← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

إحدى ولايات الجزائر.

стр. 2277

سير العلم والاجتماع آثار خوزستان إقليم خوزستان في فارس من الأقاليم التي رخصت حكومتها لفرنسا أن تأخذ منها جميع ما تعثر عليه من الآثار كما عقدت معها عقداً سنة ١٩٠٠ يكون بموجبه لفرنسا حق استخراج العاديات من فارس كلها دون غيرها وقد حفر المسيو مورغان العالم الأثري في سوس عاصمة ذاك الإقليم فظفر بآثار مهمة حملها في ثمانين صندوقاً وراح يعرضها في متحف اللوفر بباريز وقد كتب عنها بعضهم في جريدة الآنال فصلاً إضافياً قائلاً أن الحفر ما زال في سوس قائماً على ساق وقدم منذ بضع سنين برئاسة هذا العالم الأثري وسوس هي المدينة الغريبة التي خربت مراث وأعيد بناؤها فأنشأ بالآجر المستخرج من أنقاض الأسوار في تلك المدينة قصراً حصيناً أشبه بقلعة ليكون في مأمن للقيام بمهمته وقد نجز بناءُ هذا الحصن وكانت هذه البعثة الأثرية من قبل عرضة لنهب الناهبين من سكان البوادي. واكتشف في الحفريات الحديثة بقايا المدينة الأولى التي كانت قبل المسيح بخمسة آلاف سنة واكتشفوا كمية من الخزف والأواني المنقوشة التي رسمت على مثال الصناعة اليونانية مما استدل منه على أن الصناعة الكلدانية أساس الصناعة اليونانية فإن ملوك خوزستان بعد أن خربوا بلاد الكلدان أخذوا إلى عاصمتهم سوس كل ما كان عند المغلوبين من الأعلاق والنفائس وزينوا به قصورهم. وأنك لتجد هذه الأعلاق المذكرة بتلك الحضارة في سوس أكثر مما تجد منها في بابل نفسها. وقد جمعت تلك البعثة ما طالت إليه يدها من الخزف المنقوش الذي كانت جعلت منه جدران قصر ملوك الإخمانيين ومتى جمعت كلها يكون منها صورة تامة يتأتى الوقوف بها على واجهات ذاك القصر وكيف كانت. قال ولقد دهشنا بما شاهدناه من تلك الأواني والأكواب والصحاف المنقوشة بالمشجر اللطيف وبصور الحيوانات التي جُعلت على نسق دلَّ على ذوق أكيد وذكاءٍ حقيقي وتحققنا أن هذا الخزف صنع بحذق يوازي حذق صناعنا في صنع الصيني وقد جعلوا منه أشكالاً كثيرة فمنه تماثيل دينية أو ألعاب للأولاد أو عجلات صغيرة أو غير ذلك من التحف والطرائف. وفي هذه المجموعة النفيسة تماثيل لمشاهير منها بعض رجال معروفين مثل تمثال الملك مونيشتوزو الذي أتى المسيو مورغان بقانونه الذي كتبه منذ أربعين قرناً قبل المسيح وقد

стр. 2278

كتبت على التمثال كتابة تؤكد أن ملك سوس بعينه. الانتحار أثبت الأستاذ قيصر لومبروز الفيلسوف الطلياني أن الحب هو أول باعث على الانتحار وإذ أن الرجال في العادة أكثر إقداماً على الانتحار من النساء في الغالب فقد بلغ عدد المنتحرين في إيطاليا في سنة ١٨٧٥ و٧٧ و٧٨ ـ ٢٥١٦ مقابل ٥٦٩ منتحرة وإن عدد المنتحرات بعوامل الحب هو من ٧٠ إلى ٧٥ في المئة. وعدد الرجال من ٢٠ إلى ٤٠ في المئة وكذلك الحال في فرنسا فإن عدد المنتحرين ١٧٠٠٠ مقابل ٦٠٠٠ من النساء فينتحر بدواعي الغرام ٢٨ في المئة من النساء وسبعة في المئة من الرجال فقط وبهذا صدق المثل الإفرنجي القائل (فتش عن المرأة) إشارة إلى أنها السبب في كل بلية. مساوئ الملح ثبت بالتجارب الكيماوية والفسيولوجية مؤخراً أن الملح المستعمل في المطابخ لأجل تحضير الأطعمة يأتي في بعض الأحوال بأضرار شبيهة بالتسمم. ويكفي أن الكلى لا تفرز الفضلات من كلور الصوديوم بكمية كافية وتبقى في الجسم فتحدث فيه اضطرابات. وكان الأطباء يصفون لمن يصاب بهذا التسمم الاقتصار على اللبن لأن فيه راحة للكلى ولا ينشأُ من تناوله أقل تأثير في إخراج الفضلات. فيقل بالتدريج معد الألبومين الذي يخرج في البول بواسطة استعمال اللبن ويزول التورم والاستسقاء. إلا أن الناس لا يروقهم تناول اللبن ويريدون إبدال غيره به ويسوغ لهم استعمال اللحوم والخبز والسكر والأرز والمعجنات على شرط أن لا يكون فيها ملح قبل الطبخ ولا بعده. وقد قال الدكتور فندال القائل بحذف الملح من الطعام أن أحدهم أصيب بانتفاخ في كعبه ثم سرى إلى ساقه فكان يألم كثيراً فوصف له استعمال الخبز واللحم والبطاطا والزبدة ولكن بدون ملح فأسرع شفاؤه أكثر من اللبن ولكن ما أضافوا إلى الطعام شيئاً من الملح عاود المرض المريض. فمن ثم يرى الطبيب المشار إليه أن يمتنع تماماً عن أخذ الملح في بعض الأمراض. الكنس رأت بعض المجلات العلمية أن خير واسطة لدفع مضار الغبار من الدخول عند كنس الشوارع من النوافذ والأبواب بل من السريان إلى أنوف المارة وأفواههم هو أن لا يكنس

стр. 2279

الكناسون إلا بعد أن يرش الرشاشون وكذلك الحال في نفض البسط والأثاث فإن على من أراد أن لا يضر بصحة الناس أن لا ينفضها قبل أن يرشها بماءٍ لتصبح ندية وأن من الواجب على البلديات أن لا تغفل هذا الأمر الصحي. اللبن الحليب منذ تبين أن في بعض البقر جراثيم السل تنقل عدواها بواسطة لبنها أخذ الغربيون وهم أئمة في الوقاية يحترزون من أخذ الحليب من بقرة مريضة ويبالغون في التوقي إلا أن النفوس ما زالت على كثرة النظافة التي أصبحت طبيعية في الفلاحين وأهل المدن في الغرب غير مطمئنة في هذا السبيل فأنشأت مدينة روبيه في فرنسا محلاً لتربية البقر يعني فيه بصحتها ونظافتها عناية لا يكاد يصدقها العقل كما يعنى بصحة من يحلبونها ونظافة أجسامهم وأطرافهم. أجور الكتاب فرنسا من أكبر بلاد الحضارة كتاباً ولذلك قلت فيها أجورهم حتى لا تكاد تقوم بنفقات الطبقات الوسطى منهم أما في انكلترا فإن الكتاب قلائل وهم يعيشون في سعادة أكثر فقد ذادت أجورهم خمسين في المائة منذ خمس عشرة سنة. ونسب بعضهم ذلك لوجود نقابات للكتاب تنظر في مصلحتهم كما تنظر في مصلحة أرباب المطابع. ويقال أن تسعين في المئة من المسائل المادية في لندرا تفض بواسطة ست نقابات تمخضت هذا الغرض فتدفع المجلات ثمن القصة في الغالب من ثلاثة جنيهات إلى خمسة في كل ألف كلمة وممن يربحون كثيراً من كتاباتهم كبنغ الكاتب فإنه يأخذ شلناً عن كل كلمة تخطها يده ويأخذ كونان دويل ثلاثة فرنكات عن كل كلمة من سلسلة رواياته شارلوك هولمز. أما في هذا الشرق الأدنى فقد ارتق أجور الكتاب في السنتين الأخيرتين فابتدأت مصر تدفع للطبقة العالية من كتاب الجرائد رواتب متناسبة مع ثروة الصحف وحالة البلاد وتتبعها الأستانة الآن التي تنسج على منوال الصحف الأوروبية في محرريها ومؤازريها ومكاتيبها. غلاء المنازل ارتفعت أجور المنازل في جميع عواصم الأرض في هذا القرن الازدحام والاجتماع وقد نشرت نظارة الأشغال في باريز إحصاءً جاء فيه أن المنزل الذي كان يؤجر بثمانين فرنكاً

стр. 2280

سنة ١٨١٠ أصبح يؤجر بمئة وعشرين سنة ١٨٥٠ وبمائتين وعشرين سنة ١٨٧٠ وبثلثمائة وعشرين سنة ١٩٠٠ وبثلثمائة وخمسين سنة ١٩٠٣ ومثلها قواعد الولايات وإن تكن بنسبة أقل. النساء والأطفال قررت فرنسا أن يمنع العاملات إذا كانت سنهن أقل من ١٤ من حلم رزم وزنها أكثر من خمسة كيلو غرامات والأولاد أن لا تتجاوز حمولتهم أكثر من عشرة كيلو غرامات. كما حظرت على الفتيان والفتيات أن لا يستعملن الدراجات الحمالة التي تسير بالبترول إلا إذا تجاوزن سن الثامنة عشرة. المواليد يولد في كل ألف امرأة تختلف أعمارهن من ٢٥ إلى ٥٠ في برلين ٤٧ مولوداً من عائلة غنية و١٥٧ من عائلة فقيرة وفي باريز يولد في طبقة الأغنياء ٣٧ مولوداً و١٠٨ أولاد في الطبقة الفقيرة ويولد في فيينا ٧١ مولوداً في كل بيت غني و٢٠٠ في الألف في البيوت الفقيرة وفي لندرا ٦٣ مولوداً غنياً في الألف و١٤٧ مولوداً فقيراً. الهواء حملت بعض الصحف الباريزية حملة صالحة على قلة الهواء الذي يتخلل الأحياء والشوارع وقالت أن الفراغ آخذ بالقلة مع الزمن وأن قلة الساحات العامة والحدائق هو الذي يكثر من الأمراض ولاسيما السلُّ وأنه ثبت أن الأحياء القليلة الساحات والفسحات كانت أكثر تعرضاً لهذا الداءِ الوبيل. وللندرا ١١٦٨ هكتاراً من الأرض البراح ما عدا إحدى عشرة حديقة في وسطها وفي باريز ٢١٤ هكتاراً من الفراغ ما عدا غابة بولونيا التي تحسب ضاحية فالواجب الإكثار من الحدائق لأن الهواء هو الصحة. التمثيل للأولاد رأى مارك توين الكاتب الأميركي المشهور أن تقام دار للتمثيل خاصة بالأطفال والشبان فلبي طلبه وأنشئوا دار تمثيل سموها مسرح تربية البنين والناشئةت ولا يمثل فيها إلا المولعون بفن التمثيل ويقتصرون في تمثيلهم على الروايات المدرسية وبذلك يمتنع كثير

