرج الملك بها في موكب حفل وهناك تتجلى التفاصيل الدقيقة. فترى بنات الخدام الموكلين بطعام الملك وزمر العملة يبنون له بلاطه والحدائق والحقول والغدران والأسماك في الماء والطيور ترفرف على وكناتها أو تتطاير من شجرة إلى أخرى. وترى صور الكبراء من جوانب وجوههم لان أهل الصناعة ما عرفوا تصويرها من الأمام. ولكنك تقرأ في سحناتهم الحياة والشرف. وتظهر الحيوانات في الأحايين وخصوصاً في الرسوم البارزة في الصيد وفي العادة أن تنقل نقلاً حقيقياً مدهشاً. وكان الآشوريون يتأملون الطبيعة ويرسمونها أصح رسم وبهذا تعرف قيمة صنائعهم حتى أن اليونان اقتدوا بمذهبهم في الصنائع بأن قلدوا النقوش الآشورية ففاقوا مقلديهم وليس في الأمم حتى ولا اليونان أنفسهم من أحسنوا تصوير الحيوانات كالآشوريين.
стр. 273
حسنات القرن الماضي وسيئاته
معربة عن الفرنسية
من المعلوم أن حب البذخ قد وجد في كل عصر من عصور العالم وتواريخ الأمم القديمة طافحة بالأمثلة الكثيرة من ذلك ولكنه كان أبداً سبب الشقاء العام والخاص وتأثيره في هذه القرون الحديثة أدهى وأمر. فقد كان البذخ في القرون السالفة من شأن طبقات الأشراف الكبراء أما في القرن التاسع عشر فأصاب الطبقة الوسطى من الناس تلك الطبقة التي نالت ما نالت بفضل ما خولت من الامتيازات. وهذه الطبقة على كثرة عددها من أشد الطبقات قرباً من الطبقة السافلة وأكثرها بها اختلاطاً ولذلك أصاب هذه أيضاً من ذاك المرض شدة، وبرحت بها تباريح التفخل والتبرج. ومن الأسف أن آفة التظاهر باليسار مازالت يتفاقم شرها ويعظم ضرها من حين إلى آخر وهي من الجراحات الاجتماعية التي هاجمت الطبقات الميسورة والطبقات المعسورة معاً. فقد اعتدنا أن نتخذ من الظل نوراً ومن الظواهر حقائق حتى تضطر الحقيقة أن تكتسي بين أظهرنا في الأحايين رداءاً مموهاً من الكذب للوصول إلى الغاية تنشدها.
وما دام العلم لم يعم سواد الشعوب وطبقة العملة لا تهديها المعارف إلى وجه مصالحها الحقيقية فالميدان رحب لأهل المطامع ممن يستخدمون البذخ آلة لإضلال الرأي العام فيعمدون إلى طرق غريبة في الكسب والانتفاع ومنها أشغال البورصة والمضاربات. وسرها قائم بالتأثير في أفكار الرجال بإيجاد الثقة وعدمها في بعض الأحوال على حسب أغراضهم وهم يسيئون استعمال الثقة العامة بإشاعات كاذبة يلفقونها ليغتنوا فيكونوا عالة على ما اقتصده ألوف من البيوت المسكينة وأنت عارف بنتائج أشغال البورصة في الآداب العامة فإن زيادة المالية على هذا النحو تضعف الإحساس وتصد الذكاء عن سننه وغايته الحقيقية وتقتل النشاط على العمل. ويسود أعظم نجاح باهر في الصناعات العادية في عيون أصحابها في جانب الوعود الخلابة التي يعدهم بها القائمون على هذه التجارة. ثم أن أمثال هذه الثروات السريعة الحصول تنبه طمع من كانوا يقنعون من قبل بثمرات أعمالهم أو أملاكهم فيأخذهم دوار الربح فيتدهورون في هذه المضاربة المخطرة فيؤدي ذلك إلى خراب ثروات عديدة وتجلب المصائب على أسرات كثيرة. وما ننس لا ننس الأزمات
стр. 274
المالية التي وقعت منذ ثلاثين سنة في فينا وبرلين ولندرا وحدث عنها إفلاس عظيم في الطبقات العالية والوسطى مما يثبت نتائج البورصة السيئة وما هي إلا بنت البذخ والزهو الجنوني في عصرنا.
