Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
نشرت مجلة العالم الإسلامي الباريزية مقالة في هذا المعنى قالت فيها ما تعريبه: يبلغ سكان جزيرة كريت ٣٠٣٥٤٣ ساكناً منهم ٣٣٤٩٦ من المسلمين وكان من نتائج ثورة سنة ١٨٩٦ـ٩٧ أن هاجر المسلمون زرافات من الجزيرة فتضررت كريت من حيث الأمور الاقتصادية كثيراً فقد كان عدد المسلمين فيها بحسب إحصاء سنة ١٨٨١ـ٧٣٢٣٤ فنزل عددهم بحسب الإحصاء الأخير إلى ٣٣٤٩٦ ولا يزال المسلمون يهاجرون منها ومعظمهم من الزراع إذا غادروا الجزيرة يبيعون أملاكهم أو يتخلون عن أراضيهم تاركيها بوراً حاملين معهم رؤوس أموالهم وقد بلغ ما أباعه المسلمون من المسيحيين من الأملاك منذ سنة ١٨٩٨ إلى ١٩٠٢ـ٩. ٤٤٢. ٤٢٩ فرنكاً على حين بلغت الدراهم التي اقترضها المسيحيون لابتياع هذه الأراضي زهاء ستة عشر مليون فرنك. وكان نزول الجيش العثماني والأسطول العثماني أيام ارتفاع علم الهلال عليها يوسع على الجزيرة فينفق فيها نحو ٩٥ ألف ليرة عثمانية مسانهة فتغيير حكومتها أخر بتجارتها كثيراً وكان مداخيل الجزيرة قبل الاستقلال تصرف فيها على حكم العهد العثماني وربما صرفت فيها مداخيل غيرها من الولايات أيضاً ثم إن الجزيرة لم تبرح تدفع ما عليها للديون العمومية وشركات الفنارات في المملكة العثمانية. وترى المسيحيين الكريتيين ناقمين من الحكم الاستقلالي لأنه أضر بهم أضراراً مالية واقتصادية والمسلمين ناقمين لما يلحقهم من الاضطهاد في عهد الحكم الحالي ومنذ أصبحت الجزيرة مستقلة لم ترتق خطوة إلى الأمام حتى إن حظ ولاية بعيدة من ولايات الأناضول العثمانية أرقى من حظ كريت من حيث الزراعة والصناعة والتجارة والإدارة.
الهند الشرقية الهولاندية
يقدرون عدد المسلمين في جزائر جاوه بـ٢٧. ٧٨١. ٦٧١ وفي صومطرا بـ٣. ٢٧٥. ٠٠٠ وفي بورنيو بـ٩٨٥. ٤٤٠ وفي سيليب بـ١. ١٤٠. ٠٠٠ وفي بانكا وأعمالها بـ٨٦. ٥٤٠ وفي ريو وأعمالها بـ٩٣٤٣٤ وفي بيلينسون بـ٣٤٢٠٠ وفي أصبهان وأعمالها بـ٧١٢٠٤ وفي ترنات وغانة الجديدة وأعمالها بـ١٠٨٢٤٠ وفي تيمور وأعمالها بـ٣٤٦٥٠ وفي بالي وكومبوك بـ٣٦٨٤١٨ منهم كلهم ٣٣٩٣١٦٠٦ من الوطنيين و٣٣٨٦٠ من العرب و٧٥٣١ من الصينيين و٥٠٦١ من الهنود وغيرهم و٧٧٤
стр. 2417
من الأتراك والسوريين وهكذا فقد بلغ عدد سكان جزائر الأرخبيل الهندي التي يخفق عليها العلم الهولاندي أربعين مليون نسمة وبلادهم كنز ثمين لأهل بلاد القاع (هولاندة) وسيكون مستقبلها زاهراً عندما يتم تنظيم شؤونها فتأمل كيف يستولي عدد قليل متعلم كالأمة الهولاندية على عدد كبير متوحش كسكان جزائر ذاك الأرخبيل.
стр. 2418
مطبوعات ومخطوطات
الأجوبة المرضية
تأليف الشيخ جمال الدين القاسمي طبع بمطبعة روضة الشام بدمشق ص٣٧.
هذه الرسالة وضعها المؤلف جواباً عما أورده كمال الدين ابن الهمام على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية ولعل بعض المعاصرين ينكرون على بعضهم إذا ناقشوا بعض المتقدمين على عصرهم على حين أن ذلك مألوف معهود منذ القديم فقد ناظر ـ كما قال مؤلفنا المنوه بقدره ـ الإمام الشافعي الإمام محمد بن الحسن وحاور الكناني بشر المرسي وغيرهم وحاور البيهقي الطحاوي وابن حزم الأشاعرة وغيرهم والمازري أمام الحرمين والطبري الطالقاني والنووي الرافعي والأسنوي النووي وشمس الأئمة الكردري الغزالي وابن عبد الهادي السبكي وابن حجر العيني والسيد السعد والفيروز أبادي الجوهري وابن الأثير الصابي وابن عباد وابن أبي الحديد ابن الأثير وأبو حيان ابن مالك والعز ابن عبد السلام ابن الصلاح ومعضد الجار بردي وفضل الله الرومي ابن الملك والناصر ابن المنير الزمخشري وزين العرب الشيرازي والسيوطي السخاوي وابن الجوزي والمؤلفات في هذا الموضوع لا تحصى.
أسباب الانقلاب العثماني
لمؤلفه محمد روحي بك الخالدي ومصححه السيد حسين وصفي رضا طبع بمطبعة المنار في القاهرة سنة ١٣٢٦ ص١٨٢.
مرلف هذا الكتاب من أفاضل سورية عانى صناعة القلم والسياسة ورسالته هذه تدل على علو كعبه في تاريخ الدولة الأخير وحسن مراقبته للحركة الإصلاحية التي قام بها أحرار العثمانيين ووصفها أوجز وصف يرسخ في الأذهان.
تحفة الأنام
للشيخ عبد الباسط الفاخوري طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت ص٢٨٦
هو مختصر في تاريخ الإسلام فيه مقدمة في أصل العرب وأحوالها قبل الإسلام وبعده وسير الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والملوك العثمانيين وغيرهم بعبارة مختصرة وكلام المؤلف في الغلو بالملوك المتأخرين من بني عثمان يرفع الثقة من كلامه كله فعسى
стр. 2419
أن يرفع الطابع تلك المبالغات من آخر التاريخ في طبعة ثانية.
أعظم تذكار للعثمانيين الأحرار أو الحرية والمساواة والمبعوثان
لمؤلفه الشيخ عبد الله العلمي
طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٦ ص١٩٠
كتاب وضعه مؤلفه لما رأى كثيراً من العامة يسألون عن مجلس النواب المبعوثان الشوري هل هو شرعي أم لا وعن الحرية هل هي موافقة للشرع الشريف ولتزييف من قال بأن الإسلام وجد وبجانبه سلطة مطلقة مستدلاً على كل نوع منها بآيات كثيرة من الكتاب. ومما جاء فيه ـ وهو مما ننقله نموذجاً على أسلوبه ـ في باب المساواة وبين المسلم واليهودي والنصراني في أنهم بشر وأن التمسك من كل منهم بالأرومات غلط جاء في الكتاب الكريم خطاباً للعرب (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) الموسويين والمسيحيين إنما (من يعمل) من الطوائف الثلاث (سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى) من الطوائف الثلاث وهو مؤمن بالله ورسله (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) وأورد آيات كثيرة استنبط منها أموراً من هذا القبيل. وقال في حرية المساواة بين المسلم واليهودي والنصراني في الحكم عليه أو له بالحكم الشرعي: المساواة في الأحكام الشرعية المحكوم بها على الناس على اختلاف عناصرها هي شريعة الله تعالى في كتابه وهي سنته في خلقه جاء في سورة النساء (إنا نزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) جميعاً المسلم وغيره (بما أراك الله ولا تكن للخائنين) المخالفين لك (خصيماً) بل انهج منهج المساواة والشورى على أسلوب عصري لا يستند فيه إلا على الكتاب واستنتاجه من الآيات الكريمة دل على بعد غوره وحسن الإمعان بمعانيها وتطبيقها على حالة الزمن فتثني على المؤلف لفضله وغيرته ونحث كل من يخامرهم الشك في الحكم الدستوري ومخالفته لروح الإسلام أن يقتنوا كتابه وينصفوه وينصفوا الشريعة المدنية والشريعة الدينية.
стр. 2420
العدد ٣٩ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩٠٩
стр. 2421
وداع وعتاب
للسلطان السابق عبد الحميد
الله أكبر فالظلاَّم قد علموا ... لأيّ منقلب يفضي إلا لي ظلموا
لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتقضت ... أركانه وتولت أهلهُ النقمُ
وحصحص الحق في عزٍّ وفي ظفرٍ ... يحفه خادماه السيفُ والقلمُ
ثارت له عصبةٌ كانت مشردةً ... وقد تهددها الإرهاق والعدمُ
من كل أروع في حيزومة حنقٍ ... في نفسه عزة في أنفه شممُ
عبد الحميد استمع منهم مناقشةً ... فطالما صبروا بل طالما كظموا
غادرت أمتك المنكود طالعها ... تغض مقلتها إن عدَّت الأممُ
أطلقت فيها سيوف الغادرين وقد ... كانت بحبلك بعد الله تعتصمُ
الله الله يا راعي القطيع فقد ... لاقت مصارعها في رعيك الغنمُ
حماتنا ما تنوءُ الراسيات به ... كيف الصنيع وأنت الخصم والحكم
فكم شكونا ولم تسمع شكايتنا ... وكم دعونا وحظ الدعوة الصممُ
وليَّ نعمتنا قل لي أما بطلت ... تلك الولاية لما ضاعت النعمُ
فلو رفقت أمير المؤمنين بنا ... ما كان أنفث مصدور وسال دمُ
محافظ الحرمين أعدل فهل آمنت ... في ظلمك الكعبة الزهراء والحرمُ
أم حج حجاج بيت في دعةٍ ... بدون أن يرهقوا فيه ويهتضموا
وليته فاسقاً لم يرع حرمة من ... في ذمة الله ضاعت عنده الذممُ
كم استجاروا عليه فازدريت بهم ... إن لم تكن ناقماً فالله منتقمُ
رب الهلال أجب هل كنت تمنحه ... ما اعتاد من نصرات ذلك العلم
ماذا فعلت بأحرار البلاد وما ... جنوا على الدين والدنيا وما اجترموا
حتى قسمتهم شطرين فازدحمت ... على جسومهم النينان والرخم
مزقت شملهم في كل ناحية ... فأرغموك بحول الله والتأموا
ويا سلالة عثمان أما اتصلت ... منه إليك الصفات الغر والهمم
أين الغطاريف أرباب العزائم من ... أسلافك الصيد من بالعدل قد عظموا
стр. 2422
شادوا لك العزة القعساء من قدم ... فجئت تهدم ما شادوا وما رسموا
كانت لهم دولة بالسيف ناهضة ... وفي زمانك لا سيف ولا قلم
حصدت ما زرعوا فرقت ما جمعوا ... هدمت ما رفعوا بعثرت ما نظموا
ملكتنا فرأينا منك طاغية ... لم يدر ندَّاً له المشهود والقدم
نيرون عندك أو فرعون قد غفرت ... زلاته واستحبت شاهها العجم
حجاج عصرك بل تولي العقاب بلا ... ذنب ومزَّاك عنه الجمع والنهم
قد اخترعت ضروباً للمظالم والتنكيل ما فطنوا فيها ولا حلموا
خليفة الله قد خالفت ما أمرت ... به الشريعة والتنزيل والكلم
وسيرة الخلفاء الراشدين بها ... خير المواعظ للظلام لو فهموا
ركبت مركب جوزٍ ليس يقبله ... ممن يخلفه في قومه الصنم
دمرت بيتك يا هذا فأنت إذن ... عدو نفسك أو قد مسك اللمم
حشدت زمرة غدارين كم سفكوا ... واستنزفوا ثم لا قيدوا ولاغرموا
المخلصون تولوا منك وانهزموا ... والخائنون على أبوابك ازدحموا
أسرفت في نهب بيت المال فاستلبت ... منه الجواسيس ما شاؤوا وما غنموا
عصابة ثقلت في الناس وطأتهم ... صموا عن الحق في أغراضهم وعموا
اخترتهم واختيار المرء شاهده ... يا ليتهم رفقوا بالخلق أو رحموا
خانوك لما رأوا منك الخيانة في ... بنيك والمرء موسوم كما يسم
حبست آلك حتى بعضهم هلكوا ... كأنما لم تكن قربى ولا رحم
حاولت إطفاء نور الحق وهو لظى ... تثور أفواهه إن سد منه فم
طال الزمان على جور تعالجه ... وعيل صبر الورى واستحوذ السأم
ضيقت دارتهم في الأرض فاتسعت ... والمرءُ مستبسلٌ إن عضه الألم
قد جمع الظلم منهم كل مفترق ... وشدّ ما استتروا في الأمر واكتتموا
وكلما نام عنهم رهطك انبعثوا ... يدبرون وإن لاحظتهم جثموا
وعند ما اكتملت الموثب عدتهم ... توكلوا واستخاروا بالذي عزموا
سلوا عليك سيوف العدل مرهفة ... كأنها شهب في الأفق أو رجم
стр. 2423
شقوا بها جلابيب الدجى شفقاً ... بشت له الأرض وانجابت به الظلم
وطالبوك بحق كنت هاضمه ... وحاكموك إلى البتار واختصموا
فأدوا بأرواحهم حباً بأمتهم ... فلتحي تلك السجايا الغر والشيم
قد كان ما كان والرحمان ناصرنا ... فالعدل منتصرٌ والجور منهزم
دبرت فتنة سوءٍ تستعيد بها ... من مجدك الباطل الغرار ما هدموا
مجد كبير طوته ظلمة كثفت ... ثم انجلت فإذا ما تحتها ورم
كروا بعزمة حر جاء منتصراً ... لنفسه واستباحوا منك ما احترموا
فأنزلوك عن العرش الرفيع وما ... كانوا يريدونها لكنهم رغموا
تأبى الشريعة أن تبقيك حافظها ... وأنت بالغدر والإغواء متّهم
فاليوم تعلم عقبى من يخون ومن ... يطغى وتندم إذ لا ينفع الندم
هبطت من قمة الأمجاد منحدراً ... كصخرةٍ حطها من شاهق عرم
ففي هبوطك عاد الملك مرتفعاً ... وفيهلاكك كل الخلق قد سلموا
كانت بإقبالك الأقدار عابسةً ... فأصبحت بعد ما أدبرت تبتسم
دمشق: ف
стр. 2424
السلطان عبد الحميد المخلوع
قلما جاء في الملوك من ترضيك أخلاقه وأعماله لضعف التربية الدينية والمدنية ولأن الملك يسكر فيقتضي له عقل كبير يحسن به صاحبه التصرف ويراعي فيه حقوق الخالق والخلائق. ولذا ندر في ملوك بني عثمان والملك متسلسل فيهم منذ زهاء ستة قرون من تأهل بالفعل للجلوس على عرش السلطنة فقد رأيناهم وفيهم الأخرق والأحمق والمنتهك والمسرف على نفسه والسفاك ولكن لم يأت فيهم على التحقيق مثل السلطان الخامس والثلاثين عبد الحميد الثاني.
