← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وكان مع نكارتر مصباحه الكهربائي ولكنه فضل أن لا يستعمله لئلا يثير الشكوك في نفس الرفيقين وكان يشعر بحاجة إلى الحذر والاحتراس كل ما تقدم خطوة، وفوق ذلك فإنه لم يتمم وظيفته بعد فبالرغم عن كل ما قام به فالماسة ما زالت مفقودة. فقال كراب هناك مصباح في الزاوية. وبعد أن أوقدوا عدداً كبيراً من الثقاب (عيدان الكبريت) وجده ماتيو فأضاءه في أثناء ذلك كان نكارتر قد خلع ملابسه ورفع كم قميصه فظهر على ذراعه جرح خفيف فقال البوليس إن الرصاصة كانت مسددة، ولنخرج الآن لنرى ساحة القتال ثم تناول المصباح واقترب من الباب. فصرخ ماتيو: هل أنت مجنون؟ فإذا كان أحد الأعداء مطروحاً على الأرض وله مكنة على إطلاق النار أفلا يتخذ منك هدفاً مناسباً؟ ـ هذا صحيح، ولكنني أشك في بقاء أحدهم حياً وإذا وجد أحد فهو لا يؤثر النزاع، وعند اقترابه من الأشجار أبصر شبحين يقتربان ببطء فصاح به أحدهما لا تطلق النار أيها الغريب فإننا قد نلنا فوق الكفاية. ـ كما تريدون أيها الأصدقاء إننا قوم مسالمون ولا نود أن نؤذي أحداً ولكن إذا كان جلد أحدكما يأكله فما عليه إلا أن يعود، فما زال لدينا ذخيرة معدة لخدمته ونستأنف الدور، فلم يجيباه وعندها تقدم البوليس فرأى على نور المصباح أن أحدهما كان جريحاً جرحاً بليغاً وأما الجريح الثاني فكان خطبه أيسر فسألهما هل خرج أحد منكم سالماً من المعركة؟ ـ نعم، ثلاثة. ـ وأين هم؟ ـ إنهم نجوا كالأرانب واختبأوا في الكهف. ـ كذلك يفعل النبهاء، إنني أراكم قادرين على المسير فاذهبا وادعوا أصدقاءكما، نوباً عني بتحيتهم وناديهم ليرجعوا أو يعنوا برفاقهم ويطمئنوا من جهتنا فإننا سنساعدهم في مهمهتم، ولكن اصغوا: إذا كنتم عازمين أن تعيدوا المشهد فإننا سنجعل أجسادكم قوتاً لذئاب هذه الغابة.

стр. 2627

فتمتم أحد الرجلين: يا إله السماء، إننا نلنا أكثر من حسابنا، فكن مطمئناً، فنحن لا نريد إلا المسالمة على شرط أن تقابلنا بالمثل. ثم ودعا البوليس ـ وداعا بسيطاً ـ وانحدرا مسرعين إلى منحنى الكهف ثم عادا ومعهما الأصحاب الفارون. وفي خلال غيابهم جال نكارتر في ساحة القتال ليرى إذا كان في وسعه أن يساعد أحداً من الجرحى، فوجد اثنين منهم ضمد جراحهما بمناديل أحضرها ماتيو من الكوخ خمسة من المهاجمين في جملتهم القائد سقطوا في المعركة. فقال البوليس وهو يفكر: يحزنني أن أضطر إلى الفتك بهؤلاء، ولكننا كنا ندافع الدفاع الذي يجيزه الشرع فلو لم ندافع لكنا قتلنا الواحد بعد الآخر وظل الثلاثة الأصحاء نحواً من ساعتين حتى واروا قتلاهم في الثرى وأعانوا الجرحى إلى بلوغ مرابط الخيل، ثم توارى هؤلاء الفرسان عن العيان وكانوا منكسي رؤوسهم حزناً لإخفاق سعيهم فعوضاً أن يلاقوا الماسة لاقوا الضرب والرصاص. وعندما بعد الأعداء قال جاك الكاذب أول فرض يجب علينا القيام به هو أن ندفن دونيلسون، فاستحسن ماتيو هذا الفكر واشتغل الاثنان بحفر ضريح لجسد رفيقيهما فصرفا في هذا السبيل ساعة من الزمان. وفي أثناء ذلك كان المطر يتساقط غزيراً. وكان كراب جالساً داخل الكوخ ووجهه بين يديه وكان مضى الهزيع الثاني من الليل حين عاد كارتر وماتيو إلى الكوخ. فقال نكارتر لا أعلم يا صديقي إذا كنتما قادرين على السهر أما أنا فسأنام قال ذلك وهو يتثاءب. فقال ماتيو: لو أعطوني ذهباً لأنام ما أمكنني ذلك. . ولكنه بالرغم من هذا الكلام اضطجع في زاوية من الغرفة وبعد بضع دقائق علا غطيطه

стр. 2628

واستغرق في النوم، ولكن البوليس لم يغمض له جفن. وكان الهواء يزداد رداءة، وقبل الفجر بقليل هبت عاصفة شديدة يصحبها برق ورعد، ولكن ماتيو لم ينتبه البتة بل ظل مستغرقاً في النوم. وكان الظلام لم يزل سائداً عندما لحظ البوليس أن الأعمى نهض بتأن ومشى على رؤوس أصابعه نحو الباب، وكان يتقدم ببطء ولكن حركاته ليست حركات من فقد بصره. وهنا تلاشى الشك الأخير من نفس نكارتر، لقد شك به أثناء المعركة ولكنه تأكد الآن أن كراب كان من النوع المسمى (نكتالوب) والنكنتالوبيا هي خاصة في العين تمنعها من النظر إلا في النور الضعيف أو الظلام الحالك وهي واضحة في الهررة الداجنة التي تبصر ليلاً كما تبصر نهاراً. وهذه الحالة نادرة جداً بين بني الإنسان ولكن نكارتر نظر مشهدها فكان كراب في النهار أعمى ولكنه يبصر جيداً في الليل. وقد قدر أن يخدع جميع من شاهده حتى أصدقاءه الأخصاء فإنهم كانوا يعتقدون أنه فقد بصره تماماً، ولكن لما أطلق النار رغم إرادته فصرع الرجل الذي استهدفه كأبرع صياد كشف سره لنكارتر. وهذا الاكتشاف زاد شبهة كارتر فجزم بأن كراب هو سارق الماسة دون غيره، وكان عليه أن يعرف مخبأها، ولم يفكر بإيقافه بل حاذر كل ما من شأنه أن يلقي الريب في نفس الأعمى قبل أن يعرف مخبأ الماسة. إن هذا النكتالوب أظهر مهارة فائقة لا في سرقة الماسة فقط بل بتغييبها على شكل غامض حتى لم يجدوها معه ولا في ثيابه، فكان البوليس متكلاً على الصدفة وأن يدع السارق أميناً. ولهذا لم يعارضه حين خرج تحت المطر المتساقط كأفواه القرب بل نهض بتأن ليتبعه. إن الثبات الذي كان يسير به كراب في تلك الأرض الوعرة والمغطاة بالعوسج وليس فيها طريق مطروق أذهل البوليس إذ أنه على الرغم من نظره الثاقب ومن اعتياده المسير في الليل والنهار بين الوعور والآكام كان يبذل جهداً شديداً كي لا تزل به القدم. وكان كراب يتقدم دون تردد ولا تأخر وبدأ بالنزول على الصخر إلى مصب النهر فضاق صدر نكارتر لأنه لم يعلم كيف يتبع النكتالوب في هذه الليلة الحالكة فوقف لحظة ليفكر

стр. 2629

فسمع بغتة وقع خطوات وراءه، فالتفت وإذا ماتيو قد انقطعت أنفاسه من سرعة الجري وكان قد وصل إلى حيث كان البوليس فقال له بصوت منخفض. إنني نهضت فجأة ونظرت نور البرق فوجدتك قد خرجت من الكوخ فهل تقدمك ـ بدون شك ـ أجاب نكارتر وهو شديد العجب من تصرف ماتيو أنه قد خبأها في الكهف على ما يظهر. فآلى ماتيو على نفسه أن يلحق به وكاد يندفع في سبيله فأمسكه نكارتر بيد شديدة فأثبته في محله وقال له ببرودة: انتظر دقيقة بعد يا عزيزي فعندي شيء أريد أن أوضحه لك فارتعش ماتيو، فغنه رأى أن سلوك جاك الدعي لم يعد هو ذاته حتى أن لهجة صوته تغيرت ثم قال: ـ ماذا تريد أن تقول؟ ـ إنني بوليس ليس إلا وأنا مكلف أن أعيد الماسة إلى صاحبها الشرعي الذي سلبت منه، فحين تصل الماسة ليدي أعيدها إلى دلمار، أما أنت يا مسيو ماتيو فأنا لا أريد منك شيئاً ولكن إذا حاولت أن تقاومني أو تحبط ما أحاوله فستندم على ذلك، فوقف ماتيو دقيقة دون حراك كأن الصاعقة قد انقضت عليه وحاول عبثاً أن يتكلم. ـ بو. . . . ليس. . . . بوله. . . . يس ـ تمتم أخيراً، وأنت أنت. . ت. . تر. . . قبنا. ـ أنا لا أقتفي آثارك ولكنني ألاحق كراب، كنت أفعل مثلكم. قال نكارتر ببشاشة: فإنني كنت أعلم منذ زمن بعيد أنك لا أنت السارق ولا دونيلسون ولكنكم صممتم أن تستردوا الماسة ولكن لا لتعيدوها إلى صاحبها بل لتبقوها لأنفسكم. ـ لكن. . . لكن. . . لا أعرف. . . أريد أن أسألك. . . ماذا تدعى؟ ـ أدعى كارتر من نيويورك وعادة يدعونني نكارتر. ـ يا إلهي. فارتجفت جميع أعضاء ماتيو واستلقى على صخر وهو يحاول أن يستعيد تنفسه. ـ صمم الآن ـ قال البوليس إنني قدمت لك نصيحة حسنة وأنا آمل أن تقابلني بالمثل وهذا كل ما أطلبه منك. ـ اعتمد عليّ يا مسيو كارتر، فلتحرسني السماء من عداوتك.

стр. 2630

ـ لا أحقد عليك ـ قال البوليس ـ وقد أخذته الرأفة على ضعف ماتيو ورعبه. فلنسمع. ـ كل ما تريد. ـ هل أنت شريك كراب؟ ـ نعم ولكن لا في سرقة الماسة. ـ أعرف هذا، ولكنك تعرفه منذ زمن طويل، هل تعرف أنه كان نكتالوب يعني أعمى في النهار ويرى في الليل؟ فنظر ماتيو إلى مخاطبه بعجب. ـ حقاً إنك لاحظت ذلك؟ إنني اشتبهت به منذ زمن طويل وكدت أتأكد. ـ وأخيراً تبدل شكك باليقين. ـ ولا ولكن بالعكس بل كثيراً ما كنت أغالط نفسي، فإن كراب إذا لم يكن سوى نيكتالوب فإنه أمهر ممثل عرفته في حياتي. ـ أنا على رأيك في هذا الأمر، إنه نكتالوب وأقدر أن أؤكد ذلك. ـ هل تعرف أين خبأ عين الشيطان. ـ لم ألاحظ أقل شيء من ذلك، ولا أقدر أن أجزم فيما إذا كانت الماسة في حوزته فليس عندي أقل برهان سوى الاستدلال والاستنتاج. ـ وأنا من رأيك. ـ أرجوك ـ إذا كنت تريد الخير لنفسك ـ أن لا تكتم عني شيئاً علمته وأقدر أن أستفيد منه شيئاً. ـ أقول لك الحقيقة يا مسيو كارتر كما لو كنت أتكلم بعد القسم وأؤكد لك أنني أفادي بكل شيء حتى لا أعاديك. ـ حسناً ـ وأنا أسمع ـ عندما اجتمعت بصديقك دونيلسون وصادفتما الأعمى هل كان في الكوخ. ـ لا، كان الكوخ خالياً، ولكننا وجدنا آثاره فجزمنا برجوعه. ـ ومتى رجع؟