стр. 2281

من الشبان عن غشيان دور التمثيل التي لا تمثل فيها إلا الخلاعة والرقاعة. جيش المتمردات قال أحد كتاب الانكليز لا يزال عدد المتمردات من العاملات الانكليزيات في ازدياد ففي انكلترا زهاءُ خمسة ملايين ونصف من النساء العاملات وهو جيش أضخم من جيش كسركس ملك الفرس بل أكثر من سكان لندرا. فمنهن ٨٦٧٠٠٠ عاملة في معامل القطن و٩٠٣٠٠٠ في المصنوعات اليدوية و٨٠٥٠٠ في التجارة ونحو مئة ألف في الزراعة و٥٥٧٨٤ حاسبة و٢٠٠٠٠٠ معلمة و٤٤٠٠٠ موسيقية وممثلة و٧٩٠٠٠ مرضعة و٢٩٢ طبيبة. ومن هؤلاء النساء ثلاثة ملايين لم يتزوجن وإن كن جاوزن العشرين من العمر ومنهم مليون رضين أن يبقين عانسات بعد بلوغهن الخامسة والثلاثين وعدد الأيامى منهن ١٢٤٦٤٧ أيامى. العامل العظيم تبين أن أديسون مخترع الكهربائية. . ساعة أي أنه عمل ما يوازي عمل العامل الهم في مئة سنة بيد أن المرء لا يعجب من عظمة أعمال كبار الرجال بقدر ما يعجب من مقدرتهم على معاناة العمل. مطاعم الشعب أي امرئٍ فيه ذرة من الإنسانية يمر بجماعة من العملة وقت الظهر هو يتغذون ولا تأخذه الشفقة عليهم ويتأثر لجور هذه المجتمعات في قوانينها. تعطي الغني حتى تتخمه وتمنع الفقير حتى تميته. ولكن ابن هذه البلاد جبل على القناعة من طبعه إذا حاز الخبز القفار عده نعمة وإن تيسر له أن يلته بشيء من مرق المخلل أو يجمع معه الزيتون أو البصل أو الفجل اغتبط وعد ذلك سعادة. واليوم الذي يتناول فيه اللحم والأرز والبقول والفول هو يوم عيده وهنائه. بيد أن ابن الغرب ليس كابن الشرق في هذه الحال وذلك لأن مناخ الغرب يقتضي من جيد الأطعمة ما يقدر معه العامل أن يقاوم هواءَ بلاده ويتحمل مشاقها ولاسيما عملة المعامل. وهناك جمعيات وأفراد كثيرون ممن أسبغ الله عليهم نعمه يفكرون للبائس الفقير أكثر مما يفكر لنفسه ويأسفون لحرمانه فيسعون لتنعيمه حتى يساوي أهل السعة في بعض ما يجب

стр. 2282

لقوام جسمه من المطعم والمسكن لتستفيد بلاده منه إذا جادت صحته وسلمت آدابه. هناك من يتأثر المحسن إذا رأى أولاداً يأكلون قليلاً لفقرهم ويطعمون أردأ الأطعمة ويشفق الفسيولوجي على الفتيات العاملات لقلة ما يدخل معدهن من الطعام المغذي ويهتم الأخلاقي إذا رأى ابنة تهيم في الشوارع على وجهها لتملأ بطنها. ولذلك قام فيهم أمثال الأميرة دي غال (الملكة فيكتوريا) في لندره ومرغريتا مورجانستين في برلين وروتشيلد في باريز وغيرهم أو غيرهن في عواصم الغرب وقواعده حيث تصعب المعيشة لازدحام أقدام السكان. ولم يرَ القوم هناك أحسن من إنشاءِ مطاعم الشعب على النحو الذي أسسه جماعة من محسني اليونان في الإسكندرية يأكل كل فيها العامل أو العاملة هنيئاً مريئاً لقاءَ دريهمات تمكنه حالته من أدائها كل يوم. وكانت سويسرا هي السابقة إلى إنشاء أمثال هذه المطاعم والاستكثار منها وبعضها مما أنشأه النساء. وكم للنساء في الغرب من يد في الخبرات كما لهن أيد في غيرها. رأى أصحاب المعامل هناك أن مصلحتهم تقضي عليهم بأن يتغذى عملتهم تغذية جيدة فأنشئوا لهم مطاعم يبيعونهم فيها جيد الطعام بثمن بخس وذلك لأن هذه المطاعم لا يقيد من أربابها ربحاً كثيراً بل يطلبون أن تقوم بنفقاتها فقط وتسر عملتهم وتقتصد لهم من أوقاتهم ومالهم وتنفعهم في صحتهم وتدفع عادية الأمراض عنهم. وقد أسست في باريز مدرسة عالية أشبه بكلية للشعب وفي جوارها مطاعم للتلاميذ يتناولون طعاماً جيداً بثمن بخس كما يتعلمون مجاناً. وزاد عدد هذه المطاعم في أوروبا في العهد الأخير ولاسيما في انكلترا والسويد والنروج وسويسرا وألمانيا وفرنسا بسبب كثرة المدارس التي يتعلم فيها الفتيات فن الطبخ وتدبير المنزل فيعانين صنع ألوان الطعام ليتعلمن بالعمل وكل ما زاد منه ترسله إدارات المدارس إلى مطاعم أنشأتها في الجوار لتبتاعها العملة والعاملات ولاسيما العاملات بثمن قليل. ولا تتوخى معظم تلك الشركات والجمعيات الربح من تأسيس مطاعم الشعب وقد رأت بعضها أن تحدد القدر المقتضي لرأس المال من الأرباح وما زاد عنه وهو قليل أيضاً يستعين به على إنشاء مطاعم أخرى في أحياء أخرى أو مدن أخرى. وكانت انكلترا بدأت

стр. 2283

بإنشاء هذه المطاعم على عهد الملكة فيكتوريا أميرة دي غال قبل توليها عرش أجدادها ففتحت هي وزوجها المطعم بيدها وأكلت منه وجبة كلفتها أربعة بني ونصفاً (٤٥ سنتيماً) ثم كثرت المطاعم على هذا النحو في انكلترا وأكثرها لا يكلف زيادة عن نصف فرنك كل وجبة تحتوي على بقول ولحوم وجزءٍ من لبن. وفي ألمانيا جمعيات كثيرة من النساء أنشأت في أمهات المدن الألمان ولاسيما الصناعية مطاعم كثيرة تكلف الوجبة فيها أربعين سنتيماً والطاهيات والخادمات هناك من النساء. وقد أنشئ فيها محال لبيع اللبن والشاي والزبدة والقهوة بأثمان رخيصة لتقاوم أعمال المحال التي تبيع المسكرات. وتفردت ألمانيا وحدها بإنشاء مطاعم للمرضى الناقهين تقدم أطيب الأطعمة بحسب وصية الطبيب بأثمان لا تزيد الوجبة منها على ستين سنتيماً. والفضل في ابتكارها أولاً لمعمر كروب المشهور ثم عمت هذه الطريقة معظم أقطار ألمانيا. وللنساء السويسريات يد طولى في إنشاء مطاعم للشعب. ومن جملة الفنادق التي أنشأتها فنادق ينام فيها المرء ويأكل ويشرب ولا يدفع أكثر من ثلاثة فرنكات ونصف وترى فيها النظافة على أتم ما يمكن أن يكون والمواد جيدة ولا تجد في معظم هذه المطاعم أثراً للمشروبات الروحية وفي بعضها محال للمطالعة والتسلية المشروعة. وقد نجحت مطاعم الشعب في ولايات فرنسا أكثر من نجاحها في باريز لغلاء الأجور فيها وارتفاع أسعار مواد الأجور وثبت بالاستقراء للباحثين أنه لا يتأتي إطعام شاب في مطعم طعاماً كافياً بأقل من فرنك و١٥ سنتيماً إلى فرنك وربع. ويرى بعض الاجتماعيون أن مطاعم الشعب يجب أن لا تحصر عملها في إطعام الطعام الجيد للفقراء ممن ينتابونها بل أن تعلمهم وتربيهم وأن لا يكتفى فهيا فقط بحظر بيع المشروبات الروحية بل أن يستعاض عنها بالأشربة والحواء المحللة الصحية ما ينسى معها الذين اعتادوا تناول الكحول أن لا يعاودوا احتساءها. والسكر أحسن مولد للحرارة في الجسم ومعين على الهضم ولذلك رأت ألمانيا أن تدفع كل يوم ستين غراماً من السكر لكل جندي يتناوله مع الماء والقهوة والشاي. وأن البلاد التي لا يطيب ماؤها حريٌّ بها أن تغلي الماء على النار في الأوقات التي إلا تنتفع بها وتمزجه بقشر البرتقال أو الأقحوان فإذا جاء المستطعمون يتناولون منه فيجمعون فيه سكراً أو يكرعونه صرفاً وهو يغنيهم عن كل

стр. 2284

شراب وينشط أجسامهم. وظهر من فوائد مطاعم الشعب أن الأمراض كانت تقل من يطعمون فيها لأنهم يكرهون على غسل أيديهم قبل الجلوس إلى الموائد. ومعلوم أن طريق الفم هو الواسطة العظمى في العدوى من الأمراض ولاسيما الهواءُ الأصفر فكان من هذه المطاعم أن علمت المختلفين إليها أن يطهروا أيديهم طوعاً أو كرهاً. هكذا يعمل الغربيون وعلى هذه السنة جرى بعض النزالة اليونانية في الإسكندرية منذ أشهر ففتحوا مطاعم لأمتهم يصرف فيها القليل وينتفع فيها بالجزيل. فهل الأفراد في أمتنا أن ينهضوا بدافع الشفقة على مثال الأمم الناهضة فيؤسسون مطاعم للبائسين ولاسيما في العواصم ومدن الأقاليم الكبرى حيث الغلاء ضارب بجرانه بما يعد معه غلاءُ أكبر مدينة في أوروبا رخصاً وسعة. آداب الجرائد كتب الدكتور رنيول في مجلة مستندات الترقي مقالة في الجرائد السياسية وآدابها قال فيها وهو يقصد في الأكثر صحف فرنسا: إن المرء يقع اختياره في الغالب على مطالعة جريدة من الجرائد تطلعه على الشؤون السياسية والحوادث المنوعة والعلوم والآداب بل على كل مطلب من المطالب اللازمة ولذلك كانت الجرائد هي المهذبة العظمى للأمة إلا أنها تستعمل مالها من التأثير في الشر أحياناً فمن جرائدنا من جعلت همها الوحيد لغت الأنظار إلى مطالعتها فهي تبذل في هذا السبيل كل شيءٍ فتدعو من أجل ذلك أشرف العواطف وتقلبها إلى شهوات ضارة فتجعل الوطني مهووساً والمؤمن متطرفاً والمتسامح مبتدعاً والمنتخب المتعقل سياسياً ناقصاً وتوقد النيران التباغض بين الأجناس والطبقات والأديان والآراء وبفضل الجرائد تنقسم الأمة إلى شطرين متعاديين يوشك أن يحمل أحدهما على الآخر في المسائل العادية كإعادة النظر في إحدى القضايا. هذه الجرائد تعظم الحوادث الساذجة لتستكثر من القراء. أن دعت إلى الاجتماع لسباق الخيل تقلب علم الفروسية ظهراً إلى بطن وإن أحبت عقد مؤتمر من التجار تضاعف ثروة الأمة عشرة أضعاف ما هي عليه وأن اقترحت الاحتفال بسباق السيارات تزعم أنها أحيت هذه الصناعة. نعم هي تدعي أيضاً أنها تظهر المحكوم عليهم من الأبرياء وتشهر الصناعات السامة وتشرف على المطاعم المغشوشة.

стр. 2285

للاستكثار من القراء تقيم الجرائد مسابقات سخيفة فهي تقترح عدَّ حبات الدخن الموجودة في زجاجة وأن تحزر الكلمات المحذوفة من رفرف (قصة في أسفل الجريدة) تافه وأن يعثر على كنز مخبوء في إحدى المتنزهات العامة وذلك بأن تعلن بأنها تدفع جوائز تقدرها بمئات الألوف من الفرنكات. هي تعمل ذلك ولا حرج عليها لأنه لا يكلفها غير الوعد فإذا ما انحل الإشكال المطلوب حله فلا يكون إلا على يد شريك لها تقاسمه الربح أو لا تعطيه منه شيئاً. لأجل أن تحبب الجرائد قراءتها تغرس فيهم الميل إلى قلة الرصانة وسماع اللغو والعبث فتقص عليك كيف أن إحدى الممثلات تلبس قفازيها (كفوفها) وتركب في المركبة وتذكر كل تفصيل عن غانية اشتهرت وتورد لك أسماء أشأم الأشرار مورية أنهم من الأبطال تستجلب عليهم الرحمة وتفاوضهم بعناية. لإكثار هذه الجرائد قراءها تستخدم رقة القلب الكاذبة في العامة بأن تأتيهم بحوادث غريبة منوعة ومدهشة تقيم وتقعد. فإن مخبري الجرائد يجتمعون كل مساءٍ في القهوة فإذا لم تحدث في المدينة حوادث خصام ولا توقيف أحد بالقوة ولا انتحار ولا فجائع عشق ولا غيرها مما يقضي عليهم أن ينشروه في جرائدهم يخترعون شيئاً منها بالاتفاق بينهم اتفاقاً لا يخرج عنه أحد. هذه الجرائد تدعو الناس إلى قراءتها بنشر أنباء الاكتشافات الكاذبة والمبالغة في رفع أقدار أدعياء العلم إلى السماكين وتتملق للمتأدبين المنحطين والموسيقيين الساقطين. نعم هي تساعد على نمو الفضائح مدعية أنها مولعة بالحق ولكنها تتحرز من إفشائها إذا كان فيه مس إحساس بعض الشركات الكبرى. وحدث ما شئت أن تحدث عن تلطفها في ذكر نقابات باعة الخمر فهي تتوقى من ذكر اسم سكير وتستعيض عنه عندما يأتي في باب الأخبار المنوعة بلفظ المغضوب أو فاقد الصواب. ومتى أفلحت تلك الجرائد بكثرة سواد قرائها لا تستنكف من بيع أعمدتها للإعلان عن أرباب الموبقات وبائعي السميات واللصوص. لا تراعي فيما نشر إلا ولا ذمة ما دام المعلنون يدفعون لها أجور إعلاناتهم. وليس أحسن من الجرائد للرقيق إلا بيض يطلب على لسانها أحدهم على صفة أنه رجل في بلد بعيد يريد فتاة لتكون في بيته وصيفة أو معلمة أو مؤنسة فإذا حُملت إليه لا تجد المسكينة غير بيوت الريبة تنتظرها وكذلك الحال في

