Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
بالزراعة وتربية المواشي وغرس الأشجار والغابات لكان الجبل من أعمر جبال العالم.
ويبلغ عدد نفوس الجبل بإحصاء الحكومة ٥٨١٢٧ نسمة بين ذكور وإناث منهم ٤٥٥٧٤ في القرى التابعة لقضاء النبك اليوم و ١٢٥٥٣ في القرى التابعة لدومة وعدد المسلمين في قضاء النبك ٤٠٦٦٠ وعدد الروم الارثوذكس ١٥١٥ وعدد الروم الكاثوليك ٢٩٢٠ وعدد السريان الكاثوليك ٣٩٩ وعدد البروتستانت ٩٠ وربما بلغ عدد المسيحيين في الثلاث عشرة قرية التابعة لقضاء دومة ٢٥٠٠ نسمة.
وبلغت أعشار القرى التابعة للنبك هذه السنة ١٤٤٣١٧٥ غرشاً وأعشار القرى والضمير وقارة والنبك ودير عطية ومعلولا وأهم قرى القضاء الثاني التل ومنين وحلبون وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا وباقيها مزارع أو أشبه بها.
ويقسمون قلمون بحسب موقع الطبيعي إلى قسمين فوقي وتحتي فمن قرى الفرقي أو الفوقاني رنكوس وحوش عرب وهي تعلو عن سطح البحر ١٧٧٠ متراً وعسال وطفيل والجبة ومعرة باش وفليطا والسحل وقارة وعرسال ودير عطية والنبك وبخا ورأس العين ويبرود وحبعدين ومن التحتية النواني وعكوبر وبدا وحفير الفوقا وحفير التحتا وحلة ومعلولا والقسطل وعين التينة والقطيفة والمعظمية وجيرود والرحيبة والضمير ومعرونة وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا والتل ومنين وحزنة ومعطلة والدريج ومعربا وحبون وهي التي تخزن الثلج في الربيع في جردها وتأتي به كل ما يولى دمشق وتشاركها في بيع الثلج قريتا اوفرة أو قفرة وقرية منين.
وتعد زراعة قلمون من الدرجة الثالثة ولو توطدت دعائم الأمن فيه لاستطاع أهل القرى القريبة من البرية للشرق أن يزرعوا تلك السهول الفسيحة وينتفعوا بالمراعي البعيدة عن القرى ساعات، وأكد لي العارفون بأن الأمن إذا استقر في نصابه وأمن القضاء من غارة أشقياء العرب والدروز على المواشي والزروع تكثر مواشيه كثرة زائدة ويغتني الفلاح والحكومة فقد نهب العرب والدروز منذ نحو سبع سنين زهاء مئة وخمسين ألف رأس من الغنم والماعز لو سلمت لأربابها لكانت بلغت الآن على أقل تعديل مليون رأس ومعدل ربح الرأس مئة قرش هذا عدا ما هو موجود اليوم من مواشي الجبل.
وليس مثل جرود قلمون في الصيف لرعي المواشي ومثل سهولها الشرقية في الشتاء
стр. 2662
وألبان قطعانها من أدسم ما ذاق الذائقون، ولو تمت أمنية الفلاح القلموني بانتشار الأمن في شعابه وهضابه في الفصول الأربعة لربح الفلاح كل سنة القرش قرشين من ماشيته فقط ومن كانت عند المئة يجني المئتتين ومن ملك الألف جاءته ألفان، ويرى الخبيرون بأنه لا سبيل إلى تقرير الأمن في قلمون إلا بوضع أربع مخافر الأولى في الضمير والثانية في الناصرية والثالثة في الحميرة والرابعة في القريتين وأن يجعل في كل واحدة منها ـ وفي بعضها قلاع لإيواء الجند ـ خمسة وعشرون جندياً نظامياً فارساً (مفرزة) وبذلك يرهب أشقياء عرب البادية بأس الحكومة ويكفون عن السطو على ضعاف الأهلين كلما اهتبلوا الغرة.
ولا تجد في قلمون غابات كأكثر جبال العالم بل هو جبل أجرد أقرع ولو صحت عزيمة سكانه لأكثروا من زرع التين والكرم واللوز والجوز في الأراضي القريبة من القرى ومن السنديان والبلوط في النجاد والشعاب، والظاهر أن فأس الحطاب وأسنان الماشية اتفقت زمناً طويلاً على تجريد الجبل من أشجاره وغاباته فلا تجد الشجر إلا قرب القرى وقد تمشي الساعات ولا تجد أثراً للزرع ولا للشجر.