стр. 2631

ـ أمس مساءً. ـ أول الليل. ـ نعم. ـ إذن فهو في الليل يرى بجلاء إذ كيف يمكن الأعمى أن يجول وحيداً في هذه المقاطعات المنفردة، أو لم ينبهك ذلك إلى أنه نكتالوب. ـ نعم إن هذا الفكر داخلني، ولكنني لم أفه لدونيلسون بكلمة. ـ هل عرفت شيئاً عن المحل الذي كان فيه كراب؟ ـ لا أعرف. . . ولكنه أتى من هذه الجهة، ثم أشار إلى جهة الكهف. ـ هل نظرته ينزل إلى هذا الكهف؟ ـ إننا راقبناه طول الليل، فلم ينكشف لنا من الأمر شيء حتى وصلت إلينا، وقد تفننا في سؤاله وأخيراً فرغ صبرنا فعولنا على إرغامه ليعطينا الماسة طوعاً أو كرهاً. ـ إنكما تصرفتما بكل خرق في التذرع بالوسائل ولو لم أباغتكما لكنت الآن قاتلاً شقياً أمام الله والناس. فارتجف ماتيو وغطى وجهه بيديه ثم قال وهو يتململ. ـ كنت أود لو لم أتداخل في هذه القضية، مع أنني أنا، أنا الذي زينت لدونيلسون اتباع الأعمى واغتصاب الماسة. ـ إنني قلت لك وأكرر ما قلت، ليس في صدري شيء عليك لا شخصياً ولا بداعي الوظيفة ويمكنك أن تنسحب الآن دون أن تخشى شيئاً، ولكن كن حكيماً في المستقبل، وأنصح لك الآن بالرجوع إلى الكوخ مسرعاً كما تفر من الموت، أما أنا فسأتابع الأعمى إلى الكهف. ـ دعني أصاحبك يا مسيو كارتر، إنني فكرت ملياً في ذلك، فقد كانت هذه الماسة مشؤومة فألقتني في هذه الوهدة، وأريد الآن أن أبذل الجهد المستطاع لأردها إلى صديقي القديم دلمار. فقال البوليس وهو يرفع كتفيه: ـ كما تشاء إذ لا أجد مانعاً من إجابتك إلى ما تطلب، ولكنني أود أن ألفت أنظارك إلى

стр. 2632

الخطر الذي تسعى إليه فإن كراب ينقل مسدسه وهو يرى في الظلمة كما يرى الهر. ـ إذا لم أكن مخدوعاً أقول أنه خبأ أيضاً بندقية في الكهف ولكن هذا لا يثني عزمي عما أروم. ـ حسناً جداً، ولكننا نحتاج نوراً لئلا نعثر في انحدارنا لأننا لسنا من فصيلة (نكتالوب) كما تعلم. ـ سأذهب إلى الكوخ وأفتش عن المصباح. قال ذلك وهمّ بالذهاب فأمسكه نكارتر بذراعه وقال له: لا حاجة لذلك فإن معي ما يغنينا، وأخذ من جيبه المصباح الكهربائي وأناره بضغطة على الزر. فأبصرا أمامهما ممراً ضيقاً متحدراً كثير المزالق يؤدي بعد معاناة الأخطار إلى قاع الكهف، فتدرج الاثنان في هذا الطريق وهما متحدران، ولكنهما أسرعا في المسير على قدر الاستطاعة. فوصلا أيضاً إلى أرض جرداء ولم يكن فيها سوى طريق صغير متعرج ضيق مملوء بالحجارة المحددة الرؤوس التي كانت تمزق الأحذية وكان على يمينها صخر ينهض إلى الأعالي حتى تغيب قمته في السحاب وعلى يسارهما النهر بأمواجه المزبدة فسأل البوليس أي طريق يسلكه كراب عند مروره من هنا. ولم ينتظر طويلاً حتى يسمع جواباً على ذلك فإن شهاباً لمع للحال قرب النهر وسمع دوي طلق فأرعب نكارتر رعباً شديداً. وصرخ ماتيو صراخاً هائلاً وأن أنة جزع لا تترجم بالكلام ثم رفع ذراعيه إلى السماء وحركهما هنيهة وبعد أن خطا بضع خطوات إلى الوراء سقط إلى الأرض لأن الرصاصة كانت قد اخترقت قلبه. ولكن نكارتر لم يفقد صوابه فأدار نور المصباح إلى الجهة التي أتى منها الطلق ولكن النور لم يبلغ المسافة المطلوبة حتى يرى من هو الذي أطلق النار، فعزم البوليس أن يتبع مجرى الحوادث. وبعد لحظة دوى طلق آخر أصاب المصباح الكهربائي الذي كان في يد البوليس ولحسن

стр. 2633

الحظ كان نكارتر ماداً يده بالمصباح لتطول المسافة التي يبلغها نوره فرفضت يده الصدمة الشديدة، وحين فقد النور عرف شدة الخطر الذي وقع فيه، إذ كان لخصمه عليه مزية كبرى في أنه يرى بجلاء على رغم الظلام المتكاثف أو بالأحرى بواسطته. ولكن البوليس لم يكن يرى شيئاً فراح يعدو إلى جهة الصخر ليتحصن به. فوفق الالتجاء إلى تجويف ضيق في الصخر انسل إليه بصعوبة وهناك ربض ينتظر النتيجة بفارغ الصبر. فدوى طلق جديد وقع على الصخر الذي كان البوليس على وشك مغادرته فقال: إذن ينبغي أن أقيم هنا دون حراك فإنني إذا خاطرت في التقدم خطوة إلى الأمام أصابتني رصاصة شدخت رأسي، لأن هذا الحيوان يصيب المرمى أحسن إصابة، ومع هذا فإن مقامي ليس أقل خطراً من التقدم فقد يمكن أن يبلغه كراب دون أن أشعر به. وفي هذه اللحظة دوى الرعد فرددت صدى دويه الأودية بما يصم الآذان ولمع البرق فأضاء تجويف الصخر وتلك الأرجاء كلها حتى سهل النظر على البوليس. فغنم كارتر هذه النهزة وحاول أن يستفيد منها عالماً أن كراب لا يستطيع فيها شيئاً بسبب ضعفه، فخطار حينئذ ورفع رأسه قليلاً ليرى خصمه فوجده على بعد خمسين خطوة واقفاً أمام ضفة النهر وهو يحمل باليد الواحدة بندقية ويستر عينيه بالأخرى حتى لا يبهره النور. فعمد نكارتر إلى الاحتيال الذي خلصه من مواقف أشد خطراً من هذا الموقف فأخذ قبعته وعلقها على رأس صخرة ثم نزل مسرعاً إلى ضفة النهر حيثما لا يرى. ثم اختفى نور البرق وساد الظلام ولم يعد البوليس قادراً أن يرى كراب فلم تمر لحظة حتى سمع دوي شديد وسمع كارتر صوت قبعته المتدحرجة على الأرض. ـ لم يخدعني فكري فقد ظننت أنه سيلمح قبعتي، وأومل أن يسقط الآن في الفخ وكان يسمع خطوات تقرب من المحل الذي كان جاثماً فيه كأنها تقتفي آثار قبعته كأن كراب كان آتياً ليرى خصمه قتيلاً. ولم يكن كارتر قادراً أن يميز شيئاً في الظلمة ففضل أن يستمر على سكونه ولم يشأ أن يصاب بطلق ناري يجعله هدفاً لنار (نكتالوب). ولكن يجب أن نؤمن بآلاه خاص للبوليس السري فإن لمعة برق أشد من التي سلفتها أنارت

стр. 2634

الكهف حتى ظهرت أشجاره وعوسجه ورؤوس صخوره. فوقف كراب فجأة ووضع يديه على عينيه متألماً لأن النور بهرهما وسكن بدون حراك كأن نار السماء قد أحرقته. وللحال وثب البوليس وارتمى عليه، فشعر كراب بدنو خصمه فصاح صياح الغضب وقد ارتجف غيظاً لأن نور البرق لم يكن قد اختفى بعد فحاول أن يقابل البوليس، ولكن هذا كان أسرع منه فقبض على فم البارودة قبل أن يطلقها كراب فضاع الطلق في الهواء وسمع له دوي اضطربت له تلك الصخور من أسسها. ولسوء الحظ عادت الظلمة ثانية. وقام بين الرجلين صراع شديد، وكان اليأس يضاعف قوى كراب وفضلاً عن ذلك فإنه يرى في الظلام بينما كان نكارتر يصادف مشقة شديدة ليقبض على خصمه وقد قاتل كراب بخفة النمر فكان يثب ويضرب ويزمجر ولكنه تعب أخيراً فقبض نكارتر على رقبته بذراعيه الشديدتين، وانهارت التربة التي تحت أقدام الرجلين فجأة لما تخللها من المطر، ففقد كراب الموازنة ولكن البوليس نجا بوثبة وثبها إلى الوراء من خطر التدحرج من رفيقه إلى أعماق النهر. ولمع البرق فأنار تلك الأرجاء، فأبصر نكارتر خصمه متدهوراً في ذلك المنحدر وهو يحاول أن يتمسك بالعوسج فخاب ما حاوله، وسقط المسكين في النهر وقد صرخ هذا التعس وهو على وشك الهلاك: فلتكن ملعوناً، فلتكن ملعوناً، إنك لن تظفر بالماسة البتة، البتة، البتة، وطغت عليه مياه النهر فصاح صيحة هائلة جمد لها الدم في عروق نكارتر ثم غاص في الماء. وبعد بضعة أيام وصل البوليس ـ وهو الوحيد الذي بقي حياً من العصبة إلى مقاطعة في الأريزونا فيها مكتب للتلغراف، فراسل باتسي الذي كان باقياً في دانفر كما أمره وعلم منه أن دلمار سافر إلى سان فرانسيسكو فأجابه نكارتر تلغرافياً بما يأتي. سأقابله في سان فرانسيسكو وأطلعه على تفصيل الحوادث أما أنت فيمكنك أن تذهب إلى نيويورك. وكان نكارتر بعد الواقعة قد جاس الأراضي وسنرى نتيجة فعله، ثم عاد يلتمس الجواد

стр. 2635

فوجده حيث عقله أما سائر المطايا فقد هلكت برصاص المتقاتلين، واستمر البوليس مسافراً على ظهر الجواد حتى وصل أول موقف لسكة الحديد فركبها إلى فرنسيسكو وهو يتنهد تنهد الراحة لأنه وجد أخيراً في غرفة متقنة فيها جميع معدات الراحة والرفاهية. وفي فرنسيسكو قابل دلمار التاجر الهندي القديم ووضع في يده الماسة الثمينة التي كان يعتقد أنه فقدها إلى الأبد، فكان تأثر التاجر شديداً حتى تعذر عليه النطق بضع دقائق ثم دعا البوليس إلى تناول الطعام وسأله أن يقص عليه الحوادث التي جرت. فقال نكارتر: ليست مهمة جداً ـ قال ذلك لأنه كان يكره أن يذكر الأعمال الفائقة التي قام بها ـ ولكنني أقول أنه كان من المستحيل عليّ أن ألاقي الماسة لو لم أعرف كيف سرقت فقال دلمار: أؤكد لك أني لا أعرف أيهما يسرني أكثر أن تعود الماسة إلى حوزتي أم أن أعرف الأسلوب الخارق الذي سرقت به. ـ إن اللغز الذي حير ألبابنا كان بسيطاً للغاية، فكانت مظاهر الصعوبة التي تجلله أشبه بالظاهر التي جللت أركاز بيضة خريستوف كولمبوس. يجب عليّ أن أقول لك أن كراب كان نكتالوب أي أنه لم يكن يرى في النهار ولكنه في الليل يرى بجلاء وعلى هذا فكان يستحيل عليه أن يرى على النور الكهربائي. ولكنك لما التفت وضغطت الزر فأظلمت الغرفة نظر الماسة تلمع في ذلك الظلام فخطفها ورماها في قدح الماء الذي كان أمامه. ولما شعر أنك ستعيد النور حالاً وضع القدح على فمه وإذ لم يكن للماسة لون استحال عليك أن تراها في القدح. فصادق دلمار على كلامه وقال: والأغرب من ذلك أن الماسة كانت تحت يدك عندما كنت تفتش جيوب أصحابك وثيابهم. وعندما طلب كراب منك أن تناوله قدح الماء قبل أن بارح الغرفة قدمت له الكأس والماسة معاً وقلبك منسحق للإهانة التي وجهتها لهذا الضعيف أليس كذلك يا مسيو دلمار إن هذا يميت من الضحك. وإنك تذكر جيداً أنه بعد أن تناول الماء كلمته فاقتصر على الانحناء أمامك وقد عزوت هذا

стр. 2636

لانفعاله الشديد من الإهانة حتى وقفت الكلمات على شفتيه آه، آه، آه. وعندما خرج من الغرفة تناول الماسة من فمه ووضعها في جيبه وقد أتى مثل ذلك مراراً في الكوخ حيثما اجتمع عليه صديقاه وإني أؤكد أن الماسة كانت أمامه في الكأس حين شرعنا بالقتال مع البرابرة، وأذكر أيضاً أنه أفرغ القدح في فمه قبل أن يجلب لي حقيبة الرصاص ولا شك أن الماسة كانت عندئذ في فمه ثم خبأها في الكهف. ولكي أختصر القصة أقول لك أنني خفت خوفاً شديداً لما سقط كراب في النهر من أن تكون الماسة معه فلا يعود في اليد حيلة كما تعلم وأخيراً عزمت أن لا أبارح الكهف بل أنتظر طلوع النهار وأخيراً بدأت بالتنقيب بين الصخور. ولم يكن لي مطمع أن أجد جثة كراب فإنني لم أقف لها على أثر وبعد أن فحصت الحاجز الصخري وجدت تجويفاً فيه يؤدي إلى مغارة وكان في المغارة قوت وغطاء من الصوف وبندقية ومسدسان وعدة حوائج أخر. ولا يقتضي فطنة كبيرة حتى يعرف الإنسان أن هذه المغارة هي مخبأ حصين وقد انتقاها كراب عند مبارحة الكوخ وأجاد في انتقائها لأن رجلاً فيها يمكنه أن يحارب جيشاً على شرط أن يكون عنده الذخائر الكافية. وأخذت أنقب في زوايا الكوخ ومكانه ولكن آمالي خابت في أن أجد الماسة فيه إذ لم يلح لي أقل أثر منها وكدت أيأس لولا أنني لحظت في جانب الكهف صخراً على شكل مائدة وفي وسطه تجويف طبيعي صغير ملآن ماءً. أقول تجويف طبيعي ولكن الأمر كان بالعكس لأنه كان من المستحيل أن يتسرب الماء من نفسه إلى ذلك التجويف فكان من الواجب أن تكون يد إنسان قد صبتها فيه فوضعت يدي في هذه الماء فوقعت على جسم صلب لا أراه ولكنه كان موجوداً لأنه كان يقاوم أصابعي ولله ذلك السرور الذي شعرت به فإنني عندما جذبت ذلك الجسم من الماء كانت الماسة بعينها التي طالما بكيت عليها وحننت إلى استرجاعها، هذا هو حل اللغز. ثم استلقى نكارتر على مقعده وأغرب في الضحك. فاستحوذ العجب والدهشة على دلمار وكان يتنازعه عامل السرور باستعادة الماسة وعامل الاحترام لذلك الشجاع النبيل المهذب فنهض وطوق عنق البوليس بذراعيه وجد في تقبيله

