← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

النفوس لسطوتها فحاول محمد الفاتح أحد ملوكها أن يجعل من القسطنطينية دار علم كما هي دار ملك مجاراة لدولة الجراكسة في مصر والشام وأعظم لذلك الأعطيات والهبات وأنشأ المدارس وحبس الأوقاف ولكن ذلك لم يدم إلا بدوامه حتى إذا مضى لسبيله عادت الحكومة إلى زهدها في العلوم وقد صارت رسمية على عهد المفتي أبي السعود الذي سعى لجعل العلم وراثياً وصار ابن العالم يرث أباه ووظائفه ورواتبه وإن كان أجهل من قاضي جُبَّل. وعالم هذه حاله هو الجناية الكبرى على الدين والدنيا والبلاء العمم على البلاد. ومع أن الفرس والترك سواءٌ في العجمة فالفرس أقدر من الترك على تلقف اللغة العربية منذ القديم. والعربية لغة الدين لا يبرز في علومه من لم يتعلمها ولا يفهم الكتاب والسنة من لم يحكم بيانها. وما تراه من حال علماء فارس اليوم وإتقانهم العربية وارتقاء علومهم الشرعية وانحطاط العربية في بلاد الترك وضعف ملكة العلوم الدينية فيها لا يرجع إلا إلى أن ميل أبناء فارس إلى إحكام العربية قديم فيهم وأن الترك بأمرائهم المتبربرين جمدوا على فروع قليلة من الفقه والكلام وزهدوا فيما عداها فجنوا على البلاد جناية كبرى. لما أرادت الدولة أن تنهض وتتشبه بأوربا وأخذت على عهد سليم الثالث تتعلم فنون الحرب والبحر والسياسة وما ينبغي لها من الطبيعة والرياضة والاجتماع أخذت روح التفلسف تسري إلى الأستانة ومنها سرت إلى الولايات ومصر فلم يعبأ أنصار القديم بما رأوه أولاً واحتقروا ذاك السيل الجارف الآتي عليهم من أوربا وارتأى بعضهم أن خير ما يقابل به المتزندقون أن يكفروا أو يحرموا أو يضربوا أو يحبسوا أو يهددوا بالقتل أو يقتلوا ولم يعدوا لذلك من العدد اللازمة لبث دعوتهم وحفظ ملكة الدين في القلوب لتسير مع علوم الدنيا كتفاً إلى كتف وجاءت أدوار أصبح الوزراء وولاة الأمر إلا قليلاً من الطائفة التي نزعت ربقة القديم فلم يبق عليها إلا اسمه بل كان بعض المتطرفين في انحلالهم يدعون سراً وجهراً إلى عدم التأدب بآداب الدين محتجين بما هو مائل للعيان من فساد القائمين عليه وانحطاط المنتسبين إليه. وها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين والدنيا والأمة شطرين شطر هو إلى البلاهة والغباوة وشطر إلى الحمق والنفرة وبعبارة أخرى نسينا القديم ولم نتعلم الجديد. ومن الغريب أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوربية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم

стр. 2312

ويميلون في الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية والجنسية وإذا سألتهم عن الحلال والحرام وعما شرعته الأديان صعروا إليك خدودهم وقالوا لك أن الأمة تعيش بحديثها دون قديمها وأن ذاك القديم إن لم يضرنا الأخذ به فهو لا ينفعنا والعاقل لا يقبل إلا على ما ينفعه ويعلي قدره. تلك هي شنشنة أصحاب الحديث أو الملاحدة والزنادقة الطبيعيون كما يطلق عليهم المتدينون وهذه حالة هؤلاء مع أولئك وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم لهم شعثهم على صورة معقولة مقبولة وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار التوسط بينهما فلم ير طرح القديم كله ولا الأخذ بالحديث بجملته بل آثر أن يأخذ النافع من كل شيء ويضم شتاته وهذا الفريق المعتدل على قلته لا يقاومه العقلاء من أهل الفريقين الآخرين مقاومة فعلية وعامتها غير راضين عنهم بالطبع لأن أكثر الناس يحبون أن تكون معهم أو عليهم ولا وسط بين ذلك. ولقد كتب إلينا أحد علماء الشرقيات في برلين وهو ممن طافوا بلاد المشرق وسكنوا فيه زمناً وانقطعوا لدرس أحواله الاجتماعية وعلومه الإرثية كتاباً بالعربية فيه المقتبس وما يجب للمسلمين أن يقوموا به لقيام أمرهم بعد ذاك السبات الطويل قال: أما الرسائل التي هي لبها (المجلة) فرأيتها تدور أبداً على حث الناس على درس العلوم المدنية التي تركت في العالم الشرقي منذ نحو خمسمائة سنة واقتباس الآثار الإفرنجية الحديثة فيها وإحياء الأدبيات العربية وهذا مطابق بحسب اختياري للطريقة الصحيحة لسعادة الأمم إذ لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية (الوطنية) وحده بل الخير كل الخير في الأخذ من هنا وهناك وتعميم الدرس والبحث مع إضرام تلك الشعلة العظيمة التي هي ذات نور وذات حرارة وذات إنبات وأعني بها المبدأ الشعبي ولنا أن نسميه الشعوبية على شرط أن نجرده من الرائحة غير المقبولة. اجتهد الإسلام والنصرانية أن ينشأآ جمعية تقوم بالدين وحده ليكون أصل الشهادة بذلك الدين ظاهرين على الدين كله إلا أنهما فشلا. ولقد تنبأ بعض المسلمين بأن الجامعة الإسلامية التي ستكون في أواخر هذه السنة لن تأتي بما يرجوه أكثرهم من تقوية عروة الدين بل ستقوي الأحزاب الشعبية وربما يتسع الخرق بين الجماعات من جهة المذهب

стр. 2313

الديني. أما أنا فأقول أن تقوية روابط المسلمين مع من حولهم من غير المسلمين المبنية على وحدة التربية والأخلاق والعادات وعلى وحدة اللسان لا تخلو حقيقة من تقوية الدين نفسه لأن هذا الاجتماع من شأنه أن يدعو إلى نمو عامة القوى فيزيد من له ميل إلى الحياة الدينية اعتقاداً وعملاً كما يزيد من له ميل إلى غير الدين قوة فيما اختاره وعلى هذا فمن مصلحة كل دين أن يكون نصف منتحليه مجتهدين مخلصين من أن يكون الجميع فاترين غير مكترثين بشيء. هذا ما كتب لنا به العالم الغربي الشرقي منذ أشهر نشرناه ليطلع عليه أنصار القديم والحديث فيعلم الجامدون على مسطور القديم أن لا قيام لأمرنا بغير الأخذ من مدينة أوربا ويدرك أنصار الحديث بأن هذه المدنية الجديدة التي بهرتهم بزخارفها وسفاسفها لا تنفعهم وتنفع بني قومهم إلا إذا رافقها ما يجملها من علوم الأسلاف وآدابهم والأمة التي تنزع ربقة قديمها جملة واحدة وتنتقل إلى طور آخر دفعة قد ينعكس عليها الأمر ويلتوي عليها القصد ولم تنجح اليابان إلا لكونها اقتبست المدنية الغربية ومزجتها بأجزاء مدنيتها وهذا سر قول العالم المشار إليه لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية أي ما ورثناه عن أجدادنا من التشبث بأهداب الوطنية وذكر القديم والحرص عليه. ولنا في الغرب دولتان كبريان هما مثال في اقتباس الجديد والحرص على القديم. فقد شهدنا ألمانيا إلى اليوم تجري في مدارسها وكلياتها على آداب النصرانية المنقحة فلا توسد التدريس فيها إلا لرجل عرفت ترجمته وحياته مخافة أن يفسد عليها تربية أبنائها فتكون مدنية دينية أما فرنسا فناهضت الدين منذ زهاء مئة سنة وزادت مناهضتها له في السنين الأخيرة حتى نزعت لفظ الجلالة من المعاهد العامة وأخذت تضيق الخناق على أهل التدين من حملة العلم والأقلام حتى صار المتدين سراً يتجاهر بالانحلال جهراً ليأمن على معاشه ورزقه وسموا هذا حرية ولكن الله يحصي على الأمم ذنوبها كما لا يغفل عن الأفراد وها قد أخذت المدنية الإفرنسية التي بهرت العيون في الزمن الماضي ترجع القهقهرى وعلماء الأخلاق فيها يبكون دماً على انبتات شملهم وتراجع عمرانهم حتى روى بعض الإحصائيين أن عدد الفرنسيس سينزل في أواخر القرن العشرين إلى ثلاثة ملايين لأن المواليد أخذت تنقص عن الوفيات أما في ألمانيا فبفضل التربية الدينية والحرص على الأخلاق قبل

стр. 2314

الحرص على تلقين العلوم فإن النفوس تتزايد سنة عن سنة بحيث خيف من تكاثر نسلهم على البلاد المجاورة لهم مع ما هم عليه من المدنية الصحيحة والعلم بالصناعات والفنون ولا غرو فإن من خلق الألماني أن يترك من القديم كل ما ينفع منه أما الفرنسوي فيجرف منه النافع مع الضار وشتان بين الخلقين والمدنيتين وها هي النتيجة قد ظهرت للعيان مذ الآن. وبعد فإن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة يرى الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها وضم كل ما ينفع من هذا الجديد على أن يكون للدين والعلم حريتهما فتكون المعتقدات بمأمن من طعن الطاعنين بها كما تجري المدنية على الشوط الذي تستنسبه وإذا رأى بعضهم في بعض المعتقدات ما لا ينطبق على روح الحضارة والعلوم العصرية فالأولى أن يطبقوا العقل على النقل كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم. وإذا عجزت عقولهم عن ذلك فالأجدر بهم أن يأخذوا بعض القضايا بالتسليم ويتركوا العالم حراً يسير وجده دون أن يعوقه عائق وما نخال وكل عاقل إلا ويعتقد أن صحيح النقل لا يخالف صريح العقل والله أعلم.