نقول فيهم وما أخلقنا أن نقول في غيرهم من ملوك الإسلام بل وفي الأمم الأخرى فقد تدبرنا تراجم ألوف من الملوك والعظماء ولم نشهد لعبد الحميد مثيلاً في أخلاقه وأعماله. بل رأيناه يشبه الناصر لدين الله العباسي بتجسسه وحرصه والحاكم بأمر الله الفاطمي بهذيانه وتلونه والحجاج بن يوسف الثقفي ببطشه وسفكه والسلطان إبراهيم العثماني بسفاهته وإسرافه. ومن جمع في شخصه هذه الصفات مجسمة كان جديراً بأن يدعى طاغية الملوك والسلاطين.
تولى عبد الحميد زمام السلطنة وكيلاً عن أخيه مراد الخامس لمرض طرأ على عقله وكتب على نفسه عهداً دفعه لمدحت باشا ناشر أعلام الحرية في المملكة العثمانية ثم أرسل على ما يقال من أحرق دار مدحت باشا وحرق العهد في جملة ما حرق وأخذ يستجلب قلوب أهالي الأستانة مدة وكالته حتى اجتمع الصدر محمد رشدي باشا ومدحت باشا فقررا دعوة رجال الدولة إلى الباب العالي للنظر في توسيد السلطنة إلى عبد الحميد أصالةً فاجتمع نحو ألف شخص من الكبراء وقرروا أن جنون السلطان مراد مطبق لا يرجى أن يفيق منه فأفتى شيخ الإسلام بحل إمامته وبويع لعبد الحميد الذي أظهر أولاً بأنه يميل إلى الحكم الدستوري ومنح القانون الأساسي ثم سلبه وأقفل مجلس الأمة وأتعب مدحت باشا في معاناة أخلاقه وكان أول عهد نكثه معه أنه أخذ على نفسه أن يعين لرئاسة كتاب امابين نامق كمال بك الكاتب الشاعر الشهير وضياء بك رئيس المابينية فعين غيرهما ثم أخذ يدس الدسائس ونفى مدحت باشا ثم أرسل به إلى الطائف فسجن في حبسها مدة ثم أمر بخنقه.
وأخذ السلطان يكثر من التضييق على أخيه السلطان مراد وعلى سائر أفراد الأسرة السلطانية ولاسيما ولي عهد السلطنة السلطان الجديد محمد خان الخامس الحالي ويشرد كل
стр. 2425
من عرف بالإنكار عليه من الوزراء والعظماء فألقى بذلك الرهبة في نفوس قواد المملكة ورجال سياستها فأصبحوا يسيرون على رغباته وكل من خالفها ولو فيسره أقصاه وسجنه وعذبه وكلما مضت سنة على ملكه يزداد مراناً على هذه الفعال ويبالغ في الاحتياط لنفسه وغدا يتولى كل أمر بذاته ويبعد أرباب الوجدان من رجال الدولة ويستعيض عنهم بأناس ممن يصطنعهم وما يصطنع إلا الأسافل من كل جنس من أجناس الدولة لعلمه بأنهم يفادون بكل مبدأ في سبيل نصرته على الباطل حتى آلت أزمة الدولة في العهد الأخير إلى أيدي السفلة من أعوانه الجهلاء الطغاة إلا قليلاً.
وإذ كان مفطوراً على الطمع ويحسب أن المال يعمل كل شيء أخذ يملك الأملاك باسمه على خلاف عادة الملوك والسلاطين فكان كلما سمع بأن في إقليم كذا أراضي من أملاك الدولة يحتال لأخذها بلا ثمن إن كانت من الأملاك الأميرية أو بثمن طفيف إن كانت للأفراد ثم ألف الشركة الخيرية لتسيير السفن في مواني الأستانة وشركة أخرى لحسابه بين البصرة وبغداد وفتح في العاصمة مخازن لبيع البضائع ومعامل لصنع السجاد وغيره وضارب بالأوراق المالية وهكذا أصبح عبد الحميد تاجراً مزارعاً مضارباً لا يهتم بشيءٍ من أمر الملك إلا إذا كان تقريراً من جواسيسه الذين كثروا في العاصمة والولايات كثرة ضاقت بها خزينة الأمة وكلهم أمناؤه إن أخطأ وأفلهم الأجر وإن أحسنوا فحدث ما شئت أن تحدث عما ينهال عليهم من إنعامه وإحسانه. حتى لقد قلَّ جداً في عماله من لم يتجسس له لاسيما بعد أن رأى الناس أن الترقي في الوظائف لا يتأتى في الأغلب إلا من طريق الجاسوسية.
وبهذا استنزل غضب عقلاء الأمة وأحرارها وكان كلما بالغ في الضغط عليهم واشتد في إرهاقهم وإعناتهم ينمو عددهم بنمو الميل إلى التعلم. فكانت مدارس الدولة ولاسيما العالية منها على شدة المراقبة عليها لا يتصور العقل أكثر منها وعلى إصدار إراداته تترى لجعل المعارف صورية لا حقيقية ـ منبعث تلك الشعلة التي قضت على استبداده الذي لم يكد يعهد له مثيل في تاريخ الأمم فزحزح المتخرجون فيها أسس الحكومة المطلقة المدمرة وأقاموا مكانها على التقوى أساس الحكومة المقيدة المعمرة.
عرف عبد الحميد أن بالمدارس والمطبوعات تستنير العقول فيقل الراضون عن حكمه
стр. 2426
فأنشأ يضيق الخناق على المدارس حتى حظر أن يعلم فيها التاريخ وعلوم السياسة والاجتماع لأنها ترقي العقل وتلقح الأذهان وتدعو الأمة إلى سبل الرقي والأمان.
ورأت المطبوعات منه ومن أعوانه الجهلاء خصوماً يكفي في نعتهم أنهم أعداء كل فكر وارتقاء وتجديد حتى أصبح ما يطبع تحت السماء العثمانية في الثلثين الأخيرين من حكمه عبارة عن كتب خرافات وزهد وتلفيق أو أماديح كاذبة له ولأرباب المظاهر أو أموراً عادية لا ترقي عقلاً ولا تزيل جهلاً. ووصلت المراقبة على المطبوعات في أيامه إلى درجة من الهزل لم تصل إليها في أمة مغلوبة على أمرها فرفعت من المعاجم كثير من الألفاظ كالعدل والمساواة والقانون الأساسي والجمهورية ومجلس النواب والخلع والديناميت والقنابل وأصبحت الجرائد أبواقاً تضرب بتقديسه وتأليهه والعياذ بالله أو تكتب في التافه من الأخبار والأفكار. جرى كل هذا برأيه ورضاه لا كما يزعم بعض من يريدون أن يتفحلوا له الأعذار الباردة من أنها كانت من عماله ووزرائه وهو لا علم له بما يأتون.
كثرت في الأيام الحميدية أنواع المظالم وأصبح كلما طال عهده يشتد في إعنات من يخالف له فكراً أو يعرض له في الإصلاح أمراً حتى صار بعض العقلاء من عماله يتظاهرون بالبله أو ينقطعون عن الخدمة لأن سلطانهم لا يرضيه إلا أن يكونوا على قدمه في الظلم وارتكاب المنكرات. ولقد نصح به بعض سفراء الدول منذ بضع سنين أن يكف من شرور بعض العمال لأن استرسالهم فيها مما يسقط شأن المملكة ويضر بمستقبلها فقا لهم وماذا أعمل مع من ذكرتم وهم يحبونني ويتفانون في خدمتي أي إنهم في حلّ من عمل ما أرادوا من العسف في الأمة ما داموا يظهرون له الحب ويخدمون أغراضه.
اشتهر عبد الحميد بالحقد الشديد والحرص الأكيد والحدة المتناهية والاحتيال الذي ينطلي على ضعاف العقول فيقولون أنه الدهاء والحكمة.
وكانت هذه الأخلاق بادية عليه قبل أن يلي أمر الأمر حتى قال نابوليون الثالث فيه يوم رآه مع عمه السلطان عبد العزيز في باريز أن هذا الفتى سيجيء منه داهية باقعة فما هو إلا أن قيض الله له الجلوس على سرير آل عثمان حتى صحت فراسة نابوليون فيه بل برز في هذا المضمار.