стр. 2637

قبلات شديدة أما نكارتر فلم يمانعه في ذلك البتة. ثم قال دلمار: إن كراب هذا هو أدهى لص لفيته في حياتي أليس كذلك يا مسيو كارتر؟ إنني لا أعرف كيف أعبر عن شكري العظيم. فتبسم البوليس، ثم استأنف دلمار الكلام فقال: إن الماسة صارت أعزّ عليّ الآن بعد أن تعرضت لخطر الضياع، ولكنني كنت أود أن أعلم ماذا جرى بكراب. فقال البوليس وهو يرفع كتفيه ـ إنني لم آل جهداً في التفتيش عنه فذهبت مساعي أدراج الرياح وأعتقد الآن أنه يرقد بسلام في أعماق نهر كولورادو. . . .

стр. 2638

وقفة عند يلدز لمن القصر لا يجيب سؤالي ... آهلات ربوعه أم خوال مشمخر البناء حيث ترآى ... بالياً مجده بلى الأطلال لم تصبه زلازل الأرض لكن ... قد رمته السماء بالزلزال وكسته الأيام بالصمت لما ... نطقت فيه حادثات الليالي فترآءت أبكاره شاحبات ... باكيات بأعين الآصال * * * أيها القصر ايه بعض جواب ... لا تكن ساكتاً على تسآلي ليت شعري والصمت فيك عميق ... ذاكرٌ أنت عهدهم أم سال ما تداعى منك البناء ولكن ... قد تداعى بناء تلك المعالي كنت كل البلاد في الطول والعر ... ض وكل العباد في الأعمال كنت مأوى العلى مثار الدنايا ... مهبط العز مصدر الإذلال كنت جباً وأيّ جب عميق ... بالغاً للنفوس والأموال مورد الخائنين كنت وكانت ... منك تدلى مطامع العمال قصر عبد الحميد أنت ولكن ... أين يا قصر أين عرش الجلال أين خاقانك الذي كان يدعى ... قاسم الرزق باعث الآجال ما أرى اليوم ذلك المجد إلا ... كخيال يمر بعد خيال هل وقوفي على مبانيك إلا ... كوقوفي على الطلول البوالي قد تخونتنا ثلاثين عاماً ... جئت فيها لنا بكل محال تلك أعوام رفعةٍ للأداني ... تلك أعوام خطة للأعالي تلك فيما جرت به نقطة سو ... داء تبقى بجبهة الأجيال ملأت خطة الزمان شناراً ... فأبتها كل العصور الخوالي يثب العدل طافراً كلما م ... رَّ عليها مشمر الأذيال وكأني أرى اضطراب نفوس ... كنت تغتالها وأي اغتيال أسمع الآن فيك ما كان يعلو ... من أنين لها ومن أعوال حائمات على الذي فيك أبقي ... ن دفيناً من الرفات البوالي

стр. 2639

تلك يا قصر أنفس أنفت منك ... فطارت إلى سماء المعالي وترقت إلى ذؤابة أعلى ... كوكب في سمائه جوال وهي اليوم أحرقتك بشهب ... قذفتها عليك ذات اشتعال لم يضع مجدها وإن هي أمست ... ضائعات الأشلاء والأوصال * * * كيف ننسى تلك الخطوب اللواتي ... لقحت منك حربها عن حيال يوم كنا وكان للجهل حكم ... خاذل كل عالم مفضال آمر من عتوه كل أمر ... يغرس البغض في قلوب الرجال أفأصبحت نادماً ليها الق ... صر تبالي بالقوم أم لا تبالي لم تفدك الندامة اليوم شيئاً ... قضي الأمر فاصطبر باحتمال وعزاء فلست أول قصر ... نكس الدهر من ذراه العوالي قد تداعى من قبل إيوان كسرى ... بعد أن طال شاهقات الجبال وكاين من قصر ملك ترامى ... ساقطاً بالملوك والإقبال فابق يا قصر عابس الوجه كيما ... يصبح الملك باسم الآمال وتعثر فلا لعالك حتى ... ينهض العدل ناشطاً من عقال إنما نحن أمة تدرأ الضي ... م وتأبى أن تستكين لوال أمة سادت الأنام وطابت ... عنصراً من أواخر وأوالي فإذا ما علا الغشوم نهضنا ... فقذفناه سافلاً من عال نملأ الأرض إن لمشينا لحرب ... بزئير الغضنفر الرئبال وإذا ما غلّ المليك رددنا ... هـ ذليلاً يقاد بالأغلال نحن من شعلة الجحيم خلقنا ... لأولي الجور لامن الصلصال ياملوك الأنام هلا اعتبرتم ... بملوك تجور في الأفعال ليس عبد الحميد فرداً ولكن ... كم لعبد الحميد من أمثال فاتركوا الناس مطلقين وإلا ... عشتم موثقين بالأوجال هل جنيتم من التجبر الأ ... كل أثم عليكم ووبال

стр. 2640

الأستانة معروف الرصافي

стр. 2641

تدبير الصحة اتفق لنا ونحن نعجب بالنبذة التي ننشرها لأبي زيد البلخي من أهل القرن الثالث في تدبير الصحة أن عثرنا في المجلة الباريزية على بحث للدكتور هيريكور الفرنسوي في هذا المعنى نفسه فرأينا تعريبه ليقابل القراء بين القديم والحديث قال: الصحة أعظم النعم ولا شيء يوازيها من سلطة وثروة في جلب الراحة بل ليس من سعادة أعظم مما توليه الصحة، ففي الصحة شعور بطول بقاء المرء مما يقوي الساعد على العمل والإنتاج إلى ما وراء التصور فيزيد في حسن الخلق الذي ينشر السعادة في أطراف صاحبه، والصحة الطبيعية شرط في الصحة الأدبية لأن من سلمت حواسه من العيوب وأطرافه من الفساد يسلم عقله، والصحة الأدبية عبارة عن قواعد من شأنها ضمان صحة الأفراد والمجموع، ولا يظن ظان أن هذه القواعد تزيد في الأنانية بل هي ولأمراء مدرسة مدهشة بثت روح الغيرية لأن خلق التضامن يتجلى في أبهى مظاهره في مسائل التدابير الصحية، والتضامن هو المحور الذي تدور عليه حياة المجتمعات البشرية في المستقبل. وإنا نشعر بالمسؤولية الأدبية التي تصيبنا في المسائل الصحية العامة، مثال ذلك أن امرأ إذا كتم مرضاً سارياً ينشأ منه وباء يهلك فيه ألوف من الناس أفليس خليقاً به أن يدرك بأنه إذا باح بالمرض يقاتله هو ومن حوله على حين لو كتمه لأودى به وبغيره فليس تدبير الصحة والحالة هذه هو تدبير الجسم فقط بل هو تدبير الأخلاق بمجموعها. يعلمنا علم منافع الأعضاء أن الجسم آلة لا تبقى على حالة حسنة كما هو الحال في جميع الآلات إلا بالعمل، وعلم الصحة بما فيه من القواعد التي من شأنها حفظ حياة الفرد وحياة الجماعة يعلمنا أيضاً الطرق التي تضمن لتلك الأداة البشرية أحسن نتائجها وأطول أيامها وكيف يتمكن الآباء من إيلاد الأولاد الأقوياء النافعين، فإذا عرفنا من علم الفسيولوجيا كيف أن الفرد هو ابن محيطه فإن العلم يشير إلى تلك النقطة التي يجب على المقتنين أن يوجهوا عنايتهم إليها إذا أحبوا تحقيق أسباب حسن تربية الفرد التي لها اتصال بطبيعة الأرض أكثر من اتصالها بنوع البذار أي بصحة الأجسام أكثر من صحة التعاليم. وعلى الجملة فإن علم الصحة (الهيجيين) يأمر المرء بالعناية بصحته وصحة الناس ويشير إليه بالعمل ويدله على أسباب العمل الجيد ويبصره بعواقب الغرور ومخاطر الشهوات التي يطلب المرء فيها سعادته عبثاً وما هي في الحقيقة إلا سيئة الأثر منهكة للقوى، نعم أن علم

стр. 2642

حفظ الصحة يمثل الصحة بأنها السعادة الوحيدة الحقيقية ويبرهن بأن غلط الفرد يلحق المجموع وأن التكافل لا بد منه. وإنا بما نورده من النصائح نوجز المبادئ الجوهرية في حفظ الصحة في الفرد والمجموع ونلقن ما يجب العلم به والعمل له من القواعد الأساسية التي نوجهها خاصة لمن كانوا في مقتبل العمر من الشبان والشابات. القاعدة الأولى ـ يجب عليك أن تعنى بصحتك لأن صحة الفرد ليست له وحده بل هي للمجتمع ونجاح هذا وقوته منوطان بصحة مجموع من يتألف منهم، فالواجب على المرء أن يعمل بحيث يقدم للمجتمع ما يصيبه من الحصة من العمل والإنتاج ومن يهتم بصحته كان كمن يسعى لإبقاء تلك الآلة التي يملكها كل إنسان للقيام بما يفرض عليه من العمل ويؤدي ما عليه للمجتمع الإنساني، وتختلف عناية المرء بصحته بحسب حاله وشأنه فقد تضطره الحال في بعض الأحيان أن يفادي بصحته حباً بإبقاء صحة المجموع ولذلك كان من الواجب على كل امرئٍ أن يقوي صحته حتى لا يقف ساعة أمام ما يتحتم عليه بذله عند الاقتضاء. القاعدة الثانية ـ اعلم أن العقل القويم بالجسم السليم إن في مجموع تركيب الجسم كما في المجتمع جميع الحواس متكافلة بعضها مع بعض فالدماغ وهو حاسة الفكر والإرادة معرض لعامة الأمراض التي تصيب سائر الحواس كما هو عرضة لجميع النقائض ولذلك قضت الحكمة أن تبذل العناية بذاك المجموع النامي على اختلاف مناحيه ولا سيما إذا كان في إبان نموه، ومتى عني بإحدى الحواس بنوع خاص يستأثرون سائر الحواس بالعناصر المغذية ويبطل عمل سائر الأعضاء وتقل تغذيتها فتنقطع الموازنة العادية في الصحة ولا تلبث تلك الحاسة الممرنة كثيراً أن تصير إلى حال من الاضطراب وتفقد غناءها بما يصيبها من البوائق التي تسممها وتضيق عليها وتفلجها وعليه فاقتضى أن يعمل لكل حاسة ما تحتاجه من العناية سواء كان من حيث الفكر أو الحركة. لا يضر البالغ إلا لم تعط كل حاسة فيه حقها بقدر ما يضر الطفل واليافع لأن أعضاء هذا تكون في بدء أمرها لم تستوف قسطها من الاستحصاف من أجل هذا وجب أن تجدد بتدقيق صلات العمل الطبيعي والعمل العقلي ويقتضي للحواس قبل إنتاجها أن تستعد لذلك وإذا