قال أحد الأجانب ممن زاروا هذا الجبل مؤخراً كنت أتمنى في حياتي أن أشاهد جبلاً أجرد من الكلأ والشجر فها قد قرت عيني في قلمون بمشاهدة ما كنت أريده من الجبال الجرداء أما ابن سورية فيتمنى لو قرت عينه برؤية جباله شجراء ذات غابات غبياء.
وليست مياه قلمون شحيحة عزيزة بل هي عذبة غزيرة كأحسن البلاد الجبلية ولكن منها ما يحتاج للإنباض وللعهد والعناية وإذا توفر الأهلون وساعدتهم الحكومة قليلاً على توفير مياههم تزيد كميتها بحفر العيون والأقنية والانتفاع بالمياه والسيول حتى لا تضيع منها نقطة بلا فائدة، ومن هذه العيون ما يشفي الأوصاب ويقوي الأجسام ويساعد على هضم الطعام وأطيبها ما قرب من جرود الجبل حيث يكثر نزول الثلوج وتبقى كل سنة ستة أشهر متراكمة في النجاد والوهاد وأبشع مياه الجبل طعماً في معرونة وهي جمع من ماء الشتاء ولكن طعمها أشبه بالملح الانكليزي بيد أنها إذا ثقلت في الطعم فلا تثقل على الهضم.
وقد بحثنا في بعض قرى الجبل عن آثار حجرية مكتوبة أو كتب مخطوطة علنا نقع فيها على مواد تاريخية ينتفع بها فخاب سعينا إذ شاهدنا معظم أديار الجبل لا يعرف أهلها من
стр. 2663
التاريخ إلا تقاليد يتناقلونها بالأفواه وهي لا تساوي شيئاً إذا وضعت على محك النقد وإذا كانت الأديار خالية من مثل هذا فاحر بأن تكون سائر المعاهد أخلى فدير صيدنايا لراهبات الروم هو بحسب ما شاهدنا من أقدم أديار الجبل وليس فيه تاريخ الدير نفسه وقيل لنا أن أهل الدير حرقوا باختيارهم منذ نحو قرن كتباً سريانية كثيرة ولو أبقوا عليها لما خلت من فوائد كان القائمون عليها يحتقرونها او يخافون منها إذ ذاك وهي أنفع ما يكون للتاريخ اليوم وغاية ما فيه الآن كتاب نسخته إحدى راهبات الدير سنة ١٨٨٧ م واسمها تقلا غزال ولم تذكر شيئاً عن الأصل الذي نقلت عنه وهو حديث أيضاً ويفهم من مقدمته وفيه شرح تقاليد كثيرة متعلقة بدير صيدنايا إن هذا الدير بني على يد يوستنيانوس الكبير ملك الروم في السن الخامسة والعشرين من ملكه سنة ٥٥٣ للميلاد وذلك عند مروره في تلك البقعة فاختارها لإقامة هذا الدير ليجعل محطة لها صدي بيت المقدس من أهل القسطنطينية وغيرهم وفي هذا الكتاب أمور تتعلق بتجلي السيدة العذراء ﵍ ليوستيانوس حتى بنى ديره وهو مثل ما يقوله المسلمون عن بعض معاهدهم، وهذه التقاليد لا يثق فيها التاريخ ولا تنطبق على العقل ويأخذها المعتقدون بالتسليم دون أعمال النظر فيها على أن الإحساس الديني تجب مراعاته مهما كان وحقائق العلوم العصرية هي التي تمحو وتثبت.
وفي الجبل أديار غير العامرة الآن في قارة ويبرود ومعلولا قد أصبحت مأوى للبوم مثل دير مار شبريين ودير مار توما بالقرب من صيدنايا كما تجد كثيراً من النواويس (مقبور) محفورة في الجبال، ومنها ما رأيته في منين وعين الصاحب ومعلولا.
