Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
فالخفض على الإضافة والنصب وعلى تقدير ما
وقال المعري في مكان آخر: وكان في النسخة هذه الأبيات التي أولها:
يا أمتا أبصرني راكب ... يسير في مسحنفر لاحب
والأبيات الثلثة منها مذكورة في أمالي قوم من العلماء المتقدمة ويجوز أن يكون غلط بها على أبي عبادة فنسبت إليه أو ظنها بعض الناس من شعر العرب فألحقها بما يحكى عنهم والبيت الثالث الثابت في هذه النسخة لا يوجد في الحكاية المتقدمة وقد اختلف في أشياء من هذا الجنس وربما حسد بعض فنسب شعره إلى المتقدمين ليُكاد بذلك وينقص من قدره. وحكى بعض الكتاب أنه رأى كتاباً قديماً قد كتب على ظهره أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب من الجآذر في زي الأعاريب. وذكر خمسة أبيات من أول هذه القصيدة وهذا كذب قبيح وافتراء بيّن. وإنما فعله مفرط الحسد قليل الخبرة بمظان الصواب غرضه أن يلبس على الجهال. وقد رويت أبيات أبي عبادة التي في صفة الذئب لبعض العرب ويجب أن يكون ذلك كذباً مثل ما تقدم في حديث البائية التي لأبي الطيب. وقد نسبوا الأبيات التي في صفة الذئب إلى عبد الله بن أنيس صاحب النبي ﷺ وهو من بني الترك راشد بن وبرة ولا ريب أن ذلك باطل والرواية التي يرويها أصحاب اللغة يجيئون بالبيتين الأولين فيجعلونهما من قول الجارية ثم يقول فأجابتها أمها:
الحصن أدنى لو تأَييته
على أن هذه الأبيات بعيدة من نمط أبي عبادة وإن كان الشاعر المغزر يجوز أن يأتي بكل فن من القول.
وقال المعري في الكلام على بيت البحتري الذي هو:
والحدود الحسان يبهى عليها ... جلنار الربيع طلقاً وورده
جلنار من أطراف كلام العامة وليس هو اسماً موجوداً في الكلام القديم ويجب أن يكون المراد به جل نار أي ما عظم من الجمر ثم كثر في كلام العامة حتى جعلوه كالاسم الواحد وأجروه مجرى الأسماء العربية غير المركبة. والشعراء والمولدون يعربون الراءَ فيقولون كأنه جلنار ورأيت جلناراً ولو أضافوه وقالوا جلَّ نار لكان أقيس ولو أنهم جعلوه بمنزلة حضرموت لوجب أن يقول هذا جلنار ورأيت جلنار ومررت بجلنار فلا يصرفون ولم
стр. 2382
يأخذوا به في هذا المنهاج بل أدخلوا عليه الألف واللام فقالوا الجلنار واجتروا على توحيده فقالوا جلنارة فأجروه مجرى تمر وتمرة وقال بعض المحدثين:
غدت في لباس لها أخضر ... كما تلبس الورق الجلنارا
ولا أعلم هذا الاسم جاء في شعر فصيح وإنما هو لفظ محدث وكأنه في الأصل جاء على معنى التشبيه شبهوا حمرته بحمرة الجمر وهو جل النار ثم تصرفوا فينقله وتغييره وقالوا في تسمية الطعام الفارسي نيرباج وزعموا أن نير بالفارسية رمان وفارس تنطق بالياء كأنها ألف والألف كأنها ياء فيجوز أن يكون نار في جل نار من هذا النحو فكأنهم أرادوا جل الرمان ويجوز أن يكون جل بلسانهم في غير هذا المعنى على أن لغتهم اختلطت بالعربية وصارت فيها حروف كثيرة من كلام العرب وهم يسمون الفارسية الخالصة الفهلوية والذين يتكلمون بها اليوم قليل تفتقر إليهم الملوك في تفسير سير المتقدمين.
وقال في كلامه على بيت:
أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند
أشبه ما يجعل المسند ههنا أن يكون في معنى خط حمير لأن مذهب الشعراء في ذلك معروف وإياه قصد أبو عبادة كما قال ذؤيب:
عرفت الديار كرقم الدواة يزبرها الكاتب الحميري
وكانوا يسمون خطهم المسند وسموا هذا الخط العربي الجزم لأنه جزم من ذلك الفن أي قطع وقد يحتمل أن يعنى بالمسند الحديث المسند أي هذه المنازل قد صار حديثاً يذكر.
وقال في الكلام على بيت:
يغضون دون الاشتيام عيونهم ... فوق السماط للعظيم المؤَمر
الاشتيام كلمة لم يذكها المتقدمون من أهل اللغة فإذا سئل من ركب البحر عنها قال البحريون الذين يسلكون بحر الحجاز يسمون رئيس المركب الاشتيام فإن كانت هذه الكلمة عربية فهي الافتعال من شام البرق لأن رئيس المركب يكون عالماً بشؤون البروق والرياح ويعرف من ذلك ما لا يعرفه سواء فكأنه سمي بالمصدر من اشتئام كما قيل رجل زور وهو مصدر زار ودنف وهو مصدر دنف وفي البحر سمكة تعرف بالاشتيام وهي عظيمة ويجوز أن يكون سميت برئيس المركب كأنها رئيسة السمك وإذا أخذ بهذا القول فهمزة
стр. 2383
الاشتيام همزة وصل وإن صار في البيت زحاف قد جرت عادته باستعمال مثله وإن كان الاشتيام كلمة أعجمية فألفه ألف قطع كألف إبريسم وإبرهيم ونحو ذلك. وقال في قوله:
إن أتبع الشوق أزراءً عليه فقد ... جافى من النوم عن عيني ما جافا
قوله أزراءً عليه رديءٌ وإنما المعروف أزريت به وزريت عليه وقد عابوا على ابن دريد قوله في رسالة الجمهرة إلى الأزراء على علمائنا وقد حكى بعض أهل اللغة أزريت عليه وليس بمعروف وإنما الفصيح أزري به كما قال الأعشى:
فإن تعهدي لامرئٍ ملةً ... فإن الحوادث أزرى بها
ومثل هذا ما صححه للبحتري في قوله: إذا استقلته جرد الخيل فقال أنها غير مستعملة وإنما المعروف إذا استقلت به ويقولون استقل القوم إذا ساروا غير متعد وإنما أراد بقوله استقلته أقلته ولو قال أقلته لاستقام الوزن ولعل أبي عبادة كذلك قال: كما أنكر عليه لفظة البرطيل الذي تستعمله العامة في معنى الرشوة وقال أنه لا يعرف في الكلام القديم وكذلك وردت لفظة الأطروش فيشعر البحتري فأنكرها المعري وقال أنه لا أصل لها في العربية وقال في:
أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل
يروى للرمسين على الجمع وكذاك التبعين ويروى بالتثنية والجمع أشبه لأنه قال أخواله فجمع وكذلك قال جدوده فإن تكون الأخوال والجدود لملوك كثيرة أشبه من أن تكون لملكين وموكل اسم موضع باليمن ويقال أنها دار مملكة جمير وهو مفتوح الميم والكاف وكذلك نقل أهل اللغة وكان أبو عمرو والزاهد يقول الموكل قبة الملك فإن كان ذلك شيئاً قديماً سمعه فقد يجوز أن يكون حمل على أن هذا الموضع يقال له موكل وهو مقر مملكة القوم والذي يتهم به أبو عمرو يتخرج كثير منه على هذا النحو وكأن قبة الملك تسمى موكلاً لأنه يقعد فيها ويكل أموره إلى الخدم والحشم وقدم هذه البلاد رجل من أهل نجران ممن يسكن في البادية فصيح ينتمي إلى زبيد من مذحج فسمع فتى في المكتب ينشد هذه القصيدة فلما انتهى بموكل كسر الكاف فقال النجراني موكل وكذلك حكاه أهل العلم.
وقال في كلامه على:
وكنا نرى بعض الندى بعد بعضه ... فلما انتجعناه دفعنا إلى الكل
стр. 2384
كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل وبعض وروى الأصمعي أنه قال كلاماً معناه قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً إلا في موضع واحد وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض وكان أبو علي الفارسي يزعم أن سيبويه يجيز إدخال الألف واللام على كل لا أنه لفظ بذلك ولكنه يستدل عليه بغيره والقياس يوجب دخول الألف واللام على كل وبعض وقد أنشد بعض الناس قول سحيم عند بني الحسحاس:
رأيت الغني والفقير كليهما ... إلى الموت يأتي الموت للكلى معمدا
هذه نموذجات من كتاب عبث الوليد وقد وقع في ٩٤ ورقة وحوى فوائد لغوية وأدبية قلما يعثر عليها في الكتب المتداولة وقد جاء في آخره تم الإملاء المعروف بعبث الوليد وهذه السمة موقوفة بين أمرين أحدهما أن يراد عبث الوليد الذي هو البحتري والآخر أن يعني الوليد الذي هو الصبي وكون الرجل سمي بالوليد يحتمل هذه التسمية.
стр. 2385
وصف الأسطول
كلما زهت طبيعة قطر وحف بضروب النعيم الصناعي والطبيعي تنفتق ألسن أبنائه في وصفه والميل إلى رباعه ولذلك تجد للشاميين في وصف إقليمهم من الأماديح ما لا تجده للعراقيين وما تجده للأندلسيين لا تراه لأدباء المصريين. والأندلس هي من البلاد التي زهت بنضرتها وتاهت بفطرتها ولذلك ترى شعراءها وكتابها أشبه بالأوربيين في مناحيهم الأدبية لهذا العهد ينطقون بوصف ما تقع عليه أبصارهم وما كانت تقع إلا على أثر في الحضارة وشيءٍ من العمران وإذ قد اضطرتهم الحال أن يخوضوا غمرات البحار كالفينيقيين أيام عزهم والبريطانيين في أيامنا كان لهم من أساطيلهم ما وصفه شعراؤهم فيما يلي.