كان السلطان عبد المجيد يحب ابنه مراداً أكثر من عبد الحميد لأن هذا كان يبدو عليه
стр. 2427
الخبث منذ الصغر ولما ترعرع شرع يتجسس لعمه السلطان عبد العزيز على أخوته وآل بيته لينال منه الإحسان ويغلو فيكشف عورات أخيه ماد خاصة وكانت تقاريره للسلطان عبد العزيز متصلة كتقارير جواسيسه في عهد سلطنته ولطالما كدره السلطان عبد العزيز على تشاغله بالسفاسف ويكفي في بيان الفرق بين أخلاق السلطان مراد وأخلاق السلطان عبد الحميد أن الأول كان يعنى في صباه بالشعر والموسيقى ودرس مدنية أوربا وتاريخها على حين كان أخوه لا همَّ له إلا درس السحر والطلسمات وضرب المندل وأخذ الفأل ويتقرب لذلك من المشايخ والبله والدجالين.
مضى ثلث قرن على الأمة العثمانية وهي تفنى في سلطانها فناء جنون لا فناء عقل وكنت إذا خلوت حتى بخاصته وصنائعه يحدثونك من تلاعبه وأخلاقه ما تسأل الله معه السلامة وتسجل على فساد أخلاقنا أكثر من فساد أحكامنا وأعمالنا وكل منهم يورد لك من أسباب اضطراره إلى الصبر على هذه الخدمة ما هو العجب العجاب.
فبالإسراف في مال الأمة استمال عبد الحميد قلوب الأغمار ممن تزيوا بزي العلماء وهم جاهلون فكانوا يكذبون على الله والناس ويذكرون لهم من صفات سلطانهم ما هو الزور البحت وإذا فتح المنصفون أفواههم بالنقد أسكتوهم وحرموا إنكار المنكر عليهم. وبالجواسيس اطلع على الدقيق والجليل من نيات الأمة وما كان يهتم إلا للأمور الصغيرة ولاسيما ما كان منها متعلقاً بشخصه أما عمران البلاد وترقية معارفها وصناعاتها وزراعتها وتجارتها فلم يكن لها قيد في سجل أعماله.
وكفى في عدم احتفاله بأمور الرعية وإصلاح البلاد أنه انسلخت عن جسم الدولة في أيامه المشؤومة بلغاريا والروم أيلي الشرقية ودوبروجه في رومانيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وانضمت بعض الألوية للصرب ولليونان تساليا وابيروفارتا ولفرنسا تونس ولروسيا القوقاس وباطوم وأردهان وقارص ونال الجبل الأسود استقلاله وانفصلت قبرص وكريت لو كادتا واحتل الإنكليز مصر وهكذا انفصل من جسم الدولة نحو ثلثيها بعدد النفوس والعمران.
ماذا تعدد هذه الأمة من سيئات الدور الحميدي ونزع سلطة الحكم من الباب العالي وكانت من قبل فيه على شيء من العقل والقانون وانتقالها إلى المابين يعبث بمصالح الأمة
стр. 2428
الخصيان والجواري والجواسيس والدجالون والمرتشون والمنافقون والمنطبعون بطابع السياسة الحميدية.
فقد كانت الوظائف والرتب والأوسمة ومظاهر التكريم تباع بالمزاد كما يباع العقار والدار ويقتنيها في الأغلب من لا يهمهم إلا حظوظ أنفسهم وإملاء جيوبهم وبطونهم حتى هلكت البلاد ليغتني عبد الحميد والمنفذون لرغائبه وافتقر الفلاح والصانع وهما مادة حياة الوطن واغتنت تلك الطائفة الفاسدة من الموظفين الذين سماهم غلادستون كبير وزراء إنكلترا جماعة من اللصوص تألفوا في صورة حكومة.
ولكم كان عمال عبد الحميد سبباً في إهراق دماء الأبرياء ونزع روح الحياة الوطنية من الناس وما ننس لا ننس سياسة المابين في المذابح الأرمنية والحروب اليمانية والكريتية وغيرها من الوقائع الأهلية التي ألقى بها السلطان الشقاق بين أبناء هذا البيت الواحد وفرق مجتمع القلوب عملاً بالقاعدة الباردة فرق تسد ولو عقل لجرى على قاعدة اعدل تسد.
نعم كانت المدارس منبعث تلك القوة التي قضت على السلطة الحميدية بل على السلطة الاستبدادية في السلطنة العثمانية. وناشئة الأمة الذين كان يحتقرهم السلطان المخلوع ويغويهم بالمال ويطعمهم بالمراتب والرواتب هم الذين دبروا بسلطان العقل أسباب الانقلاب الأخير في المملكة وغلبوا سلطان الجهل فكان يوم ١٠ تموز الماضي مبدأ سعادة العثمانيين وتاج الأيام وغرة الشهور والأعوام.
كان الصدر محمود نديم باشا يقول للسلطان عبد العزيز أن بعض الوزراء يخوفونك بالأمة وما الأمة الأكمن تراهم يمشون هناك (وأشار إلى جماعة من فلاحي الأناضول) ومثلهم لا يميز ولا يعقل فاصنع ما بذلك فانتهى الأمر بخلع ذاك السلطان وقتله. وكان أحمد عزت باشا العابد يحقر للسلطان عبد الحميد أمر الأمة ويزين له البطش ويقول له أن المسلمين لا يعرفون غيرك خليفة وسلطاناً ورباً صغيراً فاحكم فيهم بحكمك فهم عبيدك لا ينازعك في التصرف فيهم منازع الأحرار أفراد طائشون. صم أذنك عن سماع خيالاتهم ودعهم يعوون ولا يضر عواء الكلاب بالسحاب. أما حكومات أوربا فأمرها إلى التفاشل إن اتحدت كلمتهن لأقبل لنا بدفعها وما دمن متخاذلات فنحن في مأمن. وهكذا جرى السلطان المخلوع في دوره الأخير على هذه السياسة الخرقاء فكانت سبباً في نزع السلطة الاستبدادية من يده يوم
стр. 2429
١٠ تموز الماضي وإنزاله عن العرش يوم ١٤ نيسان.
يئس الناس من الخلاص من جور هذا السلطان إلا بموته ولكن تلك النفوس الكبيرة من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي التي احتك معظم أعضائها بالأوربيين وبلادهم قطعة من أوربا أبت أن تضيع ملك بني عثمان بالإهمال والتواكل فاضطرت عبد الحميد إلى إعلان القانون الأساسي في الصيف الماضي مرغماً ولما لم تطب نفسه لما جرى وأنشأت تحدثه بإعادة الدور السالف لتكون الأحكام طوع أمره ونهيه وهو الحاكم المتحكم في الأموال والأعراض والأرواح يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل أخذ يوقد نيران الفتن بين الأمة ليقول لها وللأجانب أن العثمانيين لا يليق لحكمهم إلا الحكم الاستبدادي.
ثم احتال للتفريق بين عناصر الدولة أولاً وإغواء بعض الخونة من رجاله بالمال ليبثوا دعوته فتألفت جمعيات عناصر بعد إعلان الحرية ولكل منها نزعة خاصة. يريد الأرمن توسيع الاختصاص المأذونية أو الاستقلال النوعي بعبارة أخرى والعرب ينادون بأن الترك غمطوهم حقوقهم وهم يريدون أن يشاطروهم الوظائف أو ينفصلون عن الدولة وبعض الأرناؤود يدعون إلى مثل دعوة الأرمن. ولما رأى السلطان أن الأمة انتبهت لرد هذه الترهات وقام العقلاء يحاربونها شرع يسلك سبيلاً آخر ويحرك عامة المسلمين باسم الدين بواسطة جمعية ألفها في الأستانة دعت نفسها بالجمعية المحمدية تطالب بالشريعة الإسلامية ولا تريد القانون الأساسي لأنه بزعمها مخالف للإسلام ومن قواعده الحرية والحرية ليست من شأن الدين المحمدي. وهكذا أَلفت الجمعية فروع في الولايات تهيج العامة باسم الدين وتربطهم بالسلطان وذلك على يد زعانف كان للمال الذي بذله تأثير عظيم في نفوسهم ونفوس الغوغاء.
كاد عبد الحميد لأمته بتدبير الفتنة المحمدية بل بالفتنة العسكرية فعصت جنود الأستانة إلا قليلاً بما بذله لهم من الذهب الوهاج ولم ير أعوانه الذين أثاروا الجند واسطة لإضاعة رويتهم أحسن من إسكارهم فأسكروهم ليلة الفتنة وفرقوا عليهم الذهب الكثير الذي جمعه من دماء الفقير ليقوموا بالمطالبة بإعادة الشرع المحمدي أو يوقدون نيران مذبحة عامة يقتل فيها أحرار الأمة أولاً ثم الأقرب فالأقرب من رجال الإصلاح والتجديد ولو وفق عبد الحميد لاستعادة سلطته الاستبدادية وتمت له مكيدته الشيطانية لما هلك في هذه الفتنة
стр. 2430
الأهلية في أنحاء السلطنة أقل من مليوني رجل كما وقع في ثورة فرنسا الأولى.
ولكن الله أراد لهذه الأمة الخير وقيض لها من رجال الدستور والمتفانين في الاحتفاظ به من كان إخلاصهم الداعي الأكبر في نجاحهم فقامت بعض ولايات الروم إيلي على ساق وقدم تطلب التطوع في الجندية للدفاع عن الدستور وهب جند الفيلق الثاني والثالث أي أدرنة وسلانيك ـ ومنهما انبعثت جذوة الحرية أول مرة ـ وزحفا في جموع المتطوعة على الأستانة بقيادة البطل المغوار محمود شوكت باشا الفاروقي البغدادي فاستوليا على المواقع الحربية في العاصمة في أسبوع وقبضوا على المنتفضين والعصاة من الجند المشاغب وخلعوا السلطان عبد الحميد مدبر تلك المكايد بفتوى من شيخ الإسلام أثبت عليه فيها قتل الأنفس البريئة ومخالفة الشرع وحرق كتب الإسلام والإسراف في مال الأمة وبايعوا باتفاق مجلس النواب والأعيان لولي عهده السلطان محمد الخامس وساقوا ذاك الذي عبث بمصلحة العثمانيين إلى قصر الأتيني في ضاحية سلانيك ليجري عليه ما جرى على كل سلطان مخلوع خان أمته ودولته بدون أن يلحقوا به إهانة. فحق للدولة والأمة أن تدعو بدوام نصر الجيش العثماني المظفر لأنه كان سبب حياتنا اليوم ولطالما كان هذا الجيش سبب رفع هذه الدولة العلية كما كان في بعض الأدوار سبب خفضها.
أعلن جيش الدستور الأحكام العرفية أي عطلت القوانين الموضوعة وجعلت العاصمة تحت الأحكام العسكرية ريثما يستتب الأمر لجيش الفاتح محمود شوكت باشا ويفتك بمن أضاعوا دينهم ودنياهم بممالاة السلطان المخلوع على رغائبه فشنق كثيرون ممن كان لهم ضلع في تشويش نظام الأمة وإهاجة العامة باسم الشريعة وحكم على بعضهم بالأشغال الشاقة وعلى البعض الآخر بالنفي وهكذا تمت الغلبة لكلمة الحق على الباطل وكتب البقاء للحكم النيابي في السلطنة آخر الدهر إن شاء الله.
فكرنا ملياً في أمر عبد الحميد وأردنا أن ننصفه في الترجمة فما رأينا له مزية يذكر بها ويرحم. بلى وجدناه حسوداً يحسد حتى خصيانه وأشق خبر يترامى إليه أن يعلم بأن في إحدى أطراف مملكته عالماً ينفع الناس بعلمه فيحتال عليه ليأتي به إلى الأستانة ليدفنه حياً فإن لم يقدر فلا أيسر عليه من التقول عليه وتزوير حيلة للانتقام منه والحط من كرامته. وكان إذا عزّ لا يلحق غباره نمرود وفرعون وإذا ذل وذله يكون للأدنياء غالباً ينسى
стр. 2431
منزلته ومقامه. وكان يلذه جداً أن يشهد الشقاق مستحكماً بين حاشيته ويلقي بينهم العداوة والبغضاء. وفي أيامه كثر اختلاف النساء إلى قصره حاسرات متبرجات بدعوى أنه خليفة وللخليفة أن ينظر إلى المحارم ولا حرج عليه وعليهن ولهذا اخترع لهن وسام الشفقة. ولعل بعض من درسوا الأخلاق الحميدية عن أمم يكتبون كتاباً مفصلاً فيها ليقرأ الأخلاف عن الأسلاف ما فعلته في ذلك المخلوع قلة التربية والعلم وفساد الفطرة والله أعلم.