стр. 2643

تعجل المرء في الإلحاح عليها تفسد وتتعطل، فتربية الطفل يجب أن تكون باعثة لمجموع الجسم على التقوية لا أن يعجل في استخدامها قبل أوان بلوغها ودماغ الولد لا يكمل إلا بعد حين ولذلك اقتضى أن لا يطلب منه إنتاج شيء قبل العمل ويكتفي بتلقين الولد العادات والأساليب التي تدر به بعد على العمل، وعلى العكس في العضلات فإنها تقوى بسرعة وكذلك هيكل الجسم فإنه يستحكم في السنين الأولى من الحياة ويقاوم أحسن مقاومة فنرى أن يمرن الطفل من سن الخامسة إلى العاشرة ساعة في الأشغال العقلية ومثلها في الأشغال الطبيعية ومن العاشرة إلى الخامسة عشرة ساعتين في الأمور الذهنية وثلاث ساعات في الأعمال العضلية ومن الخامسة عشرة إلى العشرين ثلاث ساعات في الأعمال العقلية وساعتين في الأعمال العضلية، والأخير خاص بالشبان الذين يختصون بالأعمال العقلية والأدبية والعلمية والفنية، ولا بأس في تلك السن بتعليم الأحداث صناعة يدوية إذ إن جمهور الفسيولوجيين على أن مهارة اليد تعمل عملاً نافعاً في جلاء الفكر وتؤثر أحسن تأثير في قوة الإرادة، بيد أن العمل اليدوي يعدل من العمل العقلي بل يكون له عوناً على تربية الفتى تربية عملية نافعة ويتمكن من تحصيل معاشه على كل حال فيكون مثال الرجل الحر المستقل. القاعدة الثالثة ـ ليكن جسمك طاهراً نظيفاً على الدوام ـ للجلد وظائف مهمة للصحة كالرئتين فإنهما للتنفس والكليتين لإفراز السموم التي تنبعث من حياة الخلايا المؤلفة منها حواسنا وأنسجتنا فالجلد كالرئة يتنفس ويرشح فبالعرق يفرز الجلد كما تفرز الكليتان مع البول مواد سامة وتنفع الكلى وبالرشح يتعدل مزاج الجسم لأن الرشح هو العامل الوحيد في تركيبنا لمقاومة الحرارة شأن آنية يبرد ما فيها بتبخر السائل الذي يرشح إلى سطح الطين ذي المسام، وإذ كان الجلد سطحاً واقياً من الوسط الخارجي والعوامل الطبيعية والجراثيم يجب أن يترك نظيفاً ليحفظ نعومته التي بها يقاوم المؤثرات الخارجية فالجلد الذي لا يعنى به يتخرق ولا يقاوم فعل البرد وتدخل فيه الجراثيم التي تعلق فوق سطحه، وتحسن حالة الجلد بالدلك والغسل وصب الماء الحار أو البارد على الجسم بحسب مزاج الإنسان والمواسم، وربما لا تطيق بعض الأجسام صب الماء عليها ففي هذه الحالة يجب الاعتياد على الدلك والغسل يومياً لأن ذلك شرط في تدبير صحة الجسم.

стр. 2644

القاعدة الرابعة ـ اقلل من طعامك إن خطر الإفراط في الأكل يضر بنا في الأغلب أكثر من التغذية القليلة فالطعام إذا كثر على المعدة وساء هضمه يوشك أن لا يستحيل بالهضم بدرجة كافية فتهيج به الأحشاء كما لو دخلت عليها مادة غريبة وتحدث ألماً في الأمعاء وإذا بلعت لا ينتفع بها إلا قليلاً أي لا تحترق إلا بعض الشيء في داخل الجسم وهذا مثل الموقدة التي يختل تصريفها للدخان تمتلئ بجميع الفضلات الناشئة من اختلال الوقود، فالحامض البولي وهو أخص هذه الفضلات يسمم الدم أو يهيج الأنسجة التي تحويه فيصبح الأكول إذ ذاك عرضة لوجع المفاصل وغيره من الأمراض، وتكون هذه العوارض على طول الزمن دائمية وقد كان يمكن زوالها وتبدو في شكل تكوين الحصاة أو وجع المفاصل والبول السكري. فالإفراط في التغذية وعنه يحدث الاضطراب في الهضم يتبعه في الغالب تخمر خارق للعادة في الأحشاء وتنبعث منه سموم منوعة في قناتها ولا يأتي على هذه السموم المبتلعة إلا الكبد ولكنه إذا كثرت عليه وظيفته ينتهي به الأمر أن يتعب ويصبح غير كاف بعمله وعندها تحدث سلسلة من الاضطرابات التي تغير ميزانية الصحة والكفاءة للعمل. القاعدة الخامسة اجعل الماء شرابك العادي الماء هو الشراب الطبيعي ينفع في الهضم وتنقية الدم، ولا شك أن الماء يحوي جراثيم مضرة وهذه الجراثيم لا تبيد كما يزعم بعضهم بإضافة شيء من الخمر إليها، فإذا اشتبه في الماء أو كان ثمة خطر من وباء ينتقل في الماء كالحمى التيفوئيدية والهواء الأصفر، يجب غلي ماء الشفة وماء الاغتسال ولا يصح أبداً على راووق (مصفاة الماء أو فيلتر) البيت لأنه يستلزم عناية كبرى لا تنهض بها إلا المعامل الكيماوية ويحتاج إلى التطهير والتعقيم مرة في الأسبوع على الأقل، والماء المغلي لا يسوء هضمه فلكي يجعل قابلاً للشرب يتحتم تبريده وتهويته ويكفي ترويقه بالنفوير، وإن الأشربة التي تؤخذ على الريق لا تبقى في المعدة بل تنساب في الحال إلى الحشا الذي يبتلعه حالاً فالأحسن إذن أن يشرب الماء في أول الطعام لا في أواخره وتبقى الأشربة التي لا تهضم في المعدة مع الغذاء ويحل العصارة المعدية ويبطئ عمل الهضم في المعدة. القاعدة السادسة ـ امتنع من تناول الالكحول بتاتاً ليست الكحول غذاء بل هي سم قتال للخلايا العصبية ومروره على الكبد والكليتين يفسد عناصرها على صورة يتعذر الشفاء مما

стр. 2645

ينالها وإن جسماً يقوى بالكحول لقليل البقاء إذ يفقد أدوات دفاع الجراثيم الضارة عنه ويكون عرضة لعامة الأمراض الالتهابية التي تشتد عليه أكثر ممن يمتنع عن تناول المسكرات ثم إن أهم الأحشاء تصاب بتبلل يؤدي بها إلى العقر أو يصاب نسل أولئك السكيرين بتشويه في أجسامهم لا يبرؤون منه، فكما قالوا أن الكحول هي مقدمة لداء السل في شاربيها كذلك هي مدرجة للأمراض العضال في الكليتين والكبد وإذا ورث ابن السكير نقصاً في جسمه تبلغ به الحال أن يكون جانياً أو مجنوناً، وجميع ما يصاب به أولئك البائسون من تشويه الخلقة والهستيريا وضعف المجموع العصبي والصرع مما يقضون به حياة شقية ناشئ ولا جرم من تسميم دم أبيهم له وتوريثهم هذه الأوصاب. أما سائر الأشربة المقوية كالقهوة والشاي فليس فيها من ضرر من هذا القبيل وعلى كل فلا بد من الاعتدال فيها وإلا فلا تلبث أن تضر بالأعضاء الهاضمة، ومن الآراء الخرافية ما هو شائع على الألسن من أن القهوة تساعد على الهضم. القاعدة السابعة ـ إذا كنت تعمل بعضلاتك اعتمد في طعامك على البقول وأكثر من تناول السكر وإذا كنت تعمل بعقلك فاعتمد في تغذيتك على اللحوم يستلزم العمل بالعضلات طعاماً يكثر فيه الكربون إذ أن العضلات هي أدوات لإنتاج الحركة والقوة تسخن بالفحم فالبقول تحتوي على أطعمة كربونية والسكر هو فحم العضلات التي توقد منه وعلى العكس في الأعمال العقلية فإنها تصرف عناصر آزوتية لا يمكن التعويض عليه إلا بتناول مواد ألبومينية من اللحم، واللحم النيء يصلح ما يفقده مجموع الجسم من الآزوت أكثر مما يصلح اللحم المطبوخ. القاعدة الثامنة ـ للوقاية من البرد أذكر أن قطعة من الورق تعادل معطفاً أو حراماً قد يحدث أن البرد يداهم المرأ على حين يكون بلا معطف ولا دثار ومعلوم أن ما يدفئ الجسم هو أن تجعل حوله طبقة من الهواء سخنة وهذا الغطاء يجب مضاعفته أو تقليله لأن الهواء كجميع الأغذية هو أسوأ موصل للحرارة ولذلك ليس من المهم أن تكون ألبسة المرء غليظة بل أن تكون كثيرة منضدة بعضها فوق بعض وفي هذه الحال ينتفع بقطعة من الورق كما ينتفع بثوب جيد بالنظر لقلة ثخانته إذ يجعل طبقة واقية من الهواء وإذا وضعت جريدة تحت الصدرة أو تحت الدثار تعادل بما تورث الجسم من الحرارة المعطف أو دثاراً ثانياً.

стр. 2646

القاعدة التاسعة ـ احذر البرودة (الرطوبة) أكثر مما تحذر البرد لا شك أن أخص وظيفة للثوب أن يقي من البرد ولكن الأمراض الناشئة من البرد نادرة جداً على حين أن الأمراض المنبعثة من البرودة شديدة وكثيرة فاقتضى أن تكون الثياب مانعة من التنقل الفجائي بين البرودة والحرارة أي من البرودة، والثوب الذي يقوم بهذه الغاية هو الصدرة من الفلانلا، ومعلوم أن الجسم المتصبب عرقاً معرض للبرودة بالترشح السريع من العرق، والفلانلا تمتص إفراز العرق عند حدوثه وتقف حاجزاً دون برودة الجلد ونتائجه المضرة ويكون ذلك في الصيف والشتاء على حد سواء ثم أن الفلانلا في الحقيقة أنفع في الصيف منها في الشتاء بالنظر لكثرة الرشح من البدن للحرارة الكثيرة وعلى من يلبس الفلانلا أن يعلم بأنه إذا أراد أن يحفظ لها تأثيرها أي خاصيتها في الامتصاص يجب عليه أن ينزع في الليل ما لبسه في النهار ويستعيض عنه قميصاً أخف منه، والمروحة على هذا الوجه بين قميص الليل وقميص النهار ضرورية لإبقاء صفات القماش عليه. القاعدة العاشرة ـ اعمل بنشاط فالعمل من شروط الصحة ـ وذلك لأن الجسم الحيواني هو في الواقع آلة تخرج النشاط من طريق الحركة أو من طريق الفكر، ولذلك كانت الآلة التي لا تأتي بالعمل الذي خلقت له لا يتيسر بقاؤها والآلة التي لا تستعمل تصدأ والصدأ يسرع في تخريبها أكثر من الابتذال وهكذا فإن جسم الإنسان لا يستقيم شأنه إلا إذا استخدم فيما يراد منه، ويعرف الناس أمثلة كثيرة من أولئك الذين ينقطعون عن العمل قبل الأوان ويتقاعدون في بيوتهم فلا تلبث البطالة أن تؤدي بهم إلى الهرم فالموت، ومن قضي عليهم من الناس أن يمتازوا بمالهم من ثروة أن يعيشوا بدون أن يعملوا يشعرون مع هذا بالحاجة إلى العمل فيعمدون إلى الرياضات من ركوب الخيل والدراجات وغيرها مما هو في الحقيقة من الصنائع اليدوية يقوم بها أولئك الموهون بها. القاعدة الحادية عشرة ـ إذا كنت تعمل بعقلك استرح بأن تعمل بيديك وإذا كنت تعمل بيديك استرح بالعمل بعقلك ـ لموازنة الصحة علاقة بتوازن القوة على العمل في التركيب الإنساني على اختلاف أعماله، فعلى المشتغل بعقله أن يجعل له من وقته حصة للاشتغال بالأمور الطبيعية وذلك بأن يخصص كل يوم ساعة أو ساعتين للمشي وعلى من يعمل الأعمال اليدوية أن ينقطع قليلاً للنظر في الأمور الذهنية فيجب عليه أن يخصص لها مثل

стр. 2647

هذا الوقت أيضاً، وهذا من الضروريات التي تضمن لمتعاطيها سهولة هذه التربية لمساس الحاجة إليها في نفع الصحة الطبيعية والأخلاقية. القاعدة الثانية عشرة ـ اصرف الراحة الأسبوعية في الخلاء ـ تقضي دواعي المدنية على العاملين من كل طبقة سواء كانوا عاملين بعقولهم أو بأيديهم أن يعودوا من حين إلى آخر إلى الحالة الطبيعية التي يمثلها العيش في الخلاء، فالراحة الأسبوعية التي يمكن أن يقال عنها أنها قانون السلام تمكن صاحبها من الرجوع إلى الحالة الطبيعية على شرط أن لا يصرف المرء وقته في دور التمثيل ولا في الحانات بل يصرفه في تهوية الرئتين وتليين المفاصل وذلك بأن يعمد إلى الرياضات البدنية على أنواعها أيضاً كالمشي والركض والقفز والتزحلق على الجليد بحسب سنه وذوقه والفصل الذي يكون فيه من فصول السنة، ويستفيد النساء والفتيان ويلتذون بالألعاب في الهواء الطلق مثل لعبة التنيس وركب الزوارق والدراجات. القاعدة الثالثة عشر ـ وتم ثماني ساعات ـ كان من قواعد تدبير الصحة في القديم أن لا يسمح للمرء بأن ينام أكثر من ست ساعات إلى سبع على أنه لا وجه للشبه بين ما يعمله أحد سكان مدينة آثينة في زمن أفلاطون أو أحد سكان رومية في عهد هوراس وبين ما يعمله رجل بيده أو بعقله في القرن العشرين، أما اليوم فإن العامل بذهنه أو ببدنه يقتضى له راحة أطول تعوض ما يتوفر عليه من شاق الأعمال ولا سيما في الأطفال والفتيان ممن لا يتم نموهم في الحقيقة إلى نحو الخامسة والعشرين من أعمارهم، ولا يتوهمن منوهم أن إطالة الليل في النوم يستلزم تقصير النهار فليس السر في عدد ساعات العمل بل في الصورة التي تستعمل فيها فيتهيأ الفكر بعد الراحة المعوضة إلى العمل والحركات تكون دقيقة وسريعة والآراء سليمة واضحة والعمل يتم على وجه أسرع وأحسن، وماذا يفيد طول مقام المرء في مكتبه أو معمله إذا كان يقضيها وهو ساهٍ أو كالحيوان المخدر. القاعدة الرابعة عشر ـ لا تدخن ولا تمضغ التبغ ـ التبغ من النباتات المخدرة للشعور المادي وتسلي أكدار الحياة تسلية موقتة وبذلك يتوهم بعض المشتغلين بالأعمال العقلية أن ينشطهم ويبعثهم على العمل على أنه يأتي على شعور المصاعب ويتغلب عليها ويلقي حجاباً على الحقيقة ولا يقف تأثيره في الدماغ فقط بل يتناول الأعصاب لأن التبغ سم