قال ابن هانئ يصف الأسطول:
معطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا
إذا ما وردنا الماء شوقاً لبرده ... صدرن ولم يشربن غرقي صواديا
إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة ... يُرى عقرباً منها على الماء ماشيا
وقال أبو عمرو يزيد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي الكاتب:
ويا للجواري المنشآت وحسنها ... طوائر بين الماء والجو عوماً
إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيتَ به روضاً ونوراً مكمما
وإن لم تهجه الريح جاء مصالحاً ... فمدت له كفاً خضيباً ومعصما
مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ... على وجل في الماء كي تروي الظما
كما أسرعت عداً أنامل حاسب ... بقبض وبسط ينسبق العين وإنما
هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ... فهل صنعت من غندم أو بكت دما
قال ابن الأبار وقد أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد يصف أسطول المعتصم بن صمادح:
هام صرف الردى بهام الأعادي ... إن سمت نحوهم لها أجياد
وتراءت بشرعها كعيون ... أبها مثل خائفيها سهاد
ذات هدب من المجاذيف حال ... هدب باك لدمعه إسعاد
حمم فوقها من البيض نار ... كل من أرسلت عليه رماد
стр. 2386
ومن الخط في يدي كل رد ... ألف خطها على البحر صاد
قال ومن حسن قول شيخنا أبي الحسن بن حريق في هذا المعنى من قصيد أنشد فيه:
وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح خشية الطوفان
فإذا رأين الماء يطفح نضنفت ... من كل حرق حية بلسان
قال ولم يسبقهم إلى الإحسان وإنما سبقهم بالزمان على بن محمد الإيادي التونسي في قوله:
شرعوا جوانبها بجاذف أتعبت ... شادي الرياح لها ولما تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طوراً وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنَه ... ليل يقرب عقرباً من عقرب
وعلى جوانبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المذهب
وكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب
ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع:
ولها جناح يستعار يطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرب
يعلو بها حدب العباب مطارة ... في كل لج زاخر مغلولب
يسمو بآخر ذي الهواء منصب ... عريان منسرح الذوَّابة شوذب
يتنزل الملاح منه ذؤَابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب
وكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب
وكأنما جن ابن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواهم بينهم فتقاذفوا ... منها بالسن مارج متلهب
من كل مسجون الحريق إذا انبرى ... من سجنه أنضلت أنضلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأَنه ... صبح يكر على ظلام غيهب
ومن أولها: أعجب بأسطول الإمام محمد ... وبحسنه وزمانه المستغرب
لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المتعجب
من كل مشرفة عَلَى ما قابلت ... أشراف صدر الأجدل المتنصب
ومنها: جوفاء تحصر موكباً في جوفها ... يوم الرهان وتستقل بموكب
وقال أبو عمر القسطلي:
стр. 2387
وحال الموج بين بني سبيل ... يطير بهم إلى الصوب ابن ما
أفر له جناح من سباح ... يرفرف فوق جنح من سماء
وأخذه إسحاق بن خفاجة فقال:
وجارية ركبت بها ظلاماً ... بطير من الصباح بها جناح
إذا الماء اطمأن ورقّ خصراً ... علا من موجه ردف رداح
وقد فغر الحمام هناك فاه ... وأتلع جيده الأجل المتاح
قال المقري ولا يخفاك حسن هذه العبارة الصقيلة المرآة وقال ابن الأبار وقد قلت أنا في ذلك:
يا حبذا من بنات الماءِ سابحة ... تطفو لما سبّ أهل النار تطفئه
تطيرها الريح غرباناً بأجنحة الحمائم البيض للإشراك ترزؤه
من كل أدهم لا يلغى به جرب ... فما لراكبه بالقار يهنئوه
يدعى غراباً وللفتخاء سرعته ... وهو ابن ماءٍ وللشاهين جوء جوءه
وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول:
يا حسنها يوماً شهدت زفافها ... بنت الفضاءِ إلى الخليج الأزرق
ورقاءُ كنت أيكة فتصورت ... لك كيف شئت من الحمام الأورق
حيث الغراب يجر شملة عجبه ... وكأنه من غرة لم ينعق
من كل لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصانع المتأنق
شهدت لها الأعيان أن شواهناً ... أسماؤها فتصفحت في المنطق
من كل ناشيرةٍ قوادم أجنحٍ ... وعلى معاطفها وهادق سودق
زأرت زئير الأسد وهي صوامت ... وزحفن زحف مواكب في مأزق
ومجاذفٍ تحكي أراقم ربوة ... نزلت لتكرع من غدير متألق
وقال القسطلي في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر من قصيدة:
تحمل منه البحر بحراً من القنا ... يروع بها أمواجه ويهول
بكل محالات الشراع كأنها ... وقد حملت أسد الحقائق غيل
إذا سابقت شأو الرياح تخيلت ... خيولاً مدى فرسانهن حيول
стр. 2388
متحالب تزجيها الرياح فإن وقت ... أطافت بأجياد النعام فيول
ظباء فلاة ما لهن مفاحص ... وورق حمام ما لهن هديل
سواكن في أوطانهن كأن سما ... بها الموج حيث الراسيات نزول
كما رفع الآل هوادج بالضحى ... غداة استقلت بالخليط حمول
أراقم تحوي نافع السم ما لها ... بما حملت دون العداة مقيل
стр. 2389
العربية والتركية
أصيبت الأمة بعد سقوط دولة بني العباس بفتور غريب في العلم والآراء لما عايشته من أهاويل الحروب والفتن. ولما قامت الدولة العثمانية فجمعت تحت لوائها الأقطار المختلفة نظرت إلى الأقطار العربية من الوجهة السياسية ولم تعن بها ولا بغيرها من الوجهة العلمية الاجتماعية شأنها في عامة أدوارها وأقطارها ولم يشذ عن ذلك إلا مصر فكانت أشبه بمملكة مستقلة حتى بعد استيلاء العثمانيين عليها. وبعيد أن قامت الدولة تؤسس لها مدارس في العاصمة والولايات لتعلم العلوم الحديثة وتستبدل النور بالظلمة والعلم بالجهل قام محمد علي والي مصر فنزع القطر المصري من المماليك في الظاهر ومن الدولة في الباطن وأنشأ فيه مدارس عربية وتوفر بدلالة جماعة من مستشرقي الفرنسيس النبهاء على ترجمة الكتب العلمية من اللغات الأوربية فانتعشت اللغة العربية في مصر فقط وظلت كهف العرب عنها يأخذون علومهم وموطن الطباعة والكتب والصحف وبأنوارها يستضيئون وذلك لغناها العظيم وتاريخها المجيد القديم.
بقي الأمل في نهوض العربية محصوراً في مصر لأن الشام والعراق والجزيرة والحجاز واليمن ونجد وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش أمست في فتور. وقد أنشئت في تونس وسورية بعض المدارس والمطابع تدرس بالعربية وتطبع اللازم من الكتب العربية لكنها لم يمضِ على تأسيسها بضع سنين حتى أطفئت شعلتها بما أصاب سورية من بلاء المراقبة وما أصاب تونس من الاحتلال الفرنسوي. والمراقبة واحتلال الغريب مما يقتل روح العلم وينزع حياة النهضة القومية. وقد أوشكت مصر أن تصاب بضعف لغتها لما احتلها الإنكليز لولا أن قامت الأمة وطلبت جعل العربية لغة المدارس الابتدائية والثانوية فلم تر الحكومة بدّاً من إجابة طلبها.
أما هذه الديار فكان أول ما انصرفت إليه الوجوه بعد إعادة القانون الأساسي العثماني مسائل التعليم فالتركية لسان الدولة الرسمي تريد أن تعلمه جميع العناصر العثمانية ليجيء منهم في المستقبل مزيج واحد وتقوي وحدتهم السياسية. وقد نشرت نظارة المعارف برنامجها ولم نشهد فيه ذكراً للعربية في المدارس الابتدائية والثانوية والعالية بل قالت أن تعليم العلوم التركية للذكور والإناث وللصغار والكبار وللعرب والترك والروم والأرمن والبلغار والأرناؤد حتى أن المبادئ البسيطة التي سمحت تعلمها من العربية تدرس في كتب
стр. 2390
ألفها أتراك باللغة التركية. فأدرك بعض الباحثين في أحوال البلاد والعناصر أن غرض الحكومة من هذه الخطة (تتريك) العرب وغيرهم وهو عمل إذا كان نافعاً من حيث السياسة فلا نفع فيه من حيث الاجتماع والعلم خصوصاً بعد أن رأينا أصغر الشعوب الأوربية تحافظ على لغتها الأصلية محافظتها على أعراضها وأموالها وأرواحها.
لا بد للحكومة أن تجعل التعليم إجبارياً في المملكة فإذا جعتله باللغة التركية ولم تراع حالة كل قطر ولغة أهله تسوء العاقبة ولا تأتي الشجرة التي تريد غرسها الآن بثمرة جنية بل يكون شأن البلاد العقم في العلم والفكر ومن لم يتعلم العلوم بلغته هيهات أن يأتي منه عضو يفيد أمته وبلاده. وإذا فعلت الدولة ذلك الآن فتكون في عهدها الدستوري أظلم منها في عهدها الاستبدادي وتكون حكومة مصر أرفق بأهل مصر من حكومتنا بنا لأنها منا فينتظر عن يدها الكثير وتلك ليست منهم وكل شيء تأتي به يعد كبيراً.
وبعد فإن كانت الحكومة العثمانية لم تنشط اللغة العربية في الماضي مع أنها لغة الدين والآداب والحضارة فهي لم تضع العقاب في سبيلها مباشرة ولكن الغلطة الفظيعة التي ارتكبتها ولا يغفرها لها التاريخ هو أن القائمين بأعبائها منذ البدء جعلوا اللغة التركية لغة الدولة الرسمية خلافاً لما جرت عليه دول الإسلام السالفة كدولة المصامدة البربر في الغرب الأقصى والأدنى ودولة الجراكسة في مصر والشام ودولة آل سلجوق التركية في العراق وشبه الجزيرة ودولة بني بويه الفارسية ودولة آل أيوب الكردية في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها من الدول التي طرحت لغاتها وعمدت إلى اتخاذ اللغة العربية لغة الحكومة والدولة الجراكسة والبربر والفرس والأكراد والأتراك يتخلون عن لغاتهم مختارين ولا يستعملون في الرسميات غير العربية لغة البيان والعلوم أما الترك فجروا على غير سنة الدول السالفة فلم يروا من المصلحة تعلم لغة عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها واكتشفوا بلغة ملفقة بدوية ما برحوا يتوفرون منذ قرون على إصلاحها وهيهات أن تكون كما يحبون.
ولما جاء السلطان سليم الفاتح مصر والشام وكان على شيء من المعرفة يحسن العربية كما يحسن الفارسية والتركية أحب أن يتلافى الغلط الذي سارت عليه دولته وأن يجعل اللغة العربية لغتها الرسمية أسوة الدول الإسلامية البائدة فقام عليه بعض ضعاف العقول من أهل
стр. 2391
دولته وأرادوه على العدول عن رأيه مخافة أن تندثر لغتهم بل تخلصاً من أن يتعلموا لغة غيرها فكان عملهم هذا من جملة السدود التي حالت دون آل عثمان وبسط أيديهم على الممالك الإسلامية المجاورة لهم واللغة العربية أعظم رابطة بين المسلمين.
ولقد كانت الدولة ولا تزال تعلم في مدارسها الرسمية العربية كما تعلم الفارسية وذلك لأن التركية مزيج من هاتين اللغتين وبدون معرفة قليل من اللغتين لا يتأتى لتركي أن يكتب كتابة صحيحة في لغته فكان شأنها من بعض الوجوه شأن المدارس في أوربا لا تزال إلى اليوم تعلم اللاتينية واليونانية لأنهما أصل لغات أوربا وإن كانتا بادتا أو كادتا. ولكن مدارس أوربا أخرجت كتاباً بهذين اللغتين ولم نعهد من مدارس الحكومة العثمانية كاتباً بالعربية أو الفارسية. هذا والتركية ليست لغة دين ولا لغة علم ولا لغة حضارة قديمة ولا مدنية معروفة كالعربية التي شهد أهل الأرض بأمجاد أهلها وحضاراتهم. ومن الغريب أنه لم ينبغ في الدولة العثمانية كاتب عربي من أصل تركي على حين نبغ وينبغ من الفرس والأكراد وغيرهم أناس يؤبفون بالعربية فتحسبهم عرباً خلصاً. وإنك لتقرأ العجمة في كلام ابن كمال باشا وكاتب جلبي وطاشكو بربلي وغيرهم من الأتراك الذين عانوا القلم العربي وعدوا في المصنفين ما لا تقرأوه في كلام الراغب الأصفهاني وأبي بكر الخوارزمي وحجة الإسلام الغزالي بل إن هؤلاء على منشأهم الفارسي كانوا أئمة الإنشاء العربي.