والجبل إلا قليلاً متشابه بعمرانه ولكنه مختلف بهيئات سكانه ولهجاتهم فلكل قرية لهجة خاصة بها وسحنة يعرف بها أهلها فأهل معلولا لا يشبهون أهل عين التينة وأهل يبرود لا شبه بينهم وبين أهل الرحيبة، والظاهر من سحنات القلمونيين أن منهم اليعاقبة والسريان ومنهم الروم والتركمان ومنهم العرب فاختلفت لهجاتهم باختلاف أصولهم وإن كان تركيب بعض أسماء قراهم متشابهاً مثل يبرود وجيرود ومعرة ومعرونة وعسال وعرسال وجبة وجبعدين وفليطا وتلفيتا، وتلفيتا هذه هي التي قال فيها صاحب المعجم أنها كانت بلد قسام الحارثي من بني الحارث بن كعب باليمن التغلب على دمشق في أيام الطائع وكان في أول عمره ينقل التراب على الدواب ثم اتصل برجل يعرف بأحمد الحطار من أحداث دمشق
стр. 2664
وكان من حزبه ثم غلب على دمشق مدة فلم يكن للولاة معه أمر واستبد بملكها إلى أن قام من مصر يلكين التركي فغلب قساماً ودخل دمشق لثلاث عشرة ليلة بقيت من محرم سنة ٣٧٦ فاستتر أياماً ثم استأمن إلى يلكتين فقيده وحمله إلى مصر فعفا عنه وأطلقه.
ومن صنائع جبل قلمون وبعبارة ثانية بعض قراه مثل التل وحلبون ويبرود ومعلولا البسفي فإنه تعمل فيها بسط غليظة ولكنها متينة يستعملها أهل الجبل والمجاورون لهم من سكان القرى كما يحيكون الخام الجيد في هذه القرى، ولا جمال على صنائعها ولكنها متينة جداً ورخيصة وقد لا يربح العامل قرشين في نهاره ومع هذا يجد نفسه سعيداً بهذا المقدار الطفيف.
وهواء الجبل معتدل جداً وهو أنفع لأكثر الأجسام من هواء لبنان البليل لقرب ذاك من البحر يورث النفوس نشاطاً ومضاءً وإن الذكاء الفطري يغلب على سكانه وتساوى في ذلك سكان جروده وسهوله وقراه ومزارعه وإسلامه ونصاراه ولو سعت الحكومة بجد لإصلاح طرقه ومواصلاته والخطب فيها سهل جداً لكثر اختلاف المصطافين إليه وخصوصاً سكان دمشق لأن قلمون منها بمنزلة لبنان من بيروت والطرق فيه عامرة بطبيعتها مثل طريق صيدنايا إلى معلولا وطوله خمس ساعات ونصف وطريق معلولا إلى يبرود وطوله ثلاث ساعات وطريق يبرود فالنبك فدير عطية فقارة وهذا الطريق على طوله لو صرف عليه بضع مئات من الليرات لسارت عليه المركبات كما تسير على أحسن الطرق المعبدة ولكن الحكومة في الدور الاستبدادي كانت لا تحسن من الإدارة إلا أن تسلب نعمة الفلاحين بطرقها المعروفة من تكثير الضرائب والعبور والرسوم وإرهاق الفقير بالإعانات الكثيرة ولعل دولة الدستور تقوى في أقرب وقت فتجعل من مالها ووقتها نصيباً تصرفه في ترقية البلاد فتستعيده بعد سنين أضعافاً مضاعفة من أهلها وقد كانت حكومة الاستبداد ترى أن غناها بإفقار الأهالي فالواجب على حكومة الدستور أن تعتقد أن غناها من غناهم وسعادتها بسعادتهم.
وإن جبلاً كقلمون وهو جزء صغير من ولاية سورية وجزء أصغر من هذه المملكة العثمانية إذا حسنت إدارته ونظرت حكومته في عمرانه ليخرج من الخيرات ما لا يخرج مثله الجبل الأسود ذوالبند والعلم وصاحب الملك والوزراء، وكيف يعمر مثل قلمون إذا كان
стр. 2665
ولاة دمشق يقضون بها لاسنين الطويلة ولا يزورون معاهده ويتفقدون حالة أهله بل أن القائمين الذين طالما تناوبوا الحكم عليه لا يهمهم إلا قبض رواتبهم وأخذ ما يريدون أخذه من الأهالي وإذا طافوا بعض قراه فللنزهة والتماس الصحة والراحة لا لرفع ظلامة وإقامة عدل وتحسين حال ويعتمدون في أمورها على مشايخ معظمهم على غير علم كانوا ولم يزالوا عون كل ظالم والسعيد منهم من كان الجهل أغلب على قريته ليسوغ له أن يحكم فيهم حكماً قره قوشياً ولا أغالي إذا قلت اليوم أن أهل قلمون لم يلقحهم حتى الآن رشاشة من نعمة الدستور على قربهم من الحواضر ولولا بصيص نور يتلألأ في عقول بعض أهل القرى التي يكثر فيها المسيحيون والمدارس والهجرة لكان قلمون كما كان منذ مئات من السنين.