стр. 2315

التربية والأمهات هي الأخلاق تنبت كالنبات ... إذا سقيت بماء المكرمات تقوم إذا تعهدها المربي ... على ساق الفضيلة ثمرات وتسمو للمكارم باتساق ... كما اتسقت أنابيب القناة وتنعش من صميم المجد روحا ... بأزهار لها متضوعات ولم أر للخلائق من محل ... يهذبها كحضن الأمهات فحضن الأم مدرسة تسامت ... بتربية البنين أو البنات وأخلاق الوليد تقاس حسناً ... بأخلاق النساء الوالدات وليس ربيب عالية المزايا ... كمثل ربيب سافلة الصفات وليس النبت ينبت في جنان ... كمثل النبت ينبت في الفلاة * * * * فيا صدر الفتاة رحبت صدراً ... فأنت مقرّ أسنى العاطفات تراك إذا ضممت السفل لوحاً ... يفوق جميع ألواح الحياة إذا استند الوليد عليك لاحت ... تصاوير الحنان مصورات لأخلاق الصبي بل انعكاس ... كما انعكس الخيال على المرآة وما ضربان قلبك غير درس ... لتلقين الخصال الفاضلات فأول درس تهذيب السجايا ... يكون عليك يا صدر الفتاة فكيف نظن بالأبناء خيراً ... إذا نشأوا بحضن الجاهلات وهل يرجى لأطفال كمالٌ ... إذا ارتضعوا ثدي الناقصات فما للأمهات جهلن حتى ... أتين بكل طياش الحصاة حنون على الرضيع بغير علم ... فضاع حنوّ تلك المرضعات * * * * أأم المؤمنين إليك نشكو ... مصيبتنا بجهل المؤمنات فتلك مصيبة يا أم منها ... نكاد نغص بالماء الفرات تخذنا بعدك العادات ديناً ... فأشقى المسلمون المسلمات فقد سلكوا بهن سبيل خسرٍ ... وصدورهن عن سبل الحياة

стр. 2316

بحيث لزمن قعر البيت حتى ... نزلن به بمنزلة الأداة وعدّ وهن أضعف من ذباب ... بلا جنح وأهون من شذاة وقالوا شرعة الإسلام تقضي ... بتفضيل الذين على اللواتي وقالوا إن معنى العلم شيء ... تضيق به صدور الغانيات وقالوا الجاهلات أعف نفساً ... عن الفحشا من المتعلمات لقد كذبوا على الإسلام كذباً ... تزول الشم منه مزلزلات أليس العلم في الإسلام فرضاً ... على أبنائه وعلى البنات وكانت أمنا في العلم بحراً ... تحل لسائليها المشكلات وعلمها النبي أجل علم ... فكانت من أجل العالمات لذا قال ارجعوا أبداً إليها ... بثلثي دينكم ذي البينات وكان العلم تلقيناً فأمسى ... يحصل بانتياب المدرسات وبالتقرير من كتب ضخام ... وبالقلم الممد من الدواة ألم نر في الحسان الغيد قبلا ... أوانس كاتبات شاعرات وقد كانت نساء القوم قدماً ... يرحن إلى الحروب مع الغزات يكنّ لهم على الأعداء عوناً ... ويضمدن الجروح الداميات وكم منهن من أُسرت وذاقت ... عذاب الهون في أسر العداة * * * * فماذا اليوم ضر لو التفتنا ... إلى أسلافنا بعض التفات فهم ساروا بنهج هدىً وسرنا ... بمنهاج التفرق والشتات نرى جهل الفتاة لها عفافاً ... كأنّ الجهل حصن للفتاة ونحتقر الحلائل لا لجرم ... فنؤذيهن أنواع الأذاة ونلزمهن قعر البيت قهراً ... ونحسبهن فيه من الهنات لئن وأدوا البنات فقد قبرنا ... جميع نسائنا قبل الممات حجبناهن عن طلب المعالي ... فعشن بجهلهن مهتكات ولو عدمت طباع القوم بؤماً ... لما غدت النساء محجبات

стр. 2317

وتهذيب الرجال أجل شرط ... لجعل نسائهم متهذبات وما ضر العفيفة كشف وجه ... بدا بين الأعفاء الأباة فدى لخلائق الأعراب نفسي ... وإن وصفوا لدينا بالجفاة فكم بزرت بحيهم الغواني ... حواسر غير ما متربيات وكم خشف بمربعهم وظبي ... يمرّ مع الجداية والمهاة ولولا الجهل ثمّ لقلت مرحي ... لمن ألفوا البداوة في الفلاة معروف الرصافي

стр. 2318

الشعوبية يقوى تفاخر أهل كل عنصر بعنصرهم وأهل كل جنس بجنسهم كلما كانوا أقرب إلى الهمجية والعصبية الجاهلية. جاء الإسلام فكان من أعظم إصلاحه إسقاط دعوى الجنسيات والقضاء على التفاخر بالآباء والأجداد فساوى بين العربي والفارسي والأحمر والأصفر والأبيض والأسود وكانت قاعدته العامة لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. والظاهر أن دعوى الشعوبية أي عدم الاعتداد بالعرب وتفضيل العجم عليهم دخلت بدخول أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية فنشأت منها العداوات بين العرب أهل الدولة وبين العجم كما كانت تنشأ في هذه البلاد بين تركي وعربي كلما اشتد الأول في إرهاق الثاني. سألنا أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري عن الشعوبية فكتب إلينا ما يأتي: أما الزمن الذي ظهرت فيه الشعوبية فلا يحضرني فيه شيء. والوقوف على أوائل الأشياء من أصعب المسائل وأدقها إلا أن الذي ظهر لي أن ذلك حدث بعيد عصر الخلفاء الراشدين لوجود الداعي إلى ذلك وهو التفاخر بالجنس الذي هو من عادات الجاهلية التي أتى الدين بإبطالها. ومن نظر لمنزلة سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي في أوائل الأمة زال عنه الشك في هذه المسألة ولا يدخل في هذا الأمر بحث المؤرخ عن خصائص الأجناس مما يقصد به الوقوف على الحقائق فإن هذا نوع آخر إلا أن من بحث عن أحوال الأمم ووفى النظر حقه تبين له أن العرب في الجملة لا تساميهم أمة البتة. وأظن أنه لا بد أن تؤلف بعد حين كتب في خصائص الأمم وكتب في خصائص البلاد كما أُلفت كتب في خصائص اللغات وتجعل من الفنون التي يعنى بها وتميز عن غيرها ولا نذكر بطريق العرض إلا أن فن خصائص الأمم تتيسر المشاغبة فيه والمغالطة أكثر من غيره إلا أن كل فن وضعت مقدماته ونقحت مسائله يبدو بسرعة عوار المغالط فيه. هذا وكما حدث بعد عصر الخلفاء أمر المفاضلة بين العرب والعجم حدث أمر المفاضلة بين العدنانية والقحطانية وهما الفريقان اللذان يجمعهما اسم العرب ونشأ بسبب ذلك من الفتن ما يعرفه المولع بالأخبار ولم يزل أثر ذلك باقياً في بعض الجهات إلى ما قبيل عصرنا وقد رأيت في بعض البلاد أناساً يقولون إلى الآن نحن قيسية وآخرين يقولون نحن يمانية. هذا ما قاله أستاذنا وفيه من كشف الغامض ما لم نظفر في كتاب. والشعوبي بالضم محتقر

стр. 2319

أمر العرب. قال ابن منظور وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم حتى قيل لمحتقر أمر العرب شعوبي أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد كقولهم أنصاري وهم الشعوبية وهم فرقة لا تفضل العرب على العجم ولا ترى لهم فضلاً على غيرهم وأما الذي في حديث مسروق أن رجلاً من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية فأمر عمر أن لا تؤخذ منه قال ابن الأثير الشعوب ههنا العجم ووجهه أن الشعب ما تشعب من قبائل العرب أو العجم فخص بأحدهما ويجوز أن يكون جمع الشعوبي كقولهم اليهود والمجوس في جمع اليهودي والمجوسي. قال شارح المفصل في شرح قول الزمخشري الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية وجبلني على الغضب للعرب وللعصبية وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز والشعوبية مصدر الشعوبي بضم الشين وهو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم على العجم فضلاً إذ الفضل بالتقوى وهو منسوب إلى قوله تعالى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال ابن الحاجب في شرح المفصل أيضاً والشعوبية بضم الشين قوم متعصبون على العرب مفضلون عليهم العجم وإن كان الشعوب جيل العجم إلا أنه غلبت النسبة إليه لهذا القبيل ويقال أن منهم معمر بن المثنى وله كتاب في مثالب العرب وقد أنشد بعض الشعوبية للصاحب بن عباد يمدحه: غنينا بالطبول عن الطلو ... وعن عنس عذافرة ذمول فلست بتارك إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول وضب بالفلا ساع وذئب ... بها يعوي وليث وسط غيل إذا نحروا فذلك يوم عيد ... وإن ذبحوا ففي عرس جليل يسلان السيوف لرأس ضب ... هراشاً بالغداة وبالأصيل بأية رتبة قدمتموها ... على ذي الأصل والشرف الأصيل أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار صاحب العدل الجليل لكان لهم بذلك خير عز ... وجيلهم بذلك خير جيل فقال له الصاحب قدك ثم قال لبديع الزمان أجبه فأجابه مرتجلاً:

стр. 2320

أراك على شفا خطر مهول ... بما أودعت رأسك من فضول طلبت على مكارمنا دليلاً ... متى احتاج النهار إلى دليل السنا الضاربين جزي عليكم ... فإن الجزي أقعد بالذليل متى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول متى علقت وأنت بها زعيم ... أكف الفرس أعراف الخيول فخرت بملء ما ضغينتك فخراً ... على قحطان والبيت الأصيل فخرت بأن مأكولاً ولبساً ... وذلك فخر ربات الحجول تفاخرهن في خد أسيل ... وضرع من مفارقة رسيل فقال الصاحب للشعوبي: كيف ترى فقال: لو سمعت ما صدقت ثم قال له: جائزتك جوازك إن وجدتك بعدها في مملكتي شربت عنقك. وفد النعمان بن المنذر على كسرى فوجد عنده وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارساً ولا غيرهم فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم فرأيت الروم كذا ووصف من حالهم وجعل يثني عليهم ورأيت الهند التي لها كذا وكذا ثم قال مثل ذلك في الترك والخزر والصين متى ذكر قبيلة أثنى عليها ووصف ما يفتخرون به ثم قال ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير وجعل يصف شأنهم وهو يحقرهم ويصغرهم فقال النعمان: أصلح الله الملك وجعل يثني عليه ثم قال: إلا أن عندي جواباً في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن آمنني من غضبه نطقت به قال كسرى فأنت آمن فقال النعمان أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها قال كسرى: بماذا قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وينها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجنود لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيولهم مهادهم الأرض وسقفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر إذ غيرها من الأمم إنما

стр. 2321

عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما حسن وجوهها وألوانها فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرقة والصين المحنتمة والترك المشوهة والروم المقشوة وأما أحسابها وأنسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها وآخرها حتى أن أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنياً فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أباً أباً حفظوا بذلك أحسابهم وضبطوا أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلاً الذي يكون عنده البكرة أو الناب عليها بلاغة في حمولته وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزي بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج له من دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الثناء. وأما حكمة ألسنتها فإن الله أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم بالإشارة وضرب الأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيءٍ من ألسنة الأجناس ثم خليهم أفضل الخيول ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة والحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبعد عن مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر. وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون بها حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلداً حراماً وبيتاً محجوباً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماء فهي اللب وعقد لا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم ليرفع عدداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى تفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره وأنها ليلجأ إليهم المجرم المحروب من غير معرفة ولا قرابة لتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله وأما قولك أيها الملك أنهم يئدون أولادهم من الحاجة فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا آنست من نفسها ضعفاً