стр. 2432
في سلانيك
لقد سمعوا من الوطن الأنينا ... فضجوا بالبكآء له حنينا
وناداهم لنصرته فقاموا ... جميعاً للدفاع مسلحينا
وثاروا من مرابضهم أسوداً ... بصوت الاتحاد مزمجرينا
شباب كالصوارم في مضآء ... يرون وكالشموس منورينا
سلانيك الفتاة حوت ثراءً ... يهم فقضت عن الوطن الديونا
لقد جمعوا الجموع فمن نصارى ... ومن هود هناك ومسلمينا
فكانوا الجيش ألف من جنود ... مجندة ومن متطوعينا
تراهم فيه متحدين عزماً ... وما هم فيه متحدين دينا
هي الأوطان تجعل في بنيها ... إخاءً في محبتها رصينا
وتتركهم أولي أنف كبار ... يرون حياة ذي ذل جنونا
وإن الموت خير من حياة ... يظل المرء فيها مستكينا
* * *
مشوا والوالدات مشيعات ... خرجن وراءهم والوالدونا
يقلن وهن من فرح بواكٍ ... وهم من حزنهم متبسمونا
على الباغين منتصرين سيروا ... وعودوا للديار مظفرينا
ولا تبقوا الذين قد استبدوا ... وراموا كيدنا وتخونونا
فإن لم تنقذوا الأوطان منهم ... فلستم يا بنين لنا بنينا
فقد هاجوا على الدستور شراً ... بدار الملك كي يستعبدونا
هم الأشرار باسم الدين قاموا ... فعاثوا في المواطن مفسدينا
فما تركوا من الدستور (شورى) ... ولا أبقوا لنغمته (طنينا)
* * *
وكم قلن من قول شجيّ ... لهم فتركنهم متهيجينا
ومذ حان الوداع دنون منهم ... فقبلنا الصوارم والجفونا
وما أنسى التي برزت وقالت ... وقد لفتوا لرؤيتها العيونا
إلا يا راحلين لحرب قوم ... لئام ضيعوا الوطن الثمينا
стр. 2433
خذوني للوغى معكم خذوني ... ممرضة لجرحاكم حنونا
وإن لم تفعلوا فخذوا ردائي ... به شدوا الجروح إذا دمينا
* * *
ولما جد جدهم استقلوا ... على ظهر القطار مسافرينا
فطاروا في مراكبه سراعاً ... بأجنحة البخار مرفرفينا
وظل الجيش صبحاً أو مساءً ... تسير جموعه متتابعينا
فلم يتصرّم الأسبوع إلا ... وهم بربى فروق مخيمونا
هنالك قمت مرتحلاً إليهم ... لأبصر ما أؤمل أن يكونا
* * *
وباخرة علت في البحر حتى ... حكت بعبابه الحصن الحصينا
يؤثر جريها في البحر إثراً ... تكاد به تظن الماء طينا
فتترك خلفها خطاً مديداً ... بوجه البحر يمكث مستبينا
ركبت بها على اسم الله بحراً ... غدا بسكون لجته رهينا
فرحنا منه ننظر في جمال ... يعز على الطبيعة أن يهونا
ومرأى البحر أحسن كل شيء ... إذا لبست غواربه السكونا
كأنك منه تنظر في سماء ... وقد طلعت كوكبها سفينا
* * *
أتينا دار قسطنطين صبحاً ... وقد فتحت لهم فتحاً مبينا
وظل الجيش جيش الله يشفي ... بحد سيوفه الداء الدفينا
فأرهق أنفس الطاغين حتى ... سقاهم من عدالته المنونا
ورد الخائنين إلى جزاء ... أحلهم المقابر والسجونا
وحطوا قصر يلدز عن سمآء ... له فانحط أسفل سافلينا
وأصبح خاشع البنيان يغضي ... عيوناً عن تطاوله عمينا
خلا من ساكنيه وحارسيه ... فلم تر فيه من أحد قطينا
هوى عبد الحميد به هوياً ... إلى درك الملوك الظالمينا
стр. 2434
ونزل عن سرير الملك خلعاً ... وأفرد لا نديم ولا قرينا
فسيق إلى سلانيك احتباساً ... له كي يستريح بها مصونا
ولكن كيف راحة مستبد ... غدا بديار أحرار سجينا
يراهم حول مسكنه سياجاً ... ويعجز أن ينيم لهم عيونا
وموت المرء خير من مقام ... له بين الذين سقوه هونا
* * *
لقد نقض اليمين وخان فيها ... فذاق جزاء من نقض اليمينا
وقد كانت به البلدان تشقى ... شقآءً من تجبره مهينا
فكم أذكى بها نيران ظلم ... وكم من أهلها قتل المئينا
وكان يدير من سفه رحاها ... بجعجعة ولم يرها طحينا
وقد كانت به الأيام تمضي ... شهوراً والشهور مضت سنينا
ولما ضاق صدر الملك يأساً ... وصار يردد الوطن الظنونا
وأضحى سيف قائده المفدى ... على الدستور محتفضاً أمينا
حماه من العداة فكان منه ... مكان الليث إذ يحمي العرينا
وأسقط ذلك الجبار قهراً ... وأنباه بصارمه اليقينا
فقرت أعين الدستور أمناً ... وشاهت أوجه المتمردينا
معروف الرصافي
стр. 2435
الجباية في الإسلام
الصدقات ورسم التعدد
لما كانت الحكومة متعهدة بحفظ راحة الأمة وحياتها ومالها وعرضها حق لها أن تأخذ من الأمة أجرة خدمتها وقياسها بما تعهدت به نحوها باسم ضرائب وتكاليف أميرية غير أن الحكومة المطلقة كحكومتنا قبل إرجاع الدستور إلى أحكامه اعتبرت الضرائب من حقوقها الاستعبادية وعلى ذلك بنت قواعدها واستحلت أي ضريبة كانت وإذا أزالت ضريبة من ضرائبها تأخرت واعتبرت عملها كرماً منها على الرعية وكانت الأراضي يومئذٍ تعد من جملة الغنائم التي غنمها السلاطين والأمراء ولذلك ادعت الحكومة العثمانية أن جميع الأراضي ملك لبيت المال إلا ما كان ملكاً صريحاً فقسمت الأراضي على خمسة أنواع وهي أراضٍ مملوكة وأراضٍ موقوفة وأراضٍ أميرية وأراضٍ متروكة وأراضٍ موات.
فأما الأراضي المملوكة فهي التي يتصرف بها مالكها كيفما شاء فيبيعها ويقفها ويرهنها ويوصي بها ويحولها إلى بناء ورياض وكروم من غير أن يستأذن فيها أحداً وتجري عليها أحكام الشفعة وغيرها من أحكام الملك وهي على أربعة أنواع: النوع الأول العرصات في القرى والأراضي التي عدت من تتمة السكنى. النوع الثاني الأراضي التي أفرزت من الأراضي الأميرية وجعلت ملكاً صحيحاً على أنواع وجوه الملكية الصرفة وبني تمليكها على المساغ الشرعي. النوع الثالث الأراضي العشرية. النوع الرابع الأراضي الخراجية فرقبة هذه الأراضي الأربعة بملك مالكها وهي كالأموال والعروض يرثها الورثة الشرعيون وتوقف وترهن وتجري عليها الهبة والشفعة وسائر أحكام الملك كما هو مصرح في مجلة الأحكام الشرعية والكتب الفقهية.
وأما الأراضي الأميرية فهي التي أحيلت وفوضت للأشخاص على شروط أن تبقى رقبتها لبيت المال كالأراضي والمروج والمحال التي يقال لها يايلاق منزل صيفي وقيشلاق منزل شتوي والحراج التي تركت للاحتطاب والمراعي أما المنازل الصيفية والمنازل الشتوية والغابات والمراعي والبيادر التي تركت لقرية أو قرى متعددة أو قصبة فهي من الأراضي المتروكة.
وأما الأراضي الموقوفة فهي قسمان القسم الأول الأراضي المملوكة التي وقفت على الوجه
стр. 2436
الشرعي ويقال لها أوقاف صحيحة فجميع أحكامها تابعة لسرط الواقف والقسم الثاني الأراضي المفرزة من الأراضي الأميرية التي وقفها السلاطين العظام أو وقفت بإذن سلطاني فهذه كالأراضي الأميرية في جميع أحكامها ولم يمش الوقف إلا على أعشارها ومنافعها الأميرية.
وأما الأراضي المتروكة فهي قسمان القسم الأول: الأراضي التي تركت للناس كافة كالطريق العام والأسواق والمرافئ والمساجد والمتنزهات والميادين العامة. والقسم الثاني الأراضي التي تركت لأهالي قرية أو قصبة أو لعامة الأهلين في القرى أو القصبات المتعددة كالمراعي والمنازل الصيفية والمنازل الشتوية والحراج للاحتطاب.
وأما الأراضي الموت فهي الأراضي الخربة التي لم تحرث ولم تزرع وبعيدة عن أقصى العمران.
ولو نظرنا قانون الأراضي ومعاملات الطابو وما تجري عليه المعاملات لوجدنا الحكومة العثمانية تدعي أن جميع الأراضي الخراجية والعشرية والأميرية والوقفية (ما عدا الأوقاف الصحيحة والأراضي المملوكة) والمتروكة والموات كلها ملك بيت المال وليس لمتصرفها إلا التصرف بها والانتفاع منها غير أنها سمحت بتناقلها على حسب قانون الانتقال ولم تحدد مدة التصرف والانتفاع بها فأمنت على عمرانها ولهذه الأسباب عدت الأعشار وضرائب الأملاك أجرة أراضيها وأملاكها لا أجرة خدمتها للشعب وعلى هذا النظر أنشأت القواعد والقوانين على أن أكثر البلاد وأخص بالذكر منها سورية لم تفتحها الحكومة العثمانية عنوةً بل إن أهلها استقبلوا السلطان سليماً بالترحاب وأقروا له بالملك لما كانوا يرون من ظلم ملوكها حينئذٍ.
ولقد أبنت في المقدمة أن مؤسسي الدولة الإسلامية لما فتحوا البلاد وصالحوا أهلها تركوا الأراضي بأيديهم واقتصروا على الخراج أجرة القيام على ذمتهم ومن هنا يتضح أن الأراضي السورية والعراقية أراض خراجية أي من الأراضي المملوكة إلا ما ملكه غزاة المسلمين في صدر الإسلام وتقاسموه أيام الفتوحات الإسلامية وبعد رسول الله ﷺ وقيل أن السبب في جعلها أراضي أميرية لأن أصحابها ماتوا بلا وارث وأصبحت محلولة فتملكها بيت المال وجعلها أراضي أميرية على أن العاقل يستبعد موت
стр. 2437
أهالي العراق قاطبة وأهالي سورية طراً وما شاكلهما عن غير وارث يرثهم فتغدو الأراضي محلولة بأجمعها ولم يكتب لنا المؤرخون عن ذلك شيئاً ولذلك أعتقد أن أراضي سورية والعراق وما شاكلها من الأراضي الخراجية أراض مملوكة يجب أن تكون ملك صاحبها ولا يسعني التفصيل هنا لئلا أبعد عن الموضوع وسبب ذكر أنواع الأراضي تمهيداً لجرح ما قيل من جواز أخذ الضريبة عن المواشي.