إذا تعلم أبناؤنا اليوم على الطريقة التركية لا يلبثون أن يجيئوا أتراكاً ويتقنوا التركية كأرقى أبنائها وبذلك لا يخدمون أبناء لغتهم أدنى خدمة وقد رأينا معظم الذين تعلموا من أبناء سورية والعراق في المدارس الرسمية لا يحسنون التكلم بالعربية العامية فضلاً عن أن يكتسبوا سطرين صحيحين بلغتهم بل ربما رأيتهم يمزجون المصطلحات التركية وبعض الألفاظ التركية بينما هم يكلمونك بالعربية فكأن شأنهم في هذا شأن أكثر التوانسة والجزائريين من سكان المدن يتكلمون بعربية تكاد تكون أقرب إلى الإفرنجية لما خالطها من الألفاظ الإفرنسية والإسبانيولية والطليانية.
وقد رأى بعض العقلاء أن أحسن حل لمسألة اللغة العربية في المدارس الرسمية وسلمه عاقبة على أجيال الدولة المختلفة هو أن يجعل تدريس العلوم المادية كلها باللغة العربية كالطبيعيات والرياضيات والفلك والكيمياء والطب وأن تجعل العلوم السياسية كلها باللغة
стр. 2392
التركية كالجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والحقوق والاجتماع وبذلك لا يقع حيف على العرب وهم نصف الدولة أو يزيدون ولغتهم أفضل لغات سائر العناصر العثمانية. والمستقبل كفيل بحل هذه المعضلة العلمية.
стр. 2393
ضراء العلماء
يلد الإصلاح بادئَ بدءٍ غريباً لا يأنس به إلا ذوو الاستعداد الفطري للمبادئ العالية وأبناء العلم والتهذيب من رجال الأمة والبقية منهم يناهضونه إما بدافع جهلهم وتعصبهم أو لعدم انطباقه مع ما ينزعون إليه من التقاليد التي وجدوا عليها آباءهم ولهذا تعترضه قبل أن يدرج من عشه قوتان متناقضتان: الواحدة تسعى لإنمائه والأخرى تعمل على تلاشيه ويساعد الثانية في الغالب مال وخول في ملك ضخم البنيان وجاء منبسط الظلال. . .
بين هاتين القوتين تشهر حرب شعواء يضطرب لها فلك الإصلاح ولا بد أن تنجلي وقد أزهق الحق الباطل لأن القوة الحقيقية بجانبه. ولقوة الحق حركة كبرى في ميدان تنازع البقاء.
إلا وأن أنصار الباطل كانوا وما زالوا في كل عصرٍ ومصر يوقظون الفتنة ويضرمون جذوة الثورة فيقومون بدعوى الغيرة على الدين مرة وخدمة النفع العام تارة أخرى وما يريدون بذلك كما يشهد الحق إلا منافعهم الشخصية فهي قبلة آمالهم التي يولون شطرها وكعبة أميالهم التي يسوقون نحوها مطايا همهم وهممهم.
وليس أضر شيئاً على العلم والدين من هؤلاء فبمثلهم كسد سوق العلم وراجت بضاعة الجهل المزجاة وهم بما يختلقونه من الأوهام مثلوا الدين بأقبح صورة مشوهة يفر منها الناظر فرار السليم من الأجرب وفسحوا للدين مجالاً واسعاً أمام الأغيار فأخذوا يسلقونه بالسنة حداد وينزلونه في غير المنزلة التي وضعها السلف الصالح أيام كانوا على بيضاء نقية لا يضرهم من خالفهم إذا كانوا هم المهتدين.
منيت الأمم الإسلامية جمعاء بمثل هؤلاء منذ ثلاثة عشر قرناً أو ما يزيد. بيد أنه مع وجود هذه الطغمة بين ظهرانيهم وارتفاع جلبتهم وضوضائهم وعملهم على إطفاء شعاع الأماني الذهبية في مهب تلك العواصف لم تعدم رجالاً توفرت على الأخذ بناصر الحق وسلبت قرارها رغبة فيشد أزره ممن تمحضوا للعلم الخالص واغترفوا من معينه وشلا فكانت القوة بجانبهم ينافحون بها أعداء العلم الألداء ويكافحونهم والغلبة لهم وإن تألبت عليهم الجموع الكثيفة وتحلقت أمامهم الصفوف كالبنيان المرصوص ممن تجمعهم جامعة الجهل تحت لواء الحسد اللئيم.
شهد شيخنا التاريخ منذ نشأ الفكر البشري هذه الأعمال البربرية ولم تزل صفحاته ندية بعد
стр. 2394
فلم يجف ما أريق من الدماء في سبيل نصرة الحق ولم يتبخر ما أذرف من الدموع الصافية المصدر والمورد على تلك العقول الرصينة التي بينما ترصد فضاء السماء الفسيح إذا بها تفحص أعماق هذه الأرض وتجتهد في استكناه أسرار الحياة المطوية طي كتل تلك الطبقات الصماء. وها هو قد حشد في صدره ألوفاً مؤلفة ممن ذهبوا ضحية الجهل والحسد ما لو جمع وأُفرد بمؤَلفات خاصة لأخرجت للناس مجلدات ضخمة في محكمة التفتيش الإسلامية الكبرى.
وليس بالنزر القليل ما نال الأئمة المصلحين من النكبات التي يسود لها وجه الإنسانية فكم كفر من هو أشد تمسكاً بدين الله وأتوا على من هو أعظم اعتصاماً بحبله المتين وحكم بالزندقة على من كان يحارب الدهريين وضلل من كان يجاهد في سبيل الشرك واضطهد من كان يعمل فكرته للاجتهاد والعمل في كتاب الله وسنة رسوله.
ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد فلم يتخطوا دائرة الإنسانية بتمثيلهم عباد الله المصلحين أقبح تمثيل وضربهم بالأسواط حتى تشل الأطراف أو تعتل إحدى الأعضاء فتفقد وظيفتها وسلخهم جلودهم وهم أحياء مما لم يعهد نظيره إلا بين ظهراني الأمم العريقة في التوحش والعمجية.
وأمامي الآن كثيرٌ من أمثال تلك الحوادث في بطون عدة من التواريخ التي تضم تراجم مشاهير المشارقة والمغاربة آتي على شيءٍ منها مقتصراً على رجال الفريق الأول ممن ذاقوا الأرم ولقوا من معاصريهم إلا لاقي لقآء بث فكرةٍ إصلاحية أو القيام بمشروع جديد ليعلم أن التاريخ هو المحشر الذي ينسل إليه الناس من كل حدب وأنه لا يفلت أحداً دون أن يناقشه الحساب:
هذا مالك بن أنس سعي به إلى جعفر بن علي بن عم أبي جعفر المنصور فدعا به وجرده وضربه سبعين سوطاً ومدت يداه حتى انخلع كتفاه وذلك جزاء قوله الحق حين سئل عن مبايعة محمد بن عبد الله بن حسن وقولهم له: إن في أعناقنا مبايعة أبي جعفر فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد فسعى به فضرب لذلك.
قال صاحب الفلاكة: ثم لم يزل بعد في علو ورفعة كأنما تلك السياط حلياً تحلى بها. وهذا أبو حنيفة النعمان الفقيه الكوفي ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة الفرازي وكان أمير
стр. 2395
العراقيين مائة سوط وعشرة أسواط وكل يوم عشرة أسواط أيضاً وذلك لما أراده لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى وبقي على الامتناع وسجنه فتوفي في السجن في أحد القولين. وقيل: أن سبب سجنه الأبدي ما ذكره الزمخشري وهو من كبار الحنفية في تفسير آية: لا ينال عهدي الظالمين إن أبا حنيفة ﵀ كان يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه. وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل فقال: ليتني مكان ابنك وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على بناء آجره لما فعلت اهـ. وحينئذ بعلم الباحث المدقق أن سبب سجنه أمر سياسي.
ومثله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي أمر المعتصم بضربه فأخذ وجيء بالعقابين والسياط وضربه ضرباً مبرحاً حتى أغمي عليه وغاب عقله ثم أمر بإطلاقه إلى أهله فنقل وهو لا يشعر وذلك أنه أبى أن يقول خلاف ما يعلم أو يعتقد حين أجلسه المعتصم ودعاه إلى القول بخلق القرآن فامتنع وقال للمعتصم ما قال ذلك ابن عمك رسول الله ﷺ . فقد دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن القرآن علم الله ومن علم أن علم الله مخلوق فقد كفر. فناظره أحمد بن أبي دؤاد وغيره وأنكروا عليه الآثار التي أوردها وقالوا للمعتصم هذا كفرك وأكفرنا وقال له إسحق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين فعند ذلك حمي واشتد غضبه وكان ما كان.
وكذلك يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي كان الشافعي يسأل عن الشيء فيحيل عليه فإذا أجاب قال: هو كما أجاب وقال عنه الشافعي هو لساني حمل إلى بغداد في أيام الواثق بالله من مصر وفي عنقه غل وأرادوه على القول بخلق القرآن فامتنع ومات بالسجن في قيوده.
وضم إلى هؤلاء الأئمة من أساطين العلم والعمل من لم يرفعوا الأعمال المفسدين رأساً ولم يقيموا لها وزناً وليس ما أصابهم من المصائب بأقل مما نال الأغمار من معاصري الأخير أن تألبوا عليه وكادوه واستظهروا عليه بالأمراء فأحرقوا كتبه الثمينة ومصنفاته وفي ذلك
стр. 2396
قال:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القطراس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل أن أنزل ويدفن في قبري إلخ.
وإنك لترى العجب العجاب حينما تأتي على تراجم المشاهير وما تجد في غضونها من المحن والإحن التي قصد من إيقاعها بهم غمط فضلهم والحط من كرامتهم ووضعهم أمام سيل شهرتهم الجارف سوراً من الجمود أركانه التعصب الأعمى ودعائمه الجهل المطبق.
ولقد أفضت ضراء العلماء والوقيعة بهم إلى الطعن بالمذاهب وقيام طائفة على أخرى كلما لاح لها من الفرصة بارق. ومن ذلك قيام الأكابر على محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين الملقب بلقب أبيه جمال الإسلام وحدهم له فإنهم خاصموه واستظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والمنع عن الوعظ والتدريس وعزلوا من خطابة المجامع وتبع من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع فخيلوا إلى ولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموماً وبالأشعرية خصوصاً قال السبكي: وهذه هي الفتنة التي طار شررها وطال ضررها وعظم خطبها وقام في أهل السنة خطيبها فإن هذا الأمر أدى إلى التصريح يلعن أهل السنة في الجمع وتوظيف سبهم على المنابر وضار لأبي الحسن الأشعري بها أسوة بعلي بن أبي طالب ﵁ واستعلى أولئك في المجامع فقام أبو سهل في نصر السنة قياماً مؤَزراً إلخ. . .