стр. 2322

وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون إليهم بأزمتهم. فأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطء والعسف فعجب كسرى مما أجابه النعمان به وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في إقليمك ولما هو أفضل ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقيص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة وجماعة من رؤوس العرب سماهم فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم حال هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منهم وقد سمعت من كسرى مقالة أتخوف أن يكون لها غدر واقتص عليهم مقالة كسرى وما رد علبه فقالوا: وفقك الله أيها الملك ما أحسن ما رددت عليه وأبلغ ما حجته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت قال النعمان: إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وبما يتخوف من ناحيتكم وليس شيءٌ أحب إلي مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطقوا بكتابي هذا إلى باب كسرى فإذا دخلتم عليه نطق كل واحد منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته به نفسه ووصاهم بوصايا فذهبوا وقد ساق القصة صاحب العقد وأوردها أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي في كتاب ألف باء. ومن حجة الشعوبية على العرب أن قالت أنا ذهبنا إلى العدل والتسوية وأن الناس كلهم من طينة واحدة وسلالة رجل واحد واحتججنا بقول النبي ﵊: المؤمنين أخوة لتكافأ دماؤهم ويسعى أدناهم وهم يد على من سواهم. وقوله في حجة الوداع وهي خطبته التي ودع فيها أمته وختم نبوته: أيها الناس إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب ليس لعربي على عجمي فضلٌ إلا بالتقوى. وهذا القول من النبي ﵊ موافق لقول الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فأبيتم إلا فخراً وقلتم لا تساوينا وإن تقدمتنا إلى الإسلام ثم صليت حتى تصير كالحني وصمت حتى تصير كأوتار ونحن نسامحكم ونجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم ﷺ إذا أبيتم إلا خلافه وإنما نجيبكم إلى ذلك لاتباع حديثه وما أمر به صلى الله عليه

стр. 2323

وسلم فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة ونقول: أخبرونا إن قالت لكم العجم هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكاً أو نبوة فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم: وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخرت له الأنس والجن والطير والريح وإنما هو رجل منا أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ومغربها وبنى ردماً من حديد ساوى به بين الصدفين وسجن وراءه خلقاً من الناس تربي على خلق الأرض كلها كثرة لقول الله (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا أو ليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض ولو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية التي أسسها في قعر البحر وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها وكيف ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك والذي تحته بنت ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل والذي له نهران ينبتان العود والفوة والجوز والكافور والذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلاً إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئاً أما بعد فإني أردت أن تبعث إليّ رجلاً يعلمني الإسلام ويوفقني على حدوده والسلام. وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوة فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة هوداً وصالحاً واسماعيل ومحمداً ومنا المصطفون من العالمين آدم ونوح وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر فنحن الأصل وأنتم الفرع وإنما أنتم غصن من أغصاننا فقولوا بعد هذا ما شئتم وادعوا. ولم تزل للأمم كلها من الأعاجم فيكل شق من الأرض ملوك تجمعها ومدائن تضمها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والإسطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به علم الأبعاد ودوران الأفلاك وعلم الكسوف لم يكن للعب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها ويقمع ظالمها وينهى سفيهها ولا كان لها قط نتيجة في صناعة ولا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم وذلك إن للروم أشعاراً عجيبة قائمة الوزن والعروض فما الذي تفخر به العرب على العجم فإنما هي كالذئاب العادية والوحوش

стр. 2324

النافرة يأكل بعضها بعضاً ويغير بعضها على بعضٍ فرجالها موثوقون في حلق الأسر ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي. قال بجير يعير العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء: زعمتم بأن الهند أولاد خندف ... وبينكم قربى وبين البرابر وديلم من نسل ابن ضبة ناسل ... وبرجان من أولاد عمر وبن عامر فقد صار كل الناس أولاد واحد ... وصاروا سواء في أصول العناصر بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم ... وأولى بقربانا ملوك الأكاسر أتطمع في صهري دعياً مجاهراً ... ولم تر ستراً من دعي مجاهر وتشتم لؤماً رهطه وقبيله ... وتمدح جهلاً طاهراً وابن طاهر وقال الحسن بن هانئ على مذهب الشعوبية: وجاورت قوماً ليس بيني وبينهم ... أواصر إلا دعوة وبطون إذا ما دعا باسمي العريف أجبته ... إلى دعوة مما عليَّ يهون لا زد عمان بن المهلب نزوة ... إذا افتخر الأقوام ثم تلين وبكر يرى أن النبوة أنزلت ... على مسمع في البطن وهو جنين وقالت تميم لا نرى أنا واحداً ... كأحنفا حتى الممات يكون فلا لمت قيساً بعدها في قتيبة ... إذا افتخروا أن الحديث شجون قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب: وأما أهل التسوية فإن منهم قوماً أخذوا ظاهر بعض الكتاب والحديث فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه فذهبوا إلى قوله : إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وقوله: إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم. وإلى قول النبي ﵊ في خطبته في حجة الوداع أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب. وقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم وإنما المعنى في هذا أن الناس كلهم من المؤمنين سواءٌ في طريق الأحكام والمنزلة عند الله والدار الآخرة لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة لم يكن في الدنيا شريف ولا مشروف ولا فاضل ولا مفضول فما معنى قوله صلى

стр. 2325

الله عليه وسلم إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه وقوله ﷺ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم وقوله ﷺ في قيس بن عاصم هذا سيد الوبر. وكانت العرب تقول لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا. تقول لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار فإذا حملوا كلهم جملة واحدة هلكوا أو إذا ذمت العرب قوماً قالوا: سواسية كأسنان الحمار وكيف يستوي الناس في فضائلهم والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله ولكن لبعضها الفضل على بعض وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس وقالوا القلب أمير الجسد ومن الأعضاء خادمةٌ ومنها مخدومةٌ. قال ابن قتيبة: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم ﵇ وبقول النبي ﵊ لا تفضلوني عليه فإنما أنا حسنةٌ من حسناته ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين وأنهم من العجم غير أربعة هود وصالح واسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام واحتجبوا بقول الله إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ثم فخروا بإسحق بن إبراهيم وأنه لسارة وأنا إسماعيل لأمة تسمى هاجر قال شاعرهم: في بلدة لم تصل عكن بها طنباً ... ولا خباء ولا عك وهمدان ولا لجرم ولانهد بها وطن ... لكنها لبني الأحرار أوطان أرض تبنى بها كسرى مساكنه ... فما بها من بني اللخناء إنسان فبنو الأحرار عندهم العجم وبنو اللخناء عندهم العرب لأنهم من ولد هاجر وهي أمة وقد غلطوا في هذا التأويل وليس كل أمة يقال لها اللخناء من الإمام الممتهنة في دعي الإبل وسقيها وجمع الحطب وإنما أخذ من اللخن وهو نتن الريح يقلل لخن السقاء إذا تغير ريحه فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وارتضاها للخليل فراشاً وللطيبين إسماعيل ومحمد أماً وجعلهما سلالة فهل يجوز لملحد فضلاً عن مسلم أن يسميها اللخناء. قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يرد به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم والسيد منهم والمسود إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاشلم ولا السيد منهم والمسود والشريف والمشروف ولكننا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم

стр. 2326

ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ومن أمية في أرومتها ومن قيس في أشرف بطن منها إنما الكريم من كرمت أفعاله والشريف من شرفت همته وهو معنى حديث النبي ﵊ إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وقوله في قيس بن عاصم هذا سيد أهل الوبر إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم وبذله رفده لهم ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول: وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل مركب فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب وقال آخر: أنا وإن كرمت أوائلنا ... لسنا على الأحساب ننكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا وقال قس بن ساعدة لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردها أحد بعدي أيما رجل رمى رجلاً بملامة دونها كرم فلا لوم وأيما رجل ادعى كرماً دونه لؤم فلا كرم له. ومثله قول عائشة أم المؤمنين كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به وكل لؤم دونه كرم فالكرم أولى به. تعني بقولها أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها فإذا كرمت فلا يضره لؤم أوليته وإن لؤمت فلا ينفعه كرم أوليته. وقال الشاعر: نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما=وجعلته ملكاً هماما وقال آخر: ما لي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي روى أبو العيناء الهاشمي عن الفخذمي عن شبيب بن شبة قال كنا وقوفاً بالمربد موضع بالبصرة وكان المربد مألف الأشراف إذ أقبل ابن المقفع فبششنا به وبدأناه بالسلام فرد علينا السلام ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل وسورها المديد ونسميها العجيب

стр. 2327

فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض وأرحتم دوابكم من جهد الثقل فإن الذي تطلبونه لم تفلتوه ومهما قضى الله لكم من شيءٍ تنالوه. فقبلنا وملنا فلما استقر بنا المكان قال لنا: أي الأمم أعقل فنظر بعضنا إلى بعض فقلنا: لعله أراد أصله من فارس فقلنا: فارس فقال: ليسوا بذلك إنهم ملكوا كثيراً من الأرض ووجدوا عظيماً من الملك وغلبوا على كثير من الحق ولبث فيهم عقد الأمر فما استنبطوا شيئاً لعقولهم ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم قلنا: فالروم قال: أصحاب صنعة قلنا: فالصين قال: أصحاب طرفة قلنا فالهند قال: أصحاب فلسفة قلنا السودان قال: شر خلق الله قلنا: الخزر قال: بقر سائمة قلنا: فقل قال: العرب قال: فضحكنا قال: أما أني ما أردت موافقتكم ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلا يفوتني حظي من المعرفة أن العرب حكمت على غير مثال مثل لها ولا آثار أثرت أصحاب إبل وغنم وسكان شعر وأدم يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده ويشارك في ميسوره ومعسوره ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة ويفعله فيصير حجة ويحسن ما شاء فيحسن ويقبح ما شاء فيقبح أدبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم فلم يزل حياء الله فيهم وحياؤهم في أنفسهم حتى رفع لهم الفخر وبلغ بهم أشرف الذكر وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم فقال سبحانه أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين فمن وضع حقهم خسر ومن أنكر فضلهم خصم ودفع الحق باللسان أكبت للجنان أهم. أما عناية الإسلام بإسقاط الجنسية فتراه ماثلاً من حسن معاملتهم للموالي فقد ولى رسول الله ﷺ جيش موتة زبداً مولاه وقال إن قتل فأميركم جعفر وأمر رسول اله أسامة بن زيد فبلغه أن قوماً قد طعنوا في إمارته وكان أمره على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار فقال ﵇ إن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه قبله ولقد كان أهلاً وإن أسامة لها لأهل. وقالت عائشة لو كان زيد حياً ما استخلف رسول الله غيره وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضلت أسامة عليّ وأنا وهو سيان فقال: كان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك وكان أحب إلى رسول الله منك أوصى رسول الله ﷺ بعض أزواجه لتميط عن أسامة أذى من مخاط أو لعاب فكأنها تكرهته فتولى منه ذلك رسول الله ﷺ بيده وقال لو يوماً ولم يكن أسامة من أجمل الناس لو كنت