стр. 2648

الأعصاب وهناك عصب يتأثر أكثر من غيره ونعني به القلب وما هو الأعصب من الأعصاب. وأن المولعين بالرياضيات والعدو والصراع وركوب الدراجات والقوراب ليحسنون صنعاً إذا طرحوا عادة التبغ لأنه بفعل ما يعانون من أنواع الرياضات، فيساق المرء بنابل من العادة وقد يتعودها بصعوبة بادئ بدءٍ بحيث يحتاج معها إلى إرادة قوية تتغلب على كراهة طعم التدخين حتى إذا ألفه يضر الذهن ولا سيما في الخلق. لا شك أن التبغ يثلم الشعور الطبيعي والإحساس الأدبي فيقلل من الضجر والوسواس ويمنع الوجدان الأدبي من الانبعاث، ومن الصعب أن يحكم على مستعمل التبغ بأن له وجداناً طاهراً سليماً وقوة إرادة. القاعدة الخامسة عشر ـ يجب الرفق بالأم وهي حامل ـ تراعى المرأة الحاملة أنوع المراعاة فمنذ تحمل تتجه أعضاؤها كلها إلى تكوين طفلها وكل ما يضر بصحتها يلحق منه ضرر على الرحم ويصده عن نموه العادي وقد تكون الهموم والأحزان والإفراط في التعب أصل المشوهات الطبيعية والعقلية التي تنال الطفل منذ ولادته وتعذبه طول حياته، فالواجب إذاً أن يمنع عن المرأة في خلال حملها كل ما يضر بخلقها ويغير صحتها الأم شخص مقدس تحمل في أحشائها مستقبل الإنسانية ورقيها ومتى كان حملها عادياً يتيسر لها أن تعمل بعض الأعمال غير المتعبة إلى آخر الأيام التي تسبق الوضع، وأن ما ينبغي التوقي منه كثيراً معاودتها العمل بعد الوضح حالاً فقلة الراحة بعد الولادة تضر بحواسها الباطنة فينشأ عنها اضطرابات تضعفها مدة حياتها وتضر بها في حملها بعد ذلك فيلزم للنفساء راحة تامة لا تقل مدتها عن خمسة عشر يوماً ثم تعاود العمل بالتدريج. القاعدة السادسة عشر ـ لبن الأم خاص بابنها ـ إذا كانت الأم ممتعة بصحتها يجب عليها أن ترضع ابنها فلا شيء أنفع له من لبنها كما أن أعضاء المرضع تضمن صحة الأم لأن الرضاع طبيعي لها ولذلك كانت كل امرأة لا ترضع طفلها نصف أم لا أماً كاملة، فإذا عهدت بابنها إلى مرضع تجهل أو تتساهل أموراً كثيرة تجب العناية بها لحفظ صحة طفلها ولا ينتبه له ويهتم له اهتمامها غيرها ثم أنها تكون في تلك الحال سبباً لإهمال طفل آخر وهو ابن المرضع، وأن طفلاً ترضعه ربيبة لهو طفل آخر ربي على الابريق ذي زمولة

стр. 2649

(مصاصة) والطفل الذي ترضعه غير أمه تكون أمه قد أرضعت الاثنين رضاعاً غير طبيعي والطفل الذي يرضع من غير ثدي أمه بعيداً عنها يوشك في الغالب أن يموت في سنته الأولى فالأم التي يتيسر لها إرضاع ابنها بذاتها وتدفعه إلى مرضع تكفله لها تحت نظرها هي مسؤولة عن هذا الإهمال جملة، والأم التي تبعث بابنها إلى المرضع بدون ضرورة تجرم جرمين اثنين وقد تهلك ابنها بصنعها. القاعدة السابعة عشرة ـ عليك أن تزن أولادك ـ بنمو الطفل كثيراً فإذا كانت صحته جيدة يزيد وزنه على الدوام فوزنه المرة بعد المرة أحسن واسطة لإثبات جودة صحته، فالميزان هو ميزان حرارة الصحة ومعدل زيادة الطفل الجيد الصحة والتغذية هو أن يزيد في الشهر الأول ٢٥ غراماً وفي الثاني ٢٣ وفي الثالث ٢٢ وفي الرابع ٢٠ وفي الخامس ١٨ وفي السادس ١٧ وفي السابع ١٥ وفي الثامن ١٣ وفي التاسع ١٢ وفي العاشر ١٠ وفي الحادي عشر ٨ وفي الثاني عشر ٧، ويجب أن لا تمضي ثلاثة أشهر إلا ويوزن الأولاد والفتيان على اختلاف أعمارهم لأن من الأمراض ما يتهددهم في المدن الكبرى مثل السل وكثيراً ما يكتفي لحسم الداء أن يعطى المريض راحة وتغذية مناسبة. القاعدة الثامنة عشرة ـ يجب لك أن تجعل أولادك المرضى بمعزل عن الأصحاء حتى لا ينقلوا إليهم المرض ـ تكاد تكون جميع أمراض الأولاد أمراضاً معدية كالحميراء والحمى الحصبية والجدري وانتفاخ لوزتي الأذنين والخناق وتكاد تبدأ كلها باضطرابات يظن أنها زكام خفيف وهي نزلة أو التهاب في الحلق والحنجرة ومجاري الأذن، فإذا ظهر بعض هذا فعلى الأبوين في الحال أن يعزلوا أولادهم وأن لا يبعثوا بهم إلى المدرسة أو إلى أي اجتماع كان وأن يفردوهم وحدهم في الدار، وكم من أناس عدوا بأولادهم المرضى أولاد غيرهم فكانوا بأخذهم المرض من أولادهم قبل أن ينتهوا سبباً لسريان الأمراض التي تصبح أوبئة عامة بعد أن كانت مقصورة على بعض الأفراد. القاعدة التاسعة عشرة ـ لا تسمح بأن يتعانق الأولاد ـ ليس للأولاد ميل طبيعي لأن يتعانقوا والأبوان هما اللذان يريدانهم على العناق ويسوقانهم إلى هذه العادة فتقبيل الأولاد بعضهم بعضاً يحوي مضرات كثيرة بأن ينقل الأمراض السارية وتكون تلك لقاحاً وأي لقاح لسريانها، وقد تقدم أن أكثر الأمراض في الغالب نزلات ووجع في الحنجرة والأنف

стр. 2650

والأذن كالحمراء والحمى الحصبية والسعال والحمى ذات البثور وأن الخناق (الدفثيريا) ينتقل بواسطة اللعاب عادة وعليه فإن التقبيل من العادات الضارة وكم من الأطفال هلكوا به. القاعدة العشرون ـ كل مسكن سليم نافع للصحة إذا استطاعت الشمس أن تدخل إليه والهواء أن يخرج منه ـ كما أن البيوت تحصر الناس في بقعة من سطح الأرض فهي تقيهم تبدلات الجو والبرد والهواء والمطر والحرارة فالواجب أن يدخل إليها الهواء والنور فإن الهواء البليل الصافي الذي لم يستنشق ولم تمازجه غازات الوقود من المواقد والمصابيح ولم تشبه شائبة هو من أنفع الأشياء للكبد والتنفس بل هو غذاء الحياة. فغرف العمل أو النوم على حجمها إذا لم يتخللها الهواء على الدوام تفسد بأنفاس السكان وغازات الوقود والاستصباح فمن اللازم اللازب أن يتخلل الهواء أي يتجدد على الدوام ويكفي في الصيف فتح الأبواب والنوافذ وفي الشتاء يخشى بعض الناس من البرد فلا يتركون الهواء يتخلل الأمكنة فينشأ من ذلك اختناق بطيء ولكنه خطر إن لم يقرب الموت العاجل يهيء السبيل إلى عدة أمراض ولا سيما السل. وبعد فيجب استنشاق الهواء بليلاً أو بارداً ولذلك كانت الآلة ناقلة الحرارة التي تدفئ الهواء من أبشع وسائط التدفئة على حين أن الموقدة التي تدفئ ببروز الأشعة وتجلب هواء من الخارج أحسن الوسائط المنطبقة على حفظ الصحة والمواقد ذات الحرارة البطيئة خطرة فيجب الامتناع من استعمالها، وليست الشمس أقل لزوماً للصحة من دخول الهواء النقي وما شعاع الشمس إلا باعثة للقوة في الجلد وتغذية الأنسجة والنباتات التي لا تصيبها الشمس تذبل وتفقد ألوانها وتصبح بشعة المنظر ولا تلبث أن تموت وكذلك الحال في الحيوان والإنسان وكما تفيد أشعة الشمس النباتات والحيوانات تضر بالنباتات الطفيلية والعفن والجراثيم التي هي واسطة جميع الأمراض وذريعة إلى سريان العدوى وبفضل الشمس ننجو من الجراثيم الضارة العابثة بجسومنا وحيث تدخل الشمس لا يدخل المرض والتعرض للهواء والشمس هما من في الحياة. القاعدة الحادية والعشرون ـ يجب التوقي من الغبار بالرش لا بالكنس بالقمة (المقشة) من ريش ـ الغبار مضر جداً وذلك لاحتوائه على ذرات كثيرة كلسية وآلية وصوانية تهيج

стр. 2651

الغشاء التنفسي وتؤذيه وتدعو إلى عدة أمراض كالنزلات والدفثيريا وجزء من الغبار مؤلف من براز المصابين بالأمراض فتسطو هذه الذرات على الأغشية المخاطية وتلقحها وتجرحها، فمن أهم قواعد الصحة في البيوت أن يمنع عنها الغبار لا بكنسه بمكنسة أو مقمة فإن ذلك الحال ترك الغبار متراكماً في الدار دون أن يمس لأن ضرره يكون واقفاً ولو موقتاً من إثارته على تلك الصورة، ولذا اقتضى أن لا يكنس وينفض بدون ماء وأن يزال الغبار بمناشف ندية أو فرشايات ومكانس ندية، ويجب جمع الغبار لإبادته لا إثارته لينتقل إلى الجيران. القاعدة الثانية والعشرون ـ لا تستعمل الستور والبسط والأثاث المزين بالرفارف ـ وذلك لأنها مانعة من نفوذ الهواء والنور مستنبت للغبار وقد لا تتمكن ربة البيت من نفضها وتهويتها وكذلك الورق الملون الذي يجعل على الجدران فإنه عش الجراثيم الضارة وأحسن المساكن التي يصفها رجال الصحة ما كان منها مصقولاً مدهوناً قابلاً للغسل وأحسن الغرف ما كانت مدففة أو مبلطة وأن يكون أثاثها عبارة عن خشب وجلد لا من قطيفة ومخمل وبسط ورب سجادة حوت من الجراثيم بالغبار الذي عليها ما لا يوجد أضر منه في الشارع نفسه. القاعدة الثالثة والعشرون ـ لا تتسامح بدخول الحشرات إلى منزلك ـ الهوام وسائط لنقل الأمراض السارية وتلقيحها فالذباب يقع على القاذورات فإذا كانت قاذورات حميات تيفوئيدية أو وباء (كوليرا) أو سل تنقل أجزاءها في أرجلها إلى الطعام والثياب وأغشية من تقع عليهم بعد، والبعوض ينقل في البلاد ذات المستنقعات حيث تشتد الحميات جراثيم من تقرحهم ممن يكونون مصابين بالحمى وتلقح بها غيرهم من الأصحاء، والبق والبراغيث تفعل بقرصها فعل البعوض بقرصه بالبق تنقل جراثيم حمى التيفوس والتيفوئيد ويخشى أن يكون ناقلاً للسرطان والجذام ومن المحقق أن البراغيث هي التي تلقح جراثيم الطاعون وتنقلها من الجرذان إلى الإنسان، ولا تخلو من أن تنقل جراثيم الحمى التيفوئيدية والسل. وأقرب الطرق إلى النجاة من هذه الهوام أن يجعل شيء من روح الصمغ على سطح القاذورات في المراحيض وأن تصب كمية من البترول على المياه الراكدة فتموت الهوام الناقلة كالبعوض وغيره وأن تستر النوافذ في الليل بستائر من السلك الرفيع لتمنع البعوض