стр. 2286

المتجرات بالأعراض من النساء فإنهن يعمدن إلى الصحف فيجعلنها وسيطة بينهن وبين زبونهن مقترحة بأنهن يعطين دروساً في اللغة أو يعرضن تحفاً ونفائس. ولقد يجعل باعة الترياق والأدوية الشافية من الصحف واسطة لممارسة طبهم ولا ينالهم عقوبة فيوصون باستعمال العقاقير الضارة مثل خلاصة التيروييد والمسهلات السريعة وغيرها. وكذلك يفعل الماليون فيها للإعلان عن مسائل لهم تحوي في مطاويها الغش والخديعة وتخرب بيوت السذج من الناس. وكثيراً ما تبلغ الحال بتلك الجرائد أن تهدد بعض الناس أو يرضونها بما تريد وتنشر خبر فضيحة وقعت واعدة أن تأتي من الغد بشرح واف على ما جرى والله أعلم متى يجيء هذا الغد إذا خف إليهم المفضوح فرشاهم ليسكتوا. أيها القارئ أنك إذا ابتعت الجريدة الفلانية تعتقد بأنها لا تكلفك غير فلس واحد فانزع هذا الوهم من نفسك فكثيراً ما يكون منها أضرار بصحتك وثروتك وشرفك فما تدفعه من ثمنها يجعلك شريكاً في جرائمها. ولقد سرى فساد هذه الجرائد ولصوصيتها في الأخلاق حتى أن القوم لم يعودوا يفكرون في لومها. ولما اتهم في قضية برزخ باناما أناس من مشاهير كبار رجال السياسة طالب الصحافيون منهم بأجرة المقالات المنشورة كأنهم يطلبون بحق ولكن تلك المبالغ التي قبضوها تجاوزت الأجرة المعتادة بما لا يقال. هذا والحكومة تعين الجرائد على ما هي في سبيله فهي لا تكتفي بإعطائها مبالغ من المال سراّ بل توافقها على جميع مطالبها فتساعدها حين الحاجة بجندها لتستخدمها إعلاناً عن نفسها وتضع قسماً من أسطولها تحت أمر أرباب الجرائد ليجعلوا صفة رسمية لسباق القوارب الذي يقومون به وتسحب الحكومة يانصيب باسمها إكراماً للصحف. قال لي أحد مديري الجرائد ذات يوم: أنا لا أدعو إلى الفنون ولا إلى الآداب ولا إلى العلم إنني تاجر وأريد أن أنظر في مصلحتي وما جريدتي إلا حائط يعلق إعلانه عليه كل من يؤدي أجرته. قال هذا ولكن فإنه أن هذا الحائط متحرك يدخل في كل مكان ويزيد عدده إلى ما لا نهاية له يبيعه من القارئ. فأنت أيها الصحافي مسمم لعقول العامة لا تقل في ضررك عن ذاك (البدّال) الذي يغش المأكولات.

стр. 2287

سأل أحد كبار الأغنياء الأميركان ذات يوم عن أحسن الطرق التي يتيسر له أن يصرف فيها جزءاً من ثروته في عمل خيري ولو سمع مني لرأى حاجتنا الماسة كل المساس إلى تأسيس جريدة سياسية ذات وقار وحشمة وأعني بها جريدة تقول الحقيقة أبداً أو ما تعتقد أنه الحقيقة ولا تنشر إلا الإعلانات التي تعترف بصحة ما فيها.

стр. 2288

صدور المقتبس نحمد الله على ان وفقنا إلى الجري على سنة النمو الطبيعي في هذه المجلة وهدانا إلى سبيل التسهيل في اقتباس الفوائد وأقباسها جهد الطاقة على صورة مقبولة في الجملة ولم يزين لنا الخوض إلا فيما درسناه واعتقدنا فيه الغناء. ونشكر لمؤازرينا من أهل العلم وحملة الأقلام الذين جعلوا من المقتبس مباءة لبنات أفكارهم وخزانة لخلاصة أبحاثهم كما نثني على من نشطونا على أطراد الخطة التي سلكناها ونوهوا بها ولاسيما تلك الفئة الفاضلة العاقلة من علماء المشرقيات من الغربيين سواءٌ كان بما نشروه في مجلاتهم أو بتفضلهم بمكاتبنا بما يشف عن حسن ظن بضعفنا وفضل أدب فطرت عليه نفوسهم. ولقد لقينا في عامنا هذا من إقبال القراء في كل قطر تقام فيه للعربية سوق ما اغتبطنا به فزاد الطلب على السنتين السالمتين حتى اضطررنا إلى إعادة طبع عدة أجزاء كانت نفدت من عندنا فاستقام بذلك حسابنا ووازى الدخل الخرج في نفقات الطبع والنشر. ونرجو من المشتركين أن يعذرونا على إسراعنا في إصدار الأربعة الأجزاء الأخيرة من السنة الثالثة دفعة واحدة. . فقد اضطررنا بسبب ارتفاع الضغط عن العقول وانتشار حرية المطبوعات في البلاد العثمانية إلى مغادرة هذا القطر السعيد وسيصدر المقتبس إن شاء الله في غرة محرم القادم من مدينة دمشق قاعدة بلاد الشام بعد أن صدر في عاصمة القطر المصري ثلاث سنين آخذين على النفس أن لا نحيد قيد شبر عن الخطة المرسومة فنصرف العناية في تمحيص المسائل بقدر ما تسمح به الحال ونتخير الموضوعات التي تفيد وتلذ. وفي الختام نودع وادي النيل ونهدي سلامنا لأهل علمهم الله علماً يحفظون به كيانهم ويعلي بين المتحضرين شأنهم. ونستغفره عز سلطانه مما طغى به القلم وزلت به القدم أنه أكرم مسؤول.

стр. 2289

العدد ٣٧ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩٠٩

стр. 2290

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنتنا الرابعة يفتتح المقتبس عامه الرابع بحمد الله ثناؤه والشكر على ما وفق إليه من نشر الحقائق التي يهديه إليها البحث والدرس لاهجاً بالدعوة التي طالما دعا إليها مجملاً ومفصلاً من أن مقصده نبث دفائن المدينة العربية وبث خزائن الحضارة الغربية مع ما يقتضي لذلك من النظر في تاريخنا وتاريخ الغربيين وآدابنا وآدابهم ومناحينا وأعمالنا وأعمالهم ناعياً عَلَي الجامدين عَلَى القديم إذ الاقتصار عليه وحده هو العقم بعينه داعياً إلى تناول الضروري من الحديث لأن القديم وحده يبلى ولا حديث لمن لا قديم له ومن لم يحرص على جديده فهو أقرب إلى الزهد كل حين بقديمه. ندعو إلى الأخذ بمعارف الغربيين لأن ما أصاب هذا الشرق من ضعف العقول والملكات نشأ عن انصراف القلوب عن الاهتداء بهديهم ونهج سبيلهم في مادياتهم ومعنوياتهم والوقوف عند حد ما رسمه المخرفون والمخرقون فصدونا عن سبيل الانتفاع بالماضي وبالحاضر وحرموا بالتعصب الممقوت ما لم يحرمه عقل ولا نقل وسدوا الآذان عن سماع داعي المدنية وغضبوا عن الإبصار عن النظر في بدائع العلم والصناعة. وإن المقتبس ليغتبط اليوم بصدوره من ضفاف بردى بعد أن انتشر عَلَى ضفاف النيل ثلاث سنين ولئن كان بردى بعض جداول النيل وترعه فإن المسك بعض دم الغزال ولئن قدر لمصر اليوم أن تسبق الشام في قوتها الأدبية والعلمية فليس ذلك من الجديد لما عرف به قديمها وإن كان وادي النيل أفسح وأخصب فوادي جلق الفيحاء أثمر وأعشب والسر في السكان لا في المكان. فعسى أن لا تكون أرض الشام أقل استعداداً لقطف ثمرات العلوم والمعارف وأن يظل مؤازرونا على إتحاف هذه المجلة بنتائج عقولهم فلا تعظم فائدة العمل إذا استقل به الفكر الواحد ولا تتنزع بفرد أفانين الفنون والآداب ونسأله تعالى تسديدنا وهدايتنا.

стр. 2291

الشام والحرية سادتي الفضلاء أحمد إليكم الله الذي آخى بينكم فجمعكم في صعيد واحد بعد أن كانت كلمتكم متفرقة وأشكره تعالى الذي جعل لي لساناً ناطقاً في هذه الدار الكريمة المشرقة بأنواركم المتألقة وأتقدم إليكم بالثناء الصادر من صميم الفؤاد على تنازعكم بإجماعكم على طلب مقولة مني في هذا المقام وقد سئمت الكلام فهربت من مصر إلى الشام ولكنني أظن أن الله كتب عليّ الكلام حتّى يوم الحمام فليس من مفر والسلام. بيد أني أسألكم بالصفح يا نجوم الفيحاء عما تجدونه في محاورتي لكم من التقصير فعذري ظاهر وأنتم أنتم الكرام. لعل هذه تكون أول محاضرة في ربوع هذه الحاضرة بعد أن هبت عليها نسمات الحرية العاطرة وقد طال عليها الاستعباد. والحرية خلق شريف يجاهر بسلطانها الإنسان بما يريد ما دام داخلاً في حدوده المرسومة له ولا يتعدى على دائرة غيره فلذلك أردت أن أتكلم عن شيءٍ من حضارات الإسلام التي توطدت دعائمها في دمشق الشام وفي دار السلام وفي القاهرة الفاطمية وفي قرطبة الأموية. فلأجدادكم في هذه الحاضرة الباهرة فضلان بدمشق وبقرطبة وأنتم البقية الصالحة لهؤُلاء الأسلاف الأشراف والأمل معقود بكم أن تقتدوا بهم وتزيدوا عليهم كما هي سنة الترقي وكما هو شعار الاتحاد. فلم يبق لكم عذر بعد اليوم في وضع دعائم النهضة الحديثة بدياركم الشجراء الزهراء وقد كمنت فيكم تلك البذرة الصالحة على ما شاهدته بعيني وخبرته بنفسي. ألا ترون من الفضول أيها الفضلاء أن يقوم فيكم نزيل من النزلاء ويناجيكم بما أنتم أهله بلا مراء. لعمري هذا منتهى الفضول من الواقف بينكم وهو ضعيف وصوته أضعف لأنه لا يتكلم أمام مائة ألف إذ يعتقد أن كل واحد منكم بألف. فأنتم إن لم يكن لكم عذر بعد اليوم في النهوض بأمتكم وبلادكم فلي ألف عذر في هذا المقام وأنتم أنتم الكرام. خصوصاً إذا اعترفت لكم بأنني من الطائفة الثالثة التي أشار إليها الخليل بن أحمد في قوله أن الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلموه ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك مائق فاحذروه. لا أريد الافتخار بقولي لا أدري لأنني لا