ولقد حدت الحال بالأمم أن ترقي درجة التعليم العام بداعي الجهاد المستمر العظيم في معترك الحياة الحاضرة فأخذوا يملأون رؤوس التلامذة الذين يتأهلون للصناعات العلمية والأدبية بأنواع المعارف فتضيق عن استيعابها ولا تقوى أجسادهم على تحمل ما ينهال عليها ويصرف من دقائقها فيصابون بأمراض طبيعية وعقلية وتضعف تراكيبهم عن تتميم وظائفها وتضطرب تغذيتهم والمساعدات على تراكيبهم النامية.
والأمم التي تزعم أنها في مقدمة الحضارة والقيمة على أسبابها هي التي تجتهد كل الجهاد في هذا المعنى فتنفق النفقات الطائلة لتزيد في ترقية الشبان وإنارة عقولهم وزيادة عدد المدارس وتحسين مواد التعليم العالي والوسط والابتدائي. ولا يفوتنا النظر زيادة على ما ذكر من القوانين الفيسيولوجية (المختصة بوظائف الأعضاء) أن نفوذ القوى العقلية متوقف على كمية الأكسجين التي يحملها الدم إلى الدماغ وعلى الهواء الصافي الذي توفرت فيه مادة الأكسجين يشاركهما على تحسين مجرى الرئة وهو السبب الضروري لسلامة الوظائف العقلية. فإذا بطل هذا الشرط وأضيف إليه تهييج القوى العصبية الناتج من شغل عقلي طويل وخصوصاً في بعض التراكيب والأعمار يضعف مجرى الدم ويؤدي بالتدريج إلى الفقر الدموي الدماغي وإلى إنهاك القوة الفكرية ويبدأ ذلك بضعف الذاكرة وعدم الإمكان في تحديق النظر في الموضوعات المهمة والشبان الذين يتعاطون العلم يصابون غالباً بسوس الأسنان وقد ثبت لأحد أطباء برلين من إحصاء خمس سنين أن ثمانين في المائة ممن تقدموا ليكونوا متطوعين في الجيش مدة سنة لم يكونوا صالحين للخدمة.
والفتيات اللاتي ينصرفن إلى الأشغال العقلية يصبن أيضاً بما يصاب به الفتيان من ضعف الدم والأمراض العصبية المختلفة وخصوصاً في سن البلوغ لان حالة المجتمع الحديث أصبحت تقضي على الفتيات أن ينصرفن جملة إلى الكد وإنهاك القوى للتغلب على رنق الحياة ومنهن من لا يجتهدن على هذا النحو إلا مجاراة لرغائب والداتهن أو عملاً بما يقتضيه التقليد. وإذا كان معظمهن عائشات غالباً في المحال المزدحمة ولا تسمح لهن
стр. 275
أحوالهن المالية بالعيش أبداً في أحياء معرضة للهواء وبيوت توفرت فيها شرط الصحة على بابها فقد أسفر ذلك عن انقطاع الحواس التنفسية عن بلوغ حدها الأعلى من الانبعاث لقلة التمرين الوظائفي مما يؤدي إلى بشاعة كثيرة ويفسد الأوضاع الجسدية ويفضي إلى الحسر (ضعف البصر) وانحراف العمود الفقري الشائعين بين الفتيان والفتيات في خلا سن البلوغ.
وقصارى القول فقد أحدث القرن التاسع عشر تأثيراً في إصلاح الخيرات المادية والأدبية والعقلية في جميع طبقات المجتمع عامة وفي طبقات العملة خاصة فقلت قيمة ما أحدث وكلفت فوائده أهل الأجيال الحاضرة والمستقبلة كثيراً إذ لم يترك في الوجود غير كثير من المسائل الاجتماعية دون أن يحلها. وسيبقى الجهاد أبداً قائماً على ساق وقدم بين نصراء الطريقة القديمة والمجاهدين لتحقيق نياتهم في الارتقاء الحديث. بين رأس المال والعلم. بين حقوق المجموع وحقوق الأفراد.