стр. 2328

جارية لنحلناك وحليناك حتى يرغب الرجال فيك وفي بعض الحديث أنه قال أسامة من أحب الناس إليَّ. وكان ﷺ أدى إلى بني قريظة مكاتبه سلمان منا أهل البيت ويروى أن المهدي نظر إليه ويد عمارة بن حمزة في يده فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين فقال: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة فلما ولى الرجل ذكر ذلك المهدي كالممازح لعمارة فقال له عمارة انتظرت أنه يقول: ومولاي فانفض والله يدك من يدي فتبسم أمير المؤمنين المهدي ولم يكن الأكرام للموالي في جفاة العرب. زعم الليثي أنه كانت بين جعفر بن سليمان وبين مسمع بن كردين منازعة وبين يدي مسمع مولى له بهاء ورواء ولسن فوجه جعفر إلى مسمع له لينازعه ومجلس مسمع حافل فقال أن أنصفني والله جعفر أنصفته وإن حضر حضرت معه وإن عند عن الحق عندت عنه وإن وجه إليَّ مولى مثل هذا وأومأ إلى مولى جعفر فقال مولى مثل هذا عاضاً لما يكره وجهت إليه وأومأ إلى مولاه فعجب أهل المجلس من وضعه مولاه ذلك الموضع الذي تباهي بمثله العرب وقد قيل الرجل لأبيه والمولى من مواليه. وفي بعض الأحاديث أن المعتق من فضل طينة المعتق. ويروى أن سلمان أخذ من بين يدي رسول الله ﷺ تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه فانتزعها منه رسول الله ﷺ فقال: يا أبا عبد الله إنما يحل لك من هذا ما يحل لنا. ويروى أن رجلاً من موالي بني مازن يقال له عبد الله بن سليمان وكان من جلة الرجال نازع عمرو بن هداب المازني وهو في ذلك الوقت سيد بني تميم قاطبة فظهر عليه المولى حتى أذن له في هدم داره فأدخل الفعلة دار عمرو فلما قلع من سطحه سافاً كف عنه ثم قل يا عمرو قد أريتك القدرة وسأريك العفو وقد كان في قريش من فيه جفوة ونبوة. كان نافع بن جبير أحد بني نوفل بن عبد مناف إذا مر عليه الجنازة سأل عنها فإن قيل قرشي قال واقوماه وإن قيل عربي قال وامادتاه وإن قيل مولى أو عجمي قال اللهم هم عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت. ويروى أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمور بن تميم كان يقول في فصصه اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة فأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. ومثل ذلك ما كان بعضهم يقولونه لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة حمار أو كلب أو مولى وكانوا

стр. 2329

لا يكنونهم بالكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب ولا يمشون في الصف معهم ولا يتقدمونهم في الموكب وإن حضروا طعاماً قاموا على رؤوسهم وإن أطعموا المولى لسنه وفضله وعمله أجلسوه في طريق الخبار لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب وإن كان الذي يحضر عزيزاً وكان الخاطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها وإنما يخطبها إلى مواليها فإن رضي زوج وإلا رد فإن زوج الأب والأخ بغير رأي موليه فسخ النكاح وإن كان قد دخل بها كان سفاحاً غير نكاح. وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الموالي والعرب أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا فأقبل على الموالي وقال أنتم علوج وعجم وقراؤكم أولى بكم ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب وصيرهم كيف شاء ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجهه إليها وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل بن لجين يقال له حراش وقال شاعرهم: وأنت من نقش العجلي راحته ... توفر شيحك حتى عاد الحكم يريد الحكم بن أيوب التميمي عامل الحجاج على البصرة. ولد أورد ابن بسام في الذخيرة في ترجمة الأديب أبي جعفر أحمد الدودين البلنسي رسالة ابن غرسية يخاطب بها أبا جعفر بن الجزار في فضل الشعوبية وذم العرب ابتدأها بقوله: يا ابن الأعارب ما علينا بأس ... لم نجك إلا ما حكاه الناس ولم أشتم لكم حسباً ولكن ... حدوث بحيث يستمع الحداء وقال فيها في وصف العجم: هم ملكوا شرق البلاد وغربها ... وهم منحوكم بعد ذلك سؤددا حلم وعلم ذوو الآراء الفلسفية الأرضية والعلوم المنطقية الرياضية حملة الأسترلوميقا والجومطريقا والعلمة بالأرتماطيقا والأنولوطيقا والقومة بالموسيقى والطوبيا والنهضة بعلوم الشرائع والطبائع والنفرة في علوم الأديان والأبدان ما شئت من تحقيق وترفيق حبسوا

стр. 2330

أنفسهم على العلوم الدينية والبدنية لا على وصف الناقة العدنية فعلهم ليس بالسفاف كفعل نائلة وإساف أصغر بشأنكم إذ بزق خمر باع الكعبة أبو غسانكم وإذا أبو رغالكم قاد فيل الحبشة إلى حرم الله لاستئصالكم. والرسالة كلها على هذا النسق استغرقت مع الردود عليها سبع عشرة ورقة من الذخيرة ولولا غلبة التحريف الكثير عليها لأوردناها برمتها وقد رد عليها كثيرون من أدباء الأندلس في عصر كاتبها ومن جملتهم المخاطلب بها أبو جعفر وردودهم كلها إلى السفاهة والبذاءة أقرب وكتابة ابن غرسية أمتن وحججه أوضح. وكنا نود أن نشبع الكلام على الشعوبية أكثر مما أشبعناه واكتفينا الآن بمالدينا من النقول الصحيحة ولعل أحد مؤازرينا يكتب في هذا الموضوع ليجلوه أكثر مما جلوناه وفوق كل ذي علم عليم.

стр. 2331

اللسان كلُّ حرفٍ تعطي عليه جواباً ... خطأ كان لفظه أو صوابا فتمعن قبل الإجابة تسلم ... من جواب يجني عليك عذابا بين فكيك ليث غابٍ إذا ما ... فهت جهلاً في القلب أنشب نابا من يفه عن روية يقضب الغيظ فتغدوا أعداؤه أصحابا مقول المرء مثل حانوت عطار حوى ما قد مرَّ طعماً وطابا فإذا ما أراد يقطر أَريا ... وإذا ما أراد يقطر صابا رب سهم إن أوترته أناة ... فلج القصد واستقادا الرغابا وإذا ما رماه طائش فكر ... يتعدى المنى فقاد الصعابا كم قتيل للفظةٍ لو عداها ... ما عداه برد الصفا جلبابا غادرته تحت التراب إذا لم ... تلفها غادرت بفيه الترابا كان قبلا يسقي من المسك كأساً ... صار يروي من الصديد شرابا أيها اللين الذي هو ذو اللبدة قد حل داخل الفم غابا قل لنا ما صنعتَ بالناس قدماً ... فلقد قيل قد صنعت عجابا * * * لفظ الكيسُ اللطيف أنا من ... ساد أهل العروش والأربابا أوضح القلب كاشفاً ما حواه ... مطفئاً فيه ثائراً لهابا بكلام مثل الندى فاق في جلب الأماني هاطلاً سكَّابا سقطه في السماع خير ونعمى ... مرجعٌ للشيخ العتيّ الشبابا تجد الملك والمملك في قبضة كفي وما رجوت استجابا أفتن الكلَّ بافتتاني ومن تلفيه مثلي محبباً خلاَّبا بي بصبي الملك الرعايا فتبدي ... آي حب إذا دنا أو غابا ويسوس الشعب الوزير فيحا ... ز المرجي ويبلغ الآرابا وأخو المتجر الوسيع بي أسلس ... قي الأماني فأمطرته سحابا كم دعوتُ ابن خيشة في نعيم ... يكتسي فاخر الدمقس ثيابا كم مني دونها الثريا دنت بي ... فجنت قطفها إلا كفُّ اقتصابا

стр. 2332

* * * وإذا ما أطلقتُ من حكماتي ... ضيقت شرتي المغاني الرحابا ودعوت الصبح المنير ظلاماً ... واعتبرت الحق المبين كذابا وأطرحت الخل الصفي قصيا ... بعد ما كان يستزيد اقترابا واتخذت الرأي الضلال دليلا ... وتركت الراضين عني غضابي واجتلبت الألوف تلقى ألوفاً ... مرويات مناصلاً وحرابا ناطقات الكرات متقداتٍ ... حاصدات كهولها والشيابا كم صباح تكسي النهار كستها ... شرتي بردة الظلام إهابا وبنوها الفراخ أمسوا بيتم ... يتلوَّون حيرة واكتئابا اترك المعلم الأغن وقد بات بمسعايَ شر مسعى يبابا فأنا من أُدير خمراً وغسليناً وأجني الزقوم والعنابا وأنا من يجيب شأني أَني ... انشرُ الميت أو أبين الرقابا وقصارى أمري مبين ببيت ... لذوي النبل مشرع أبوابا من تخطي بي الروية أخطا ... من حدا بي نهج الصواب أصابا دمشق أمين ظاهر خير الله

стр. 2333

الحاكي أو الفنغراف بقلم عيسى أفندي اسكندر المعلوف (نظم هذه الأبيات ونقشها على أسطوانة بصوته تلبية لاقتراح صديق له) صوت السلام أميركا حياك ... وبكشفه كولمبسٌ أحياكِ إن الصحائف والمطابع والمدارس والمعامل زينت مغناكِ وكذا الزراعة والصناعة والتجارة ... عززت في نجمها مبداكِ سميت نصف الأرض عن ثقة وقد ... فاخرت كل الأرض في أنباكِ فعلى أَديسن أَلف أَلف تحية ... وبه اجتنيت من الفنون مناكِ يكفيه إيجاد الفنغراف الذي ... قد شاع بين العرب والأتراك أَلفى بنفخ البوق بعثة ميتنا ... فأقامه من قبره الفتاكِ وتصيد الأصوات من بحر الهوا ... بشباكه كصيد الأسماكِ فيعي بإذنٍ ما يقال كسامع ... ويعيده بلسانه كالحاكي هو صادق في نقل أخبار وفي ... حفظ الكلام وليس بالأفاكِ يتقلد الأصواتَ كيف تلونت ... بفصاحة وهو الضحوك الباكي ونراه ينطق باللغات كأَنه ... متلقن بالروح وحي ملاكِ ويدور كالدولاب وقت تكلم ... فكأنه سيارة الأفلاكِ ومحل حفظ الصوت شبه دماغنا ... في شدة الإحساس والإدراكِ ولسانه بعد الفكر ناطق ... بعواطف القلب الشكور الشاكي هذا عجيبة عصرنا وأديسن ... مبدي العجائب فيه كل رجاكِ لا زال بالعمر الطويل ممتعاً ... ما شنف الآذان صوتُ (الحاكي)

стр. 2334

سير العلم والاجتماع حياة النبات يرى أوسونسكي أحد كبار علماء روسيا أن حياة النبات تشبه بجملتها حياة الإنسان فلها مزاج وشهوات وميل وكراهة كالآدميين وكان علم الزراعة من قبل يرى أن النباتات عارية من هذه القوى فيكتفي الزارعون بزرعها وسقيها أو بتغذيتها وذلك بوقايتها من أخطار رداءة الهواء وتحسين ما يلائم طبيعتها من الأجواء ولكن هذا العالم رأي الآن أن لا سبيل إلى الانتفاع من النباتات واستنبات الجيد منها إلا بمعاملتها معاملة من يعقل ويحس وقد مثل لذلك بنبات البطارس (الخنثار) والفطر والطحلب وقال أنها تنقبض إذا أخذت ووضعت على قطعة من خشب مغشاة بالجلاتين واستدل من تأثر هذه النباتات على أنها حساسة كالحيوان ومن رأيه أن النباتات تتأثر بالنور والهواء أكثر من جميع الحيوانات فمنها ما يتجه نحو الشمس ومنها ما يوجه وجهه قبل المشرق ومنها ما يغلق نفسه عند الغروب ومنها ما يسهر في الليل وينام في النهار نوماً أشبه بالموت. ومن أنواع البقول ما ينام على سوقه ومنها ما يقي نفسه من حرارة أشعة الشمس بأن تجعل أوراقها على صورة لا تتعرض بها للنور مباشرة وأنا لنرى الأزاهير في الأصاصي (أواني الزهور) توجه وجهها نحو النافذة كما نرى الهندباء تتنبأ بسقوط المطر ولا تفتح ونبات المسحية تخاف من الضجة بل قد يغشى عليها متى أطلق أمامها مدفع. ومعظم النباتات تتأثر بالأثير والمورفين والكوكايين. وعلى هذا فقد استنتج العالم بأن أرسطو كان على صواب في قوله أن للنباتات روحاً فقال أن معرفة ذلك من حال النبات يدعو إلى إحسان تربيته وتعهده فإذا فعل المزارعون الفلاحون وأرباب الحدائق ذلك فهناك الغلات الجيدة في الكمية والكيفية. المجموع العصبي يحثوا في المؤتمر الطبي في جنيف مؤخراً في ضعف المجموع العصبي (نوراستينيا) والحمر فقال بعضهم أن المكثرين من تناول الماء أكثر عرضة لهذا الضعف من غيرهم ومعلوم أن هذا الضعف لا يتناول القوى الطبيعية فقط بل يتناول القوى العقلية والحماسة الأدبية ويشعر المصابون باضطراب في الوظائف العضوية وجميع هذه الأسباب تؤثر تأثيراً مضعفاً في الجسم والعقل. وجرى البحث فيما إذا كان الاعتماد على المنعشات في