وذلك أن الحكومة العثمانية لما كانت مالكة لرقبة الأراضي والغنم والدواب ترعى في بقعة من تلك الأراضي التي تنبت عشباً وإن محصول الأراضي الأميرية تدفع العشر من محصولها غير أن الشب تأكله الدواب وأن الدواب تثمر ولها ريع وثمرها وريعها يتوقفان على الرعي فقد لزم أخذ عشر العشب ضريبة على المواشي وعليه رفع العشر ومنعت الضرائب عن المراعي على أن المراعي والبيادر والحراج المتروكة للاحتطاب ومحال الأسواق والطرق العامة عدت من الأراضي العمومية المتروكة للرعية التي لا يجب أخذ ضريبة عنها إلا ما كان مقيداً بالدفتر الخاقاني بأن يدفع ضريبة وما كان من الأماكن التي تعد يايلاقاً أوقيشلاقاً وخصص لقرية أو قرى متعددة فتؤخذ على ذلك ضريبة يقال لها يايلاقية وقيشلاقية بحسب قانون الأراضي.
بيد أن المواشي التي ترعى في المراعي العمومية والتي لم تكن عليها ضريبة والتي ترعى في المنازل الصيفية والمنازل الشتوية وما شابهها بل حتى التي ترعى في أراضي صاحبها تدفع ضريبة التعداد وقيل أيضاً لما كان تعيين عشر العشب صعباً رأوا أن يؤخذ العشر ممن رعى الأرض بصورة ضريبة على المواشي فجعلوا في بادئ الأمر رسم التعداد عشر الدواب أي نعجة عن كل عشر نعاج أو شاة عن كل عشر شياه فلوا ردنا أن نعرّف ضريبة المواشي على حسب هذه التفصيلات لقلنا أنها عشر العشب غير أن السبب الحقيقي في أخذ هذه الضريبة غير ما ذكرناه لأن الأصل في دعوى ملك الأرض فاسد وعلى ذلك يكون الفرع فاسداً.
ولما كانت الحكومات تحمل الأمة ما تحتاج إليه من نفقة وتأدية ديون وأرادت أن توزع تلك النفقات والديون على ضرائب متنوعة ليخف حملها على الأمة جعلت على المواشي قسماً بدعوى أن المواشي وأصحابها تستفيد من خدمة الحكومة في حفظها من الغارة والنهب
стр. 2438
وإليك التفصيل:
لو كان لرجل أرض لا تعادل قيمتها أكثر من ألف قرش وليس عنده سوى عشرين رأساً من الماعز وحسبنا ما يدفعه للحكومة سنوياً حسب الجدول الآتي لبلغ مجموع ما يدفعه ستمائة وثمانية وثلاثين قرشاً صحيحاً.
الجدول
غروش
٠١٠ خراج أرض إذا كان متساهلاً معه
٠١٢ خراج الدار
٢١٢ عشر الأراضي إذا كانت مقبلة
١٠٨ رسم تعداد الماعز مع ورق طوابع
٠٥٠ رسم كمرك ملابسه وملابس عائلته
٠١٦ بدل طريق
٠١٠ رسم باج بقر أو خيل
١٠٠ إعانة غير مقننة على الأقل
٠٥٠ مختارية للمختار
٠٥٠ رسم دخان إذا كان يدخن دخاناً مهرباً
٠١٠ ورق طوابع
٦٣٨ المجموع
فلو أضفنا مقدار الربا والفوائض الفاحشة التي يدفعها صاحبنا هذا لعلمنا السر في بقائه مديناً أبد الدهر وإن أرادت الحكومة أن يأخذ من كل فرد من الرعية ما أصابه ففلو طلبت من صاحبناً هذا مثلاً (٦٣٨) قرشاً دفعة واحدة لطار عقله وصرف ذهنه إلى الامتناع واستعد للعصيان وإذا استعدت النفوس لذلك قامت في وجه الحكومة وشقت عصا الطاعة ولكن لما كانت هذه الضرائب موزعة بين أن تؤخذ من الأفراد مباشرة تحت أسماء منوعة وبين أن تؤخذ بالواسطة كرسم المكوس كمرك والدخان والملح فلا يشعر بثقلها أحد وهذه الحكمة في أخذ ضريبة المواشي ولهذا تؤخذ هذه الضريبة تحت اسم خدمة الحكومة لحفظها
стр. 2439
من التعدي والنهب والسلب وهذا ما أصاب المواشي من نفقات الحكومة وديونها وبعد ذلك أرى أن المراعي والأراضي لا للحكومة لأن الحكومة هي الأمة فلا فرق بين الأمة والحكومة والخزينة هي خزينة الأمة ويظهر مما تقدم أن للحكومة أن تطرح ضريبة على الماشية.
بقي علينا أن نبحث في كيفية تلك الضريبة لتكون عادلة:
سمى الإمام أبو يوسف ﵁ الضريبة المذكورة بالصدقات أي الصدقة في المواشي فقال سمعنا حديثاً عن الزهري عن سالم بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً في الصدقة فقرنه بسيفه أو قال بوصيته فلم يخرجه حتى قبض ﷺ فعمل به أبو بكر حتى هلك ثم عمل به عمر قال فكان فيه في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة (٤٠ ـ ١٢٠) فإذا زادت فشاتان إلى مائتين فإذا زادت فثلاثة شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة شاة وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة وفي خمس من الإبل شاة وفي عشر شاتان وفي خمسة عشر ثلاث شياة وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإن زادت ففيها ابنة لبون إلى خمسة وأربعين فإن زادت ففيها حقة إلى ستين فإن زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإن زادت ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإن زادت ففيها أربعين بنت لبون ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع اهـ
وعن علي ﵁ وإبراهيم النخعي وأبي حنيفة أنه إذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وكذلك الغنم عنه إذا كثرت ففي كل مائة شاة شاة وليس في أقل من ثلاثين بقرة من البقر السائمة شيء فإذا كانت ثلاثين ففيها تبيع جذع إلى تسع وثلاثين فإذا كانت أربعين ففيها مسنة فإذا كثرت ففي كل ثلاثين تبيع جذع وفي كل أربعين مسنة ولعل معاذ في اليمن مثله وأما الخيل فقد قال رسول الله ﷺ قد عفوت لأمتي عن الخيل والرقيق وقال أبو يوسف قد روينا عن رسول الله ﷺ ما نقله إلينا رجال معروفون أنه قال تجاوزت لأمتي عن الخيل والرقيق وقال عن سفيان بن عبينة أن النبي ﷺ قال تجاوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وقال أبو يوسف فأما الإبل العوامل والبقر العوامل فليس فيها صدقة وشرط أبو يوسف في أخذ الصدقة
стр. 2440
شروطاً فقال وأما ما يؤخذ في الصدقة من الغنم فلا يؤخذ إلا الثني فصاعداً ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا عمياء ولا عوراء ولا ذات عوار فاحش ولا فحل الغنم ولا الماخض ولا الحوامل ولا الربي وهي التي معها ولد تربيه ولا الأكيلة وهي التي يسمنها صاحب الغنم ليأكلها ولا جذعة فما دونها فإن كانت فوق الجذع وما دون هذه الأربع أخذها المصدق وليس لصاحب الصدقة أن يتخير الغنم فيأخذ من أخيارها ولا يأخذ من شرارها ولا من دونها ولكن يأخذ الوسط من ذلك على السنة وما جاء فيها ولا تؤخذ الصدقة من الإبل والبقر والغنم حتى يحول عليها الحول والمعز والضأن في الصدقة سواء.
فتبين مما تقدم أن الشارع ﵊ نظر في قيم المواشي الحقيقية وإيرادها الحقيقي لتكون الصدقة متناسبة مع الإيراد الحقيقي ثم إن الصدقة (أو رسم التعداد) هي شرعاً واحد من أربعين أي اثنان ونصف من مائة فلو نظرنا إلى ريع الغنم وريع البقر وريع الإبل وحسبنا الصدقات لم نجد تفاوتاً بين قيم الصدقات مثلاً فقد جعل ﵇ شاة على الأربعين شاة وشاة على الخمسة من الإبل المتوسطة بحسب السوق نحو الأربعين ليرة فتكون الصدقة في الإبل والضأن ليرة من أربعين على أن الشارع لم يأخذ الصدقة من دون الأربعين شاة والخمس من الإبل رحمة بالفقراء. اهـ
وأما رسم التعداد النظامي الذي قام مقام الصدقات الشرعية فقد كان من قبل واحداً من عشرة ثم انقلب إلى الرسم فصار أربعة قروش صحيحة عن كل دابة من معز وضأن فإن كان عند رجل مائة وعشرون رأساً من الضأن وجب عليه دفع أربعمائة وثمانين قرشاً صحيحاً رسم تعداد وتسعة وعشرين قرشاً صحيحاً ونصفاً للتجهيزات العسكرية وقرشاً صحيحاً ثمن ورقة سكة حجاز ونصف قرش ثمن طوابع فتبلغ الصدقة عن المائة والعشرين رأساً (٥١١) قرشاً صحيحاً أي نحو خمس ليرات ونصف ريال مجيدي وأما الصدقة الشرعية في هذه المائة والعشرين فهي شاة متوسطة لا تعادل قيمتها ليرة فصار رسم التعداد ستة أضعاف الصدقة الشرعية في الضأن وأما الماعز فعلى المائة وعشرين رأساً منها كذلك (٥١١) قرشاً صحيحاً وهذا بمقام شاة من الماعز المتوسط وثمن الماعز المتوسط لا يتجاوز الثلاثة ريالات أي ٥٧ قرشاً صحيحاً فيكون رسم التعداد عشرة أضعاف الصدقة في الماعز وهذا منتهى الظلم فقد اتضح لنا أن الفرق بين الصدقة الشرعية
стр. 2441
والضريبة الرسمية عظيم جداً وكنا ذكرنا في المقدمة أنه يجب على الحكومة أن تستوفي رسم التعداد عندما يكبر نسلها ويبيعه صاحبها ليدفع الرسم من ريع ماله غير أن القانون الجاري حتى الآن يجبر أصحاب المواشي على دفع الضريبة في آذار أو نيسان أو قبل آذار حينما تكون الخراف والحملان صغيرة لا تباع فيضطر صاحب المواشي إلى الاستدانة بأرباح فاحشة فيكون تحمل الضريبة مضاعفة ضريبة التعداد وفائضها فيصبح رسم التعداد عشرين ضعفاً من الصدقة الشرعية وهذه الضريبة الفادحة دفعت الأهالي إلى الاحتيال وتهريب الغنم والماعز لأنهم استكثروا الرسوم واعتقدوا أنها ظلم صراح لا صدقة شرعية فأثار هذا التهريب طمع القائممقامين والمتصرفين ومأموري المال فصاروا يبيعون مأموريات التعداد بدراهم معدودات ولا يخفى على أولي البصيرة أن مأمور التعداد الذي لا تزيد أجرته على أربعمائة قرش لا يدفع خمسين ليرة من أجل أن ينال تلك الوظيفة إلا إذا كان يعتقد تحصيل مائة ليرة والمائة لا تؤخذ إلا من أفراد متعددين فيضيع على الخزينة أكثر من مائتي ليرة وعلى ذلك فقس المملكة بأجمعها تجد الحكومة قد أضاعت مبالغ تعادل ما أخذته فوق الصدقة الشرعية ولم تربح إلا شيئاً قليلاً غير أنها حملت الأمة أثقال الضرائب والظلم هذا إذا صرفنا النظر عما يذبحه الموظفون من الخراف فتخسر الأمة مبالغ غير مشروعة بسبب انحراف الحكومة عن أحكام الشريعة انحرافاً كلياً.