ومما يجدر ذكره في هذا الباب من المتأخرين الشيخ عبد الغني النابلسي فإن أهل الشام تألبوا عليه ووصموه بوصمات لم تكن من الشيخ ﵀ في شيء. وما دعا أولئك الرعاع إلا حسدهم لمنزلة الشيخ حتى اضطروه إلى مغادرة دمشق والسكنى بالصالحية حيث دفن ثمة. وفي ذلك يقول من قصيدة مطلعها:
يا من تكلم فينا بالذي فيه ... وقعت في كف ضرغام وفي فيه
إلى أن قال:
فقد جحدت الغيور الحق ملته ... هيهات أنك تنجو من أياديه
وإن جهلت فما بالكفر يعذر ذو ... جهل لذي الشرع والشيطان يطغيه
دم في ظنونك مفتوناً فسوف ترى ... من الذي منه قبح الفعل يرديه
стр. 2397
ولا تقل أي جاهٍ للضعيف يرى ... فإن للبيت رباً سوف يحميه
يا مستبيحين أعراضاً محرمةً ... بسوء ظن وتلبيس وتمويه
أهكذا ملة الإسلام تأمركم؟ ... أم قد سلكتم عن الإسلام في تيه؟
تباً لكم ولمن قد عاد يتبعكم ... والعبد مولاه في الأعداء يكفيه
وبعد فإن التاريخ يعيد نفسه والحوادث لا تفتأ تتعاقب على ممر الأيام وإن الحال صورة من الماضي وإن طرأ عليه من مؤثرات التجديد ما أدخله في طور جديد ولا يخلو كل عصر من شرذمة نفاق واختلاق حتى في هذا العصر يعترضون كل عمل نافع يقوم به المصلحون في مصر وسورية والعراق ويعينهم فيما يطلبون تلكم الرعاع الذين هم أتباع كل ناعق.
ألا فليعلم أولئك الأغرار أن موت المصلحين في سبيل نصرة الحق بعث ونثور وأن رمي الآخرين بالكفر والزندقة هو حياة لهم وذكرى. ولقد كانت لأولئكم الجهلة الأغمار حياة مادية ولكن كانوا يتجرعون منها الحنظل ويموتون في كل يوم مراراً. وكانت لهؤلاء العلماء المصلحين شعلة حياة مادية أطفأها الحسدة فحلت محلها حياةٌ أدبية مملوءةٌ ضياءً ونوراً! دمشق ـ
صلاح الدين القاسمي
стр. 2398
شرف الموسيقى
كل شيءٍ يشرف ويوضع بشرف القائمين به ووضاعتهم وكل علم يشرف ويوضع على نسبة اعتبارية من فائدة تتوقع منه وغاية تكون وراءه وصناعة الموسيقى هي من إمارات الظرف تعدُّ عند الأمم الحديثة المتحضرة من الفنون الجميلة كما كان يعهدها العرب إبان حضاراتهم من الكماليات.
قال ابن خلدون والغناء يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي ثم إلى الكمالي وتفتنوا فتحدث هذه الصناعة لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجياته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفتناً في مذاهب الملذوذات وكان فيسلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم وكان ملوكهم يتخذو ذلك ويولعون به حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة ولهم مكان في دولتهم وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها.
قال وأما العرب فكان لهم أولاً فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاءً متساوية لم يزل هذا شأنهم في بداوتهم وجاهليتهم فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته فيترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك كثيراً ما ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب خاثر مولى عبيد الله بن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وجادوا فيه وطار لهم ذكر ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن سريج وأنظاره وما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم وابنه إسحق وابنه حماد.
قال وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأثنى له الجوائز
стр. 2399
والإقطاعات والجرايات وأحله من دولته وندمائه بمكان فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف. وطما منها بإشبيلية بجر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد الغدوة بإفريقية والمغرب وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها. وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح وهو أيضاً أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه.
وقال ابن خلدون أيضاً: ولقد عذلت يوماً بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه وأخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي وأعرض.
هذه زبدة تاريخ الغناء أو الموسيقى في العرب وطرف مما كان من عناية ملوك الإسلام بها أيام الحضارة ولقد انتشرت بعد حتى صار يتعلمها بعض أهل العلم من غير نكير وشرفت بإقبال الكبراء عليها بحيث لم تكن في شرفها دون غيرها من العلوم. فقد ذكر بن أبي أصيبعة أن الفارابي المعلم الثاني وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات وله كتاب الموسيقى الكبير ألفه للوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي وكتاب في إحصاء الإيقاع وكلام له في النقلة مضافاً إلى الإيقاع كلام في الموسيقى.
ويحكى أن القانون الذي يضرب عليه للطرب هو من وضعه وأنه كان أول من ركب هذه الآلة تركيبها المعهود اليوم.
وألف يعقوب بن إسحق الكندي فيلسوف العرب في الموسيقى فكتب رسالة في ترتيب النغم الدالة على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف ورسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى ورسالة في الإيقاع ورسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى ومختصر الموسيقى في تأليف النغم وصنعة العود ألفه لأحمد بن المعتصم ورسالة في أجزاء جبرية الموسيقى. وألف أحمد بن الطيب السرخسي العالم الحكيم كتاب الموسيقى الكبير ولم يعمل
стр. 2400
مثله كما ألف كتاب نزهة النفوس ولم يخرج باسمه وكتاب اللوم والملاهي ونزهة المفكر الساهي في الغناء والمغنين والمنادمة والمجالسة وأنواع الأخبار والملح صنفه للخليفة.
وألف ثابت بن قرة كتاباً في الموسيقى ورسالة إلى علي بن يحيى المنجم فيما أمر بإثباته من أبواب علم الموسيقى ورسالة إلى بعض إخوانه في جواب ما سأله عنه من أمور الموسيقى. وكان أبو بكر محمد بن طفيل من فلاسفة المسلمين في الأندلس يأخذ رواتب كثيرة مع الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد وغيرهم ويقول لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عندهم.
وكان ابن باجة الفيلسوف الأندلسي على جلالة قدره متقناً لصناعة الموسيقى جيد اللعب بالعود قال ابن سعيد أن ابن باجة في الموسيقى بالمغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد. وكان ابن يونس المنجم المشهور يضرب بالعود على جهة التأدب. وكان أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين يعرف الموسيقى ويلعب بالعود ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات وعمل أرغناً وبالغ في إتقانه. وكان أبو زكريا يحيى البياسي من أفاضل العلماء جيد اللعب بالعود وعمل الأرغن أيضاً وحاول اللعب به وكان يقرأ عليه علم الموسيقى. وكان أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي العالم الرياضي الطبيب متقناً لعلم الموسيقى وعمله جيد اللعب بالعود. وكان أبو الحكم الأندلسي الطبيب الشاعر يعرف الموسيقى ويلعب بالعود. وكان الحرث بن كلدة الثقفي أحد أطباء العرب يضرب بالعود تعلم ذلك بفارس واليمن. وكان قسطاً بن لوقا البعلبكي العالم الفيلسوف بارعاً في علم الموسيقى. وكان أمين الدولة بن التلميذ يحب صناعة الموسيقى وله ميل إلى أهلها. وكان صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر العالم المفنن عالماً بالموسيقى.
وكان نجم الدين بن المنفاخ المعروف بابن العالمة لأنه أمه كانت عالمة بدمشق وتعرف ببنت دهين اللوز فاضلاً في الأدب والطب وله معرفة بالضرب بالعود استوزره الملك مسعود صاحب آمد وحظي عنده. وكان فخر الدين بن الساعاتي الفلكي الفيلسوف الطبيب خدم بني أيوب وتوزر للملك العادل والملك المعظم وكان ينادم هذا ويلعب بالعود. وكان رشيد الدين بن خليفة الطبيب العالم أعرف أهل زمانه بالموسيقى واللعب بالعود وأطيبهم
стр. 2401
صوتاً ونغمة حتى أنه شوهد من تأثر الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن أبي نصر الفارابي فكثر إعجاب الملك المعظم به جداً وبعد ذلك أخذه إليه واستمر في خدمته.
وذكر ابن خلكان أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور كان في شبيبته يضرب بالعود ويغني فلما التحى وجهه قال كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف فنزع عن ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة.
وكان أبو الحسين علي بن الحمارة آخر فلاسفة الأندلس آخر من برع في الألحان وعلمها وهو من أهل غرناطة قال في نفح الطيب واشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعراء فيقطع العود بيده ثم يصنع منه عوداً للغناء وينظم الشعر ويلحنه ويغني به فيطرب سامعيه. وكان الفاضل أبو الحسين بن الوزير أبي جعفر الوقشي آية في الظرف والموسيقى والتهذيب وشيخه في هذا الفن أبو الحسين بن الحسن بن الحاسب كان ذا ذوق فيها مع صوت بديع أشهى من الكأس للخليع قال أبو عمران بن سعيد ما سمعته إلا تذكرت قول الرصافي:
ومطارح مما تجس بنانه ... لحناً أفاض عليه ماء وقاره
يثني الحمام فلا يروح لوكره ... طرباً ورزق بنيه في منقاره
وكان محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف اهل الأندلس بالعلوم القديمة المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب فيلسوفاً طبيباً ماهراً يقريء الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها ولما تغلب الإفرنج على مرسية عرف له حقه فبنى له مدرسة يقريء فيها المسلمون والنصارى واليهود قاله في النفح.
وعلى الجملة لم تكن صناعة الموسيقى بالمنزلة التي يصورها أهل جيلنا من الغضاضة والضعة بل عرف بها أناس من أهل الصيانة والعلم وما كان كل من تعاطى صناعة الغناء عارياً من سائر العلوم فقد كان إسحق بن ابراهيم الموصلي نديم الخلفاء وشيخ الغناء ومع هذا كان من العلماء باللغة والشعر وإخبار الناس وله يد طولى في الحديث والفقه والكلام وكان المأمون يقول لولا ما سبق لإسحق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه مع أنه أصغرها عنده.
ومثل هذا ما وقع لقاضي إشبيلية أبي بكر القاضي أبي الحسن الزهري فإنه كان كثير
стр. 2402
اللعب بالشطرنج لم يكن من يلعب به مثله في بلده قال فكانوا يقولون أبو بكر الزهري الشطرنجي فكان إذا بلغني ذلك أغتاظ ويصعب عليَّ فقلت في نفسي لا بد أن أشتغل عن هذا بشيءٍ غيره من العلم لا نعت به ويزول عني وصف الشطرنج وعلمت أن الفقه وسائر الأدب ولو اشتغلت به عمري كله لم يخصني منه وصف أنعت به فعدلت إلى أبي مروان عبد الملك بن زهر واشتغلت عليه بصناعة الطب وكنت أجلس عنده وأكتب لمن جاء مستوصفاً من المرضى الرقاع واشتهرت بعد ذلك بالطب وزال عني ما كنت أكره الوصف به وهذا هو السبب والله أعلم في إخفاء كثير من أهل الوقار والعلم أنهم على جانب من علم الموسيقى والضرب على العود وغيره من أنواع الملذوذ ولولا التقية لانتهى إلينا أسماء كثير ممن تبلغنا عنهم سوى أخبار العلوم المتعارفة على أن الشرف كله اعتباري ولا مانع من الغناء والتلحين إذا لم يتبعهما التلطخ بحمأة السفاهة والرذيلة.