стр. 2335

مثل هذه الحال لا يفيد المصاب بهذا الداء إذا شفعها بتحسين أصول غذائه لا شك أن المصاب بضعف الأعصاب يشكو من سوء الهضم في الغالب فمن الاحتياط أن لا يعطى من الأطعمة المائعة والسائلة ما يهيج معدته وليس معنى هذا أنه ينبغي حذف جميع المنعشات من طعامه وقد تبين أن الخمور على أنواعها تضر بالمصاب بهذا الضعف كما ثبت أن المكثرين من تناول الماء مصابون بالسوداء وسريعو الانفعال والسخط. الماء المقدس لفت راهب إيطالي من المشتغلين بعلم الجراثيم والطب الأنظار للأخطار التي تحدث من أجران الماء المقدس في الكنائس فثبت لديه أن في كل مئة سنتمتر من الماء المقدس في كنيسة القديس كروس في تورين مئة وخمسين ألف جرثومة إذا أخذ الماءُ من سطح الجرن وإذا اغترف من داخله يحتوي على ستة ملايين جرثومة. وقد حقن بهذا الماء حيوانات فكان سبباً في قتلها بالسل أو الخناق أو غيرهما من الأمراض العضالة وقد بين الطرق الواقية من تناول الماء على الصورة المألوفة وأخذ رجال الدين هناك يبحثون في واسطة تدفع الجراثيم عن الماء لا بغسل الأجران بالسليماني فقط بل بالنظر في كيفية تناول الماء. طهارة برلين أصبحت مدينة برلين بالنظر للارتقاء الذي ما زال متواصلاً فيها وفضل العناية في تطهيرها ووقايتها من أطهر مدن العالم إن لم نقل أنها أطهر مدينة في العالم فأصاب الصحة من هذه الطهارة حظ وافر فقد كان معدل الموت فيها سنة ١٨٧٦ـ٢٩ فأصبح سنة ١٩٠٠ـ٣٥ وصار هذه السنة ٣٨. الحكم بالإعدام نسمع الكثيرين من أصحاب الرأي يقولون حينما يبلغهم أن الأشقياء كمنوا لفلان فسلبوه متاعه وقتلوه شر قتلة لو نفذ الحكم بالإعدام لوقف الأشقياء عند حدهم ولما تجرأوا تلك الجرأة على قتل النفوس التي حرم الله قتلها قال أحد نواب الفرنسيس ما جعل الأسافل يغتالون الكرام إلا عدم الشدة في العقوبات وها نحن أولاً نعربه بالحرف الواحد: كل جمعية لها الحق أن تتخذ جميع الوسائل الضرورية لحفظ كيانها وإني لا أظن أنه يمكن أن تعاقب المجرمين كافة لأنه يوجد منهم من يستحيل وجود عقاب يناسب فظاعة جرمهم وإني لست

стр. 2336

من الذين يقولون أن السبب في كل الجرائم البؤس فلا محل لتلك الأعذار التي ينتحلها لهم بعضهم قبل أن نلغي حكم الإعدام يجب أن نتحقق من أمر العقاب الذي يحل محله. قد لطف قانون السجون ولكل الجرائم لم تخفف بل لا تزال في ازدياد وزاد على ذلك أن الجرائم التي ترتكب اليوم أفظع من التي كانت ترتكب أمس نعم إن البشر ليسوا بمعصومين وقد يغلطون ولكن طرق التحقيق المتبعة اليوم بفرنسا والمرافعات القضائية تجعلنا نقول أن الخطأ أقل من القليل. وأرجو من زملائي أن يشملوا بنظرهم القوم الصالحين أكثر من أن يشملوا به المجرمين. فالجاني الذي يدخل تحت جنح الليل إلى بيت فيه أسرة آمنة مطمئنة شاهراً بيده مسدساً لا شك أنه يستحق عقاباً على هذه الجريمة الفظيعة بالأشغال الشاقة المؤبدة فإذا لم يجر عليه الحكم بالإعدام فلا شك أن هذا الأثيم يقتل كل من يقع تحت يديه كي لا يكون شاهداً عليه. الحكم بالإعدام وحده كفيل بغل أيدي سفاكي الدماء فأرجو من زملائي أن يزنوا هذه الفكرة بميزان النصفة ولا يسلبوا الهيئة الاجتماعية سلاحها. مزرعة المستقبل جربوا الكهربائية على شواطئ البحر المحيط الهادي بأميركا في تعهد المزارع وحرثها وزرعها وحصادها فاستعملوا لذلك أدوات دافعة ورافعة لتحرك بشلالات مجاورة فتحدث منها القوة المطلوبة فأتى ذلك بنتائج مهمة. ولئن كانت النفقة على هذا العمل تستدعي صرف مئات من الريالات إلا أنه يتوفر بها ثلاثة أرباع ما ينفق في العادة على مثل هذه المزارع لاستثمارها واستنباتها فضلاً عما في ذلك من الاقتصاد في الوقت والذين يتبرمون من المزارعين من كثرة النفقات والأيدي العاملة في مزارعهم يعلقون الآمال الكبيرة على أن تكون الكهربائية أعظم عاملة في مزارع المستقبل. الصحة في السويد اتفقت المجتمعات كلها على أن الرياضة البدنية من أسلم الرياضات النافعة حتى أن بلاد السويد تعتبر هذه الرياضة اعتبارها للفروض الدينية وتقضي على السكان عامة أن يعمدوا إليها فالرياضة البدنية إجبارية في المدارس على كل طفل منذ صغره فتبعث الحكومة بأساتذة من قبلها إلى كل مدرسة ليشرفوا فيها على تعاطي هذه الرياضة كما أنها تقضي

стр. 2337

على كل تلميذ أن يسبح سواء خاف من الماء أم لم يخف كمدرسة تكره على. والحكومة هناك تدفع للأطباء المنتشرين في الأقاليم المختلفة من البلاد رواتب من خزانتها لأن ما يتناوله الطبيب في القرى من زبنه لا يكتفيه في معاشه. ومن العادة في البلدان المأهولة بالسكان أن لا يتناول الطبيب أجرة عيادته بل يترك معاشه لذمة زبنه فيدفع له كل زبون بقدر طاقته بحيث يسمن كيسه بدون طلب ولا إبرام ويعيش كالأغنياء أو أحسن. اللبن الحليب استبان لأرباب الإحصاء أن الغرام باللبن الحليب في العالم يزيد ولا ينقص فقد بلغ ما يصرف كل يوم منه في العالم كله مليوناً وثلاثمائة وثمانين ألفاً وخمسمائة طن منها خمسمائة ألف طن في الولايات المتحدة. واللبن هو الغذاء الطبيعي المغذي والشافي واللذيذ والبسيط. احترام الآراء خطب أرنست لافيس في إحدى المدارس الفرنسوية في معنى احترام الآراء والمذاهب فقال أن القضاء والشرطة لم يجعلا إلالدفع الناس بعضهم عن بعض وإن الأسباب التي تدعوا كبار الرجال إلى أن يتباغضوا بغضة شديدة جداً ترجع إلى أمر واحد ألا وهو الاختلاف في الآراء السياسية والدينية وينشأ عن هذا الاختلاف أحياناً بغض وكراهية. فالناس يختلفون في العقائد فمنهم الملحد ومنهم المحافظ الذي يرى بقاء القديم على قدمه في السياسة وأن الاحتفاظ بالتقاليد من الضروريات في الحياة العامة ومن دافع عنها فيقوم بالواجب عليه وكأنه يدافع عن مصلحة الوطن نفسه ومنهم الثوري الذي لا يرى السعادة في غير إهراق الدماء وأن الخير معقود بنواصي الفتن ولا تستقيم الأمور بدونها أما أنا فأقول أنه من الممكن أن يتخالف الناس بدون أن تسوء حالهم وأنه قد يتأتى للخصوم أن يحب بعضهم بعضاً ويحترم بعضهم بعضاً فإذا قدروا على ذلك فإنه يجب عليهم ولا سبيل إلى أن يعيش الناس بعضهم مع بعض في سلام إلا إذا جعلوا التسامح رائدهم وإذا قضي على أحد الرجلين أن يحكم عليه فمن يفصل بينهما؟ لا شك أن القوة هي الحكم ولكن استعمال القوة في مصادرة الأفكار هو من الأغلاط التي نلوم المستقبل عليها ولكم حكموا بإسقاط بعض الآراء في القدم فما زالت على انتشارها إلى اليوم ولكم حكم القضاة في الأمور الذهنية

стр. 2338

فعدنا نحن اليوم نحكم عليهم بل ننقم عليهم سوء حكومتهم ولكم أقيمت التماثيل اليوم لرجال ذهبوا بيد الغدر والقهر ورموا في النار فأضحت الساحات التي أعدموا فيها مزدانة اليوم بتماثيلهم التي نصبت لتمجيدهم. يقول قوم ليس أشق من إرادة المرء أن لا يعمل مع غيره ما لا يريد أن يعملوه معه وأن أنصار الحرية إذا قبضوا على القياد يمنعونها غيرهم فيخالفون بذلك قاعدة الحرية كما يقولون أن الحكم بين المتناقضات ليس له إلا حاكم واحد يخضع له العالم بأسرهم صاغرين ونعني به العالم ولكن من يدعون إلى العلم يجهلون ماهيته فإن الفضيلة الكبرى في العالم هو أنه يبحث على الدوام وربما ضلَّ في أبحاثه ضلالاً بعيداً ولكن من فضيلة العالم هو أنه يجد بنفسه الأغلاط التي ارتكبها وأنه يرجع عن الأوهام التي جاء عليه زمن فأعجبته وأخذت بمجامع قلبه ثم يعود إلى البحث وما موضوع بحثه إلا الحوادث ففي الحوادث التي اكتشفها يتخذها الناس حججاً وبراهين فهم ينظرون مثلاً في حوادث تاريخ الأرض والإنسان التي أبرزها العلماء إلى عالم الوجود خلال القرنين الأخيرين ويتناقشون بما تجدد لهم من هذه الحوادث في معتقداتهم الموروثة ويعزمون إما على رفضها أو على قبولها ولكن العلم لا يكتب الغلبة لدين على آخر بل يأخذ في سبيله باحثاً مستقصياً ولا يعرف أحد إلى أي طريق ينتهي به البحث وما عظمته وجماله وإنسانيته إلا بما يبدو على معاطفه من الشك والريبة. ولا أرى مخلصاً للناس من تعليل فيها للمباحث الدينية صوتاً وأن الحرية إذا لم تكن متأصلة في الأخلاق لا تجدي بنيها نفعاً. النوم كتب أحد الباحثين في المجلة الباريزية بحثاً في النوم وما ينبغي للإنسان منه حتى تجود صحته فقال أن النوم هو أحد نواميس الكون وجميع البشر على اختلاف في أعمارهم خاضعون له وأن الرجل العادي يموت من قلة الهواء في خمس دقائق ومن قلة الماء في أسبوع ومن قلة النوم في عشرة أيام أما الإكثار من النوم فيجعل في الرأس ثقلاً وفي الجسم كسلاً. قالت لعقيلة مريم ماناسين في كتاب لها نشرته حديثاً أنه لا ينام نوماً طويلاً إلا من فرغ ذهنه وقلّ فكره وأن أناساً يسترسلون إلى النوم عندما يتفرغون من مشاغلهم لأن طبائعهم مفتقرة بحيث يتعذر عليهم أن يجدوا من أفكارهم الخاصة مادة يهتمون بها وقد أكد