ومن الأسف أنا لا نزال في دور التجارب وإنا لنتطال إلى بلوغ عقل الإنسان مرتبة الكمال وهذا لا يتأتى إلا بالإنفاق من سائر التركيب النامي الذي يضعف فيعمل على الدماغ فتختلف الاضطرابات باختلاف القوى العصبية والأشغال العقلية والجنس والسن. وإفراط الشبان في الأشغال العقلية مضافاً إلى الاستكثار من ضروب الشهوات في سن الرجولية هو الداعي عند بعضهم إلى استنزاف مادة القوى ونفوذها العقلي ويؤثر في بعضهم من الجهاد في الحياة ومن مختلف ضروب الأطماع في نيل المراتب والمناصب الاجتماعية ويكون سببها عند بعضهم بذل قوى الأفراد الطبيعية والأدبية بأضعاف التركيب النامي بالاضطرابات والهيجان من كل ضرب.
والحق يقال أن الإنسان قد تعلم بفضل ارتقاء الحضارة الحديثة طرق الوقاية من كثير من الأمراض بالعمل بالقوانين الفيسيولوجية أي بواسطة الأسباب الصحية في أعمال الحياة الخاصة والعامة. ولا يفوتنا أن تلك القواعد كانت في الأزمان الغابرة مجهولة فكان الضعفاء عرضة للهلاك بداعي قلة أسباب مدافعة العناصر العادية التي تتربص بهم الدوائر على حين فاز الأقوياء بما أرادوا من المنعة والوقاية وحيوا حياة طيبة عمروا فيها إلى أن تمتعوا بأولاد وبنين. هذا وقد توفرت اليوم دور الصحة للفقراء ومستشفيات السل والمصاح
стр. 276
والملاجئ والبيمارستانات لليتامى والعميان والصم البكم والمعتوهين والبله. وبالجملة فإن المجتمع يؤوي في حجره الفقراء والمرضى والبله والضعفاء وكل من أعوزتهم القوة وخانتهم أسباب الجهاد. وقد صار من لم يعيشوا من قبل إلا أياماً في حالة حسنة يعيشون معها ويكبرون ويتبسطون في هذه البيئة الصناعية كالنبات يعيش في بيت من الزجاج بمأمن من الأحداث الجوية وربما ولدوا أولاداً ضعافاً مثلهم وإن كانوا على جانب من الذكاء ولكنهم حرموا من الحدة الطبيعية واحتاجوا للوسائط الصناعية لينجحوا وقد ورثوا الأجيال اللاحقة تلك المفسدات العضوية التي لا تؤهلهم لبلوغ الأجل الأوسط من الحياة البشرية أو تعدهم للأمراض المهلكة التي تشتد وطأتها على الجنس الإنساني وخصوصاً في مراكز السكان الكبرى.
وغير خاف أن نماء التجارة والصناعة في النصف الأخير من هذا القرن لم ينشأ عنه فساد هواء المدن بازدحام الناس في أنحائها وبما ينبعث من قاذوراتهم وعفنهم بل قد نتج منه شقاء الطبقة النازلة وانتشار الفجور والفساد والجرائم. وما من أحد يجهل أن السوقه في المدن الكبرى يحتالون أبداً للانتفاع من المفاسد البشرية وأماكن اللهو مثل محال القهوة والمجتمعات ودور اللعب والحانات والمواخير حيث ينفق بعضهم في اللعب ما اقتصده وآخرون ينفقونه في معاقرة المشروبات الروحية وفريق منهم يأتون في ناديهم المنكر وهم لا يتناهون. وأنت ترى بهذا أن حياة العيال المحبوبة آخذة بالضعف من حين إلى آخر كما أن التعلق بالبؤرة (المسكن) الأهلية آخذ بالفتور والانحلال. ولم تحدث محال القهوة والمجتمعات العامة إلا لضرورة اجتماعية ولتكون معهداً يختلف إليه التاجر والأديب في الأحايين وينتابه العامل في آونة عطلته. وقد استعيض عن الأخلاق والصلات البسيطة التي عهدت في الأزمان السالفة بغيرها من الأخلاق والعادات ولكنها نكدة مخالفة للطبيعة وأجدر بها أن تكون مكسوة بالطلاء اللامع من الظواهر من أن تكون لها حقيقة لا شائبة فيها.