وهنا رأينا أن نختم هذا الفصل بقصيدة للأمير عبد القادر الحسني الجزائري قالها وقد سأله بعض الفرنسيس أي العيش أطيب عيش الخلاء والبداوة أم عيش المدن والحضارة وقد كنا نردد أكثر أبياتها في رحلتنا وأكثرها مما يصدق عليها لمناسبتها مع الحالة التي كنا عليها في الجبل من الصحة وفراغ البال قال ﵀:
ياعاذراً لامرئ قد هام في الحضر ... وعاذلاً لمحب البدو والقفر
لا تذعن بيوتاً خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
لو كنت أصبحت في الصحرا تمر على ... بساط رمل به الحصباء كالدرر
أو جلت في روضة قد راق منظرها ... بكل لون جميل طيب عطر
تستنشقن نسيماً طاب منتشقاً ... يزيد في الروح لم يمرر على قذر
أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه ... علوت في مرتب أوجلت بالنظر
رأيت في كل وجه من بسائطها ... سرباً من الوحش يرعى أطيب الشجر
فيالها وقفة لم تبق من حزن ... في قلب مضنى ولا كداً لذي ضجر
نباكر الصيد عند الفجر نبغته ... فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر
فكم ظلمنا ظليماً مع نعامته ... وإن يكن طائراً في الجو كالصقر
يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا ... شقائق عمها مرن من المطر
стр. 2666
فيها العذارى وفيها قد جعلن كوى ... مرقعات بأحداق من الحور
تمشي الحداة لها من خلفها زجل ... أشهى من الناي والسنطير والوتر
ونحن فوق جياد الخيل نركضها ... شليلها زينة الأكفال والخصر
نطارد الوحش والغزلان فلحتها ... على البعاد وما تنجو من الضمر
نروح للحي ليلاً بعد ما نزلوا ... منازلاً ما بها لطخ من الوضر
ترابها المسك بل أنقى وجديها ... صوب الغمائم بالآصال والبكر
نلقى الخيام وقد صفت بها فغدت ... مثل السماء زمت بالأنجم الزهر
قال الأولى قد مضوا قولاً وصدفه ... نقل وعقل وما للحق من غير
الحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
أنعامنا أن أتت عند العشي تخل ... أصواتها كدوي الرعد بالسحر
سفائن البر بل أنحى لراكبها ... سفائن البحر كم فيها من الخطر
لنا المهارى وما للريم سرعتها ... بها وبالخيل نلنا كل مفتخر
فخيلنا دائماً للحرب مسرجة ... من استغاث بنا بشره بالظفر
نحن الملوك فلا تعدل بنا أحداً ... وأي عيش لمن قد بات في خفر
لا نحمل الضيم من جار فنتركه ... وأرضه وجميع العز في السفر
وإن أساء علينا الجار عشرته ... نبين عنه بلا ضر ولا ضرر
تبيت نار القرى تبدو لطارقنا ... فيها المداواة من جوع ومن خصر
عدونا ماله ملجأ ولا وزر ... وعندنا عاديات السبق والظفر
شرابنا من حليب لا يخالطه ... ماء وليس حليب النوق كالبقر
أموال أعدائنا في كل آونة ... نقضي بقسمتها بالعدل والقدر
ما في البداوة من عيب تذم به ... إلا المروءة والإحسان بالبدر
وصحة الجسم فيها غير خافية ... والعيب والداء مقصور على الحضر
من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى ... فنحن أطول خلق الله في العمر
стр. 2667
سير العلم والاجتماع
العاملات في الافرنج
يزيد عدد العاملات من النساء في بلاد الغرب كلما صعب استحصال القوت وكثرت مطالب الحياة فقد بلغ عددهن في أميركا ٥٠٠٧٠٦٩ امرأة ذات صنعة منهن ٩٧٨٠٠ مزوجة ومن تلك العاملات ١٨٥ بيطارة و ٤٥ وقادة في القاطرات وقد زاد عدد المحاميات من ٢٠٨ إلى ١٠١٠ وعدد المستمليات (ستينوغراف) ٣٠٥ في المئة وعدد المهندسات ٢١٧ في المئة وعدد المبشرات ١٩٧ في المائة وعدد خازنات الكتب ١١٦ في المئة.