أما الملوك والأمراء الذين عنوا بالموسيقى قديماً فأكثر من أن يحصوا منهم يزيد ابن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك وأبو عيسى بن الرشيد وعبد الله بن موسى الهادي وابراهيم بن عيسى بن جعفر المنصور ومحمد بن جعفر المقتدر والمتوكل والمهدي والمؤيد وطلحة الموفق والطائع والمقتدر وابن المعتز وغيرهم من الملوك المتأخرين والله أعلم.
стр. 2403
قوى النساء
كتب باولو لومبروز العالم الإيطالي مقالة في المجلة الباريزية قال فيها ما تعريبه: حكم الناس منذ قرون بأن الرجل من الجنس القوي والمرأة من الجنس الضعيف. فجميع مظاهر النشاط والمتانة والقوة الطبيعية من امتيازات الرجل. عضلاته كالفولاذ ويحمل السيف ويحارب ويتسلق الجبال الخطرة ويتحشم البحار وهي في أشد أنوائها ويرى الموت وجهاً إلى وجه.
أما المرأة اللطيفة المزاج فإنها ترى أن قصم ساق زنبقة يعد منها قوة فهي التي يغمى عليها وهي جالسة على الكرسي وتصرخ مذعورة إذا رأت عنكبوتاً أو فأرة. فلذا يسأل السائل من أين تنبعث قوتها أي جوهر شجاعتها ومقاومتها ورباطة جأشها على أن المرأة في الغالب تظهر بمظهر الغيرية والإخلاص وسلامة العقل وإنكار النفس والمفاداة وكل ما يعرف به الإنسان الخارق للعادة.
القوة والمتانة الطبيعية هما أساس القوة الأدبية وشرط لازم لهما وقد أبان التاريخ والإحصاء والبحث بأن المرأة ليست دون الرجل في المقاومة الطبيعية للأمراض والأوجاع والأتعاب فإنا نرى النساء المتوحشات البربريات يقمن بأشق الأعمال فيحرثن الأرض ويطحنّ الحب ويحملن الأثقال بيناهن مرضعات أو حاملات.
ومن الغريب إنا نرى الضعف في النساء والقوة في الرجال عند بعض الشعوب المتوحشة على صورة معكوسة فنرى المرأة عندهم تضع ولداً فلا تلبث أن تنهض وتتولى في الحال أعمالها على حين يبقى زوجها في الفراش كالنفساء وهذا مما دلّ على مضائها الغريب.
وإنا لنرى النساء في بلاد الهرسك يقرنَّ بالسكة بدل البقر كما نراهن في بلاد الألب ينقلن أحمال العلف عوضاً عن البغال.
وليس من رياضة مهما صعبت واقتضت صاحبها من الجرأة والثبات والشجاعة إلا قامت به المرأة بنشاط وبرزت في مضاميره أي تبريز. فنراها تركب الخيل وتسبح وتلعب بالسيف وتركب الدراجة وترتاض في الجبال وكل ذلك مما يقتضي له عدا أعصاب من حديد ومقاومة فائقة حضور ذهن وحذر واحتقار للموت أي ما لا يمكن القيام به إلا إذا اتفقت القوة الطبيعية مع القوة الأدبية.
وهناك أحوال كثيرة لا ندعوها رياضة لما يقتضي لها من النشاط والشجاعة والثبات في
стр. 2404
المرأة ونعني بذلك اكتشاف البلاد الجديدة لما فيها من المخاطر وما ينبغي لدخولها من الجرأة. ومن الناس من يظن أن مجد الاكتشاف لا يحرزه إلا الرجال على حين هناك عدد كبير من النساء المكتشفات والسائحات اللائي لم يهبن الأخطار واستهنّ بكل ما ينبغي للنجاح.
فقد رأينا العقيلة كودرو طافت مع زوجها أقطار غويانا الموبوءة واجتازت نهر البرازيل المأهول بالهنود ومات زوجها سنة ١٨٩٩ فلم تكن أقل منه مثابرة على السياحة وحدها. وليفنكستون وهو أعظم سائح إفريقي في عصرنا كانت ترافقه زوجته في أكثر رحلاته وهي التي أنقذته من الهلاك في شوبانكا وقضت كالأبطال وهي لا تريد أن تغادره في الزامبين. وقد اكتشف بكير سنة ١٨٦٤ نهرت ألبرت نيانزا وكانت زوجته اكبر مساعدة له بجرأتها ونشاطها. وصحبت جوزفين بري زوجها سنة ١٩٠٢ إلى القطب الشمالي وهي على قلة ما لقيته من الرفاهية في تلك الرحلة استطاعت أن تربي لها ولداً. ورافق كنود رامومسين أخواته في رحلته إلى غروانلاندا. وطاف بوتانين الروسي وأجفالفي المجري مع زوجتيهما في آسيا الوسطى وكانت زوجة الثاني باريزية الأصل والرتبية فكتب لها السيد أن تعود إلى أوربا فوضعت لها كتاباً بديعاً في رحلتها أما زوجة الأول فبقيت إلى الآخر وقضت وهي لا تخاف دركاً ولا تخشى.
وإن ما حدث لرينهارد زوجة السائح المبشر كان من المدهشات حقيقة فقد كانت ترافق زوجها مع ولد لها في بلاد التبت وكانت سياحتهما خطرة وشاقة من وراء الغاية. ولقد داهمهما لصوص من أهل التبت بالقرب من لاهاسا فهرب جميع من كانوا معهما. وبعد أن بقي المبشر كامناً مع زوجته في السياج خرج قاصداً أحد المساكن القريبة يطلب معونة من فيه وظلت زوجته في انتظاره فلما نفذ صبرها عرفت أن اللصوص قتلوه وعندئذ قامت تسير وحدها عائدة من حيث أتت مع زوجها وهي تتوقع الموت في كل دقيقة وبعد أربعة أسابيع قضتها ماشية في صعبات وآلام لا تصدق بلغت مدينة قاتسين لو ناجية هي وطفلها.
هذا ولا تشارك المرأة الرجل في مخاطر الرحلات والوحدة والحميات المؤذية والجليد والحر والمخاوف بل إن لها في الدفاع عن حياض البلاد يداً طويلة يدعوها إلى ذلك حبها لوطنها أو لأولادها. فقد عرفت جان دارك المحاربة الفرنسوية المشهورة بأيامها الغر
стр. 2405
المحجلة كما عرفت كاترين سفورزا في القرن الخامس عشر في إيطاليا فإنها بعد أن رأت زوجها يذبح تحصنت في قلعة فورلي وقاومت حصار قيصر بورجيا ثلاثة أسابيع وبقيت في مقدمة رجالها ليل نهار راجلة وراكبة وهي لم تترك سلاحها ولما أعيتها الحيل أرادت أن تقتل نفسها بنسف الحصن ولكنها بقيت حية مع زمرة من أصحابها وعادت تقاتل بين أشلاء القتلى إلى أن أسرت وعندها صاحت إني أسلم نفسي لملك فرنسا.
والتاريخ لا ينسى نساء مدينة سين وقد ضيق الحصار عليها الملك شارلكان فهببن يتألفن ثلاثة توابير مؤلفة من بنات جنسهن خاصة لا يقل عددهن عن ثلاثة آلاف فلبست قائدة التابور الأول لباساً بنفسجياً وقائدة الثاني لباسر حرير أحمر والثالثة اكتست بالبياض. وبمثل هذا قامت حنة هاشيت يصحبها نساء بوفي للدفاع عن مدينتهن وجاكلين روبنس عرضت حياتها للخطر لتخبأ في قاربها الذخائر اللازمة سان أومار خلال حرب انتقال الملك الإسباني.
ولكم من امرأة اشتهرت بإقدامها وشجاعتها بحيث يكاد ينكر عليها المرء ما يصدر عنها وهي التي عرفت بالضعف ووصفت بكثرة التأثر وكان الذي يحملهن فيالغالب على تقحم المهالك تعصب ديني أو كراهة للظلم أو حب للحرية يقيمهن ويقعدهن. وعلى هذا رأينا شارلوت كورداي فأدت بنفسها وقتلت مارات المظالم وحدها ولما سئلت عما أتت أجابت: إن حب الحرية علمني أسباب الوصول إلى الظالم لأقتله. وقالت: ما أتعس بلاد كفرنسا يعجب فيها من امرأة تفادي بحياتها دفاعاً عن بلادها.
ومن النساء صاحبات القوة الأدبية يخرج أولئك الروسيات بالمئات متخليات عن ثروتهن وراحتهن ورفاهيتهن في قصورهن الآمنة الوادعة منذرات على أنفسهن الدعوة إلى الثورة. يعرف الناس اسم صوفيا بوروفيسكايا التي مشت إلى المشنقة هادئة دون أن يبدو عليها الضعف ساعة. ويذكرون فيراساسولتش التي قتلت القائد تريبوف جلاد العدميين في روسيا وبرأتها محكمة المحلفين فأقرت بأنها كانت تؤثر أن يحكم عليها لأنها تكون إذ ذاك آمنة من أنها عملت ما تقدر عليه للدفاع عن حقيقتها. وقضت الفتاة فيرافنير البديعة الطلعة المحببة إلى النفوس ست سنين وهي روح جميع المكائد التي حدثت في روسيا فتجتاز البلاد من أقصاها إلى أقصاها وهي تحمل قذائف في مشدها وتختبئ متوارية عن أنظار رجال
стр. 2406
الشرطة ولإنقاذ أوراق ومستندات محظورة. وقد سجنت هذه الفتاة الفتانة التي خلقت للحركة والاضطراب والشجاعة والثورة عشرين سنة في سجن شلوسبورج وخرجت منه بحماستها الأولى ومراميها التي طالما سعت لها سعيها.
ويرى العدميون (نيهيلست) أن من الأخلاق التيفطر عليها النساء فكانت من قلواههن الأدبية أنهن إذا سجن والرجال في الحبوس أو نفين إلى سيبيريا يعشن أكثر من الرجال ولا ييأسن كالرجال على حين يموت الرجال أو ينتحرون أو يجنون لا قليلاً أو يغضبن من وحدتهم ومن بعدهم إلى الأبد عن عالم الأحياء.
ولعل أحدهم يقول أن أمثال هؤلاء النساء هن من النادرات يرزقن عاطفة الحب والمفاداة والمقاومة وأنه قد ينشأ مثلهن وكم ترى في النساء من النابغات في الأدب فجورج ساند وأليصابات بروفنيك وجورج أليوت وبشير ستاف ومدام هومفري وأرد كلهن من الأديبات اللائي يقلُّ أمثالهن في الرجال على أن النساء والرجال أيضاً الذين اشتهروا بقواهم الأدبية وأفكارهم السياسية لا ينبغن إلا في مجتمع أو في دور يكون فيه مستوى المكارم والآداب راقياً جداً.