стр. 277
حكم منتخبة من روايات شكسبير
بارك الله في من يجعلون خيراً من الشرّ وأصدقاء من الأعداء
الفاضلُ جسور والصالحُ لا يكون جباناً البتة
كثيراً ما ننقض ما نصمم عليه فما القصد إلا عبد الذاكرة
في مصائب الزمان امتحان ثابت للرجال
لا يمكن أن نكون كلنا سادة ولا يمكن أن يطاع كل السادات طاعةً صادقة (إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع)
أنقى كنزٍ يأتي به هذا الدهر الزائل هو الصيت النقيُّ فإذا فقد لا يكون الإنسان إلا تراباً مطلياً بالذهب أو طيناً مصبوغاً
الجبان يموت مرات كثيرة قبل أن يأتيه الموت وأما الباسل فلا يذوق الموت إلا مرة واحدة
(وإذا لم يكن من الموت بدٌّ ... فمن العجز أن تموت جبانا)
مما أوقن به أنه ليس للإنسان أن يقنط بتة بل عليه أن يجد وراء خير الأمور رغم ما يعارضه من أصعب الصعاب
ما الحياة حتى نئن ولم هذا الضجيج
هل أصابني جنون حتى أربي في نفسي ما ليس له من الثمر إلا المر وأني لأقلعنه من صدري ولو تأصل في قلبي
الرجل الشريف يوثق به ثقةً تامة
قيل أن الحبّ طفل لأنه كثيراً ما يخدع في ما ينتخبهُ
لا يحتاج الحق إلى التلوين لان لونه ثابت ولا يحتاج الجمال إلى زينة الطلاء فإن الأحسن هو الأحسن بلا مزج أصلاً
كن عظيماً في الإيمان وقوياً في الصبر على صروف الزمان
إذا كنت أميناً يقاومك الأراذل بأجمعهم
إذا كانت الأكذوبة محضة فمقابلتها ومقاومتها أمر سهل ولكن إذا كان فيها شيء من الصدق فقتالها عسر
للذة والنقمة آذان صماء لا تسمع الحكم الصحيح
الغلبة غلبتان إذا رجع الغالب وعدد جيشه وافر
стр. 278
الموت أمر حقير ولكنه يفني ويل الحياة
ما الخير والشر إلا ما يظنه الإنسان خيراً أو شراً
إذا لم نستفد من مجرى الزمان ذهبت مساعينا ضياعاً
يفوقنا أولادنا بحذقهم كما تجاوزنا نحن حذق آبائنا فإننا عرفنا شيئاً وغابت عنا أشياء
الناس لا يعتقدون بتوبة أحدٍ وهذا الحكم مصيبٌ غالباً
لا فرق إن كانت أكياسنا ملآنة أو أثوابنا حقيرة فإنما العقل هو الذي يغني (لا شيء عظيم في الدنيا إلا الإنسان ولا شيء أعظم في الإنسان إلا العقل)
الرجاء الصحيح سريع الجري يطير بجناحي الخطاف ويصير الملوك آلهة وما دونهم من الناس ملوكاً
إذا وثق الإنسان بنفسه ثقة كاملة وكانت النفس كفءً فذلك من الأعمال العظيمة
الرجل يحب في شبابه من الطعام ما لا يطيقه في شيخوخته
إن نفس الكتاب الذي كتبت فيه خطاياي هو نفسي
يخسر الرجال شهرتهم إذا لم يراعوها على نحو ما تخسر الجواهر مجدها إذا أهملت
أَعنِ الفقير وأعضد المسكين وكلما تقدمت الحياة زد إقداماً وإحساناً
إذا عبس الجو توعد بهياج قريب
الرجل الشريف مفطور على الصلاح والكرم والفضل والصفات الحسنة
لا يعلم المرء ماذا تأتي به كلمةُ السوء من تسميم الحب
الزهور الجميلة بطيئة الظهور والعشب البري سريع
ما الجمال الأخير باطل مشتبه وضياء لامع سريع الزوال وزهرة تذبل وتموت
أوصيك أن تطرح عنك حب الرياسة فقد سقط الملائكة بهذه الخطيئة
مادامت الأمور مجهولة وجب أن نحسب حساً بالأفظع ما يمكن أن يصيبنا
عارٌ على من يضرب ويقتل لذنوب هو يحبها ويفعلها
(لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيمُ)
كثيراً ما يقنع صمت البراءة النقية حيث يخيب الكلام
أدعُ الله فإنهُ السميع المجيب وهو أقرب إليك من حبل الوريد
стр. 279
الرجل الحكيم لا يجلس ويندب خسارته أبداً ولكنه يجدُّ بسرور في إصلاح ما ناله من الضرر
الضربات الكثيرة ولو بفأس صغيرة تقطع أعظم الأشجار وتطرحها إلى الأرض
إن نفس عيوننا كأحكامنا عمياء أحياناً
قيمة العطايا برمتها تابعة لمقام المعطي
من موجبات السرور أن يعمل الإنسان ما يجب متى سار في طريق مظلمة
من الحكمة أن يعلم أشر الواقع
إذا كنت معنياً بحياتك فاطرد الغفلة عنك وكن حذراً متيقظاً
مهما كانت حالة الإنسان حسنة إذا لم يكن راضياً فحياته صائرة إلى غاية الشقاء
(لكل شيء مدة وتنقضي ... ما غلب الأيام إلا من رضي)
بادر إلى ما يتيسر من الوسائل ولا تهملها
(ولا أوفر شغل اليوم عن كسل ... إلى غدٍ إن يوم العاجزين غد)
شر الرياح ما لا خير فيه لأحد (مصائب قوم عند قوم فوائد)
بيروت
يوحنا ورتبات
стр. 280
شبيبة عظيمين
ملخصة عن الإنكليزية
كان غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا في صباه كما هو الآن خطيباً مصقعاً ولسنا مفوهاً لا تسنح له فرصة كلام إلا وتجد لسانه في النطق يسابق الكهرباء في السريان ولم يتخذ لمران قوة بيانه وفصاحة لسانه إلا أعقد المسائل السياسية وأهمها فلم يسمع منه في شبيبته سوى قراع الكتائب والسيف والمدفع وطبل الحرب وميدان الوغى. زادت حميته وقويت حجته وشكيمته في عهد أبيه المسكين الذي قضى أيام ملكه على فراش المرض وبين أيدي الطبيب والجراح ولقد نسي الابن إذ ذاك أباه ولم تأخذه عاطفة من عواطف حب الابن والده وتغلبت عليه شهوة الملك فكنت تراه في خلال مرض أبيه - وكان يقضي عليه أن يختفي عن الأنظار ويلازم فراشه في ساعاته الأخيرة ليخفف آلامه قبل أن يتجرع حمامه - لابساً ثياب الحرب ممتطياً صهوة جواده يطوف الطرق ويتنقل من بلد إلى آخر ويخطب القوم حتى قال فيه بعض كبار الساسة على ذاك العهد أن هذا الأمير كبعض الممثلين له شغف باللباس والكلام ولو كان من أبناء فرنسا لعذرناه على الطيش والحمق.
ومن حسن حظ ألمانيا أن قيصرها لم يكن رجل قول بل كان الفعل أقرب إلى قلبه والعمل أسهل لديه من تحريك اللسان فلما تولى الملك استبدل الفتيان والصبيان بالشيوخ والكهول فجدد بذلك حياة الإمبراطورية وقيد اسمها في سجل الدول الكبرى التي يدير دفتها الشباب وتدبر أمورها الفتوة فكأنه قدَّ من حديد أو صيغ من فولاذ لا يستقر على حال يتجول في الأرض فكأنه ملك من ملوك القرون الوسطى تقمصت نفسه في نفس غليوم.
أشتهر عن غليوم بأنه من رجال العمل ولكن شتان بين عمله وعمل غيره من الملوك وحسبنا على صدق هذا القول ما تكتبه الصحف عنه كقولها غليوم السائح وغليوم الخطيب وغليوم ينادي بأنه ملك ملوك الأرض وغليوم يؤنب أشراف مملكته ويمتدح جندها وإمبراطور ألمانيا يغير ثياب الجند وملابس رجال البلاط والقيصر غليوم يطرد بسمارك ويتفرد بالملك والسياسة وإمبراطور ألمانيا يضرب الأرض بأعدائه وإمبراطور ألمانيا الشاعر المصور المستعمر.