стр. 2292

أرضى بذلك المذهب الذي يزعم أصحابه أن من قال لا أدري فقد دري أصف العلم وإنما أرتضي مذهب إبراهيم بن طهمان الخراساني فإنه ولد بهراة ونشأ بنيسابور ورحل في طلب العلم ونال منه قسطاً وافراً حتى كان له ببغداد جراية فاخرة من بيت المال فسئل يوماً في مجلس الخليفة فقال لا أدري فقالوا تأخذ في كل يوم كذا وكذا ولا تحسن مسألة فقال إنما أخذت على ما أحسن ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أدري. فأعجب أمير المؤمنين جوابه وأمر له بجائزة وزاد في جرايته. فلذلك أرى في إجماعكم عليّ إلزامي بمحاضرتكم على ما أنا فيه من تشتت البال بالأسفار والحنين إلى الديار إنكم إنما قصدتم أن تشجعوا القائمين بالعمل على إحياء حضارة الإسلام وشد أزر الطالبين للعلم فلذلك امتثلت أمركم لئلا أخرق الإجماع ولئلا أكون شاذاً عن رأي الجماعة وتمثلت بما قاله الخليل أيضاً فقد قال ثلاثة تيسر المصائب سهر الليالي والمرأة الحسناء ومحادثة الرجال. فقد جئت لأحادثكم وأستفيد منكم فأردتموني على الخطابة بينكم فكان مثلي معكم كمن يحمل الصدف إلى عمان ولا أقول الدرر أو كمن يحمل الغرض من علوم الشرق إلى أهل دمشق ولا أقول الجوهر. سادتي الكرام مصر والشام توأمان ربطتهما الطبيعة والأخلاق قبل الإسلام وبعد الإسلام بعروة وثقى ليس لها انفصام فلا عجب إذا كانت كل منهما تحن للأخرى وتشاركها بعاطفة الود والقربى فيما يحل بها من سعد ورخاء أو ما ينزل عليها من نحس وشقاء لهذا تروني يا أبناء الأكرمين لا أستغرب منكم هذا الحنين لرجل من أبناء النيل أتاحت له الأيام أن يحل بركابه في أرض الشآم وقد كان آلى على نفسه أن لا يضع قدماً في أرض سورية ولا في غيرها من أرجاء السلطنة لما لاقاه من صنوف الحيف حينما غرر بنفسه في أحد فصول الصيف فولى وجهه شطر قبة الإسلام منذ بضعة أعوام. أما الآن قد تفككت قيود الاستعباد ودالت دولة الاستبداد وزالت سلطة الفرد وقامت شورى الأمة على أساس ثابت كالجبال الرواسي وأعني به القانون الأساسي فأشرق نور الدستور على الجمهور فقد انفك عنه قسمه وصار في حل من العهد الذي أخذه على نفسه فلم يتمالك من الشخوص في أول فرصة إلى تلك الربوع التي خفقت عليها رايات الحرية في صدر

стр. 2293

الإسلام فمرحت تحت ظلالها ونالت بها أقصى آمالها ونثرت ثمراتها في الشرق ثم أرسلت فروع هذه الشجرة الزاكية النامية إلى ما وراء البر فصادفت خير مغرس في رياض الأندلس فإن الحرية الإسلامية أينعت لأول مرة في الفيحاء فتأرجحت بأريجها الأرجاء وأنبتت حضارة الإسلام في أرض جلق فازدهى بها المغرب كما اختال بها المشرق. امتازت دولة العرب القائمة في دمشق على عهد معاوية ومن تلقى صولجانه بنعمة الحرية التامة حتى كانت هذه البقعة المباركة عروس الدنيا وقرارة المجد وكهف الشرف وأشرق سناها على الدنيا من أدناها إلى أقصاها. غير أن الإنسان جبل على الاندفاع مع التيار وعدم الوقوف عند الحدود فلم تلبث هذه الحرية أن انقلبت إلى الإباحة فصار الناس فوضى وكان رؤوس الدولة أول من أسرف في الإساءة إلى الحرية فتابعتهم الأمة والناس على دين ملوكهم فانهار هذا الملك العظيم وغاضت عيون الحضارة في دمشق التي تزدان على الدهر بعيونها الفياضة. لذلك أناشدكم الله أن تتعهدوا الحرية التي عادت إلى ربوعكم في هذا العهد السعيد فتحافظوا عليها ولا تفرطوا في العناية بها حتى لا تعود إلى الذبول فكفاكم ما حاق بكم من الخمول بسبب الانحراف عن صراطها المستقيم وهذه نصيحة خالصة أنحضكم إياها يا وجوه العرب لئلا تضيع منكم الحرية بتجاوز الحدود الذي يجعلها إباحة فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وكفاكم موعظة ما قاله مروان آخر الأمويين حينما ضاع ملكه في الشام وفر إلى وادي النيل فالتجأ هو وأهله وشيعته إلى كنيسة في قرية بوصير من صعيد مصر فلحقه المسودة أي جنود بني العباس وشعارهم السواد وكانوا في نفر قليل جداً بحيث كان من أسهل الأمور على مروان ومن معه أن يبيدهم عن آخرهم لولا أن دولته كانت في أدبار ودولتهم في إقبال فلم يمهلوه حتى يطلع النهار فلجأُوا إلى شجر ونخل ثم ناوشوه القتال فخرج إليهم وهو يقول: كانت لله علينا حقوق فضيعناها ولم نقم بما يلزمنا فحلم عنا ثم انتقم منا. ثم فكر في كثرة جيوشه بالشام فقال: إذا انقضت المدة لم تنفع العدة. وذلك أنه كان عندما استفحل أمر بني العباس استعرض جيوشه بالرقة فمر به من العرب وحدهم ثمانون ألف فارس على ثمانين ألف فرس عربي. ثم احتزوا رأسه وأخرجوا أكبر بناته من الكنيسة وهي ترعد فقيل لها لا بأس عليك فقالت أي بأس أعظم من إخراجي حاسرة من حيث لم

стр. 2294

أر رجلاً قط. ثم أجلسوها ووضعوا الرأس في حجرها. فصرخت واضطربت. فقيل لهم ما حملكم على هذا. قالوا كفعلهم بيزيد بن علي حين قتلوه فإنهم جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي (صاحبة المقام المشهور في القاهرة) ثم أرسلوا الرأس إلى مدينتكم هذه فنصب على باب المسجد الأموي ثم بعثوا به إلى الكوفة فخر السفاح ساجداً لله وتصدق بعشرة آلاف دينار. هذا الذي قاله مروان شبيه بمقوله هرقل حينما جاء أهل الإسلام وأجلوا الأروام عن بلاد الشام. ركب البحر وهو ينظر إلى الشام ويقول الوداع يا سوريا يا سلام عليك يا سوريا. ويشبه أيضاً قول أم أبي عبد الله آخر سلاطين بني الأحمر بغرناطة حينما أجلاه الإسبنيول عن تلك البقعة الباقية للعرب في ديار الأندلس. فإنه بعد أن سلم البلاد إلى فرديلند وإيزبلا وخرج في حاشيته وأهل بيته. أعاد نظرات كلها حسرات وأرسل رائد الطرف بمزيد الأسف وهو يتلهف على الحمراء فتهاطلت دموعه على خديه فقالت له أمه: أبك مثل النساء ملكاً مضاعاً ... لم تحافظ عليه مثل الرجال إن الذكرى تنفع المؤمنين لذلك أردت أن أسرد عليكم هذا النبأ الذي كان فيه ضياع الملك من دمشق ونزولها عن درجتها السامية التي لم تعد لها إلى الآن لئلا يتجاوز الناس حدود الحرية وقد أشرقت عليهم وعلينا في هذا العهد النوراني المجيد فيقعوا في شر أعمالهم كما وقع الأولون والعاقل من إذا مرت به العبرة ازدجر أو قيلت له الموعظة ادكر. فلقد بلغ ملك بني أمية ما بين قرني الشمس ثم زال لأنهم أساؤا إلى الحرية التي نشروا أعلامها ورفعوا منارها حتى بلغت دولتهم من المجد أعلا ذراه فتقرب إليهم ملك الروم بإرسال مائة عامل من مهرة الصناع وأرسل إليه مائة ألف مثقال من الذهب الأحمر وبأربعين حملاً من الآلات حينما أراد الوليد تجديد الروضة الشريفة والزيادة فيها فبعث بهم إلى واليه عمر بن عبد العزيز فاستخدمهم وأنتم تعلمون ورع عمر بن عبد العزيز الذي لا يشبهه ورع مع ما تعلمون من شدة الخلف بين العرب والروم على امتلاك آسيا الصغرى التي كانت بين الفريقين حاجزاً حصيناً يرد العرب عن امتلاك فروق وهي كانت ولا تزال مطمح الأنظار. ومما يدل على بلوغ الحرية في دمشق نهاياتها دون أن تتجاوز حدودها أن معاوية كان يمد

стр. 2295

الأسمطة للعامة ويؤاكلهم وأن الوليد بن عبد الملك بنى في مدينتكم دار الضيافة العامة وهو أول من فعل ذلك في الإسلام وذلك للتحبب إلى الرعية بمخالطتها وتعرف أحوالها وكان الخلفاء يسائلونهم في العلم والسياسة بهذه الوسيلة وها هو التاريخ وها هي كتب الأدب تخبرنا بكثير من الإصلاحات التي حدثت بهذه الواسطة الشريفة التي كانت تربط الأمة بالخليفة وسرت من الأمويين إلى العباسيين فكان الرشيد يجالس الناس على المائدة فكانت حكومة المسلمين في الصدر الأول وفي أيام السلف الصالح أشبه بشيء بالحكومة الديموقراطية أي حكومة الأمة بالأمة كما هو الحاصل الآن في دولتنا العثمانية فلم يكن فيها من القاب الشرف ولا رتب ولا يكون التعظيم إلا بالكنية وهي من المفاخر التي استأثر بها العرب دون سائر الأمم إلى هذا الزمان فكانوا يقولون أبو فلان فإن لم يكن له ولد قيل أبو فلان باسم أبيه هكذا كان الناس في أيام بني أمية مهما بلغت درجاتهم وعلت مناصبهم كما هو الشأن الآن في بلاد الأميركان التي هي بلاد الحرية الحقيقية بأكمل معانيها فليس منهم إلا مستر فلان حتى رئيس الجمهورية فنازلاً من الوزراء إلى كل أرباب الوظائف إلى عامة الناس وكذلك الحال في بلاد سويسرة التي تتفجر منها ينابيع الحرية الصحيحة في أوربا فلا يمتاز فيها ولا في أميركا رجل بأي لقب اللهم إلا باللقب الذي يطابق رتبته في العسكرية فقط. فأما أول من تلقب من الخلفاء فهو عبد الله أبو جعفر وقد غلب لقبه حتى أنني لو اكتفيت بهذه الإشارة عنه لما عرف من هو إلا الأقلون وأما ما ذكرت لكم اللقب الذي اشتهر لعرفتموه لأنه أصبح له علماً في التاريخ وهو المنصور ثاني الخلائف من بني العباس ثم تغلغلت الدول الإسلامية في الألقاب فكثرت وتنوعت وتعددت حتى صرنا إلى ما ترونه الآن فصار الجوهر تغشاه أعراض براقة خلابة ضغطت عليه وطمست معالمه حتى كاد يضيع إن لم نقل ضاع فصرنا ولنا الألقاب نتهافت عليها ونتطلبها من سبيل الحرام أكثر مما نتطلبها من سبيل الحلال بل أصبحنا وعدم الالتقاب هو اللقب فيا حبذا الرجل منا الذي يشابه الحرف عند النحاة فيكون عدم العلامة له هو العلامة. أما وقد تنبهنا من رقدتنا وأخذنا بأسباب الرجوع إلى الحياة فقد أشار إلى محو الرتب وإلغائها كاتب مجيد في جريدة شوراي أمت التي تطبع بالتركية في عاصمة الإمبراطورية العثمانية فأستميحكم أن أقول كلمة في هذا الموضوع.