وقد أظهر البحث أن نصف النساء من الشجاعة على جانب عظيم إذا نميت فيهن هذه القوة أتين بالأعاجيب ولكن من ينظر إلى النساء نظراُ مجرداً من التدقيق يراهن إلى الوناء والضعف والجبن والتعلق بأهداب الأمور التافهة والألاعيب الصبيانية.
والفرق عظيم بين القوة الأدبية في الرجل وبينها في المرأة فالرجل ينشأ على ذلك بالفطرة أو بالتربية ويبقى كذلك مهما شقيت حياته أو سعدت بيد أن الرجال الأقوياء من حيث الطبيعة بل من حيث الأدب هم أندر مما نتصورهم. والمرأة لا تعنى بقوتها الأدبية عندما تكون حياتها سعيدة أو عادية إلا أن الحاجة إذا مست وأصابها شقاءٌ وبؤسٌ ومرض في أسرتها ينقلب كيانها في الحال ويصبح المتوسطات والرخوات منهن قويات شديدات يقاومن المصاعب أي مقاومة ويطعن صدور العوائق بسلاح قد يكون غير ماضٍ ولكن له من نار الحمية الموقدة ما يشحذ غراره ولا يطفأ أواره.
ولكم شهدنا النساء يأتين من ضروب الشجاعة حين الحاجة ما لم يخطر ببال فكم رأينا عقائل كان أزواجهن على جانب عظيم من سوء الأخلاق والعشرة معهن وكن صابرات
стр. 2407
على الأذى حتى إذا فقد بعولتهن ثرواتهن وسيقوا إلى السّجون والمطابق يعطفن عليهم ويأخذن في الإنفاق عليهم من كدهنّ وعملهن.
ورأيت امرأة أخرى كانت شرسة الطباع تناكد زوجها وتسيء عشرته فلما أضاع ماله راحت وهي في سن الأربعين تراجع دروسها التي تعلمتها وتقدمت لنيل شهادة التعليم وأخذت منذ ذاك الحين تصرف على زوجها وأولادها من كسبها القليل وتعمل أعمال المطبخ والبيت بيدها وتشتغل من الصبح إلى المساء وكانت من قبل لم تتنزل لتبل يدها بالماء ولا لترفع ثيابها بنفسها أما زوجها فبقي سنين يعيش من كدح زوجته يلعن الزمان ويدخن الدخان ولا يفارق داره إلا للنزهة.
ورأيت امرأة أخرى كان زوجها أحد رجال الإدارة وكانت مرفهة تعيش عيش الأميرات فأصيب زوجها بالروماتيزم فأخذت تمرضه وتعنى به بنفسها ثماني عشرة سنة ليل نهار حتى أنها لم تنزع عنها لباسها خلال العشر سنين الأخيرة لتكون على مقربة من سرير زوجها وتقوم بخدمته حق القيام بل إنها قضت بعض السنين الأخيرة ولم تخرج إلى الشوارع حتى صار منظر المركبات والقطارات في عينها غريباً. كلمتها ذات يوم وأنا أعجب بها فقالت لي أنها لم تسأم قط لأنها أدركت أنها تقوم بواجب وكانت كل ساعة من ساعاتها ولها ما يشغلها فيها وأنها لم تمرض منذ أخذت في تمريض زوجها وكانت تغتبط عندما ترى زوجها يشكر لها بعينيه عنايتها به قالت وكنت سعيدة أن أتوفر على إطالة حياته فلما قضى نحبه لم يبق لي مطمع في الحياة وأسفت عليه كثيراً وإن أدركت أن آلامه انتهت بالموت.
وغريب أمر النساء في مفاداتهن بكل عزيز عليهن في سبيل ما يوطدن النفس على القيام به فإذا انصرفت أذهانهن إلى عمل من مثل ما تقدم يزهدن في الملاذ والبنين والبنات وينسين أن جمالهن ظل زائل وأنهن يضعن حياتهن بمفاداتهن ولكن ما يلذهن هو أن يغنين فيما صرفن وكدهن له وليس الرجال كذلك ولعلهم يؤثرون الانصراف إلى عمل عام أكثر من الميل إلى عمل خاص.
أعرف أسرة غنية كان لها ابن كف بصره فأرادت أن تصحبه برفيق فاختارت له ابن بستانيها وجعلته له ترباً يغدوان ويروحان معاً فدرسا الحقوق معاً وصرفا على هذه الحال
стр. 2408
منذ كان الأعمى ابن عشر سنين إلى أن صار ابن أربع وعشرين سنة ولما أتما دراسة الحقوق افتتحا لهما مكتب محاماة وقضيا فيه سنتين ولكن ابن البستاني ضاق ذرعه من تحمل صاحبه وانفصل عنه وإن كان طيب السريرة ولم ينس أيادي أسرته عليه قائلاً أن السأم أصابه فلا يتحمل عشرة صاحبه.
كما أعرف رجلاً غنياً فقد زوجته وهي تضع له ابنة فلم تحدثه نفسه يوماً أن يعنى بتربية هذه مع أنه كان يحبها حباً جمّاً وما ذلك إلا لأن الرجل بما فيه من قوة أدبية يأتي من الأعمال ما يزيد بنتائجه الاجتماعية أكثر مما تقوم به المرأة مع شخص. وعلى ذلك فالواجب على الرجال أن يشفقوا على النساء إذا رأوهن يعشن في الأحايين عيشاً طيباً المرأة لا تنزع بها نفسها إلا أن تكون خادمة خاضعة تقوم بوظائفها اليومية المحدودة ولكنها حين الحاجة يكون شأنها أن تنقل فتكون ملكة وليس غير المصائب تحملها على تغيير كيانها فعلى الرجل أن يحترمها في حال بؤسها وسعادتها.
стр. 2409
سير العلم والاجتماع
الحروب الإسلامية
قال أحمد زكي بك أستاذ الحضارة في الجامعة المصرية أن الحروب الإسلامية كانت استعمارية أكثر منها دينية: أن الحرب الشرعية هي التي تقام لإعلاء كلمة الله وليس المراد من إعلاء كلمة الله الدعوة إلى الإسلام بالسيف فإن هذا مما لا يكون أبداً وإنما المراد منها ما عرف في تاريخ صاحب الشريعة الإسلامية وبعض خلفائه وذلك أن الدين بني على الدعوة إليه بالحسنى ولكن زعماء المشركين وسائر الممالك وقتئذ كبر عليهم أن يدينوا لدين جاء به يتيم عربي ويسوي بين الملوك والسوقة ويسيغ للخليفة الثاني أن يأمر مثل جبلة ابن الأيهم أن يرفع رأسه لجلف من أجلاف العرب ليثأر لنفسه فيلطمه كما لطمه.
كبر عليهم الإذعان فقاوموا القائمين بنشره وشنوا عليهم الغارات يريدون صدهم عن سبيل الله وإطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره فجاز للمسلمين وقتئذ بل وجب عليهم ان يذودوا عن حياضهم ويذبوا عن أعراضهم وإلا لكانوا أخساء جبناء فأعد المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل وصدوا هجماتهم وانتقموا لأنفسهم ممن آذاهم وكذلك الله يفعل بالمعتدين: فكانت تلك الحروب لدفع من يقف في سبيل المسلمين فيمنعهم من نشر دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة لذلك سميت حروباً شرعية وحق لها أن تسمى كذلك.
ولا يفهم من قول المسلمين للمحاربين: الإسلام أو الجزية أو الحرب: إن حربهم إياهم كان لحملهم على الإسلام فإن الذي اضطر المسلمين إلى الحرب إنما هم المحاربون أنفسهم فلما كانت تشتد الأزمة بالمحاربين كانوا يحقنون دمائهم من المسلمين الذين نصرهم الله بقوة حقهم وبعدم اعتدائهم إلا على من اعتدى عليهم وكان حقن الدماء بأحد أمرين أما الإسلام ليصيروا إخوانهم وأما الجزية التي لا بد منها لأية أمة مغلوبة في كل عصر من العصور وإلا لو كانت هذه العبارة الإسلام أو الجزية أو الحرب لحمل الناس على الإسلام لما خيروهم بين الجزية والإسلام ولم يرضوا منهم دون الإسلام شيئاً.
إن الذي يتأمل في مثير الحروب الإسلامية بادئ الأمر يعلم علماً ليس بالظن أن المسلمين لم يحاربوا إلا من أراد صدهم عن سبيل الله فحاربهم وآذاهم فمن ذلك أن أول الغزوات كانت مع قريش فنتركها ونترك سائر غزواتهم كذلك لما هو معروف من أمر قريش
стр. 2410
وإيذائها النبي ﷺ وأصحابه وإخراجهم من ديارهم. ونذكر من بعد ذلك غزوة بني قينقاع من يهود المدينة. فقد حاربهم المسلمون لنقضهم العهد بعد غزوة بدر الكبرى وهتكهم حرمة سيدة من نساء الأنصار ثم غزوة بني غطفان ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا بعد أن علموا أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة دعثور المحاربي للإغارة على المدينة ثم سرية عاصم بن ثابت الأنصاري وكانوا مع رهط عضل والقارة الذين خانوهم ودلوا عليهم هذا بلا قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس. ثم سرية المنذر بن عمرو وهم سبعون رجلاً يسمون القراء أخذهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة لطمعه في هداية قومه وإيمانهم فلم يرع قومه جواره وقتلوا القراء ثم غزوة بني النضير من يهود المدينة وذلك لنقضهم العهد وإلقائهم صخرة على النبي ﷺ وصحبه لما كان في ديارهم. ثم غزوة دومة الجندل ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا لما علموا أن في ذلك المكان أعراباً يقطعون الطريق على المارة ويريدون الإغارة على المدينة. ثم غزوة بني المصطلق وهؤلاء ممن ساعدوا المشركين في أحد ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا جمع الجموع للإغارة على المدينة. ثم غزوة الخندق وكانت مع الأحزاب الذين حاصروا المدينة. ثم غزوة بني قريظة من يهود المدينة لنقضهم العهد واجتماعهم مع الأحزاب ثم غزوة بني لحيان لقتلهم عاصم بن ثابت وإخوانه الذين حزن عليهم رسول الله ﷺ ثم غزوة الغابة لإغارة عيينة بن حصن في أربعين راكباً على لقاح للنبي ﷺ كانت ترعى الغابة. ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القصة (موضع) لما بلغ المسلمين أن بذلك الموضع ناساً يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء (موضع) ثم سرية زيد بن حارثة لمعاكسة بني سليم الذين كانوا من الأحزاب يوم الخندق. ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني ثعلبة الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة. ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني فزارة الذين تعرضوا له. ثم سرية عمر بن الخطاب لما بلغ المسلمين من أن جمعاً من هوازن يظهرون العداوة للمسلمين. ثم سرية بشير بن سعد لما بلغهم من أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان مقيمين بقرب خيبر للإغارة على المدينة. ثم سرية غالب الليثي ليقتص من بني مرة بفدك لأنهم أصابوا سرية بشير بن سعد. ثم غزوة مؤتة وكانت لتعرض شرحبيل بن عمرو الغساني للحرث
стр. 2411
بن عمير الأزدي رسول للنبي ﷺ إلى أمير بصرى يحمل كتاباً وقتله إياه ولم يقتل رسول للنبي ﷺ غيره حتى وجد على ذلك وجداً شديداً. ثم سرية عمرو بن العاص لما بلغهم من أن جماعة من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء القرى للإغارة على المدينة. ثم سرية علي بن أبي طالب لما بلغهم من أن بني سعد بن بكر يجمعون الجموع لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين. ثم غزوة خيبر لأن أهلها كانوا أعظم محرض للأحزاب. ثم سرية عبد الله بن رواحة لما بلغهم من أن ابن رزام رئيس اليهود يسعى في تحريض العرب على قتال المسلمين. ثم سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان جزاء إرساله من يقتل النبي ﷺ غدراً. ثم حرب العراق لما ارتكبه كسرى عندما أرسل إليه كتاب عرض فيه عليه الإسلام فإنه مزق الكتاب وكتب إلى باذان أمير له باليمن يقول له بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إليّ برأسه يكتب إلي هذا الكتاب (أي الذي بدأ فيه بنفسه فقال من محمد الخ. .) وهو عبدي فبعث باذان بكتاب كسرى إلى النبي ﷺ مع فارسيين وبعث بهما يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى فقدما عليه وقالا له شاهنشاه بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك وقد بعثنا إليك فإن أبيت هلكت وأهلكت قومك وخربت بلادك فليس بعد ذلك عذر للمسلمين في امتناعهم عن حرب الفرس. وخصوصاً وقد كان للعرب ثارات كبيرة في ذمة العجم ثم غزوة تبوك لما بلغ المسلمين من أن الروم جمعت الجموع تريد غزوهم في بلادهم. وقد أعقبها فتوح الشام والقسم الأعظم من دولة الروم.