وبلغ عدد النساء العاملات في فرنسا ٦٠٢٩٧٠٧ منهن الطبيبات والأديبات وفيهن ٤٣٢٠ مصورة ونقاشة و ٤٤١٥ موسيقية و ٤٥٠٠ قابلة و ٤٠٠٠٠ يصنعن أزياء و ١٠٠٠٠٠ معلمة و ١٢٠٠٠٠ مستخدمة في الإدارات و ٢٦٠٠٠٠ مستخدمات في المحال التجارية و ٧٠٠٠٠٠ عاملة في المعامل و ٨٢٠٠٠٠ خادمة و ٩٠٠٠٠٠ تعمل بأشغال الإبرة وزهاء ثلاثة ملايين يعملن في الحقول، وتنتخب النساء في المجالس النيابية في فنلندا وسويسرا ويحاولن الآن في أكثر الأصقاع الأوروبية أن يشاركن الرجل في هذه المهام، وللنساء حق الانتخاب في زيلندا الجديدة وأوستراليا.
صناديق التوفير
سبقت انكلترا غيرها من ممالك أوروبا في إيجاد صناديق للتوفير في إدارات البريد فانتفع بها الفقراء أي انتفاع في اقتصاد دريهمات لتكون لهم بعد رؤوس أموال وحذت حذوها في ذلك فرنسا والنمسا وإيطاليا والبلجيك وهولاندا والسويد وفنلندا وبلغاريا وروسيا وسويسرا، وهذه المعاهد لا تسهل على الناس الاقتصاد فقط بل هي مصارف حقيقية للأمة تدير شؤونها الحكومة فيتأتى لكل فرد في انكلترا أن يدفع في السنة لأحد فروع صندوق التوفير من فرنك إلى ١٢٠٠ فرنك وأن يتناول منه ما يريده على أن لا يتجاوز ما يأخذه ٢٥ فرنكاً، ولهم طريقة في التسهيل على من يريد الاقتصاد ولا تكاد تخلو قرية من فرع لهذه الإدارة فقد بلغ ما دخل صناديق التوفير في برد انكلترا سنة ١٩٠٥ ٣٧٤١٩٣٤٠٠٠ فرنك وما خرج منها ٩٩٦٣٠٤٩ فرنكاً وبلغ ما وضعه المقتصدون من الفرنسيس في صناديق هذه الإدارة في تلك السنة نفسها ١٢٧٨٢٥٧٦٤٧ فرنكاً وضعت في ٧٨٨٤ فرعاً وبلغ عدد
стр. 2668
أربابها ٤٥٧٧٣٩٠ شخصاً وبلغ عدد مثل هذه الصناديق في إيطاليا ٥٩٣١ دفع لها ٥٢٨٣٠٠٣ أشخاص ٩٨٣ مليون ليرة وعدد المقتصدين على تلك الصورة في هولاندا ١١٨٤٣١٦ شخصاً دفعوا ١٢٩٩٢٩٥٧٤ فلورينياً وعدد الصناديق في النمسا ٦٤٧٩ اشترك فيها ٢٠٠٤٤٨٧ شخصاً دفعوا ٢١٨ مليون كورون، وقد بلغ مجموع المودع في صناديق البريد بمصر في تلك السنة ذاتها ٢٣٦٠٠٠. ج. م وصار في السنة التي تليها ٣٢٥٠٠٠ وعدد المودعين ٤٣٤٢٤ نفساً فزاد حتى بلغ ٥٩٠٨٤ وليس في المملكة العثمانية صناديق وفر كهذه.
سكة حديدية بالبترول
أدخلت شركة شمالي أميركا طريقة استعمال زيت البترول لتسيير القطارات بدلاً من الفحم الحجري واتخذت لذلك مركبات وقاطرات خاصة بحيث لا يتجاوز محمولها ٢٥ طناً أما المحرك فهو أفقي الشكل وقوته ٢٠٠ حصان ويقطع ٣٣ كيلومتراً بدون اهتزاز ويمكن إيقافه بأسرع ما يمكن وهو من غير القطارات في الصعود إلى النجاد العالية وربما قطع بعد مدة ٤٠ كيلومتراً في الساعة.