وقد يعجز القلم عن ذكر ما للإمبراطور من الصفات الكريمة والسجايا الفاضلة التي تميز
стр. 281
الملوك عن غيرهم ومن تلك الصفات شجاعة الإمبراطور وأمانته وإصلاحه ويحكى عنه في صباه أن معلماً أراد أن يتقرب إليه في شبابه ليقربه الأمير أيام ملكه فدنا منه وأسرَّ إليه بأن الفحص سيكون في باب كذا من كتاب كذا. هذا ليجدَّ الأمير الصغير في التحصيل ويفوز على أقرانه في حلبة الامتحان ولكن شجاعة غليوم وإخلاصه عكستا آمال المعلم المتملق فإن الفتى صبر حتى جاء وقت الامتحان وتقدم بقدم ثابتة وجأش ساكن إلى لوحة الكتابة وكتب عليها يكون الامتحان في كذا كما أسرَّ إليَّ المعلم.
وكان روزفلت رئيس الولايات المتحدة في شبابه يحتقر أكثر المشتغلين معه في السياسة لعلمه بأنهم ثرثارون لا يؤثر عنهم عمل يذكروهم فئة تقول ما لا تفعل وتخاف التصريح بآرائها وأفكارها ولقد كتب في صباه كثيراً وكان أغلب ما كتبه في المسائل السياسية والحربية التي عرضت له في حياته وله بعض الكتب في التاريخ وفنون الصيد والرياضة البدنية وغيرها يصف فيها الحياة في غرب أميركا.
وكتب زهاء عشرين كتاباً في أقل من عشرين سنة. وقد ظهر أول كتاب من قلمه سنة ١٨٨٢ ثم كمنت قوته الأدبية ست سنوات وأخرج بعدها في سنة ١٨٨٨ رسالة كبيرة مزج فيها العلم بالسياسة وحلل فيها نظام الحكومة الجمهورية تحليلاً دقيقاً وباح بآراء مهمة جعلت له مركزاً سامياً بين أقرانه سيما وقد أفرغ في تلك الرسالة كل ما مر عليه من تجارب في ثماني سنين قضاها في وظائف الحكومة السامية ومن كتبه كتاب سير الأبطال وحياة الفكر والعمل وحياة أوليفر كرومويل وتاريخ نيويورك وقد جمعت وطبعت كلها في خمسة عشر مجلداً وله غير هذه الكتب مقالات كثيرة نشرت في المجلات الإنكليزية والأميركية.
وقد صرح روزفلت بجميع أفكاره الحرة في كتاب كبير اسمه منتهى الكمال ضمنه ما استطاع من الآراء السياسية والاجتماعية وحلَّ فيه كثيراً من المشكلات التي عرضت له في صباه وقد أظهر روزفلت بهذا الكتاب للملأ أنه هو الرجل الوحيد الذي يمكن لأمة كبيرة قوية أن تضع ثقتها فيه. ومن آرائه في هذا الكتاب أنه ليس المجرم الحقيقي هو الذي يسلب ويقتل ويكون هدفاً لسهام العقاب والقصاص إنما المجرم الحقيقي هو السياسي أو الصحافي الكبير الذي يثق به الناس وهو غادر منافق يسعى لمنفعته الخاصة والمجرم
стр. 282
الحقيقي هو الغني الكبير الذي يلعب بالعدل ويعبث بالقانون ليموت ويترك بعده القناطير المقنطرة من الذهب للورثة الفاسدين. إن المجرمين الحقيقيين هم أرباب المال الذين يظلمون العمال الفقراء حقوقهم ويشربون دماءهم ويبذلون كل مرتخص وغال في سبيل الذهب ويسيرون إلى الأمام ولو فوق الجثث البشرية. وهاك شذرة من قلم الرئيس روزفلت يصف بها أرباب الملايين في أميركا