هذه بعض الغزوات الإسلامية بادئ الأمر سردناها غير مرتبة ومنها يرى القارئ ما قصدناه من ذكرها وهو أن الحروب الإسلامية لم تقم لحمل الناس على الإسلام وإنما أقيمت لأسباب أخرى تجلت فيها بأجلى بيان. غير أن أناساً ممن يحطون من قدر الإسلام ويقعون فيه يقولون أن الإسلام لم ينتشر هذا الانتشار في مثل هذا الزمن الوجيز إلا بالسيف فهو دين توحش وهمجية وحجتهم في ذلك غزوات النبي ﷺ والحروب الإسلامية ورأى ناس من المسلمين آيات في القرآن تحض المسلمين على قتال المشركين والكفار والمنافقين وأمثال هذا كقوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ
стр. 2412
عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. وقاتلوا المشركين كافة واعلموا أن الله مع المتقين. قاتلوهم أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم أملهم ينتهون. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. واقتلوهم حيث تقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.)
ولم يفكروا في سياق الكلام ومواضعه وأسباب نزوله فظنوا أن القتال شرع في الإسلام لحمل الناس على الاعتقاد به فكان ذلك الظن أكبر جرم على ذلك الدين الحنيف الذي تنزه عن مثل هذه الخشونة وتلك القسوة وذلك أن الأمور الاعتقادية لا تقبلها الناس إلا بالبرهان لا بالقوة والسلطان فمن قبلها منهم مكرهاً مرغماً لا يطمئن لقلبه وإذن لا فائدة من قبوله إياها. وإنما كان يتعرض المسلمون لمن آذاهم بسبب الأمور الدنيوية المدنية أو بسبب ظهورهم بدين جديد كانوا يدعون الناس إليه بالحسنى والموعظة الحسنة وليس عليهم هدى الناس وإنما الله يهدي من يشاء فمن آمن بالله فله إيمانه ومن كفر فعليه كفره وليس لهم على أحد من سلطان. هذه حال المسلمين مع من يدعونهم إلى الإسلام ولكن رؤساء بعض المدعوين ضنوا برياستهم على الزوال وأبوا ألا أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله التي تسهل على مرؤوسيهم وعبادهم الفرا من مظالمهم إلى فضاء العدل والإحسان.
غير أن هذه الحروب قد أفادت الأمة العربية الإسلامية فوائد جمة من أجلها الغنائم التي أغنت المهاجرين عما فقدوه بالهجرة والأنصار عما ذهب في إكرامهم إخوانهم المهاجرين فشغل بذلك الرعب عن غزو بعضهم بعضاً وعن إثارة الفتن الداخلية فلما فتروا عن الحرب هنيهة إثر وفاة الرسول ﷺ امتنع كثير منهم عن دفع الزكاة فاستباح أبو بكر رضي الله تعالى عنه قتالهم فردهم إلى الإسلام عنوة ورأى أن يتم بعد ذلك ما أراده النبي ﷺ من غزو الفرس والشام ليشغل العرب عن التفرق والخصومات والنزاع الداخلي والرجوع إلى التفرق ديناً ودنيا فأنفذ جيش أسامة ليضرب الأعداء بالعرب فإن ذلك خير من أن يضرب بعض العرب ببعض إذا لم يشغلهم بحرب غيرهم وكذلك رأى عمر رضي الله تعالى عنه من بعده فدوخ بجيوشه وأبطالهم خالد والمثنى وأبي عبيدة وعمرو الأعداء وفتح البلاد لتكون موارد خير للأمة العربية وليرفع عن تلك البلاد التي فتحها الإسلام ظلم الرومان والفرس الذي بلغ إذ ذاك أشده كما كانت حاله في فتح مصر وأمرها معروف وأباح له ولأبي بكر حرب الروم وفتح لذانهم ما أباح
стр. 2413
للنبي ﷺ من قبلهما وهي التراث التي للمسلمين عند الروم ومعلوم أن المسلمين لما فتحوا مصر وغيرها لم يحاربوا إلا أهل الدولة وهم الروم وذلك لأمرين أولهما إخراجهم من تلك البلاد وذلك كان خيراً للمحكومين وقد كان أهل مصر والشام يساعدون العرب على الروم وكذلك أهل العراق على الفرس. وثانيهما انتفاع العرب بالبلدان التي فتحوها انتفاعهم في الحضارة والمعايش والعلوم وغيرها.
لأجل ذلك يمكننا أن نقول أن حروبهم كانت استعمارية ويتضح ذلك بأجلى وضوح في حروب من بعد عمر من الخلفاء والأمراء. يظهر ذلك لمن ينظر نظراً سطحياً إلى أسباب هذه الحروب وما جرته من الفتوح التي أوجبت نشر الدين وتعميمه بالمخالطة ومظاهر الفضيلة والكمالات التي امتاز بها المسلمون في أيام السلف الصالح والصدر الأول وقد دوّن المسلمون في تلك الأيام الخوالي كل دقيقة وكبيرة مما يتعلق بهذا الموضوع ولا نرى فيها أمراً واحداً يدعونا إلى القول بخلاف مذهبنا وهو أن الحروب كانت حروب مسلمين لا حروب إسلام وأنها كانت حروب توسع في الملك واستعمار للبلدان.
الشمس وطول الحياة
للشمس دخل كبير في إطالة العمر فقد ثبت أن الأعمار تطول في الأصقاع المشمسة أكثر من غيرها كما هو الحال في بعض قرى سويسرا واشتهرت مقاطعة لوكارنو على بحيرة ماجور ومقاطعة لوكانوا ومقاطعة ماجليازو على نهر تيسين في سويسرا بأنها البلاد المشمسة وقد تطلع الشمس في بعضها ٣٣١ يوماً في السنة ولذلك ترى أهلها والنازلين فيها أطول الناس أعماراً واختارها المترفون لقضاء فصل الشتاء وربيعها من أعظم المساعدات على طول حبل الحياة في الشيوخ وكثير في أهل مقاطعة تيسين يبلغون المئة سنة من العمر أما أبناء التسعين والثمانين فهم من الحوادث العادية والاستشفاء بالشمس من أفضل أنواع الوقاية الصحية.
تعليم الزنوج
أقام أحد أساتذة كلية هوفارد بأميركا الحجة على من يقول أن الزنجي غير قابل للتربية فقال أن الهمة التي بذلت في سبيل تعليمه منذ أربعين سنة قد أتت بأحسن النتائج حتى جاء من الزنوج أطباء وأساتذة وقضاة ومحامون وطابعون وغيرهم ممن يسعون السعي الحثيث
стр. 2414
لإنهاض بني جلدتهم بحيث قلّ فيهم عدد الأميين إلى النصف.
أعمال المرسلين
تمتد أعمال المرسلين من دعاة الدين المسيحي كل يوم امتداداً غريباً ولاسيما دعاة البرتستانتية منهم فقد كانت إنكلترا مبعث المرسلين بما يدره عليهم أهل الخير وأنصار الدين من الأموال الطائلة واليوم أخذت الولايات المتحدة تنافسها في هذا السبيل فترسل بمبشر لها إلى الهند الإنكليزية خاصة فالأميركان ينفقون على ١٣٥٠ مبشراً في الهند وحدها. وبحسب الإحصاءات الأخيرة بلغ عدد المبشرين للولايات المتحدة ٦٥٠٠ ولإنكلترا ٨٠٠٠ ولأوربا كلها ٣٠٠٠ أما الرهبان والراهبات فقد كانوا في أوربا على عهد فولتير ستمائة ألف فقط وما ندري عددهم الآن.
دار الصناعة في إنكلترا
ثبت أن دار الصناعة في برورتثموت هي أقدم وأعظم دار صناعة في العالم كلفت ٤٠٠ مليون فرنك فقد صرف لارتفاع بنائها زهاء ألف ألف ألف آجرة ويبلغ علوها ٦٠٠ قدم إنكليزي وأعظم عمارة حربية لا تبلغ ثلث ارتفاعها. فيها من الأدوات والآلات الكهربائية ما لا يوجد في غيرها كما أن فيها ١٨ ألف عامل يشتغلون ٤٨ ساعة في الأسبوع أي ٧ ساعات في النهار وينفكون عن العمل ظهر كل سبت إلى الاثنين. والعامل الذي يغيب ١٤ يوماً في السنة يطرد. وقد دفع للعملة سنة ١٩٠٧ ثمانية عشر مليون فرنك وليس للعملة ناظر أو مفتش يراقبهم أثناء العمل إلا ملاحظ خفيف يأتي من حين إلى آخر فمن رأى إحسانه في عمله أعطاه جائزة ثمينة. ومع مكانة هذه الدار تضطر إدارتها أن تصرف بعض عملتها أحياناً وقد اضطرت مرة إنكلترا إلى نزع سلاح مئة بارجة فصرف المعمل أربعة آلاف عامل دفعة واحدة حتى لا يعطيهم رواتبهم بدون عمل ولما طالبوا بحقوقهم قيل لهم أن البحرية الإنكليزية شركة مساهمة فلا سبيل إلى إجابة طلبكم إلا إذا رضي كل إنكليزي بأن تقعدوا وتأخذوا مشاهراتكم بدون عمل. ولكل فرد في هذا المعمل عمله الخاص ومديره نائب أميرال دار الصناعة ببورتثموت وهو في معمله كالملك في قصره. وتقدر إنكلترا أن تستصنع البارجة الحربية في هذا المعمل في سنتين على أن ألمانيا لا تقدر على إيجاد مثلها في أقل من ثلاث سنوات وفرنسا في أقل من خمس.