стр. 2652

من الدخول وقرص الساكنين وهم نيام وصب شيء من البترول على المحال التي يعيش فيها البق أنفع واسطة للخلاص منه كما أن الماء أنفع ذريعة للنجاة من البراغيث وغسل الحيوانات الأهلية على الدوام حتى لا تنقل البراغيث إلى القائمين على تربيتها. القاعدة الرابعة والعشرون ـ اجعل الحيوانات الأهلية في اصطبل ـ ليست الدار نادي الحيوانات الأهلية كالقطط والكلاب والطيور فإن إيواءها في الدور مضر وناقل للأمراض ولا سيما للسل والسرطان فالكلب مصاب بالسل غالباً والهر بالسرطان والببغاء ذكورها وإناثها بالتهاب ذات الرئة بل أن الكلب والهر واسطتان لنقل الحميات ذات البثور كالجدري والقرمزية والحميراء والدفثيريا وأورام الجلد وغيرها من الأمراض المعدية ثم أن الكلب يلعق كل ما يقع أمام عينيه وقد يدلله صاحبه وما أنه يدري ينقل الكلب إن لم نقل مرضاً آخر دع عنك ريشه فإنه مستويل الجراثيم ينقلها من السقيم إلى السليم وعليه فالقطط والكلاب الأهلية هي خطر دائم على الصحة العامة. القاعدة الخامسة والعشرون ـ اعن بنظافة الشارع كما تعنى بنظافة مسكنك ـ نقضي شطراً من حياتنا في الشوارع ولذلك وجب علينا أن نطهرها من الأدناس والأرجاس على أننا نطرح فيها بدون مبالاة الغبار والأوساخ وننفض فيها البسط ومماسح الأرجل وما الكناس إلا واسطة لنقل باسيل الأمراض وهناك قاذورات الكلاب وأخيل وهي سبب لعدة نزلات أذنية وحلقية وكل ذلك مما يبتلع منه ساكن المدن كمية غير قليلة فلو جمع غبار المساكن بوسائط ندية أو أحرقت في النار أو وضعت في ماءٍ يغلي وإذا امتنع المرضى عن البصاق في الشارع ولم يكنس الكناسون إلا بعد الرش كما في بعض البلاد المتمدنة لما أصبح الشارع كما هو الآن مستوبل الأمراض ومحلاً أضر من غرفة في مستشفى. القاعدة السادسة والعشرون ـ إذا بصقت على الأرض فكأنك تبصق على جارك ـ يجب الامتناع عن البصاق في الشارع والمحال العامة والدار وذلك لأن بصاق الرجل السليم من العادات المخالفة للقواعد الفسيولوجية فالواجب نزع هذه العادة أما المسلول فإنه ببصاقه ينقل عدواه في الحال إلى غيره وذلك إذا بصق في الشارع لا تلبث بصقته أن تجف فتتطاير في الهواء ميكروباتها فعليه أن لا يبصق حتى في منديل لأنه كلما أخرجه من جيبه يقذف جراثيمه على من أمامه بل عليه أن يستعمل مبصقة يضعها في جيبه هذا هو من

стр. 2653

الفروض الاجتماعية ومن أوائل قواعد التضامن فمن كان به مرض ولم يستعمل هذه الطريقة فهو مرتكب جناية لا محالة. القاعدة السابعة والعشرون ـ إذا كان بك مرض خذ الاحتياطات بذاتك أو بالواسطة لئلا تنقل العدوى إلى من حولك تكاد تكون جميع الأمراض الحادة وكثير من الأمراض المزمنة من الأمراض السارية فإذا رأى كل مريض من واجبه وقاية جاره من نقل جراثيم مرضه إليه لا تلبث معظم الأمراض السارية أن تضمحل، وما من قانون صحي عام ينفع في هذا السبيل بقدر ما تنفع عناية كل فرد على حدته بصحة من حوله وكل ما تقوم به البلديات من أسباب التطهير قليل جداً في جانب الوقاية التي يجب على المرء نفسه أن يتخذها وكثير من أرباب الأسرات يصابون بمرض سار فيعدون به أولادهم وأزواجهم ومن حولهم بتسامحهم وعدم اتخاذهم الاحتياطات الصحية فيقتلونهم بأيديهم جهلاً وغباوة ومن نظر في تاريخ البيوت يدرك أن الأولاد لا يصابون بالتهاب ام الدماغ إلا بتساهل آبائهم فالواجب على الريض أن يسأل الطبيب عن أسباب الوقاية التي يتحتم عليه اتخاذها ويطبقها على نفسه بالفعل. وأنت يا هذا إذا أصبت ذات يوم بمرض فلا تحمل اللوم على قواعد حفظ الصحة وقلة غنائها ولا على ضعف العلم بل إن الذنب في ذلك على أجدادك ومواطنيك.

стр. 2654

رحلة إلى جبل قلمون يعد جبل قلمون بين جبال سورية من أحسنها ماءً وهواءً وإنباتاً ومع هذا لم يشتهر اشتهار جبال لبنان وحرمون والكليبة واللكام على قربه من دمشق قاعدة بلاد الشام، وكان يقال له في القديم جبل سنير وبذلك عرفه الجغرافيون والمؤرخون والشعراء، قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك وهو مما ألف منذ نحو ألف سنة أن كورة دمشق وأقاليمها سهل الغوطة إقليم سنير مدينة بعلبك البقاع إقليم لبنان كورة جدنية كورة اطرابلس كورة جبيل بيروت صيدا البثينة كورة حوران كورة الجولان وظاهر البلقا وحوالي الغور وكورة ناب وكورة جبال وكورة الشرا وبصرى وعمان والجابية، فإقليم سنير هو من أقرب الأعمال إلى دمشق ولم نظفر له بتحديد أجمع من تحديد ياقوت في معجم البلدان، قال أن سنير بفتح أوله وكسر ثانيه ثم ياء معجمة باثنتين من تحت جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأسه قلعة سنير وهو الجبل الذي فيه المناخ يمتد غرباً إلى بعلبك ويمتد مشرقاً إلى القريتين وسليمية وهو في شرقي حماة وجبل الجليل مقابله من جهة الساحل وبينهما الفضاء الواسع الذي فيه حمص وحماة وبلاد كثيرة، وهذا جبل كورة قصبها حوارين وهي القريتين ويتصل بلبنان متيامنا حتى يلتحق ببلاد الخزر ويمتد متياسراً إلى المدينة وسنير الذي ذكر أنه بين حمص وبعلبك شعبة منه إلا أنه انفرد بهذا الاسم وقد ذكره عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي فقال من قصيدة: أسيم ركابي في بلاد غريبة ... من العيس لم يسرح بهمه بعير فقد جهلت حتى أراد خبيرها ... بوادي القطين أن يلوح سنير وكم طلبت ماء الاحص بآمد ... وذلك ظلم للرجال كبير وقال البحتري: وتعمدت أن تظل ركابي ... بين لبنان طلعاً والسنير انتهى كلام ياقوت جاء في أبي الفداء أن الجبل الشرقي الممتد شمالي الشام كان يدعى سنير في عهده وقد ورد سنير في التوراة فقال الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس: سنير (درع أو شلالة) اسم قسم من جبل الشيخ (حرمون) (١ أي ٥: ٢٣) ٢٧: ٥ (وقال ياقوت في القلمون أنه بفتح أوله وثانيه بوزن قربوس وهو فعلول قال الفراء وهو اسم وأنشد: بنفسي حاضر بجنوب حوضي ... وأبيات على القلمون جون

стр. 2655

ومن القلمون الذي بدمشق بحتري بن عبيد الله بن سلمان الطابخي الكلبي من أهل القلمون من قرية الأفاعي وقال في القاموس قلمون محركة موضع بدمشق، التاج أن القلمون رومية وحروفها أصلية، وكلمة قالا بالرومية طيب ولعله الجبل الطيب أو نحو ذلك وحوارين التي قال عنها ياقوت أنها القريتين هي قصبة جبل سنير وهي كما قال في مكان آخر حصن من ناحية حمص قال بعضهم: يا ليلة بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير وقال أحمد بن جابر مر خالد بن الوليد في مسيره من العراف إلى الشام بتدمر والقريتين ثم أتى حوارين من سنير فاغار على مواشي أهلها فقاتلوه وقد جاءهم مدد من أهل بعلبك ثم أتى مرج راهط وفي كتاب الفتوح لأبي حذيفة اسحاق بن بشير وسار خالد بن الوليد من تدمر حتى مر بالقريتين وهي التي تدعى حوارين وهي من تدمر على مرحلتين وبها مات يزيد بن معاوية في سنة ٦٤ قال الراعي: أنحن بحوارين في مشمخرة=بيت ضباب من فوقها وثلوج وقال أيضاً والقريتان قرية كبيرة من أعمال حمص في طريق البرية بينها وبين سخنة وأرك أهلها كلهم نصارى وقال أبو حذيفة في فتوح الشام وسار خالد بن الوليد ﵁ من تدمر إلى القريتين وهي التي تدعى حوارين وبينها وبين تدمر مرحلتان وإياها عنى ابن قيس الرقيات بقوله: وسرت بغلتي إليك من الشا ... م وحوران دونها والعوير وسواء وقريتان وعين ال ... تمر حزن بكل فيه البعير فاستقت من سجاله بسجال ... ليس فيه منّ ولا تكدير وقد سألنا العارفين فأكدوا لنا أن حوارين بعيدة عن القريتين بنحو ثلاث ساعات وآثارها بادية إلى الآن وما نظن أنها كانت قصبة جبل سنير فيما مضى إلا في أمورها الإدارية كما نرى اليوم قسماً من جبل قلمون تابع لقضاء دومة الشام والقسم الآخر هو الأعظم تابع لقضاء النبك وقسم منه تابع لحمص ويقول الخبيرون من أهل هذا الجبل اليوم أن جبل قلمون يمتد من الدريج إلى البريج وهو تحديد معقول جداً لأنك ترى في الدريج وهي مزرعة في رأس جبل قرب عين الصاحب بين معربا وحلبون سلسلة جبال جديدة تكاد

стр. 2656

تكون منفصلة بعضها عن بعض وفي البريج وهي على نحو ثلاث ساعات من قارة للقاصد إلى حمص ويمتد شمالاً إلى الجرود على بضع ساعات من بعلبك وجنوباً إلى البرية وتجتاز المسافة من الجنوب إلى الشمال لراكب المطايا في يوم كما يقطع طول الجبل من غربه إلى شرقه في يومين، وأوصل بعضهم طول الجبل إلى وادي القرن قرب البقاع، ويدل على أن آخر حدود الجبل هو في البريج من ناحية حمص ما قاله الاصطخري من أن الطريق من حمص إلى دمشق هو عشر فراسخ من حمص إلى جوسية ثم إلى قارا ثلاثون ميلاً ثم إلى النبك اثنا عشر ميلاً ثم إلى القطيفة عشرون ميلاً ثم إلى دمشق أربعة وعشرون ميلاً، وجوسية كما في المعجم قرية من قرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق بين جبل لبنان وجبل سنير فيها عيون تسقي أكثر ضياعها سيما وهي كورة من كور حمص. ونقل الدكتور فانديك في المرآة الموضية نقلاً عن أبي الفداء أنه قال أن سنير هو جبل الشيخ أو قسم منه ولذلك رأينا فانديك في جغرافيته يذكر بعض أمهات قرى جبل قلمون أو سنير بحسب المقاطعات التي كان معروفاً بها عند الحكومة على عهد تأليفه ولم يذكر أنها من أعمال جبل مشهور فقال: وإلى الشمال من دمشق مقاطعة يقال لها جبة عسال نسبة إلى مكان يقال له عسال الورد لكثرة الورد الذي فيه ومن أشهر قراها صيدنايا وفيها دير لراهبات طائفة الروم وإلى الشمال الشرقي مقاطعة معلولا نسبة إلى قرية فيها حصينة مبنية على قمة هناك لا يسلك إليها إلا من مضيق مستوعر وفيها دير عظيم لطائفة الروم وقد حدث في سنة ١٨٥٠ للمسيح أن أمراء بني الحرفوش أصحاب بعلبك تحصنوا بها بعد وقعة جرت لهم مع أجناد دمشق فهجم عليهم عسكر الدولة إلى معلولا بوسيلة من بعض أهلها فقتلوا بعضهم وأسروا بعضاً ونهبوا القرية والدير وحول معلولا عدة من القرى كعين التينة وبخعة وغيرهما ولم يزل أهل تلك النواحي يتكلمون باللغة السريانية لكنها محرفة كثيراً عن أصلها كعربية العامة في هذه الأيام وإلى الشمال الشرقي من معلولا مقاطعة يبرود نسبة إلى قرية كبيرة فيها بعض آثار قديمة وفي جوارها رأس العين ومعرة باش كردي وفليطا وسحل والقسطل وإلى الشمال الشرقي من القسطل النبك وما بين النبك والغوطة يسمى الأرض التحتية وهذه الأرض يمر الطريق من دمشق إلى بغداد وفي جوار