стр. 2339

سارس من علماء الأخلاق أن أرباب السخافة ينامون طويلاً. وقد سأل صاحب المبحث جلة من كبار أرباب العلم والفنون في فرنسا في معنى ما يلزم للرجل المفكر من النوم فكانت أجوبتهم متفقة في الجوهر وإن اختلفت في العرض فقال أحدهم: إني متى تعبت يستحيل عليَّ أن أتعاطى أي عمل كان فأراني مفتقراً إلى الراحة. وعليه فالواجب أن ينام المرء ليعيش لا أن يعيش لينام وقال آخر: إنني في حاجة لأن أنام ثماني ساعات على الأقل ولكن كيفية النوم تهم أكثر من كميته ومن رأيي أن لا يعمد طالب النوم إلى استعمال المنومات والمخدرات وقال جول كلارسي أحد أعضاء المجمع العلمي: إني في حاجة إلى النوم كثيراً ويقلُّ تعي عندما أنام وأنام سبع ساعات على الأقل على أني أعمل بلذة إن نمت قليلاً أو كثيراً وأنا لا أشكو إلا من الأرق فإن التفكر في أشغال الغد هي التي تؤرقني حتى السحر. وقال كورمون من مجمع العلوم: أنام من ثماني ساعات إلى تسع ساعات وأتأثر لأقل حركة تحدث أمامي وكثيراً ما أقضي الليل ساهراً كأني ملسوع فإن نمت ليلتي أتعاطى عملي من الغد وإذا أفرطت في نومي لا أحسن العمل أيضاً ومتى تمت لي ثماني ساعات تكون صحتي إلى الاعتدال وقال الأستاذ ديولافوا: أن النوم كالغذاء فبعض الناس يحتاجون لطعام كثير وبعضهم يتبلغون بالقليل كما أن بعضهم ينامون طويلاً وبعضهم يكتفون بقليل من السهاد ومن القواعد العامة أن قلة النوم والأرق يجلبان التعب ويقللان الميل للأشغال العقلية وعلى العكس في النوم الكافي والسهاد المصلح المعوض فإنهما من شروط العمل أما أنا فأنام سبع ساعات. وذكر آخر أنه إذا نام يتضاعف عمله ويجود عشر مرات عما إذا لم ينم وتسهل أموره وأنه على ثقة من أن بلزاك الشاعر لو كان نام القدر اللازم له لجاد شعره أكثر وخلدت آثاره فقد ظن أنه بسهره يقتصد وقتاً وفي الحقيقة أنه أضاعه ويقال أن نابوليون لما أنهك السهر قواه نام في معركة واترلو وهو واقف. وذكر الكاتب أسباب الأرق فقال أنها قد تكون أدبية مثل الاهتمام بالأشغال والقلق للمستقبل والتعب العقلي وتعب الوجدان والحزن وتبكيت القلب وقد ينشأ الأرق من أمراض طبيعية صرفة وفي الغالب أن المرء يحرم النوم بتساهله لأنه يحسن الاضطجاع على فراشه ولا يتخذ الأسباب اللازمة فلقد اهتدينا إلى أفضل الطرق في الأكل وأفضلها في الشرب ولم

стр. 2340

نهتد إلى الطريقة المثلى في النوم فإن أردت يا هذا أن تنام فعليك أن تتخذ لك غرفة بعيدة عن الضجة خالية من الأنوار الصناعية والحيوانات والزهور والأثاث والبسط وأن تكون معرضة كل التعرض للتهوية حتى في الشتاء وأن يكون الفراش منحنياً قليلاً من الرأس إلى الأقدام بحيث ترتاح فيها الأعضاء جيداً وأن يتخذ الفراش من الصوف وتكون المخدة لا رخوة ولا يابسة وأن يختار من الغطاء الخفيف ومن الوسائد القليلة التضاعيف والنعومة وعليك أن تنام بعد الأكل بساعتين أو ثلاث فالأولى أن لا تغفي الجفون إلا بعد أن يتم الهضم على أن الأستاذ هالوبو ينصح للمشتغلين بالأشغال العقلية أن يناموا بعد الأكل ومن رأيه أن الواجب ترك الدماغ يستريح خلال الهضم. وخير طريقة يعمد إليها الفيلسوف والشاعر في نومهما هو أن يقطعا الليل شطرين وذلك بأن يناما بعد العشاء حتى الساعة الواحدة صباحاً (بعد نصف الليل) ثم يأخذان في الاشتغال ثلاث ساعات قبل أن يعاودا النوم وينبغي لهما أن لا يتخليا عن القيلولة في خلال أيام القيظ ويفضل النوم منفرداً وعلى النائم أن يختار وسط الفراش لينام هنيئاً وترتاح أعصابه وتنبسط وأن لا ينهض وذراعاه فوق رأسه كما يفعل بعض النساء تدللاً لأن ذلك مما يخالف نواميس الفسيولوجيا فإذا صدر النائم صفحة وجهه كثيراً يتعب أعصاب ذراعيه وأعصاب صدره وينقبض عنقه ويهز تنفسه فلا يمتد طويلاً وعليه فالواجب أن يكون الرأس واطئاً ما أمكن حتى يتسرب الدم إلى الدماغ على صورة منتظمة وأن يتمدد الجسم كل التمدد وأن لا ينثني الساقان وأن لا يشبك أحدهما مع الآخر وأن لا ترفع الركبتان ولا ينفع النوم مستلقياً على الظهر ويؤكد بعض الأطباء أن هذا الضرب من النوم بالاستلقاء يحدث أرقاً مضنياً أو كابوساً أو أضغاث أحلام والنوم على الشق الأيسر أصعب حالاً من الاستلقاء أيضاً لأنه يوقف الهضم ويؤدي إلى ضيق التنفس والاختناق وإلى حدوث حركات في القلب تضغط عليه وتؤذيه. وعلى النائم أن لا ينام وبطنه منبسط فالأفضل أن ينام المرء على جانبه الأيمن لما في ذلك من النفع للحواس وعلى هذه الطريقة ينبغي لنا تعويد أولادنا وأن نقتصر نحن أيضاً أن ننام مثلهم. وإذا حدث لنا أرق فالواجب علينا أن نعمد إلى الطرق البسيطة لجلب الكرى إلى العيون وذلك بالمشي والاستحمام قبل النوم ولا ينبغي أخذ شيءٍ من العقاقير والمخدرات لأنها ضارة وتأثيرها مؤقت لا يلبث أن يزول هذا وعلى كل إنسان أن لا يغفل أمر النوم فقد قال

стр. 2341

ليبسول أن في النوم لصحيحي الجسم قوة وفرحاً وللمريض شفاء وهناء. البنون والبنات خطب المسيو أرنست لافيس أحد أعضاء المجمع العلمي الباريزي في معنى وجوب المساواة بين البنين والبنات في إحدى مدارس البنات في فرنسا قال ما محصله: علمت المدرسة أنكن أيتها الفتيات لم تخلقن لتعشن عيشة أصحاب القناطير المقنطرة من المال بل هي تعلمكن استعمال أدوات العمل وأعني بها المقراض والإبرة وتعلمكن مبادئ الاقتصاد المنزلي أي تدبير المنزل وليس من منزل مهما كان صغيراً إلا هو محتاج إلى ربة تدبر أمره وتصلح شأنه وتقوم على تعهده. فالنظام والنظافة والذوق والراحة كلها تدعر المرء لأن يزيد المكث في داره ويحل منزله محلاً رفيعاً من سويداء قلبه ومن حسنت إدارة بيته وكان فيه اللطف والظرف يحسن هندام نفسه. وحسن تدبير المنزل هو من أكبر الدواعي لإدخال النظام على ثروة البنت وإن قلت ومعنى القيام على تدبير المنزل التفكر للغد والنظر في المستقبل أبداً وحسن استعمال الوسائط التي تدفع اليوم عنا عوادي الحياة وتصرف عنا السوء. وهذه الذرائع هي التي تعلمنا المدرسة. إلا فاستمعن لقولي واليحط علمكن بأنه ما من بيت وإن صغر إلا وفي المكنة أن يكون كبيراً. فالأم المتوسطة الحال إذا قامت بالواجب عليها وراعت قواعد الاقتصاد في دخلها وخرجها ونظرت أبداً في لوح المستقبل يتأتى لها في البلاد الديمقراطية أن ترفع أبناءها مكاناً علياً وتنيلهم من الرغائب ما كان قصياً وعندها لا يلبث ذلك البيت الصغير أن يكبر بفضل السعي والانكماش. لا تكتفي المدرسة اليوم كما كانت أمس بأن تعلمكن القراءة والكتابة والحساب فإن معرفة الإشارات وتقليدها وإتقان وضع الأرقام هو من الأمور التافهة البسيطة تود المدرسة أن تفهمن ما تقرأن وأن تتعلقن في ما تكتبن وأن تتلقن في حساباتكن حتى تفهمن في حياتكن بعد حين ما يقال لكن وما تقلن وما تعلمن. فالمدرسة تعلمكن واجباتكن وهي تعتقد كما تعتقد الإنسانية منذ زمن طويل أن هناك شراً وخيراً فالخير هو نتيجة عمل العامل وهذا العمل شريف في ذاته والمدرسة تعلمكن الجمالي فهي تدرسكن تاريخ بلادكن وتملي عليكن بالتعليم الوطني ما هي معاهدنا وتقاليدنا