стр. 2296

فقد جاء الوقت الذي نجاهر فيه بضمائرنا وأميالنا ونقول الحق ونصدع به فقد كان هذا العاجز يقول لكثير من أصدقائه في مصر أنني والله أحب أن أتخلى عن هذا اللقب الذي نلته بجدي واجتهادي ولطالما جاهدت بالتأفف منه استنكافاً منه لأنني أراه فوق قدري ولكن استنكافاً لكثيرين ممن حازوه أو حازوا أعلا منه وهم إنما شروه بفضل الدراهم أو ببعض المساعي الممقوتة. كثيرون من أصدقائي وهم أحياء يرزقون يشهدون لي بأنني طالما تمنيت على الله أن يزول عني هذا اللقب لا بالتجريد فإنه مشين ولكن بالتسليم فإنه شريف بحيث أرجع إلى اسمي أحمد أفندي أو أحمد بن إبراهيم أو أبو إبراهيم أحمد زكي فأتكنى باسم والدي إذ قد جعلني الله في نعمة وافية من عدم الحصول على خلف لي ولكن الآن يجب أن نشير في محو الألقاب بطريقة معقولة مقبولة فلا نلغيها مرة واحدة من الحاصلين عليها لأنهم ربما لا يرضيهم ذلك وهم إن لم يعبروا عن عدم رضاهم جهراً فربما يكون فيهم كثيرون لا يرضون به سراً ونحن في عصر الحرية ينبغي أن نحترم إرادة كل إنسان وأن لا يقتات البعض على البعض ولو في الألقاب. وأحسن وسيلة هي أن لا نسلك في هذا الموضوع شططاً بل نسير فيه سيراً وسطاً وذلك في رأيي هو تخبير أصحاب الألقاب في التنازل عنها فمن رضي فيها ونعمت ولا ريب أن الأكثرين يرضون التجرد من هذه الألقاب التي قد ترهقهم عسراً أما الذين يريدون حفظها فأمرهم إليهم. ولكن الدولة تقرر أنها من الآن فصاعداً تلغي الرتب فلا ألقاب عندها منذ اليوم بحيث لا يأتي زمن طويل حتى تنقرض الألقاب ويبقى الناس كلهم أفندي أو سيد أو خواجه أو شيخ أو أبو فلان وتصبح الأمة كلها سواء تحت هلال الدستور لا يتميز بعضهم على بعض إلا بالعمل النافع للمجموع فتكون الأمة كلها راقية لأن كل فرد يتطلب النبوغ ويسعى إلى التفوق بكده وجده وحسبنا ذلك فخاراً. بهذه الوسيلة يزداد سواد أهل الفضل في هذه البلاد فيكون لأهل العلم والعمل دلال على أرباب الدولة كما كان لأمثالهم في أيام عز الإسلام فإن الخليل بن أحمد الذي ذكرته في صدر هذه المحاضرة كتب إليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته بالليل وبعث إليه بألف دينار ليستعين بها على حاله فأخرج للرسول زنبيلاً فيه كسر بالية وقال: إني ما دمت أجد هذه الكسر غني عنه وعن غيره ورد الألف دينار على

стр. 2297

الرسول وقال أقرأ على الأمين السلام وقل له أني قد ألفت قوماً وألفوني أجالسهم طول نهاري وبعض ليلي وقبيح بمثلي أن يقطع عادة عودها إخوانه وإني غنيّ عنه وعن غيره وكتب إليه بهذه الأبيات: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال وأن بين الغنى والفقر منزلةً ... معروفة بجديد ليس بالبال سما بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال والفقر بالنفس لا بالمال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال والخليل هذا كان يقسم الأيام إلى ثلاثة: معهود ومشهود وموعود وكان دائماً يتمثل بقوله: يكفيك من دهرك هذا القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت ولم ينفرد الخليل بهذه المزية الفاخرة في التكبر والدلال على أهل الدولة وأرباب المال فأمثاله كثيرون أذكر منهم من يحضرني ذكره في هذا المقام فمنهم حماد بن أبي سلمة دخل عليه مقاتل بن صالح الخراساني فإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه وبيده مصحف يقرأُ فيه وبجانبه حراز فيه علمه ومطهرة يتوضأُ فيها. قال مقاتل فبينا أنا عنده جالساً دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا قالت: رسول محمد بن سليمان قال قولي له يدخل وحده فدخل فناوله كتاباً فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن سليمان إلى حماد بن أبي سلمة أما بعد فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته وقعت مسألة فإنا نسألك عنها والسلام. فقال يا صبية: هلمي بالدواة. ثم قال لي اقلب الكتاب واكتب: أما بعد وأنت صبحك الله بما صبح أولياءه وأهل طاعته. إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً فإن كانت وقعت مسألة فأتنا وسلنا عما بدا لك وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك ولا أنصح نفسي والسلام. فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي انظري من هذا قالت: محمد بن سليمان قال: قولي له ليدخل وحده فدخل فسلم ثم جلس بين يديه. فقال مالي إذ نظرت إليك

стр. 2298

امتلأت رهباً قال: سمعت عن ثابت الغسائي عن مالك أن رسول الله قال: أن العالم إذا أراد وجه الله هابه كل شيء فإذا أراد أن يكنز الكنوز هاب كل شيءٍ. فقال أربعون ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه قال ارددها على من ظلمته قال: والله ما أعطيك إلا ماورثته قال: لا حاجة لي فيها ازوها عني زوى الله عنك أوزارك قال فتقسمها قال فلعلي أن عدلت أن يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل ازوها عني وزى الله عنك أوزارك. هذه السنة الصالحة انتشرت بين علماء المشرق فارتقت بهم الأمة وكان لها شأن كبير لأنهم كانوا يطلبون العلم للعلم وقد انتشرت هذه السنة الحميدة في عامة أمصار الشرق وشاعت أيضاً في بلاد الأندلس حتى في أيام تقهقرها. فقد ألف أحد العلماء الأندلسيين كتاباً في اللغة فبلغ ذلك مجاهداً العامري صاحب الجزائر جزائر ميورقة ومنورقة المعروفة الآن بجزائر الباليار فوجه للعالم بألف دينار وبكسوة وخلعة وتحف كثيرة وطلب منه أن يتكرم بوضع اسمه في صدر الكتاب وأنه ألفه برسمه. فرد المال وهو في حاجة إلى أقله وقال: كتاب صنفته لله ولنفع الناس لا أفرده لواحد منهم. ويقرب من هذا مالك من دينار فإنه ترفع عن الملوك ونصح اللصوص. دخل اللصوص داره فلم يجدوا شيئاً يسرقونه. ولما هموا بالخروج قال لهم ماذا عليكم لو صليتم ركعتين فتابوا وأنابوا وقد كان لهذه السجية في مصر شأن كبير فلا أحدثكم إلا بحادثة واحدة من هذا القبيل. فأنتم تعلمون من هو شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد كان أهل الدولة يتسابقون إليه ويقبلون عليه وهو عنهم معرض أيما إعراض. مع أنه كان يقتات بقشور البطيخ الملقاة في الطريق ولا يكفيه النهار للدوس وليس لديه شيءٌ من الدنيا يقتني به مصباحاً لنفسه فكان يأخذ الكراريس ويدرس على ضوءِ القناديل المعلقة على أبواب البيوت. وأمثال شيخ الإسلام كثيرون في مصر وغير مصر يطول بذكرهم المقام وربما كان في إيرادها ما يدعو إلى الملل والسآم غير أني أستميحكم الآن في ذكر نادرتين وأقول نادرتين لأنه بعد ذلك السلف قد خلف من بعدهم خلف فصار شمم العلماء وترفعهم بعلمهم في هذا الزمان الأخير كالكبريت الأحمر بل هو أندر. فالأولى تقضي عليّ صلة الرحم أن أغتنم هذه الفرصة لإذاعتها ولست أخشى تكذيباً لها لأن الذين رأوها أو علموا بها علم اليقين لا يزالون أحياء يرزقون وهم في مصر كثيرون.

стр. 2299

وذلك أن جدي لأمي الشيخ ابراهيم سويدان حضر إليه برشيد والي مصر عباس الأول وقد انتهى إليه عمله وصلاحه وزهده وانعطافه على المساكين فأعطاه مالاً كثيراً فلم يرضَ فألح عليه وقال له أهل البطانة خذ هذا المال فإنه حلال وهو يساعدك على نفع المساكين فامتثل بشرط أن يضع الأمير المال في كمه فرضي الوالي وأخذ جدي المال فطاف به في الأسواق يفرقه بواسطة غلامه على هذا وذاك حتى فرغ المال كله ثم ذهب إلى النيل فغسل هذا الكم الذي لامسته دراهم الوالي. وأما الثانية فهي معلومة لكم جميعاً وهي واقعة بينكم هنا وبيننا في مصر. ذلك أستاذ الشام على الإطلاق العلامة الشيخ طاهر الجزائري فهو يضم بين طمريه العلم الجم والخلق الأشم. أنا لا أدري كيف يعيش هذا الرجل في بلد مثل مصر قد اشتد فيه الغلاء حتى شكا منه الأغنياء وقد بذلت ما في وسعي كما يعلم الأستاذ كرد علي صاحب المقتبس وأمام المقتبسين ورب هذا البيت الكريم في أن يناله شيءٌ من الأوقاف الخيرية على أن يكتب عريضة لذوي الحل والعقد وقد تلطفت معه كثيراً بواسطة رب هذه الدار فلم يرض إلى الآن. فماذا أقول عن هذه البقية الصالحة. لا أقول سوى كلمة واحدة تخرج من صميم الفؤاد بحب وإخلاص فليعش الشيخ طاهر الجزائري هذه الحرية وهذا الشمم هما جرثومة من ذلك الماضي المجيد وقد صادفت في عصر الدستور المنير أرضاً خصيبة فلعلها تتأصل في نفوسنا ونفوس الناشئين ليكون لقومنا ما كان للأسلاف من العز الذي ضرب رواقه في المشرقين وفي المغربين. هذه الحرية هي التي جعلت الأخلاف من بني أمية يحتملون الكلم الشديد والقول المر من العلويين ومن سائر الناس. لو فرضنا أن احتمالهم للعلويين كان من قبيل المداراة ومن باب المحافظة على الملك فماذا نقول عما سجله التاريخ من معاملتهم للعامة. أفليس أبو صخر الشاعر الخزاعي المشهور بكثير عزه هو الذي كان يجاهر بالتشيع لعلي وبنيه وقد كانوا يسبونه على المنابر بأمر الخلفاء الأمويين. أفليس هو الذي قام في يوم من الأيام فصعد المنبر في بيت الله الحرام وأخذ بأستار الكعبة وقال: لعن الله من يسب علياً ... وبنيه من سوقة وإمام أيسب المطهرون أصولاً ... والكرام الأخوال والأعمام

стр. 2300

يأمن الطير والحمام ولا يأمن آل الرسول عند المقام فأنزلوه من المنبر وأثخنوه ضرباً بالنعال وغيرها فقال: إن امرأً كانت مساوئه ... حب النبي لغير ذي عتب وبني أبي حسن ووالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب أترون ذنباً أن أحبهم ... بل حبهم كفارة الذنب ومع أنه سب الإمام جهاراً وفي الكعبة وضربه القوم خوفاً من الخلافة فقد دعاه عبد الملك ليستوزره ثم ازدراه لدمامته وقال تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال كثير: مهلاً يا أمير المؤمنين فإنما الرجل بأصغريه قلبه ولسانه فإن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان ثم أنشد: وجربت الأمور وجربتني ... فقد أبدت عريكتي الأمور وما تخفى الرجال عليّ إني ... بهم لأخو مثابته خبير ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير وما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينها كرم وخير بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلاة نزور لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير فيركب ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرف لديه ولا نكير فناشده عبد الملك الأشعار في الإخوان ثم قال: إن كنا أسأنا اللقاء فلسنا نسيء الثواء. حاجتك. قال: زوجتي عزة فأراد أهلها على ذلك فقالوا: هي بالغ وأحق بنفسها فقيل لها فقالت: أبعد ما شبب بي وشهرني في العرب ما لي إلى ذلك سبيل ولعلها أحسنت في التنصل والاعتذار وتلطف فلم تذكر أن سبب امتناعها هو دمامة خلقه. وبقي كثير مع تشيعه للطالبين مرعي المقام نافذ الكلمة على خلفاء بني أمية مع أنه سبهم ولعنهم في البيت الحرام فإن يزيد بن عبد الملك حينما جاؤا إليه بأسارى بني المهلب أمر بضرب أعناقهم وكان من حسن حظهم أن الأمر صدر بحضرة كثير فقام وأنشأ يقول: فعفواً أمير المؤمنين وحسبة ... فما تحتسب من صالح لك يكتب