стр. 2657

النبك قارة وهما أعدل مكانين في تلك الديار حتى يضرب المثل بجودة هوائهما ومائهما وقد لهجت بهما الشعراء كثيراً قال بعضهم: إذا هاجت الرمضاء ذكراك بردت ... حشاي كأني بين قارة والنبك وإلى الشمال الشرقي من النبك دير عطية وقال الحافظ أبو القاسم ومعلولا إقليم من نواحي دمشق له قرى وقال ياقوت في منين: قرية في جبل سنير من أعمال الشام وقيل من أعمال دمشق منها الشيخ صالح أبو بكر محمد بن رزق الله بن عبيد الله قال ياقوت وكان من ثقات المسلمين ولم يكن بالشام من يكنى بأبي بكر غيره خوفاً من المصريين (الشيعة) توفي سنة ٤٢٦. فاهم بلاد الجبل يبرود وكانت هي والنبك من أمهات بعد مملكة صوبه أو صوباالقديمة وهذه المملكة كانت في شمالي سورية تمتد من شمالي لبنان الشرقي نحو حمص وحماة وحلب وهي قاعدة لجبل ولا يقل سكانها عن عشرة آلاف ثلثهم مسيحيون والثلثان مسلمون وتكاد تكون أشبه بالمدن منها بالقرى لتوفر مرافق الحياة فيها وكثرة سكانها صلاتهم التجارية مع دمشق وبيروت وحمص وحماة وبعلبك ولوفرة المهاجرين منها إلى أميركا ويبلغ عددهم نحو ألف رجل ومنهم الذين اغتنوا وفي يبرود عدة مدارس للمسيحيين على اختلاف مذاهبهم منها مدرسة للروم والكاثوليك أنشأها أحد أحبارهم منذ زهاء عشر سنين فوهبها ثلثمائة ليرة من ماله وفرض على أبناء طائفته أن يشتغلوا فيها بأيديهم أيام الآحاد والأعياد فجاءت مدرسة كلفت زهاء ألف وخمسمائة ليرة وقد اشتغل بعضهم بنقل التراب وآخر يجلب الحجر وغيره بالبناء، وبأمثال هذه المدارس أصبح المسيحيون أرقى من جيرانهم المسلمين لأن الأول يتعلمون والآخرين مهملون وكانت الحكومة البائدة تزيدهم خبالاً إلى خبالهم وليس لهم من أهل الرأي والعلم من يشفق عليهم ويسعى إلى ترقيتهم ترقية حقيقية كما هو حال مواطنيهم. أقول هذا ولا نكران للحق أن ارتقاء المسيحيين عن المسلمين ماثل على أشد صوره في هذا الجبل وكيف لا يكون كذلك والارساليات الدينية من الروس والانكليز والفرنسيس لم تكد تترك قرية إلا وأقامت فيها مدرسة لتثقيف عقول أبنائها على مناحيها بل أن جمع دينية أقامت لها مستشفى في دير عطية البلد الثاني في الجبل بكثرة سكانه واستئجار عمرانه.

стр. 2658

ودير عطية هذه هي والنبك (مركز حكومة القضاء) في وادٍ كان يعرف قديماً بذات الذخائر أو وادي الذخائر قال ياقوت والنبك قرية مليحة بذات الذخائر بين حمص ودمشق فيها عين باردة في الصيف طيب عذبة يقولون مخرجها من يبرود وقال الزاجر: أنّى بك اليوم وأنّى منك=ركباً أناخوا موهناً بالنبك واطلعت في دير عطية على حجة وقف نقلت حوالي الألف عن حجة كتبت سنة ثمان وسبعمائة للهجرة محفوظة عند كفيف من أهلها اسمه الشيخ عبد القادر الناظر جاء فيها أن الست الجليلة صالحة خاتون ابنة الأمير الكبير صلاح الدين بن بهلوان ابن الأمير الكبير شمس الدين الأكري الآمدي وقفت وحبست وأبدت في صحة منها وسلامة وجواز أمرها جميع الضياع الخمس المتلاصقات المعروفات بوادي الذخائر عمل دمشق المحروسة وتعرف إحداهن بالبويضا والثانية بابريصا والثالثة بالميرا والرابعة بدير عطية والخامسة بالحمرا وقد صدقت على هذه الوقفية محكمة قارة ولا يعرف اليوم من هذه القرى غير دير عطية والحميرة وفي دير عطية مدرسة للعلوم الدينية واللسانية أنشأها الشيخ عبد القادر القصاب الأزهري الديرعطاني فنتجت منها فوائد جليلة وفيها الآن نحو ٥٠ طالباً وقد تعلم بعض الطلبة فأبانوا عن كفاءة فيما أخذوا لنفسهم بتعلمه. ومن أهم قرى قلمون الرحيبة وجيرود وعلى مقربة من هذا البلد مملحة دائرة محيطها اثنا عشر ميلاً وهي في سهل منبسط ينحدر إليه ماء المطر من ويجتمع على علو يختلف بين ٣٠ و ١٠٠ سنتمتر وفي أوائل شهر أيار يتحول ذاك الماء ملحاً أبيض نقياً مراً وهذان البلدان من قلمون التحتاني وفيه أيضاً الضمير وفيها عين كبريتية ينفع الاستحمام بها المصابين بالأمراض الجلدية وأرض هذه القرية أو البلد الحارة تبلغ غلاتها قبل سائر قرى الجبل حتى أن الشعير ليحصد فيها في شهر نيسان ويحمل إلى عسال في جرود الجبل الباردة ويزرع في الحال فيحصد في تموز وهذا من أعجب ما يكون في إقليم واحد والمسافة بين الضمير والجرد نحو عشر ساعات. قال في المعجم ضمير بالتصغير موضع قرب دمشق قيل هو قرية وحصن في آخر حدود دمشق مما يلي السماوة قال عبيد الله بن قيس الرقيات: أقفرت منهم الفراديس فالغو ... طة ذات القرى وذات الظلال

стр. 2659

فضمير فالماطرون فحورا ... ن قفار بسابس الأطلال نصب الماطرون على أن نونه للجمع وهذه المواضع كلها بدمشق، وقال المتنبي: لئن تركنا ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم وقال الفرزدق يرثي عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي وكان قد مات بضمير من دمشق: يامعشر الناس لا تبكوا على أحد ... بعد الذي بضمير وافق القدرا ما مات مثل أبي حفص لملحمة ... ولا لطالب معروف إذا افتقرا منهن أيام صدق قد منيت لها ... أيام فارس فالأيام من هجرا يعني قتاله لأبي فديك الحروري ومن أهم قرى قلمون التعتاني القطيفة وهي مركز مدير ناحية تابعة للنبك جاء في المعجم أنها قرية دون ثنية العقاب للقاصد إلى دمشق في طرف البرية من ناحية حمص وتنية العقاب هي ثنية مشرفة على غوطة دمشق يطؤها القاصد دمشق إلى حمص قال أهل السير أن خالد بن الوليد سار من العراق حتى أتى مرج راهط فاغار على غسان في يوم فصحهم ثم سار إلى الثنية التي تعرف بثنية العقاب المطلة على دمشق فوقف عليها ساعة ناشراً رايته وهي راية كانت لرسول الله ﷺ كانت تسمى العقاب علماً لها. ومن قرى الجبل البديعة قرية معلولا يدخل إليها من الشمال من فج طبيعي في الجبل وهي حصينة منيعة ويؤكد بعض العارفين أنها هي مدينة سيلفكيا بعينها إحدى أمهات مملكة سلوقس أحد خلفاء الاسكندر الأربعة الذين اقتسموا مملكته بينهم بعد وفاته فانتشبت الحرب عام ٣٠١ ق. م ودارت الدائرة على الملك انثيوغولس وابنه ديمتريوس فاقتسم إذ ذاك قواد الاسكندر مملكته إلى أربع ممالك الأولى مصر أخذها بطليموس سوتير مع العرب وجزء من بر الشام أي فلسطين والثانية مكدونية وبلاد اليونان أخذها كاساندر والثالثة ثرافيا وببسينا وبعض أطراف آسيا الصغرى أخذها ليسيماوس والرابعة بقية الممالك من البحر الأسود إلى نهر لاندوس في الهند أخذها سلوقس وسميت مملكة سورية ومن أشهر مدنها أنطاكية وسلوسية واناحية واللاذقية، ولا يزال إلى اليوم يعثر في بيادرها على آثار تدل على عمرانها القديم الفخيم، وأهلها وهم نحو ثلاثة آلاف يتكلمون بالسريانية المحرفة كما تقدم وفي جوار معلولا نجعا وجبعدين وأهلها أيضاً يتكلمون بهذه اللغة كما أن أهل قلدون

стр. 2660

يتكلمون بالتركية المحرفة قليلاً ويقال أن أصلهم من التركمان نزلوا هذه القرية منذ سنين واختلطوا بأهل الجبل، وكان بالقرب من قلدون ثلاث مزارع يتكلم أهلها بالتركية أيضاً وهي دنحا وخربوشة والكنيسة إلا أنها دثرت، وعلى مقربة من معلولا قرية عين التينة وكان أهلها كما يقول جيرانهم المسيحيون نصارى يعافبة دانوا كلهم بالإسلام منذ زهاء قرنين وقلبوا الأوضاع المسيحية بأوضاع إسلامية حتى لقم يطلقون على بيت الخوري بيت الحوري بالإهمال وفي هذه القرية شجر الفستق القديم ولا يزال ينقرض لأن أهلها لا يجددون غرسه وهذه القرية هي الوحيدة في قرى ولاية سورية التي تخرج الفستق وهو من أحسن الأنواع لا يكاد يضاهيه بجودته فستق روم قلعة من أعمال حلب. طفت هذا الشهر أمهات قرى قلمون وكنت زرتها منذ عشر سنين فرأيت عليها مسحة من الارتقاء أتتها في الغالب من المال الذي جناه من أميركا المهاجرون من القلمونيين ففي قرية معرة صيدنايا وصيدنايا ويبرود ودير عطية مثلاً بيوت جميلة أقيمت بالحجر الصلد النحيت مثل بيوت لبنان الجديدة ومن البيوت ما كلفت ألفي ليرة وربما أكثر أما سائر معالم الجبل فظلت على حالها أو ارتقت بعض الشيء بطبيعة الزمن، وقد اشترك في الهجرة إلى أميركا سكان الجبل من المسلمين والمسيحيين إلا أن عدد هؤلاء أكثر والناجحين منهم أوفر ويقدرون عدد المهاجرين من الجبل بنحو أربعة آلاف رجل نجح منهم في الأكثر من اعتادوا شظف العيش مثل مهاجري دير عطية والنبك وصيدنايا والمعرة ومعلولا وقارة أما المترفون أو الذين اعتادوا الترف قليلاً فأخفق سعيهم وانقطعوا أو كادوا لقلة ذات أيديهم، ولا يعلم على وجه الصحة ما يبعث به المهاجرون القلمونيون من النقود كل سنة إذ ليس ثمة إحصاء مدقق وغاية ما يقال ومنه يستنتج ما يقرب من الحقيقة أن معدل عدد الرسائل التي ترد من المهاجرين كل سنة إلى أهلهم في الجبل يبلغ ثمانمائة رسالة، هذا في القرى التابعة لقضاء النبك وهي مركز الجبل ومزدحم الأقدام وفيه من القرى ٢٨ قرية و ١٢ مزرعة، وباقي قرى الجبل وهي ١٣ قرية تابعة لقضاء دومه فإذا فرضنا أنه يأتي من المهاجرين في السنة ألف رسالة وهو أقل تعديل ولا يكتب لأهله إلا الناجح منهم في العادة ويرسل كل واحد ثلاثين ليرة فيكون معدل ما يصل من النقود إلى قلمون ثلاثين ألف ليرة، وهو مبلغ لا يستخف به بالنسبة لفقر الجبل ولو كان هذا المال يأتيه مع توفر العناية