стр. 2415
كهربائية الإنسان
كل قوة في حاسة من حواس الجسم البشري فيها شيءٌ من الكهربائية لا تدرك حق الإدراك إلا بآلتين حساستين جداً وهما الإلكتروسكوب والإلكتروميتر وقد اخترع أحد علماء الألمان آلة جديدة تفوق تينك الآلتين بتأثرها وتعريفها المجاري الكهربائية في عمل القلب البشري خاصة وبهذه الآلة يتأتى تشخيص طبيعة مرض القلب.
آلة الكذب
اخترع عالمان من علماء النفس أحدهما ألماني والثاني أميركي آلة سموها البسيكومتر الكهربائي إذا وضعت على الإنسان يتبين بها كلام المرء صدقه من كذبه. وتتركب هذه من كالفانومتر وآلة خاصة تفيد اختلاف الأفكار والإحساس والكالفانومتر مناط بمصباح يرتفع لهيبه وينخفض على حساب قوة المجرى الكهربائي ويقاس ارتفاع هذا اللهيب بواسطة مرآة تعكس اللهيب. فإذا أريد اختبار درجة صدق الرجل توضع إحدى يديه على عمود من الزنك والأخرى على عمود من الفحم فينشأ من ذلك مجرى كهربائي يختلف تأثيره باختلاف قوة الأحوال النفسية التي تحدث في الشخص المفحوص بهذه الآلة فإذا كان يكذب أي إذا فرط منه تناقض بين الفكر المفكر فيه وبين الإرادة التي تغير ذاك الفكر يقوى المجرى ويدل ارتفاع اللهيب على شدته.
بندقية جديدة
لبنادق مكسيم الجديدة خاصة نافعة وهي أنه يكاد لا يسمع لها صوت عند إطلاقها ومهما سمع فلا يسمع إلى مسافة أكثر من ١٥٠ قدماً وقد أظهرت التجارب أن هذا الاختراع يعدل في حالة الحركات العسكرية أكثر من البارود بلا دخان فيصعب به معرفة مواقع نزول الأعداء كما أنه يخدم قطاع الطريق واللصوص فيتمكن القاتل بهذه البندقية التي يمكن أن يكون منها مسدس أن يطلق النار في شارع ولا يحس به رجال الشرطة على أن الصياد ينتفع من هذه البندقية إذ أنه يقتل برصاصة قنيصة واحدة بدون أن يفزع أخواتها فتفر. وبهذا صح أن نقول أن فن إطلاق الرصاص آخذ بالانقلاب وهذا الانقلاب له عوائق وله منافع ويصعب في الدنيا إيجاد خير محض.
عمران كريت
стр. 2416
نشرت مجلة العالم الإسلامي الباريزية مقالة في هذا المعنى قالت فيها ما تعريبه: يبلغ سكان جزيرة كريت ٣٠٣٥٤٣ ساكناً منهم ٣٣٤٩٦ من المسلمين وكان من نتائج ثورة سنة ١٨٩٦ـ٩٧ أن هاجر المسلمون زرافات من الجزيرة فتضررت كريت من حيث الأمور الاقتصادية كثيراً فقد كان عدد المسلمين فيها بحسب إحصاء سنة ١٨٨١ـ٧٣٢٣٤ فنزل عددهم بحسب الإحصاء الأخير إلى ٣٣٤٩٦ ولا يزال المسلمون يهاجرون منها ومعظمهم من الزراع إذا غادروا الجزيرة يبيعون أملاكهم أو يتخلون عن أراضيهم تاركيها بوراً حاملين معهم رؤوس أموالهم وقد بلغ ما أباعه المسلمون من المسيحيين من الأملاك منذ سنة ١٨٩٨ إلى ١٩٠٢ـ٩. ٤٤٢. ٤٢٩ فرنكاً على حين بلغت الدراهم التي اقترضها المسيحيون لابتياع هذه الأراضي زهاء ستة عشر مليون فرنك. وكان نزول الجيش العثماني والأسطول العثماني أيام ارتفاع علم الهلال عليها يوسع على الجزيرة فينفق فيها نحو ٩٥ ألف ليرة عثمانية مسانهة فتغيير حكومتها أخر بتجارتها كثيراً وكان مداخيل الجزيرة قبل الاستقلال تصرف فيها على حكم العهد العثماني وربما صرفت فيها مداخيل غيرها من الولايات أيضاً ثم إن الجزيرة لم تبرح تدفع ما عليها للديون العمومية وشركات الفنارات في المملكة العثمانية. وترى المسيحيين الكريتيين ناقمين من الحكم الاستقلالي لأنه أضر بهم أضراراً مالية واقتصادية والمسلمين ناقمين لما يلحقهم من الاضطهاد في عهد الحكم الحالي ومنذ أصبحت الجزيرة مستقلة لم ترتق خطوة إلى الأمام حتى إن حظ ولاية بعيدة من ولايات الأناضول العثمانية أرقى من حظ كريت من حيث الزراعة والصناعة والتجارة والإدارة.
الهند الشرقية الهولاندية
يقدرون عدد المسلمين في جزائر جاوه بـ٢٧. ٧٨١. ٦٧١ وفي صومطرا بـ٣. ٢٧٥. ٠٠٠ وفي بورنيو بـ٩٨٥. ٤٤٠ وفي سيليب بـ١. ١٤٠. ٠٠٠ وفي بانكا وأعمالها بـ٨٦. ٥٤٠ وفي ريو وأعمالها بـ٩٣٤٣٤ وفي بيلينسون بـ٣٤٢٠٠ وفي أصبهان وأعمالها بـ٧١٢٠٤ وفي ترنات وغانة الجديدة وأعمالها بـ١٠٨٢٤٠ وفي تيمور وأعمالها بـ٣٤٦٥٠ وفي بالي وكومبوك بـ٣٦٨٤١٨ منهم كلهم ٣٣٩٣١٦٠٦ من الوطنيين و٣٣٨٦٠ من العرب و٧٥٣١ من الصينيين و٥٠٦١ من الهنود وغيرهم و٧٧٤
стр. 2417
من الأتراك والسوريين وهكذا فقد بلغ عدد سكان جزائر الأرخبيل الهندي التي يخفق عليها العلم الهولاندي أربعين مليون نسمة وبلادهم كنز ثمين لأهل بلاد القاع (هولاندة) وسيكون مستقبلها زاهراً عندما يتم تنظيم شؤونها فتأمل كيف يستولي عدد قليل متعلم كالأمة الهولاندية على عدد كبير متوحش كسكان جزائر ذاك الأرخبيل.
стр. 2418
مطبوعات ومخطوطات
الأجوبة المرضية
تأليف الشيخ جمال الدين القاسمي طبع بمطبعة روضة الشام بدمشق ص٣٧.
هذه الرسالة وضعها المؤلف جواباً عما أورده كمال الدين ابن الهمام على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية ولعل بعض المعاصرين ينكرون على بعضهم إذا ناقشوا بعض المتقدمين على عصرهم على حين أن ذلك مألوف معهود منذ القديم فقد ناظر ـ كما قال مؤلفنا المنوه بقدره ـ الإمام الشافعي الإمام محمد بن الحسن وحاور الكناني بشر المرسي وغيرهم وحاور البيهقي الطحاوي وابن حزم الأشاعرة وغيرهم والمازري أمام الحرمين والطبري الطالقاني والنووي الرافعي والأسنوي النووي وشمس الأئمة الكردري الغزالي وابن عبد الهادي السبكي وابن حجر العيني والسيد السعد والفيروز أبادي الجوهري وابن الأثير الصابي وابن عباد وابن أبي الحديد ابن الأثير وأبو حيان ابن مالك والعز ابن عبد السلام ابن الصلاح ومعضد الجار بردي وفضل الله الرومي ابن الملك والناصر ابن المنير الزمخشري وزين العرب الشيرازي والسيوطي السخاوي وابن الجوزي والمؤلفات في هذا الموضوع لا تحصى.
أسباب الانقلاب العثماني
لمؤلفه محمد روحي بك الخالدي ومصححه السيد حسين وصفي رضا طبع بمطبعة المنار في القاهرة سنة ١٣٢٦ ص١٨٢.
مرلف هذا الكتاب من أفاضل سورية عانى صناعة القلم والسياسة ورسالته هذه تدل على علو كعبه في تاريخ الدولة الأخير وحسن مراقبته للحركة الإصلاحية التي قام بها أحرار العثمانيين ووصفها أوجز وصف يرسخ في الأذهان.
تحفة الأنام
للشيخ عبد الباسط الفاخوري طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت ص٢٨٦
هو مختصر في تاريخ الإسلام فيه مقدمة في أصل العرب وأحوالها قبل الإسلام وبعده وسير الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والملوك العثمانيين وغيرهم بعبارة مختصرة وكلام المؤلف في الغلو بالملوك المتأخرين من بني عثمان يرفع الثقة من كلامه كله فعسى
стр. 2419
أن يرفع الطابع تلك المبالغات من آخر التاريخ في طبعة ثانية.
أعظم تذكار للعثمانيين الأحرار أو الحرية والمساواة والمبعوثان
لمؤلفه الشيخ عبد الله العلمي
طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٦ ص١٩٠
كتاب وضعه مؤلفه لما رأى كثيراً من العامة يسألون عن مجلس النواب المبعوثان الشوري هل هو شرعي أم لا وعن الحرية هل هي موافقة للشرع الشريف ولتزييف من قال بأن الإسلام وجد وبجانبه سلطة مطلقة مستدلاً على كل نوع منها بآيات كثيرة من الكتاب. ومما جاء فيه ـ وهو مما ننقله نموذجاً على أسلوبه ـ في باب المساواة وبين المسلم واليهودي والنصراني في أنهم بشر وأن التمسك من كل منهم بالأرومات غلط جاء في الكتاب الكريم خطاباً للعرب (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) الموسويين والمسيحيين إنما (من يعمل) من الطوائف الثلاث (سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى) من الطوائف الثلاث وهو مؤمن بالله ورسله (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) وأورد آيات كثيرة استنبط منها أموراً من هذا القبيل. وقال في حرية المساواة بين المسلم واليهودي والنصراني في الحكم عليه أو له بالحكم الشرعي: المساواة في الأحكام الشرعية المحكوم بها على الناس على اختلاف عناصرها هي شريعة الله تعالى في كتابه وهي سنته في خلقه جاء في سورة النساء (إنا نزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) جميعاً المسلم وغيره (بما أراك الله ولا تكن للخائنين) المخالفين لك (خصيماً) بل انهج منهج المساواة والشورى على أسلوب عصري لا يستند فيه إلا على الكتاب واستنتاجه من الآيات الكريمة دل على بعد غوره وحسن الإمعان بمعانيها وتطبيقها على حالة الزمن فتثني على المؤلف لفضله وغيرته ونحث كل من يخامرهم الشك في الحكم الدستوري ومخالفته لروح الإسلام أن يقتنوا كتابه وينصفوه وينصفوا الشريعة المدنية والشريعة الدينية.
стр. 2420
العدد ٣٩ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩٠٩
следующие страницы →