стр. 2301

أساؤا فإن تعفوا فإنك قادر ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب هذه الحرية التي اشتهرت بها الدولة الأموية في دمشق هي التي جعلت الناس أحراراً في أعمالهم وفي اعتقاداتهم فقد كان كثير هذا يقول بالرجعة على مذهب الهنود ويخالف الملة الإسلامية كلها في ذلك كما كان يخالف سنة الدولة ويتشيع لعلي ولكن الخلفاء عرفوا فضل الحرية فتركوا الناس يعتقدون كما يشاؤون ويكتفون منهم بتوحيد الكلمة من جهة السياسة. إنني أيها السادة أرى الدين لم يخلق إلا ليقرب المخلوق من الخالق فلا يمكن ولا يجوز أن يكون الدين سبباً في ابتعاد المخلوق من المخلوق فالدين لله وللأمة الوطن فعلينا أن نتمسك بعروة الوطن ليعود لأمتنا فخارها السابق وتكون لنا منزلة سامية بين الخلائق. وقد بدت علينا علائم هذه النعمة المباركة فالواجب يقضي بتعهدها وإنمائها ليكون المسلم والمسيحي والإسرائيلي أخوة في الوطن فإنهم أخوة في الإنسانية أبوهم آدم والأم حواء أفنكون في هذا العصر الزاهر أقل احتمالاً وتسامحاً من أجدادنا الكرام في صدر الإسلام فقد وسعت صدورهم أهل الملل والنحل ووضعوا أيديهم في أيدي بعضهم بعضاً فكان منهم سور منيع لحفظ الدولة ورفع راية الوطن. هذا صدر الدولة العربية قد وسع كثيراً من أمثال كثير وقد كان يقول بالتناسخ والرجعة ومع تشيعه كان يخالف جمهور أهل الشيعة فكان مخالفاً لأهل السنة ولأهل الشيعة ومع ذلك كان له في الدولة العربية ذلك المقام الكريم. كان يقول بإمامة محمد بن الحنيفة وأنه أحق من الحسن ومن الحسين ومن سائر الناس وأنه حي مقيم بجبل رضوى لا يموت. وكان يقول عن نفسه أنه يونس بن متى بمعنى أن روح هذا الذي التقمه النون نسخت فيه فصار هو هو. ولقد سأل يوماً ماذا تقول الناس عنه فقيل يقولون إنك الدجال فقال إني لأجد في عينيّ ضعفاًَ منذ أيام (إشارة إلى أن الدجال أعور كما يقال) وحينما حضرته الوفاة كان يقول لا تبكوا عليّ لأني بعد أربعين يوماً أرجع إليكم. كل هذه الأقاويل لم تمنع الناس عن القول حينما مات هو وعكرمة في يوم واحد بعد الظهر: لقد مات أفقه الناس وأشعر الناس. لم يكن كثير وحيداً في القول بالرجعة والتمتع بالحرية في الرأي فقد تمسك بمذهبه بعده كثيرون منهم السيد الحميري الشاعر المجيد وهو أبو هاشم اسمعيل بن محمد بن يزيد بن

стр. 2302

ربيعة كان يقول أيضاً بإمامة محمد بن الحنيفة وأنه لم يمت بل هو مقيم بجبل رضوى وقال في ذلك: إلا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما فعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مقامك فيهم ستين عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا ذاقت له أرض عظاما لقد أمسى بمورق شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكراما هدانا الله إذ حزتم لأمر ... به ولديه نلتمس التماما تمام إمامة المهدي حتى ... يروا آياتنا تترى نظاما وكان الحميري يشرب الخمر جهاراً ويقول بالرجعة ليلاً ونهاراً. قال لرجل تعطيني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة قال إن وثقت لي بمن يضمن لي أنك ترجع إنساناً إنما أخشى أن ترجع كلباً أو خنزيراً فيذهب مالي. هذه الحرية في الفكر والاعتقاد كانت لذلك السيد الحميري في أيام الأمويين فلما دالت الدولة وتغيرت الأيام وانتقل الملك إلى بني العباس بقي الرجل على حريته في نحلته ولم يعارضه أحد من أهل الدولة الجديدة لأن الحرية كانت شعار الدولة العربية فإن انتقل السلطان من بيت إلى بيت فالحرية ثابتة الدعائم هنا وهناك والناس بفضلهم لا بمذهبهم ورأيهم. انظروا إلى السيد الحميري ودلاله على أهل الدولة الناشئة كما كان لأمثاله في الدولة البائدة ذلك لما استقام الأمر لأبي العباس السفاح خطب يوماً فأحسن في خطبته. فلما نزل عن المنبر قام إليه السيد الحميري فأنشد: دونكموها يا بني هاشم ... فجددوا من آيها الطامسا دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم لها لابسا دونكموها لأعلا كعب من ... أمسى عليكم ملكها نافسا خلافة الله وسلطانه ... وعنصراً كان لكم دارسا لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا والملك لو شور في ساسة ... ما اختار إلا منكم سائسا

стр. 2303

فقال له السفاح: سل حاجتك فقال ترضى عن سليمان بن حبيب بن المهلب وتوليه الأهواز فكتب له منشوراً بالولاية ودفعه إليه فأخذه وقدم به على سليمان بالبصرة فلما وقعت عينه عليه أنشده: أتيناك يا قرم أهل العراق ... بخير كتاب من القائم أتيناك من عند خير الأنام ... وذاك ابن عم أبي القاسم أتينا بعهدك من عنده ... على من يليك من العالم يوليك فيه جسام الأمور ... فأنت صنيع بني هاشم فقال له سليمان شريف وشافع ووافد وشاعر ونسيب سل حاجتك فقال: سأحكم إذ حكمتني غير مسرف ... ولا مقصر يا ابن الكماة الأكارم في أبيات طلب بها جارية فارهة جميلة ومن يخدمها وبدرة ومن يحملها وفرساً رابعاً وسايسه وتختاً من صنوف الثياب وحامله قال قد أمرت لك بجميع ما سألت ولك عندي في كل سنة مثله. هذه هي الحرية التي جعلت هشاماً الخليفة الأموي يعطي الكميت وقد أنشده مائة ألف درهم وقد كان الكميت مجاهراً بحب العلويين وبذم الأمويين. هذه هي الحرية التي أشرقت اليوم شمسها على دولة آل عثمان وهي التي نرجو بها ارتفاع الدولة ومجد الوطن لا نفرق بين دين ودين ولا نعرف شيئاً آخر سوى أننا نستظل كلنا براية الهلال. فحذار حذار من التهاون بها أو الاستهتار في سبيلها حتى لا تعود تلك الأيام السود وما فيها من ظلم وظلام. إن الأمة العثمانية قد أثقلتها المظالم وأخنت عليها يد الاستبداد حتى كادت تقضي عليها ولكن العناية الربانية تداركتها بنفحة من نفحات الحرية فعادت إليها الروح ودب في جسمها الانتعاش فظهرت بهذا المظهر البديع الذي يعجب به من في الأرض ومن في السموات. فاحرصوا يا رعاكم الله على الحرية فإنها ملاك السعادة. إياكم ثم إياكم أن تنقلب هذه الحرية إباحة فتتدهور الأمة في هاوية ليس لها قرار. يقولون أن هذا الانقلاب سلمي لم تسفك فيه قطرة من الدماء. نعم ولكن المقامات التي

стр. 2304

أوصلت الأمة العثمانية إلى هذه الغاية المجيدة كانت محفوفة بالحبس والكبس. بالتشريد والتجريد. بالإحراق والإغراق. بالتيتيم والتلطيم. أفلم يكن في هذه الشناعات وفي تلك الدماء الزاكيات وفي ذلك الصراخ الذي بلغ عنان السماوات ما يكفي لشراء هذه الحرية الثمينة بأغلى الأثمان يا آل عثمان. وفي هذا المقام أتقدم إلى أهل الأدب منكم وكلكم أهل الأدب في تدوين تلك الحوادث التي هي أشبه بالخرافات لأنها لا تكاد تدخل في دائرة المعقولات دونوها ولكن بالصدق والإخلاص ليعرف المعاصرون لكم والناشئون بعدكم أنكم اشتريتم هذه الحرية بأغلى الأثمان ودونوا هذه النكت وتلك النوادر مع الأمانة والصدق حتى لا تنعكس النتيجة فكل شيء جاوز الحد انتهى إلى الضد. لا تكتفوا بروايتها فإن الذاكرة أصبحت في هذه العصور ضعيفة والمطالب كثيرة وإنما هو التدوين عرفنا به مفاخر الأولين وإن كان لم يصل إلينا منه إلا القليل. أصبحنا في عصر تشعبت فيه المعارف وكثرت أمامنا الحاجيات فلا مناص لنا من التدوين الذي يحفظ الحوادث للدهور الآتية والأجيال المستقبلة. نعم نحن في حاجة إلى تدوين كل شيء إذ قد صار من المستحيل علينا أن نضارع الحفاظ الذين اشتهرت بهم حضارة الإسلام. بل أين لنا لن نكون مثل عامر بن شراحيل أو ابن إدريس الشافعي أو ابن حزم الظاهري وأمثالهم ممن يعدون بالألوف هذا عامر بن شراحيل كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته وما أحببت أن يعيده عليّ. وما أدري شيئاً أقل من الشعر ولو شئت لأنشدتكم شهراً ولا أعيد ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان عالماً. وهذا الشافعي يقول: علمي معي حيثما يممت ينفعني ... صدري وعاءُ له لا بطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق وهذا ابن حزم الظاهري الأندلسي أحرق القوم تواليفه فقال: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل أن أنزل ويدفن في قبري ومع ذلك فقد دون الناس من أجدادنا في كل فن وفي كل شيء حتى أننا بفضل القليل الذي خلص إلينا من مدونات الأقدمين عرفنا أموراً خصوصية لا يمكننا أن نبدي شيئاً مما يماثلها

стр. 2305

في عصرنا هذا فمثال ذلك أننا عرفنا أن السيدة سكينة المدفونة بمصر القاهرة كان مهرها ألف ألف درهم (خمسين ألف ليرة فرنساوية تقريباً) وعلمنا أنها ولدت الرباب فكانت تلبسها اللؤلؤ وتقول ما ألبسها إياه إلا لتفضحه. وكان مجلسها بالمدينة كعبة للأدباء والشعراء وأخبارها معهم أشهر من نار على علم وخصوصاً مع الفرزدق. هذا من الأمور الخصوصية الداخلية وأما الأمور العمومية فقد علمنا منها مثلاً أن الخليفة الأموي هشام كان إذا صلى الغداة بجامع دمشق فلول من يدخل عليه صاحب حرسه فيخبره بما حدث في الليل. ثم يدخل عليه موليان له مع كل واحد منهما مصحف فيقعد أحدهما عن يمينه والآخر عم شماله حتى يقرأ عليهما جزأه ثم يقومان فيدخل الحاجب فيقول فلان بالباب وفلان فيقول ائذن فلايزال الناس يدخلون عليه حتى إذا انتصف النهار وضع الطعام ورفعت الستور ودخل الناس وأصحاب الحوائج وكاتبه قاعد خلف ظهره فيقوم أصحاب الحوائج فيسألون حوائجهم فيقول لا ونعم والكاتب خلفه يوقع ما يقول حتى إذا فرغ من الطعام وانصرف الناس صار إلى قائلته فإذا صلى العصر دعا بكتابه فناظرهم فيما ورد من أمور الناس فإذا كانت العشاء الآخرة ثم اختلى بسماره من رجال العلم والأدب. واتفق أنه بعد أن صلى العشاء الآخرة وأقبل سماره كعادتهم جاءه الخبر بأن خاقان ملك الترك خرج بأرمينية فنهض في الحال وحلف لا يؤويه سقف حتى يفتح الله عليه. بمثل هذا التدوين عرفنا أيضاً كيف كان الخليفة العباسي يجلس للناس ويشتغل بأمور الدولة فقد كان المنصور العباسي مثلاً يشتغل صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات وشحن الثغور والأطراف والنظر في الخراج والنفقات ومصالح الرعية فإذا صلى العشاء نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف وشاور سماره وكان ولاة البريد يكتبون إليه كل يوم بسعر القمح والحبوب والأدام وسائر المأكولات. ويحيطونه علماً بكل ما يقضي به القاضي في نواحيهم وبما يرد إلى بيت المال وعلى العموم بما يتجدد من الحوادث في دائرة إدارتهم. فينظر في كتبهم بعد صلاة المغرب فإن رأى تغيراً في الأسعار كتب إلى العامل يسأله عن العلة ومتى ورد الجواب تلطف حتى يعود سعر ذلك البلد إلى حاله. وإن شك في شيءٍ مما قضى به القاضي كتب إليه في ذلك فإن أنكر شيئاً كتب إليه يوبخه ويلومه فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فتوضأ وتبوأ