стр. 2661

بالزراعة وتربية المواشي وغرس الأشجار والغابات لكان الجبل من أعمر جبال العالم. ويبلغ عدد نفوس الجبل بإحصاء الحكومة ٥٨١٢٧ نسمة بين ذكور وإناث منهم ٤٥٥٧٤ في القرى التابعة لقضاء النبك اليوم و ١٢٥٥٣ في القرى التابعة لدومة وعدد المسلمين في قضاء النبك ٤٠٦٦٠ وعدد الروم الارثوذكس ١٥١٥ وعدد الروم الكاثوليك ٢٩٢٠ وعدد السريان الكاثوليك ٣٩٩ وعدد البروتستانت ٩٠ وربما بلغ عدد المسيحيين في الثلاث عشرة قرية التابعة لقضاء دومة ٢٥٠٠ نسمة. وبلغت أعشار القرى التابعة للنبك هذه السنة ١٤٤٣١٧٥ غرشاً وأعشار القرى والضمير وقارة والنبك ودير عطية ومعلولا وأهم قرى القضاء الثاني التل ومنين وحلبون وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا وباقيها مزارع أو أشبه بها. ويقسمون قلمون بحسب موقع الطبيعي إلى قسمين فوقي وتحتي فمن قرى الفرقي أو الفوقاني رنكوس وحوش عرب وهي تعلو عن سطح البحر ١٧٧٠ متراً وعسال وطفيل والجبة ومعرة باش وفليطا والسحل وقارة وعرسال ودير عطية والنبك وبخا ورأس العين ويبرود وحبعدين ومن التحتية النواني وعكوبر وبدا وحفير الفوقا وحفير التحتا وحلة ومعلولا والقسطل وعين التينة والقطيفة والمعظمية وجيرود والرحيبة والضمير ومعرونة وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا والتل ومنين وحزنة ومعطلة والدريج ومعربا وحبون وهي التي تخزن الثلج في الربيع في جردها وتأتي به كل ما يولى دمشق وتشاركها في بيع الثلج قريتا اوفرة أو قفرة وقرية منين. وتعد زراعة قلمون من الدرجة الثالثة ولو توطدت دعائم الأمن فيه لاستطاع أهل القرى القريبة من البرية للشرق أن يزرعوا تلك السهول الفسيحة وينتفعوا بالمراعي البعيدة عن القرى ساعات، وأكد لي العارفون بأن الأمن إذا استقر في نصابه وأمن القضاء من غارة أشقياء العرب والدروز على المواشي والزروع تكثر مواشيه كثرة زائدة ويغتني الفلاح والحكومة فقد نهب العرب والدروز منذ نحو سبع سنين زهاء مئة وخمسين ألف رأس من الغنم والماعز لو سلمت لأربابها لكانت بلغت الآن على أقل تعديل مليون رأس ومعدل ربح الرأس مئة قرش هذا عدا ما هو موجود اليوم من مواشي الجبل. وليس مثل جرود قلمون في الصيف لرعي المواشي ومثل سهولها الشرقية في الشتاء

стр. 2662

وألبان قطعانها من أدسم ما ذاق الذائقون، ولو تمت أمنية الفلاح القلموني بانتشار الأمن في شعابه وهضابه في الفصول الأربعة لربح الفلاح كل سنة القرش قرشين من ماشيته فقط ومن كانت عند المئة يجني المئتتين ومن ملك الألف جاءته ألفان، ويرى الخبيرون بأنه لا سبيل إلى تقرير الأمن في قلمون إلا بوضع أربع مخافر الأولى في الضمير والثانية في الناصرية والثالثة في الحميرة والرابعة في القريتين وأن يجعل في كل واحدة منها ـ وفي بعضها قلاع لإيواء الجند ـ خمسة وعشرون جندياً نظامياً فارساً (مفرزة) وبذلك يرهب أشقياء عرب البادية بأس الحكومة ويكفون عن السطو على ضعاف الأهلين كلما اهتبلوا الغرة. ولا تجد في قلمون غابات كأكثر جبال العالم بل هو جبل أجرد أقرع ولو صحت عزيمة سكانه لأكثروا من زرع التين والكرم واللوز والجوز في الأراضي القريبة من القرى ومن السنديان والبلوط في النجاد والشعاب، والظاهر أن فأس الحطاب وأسنان الماشية اتفقت زمناً طويلاً على تجريد الجبل من أشجاره وغاباته فلا تجد الشجر إلا قرب القرى وقد تمشي الساعات ولا تجد أثراً للزرع ولا للشجر. قال أحد الأجانب ممن زاروا هذا الجبل مؤخراً كنت أتمنى في حياتي أن أشاهد جبلاً أجرد من الكلأ والشجر فها قد قرت عيني في قلمون بمشاهدة ما كنت أريده من الجبال الجرداء أما ابن سورية فيتمنى لو قرت عينه برؤية جباله شجراء ذات غابات غبياء. وليست مياه قلمون شحيحة عزيزة بل هي عذبة غزيرة كأحسن البلاد الجبلية ولكن منها ما يحتاج للإنباض وللعهد والعناية وإذا توفر الأهلون وساعدتهم الحكومة قليلاً على توفير مياههم تزيد كميتها بحفر العيون والأقنية والانتفاع بالمياه والسيول حتى لا تضيع منها نقطة بلا فائدة، ومن هذه العيون ما يشفي الأوصاب ويقوي الأجسام ويساعد على هضم الطعام وأطيبها ما قرب من جرود الجبل حيث يكثر نزول الثلوج وتبقى كل سنة ستة أشهر متراكمة في النجاد والوهاد وأبشع مياه الجبل طعماً في معرونة وهي جمع من ماء الشتاء ولكن طعمها أشبه بالملح الانكليزي بيد أنها إذا ثقلت في الطعم فلا تثقل على الهضم. وقد بحثنا في بعض قرى الجبل عن آثار حجرية مكتوبة أو كتب مخطوطة علنا نقع فيها على مواد تاريخية ينتفع بها فخاب سعينا إذ شاهدنا معظم أديار الجبل لا يعرف أهلها من

стр. 2663

التاريخ إلا تقاليد يتناقلونها بالأفواه وهي لا تساوي شيئاً إذا وضعت على محك النقد وإذا كانت الأديار خالية من مثل هذا فاحر بأن تكون سائر المعاهد أخلى فدير صيدنايا لراهبات الروم هو بحسب ما شاهدنا من أقدم أديار الجبل وليس فيه تاريخ الدير نفسه وقيل لنا أن أهل الدير حرقوا باختيارهم منذ نحو قرن كتباً سريانية كثيرة ولو أبقوا عليها لما خلت من فوائد كان القائمون عليها يحتقرونها او يخافون منها إذ ذاك وهي أنفع ما يكون للتاريخ اليوم وغاية ما فيه الآن كتاب نسخته إحدى راهبات الدير سنة ١٨٨٧ م واسمها تقلا غزال ولم تذكر شيئاً عن الأصل الذي نقلت عنه وهو حديث أيضاً ويفهم من مقدمته وفيه شرح تقاليد كثيرة متعلقة بدير صيدنايا إن هذا الدير بني على يد يوستنيانوس الكبير ملك الروم في السن الخامسة والعشرين من ملكه سنة ٥٥٣ للميلاد وذلك عند مروره في تلك البقعة فاختارها لإقامة هذا الدير ليجعل محطة لها صدي بيت المقدس من أهل القسطنطينية وغيرهم وفي هذا الكتاب أمور تتعلق بتجلي السيدة العذراء ﵍ ليوستيانوس حتى بنى ديره وهو مثل ما يقوله المسلمون عن بعض معاهدهم، وهذه التقاليد لا يثق فيها التاريخ ولا تنطبق على العقل ويأخذها المعتقدون بالتسليم دون أعمال النظر فيها على أن الإحساس الديني تجب مراعاته مهما كان وحقائق العلوم العصرية هي التي تمحو وتثبت. وفي الجبل أديار غير العامرة الآن في قارة ويبرود ومعلولا قد أصبحت مأوى للبوم مثل دير مار شبريين ودير مار توما بالقرب من صيدنايا كما تجد كثيراً من النواويس (مقبور) محفورة في الجبال، ومنها ما رأيته في منين وعين الصاحب ومعلولا. والجبل إلا قليلاً متشابه بعمرانه ولكنه مختلف بهيئات سكانه ولهجاتهم فلكل قرية لهجة خاصة بها وسحنة يعرف بها أهلها فأهل معلولا لا يشبهون أهل عين التينة وأهل يبرود لا شبه بينهم وبين أهل الرحيبة، والظاهر من سحنات القلمونيين أن منهم اليعاقبة والسريان ومنهم الروم والتركمان ومنهم العرب فاختلفت لهجاتهم باختلاف أصولهم وإن كان تركيب بعض أسماء قراهم متشابهاً مثل يبرود وجيرود ومعرة ومعرونة وعسال وعرسال وجبة وجبعدين وفليطا وتلفيتا، وتلفيتا هذه هي التي قال فيها صاحب المعجم أنها كانت بلد قسام الحارثي من بني الحارث بن كعب باليمن التغلب على دمشق في أيام الطائع وكان في أول عمره ينقل التراب على الدواب ثم اتصل برجل يعرف بأحمد الحطار من أحداث دمشق

стр. 2664

وكان من حزبه ثم غلب على دمشق مدة فلم يكن للولاة معه أمر واستبد بملكها إلى أن قام من مصر يلكين التركي فغلب قساماً ودخل دمشق لثلاث عشرة ليلة بقيت من محرم سنة ٣٧٦ فاستتر أياماً ثم استأمن إلى يلكتين فقيده وحمله إلى مصر فعفا عنه وأطلقه. ومن صنائع جبل قلمون وبعبارة ثانية بعض قراه مثل التل وحلبون ويبرود ومعلولا البسفي فإنه تعمل فيها بسط غليظة ولكنها متينة يستعملها أهل الجبل والمجاورون لهم من سكان القرى كما يحيكون الخام الجيد في هذه القرى، ولا جمال على صنائعها ولكنها متينة جداً ورخيصة وقد لا يربح العامل قرشين في نهاره ومع هذا يجد نفسه سعيداً بهذا المقدار الطفيف. وهواء الجبل معتدل جداً وهو أنفع لأكثر الأجسام من هواء لبنان البليل لقرب ذاك من البحر يورث النفوس نشاطاً ومضاءً وإن الذكاء الفطري يغلب على سكانه وتساوى في ذلك سكان جروده وسهوله وقراه ومزارعه وإسلامه ونصاراه ولو سعت الحكومة بجد لإصلاح طرقه ومواصلاته والخطب فيها سهل جداً لكثر اختلاف المصطافين إليه وخصوصاً سكان دمشق لأن قلمون منها بمنزلة لبنان من بيروت والطرق فيه عامرة بطبيعتها مثل طريق صيدنايا إلى معلولا وطوله خمس ساعات ونصف وطريق معلولا إلى يبرود وطوله ثلاث ساعات وطريق يبرود فالنبك فدير عطية فقارة وهذا الطريق على طوله لو صرف عليه بضع مئات من الليرات لسارت عليه المركبات كما تسير على أحسن الطرق المعبدة ولكن الحكومة في الدور الاستبدادي كانت لا تحسن من الإدارة إلا أن تسلب نعمة الفلاحين بطرقها المعروفة من تكثير الضرائب والعبور والرسوم وإرهاق الفقير بالإعانات الكثيرة ولعل دولة الدستور تقوى في أقرب وقت فتجعل من مالها ووقتها نصيباً تصرفه في ترقية البلاد فتستعيده بعد سنين أضعافاً مضاعفة من أهلها وقد كانت حكومة الاستبداد ترى أن غناها بإفقار الأهالي فالواجب على حكومة الدستور أن تعتقد أن غناها من غناهم وسعادتها بسعادتهم. وإن جبلاً كقلمون وهو جزء صغير من ولاية سورية وجزء أصغر من هذه المملكة العثمانية إذا حسنت إدارته ونظرت حكومته في عمرانه ليخرج من الخيرات ما لا يخرج مثله الجبل الأسود ذوالبند والعلم وصاحب الملك والوزراء، وكيف يعمر مثل قلمون إذا كان

стр. 2665

ولاة دمشق يقضون بها لاسنين الطويلة ولا يزورون معاهده ويتفقدون حالة أهله بل أن القائمين الذين طالما تناوبوا الحكم عليه لا يهمهم إلا قبض رواتبهم وأخذ ما يريدون أخذه من الأهالي وإذا طافوا بعض قراه فللنزهة والتماس الصحة والراحة لا لرفع ظلامة وإقامة عدل وتحسين حال ويعتمدون في أمورها على مشايخ معظمهم على غير علم كانوا ولم يزالوا عون كل ظالم والسعيد منهم من كان الجهل أغلب على قريته ليسوغ له أن يحكم فيهم حكماً قره قوشياً ولا أغالي إذا قلت اليوم أن أهل قلمون لم يلقحهم حتى الآن رشاشة من نعمة الدستور على قربهم من الحواضر ولولا بصيص نور يتلألأ في عقول بعض أهل القرى التي يكثر فيها المسيحيون والمدارس والهجرة لكان قلمون كما كان منذ مئات من السنين. وهنا رأينا أن نختم هذا الفصل بقصيدة للأمير عبد القادر الحسني الجزائري قالها وقد سأله بعض الفرنسيس أي العيش أطيب عيش الخلاء والبداوة أم عيش المدن والحضارة وقد كنا نردد أكثر أبياتها في رحلتنا وأكثرها مما يصدق عليها لمناسبتها مع الحالة التي كنا عليها في الجبل من الصحة وفراغ البال قال ﵀: ياعاذراً لامرئ قد هام في الحضر ... وعاذلاً لمحب البدو والقفر لا تذعن بيوتاً خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر لو كنت أصبحت في الصحرا تمر على ... بساط رمل به الحصباء كالدرر أو جلت في روضة قد راق منظرها ... بكل لون جميل طيب عطر تستنشقن نسيماً طاب منتشقاً ... يزيد في الروح لم يمرر على قذر أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه ... علوت في مرتب أوجلت بالنظر رأيت في كل وجه من بسائطها ... سرباً من الوحش يرعى أطيب الشجر فيالها وقفة لم تبق من حزن ... في قلب مضنى ولا كداً لذي ضجر نباكر الصيد عند الفجر نبغته ... فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر فكم ظلمنا ظليماً مع نعامته ... وإن يكن طائراً في الجو كالصقر يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا ... شقائق عمها مرن من المطر
следующие страницы →