ولما كانت القاعدة المشئومة تزييد واردات الخزينة بأي صورة كانت من أجل أن تصرف على بذخ الظالمين في الأستانة وكان بعض القاممقامين والمتصرفين يخشون النقص عن البدل السابق أنشأوا يضيقون على مستخدمي التعداد ليأتوا بزيادة الواردات يحملون الفقراء العاجزين ما ينقصونه عن الأغنياء فتبلغ ضريبة أغنام الفقراء أضعاف أضعاف ضريبة أغنام الأغنياء وأرباب السطوة والصولة ولهذا فقد نقص رسم تعداد الأغنام على توالي الأيام نحو أربعمائة ألف ليرة في المملكة كما أنه قل الخير وهجر الغنم أصحابها وقل اعتناؤهم وقلت المواشي فارتفعت إبان اللحم والسمن وضاق أمر المعاش.
ولو نزلت الضريبة إلى حد الصدقات وفرقت الحكومة بين الضأن والماعز وعدلت في رسم تعداد البقر والإبل المسومة لتنفس الأهالي وهانت عليهم الضريبة واعتقدوا أنها فرض ديني فلا يخفون ولا يهربون مواشيهم بسبب قلة الضريبة وأداء الفريضة فحينئذٍ يرغب
стр. 2442
الناس في تكثير الغنم والمعز وإصلاحها لكثرة ريعها ووفرة أرباحها فيكثر السمن والصوف والشعر فتسهل المواد الصناعية الابتدائية ويخرج ذلك إلى الممالك الأجنبية فتستفيد الخزينة من تمنع التجار والصناع ورسم الكمرك (المكوس) ويرخص السمن واللحم فتتسع على الناس معايشهم وتقوى على العمل أجسامهم وقد وقفت عند هذا القدر ريثما يتم النظام الجديد وسأعود إلى البحث إذا دعت الحاجة والله الموفق.
شكري العسلي
стр. 2443
ضراء العلماء
٢
بين هذا الجيل الناشئ نفرٌ لم يكتب لهم الوقوف على حضارة المشرق وآدابه بل غاية ما وصلت إليه أفهامهم من البحث والتدقيق أخذهم بغشاء العلوم الغربية الحديثة فقط فراحوا وهم ثملون بحثالة تلك الثمالة يهرفون بما لا يعرفون زاعمين أن المشرق وحده منبعث الأعمال البربرية كما أن البعض حتى من علماء المغاربة يصورون الشرقي ذلك الغر المجرد والعربي ذلك الذي يخوض بحاراً من رمال محرقة وأشعة الشمس المذابة قطراتها تتصبب عليه فتصهر رأسه في فضاء صحاري جرداء تكاد لا تتناهى. . .
ولو تهيأ لذلك العربي ما تهيأ للغربي من التربية والبيئة (المحيط) وتكاثر الوسائل والوسائط ما كان مدعاةً للتأثير في أخلاقه وأفكاره وخيالاته وقوته العقلية وطبيعته الحيوية الخ. . . . لاستعاض عن ظلال الخيام التي كان يستحضر في زواياها بدور الكيمياء ذات البنيان الضخم والمعامل الكبيرة ولكانت له ضفاف الأنهار مباءة يتفيؤ ظلالها الخضراء.
ولقد رأينا العرب لما اختلفت عليهم مؤثرات التربية والبيئة وأنشاؤا يدوخون الممالك ويمصرون الأمصار أمة ناهضة بلغت في التحضر والتمصر شأواً بعيداً وضربت في المدنية والعمران بسهم وافر. ونبغ بين ظهرانيهم من الدهاة من ألفوا في العلم والاجتماع والأدبيات على اختلاف ضروبها فبرز الكندي وجابر الكوفي والطوسي وابن رشد وابن سينا والفارابي وابن أبي أصيبعة والسمرقندي في الرياضيات والطب والفلسفة والغزالي والرازي وابن حزم وابن باجة وابن خلدون والمتنبي والمعري في الاجتماع والتاريخ والأخلاق والشعر وأخذ العظماء من الأمراء يسرفون في إنشاء معاهد العلم في بغداد وسمرقند والشام والأقطار الأخرى وعهدوا وظيفة التعليم إلى من تأفقت شهرتهم في العلم في ذلك العصر مما يدل على نهضة علمية كبرى نشأت في المشرق بقي من آثار القائمين بها أطلال بالية ومن نتائج قرائحهم بقايا ملئت بها مكتبات المشرق والمغرب على كثرة ما عداها من عوادي الأيام.
ألا وإن الأمم تسير في تقدمها وتأخرها على نواميس عامة قد لا تختلف في الغالب إلا بقدر الاستعداد الفطري وتأثير الإقليم. وما يصح أن يقال عن تلك الأمم من الأعمال البربرية أن
стр. 2444
هو إلا أمر طبيعي لا بد من وقوعه بين أي شعب أسفَّ للانحطاط في العلم وأخلد للجمود في الدين.
مر على أوربا من أدوار الظلم والظلمات ما سجل لنا التاريخ من آثارها في الأمم الغربية ما يصح أن يكون عبرة همجية وذكرى سوء. وذلك في الغالب يرجع إلى عوامل ثلاثة كانت علة العلل لما نجم عنه من سقوط وصعود: الملوك ورجال الكنيسة والنبلاء. أما النبلاء: فلم يؤثر عنهم في الأعم الأغلب من حالهم سوى أنهم كانوا يسعون وراء تأييد نفوذهم ونيل مشتهايتهم وملذوذاتهم بأية طريقة كانت سواءٌ دعا سعيهم هذا إلى إهراق دماءِ الشعب وابتزاز أمواله واكتساح الأراضي الشاسعة من مستعمراته أو إلى مقاومة الملوك إذا آسوا منهم مالا ينطبق على ما ينزعون إليه من حب السلطة والجار الذي كان دينهم وديدنهم حتى أتيح لهم نفوذ قوي كان لهم عوناً في عامة ما تذرعوا به من الذرائع لحفظ سلطتهم وإحرازهم ميزةً على غيرهم من بني البشر حتى في المحاكم ومسائل القضاء.
وأما الملوك: فإن استئثارهم في الملك وإغراقهم في البذخ والترف خملهم على مبالغتهم في الإرهاق والعسف وإتيانهم كل امرء منكر لمطاردة قادة الأفكار من رجال الأمة فكان الملك يذيب أيامه ولياليه التي كان يجب أن يقضيها فيما يعود على الأمة والوطن بالمصلحة العامة في اختراع صنوف الحيل والدسائس تارة وفي أحلام الموبقات مرة أخرى فمن طنطنة أقداح إلى إزاقة ابتسامات بين وصيف وبغا وكثيراً ما كانت الحرب بالباب والسلطان في لعب.
ومما ساعدهم على عملهم هذا غفلة الشعب واتخاذهم من اعتقاده بالملوك والقياصرة والأقيال والأكاسرة إنهم آلهة الأرض والآمرون الناهون في العالمين آله صماء لتنفيذ آمالهم وأعمالهم. فكان الشعب مغلول اليد والفكر واللسان ليس له من الأمر شي إلا الطاعة العمياء. وفوق هذا كله فإنه كان يرى في هذه الطاعة خيراً يصيبه أو ثواباً يناله. ولم يكن من الشعب الغافل إلا أن وسمهم بالألقاب السماوية ووصفهم بعامة صفات الربوبية.
وأما رجال الكنيسة: فكانوا يبالغون أيضاً حفظاً لسلطتهم واستبقاء لعزيز جبروتهم في اضطهاد العلم والعلماء. وتم لهم ذلك بما أسدلوه على الأبصار من السجف المبرقشة التي هي ليست سوى خيالات خداع وختل ونفاق وتلاعب قالوا عنها أنها الدين وليست منه في
стр. 2445
شيء حتى كان منهم أن كانوا يقسمون الممالك ويوزعونها ويخلعون من الملوك من يشاؤن وكانوا كما قال أحمد شعيب بك حكام أوربا المطلقين (ديكتاتور).
غضب مرة الأب (هيلدي بران) على هنري الرابع وأصحابه فحرمهم جميعاً حتى اضطر الإمبراطور هو وزوجته إلى أن يقصدوه ليغفر لهم سيئاتهم فقطع جبال الألب في أيام الشتاء وقد ارتدى قميصاً أبيض أعد للمجرمين ووقف أمام القصر الذي كان جالساً في صدره ذلك الأب ثلاثة أيام وهو يرتجف من صبارة القر وأخيراً أذن له بالحضور فتمثل بين يديه وقبل قدميه وهكذا استطاع أن يظهر بمظهر العفو.
وإن أعمال رجال الكنيسة في محكمة التفتيش لا تكاد تمحى آثارها من صفحات الوجود فقد كان الغرض من إنشاء هذه المحكمة مقاومة العلم والفلسفة عندما خيف ظهورهما بسعي تلامذة ابن رشد وتلامذة تلامذته خصوصاً في جنوب فرنسا وإيطاليا. وفي مدة ثماني عشرة سنة من سنة ١٤٨١ ـ ١٤٩٩ حكمت على عشرة آلاف ومئتين وعشرين شخصاً بأن يحرقوا وهم أحياء فأحرقوا وعلى ستة آلاف وثمانمائة وستين بالشنق بعد التشهير فشهروا وشنقوا وعلى سبعة وتسعين ألفاً وثلاثة وعشرين شخصاً بعقوبات مختلفة فنفذت ثم أحرقت كل توراةٍ بالعربية.
وقد قرر مجمع لاتران سنة ١٥٠٣ أن يلعن كل من ينظر في فلسفة ابن رشد وطفق الدومينكان يتخذون من ابن رشد ولعنه من ينظر في كلامه شيئاً من الصناعة والعبادة. قال الأستاذ الشيخ محمد عبده: لكن ذلك لم يمنع الأمراء وطلاب العلوم من كل طبقة من تلمس الوسائل للوصول إلى شيءٍ من كتبه وتحلية العقول ببعض أفكاره ثم قال: وأوقعت هذه المحكمة المقدسة من الرعب في قلوب أهل أوربا ما خيل لكل من يلمع في ذهنه شيءٌ من نور الفكر إذا نظر حوله والتفت وراءه أن رسول الشؤم يتبعه وأن السلاسل والأغلال أسبق إلى عنقه ويديه من ورود الفكرة العلمية إليه.
هذا ولا تنس ما كان للحروب والثورات باديء بدء من التأثير السيء في الحركة العلمية في المدارس فالثورة الفرنساوية دعت إلى إلغاء دار الفنون الذي ظل يختلف إليها الطلبة منذ زمن مديد. وألغيت بالقرار المؤرخ في ١٠ آذار عام ١٧٩٤ كلية باريس وثلاث وعشرون جامعة في الولايات الأخرى وصودرت أوقافها وأملاكها وإن حروب التتار
стр. 2446
الشعواء أغارت على الجامعات التي أُنشئت في مدينة (نوفوغوردو) و (كرسون) و (موسقو) من بلاد روسيا لما فتحها التتار بحد سيوفهم.
ولما دب في بولونيا دبيب الحياة وقامت تطالب باسترداد حريتها أنشأت الحكومة الروسية تتذرع بكل جليل وتافه لصد هجماتهم وأول ما بدأت به إغلاق الجامعات والمدارس ومن ذلك جامعة (فارسوفيا) الشهيرة التي أغلقت عام ١٨٣٢ وظلت كذلك موصدة سنين وأعواماً. وإنه وإن أذن للجامعات بعدئذٍ أن تفتح أبوابها بيد أنه لم يعد يراعى فيها أصول الحرية في التربية والتعليم في حال من الأحوال.
وإنك لترى الجامعات والمدارس بعد ما توالى على أوربا من الأزمات العلمية والفكرية في حالة النزع والاحتضار إدارة وتعليماً. فأما ما كان من أمر التعليم فأنها كانت تسلك الخطة التي كانت متبعة في القرون الوسطى وكان المتطفلون على موائد العلم يتصافقون الرتب العلمية على رؤوس الأشهاد ولم يكن من المعلمين الحقيقيين من يستطيع أن يدرب التلاميذ على أصول التربية الحديثة وإن كان يوجد فإنهم كانوا يتقاضون مرتباً نزراً يسيراً.