стр. 2306

المحراب حتى يطلع الفجر فيعود إلى عمله في الأمس. ومشى العباسيون على هذه السنة حتى أن المعتصم عندما جلس مع سماره في أواخر الثلث الأول من الليل ومعه كأس يشربها قال أحد سماره: أنه سمع من رجل قادم من الثغور ثغور الروم أن في عمورية امرأة مسلمة في الأسر قالت وامعتصماه فختم على الكأس وقام من فوره وأخذ الجند حتى استولى على عمورية وخلص الأسيرة ثم شرب كأسه. ومثلهما المنصور بن أبي عامر في الأندلس فقد بلغه أن بأرض الجلالقة أسيراً يستنجد به فقام من مجلس سمره لا يلوي على شيء حتى فتح تلك الحصون وخلص الأسير. بهذه العناية من العلماء على طلب العلم ومن الرؤساء على حفظ بيضة الدولة كان للأمة الإسلامية مقام كبير حتى إذا ما تولاها التراخي فأهملت شؤونها سقطت إلى الحضيض. أما وقد رأيناها وهي تتأهب بفضل الدستور وفي ظل الهلال المنير لاسترجاع مجدها فقد وجب علينا أن نتعاون قلباً وقالباً على العمل فيما يرفع شأنها فبإعمال الإفراد يرتقي المجموع وترتفع منزلة الدولة. وكيف لا نصل إلى هذه الغاية من أيسر طريق وفي أقرب وقت وقد رجعت دولتنا إلى السنة القديمة المجيدة تلك السنة التي قامت بفضلها الدولة العربية في أبهى المظاهر وأبهر المناظر ـ تلك السنة يا سادتي هي سنة الشورى التي أمر الله بها المسلمين وقامت بها دولتهم فعنت لها المشارق والمغارب. فإن الدين الإسلامي يأمر بالشورى فإذا نظرنا إلى التاريخ نجد أن دولة الإسلام بعد أن ذهب صاحب هذا الدين إلى الرفيق الأعلى قد قامت بالشورى وبالمبايعة من الجماعة فقد اتفقوا كلهم على أبي بكر ثم تسلسلت الحوادث وصارت الخلافة ملكاً عضوضاً يتوارثها الأبناء أو الأعمام أو أبناء الأعمام في الشرق والغرب في دمشق وفي بغداد وفي القاهرة وقرطبة في المغرب الأقصى وفي القسطنطينية يتوارثونها بالبيعة ولكنها بيعة مزدوجة تكون أولاً من الخاصة الذين يتفقون على الخليفة ثم من العامة الذين يقرون على ما أقره الخاصة ولا نجد لذلك استثناء إلا في دمشق فإن عمر بن عبد العزيز بعد أن جاءته الخلافة عفواً تنازل عنها وقصة ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما مرض كتب كتاب العهد لابنه أيوب ولم يكن بالغاً فرده عن ذلك رجاء ابن حياة فقال له ما ترى في ابني داود فقال له

стр. 2307

بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أم ميت فقال فمن قال رأيك يا أمير المؤمنين قال ما ترى في عمر فقال أعلمه والله صالحاً فاضلاً خيراً فقال إن وليته ولم أول أحداً من ولد عبد الملك لتكونن فتنة ولا يتركونه فكتب له وجعل من بعده يزيداً أخاه وختم الكتاب وأمر بجمع أهل بيته فقال لهم هذا عهدي فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا على من فيه فغفلوا. فجاء عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حياة فقال يا رجاء قد كان لي عند سليمان حرمة وأنا أخشى أن يكون قد أسند إليّ من هذا الأمر شيئاً فإن كان فأعلمني أستعف فقال رجاء والله لا أخبرك بحرف واحد فمضى. ثم جاءه هشام فقال لي حرمة وعندي شكر فأعلمني فقال لا والله لا أخبرك بحرف فانصرف هشام وهو يضرب بيد على يد ويقول: فإلى من. ثم جددت البيعة ومات سليمان. فقرأ رجاء بن حياة الكتاب فلما ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام والله لا نبايعه. فقال له رجاء والله إذن اشرب عنقك. قم فبايع. فقام يجرر رجليه ويسترجع إذ خرج عنه هذا الأمر وعمر يسترجع إذ وقع فيه. ثم جيءَ بمراكب سليمان بن عبد الملك مراكب الخلافة فقال عمر قربوا إليّ بغلتي ثم خطب فقال: أيها الناس قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني ولا مشورة وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين تلي أمرنا باليمين والبركة. فقال أوصيكم بتقوى الله خلف من كل شيء ليس من تقوى الله خلف وبعد أن أتم خطبته نزل فدخل داره فأمر بالستور فهتكت وبالثياب التي كانت قسطاً للخلفاء فحملت وأمر ببيعها وإدخال ثمنها في بيت المال. ولما بلغ الخوارج سيرته وما رد من المظالم قالوا ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل. وقد حدثنا التاريخ بأن عمر بن عبد العزيز اشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير فأرضاهم وجعل لدولته سداً منيعاً دونهم فكانت أيامه كلهاً سلاماً في سلام فانظروا إلى ما جرى في هذه الأيام فقد قامت النمسا بالتهام البوسنة والهرسك غنيمة باردة وبغير ثمن فهل عندها مائة ألف أسير أو أسير واحد فقط. ولعمري ما كان أغناها عن الدخول في هذه الورطة التي أوقعت نفسها فيها بلا طائل ولا فائدة معجلة أو مؤجلة ظاهرة أو باطنة لأنها تحتل هاتين الولايتين بمقتضى معاهدة برلين فأي فائدة لها في هذا التملك الذي لا يرضى به حر عاقل أو ذو ضمير حي ولذلك قابلتها

стр. 2308

الأمة العثمانية بحرب سلمية ولكنها كانت على النمسا شراً من امتشاق الحسام تلك هي المقاطعة التجارية التي نرى آثارها في طول البلاد وعرضها هذه المقاطعة ليست من مستحدثات هذا الزمان فإن أول من سنها هو نبي الإسلام ﵇. فقد غضب على رجل من أهل المدينة فأمر الناس بمجافاته فما كان أحد يتعامل معه على الإطلاق ولا كان أحد يقرؤه السلام حتى تاب واهتدى فعسى أن تكون النتيجة في هذه الأيام الأخيرة مثل ما كانت في تلك الأيام الأولى وليست المقاطعة هي السنة الشريفة الوحيدة التي أحياها بنو عثمان في هذا الزمان. فإننا إذ تصفحنا التاريخ وجدنا أن الدول تقوم على ربوات من الجثث والهامات وإذا اقتصرنا على ذكر الإسلام نرى أن دولة الأمويين قامت بالسيف والنار فحروب صفين وغيرها معلومة للخاص والعام وكل الناس يعلمون أن الحجاج قتل ١٢٠ ألف نفس في توطيد دعائم الدولة المروانية. كذلك دولة العباسيين قامت على قتل الأمويين وقد سفك أبو مسلم الخراساني دم ٦٠ ألف إنسان. وكذلك دولة الأمويين في الأندلس قامت على أطلال الحرب وأشلاء القتلى. ومثل هذا وقع بمصر حينما دالت دولة الفاطميين فإن صلاح الدين ﵀ وأكرم مثواه اضطر بحكم السياسة لارتكاب هذا الأمر ولكنه تلطف فلم يدع للوم سبيلاً وذلك أن حبس الفاطميين والفاطميات في قصر كبير ومنع الرجال عن النساء وصبر عليهم حتى قضوا نحبهم حتف أنفهم. وكذلك حدث في القاهرة حينما تبوأَ محمد علي سريرها فإنه أخذ في مداراة المماليك واكتساب ثقتهم فلما أعيته الحيل اضطر لإبادتهم في وقعة القلعة المشهورة. هذه الأمثال وقد ذكرت منها القليل تدلنا على صحة قولهم أن الملك عقيم وأن تأسيس الدول لا يقوم إلا على الدماء. حتى جاءت هذه الأيام فرأينا دولة الشورى قد قامت بسلام على سلام في سلام فعليها ألف تحية وسلام. لعمري إنها معجزة غريبة في بابها. نعم رأينا معجزة المعجزات فكيف لا نصدق بما رواه لنا التاريخ من المعجزات. بلاد الشام هي موطن المعجزات ففيها قام الأنبياء. بلاد العرب كانت لها أكبر معجزة بظهور أحمد. بلاد أوربا وأميركا جاءتنا بمعجزات العلوم والصناعات والفنون. بلاد اليابان في أقصى الشرق كانت لها في هذه الأيام نهضة تفوق المعجزات. فلم يبق إلا آل عثمان

стр. 2309

وكأنهم عجزوا عن المعجزات حتى أتونا بالأمس بمعجزة هي نهاية ما يصل إليه أهل الأرض فقيامهم بإقامة دولة الشورى هو معجزة المعجزات. لذلك حضرت إليكم لأهنئكم أيها السادات بمعجزة المعجزات. بأعجوبة الأعاجيب وإنني أرجو لدولتنا بقاء ليس له انتهاء والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 2310

القديم والحديث لم يأت على هذه الأمة دور مثل هذا اشتد فيه النزاع بين القديم والحديث وانهزم القديم بضعف القائمين وقوة أنصار الحديث. عنينا بذلك أرباب التقليد ممن يرون السعادة في الاكتفاء بما تعلموه من آبائهم وورثوه عن أجدادهم من العلوم والآداب ويعدون ما عداها ضرراً يجب البعد عنه ومحاربته بكل وسيلة كما عنينا أرباب التجديد الذين يزعمون أن الاكتفاء بعلوم أهل الحضارة الحديثة وحدها كافية في رفع شأننا. نشأت للأمة ناشئة بعد أن كثر احتكاكنا بأوربا في أواسط القرن الماضي عادت القديم معاداة خرجت فيها عن طور التعقل وذلك نكاية بما رأته من دعاة ذلك القديم وأكثرهم مثال الجمود والبلاهة وأنموذج الفساد وسوء التربية فقامت تزهد فيهم وفيما يدعون إليه تحمل عليهم حملاتها وتتحامل عليهم بحملاتها وكذلك كان شأن أنصار القديم مع دعاة الحديث يرمونهم بكل كبيرة ويسلبونهم كل فضيلة ويطعنون بعلومهم إلا قليلاً ويعدون النافع منها مما لا يضر ولا ينفع. لا خلاف في أن ملكة الدين والآداب ضعفت في البلاد الإسلامية لضعف حكوماتها والعامل الرئيسي في كل البلاد هو السياسة إذا ضعفت يتبعها كل شيء فجهل الحكام والملوك منذ نحو ألف سنة هو الذي رفع شأن المنافقين من العلماء الرسميين فصار العلم الديني يتعلمه المرء لا لينال السعادتين ويكون عضواً مهما في جسم المدينة الفاضلة بل ليخدم به أغراض أمراء السوء ويستولي على عقول العامة وتقبل يداه ويكرم بالباطل وهذا ما حدا بحجة الإسلام الغزالي وإضرابه في عصره وبعده أن ينحوا على فقهاء السوء أنحاءهم على أمراء السوء لأنهم يتعلمون علوم الفقه والفتيا ليتقربوا بها فقط من السلاطين ويجعلوا من الدين سلاحاً يقاتلون به من يناصبهم في شهواتهم وأهوائهم. ولقد فضل الغزالي في الإحياء وتهافت الفلاسفة من يتعلمون الطب على الفقهاء وقال أن من يقولون أن علوم الدنيا تنافي الدين يجني على الدين. شغلت الأمة زمناً بنفسها فضعفت ملكاتها وكانت الحروب الصليبية وغارات التاتار من العوامل المنهكة لقواها ثم قام ملوك الطوائف وفرقوا الشمل بعد اجتماعه إلى أن جاءت الدولة العثمانية وهي تاتارية لا تقيم للمدينة وزناً ولا تعرف لعلوم العمران لفظاً ولا معنى قوتها بجندها وعلمها في أرهاف حدها وعظمتها ببطشها ومجدا باكتساح البلاد وإخضاع