стр. 2342

وقوانيننا. ولقد رأى بعضهم أن تعليم البنات هذا القدر من التعليم ليس فيه لهن غناء ولكننا لو تابعناهم على آرائهم لظللنا بدل التقدم إلى الأمام متأخرين إلى الوراء. وأي بلاهة أعظم من أن نترك نصف الشعب الفرنسوي جاهلاً بلاده ونقضي بهذا الجهل على النساء والأمهات أن يخرجن من عداد أبناء الوطن. المدرسة توسع دائرة أبصاركن بتعليمكن الجغرافيا فتدرسكن المبادئ اللازمة في تصور العالم والنواميس الكبرى في الطبيعة وهي تريد أن تعرفن مسكن الجنس البشري والتخوم الفاصلة بين أقطاره وعرضه وطوله وقرب البلاد من الحرارة والبرودة. تتوخى المدرسة بل تجعل من أهم واجباتها الضرورية أن ترفع الغشاوة عن ذكاء الفتيات وتشركهن ما أمكن بتسهيل طرق التعليم في معرفة الأعمال العظيمة التي يقوم بها الفكر في جميع ضروب المعرفة وأن تنبه فيهن الشعور بالآداب السامية وتعدهن إلى الاطلاع على حقائق الحياة كما هي الآن. المدرسة هنا لا تميز بين البنات والبنين فقد رأيت في كلية السوربون في إحدى الأيام الآحاد في هذا الربيع مشهداً أخذ بمجامع قلبي. شهدت مئات من العذارى الأوانس وقد تزين وأخذن ينشدن الأناشيد وكن عبارة عن تلميذات المدارس العالية في باريز أقمن حفلة لأسراتهن ولعمري من كان يظن منذ خمسين سنة أن يكون لفرنسا مدارس عالية للبنات. كنت في سنة ١٨٦٩ أمين سر المسيو دروي ناظر المعارف العمومية فحاول هذا الأستاذ الشهير العظيم وكانت آراؤه كلها صائبة سديدة أن يؤسس مدارسة ثانوية للبنات فوافقه بعضهم على ما ارتأى ولكن ما لبثت الفكرة أن انتشرت بين الناس بأن الأخوات لسن كالأخوة في التساوي وأن المذكر أفضل من المؤنث كما جاء في كتب النحو التي ألفها الرجال. فكان القوم يظنون أنه يكفي الإبنة قليل من التعليم وأن هذا التعليم من خصائص الكنيسة فقط أن تعلمه ولذلك قاوم رجال الدين في إنفاذ مشروع الناظر المشار إليه. أتت أيام وأزمان فأصبح عدد المدارس العالية للبنات ٤٢ مدرسة جامعة و٥ مدرسة داخلية و٦٩ مدسة ثانوية وبلغ عدد المتعلمات فيها ٣٠٨٣١ بعد أن كان أقل من النصف قبل عشر سنين وهم يؤسسون هذه السنة أربع جامعات أخرى وربما خمساً وتسع مدارس داخلية وربما عشراً ولم يكن في أول سنة ١٩٠٣ غير ٣٠ مدرسة داخلية فزادت إلى هذه السنة

стр. 2343

ثلاثة أضعاف. النساء فقط هن المعلمات في هذه المدارس يستعددن لهذا العمل الشريف بالدرس والتربية الكثيرة فيعملن ناصحات بإخلاص ونشأة وإنك لتجد مفتش المعارف والرؤساء ونظار المجامع العلمية يمتدحون بلسان واحد المعلمات والمتعلمات لأنهن يتوفرن على تعليم البنات أحسن تعليم بل أقول ولا أخشى من الحق أنهن يعلمن أحسن من تعليم المعلمين من الرجال وقد كان الناس يقولون من قبل أن النساء لا يستطعن أن يفهمن العلوم ولا أن يعلمنها وها هن اليوم يتبحرن في هذه العلوم ويعلمنها كأحسن معلم. إلا وأن في منافسة البنات للرجال في مضمار العلم لأكبر دليل على صحة ما أقول فقد رأيناهن ينصرفن إلى الدراسة أكثر من الشبان فأصبحن بفضل السهر والدرس وصيفات في الكليات للأساتذة من الرجال وقد خلفت العقيلة كوري زوجها في كلية العلوم الباريزية وكانت شريكته في اختراع الراديوم. كل هذا يدل دلالة صريحة أن النساء مستعدات كل الاستعداد للتعلم وأن من حقهن أن يتعلمن. اعتقد صغار الفتيان منذ خلق العالم بأن البنات من جنس غير جنسهم وأن الرجال أسمى مقاماً وأكبر عقلاً وأقوى جناناً إذا قيسوا بالجنس اللطيف. وما قول الناس هذا من الجنس اللطيف أي النساء وهذا من الجنس القوي أي الرجال إلا من الأوهام في المرأة نشأت من التوحش وما كتب للرجال من قوة العضلات وكانت الأنانية والمصلحة هما المساعدتين على انتشار هذا الفكر. وها قد ضعف اليوم هذا الوهم وانتشرت الحقيقة كالشمس الساطعة وما أسهلها وأبسطها ولكن الحقائق البسيطة هي التي يطول عهد اكتشافها. الحقيقة التي أعنيها هو أن للبنت كما للصبي ذكاء وإن كانت الكفاآت وأميال الذكاء في الذكور والإناث متفاوتة الدرجات فليس معنى ذلك أن الذكاء الأنثوي أضعف من الذكاء الرجلي بل إن معنى ذلك أن كلاً من ذكاء الفريقين متمم لصاحبه ليتألف من مجموعه ذكاء الإنسانية. والحقيقة بأن للابنة كما للصبي قلباً يحب ويفرح ويحزن بل أن حظ البنات من الأحزان في هذه الحياة أعظم وأشد وفي قلوب الزوجات والأمهات من بنات المستقبل مادة عظيمة من الدموع سيفرغونها في حياتهن المستقبلية. الحقيقة بأن معظم البنات كمعظم البنين مضطرات إلى الكدح لمعاشهن وأنهن يصعب عليهن السير في هذا السبيل ومعزى ذلك أن الواجب يقضي على البنات

стр. 2344

والبنين أن يجتمعن ذات يوم ليؤسسن معاً أسرة جديدة ويحدث من هذه الحقيقة البسيطة أن البنات كالبنين متساويان في حقوق الإنسانية فلا مسوغ والحالة هذه إلى أن يعاملن معاملة مختلفة في سبيل إعداد الجنسين لجهاد الحياة. وبعد فإن النساء لا يصبحن كلهن عالمات كما لا يكون المتعجرفات فيهن بقدر المتعجرفين من الرجال والعجرفة من الأمور البشعة والنساء لا يحببن أن يكن بشعات كما أنهن لا يتولين الأعمال كلها لما يقوم في وجوههن من منافسة الرجال منافسة شديدة ولأن الطبيعة تقضي بأن تكون للنساء صناعات خاصة بهن وللرجال كذلك فإذا جاء فيهن النساء المخرفات تضطرهن الحال إلى الاعتدال بيد أن الحقوق المخولة للنساء اليوم لا تكفي لتغيير حالتهن الاجتماعية. ولقد عنيت دائماً في حياتي الطويلة أن أشوق أفكار الشبان بل الأطفال إلى الحياة وأن أطلعهم على ما عساهم يطلعون عليه في حياتهم وأرى الآن أنه من الواجب أن ألقنهم محبة حب الوقت إذا كان للوقت ثمن عندهم. أنا مقتنع بأن الناشئة متى عرفوا بعد حين الوقت الذي عشنا فيه يعترفون له بالفضيلة الجميلة من أنه عمل على تقوية كل نوع من أنواع الضعف كضعف الولد وضعف المرأة وضعف الشيخ وضعف الفقير وضعف العاجز والزمن. وهذا العمل الشريف الذي تممته الأزمان لا نلحظه كما أن المتحاربين لا يلحظون في معمعان الحرب كل ما يجري بينهم بل يرون من خلال التراب والدخان حركات لا يميزونها وهجمات وأناساً يفرون وآخرين يركضون وغيرهم يسقطون وهذا الاضطراب العظيم يبعدهم عن تصور ما تم ومع هذا يتم في ساحة الوغى ما انصرف إليه المقاتلة وتخفق أعلام النصر على من كتب لهم. ولكن قوماً يقولون أن إنهاض الضعيف من كبوته يضعف من قوة الحاكم وسطوته ويرى ولاة الأمر أن هذه السطوة ضرورية مشروعة وأنها إذا فقدت فهناك القضاء على المجتمع وعلى العالم. ولكن الناس لم يسمعوا هذه النبوآت إلا عندما تمس آراءهم أو عاداتهم القديمة أما أنا فأعتقد بأن هذا المجتمع في تبدل ولن يزول فإذا ذهبت صورته يبرز في صورة أخرى.

стр. 2345

لغة البلاد كانت اللغة البلجيكية الشائعة هي الإفرنسية مع أن أكثر من نصف أهلها يتكلمون باللغة الفلامندية وقد علم من إحصاء أخير أن ٢٧٤٤٠٠٠ من أهل البلجيك يتكلمون باللغة الفلامندية و٢١٤٥٠٠٠ يتكلمون بالإفرنسية و٧٠٠٠٠٠ يتكلمون بكلتيهما والسواد الأعظم من السكان يطلبون فقط أن تكون اللغة الفلامندية اللغة الرسمية للنصف الشمالي من البلجيك وقد صرح النائب الحر المسيو جورج لوراند بأنه يحق لكل فرد أن تدار شؤونه بلغته وأن الموظفين وهم خدمة الناس يجب عليهم أن يكلموا الأمة بلغتها. قالت المجلة التي نقلنا عنها هذا الخبر وهذا من المعقول بمكان وهو الذي سيكون عليه القرار. الجامعة المصرية افتتحت المدرسة الجامعة يوم ١٥ كانون الأول الماضي حساباً غربياً وهي المدرسة التي أنشأها بعض رجال النهضة المصرية وجمعوا لها الإعانات الطائلة من أرباب الخير لتعليم الناشئة تعليماً أوربياً عربياً وطنياً. والدروس التي تلقى فيها الآن محاضرات على الحضارة الإسلامية يلقيها الأستاذ أحمد زكي بك ومحاضرات على الحضارة القديمة في مصر والشرق إلى ظهور الإسلام يلقيها الأستاذ أحمد كمال بك ومحاضرات على آداب اللغتين الإنكليزية والإفرنسية يلقيها الأستاذان مللر وبوفيليه ومحاضرات على أدبيات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العرب وعلاقتها بأوربا يلقيها الأستاذ دي كوبه. غرف القراءة افتتح مساء ٢٤ ذي القعدة الماضي بضعة عشر أديباً من شبان دمشق وأعضاء جمعية النهضة السورية غرفاً للقراءة مجانية ووضعوا فيها ما يلزم للمراجعة والمطالعة من الكتب والمجلات والجرائد. وهذه الغرف من أحسن المشاريع الأدبية في هذه الحاضرة بعد إعلان الحرية. هجرة الإسبانيين شغلت مسألة هجرة الإسبانيين رجال البحث فيها إذ رأوا أن عدد المهاجرين تضاعف في خمس سنين فكان الراحلون عنها سنة ١٩٠٠ حسب الإحصاء الرسمي ٦٢٤٨٢ فغدوا سنة