في ذلك الزمن الذي اشتدت فيه الأزمة كانت أوربا تتمخض بالثورات السياسية والدينية. بيد أنها لم تستطع أن تضع حملها إلا بعد أن نبغ فيها فريق من أهل العلم والأدب فبدأوا يجدون بما في طوقهم وطاقتهم وراءَ مكافحة أولئك الخونة المارقين ومنافحتهم في القلم واللسان ليستردوا لبني البشر حقوقهم المغصوبة فكان فيهم العلماء والحكماء والأدباء والقصصيون والشعراء أمثال نيوتن وباكون ويكارت وهيكو وفولتر ولامارتين وتولستوي ولوك وفيختي وكانت وميرابو وموليير وغيرهم من رجال الإصلاح وكذلك كان بين هؤلاء من رجال الإصلاح الديني كثيرون ومن أشدهم جهاداً وجلاداً لوثيروس زعيم المذهب البروتستانتي في البلاد الأوربية والأميركية جمعاء.
فسد هؤلاء العظماء العجز في تربية الشعب وتعليمه واغتنت النفوس بما تجدد في البلاد من الأوضاع وما ظهر في عالم المطبوعات من المصنفات العلمية والأدبية واكتسبت بما اكتسته من الحلل القشيبة ميلاً خاصاً من القلوب فتهافت الناس عليها وهم في أشد الحاجة إلى ما يمحو ما تلطخ على صفحات الأفكار من الشوائب المبهمة. وكان أول انقلاب وقع في نظام الأسرة (العائلة) والمعتقدات. وتمثل هذا الانقلاب بأكمل مظاهره في المبادئ
стр. 2447
والأفكار وعلم الشعب حق العلم أنه مهضوم الجانب مهيض الجناح وأن الملوك والأمراء بأجمعها ليست سوى إجراء له وآنئذٍ نزع استرداد حقوقه بما مازج روحه من قوة الحرية في القول والعمل.
شعر الملوك ورجال الكنيسة لما آنسوا من الشعب ميلاً إلى الإصلاح ورجاله بالخطر الذي يتهدد سلطتهم الملطقة فأخذوا يضيفون على مظالمهم الأولى ضروباً من الجنايات والخيانات. ألا وإن قيصر الباستيل والآلة المدعوة المقصلة (كيلوتين) ومحكمة التفتيش وفيافي سيبريا وسراي التويليري أعظم شاهد على ما أتوا به من الفظائع والفجائع لمناهضة العلماء والحكماء ورجال الإصلاح:
هذا لافوازيه العالم الكيماوي المشهور الذي عني بهذا الفرع من العلم عناية خاصة واكتشف عناصر جديدة لم تكن معروفة من قبل ووضع نواميس عامة أبان فيها ما خفي تعليله على المتقدمين حتى دعي بـ (واضع الكيمياء الجديدة) ـ هذا الرجل على فضله وعلو كعبه في العلم وخدمته الإنسانية جمعاء حكم عليه بالإعدام وسيق إلى ساحة القتل حيث ذهب ضحية الجهل والغدر والخيانة.
وهذا غاليله العالم الإيطالي الفلكي المشهور عقدت من أجله جلسات متوالية في إيطاليا ضمت أهم رجال الكنيسة وغيرهم وأجمعوا بخروجه عن أوامر الدين في قوله بحركة الأرض ثم حكموا عليه بالإعدام فالتفت إلى الجمهور وهو جذل فرح وقال: هي تدور وفوق ذلك هي كروية.
وكذلك دانتي حكيم إيطاليا وشاعرها أمر الكردينال بورجينو عام ١٣٣٩ بإحراق بعض مؤلفاته في بولونيا جهاراً وطلب إخراج جثته من القبر وإحراق عظامها انتقاماً من على إلحاده ثم لم تمضِ على هذه الأحكام عشر سنين حتى شعر الشعب الإيطالي بمنزلة هذا الجرل ففي سنة ١٣٥٠ قررت جمهورية فلورنسا أن تدفع مبلغاً من النقود إلى ابنة له راهبة تدعى بتريس وفي عام ١٣٩٦ قررت أن يبنى له ضريح ويقام له تذكار في فلورنسا على أنهم ما زالوا يحاولون بذلك إلى أوائل هذا القرن فابتنوا له ضريحاً وقد احتفلوا بافتتاحه في ١٤ تموز عام ١٨٦٥ وهو تذكار مضي ستمائة سنة من يوم ولادته.
ومثله فولتر حكيم الأدباء في فرنسا نظم قصيدة هجا بها لويس الرابع عشر ملك فرنسا
стр. 2448
فحكم عليه بالسجن فسجن في الباستيل سنة نظم أثناءها قصيدة سماها التعاهد (ليبج) ورواية دعاها (أوديبوس) قالوا أنها أحسن ما كتبه من حيث شرح العواطف الحقيقية وذلك عام ١٧١٨ ثم أطلق سراحه بدعوى أنه مريض يحتاج إلى تبديل الهواء في (بلومبيار) فسار وقد عول على أن لا يعود إلى فرنسا ولكن قلمه ثنى عزمه فعاد إلى مثل ذلك فأعيد إلى السجن مهاناً بالضرب واللكم عام ١٧٢٦ فلبث هناك ستة أشهر ثم أطلق سراحه والتجأ إلى إنكلترا لعله يتخلص من دسائس الفرنسويين.
ولقد كتب مقالات فلسفية قيل أنه تعرض فيها للدين والسياسة فأحرقت بأمر مجلس الأمة (البرلمان) واضطر إلى مغادرة باريس خوفاً على حياته وقد ذهب بعضهم إلى أنه ملحد لأن الكهنة لم تأذن بدفنه على العادة المألوفة وإن أحد أبناء أخيه كان رئيساً لدير فأخذ الجثة سراً إلى ديره ودفنها في الكنيسة وفي سنة ١٧٩١ نقلت الجثة إلى البانتيون مدفن الملوك والعظماء والكبراء.
وكذلك روسو فإنه نال من نبال الطعن والاحتقار ما لا يكاد يخطر على بال وما ذنب هذا الرجل الكبير ـ كما قال أحد حكماء فرنسا ـ سوى أنه خالف سنة أهل النظر في عصره وهي اعتمادهم في إصلاح المجتمع الإنساني على الرجال ومخاطبتهم إياهم فيه بأن وجه خطاباً إلى الوالدات والأطفال وهو أمر هداه إليه ما فطر عليه من جودة الطبع وذكاء القريحة ثم قال: وإن أردت أن أبين لك كيف خدم روسو الأطفال خاصة بما نشره في كتبه من الانتصار لهم قلت أن ذلك إنما كان بما ألقنه تلك الكتب في نفوس الفرنسيس من بذور الثورة وهيأتها به لها.
ومثله لوتيروس المصلح الديني الألماني فإنه قام بالدعوة إلى ما صح عن المسيح فطبق ما ورد في الإنجيل ضارباً بتلك الأوهام التي تعلقوا فطفوا بها عرض الحائط. وأول ما ناهضه هو مسألة الغفران ولم ير داعياً للأبوة فألغى الرتب الروحانية وشركات الدنيا والقاعدة التي تخول الرهبان عدم الزواج ظهرياً.
وحملته طبيعة الحال على أن يدعي ويثبت مدعاه بأن كنائس الكاثوليك جمعاء تناقض أحكام الدين المسيحي على خط مستقيم وقد دعا الإمبراطور شارلكان المجلس العام في ألمانيا إلى الالتئام فالتئم وطلب المجلس بأكثرية الأصوات إحراق لوثيروس وقد كاد يقع
стр. 2449
ذلك لولا أنه أقام سنة كاملة في دار نبورج مختفياً عن أعين الرقباء وأتم خلال هذه المدة ترجمة الإنجيل الذي كان شرع بترجمته بادئ بدء وأحدث انقلاباً كبيراً في الأدبيات الإنكليزية والأفكار.
وبلغ بالقسيسين التعصب في إسبانيا على عهد سكسيمون الثالث مبلغاً هذا حده ولم يكن منهم إلا أن أبعدوا عامة من كانت تهزهم أريحية الوطنية أيام كان القسم الأعظم من واردات الحكوممة مخصصاً لصندوق الكنيسة. وإن شعور التعصب قد بلغ في أوربا أشده حتى كان الوباء إذا فشا نسب إلى الموسويين ومن ثم ترى هؤلاء المساكين يستهدفون لضروب الإيذاء والجفاء ما الله به عليم.
وبعد فإن سلطة العلم لا تقاوم ومن قاومها كان خليقاً بكل أذى يلحقه إن لم يكن عاجلاً فآجلاً. وصوت العلم النافع ـ كما قال رنان ـ كثيراً ما يتضاءل أمام هجمة المهاجمين وقحة الدجالين وللعم صوت متى سكن ضجيج تلك الظواهر يظل ذاك الصوت يسمع فلا يعود أحد يسمع غيره قال: ومن أجل هذا ترى المجامع العلمية على كثرة شكوى أهل الأفكار المنحطة منها فائزة بفضل الغلبة لأنها حارسة حسن الترتيب الحقيقي وهي قليلة ولكنها مفلحة وليس لغير العقل سلطة تبقى.
وإن رجال الإصلاح كلما أغرقوا في الدعوة إليه صموا آذانهم عن جلبة الوشاة والمشائين ولم يحفلوا بما ينزل بساحاتهم من الكوارث وإنهم ليعدون ما يصيبهم من إهانة واحتقار شرفاً لهم وفخراً كما قال الكتاب الفرنسوي: كل قبضة من الوحل تلقى في جبهة صاحب صناعة فهي إكليل من الفخار وقد سيق من سيق من هؤلاء المصلحين إلى القتل وعلى شفاههم تلوح ابتسامة السرور ولسان حالهم يقول كما قال لازوروس: نحن نموت الآن لأن الشعب نائم وتموتون أنتم غداً متى استيقظ الشعب.
هذه آثار الأدوار السوداء ونتائجها ولقد كان للأمم الشرقية من آثار مثل هذه الأدوار حظ وافر ولو لم يزل فيهم من القوة بقية ومن الذكاء الذماء لأودت بحياتهم الأدبية منها والمادية. ومما يقوي آمال رجال الإصلاح ويشد عزائمهم ما رأوه من نهضة المشارقة في هذه القرون الأخيرة فقد تناولت الحركة الإصلاحية الشمس المشرقة (اليابان) ففارس فالأمة العثمانية مما يدل على أن الاستعداد كامن في نفوس البشر التربية تظهره والإهمال يخفيه.
стр. 2450
ولا بدع إذا قامت تلكم الأقوام بنهضة حديثة اهتزت لها الأرض من أقصاها إلى أقصاها وهم الذين كانت لهم فيما مضى حضارة ضخمة فخمة قضت عليها النواميس الطبيعية بالاندثار والعفاء وقيضت من رجال الغرب عني بأمرها فبزوا بها وبرّزوا. وما على الأمم الشرقية اليوم إلا أن تطرس على آثار الغربيين في العلم والاجتماع وتأخذ بالأمور المعقولة من حضارتهم ومدنيتهم ليكتب لها عمر مديد وتاريخ مجيد!. .
دمشق:
صلاح الدين القاسمي
стр. 2451
الرتب والأوسمة
كانت الرتب والأوسمة العامل الأقوى في إفساد الأخلاق على عهد الحكومة الاستبدادية الماضية فاستعملها الظالم ذريعة لرفع من شاء ولو كان وضيعاً وتصغير من أراد ولو كان كبيراً وفي تقلد الأوسمة ونيل علائم الرتب كم خربت بيوت وشتت شمل أسرات وكانت أقل الوسائط إليها وأقربها تناولاً أن يعمد من يرغب في التشرف بها إلى التجسس على الأحرار وإيجاد السبل لإرهاق من يطالب الحكومة السالفة بإصلاح المختل ومداواة المعتل.