قال: ليس في العالم أقبح خلقاً وإغراقاً في الدناءة وقلة الشرف من أرباب الملايين الذين ليس لهم عمل ولا غرض في الحياة يسعون إليه سوى جمع المال وحبسه عن المحتاجين والفقراء. ومن الأسف أنهم يجمعون تلك الأموال الطائلة ويحرزون ألوف الألوف من الذهب ليستعملوها في أغراض وغايات دنيئة فإن أحدهم يلعب بالأسهم المالية والشركات ويملك في يده زمام المضاربات فيفقر قوماً ويغني آخرين لمحض لذته وسروره أو يهب ابنه الجاهل مقداراً عظيماً من المال فيعيش الولد عيشة الكسل والخمول والفساد والفجور ويندفع في طلب الملاذ السافلة ويجري وراء شهواته الدنيئة أو يشتري لابنته زوجاً شريفاً فقيراً يلقب (بلورد) أو (دوق) لتكون (ليدي) أو (دوقة) وفي بعض الأحيان يؤسس مدرسة أو يجري رزقاً على كنيسة فينسى الناس ذنوبه الكبيرة بتلك الحسنة الصغيرة ويغضون الطرف عن عيوبه ويغفرون له خطاياه ويحسبون أن هذا العمل الحقير الخيري الذي تم على يده يبرر أعماله السابقة واللاحقة بأسرها. هذا الرجل هو الذي لا يحفل بالعمال الذين يموتون من أجله ويقتلون أنفسهم في معامله ومناجمه وهو يسلب حقوقهم ويهددهم بالطرد إذا شكوا إليه بثهم وهمهم وكلما أمكنه نقص من أجورهم وزاد ساعات عملهم وإذا سألته الحكومة في ذلك هزأ بها وسخر منها ومن دستورها وقوانينها. هذا الرجل خطر دائم على الحكومة والأمة لأنه يرى بعينه الفساد ولا يمد يده للإصلاح ويسمع بأذنه أخبار الرشوة المنتشرة بين الحكام والقضاة ولا يحرك لسانه بكلمة تعود بالنفع على وطنه الذي ينتمي إليه والجمهورية التي تحميه بل يجلس ويضحك كأنه من الدنيا في ملعب ولا يحس بأنه فرد من هيئة حية نامية عن الواجب الذي عليه نحوها قبل نفسه هذا هو المثري الأميركي الذي يحترمه الناس ويبجلونه ويشيرون إليه بأطراف البنان ويثنون عليه قائلين أنه من أرباب المال والأعمال.
وإنك لترى في أميركا غير تلك العجول الذهبية وهم أكثر عدداً ولكنهم أقل خطراً وأعني
стр. 283
بهم أصحاب الأفكار المادية المحضة الذين لا يمدون يدهم إلى عمل إلا إذا علموا أنهم ينالون منه كسباً ولا يستحسنون شيئاً إلا إذا عرفوا أنه مال ومن المال وإلى المال. ولا يعرفون أن شاعراً واحداً يفيد الأمة بعرائس أفكاره أكثر ألف مرة من صاحب معمل لسبك الفولاذ في الولايات المتحدة ولا يعرفون أنه مهما زادت التجارة وكثرت الأرزاق ولت الواردات عن الصادرات لا تعوقنا تلك الأمور شيئاً عن الفضيلة الضائعة ولا يمكننا بها أن نحل المسائل الاجتماعية الهائلة التي تشغل الآن جميع الأمم المتمدنة ويقولون بأن التجارة والأملاك أقدس جانباً وأغلى ثمناً من الحياة والشرف والمجد بما لا يقدر على أن هؤلاء معذورون لأنهم لا يحسون بعاطفة كبيرة ولا ينبض في جسمهم العرق الذي ينبض في أجسام أهل الفضل.