стр. 2346

١٩٠٦ ـ ١٢٧٠٠٠ وهذا القدر فيه نظر لأن كثيرين يفرون بدون أن يأخذوا جوازاً من الحكومة فيسافرون سراً فراراً من وجه رجال الشرطة والذين يعودون من المهاجرين إلى أميركا فقلما يرجعون إلى بلادهم وترى الآن ٢٤ مليون هكتار من الأرض الإسبانية بوراً لا زرع فيها ولا ضرع لقاء ٢٢ مليوناً قابلة للزراعة. جرائد الهند تصدر في أقطار الهند ٧٧٤ جريدة يومية بتسع عشرة لغة مختلفة وأكثرها انتشاراً جريدة كورالدري تصدر في بومباي ويطبع منها كل يوم خمسة آلاف نسخة وفي كلكتا جريدة بازوموتي وهي أسبوعية يطبع منها خمسة عشر ألف نسخة. الجنون في أميركا يزداد فقد العقل في الولايات المتحدة بصورة مخيفة. ففي ولاية نيويورك ستة وعشرون ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسون مجنوناً وذلك واحد في الثلاثمائة وأغلبهم من المهاجرين. بيان وإيضاح نبهت في كلامي عن الطالع السعيد على نوع من الزجل سماه المؤلف بالبليقة ولم أدر إن كان يراد به مطلق الزجل في ذلك العصر أو نوعاً مخصوماً منه ثم وقفت أخيراً على بيان وافٍ لهذا النوع في كتاب الأقصى القريب لأبي عبد الله محمد التنوخي وهو من مقتنياتي الحديثة أحببت أن أتحف به المقتبس الأغر. قال عند كلامه على الموشحات والأزجال ما ملخصه ومنها قرقيات المصريين وبليقاتهم والفرق بينهما وبين الزجل أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيباً والبليقة ليست كذلك فيجيء فيها المعرب وغير المعرب ولذلك سميت بليقة من البلق وهو اختلاف الألوان وتفارق البليقة في أن البليقة لا تزيد على خمس حشوات غالباً وقد تنتهي إلى السبع قليلاً والقرقية تزيد كثيراً على حكم الزجل في ذلك وسميت القرقية قرقية من القرقة وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب انتهى. قلت وهذه اللعبة ذكرها صاحب القاموس ورسم صورتها إلا أنه سماها قِرقاً لا قِرقةً والخطب سهل. أحمد تيمور قصيدة للمعري

стр. 2347

نشر المقتبس قصيدة لأبي العلاء المعري لا توجد بديوانه عثر عليها أحد علماء المشرقيات في كتاب الوافي للصفدي وقد عثرت له على أبيات لامية أيضاً لا توجد بالديوان في كتاب التذكرة لابن العديم وهو من كتب دار الكتب الخديوية وهذه النسخة بخط ابن العديم نفسه ونصها: قرأت بخط الشيخ أبي الفضل عبد الواحد بن محمد بن العطار الربعي الحلبي على ظهر كتاب أنشد أبو العلاء المعري في من قتل وصلب. أَبدْرَ دُجى غالته الغوائل ... فأصبح مفقوداً وليس بآفل أتته المنايا وهو أعزل حاسر ... خفىَّ غرار السيف بادي المقاتل غلام إذا عاينت عاتق ثوبه ... رأيتَ عليه شاهداً للحائل يمسّح المسك الزكيّ مرَجلاً ... يرفّ على المتنين مثل السلاسل سواءٌ عليه في السوابغ جرْأَةً ... ثنى عطفه أو في رقاق الغلائل وعزّ عَلَيّ العلياءِ إن حيل بينه ... وبين ظبي أسيافه والعوامل وعريّ من برديه والسيف لم يكن ... ليخضب إلا من دماءِ الأفاضل أَحلوُّك من أعلى الفضاء محلةً ... نأَت بك عن ضنك الثرى والجنادل وليس بعارٍ ما عراك وإنما ... حمال اتساع الصدر ضيق المنازل انتهى إلا أن قول ابن العديم أنشد أبو العلاء يحتمل أنه أنشدها لغيره وليست له ويتحمل عكسه على أني أرجح كونها له لما عليها من المسحة المعرية وقد عرضتها عَلَى الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري فصوب رأيي فيها وزاد أنه لم يعهد في الغالب أن أبا العلاء ينشد لغير العرب فالراجح أنها من كلامه وقد أعجب بها كثيراً. القاهرة ـ أحمد تيمور

стр. 2348

مطبوعات ومخطوطات التربية الاستقلالية أو أميل القرن التاسع عشر لالفونس اسكيروس ترجمه عبد العزيز أفندي محمد وطبع بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٢٦: ص٤٦٦ هذا السفر من أجل كتب التربية عند الإفرنسيس جرى فيه مؤلفه على أسلوب أميل القرن الثامن عشر لجان جاك روسو وصاغه في قالب رسائل ملذة حوت خزانة أفكار ترقي في المرء أدب النفس وأدب الدرس. وقد قدم له رصيفنا صاحب المنار مقدمة ذكر فيها غرض المؤلف وفائدة كتابه وكذلك فعل مترجمه الأديب. وكان نشر هذا الكتاب تباعاً في أجزاء كثيرة من مجلة المنار فأفرد الآن ليعم نفعه فهو من أفضل ما يقتنيه أرباب البيوت ويتلونه على صبيانهم وبناتهم ونسائهم لتنطبع في القارئ والسامع ملكة التربية العملية وصورة من صور الآداب العالمية في المدنية الغربية فعسى أن ينتفع بالفرع كما انتفع بالأصل وأن يلهم العارفون لغات الأجانب منا إلى تعريب مثل هذه الأسفار النافعة. دلائل التوحيد تأليف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي طبع بمطبعة الفيحاء بدمشق (ص٢٠٧) عرف مؤلف هذا الكتاب بالهمة العالية في التأليف والنشر والنظر في الفنون الإسلامية واللسانية. وكتابه هذا حوى من أدلة الكلاميين والفلاسفة الإلهيين ما تدحض به حجج المبطلين والسفسطائيين ولنحل به شبهات الجامدين من الماديين وقد التزم في حجاجهم جانب الأدب والحكمة فلا يدفع الشبهة إلا بالحجة ولا يدفع الباطل إلا بسلطان الحق عازياً بعض الشواهد لأربابها مغفلاً الآخر على حسب المال. دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف تأليف عيسى أفندي اسكندر المعلوف. طبع في المطبعة العثمانية في بعبدا (لبنان) سنة ١٩٠٧ ـ ١٩٠٨ (ص٧٤٩)

стр. 2349

هذا المؤلف من كتاب العربية وشعرائها المجيدين ترجم وكتب كثيراً فعد من جملة من خدموا الآداب العربية وقد اختص هذا التأليف بوصف أسرته الكبرى خاصة وبعض الأسر السورية ولاسيما المسيحية عامة وألمَّ بتاريخ معظم أصقاع سورية قديمها وحديثها ومناشئ سكانها وأصولهم وعاداتهم وحكوماتهم آخذاً عن الشيوخ مشافهة ومن بطون الدفاتر والكتب المطبوعة والمخطوطة مما يصعب وصول كل باحث إليه فجمع شتيتاً من الحوادث والكوائن خدم بها تاريخ البلاد خدمة يشكر عليها وتاريخ الأفراد هو تاريخ السياسة. تقرير جمعية العروة الوثقى سنة ١٩٠٦ ـ ١٩٠٧ في القطر المصري جمعيتان إسلاميتان قامتا بأجل الأعمال النافعة من تربية البنين والبنات إحداهما الجمعية الخيرية الإسلامية في القاهرة والثانية جمعية العروة الوثقى الخيرية الإسلامية بالإسكندرية. وأمامنا الآن تقرير الثانية الأخير وفيه أن عدد مدارس الذكور التي أسستها كان في السنة الماضية ١١ مدرسة فيها ٩١٠ أولاد ومدارس البنات ٦ عدد تلميذاتها ٥٥٧ بنتاً وقد تبرع لها المحسنون في خلال السنة الماضية بألف جنيه بعضها من محسني اليونان وغيرهم كما تبرع المسيو موريوندو وحده بألف ليرة إفرنسية وأعطى ورثة المسيو نقولا آبيت إلى الجمعية ألف جنيه وهي مما خصها من توزيع الخمسة آلاف جنيه التي كان أوصى بها لتصرف على الأعمال الخيرية في الإسكندرية وذلك عدا الأوقاف التي وقفت عليها وهي تساوي بضعة ألوف من الجنيهات. وكان المرصد لنفقات التعليم ٥٦٤٦ فبلغت النفقات الحقيقية ٥٧٣٠ج و٨٦م. رحلة الحبشة لصادق باشا المؤيد وتعريب رفيق بك العظم وحقي بك العظم. طبعت بمطبعة الجريدة بمصر سنة ١٣٢٦ ـ ١٩٠٨ (ص٣٣٥) المؤلف والمعربان ممن اشتهروا بالآداب وخدمة الأقلام. والمؤلف هو أحد أفراد أسرة تعلم معظمهم التعليم العصري وبرزوا في الفنون التي أحكموها. وقد كانت الحكومة العثمانية انتدبته في مهمات السياسة فرحل إلى جغبوب مقر الشيخ السنوسي كما رحل إلى كفرة

стр. 2350

وآسيا الصغرى والحجاز وآخر رحلاته رحلته إلى بلاد الحبشة في مهمة من السلطان العثماني إلى الإمبراطور منليك الحبشي فلم يشأ أن يضيع رحلاته في الطعام والمنام والسلام والكلام بل قيدها بالورق ونشر بعضها بالتركية فعز على نسيبه أن لا ينتفع برحلته إلى الحبشة عند العرب فعرباها تعريباً متقناً وفيها وصف بلاد النجاشي وصورة مصغرة من تاريخها الحاضر والغابر واجتماعها وأصول سكانها وعاداتهم وإدارتها وصلاتها ببلاد الإسلام ومشاهيرها أمس واليوم بحيث جاء الكتاب مرجعاً لأبناء هذه اللغة وسوف تنتفع به الأجيال المقبلة كما ننتفع نحن الآن برحلة ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما من رحالة العرب والعجم. وكتب الرحلات من أنفع كتب العمران والحضارة وفي هذا الكتاب صور بعض المشاهير من الأحباش وغيرهم وبعض الرسوم والمصورات على نحو الرحلات الإفرنجية. تركيا الجديدة لجميل أفندي معلوف طبع بمطبعة المناظر في سان باولو من بلاد برازيل (ص ١٥٤) كتاب أجاد مؤلفه في وضعه أتى فيه على أسباب الانقلاب العثماني وتاريخه وقسمه إلى ستة كتب الكتاب الأول في أسباب الانحطاط في الشرق والثاني في تفرنج الشرقيين والثالث في التعليم والرابع في القانون الأساسي والخامس في الديانة السياسية والسادس أبقاءٌ أم فناء. كل ذلك مكتوب بقلم يدل على أن للمؤلف جولة في المسائل السياسية والاجتماعية وذوقاً في التأليف والتأثير في الأفكار ومن رأيه أن الثورة الأخيرة في السلطنة كانت لقلب مبدأ لا للانتقام من شخص ولو كانت شخصية لفشلت لأن كثيراً من ملوك بني عثمان قتلوا ولم ينتج من قتلهم فائدة للبلاد بخلاف هذه الثورة التي أشبهت ثورتي فرنسا وأميركا اللتين أريد بهما قلب المبادئ لا نقل السلطة من مستبد إلى يد مستبد آخر. قال ولا بد أن يعقب هذا الانقلاب السياسي الصغير ثورة أدبية عظيمة ضد المبادئ القديمة كلها فيثور الابن عَلَى أبيه والمرأة على زوجها والخادم على سيده والرعية على كاهنها وشيخها ورجال الدين على كتبهم وأبناء اليوم جميعاً سيثورون على خرافات أجدادهم ويبرزون أمام العالم أمة جديدة مجردة من كلا علاقة مع الأجيال الماضية.
следующие страницы →