стр. 2311

النفوس لسطوتها فحاول محمد الفاتح أحد ملوكها أن يجعل من القسطنطينية دار علم كما هي دار ملك مجاراة لدولة الجراكسة في مصر والشام وأعظم لذلك الأعطيات والهبات وأنشأ المدارس وحبس الأوقاف ولكن ذلك لم يدم إلا بدوامه حتى إذا مضى لسبيله عادت الحكومة إلى زهدها في العلوم وقد صارت رسمية على عهد المفتي أبي السعود الذي سعى لجعل العلم وراثياً وصار ابن العالم يرث أباه ووظائفه ورواتبه وإن كان أجهل من قاضي جُبَّل. وعالم هذه حاله هو الجناية الكبرى على الدين والدنيا والبلاء العمم على البلاد. ومع أن الفرس والترك سواءٌ في العجمة فالفرس أقدر من الترك على تلقف اللغة العربية منذ القديم. والعربية لغة الدين لا يبرز في علومه من لم يتعلمها ولا يفهم الكتاب والسنة من لم يحكم بيانها. وما تراه من حال علماء فارس اليوم وإتقانهم العربية وارتقاء علومهم الشرعية وانحطاط العربية في بلاد الترك وضعف ملكة العلوم الدينية فيها لا يرجع إلا إلى أن ميل أبناء فارس إلى إحكام العربية قديم فيهم وأن الترك بأمرائهم المتبربرين جمدوا على فروع قليلة من الفقه والكلام وزهدوا فيما عداها فجنوا على البلاد جناية كبرى. لما أرادت الدولة أن تنهض وتتشبه بأوربا وأخذت على عهد سليم الثالث تتعلم فنون الحرب والبحر والسياسة وما ينبغي لها من الطبيعة والرياضة والاجتماع أخذت روح التفلسف تسري إلى الأستانة ومنها سرت إلى الولايات ومصر فلم يعبأ أنصار القديم بما رأوه أولاً واحتقروا ذاك السيل الجارف الآتي عليهم من أوربا وارتأى بعضهم أن خير ما يقابل به المتزندقون أن يكفروا أو يحرموا أو يضربوا أو يحبسوا أو يهددوا بالقتل أو يقتلوا ولم يعدوا لذلك من العدد اللازمة لبث دعوتهم وحفظ ملكة الدين في القلوب لتسير مع علوم الدنيا كتفاً إلى كتف وجاءت أدوار أصبح الوزراء وولاة الأمر إلا قليلاً من الطائفة التي نزعت ربقة القديم فلم يبق عليها إلا اسمه بل كان بعض المتطرفين في انحلالهم يدعون سراً وجهراً إلى عدم التأدب بآداب الدين محتجين بما هو مائل للعيان من فساد القائمين عليه وانحطاط المنتسبين إليه. وها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين والدنيا والأمة شطرين شطر هو إلى البلاهة والغباوة وشطر إلى الحمق والنفرة وبعبارة أخرى نسينا القديم ولم نتعلم الجديد. ومن الغريب أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوربية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم

стр. 2312

ويميلون في الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية والجنسية وإذا سألتهم عن الحلال والحرام وعما شرعته الأديان صعروا إليك خدودهم وقالوا لك أن الأمة تعيش بحديثها دون قديمها وأن ذاك القديم إن لم يضرنا الأخذ به فهو لا ينفعنا والعاقل لا يقبل إلا على ما ينفعه ويعلي قدره. تلك هي شنشنة أصحاب الحديث أو الملاحدة والزنادقة الطبيعيون كما يطلق عليهم المتدينون وهذه حالة هؤلاء مع أولئك وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم لهم شعثهم على صورة معقولة مقبولة وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار التوسط بينهما فلم ير طرح القديم كله ولا الأخذ بالحديث بجملته بل آثر أن يأخذ النافع من كل شيء ويضم شتاته وهذا الفريق المعتدل على قلته لا يقاومه العقلاء من أهل الفريقين الآخرين مقاومة فعلية وعامتها غير راضين عنهم بالطبع لأن أكثر الناس يحبون أن تكون معهم أو عليهم ولا وسط بين ذلك. ولقد كتب إلينا أحد علماء الشرقيات في برلين وهو ممن طافوا بلاد المشرق وسكنوا فيه زمناً وانقطعوا لدرس أحواله الاجتماعية وعلومه الإرثية كتاباً بالعربية فيه المقتبس وما يجب للمسلمين أن يقوموا به لقيام أمرهم بعد ذاك السبات الطويل قال: أما الرسائل التي هي لبها (المجلة) فرأيتها تدور أبداً على حث الناس على درس العلوم المدنية التي تركت في العالم الشرقي منذ نحو خمسمائة سنة واقتباس الآثار الإفرنجية الحديثة فيها وإحياء الأدبيات العربية وهذا مطابق بحسب اختياري للطريقة الصحيحة لسعادة الأمم إذ لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية (الوطنية) وحده بل الخير كل الخير في الأخذ من هنا وهناك وتعميم الدرس والبحث مع إضرام تلك الشعلة العظيمة التي هي ذات نور وذات حرارة وذات إنبات وأعني بها المبدأ الشعبي ولنا أن نسميه الشعوبية على شرط أن نجرده من الرائحة غير المقبولة. اجتهد الإسلام والنصرانية أن ينشأآ جمعية تقوم بالدين وحده ليكون أصل الشهادة بذلك الدين ظاهرين على الدين كله إلا أنهما فشلا. ولقد تنبأ بعض المسلمين بأن الجامعة الإسلامية التي ستكون في أواخر هذه السنة لن تأتي بما يرجوه أكثرهم من تقوية عروة الدين بل ستقوي الأحزاب الشعبية وربما يتسع الخرق بين الجماعات من جهة المذهب

стр. 2313

الديني. أما أنا فأقول أن تقوية روابط المسلمين مع من حولهم من غير المسلمين المبنية على وحدة التربية والأخلاق والعادات وعلى وحدة اللسان لا تخلو حقيقة من تقوية الدين نفسه لأن هذا الاجتماع من شأنه أن يدعو إلى نمو عامة القوى فيزيد من له ميل إلى الحياة الدينية اعتقاداً وعملاً كما يزيد من له ميل إلى غير الدين قوة فيما اختاره وعلى هذا فمن مصلحة كل دين أن يكون نصف منتحليه مجتهدين مخلصين من أن يكون الجميع فاترين غير مكترثين بشيء. هذا ما كتب لنا به العالم الغربي الشرقي منذ أشهر نشرناه ليطلع عليه أنصار القديم والحديث فيعلم الجامدون على مسطور القديم أن لا قيام لأمرنا بغير الأخذ من مدينة أوربا ويدرك أنصار الحديث بأن هذه المدنية الجديدة التي بهرتهم بزخارفها وسفاسفها لا تنفعهم وتنفع بني قومهم إلا إذا رافقها ما يجملها من علوم الأسلاف وآدابهم والأمة التي تنزع ربقة قديمها جملة واحدة وتنتقل إلى طور آخر دفعة قد ينعكس عليها الأمر ويلتوي عليها القصد ولم تنجح اليابان إلا لكونها اقتبست المدنية الغربية ومزجتها بأجزاء مدنيتها وهذا سر قول العالم المشار إليه لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية أي ما ورثناه عن أجدادنا من التشبث بأهداب الوطنية وذكر القديم والحرص عليه. ولنا في الغرب دولتان كبريان هما مثال في اقتباس الجديد والحرص على القديم. فقد شهدنا ألمانيا إلى اليوم تجري في مدارسها وكلياتها على آداب النصرانية المنقحة فلا توسد التدريس فيها إلا لرجل عرفت ترجمته وحياته مخافة أن يفسد عليها تربية أبنائها فتكون مدنية دينية أما فرنسا فناهضت الدين منذ زهاء مئة سنة وزادت مناهضتها له في السنين الأخيرة حتى نزعت لفظ الجلالة من المعاهد العامة وأخذت تضيق الخناق على أهل التدين من حملة العلم والأقلام حتى صار المتدين سراً يتجاهر بالانحلال جهراً ليأمن على معاشه ورزقه وسموا هذا حرية ولكن الله يحصي على الأمم ذنوبها كما لا يغفل عن الأفراد وها قد أخذت المدنية الإفرنسية التي بهرت العيون في الزمن الماضي ترجع القهقهرى وعلماء الأخلاق فيها يبكون دماً على انبتات شملهم وتراجع عمرانهم حتى روى بعض الإحصائيين أن عدد الفرنسيس سينزل في أواخر القرن العشرين إلى ثلاثة ملايين لأن المواليد أخذت تنقص عن الوفيات أما في ألمانيا فبفضل التربية الدينية والحرص على الأخلاق قبل

стр. 2314

الحرص على تلقين العلوم فإن النفوس تتزايد سنة عن سنة بحيث خيف من تكاثر نسلهم على البلاد المجاورة لهم مع ما هم عليه من المدنية الصحيحة والعلم بالصناعات والفنون ولا غرو فإن من خلق الألماني أن يترك من القديم كل ما ينفع منه أما الفرنسوي فيجرف منه النافع مع الضار وشتان بين الخلقين والمدنيتين وها هي النتيجة قد ظهرت للعيان مذ الآن. وبعد فإن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة يرى الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها وضم كل ما ينفع من هذا الجديد على أن يكون للدين والعلم حريتهما فتكون المعتقدات بمأمن من طعن الطاعنين بها كما تجري المدنية على الشوط الذي تستنسبه وإذا رأى بعضهم في بعض المعتقدات ما لا ينطبق على روح الحضارة والعلوم العصرية فالأولى أن يطبقوا العقل على النقل كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم. وإذا عجزت عقولهم عن ذلك فالأجدر بهم أن يأخذوا بعض القضايا بالتسليم ويتركوا العالم حراً يسير وجده دون أن يعوقه عائق وما نخال وكل عاقل إلا ويعتقد أن صحيح النقل لا يخالف صريح العقل والله أعلم.

стр. 2315

التربية والأمهات هي الأخلاق تنبت كالنبات ... إذا سقيت بماء المكرمات تقوم إذا تعهدها المربي ... على ساق الفضيلة ثمرات وتسمو للمكارم باتساق ... كما اتسقت أنابيب القناة وتنعش من صميم المجد روحا ... بأزهار لها متضوعات ولم أر للخلائق من محل ... يهذبها كحضن الأمهات فحضن الأم مدرسة تسامت ... بتربية البنين أو البنات وأخلاق الوليد تقاس حسناً ... بأخلاق النساء الوالدات وليس ربيب عالية المزايا ... كمثل ربيب سافلة الصفات وليس النبت ينبت في جنان ... كمثل النبت ينبت في الفلاة * * * * فيا صدر الفتاة رحبت صدراً ... فأنت مقرّ أسنى العاطفات تراك إذا ضممت السفل لوحاً ... يفوق جميع ألواح الحياة إذا استند الوليد عليك لاحت ... تصاوير الحنان مصورات لأخلاق الصبي بل انعكاس ... كما انعكس الخيال على المرآة وما ضربان قلبك غير درس ... لتلقين الخصال الفاضلات فأول درس تهذيب السجايا ... يكون عليك يا صدر الفتاة فكيف نظن بالأبناء خيراً ... إذا نشأوا بحضن الجاهلات وهل يرجى لأطفال كمالٌ ... إذا ارتضعوا ثدي الناقصات فما للأمهات جهلن حتى ... أتين بكل طياش الحصاة حنون على الرضيع بغير علم ... فضاع حنوّ تلك المرضعات * * * * أأم المؤمنين إليك نشكو ... مصيبتنا بجهل المؤمنات فتلك مصيبة يا أم منها ... نكاد نغص بالماء الفرات تخذنا بعدك العادات ديناً ... فأشقى المسلمون المسلمات فقد سلكوا بهن سبيل خسرٍ ... وصدورهن عن سبل الحياة
следующие страницы →