القاهرة
محمد لطفي جمعة
стр. 284
تحية حبيب
حي بلاد الشمال ... خلاق تلك المناظرْ
يا ميُّ أين العهودُ ... هلا ولاك يعودُ=قد طال منكِ الصدودُ
إني أسيرُ الغرام ... صريعُ لطف الحرائرْ
بالله رقي لضعفي ... يا خيرُ محبوبَ واشفي=سقام مضنىً بطرفِ
يخافُ وقعَ النبالِ ... ممن تفوق الجآذرْ
إن جال يوماً بفكركْ ... خيالُ مضنىً بذكركْ=اسقيه من مسك سؤركْ
نفسي أتتْ في خيالي ... زارتْ وعقلك فاكرْ
إن كنتِ تمشين صبحاً ... بالروض والزهر أوحى=إليك معنى ونفحا
فذا شعوري وحالي ... بدا بزي الأزاهرْ
كمْ بتُّ أبكي لبعدي ... وما البكاء ليجدي=وكلما هاج وجدي
من لطف أهل الدلال ... خشيت فضح السرائر
كنا وكان اللقاء ... والشام فيها الدواء=حتى دهانا القضاء
أيام صفو الليالي ... بالبين والكل ناكر
لكن بعد الحبائب ... يهيج ما في الترائب=فالقلب يغدو يخاطب
قلب المحب الموالي ... على ربوع الخواطر
رودي مهب الجنوب ... فيه سلام الحبيب=ولن يخف نحيبي
حتى أرى للوصال ... من الشمال البشائر
بيروت
عبد الرحمن شهبندر
стр. 285
عود الشباب
كانت العقول في أوربا قبل انتشار العلوم والفنون بين خاصتها وعامتها أشبه بالعقول الآن في معظم البلاد العربية تستهويها الخرافات والخيالات، وتستغويها الأباطيل والترهات، فيتلقى المرء فكره عن أمه ومرضعته، أو عن خادمه وخادمته، أو عن محيطه وبيئته، وكلها عوامل جهل مركب، وأدوات إضلال وانحلال. ومن ذلك ما كان القوم يذهبون إليه من المذاهب في إطالة الأعمار ويتناولون من أجله الأشربة والمعاجين، ويعمدون إلى اتخاذه من أساليب تنتهي بالموت لا بالحياة. ولا يزال فينا قسم عظيم من أهل التخريف، يعتقدون هذا الاعتقاد السخيف، ويعملون بوصفات وردت في بعض كتب الطب القديم التي ما كانت قط عند الثقات معمولاً بها أو يذكرها العجائز والشيوخ وينقلونها خلفاً عن سلف.
وقد بحث هذا الشهر أحد علماء الإفرنج في أسرار الشبيبة فقال ما تعريبه: غصت الأجيال القديمة بالأساليب الغريبة لحفظ الشبيبة وكان المفكرون يصرفون من ذكائهم وأعمالهم شطراً كبيراً إرادة تمديد حدود الحياة البشرية. وما من حكيم إلا واهتدى إلى مذاهب في هذا الباب. وقد حوى علم التنجيم والكيمياء والطب وما يتصرف عليها من أنواع هذه الأدوية ألواناً وضروباً.
نشر أحد أطباء الألمان في القرن الثامن عشر كتاباً رأى فيه أن خير ما يبعد الهرم ويبقي على الشباب ما استعمله النبي داود في شيخوخته قائلاً أن الجسم المثقل بالأيام يستفيد من الاحتكاك بالجسم القريب العهد بالولادة أي الجسم الهرم البالي من الجسم الفتي الشديد. وقد عمد إلى استعمال هذا الدواء كثير من أهل الحكمة والفلسفة ومنهم غاليين في القديم وهو عالم التشريح اليوناني المناقض لأبقراط في مبادئه الطبية وممن قال به في العهد الحديث روجر باكون الراهب العالم الإنكليزي الكبير المتوفى سنة ١٢٩٤. ذلك لأنهم زعموا أن ريح الشباب تعدي الشيوخ والأجسام السليمة الجيدة التركيب ولاسيما الغضة الإهاب تزيد الشيوخ والضعفاء قوة لما ينبعث منهم من الروائح الطيبة والأبخرة السليمة الشهية ولما فيهم من المزايا والقوة.
وعندما بلغ داود على ما في الكتاب الأول من سفر الملوك السبعين من عمره اقترح عليه خدمته أن يتزوج فتاة فانتفع بذلك. وارتأى كثير من الأطباء ومنهم كوهزن أن نفس الفتاة من أنفع الأمور للشيخ الهمّ قائلاً أن نفس القوي يقوّي كما أن نفس المسلول يؤذي. وما
следующие страницы →