ومن نظر في التاريخ يجد الألقاب عند العرب والإفرنج من بقايا القرون الوسطى قرون الهمجية والانحلال. فمنشأوها عند العرب كما قال ابن الحاج في المدخل الترك فإنهم لما تغلبوا على الخلافة تسموا هذا شمس الدولة وهذا ناصر الدولة وهذا نجم الدولة إلى غير ذلك فتشوقت نفوس بعض العوام ممن ليس له علم بتلك الأسماء لما فيها من التعظيم والفخر فلم يجدوا سبيلاً إليها لعدم دخولهم في الدولة فرجعوا إلى أمر الدين فكانوا أول ما حدثت عندهم هذه الأسماء إذا ولد لأحدهم مولود لا يقدر أن يكنيه بفلان الدين إلا بأمر يخرج من السلطنة فكانوا يعظمون على ذلك الأموال حتى يسمى ولد أحدهم بفلان الدين فلما أن طال المدى وصار الأمر إلى الترك لم يبق لهم بالتسمية بالدولة معنىً إذ أنها قد حصلت لهم فانتقلوا إلى الدين ثم فشا الأمر وزاد حتى رجعوا يسمون أولادهم بغير ما يعطوه على ذلك ثم انتقل إليه بعض من لا علم عنده ثم صار الأمر متعارفاً متعاهداً حتى أنس به العلماء فتواطأوا عليه. قال أبو بكر الخوارزمي:
مالي رأيت بني العباس قد فتحوا ... من الكنى ومن الألقاب أبوابا
ولقبوا رجلاً لو عاش أولهم ... ما كان يرضى به للحش بوابا
قلّ الدراهم في كفي خليفتنا ... هذا فأنفق في الأقوام ألقابا
أما في الغرب فكانت الرتب العلمية والجندية في القرون الوسطى تباع بيع العروض والعقار يمنحها الملك لمن يريد من حاشيته أو لمن يرى هو ورجاله أنه قام بخدمة لبلاده وربما ورثها عنه أبناؤه وأحفاده من بعده على نحو ما أصبح أولاد العالم في العهد الأخير في هذه الديار يرثون وظائفه ومقامه كما يرثون أرضه ومتاعه وتطلق عليهم ألقاب هي العجب العجاب وأسماءٌ ما أنزل الله بها من سلطان كأن يقال لا جهل الجاهلين أعلم العلماء المحققين وللخالع المارق ناصر السنة والدين.
стр. 2452
الرتب على النحو الذي يعهد في الشرق والغرب اليوم لم يكن لها ما يماثلها في الدولة اليونانية ولا الرومانية وغاية ما في الأمر أن الظافر في الألعاب الأولمبية في آثينة كان يذكر بالمحمدة ذكراً يورثه الشرف هو وأهل بلاده وينال جائزة سنية وكذلك من كتب به النصر على أعداء رومية ولكن لا يرث أبناؤه وأهله ما كان هو أبا عذرته وداعية مفخرته.
ولما انتظمت حكومات الغرب ألغيت الرتب من معظم الممالك الأوربية ولا يزال لها أثر في بعضها ولكنه ضئيل لا ينمُّ عن شرف ولا ينبئ عن فضيلة ورجع الناس هناك أو كادوا إلى عادة السذاجة التي كانت عليها دولة العرب ثلاثة قرون وأكثر فكان يدعى الكبير باسمه أو بكنيته ولم يكن للألقاب سوق معروفة.
كان براد بالرتب والأوسمة وعلائم التشريف في الأصل تحريك نفوس الناس إلى مباراة بعضهم بعضاً في طلب الكمال والمجد الحقيقي لأن من واجبات الحكومة أن تنشط العامل وتأخذ بيد صاحب الكفاءة ليكون مثالاً صالحاً لغيره والرتب والأوسمة من الأمور التي قد تساعد على هذا الشأن ولكن المتأخرين من أهل الغرب شاهدوا كما شاهد المتأخرون في الشرق أيضاً رداءة تلك الطريقة فأسقطوا بعض تلك الرتب والأوسمة وبقي غيرها عضواً أثرياً من حكومات القرون الوسطى يدل بأصرح بيان على أن من الصعب جداً على حكومة لها بعض التقاليد وإن كانت غير معقولة أن تنسفها جملة واحدة اللهم إلا إذا كانت كحكومة الولايات المتحدة لم تبن أصول حكومتها على أنقاض غيرها بل جعلت فيها العلم قائداً والعقل مرشداً ورائداً ولذلك تساوى بها العامل الصعلوك مع رئيس الجمهورية في الألقاب والتشريف.
قال أحد علماء الفرنسيس: ومن الواجب الاقتصاد في منح الأوسمة والألقاب وأن يتوخى المنعم بها لا يهبها إلا لمن يستحقها ممن لا ينكر عليهم استئهالهم لها أبعد الناس عن معرفة الحقيقة ومن الخطأ الفادح أن يذهب بعضهم إلى أن عدد الراضين يزيد بمضاعفة علائم الشرف إذ الأمر بخلاف ذلك وكلما خفضت المطالب والقيود درجة زادت الدعاوي الطويلة العريضة وما أنت بصاحبها في هذا المطلب إلا كأنه يتقاضى حقاً وأمراً مشروعاً وكلما زاد إعطاء الأوسمة وقعت الحكومات في شر أعمالها فتصبح في ذلك بين أمرين ما أن تعطيها لأناس لأخلاق لهم ولمن لهم علم واقتدار ولكنهم معروفون بالأخلاق السافلة وكلا الحالتين
стр. 2453
قبيح وأقبح. وما حال الشعب إذ ذاك إلا حال الأطفال في المدرسة يطمحون إلى المكافآت المدرسية ويحرصون عليها أكثر من طموحهم إلى التقدم الحقيقي.
قلنا أن الظافر في الألعاب الأولمبية بآثينة كانت تنظم له الجوائز وكذلك الظافر في البر أو البحر يجازى أحسن الجزاء في رومية ويقلد أوسمة أشبه بأوسمة هذه الأيام علاوة على المكافآت المالية ومنها تيجان للجنود وأكاليل من ورق الزيتون وأكاليل من أغصان البلوط وأسورة وقلائد من الذهب والفضة تناط في الصدور أو في قرون صغيرة تجعل في أطراف الخوذ.
ولم تكد ترفع عن الأفواه والأقلام في البلاد العثمانية كمائم الاستبداد والحجر هذه ألسنة حتى قام عقلاء العثمانيين يكتبون في إسقاط الرتب والأوسمة لأن في إسقاطها رفع شأن أرباب الكفاءآت وتوعوا لذلك الأساليب وفي مقدمة الكاتبين المتخرجون من المدرسة الملكية العالية في الأستانة وهي من أرقى مدارس الدولة فقام من تعلموا فيها وفيهم الولاة وكبار العمال وتجردوا عن رتبهم مختارين قائلين أن الرتب من قبيل الامتيازات الشخصية المخلة بقاعدة المساواة وأن البلاد الشوروية لا يجوز أن يكون فيها فريق من الناس محكوماً لفريق آخر من أجل هذه الامتيازات الوهمية التافهة.
وبعد فإنه لا أثر لهذه الرتب الشخصية في البلاد المتمدنة ولا وجود لها إلا في بلادنا وفي بلاد إيران على أننا نعد هذه المسألة قد حلت حلاً نهائياً لأن مجلس الأمة مصمم على إلغائها بتاتاً وبما أن آخر الشيء ينبه إلى أوائله أحببنا أن نبحث في نبذة من تاريخها ليبقى حسرة في قلوب عشاقها المولعين بوضع القصب على الصدور وفوق العمائم.
كان الرومانيون واليونانيون يوجهون المناصب لغير طبقة العسكرية ولكن لا يوجهون عليهم رتباً شخصية. أما العرب فكانت الرتبة عندهم هي الفضيلة والمزية الشخصية وكانوا يوجهون الرتب العسكرية عند الحاجة مؤقتاً.
وإنا إذا تصفحنا التاريخ نرى النبي ﷺ عين وزيره ورفيقه في الغار أبا بكر الصديق ﵁ جندياً في الجيش الذي عقد لواءه لأسامة بن زيد وكان هذا ابن أمة ولكن خبرته في أمور الحرب وشجاعته أهلته لقيادة جيش فيه مثل أبي بكر الصديق ونرى عمر بن الخطاب عزل خالد بن الوليد وجعله تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح وكان
стр. 2454
جندياً في جيش خالد بن الوليد لما عهده عمر في أبي عبيدة من التأني والاحتياط في أمور الحرب.
وأخذت الحكومات في القرون الوسطى بأوربا على عهد الإقطاعات توجه الرتب والألقاب على المأمورين الملكيين قياساً على رتب الرهبان فرتبة فارس (شفالية) كانت شخصية ولها درجات معينة وليس عند الأوربيين اليوم رتب شخصية توجه بالإنهاء بها.
كانت الدولة العثمانية في أول أمرها توجه لقب باشا بمعنى الأخ الأكبر على من يخدم الدولة والدين خدماً فائقة ولقب جاويش وآغا على من يخدم خدماً صغيرة ولما أصلحت الأمور العسكرية والملكية والعلمية في زمن السلطان أورخان ومن يليه من السلاطين أحدثت بعض رتب خاصة بالمناصب لا يتجاوز عددها الأربعة وهي (خوجكانلق) و (قهوجي باشيلق) و (ميرميرانلق) و (الوزارة) ولا يتجاوز أصحاب هذه الترب السبعين أو الثمانين في الغالب فرتبة الوزارة كانت توجه على الصدر الأعظم وعلى (توقيعئ ديوان همايون) وعلى (دفتر دار الشق الأول) يعني ناظر المالية وتوجه نادراً على عامل الولايات الكبرى المهمة وتعلو أقدار رجال الدولة (خواجكان) و (قهوجي باش) وتوجه رتبة (الروم إيلي بكلربكي) التي كانت لها صبغة عسكرية على المتخرجين من أصحاب رتبة (ميرميران).
كان لقب (سعادتلو) خاصاً بالسلطان إلى عهد سليمان القانوني ويخاطب الصدر رجال الدولة بلقب (عزتلو) ومع هذا كله كانت الرتبة توجه وقتئذ في مقابل خدمة مهمة. وفي سنة ١٢٤٨ أدخل بعض التغيير في الرتب والألقاب رتبة (أولى) مع لقب (سعادتلو) على (كتخدابكي) ناظر الداخلية أو مستشار الصدارة اليوم وعلى (رئيس الكتاب) وهو ناظر الخارجية وعلى ناظر (الضربخانة) وتوجه الرتبة الثانية مع لقب (عزتلو) على (أمين الترسانة) و (أمين دار المدافع) وعلى (الباش جاويش) يعني ناظر العدلية والضبطية وأمثالهم. والرتبة الثالثة مع لقب (فنوتلو) على أمناء المكوس وبقية رؤساء المأمورين. والرتبة الخامسة مع لقب (حميتلو) على مديري الأقلام ومميزيها.
وقسمت بعد ذلك التربة الثانية والثالثة إلى قسمين وجه أول منها على رجال الباب العالي والثاني على أرباب اللياقة من مأموري الولايات وقد أهملت منذ ربع قرن فروع الرتبة
стр. 2455
الثالثة كما أهملت في زماننا رتبة (خواجكان) و (قهوجي باشى) و (الخامسة). وفي سنة ١٢٥٥ سمي القسم الأول من الثانية متمايزاً وقسمت الرتبة الأولى إلى قسمين وسمي القسم الأول (أولى أولي) بالإضافة مع زيادة (حضرتلري) على الألقاب و (المشار إليه) بين العبارات وسمي القسم الثاني (أولى ثانيسي) وبالنظر لتكاثر سواد أصحاب الرتب الأولى وتجاوز عددهم الأربعين شخصاً أحدثت في سنة ١٢٦١ رتبة (بالا) مع لقب (عطوفتلو) ليكون خاصة بالرجال المحلين والممتازين على شرط أن لا يزيد عدد أصحابها على السبعة. اهـ
следующие страницы →