شركات التلفون
بعد مدة تمد في مدينة الاستانة وكثير من قواعد البلاد العثمانية خطوط تلفونية كسائر البلاد الراقية وقد أحصى العارفون أنه يشترك كل ١٦ ساكناً في الولايات المتحدة بالتلفون وفي السويد لكل ٤٥ ساكناً اشتراك بالتلفون ولكل ٥٠ شخصاً في الدانمارك ولكل ٥٤ في سويسرا ولكل ١٠٠ في ألمانيا ولكل ١٤٣ في انكلترا ولكل ٣٦٤ في فرنسا.
فمتى تكون المملكة العثمانية بخطوطها التلفونية كأدنى ممالك أوروبا فيها وقيمة الاشتراك السنوي بالتلفون هو خمس ليرات في سويسرا وتنزل إلى ٤٠ فرنكاً في السنة الرابعة للاشتراك وفي إيطاليا ٧٥٠ فرنكاً وفي ألمانيا ٨٥٠ ماركاً وفي النمسا ٢٠٠ فرنك وفي بروكسل ٢٥٠ فرنكاً ومثلها في مصر.
التعاويذ
نشر المسيو انطوان كاباتون من علماء المشرقيات في مجلة العالم الإسلامي مقالة في التعاويذ عند الشعوب ولا سيما التي دانت بالإسلام جاء فيها من البحث التاريخي ما
стр. 2669
تعريبه: الظاهر أن التعاويذ قديمة كالضعف والخوف المستحكمين في الإنسان أمام قوى الطبيعة، فتراه يضعف عن أن يجاهد بنفسه في تحمل الآلام المعنوية والطبيعية على اختلاف مظاهرها كالمرض والحزن والخراب يتدرع بما يبعدها عنه أو يقيه شرها بواسطة كلمات أو إشارات أو أشياء يعزو إليها قدرة واقية فوق الطبيعة ومن هذه الغريزة المنبعثة من سرعة التصديق وحب الدفاع عن النفس نشأ في الغالب استعمال التعاويذ في كل مصر وعصر منذ زمن الطاويين على عهد قدماء الفرس والابارجيين في كاليدونيا الجديدة إلى الكركريين من زنوج إفريقية الوسطى، ولا تنس التعاويذ المستعملة عند المحدثين من أهل الغرب التي يحلون بها أذرعهم.
وأغلب الآراء على أن جميع أنواع الحلي والزينة كانت بادئ بدء عبارة عن تعويذة فتتخذ تارة من عصائب أو من أوراق مربعة أو من جلد كتبت عليه كلمات أو رسمت عليه أشكال ورسوم أو أعداد لها في نظرهم فضيلة خاصة أوسور من كتب مقدسة كما تتخذ طوراً من الأحجار الكريمة أو الأحجار الغريبة الشكل والأصل أو من النباتات والجذوع والشعر والوبر والعظم والأظافر والأسنان أو تصنع من مواد كلسية علامة على حيوانات معينة أو من أقراط وأسورة وتماثيل من المعدن أو الحجر أو الخشب أو من الحلي والجرار أو كرات الذهب أو الفضة أو الرخام أو صفائح المعدن أو من خرق الأقمشة أو من جلود الحيوانات يزعمون أن لنقشها ورقشها خاصية الوقاية.
ويدعون أن تأثير التعويذة ناشئ من كيفية حملها وأنها تنفع الحيوان كما تنفع الإنسان وهي وقاية للقطيع كما هي وقاية الراعي وتساعد في النوم كما تساعد في اليقظة وفي عقد البيوع كما في الأمراض الطارئة.
ولئن عم استعمال التعاويذ بما في فطرة الناس كلهم من السذاجة والجبن فالظاهر أنها نشأت من الشرق أو أنها على الأقل كثر استعمالها فيه لأن الإنسان كان يشعر تحت السماوات الصافية بحاجة إلى ما يدفع عنه الأسواء.
وقد عهد في الحضارة المصرية استعمال الأسورة والتماثيل والأحجار الكريمة التي كانوا يزعمون أنها تجلب السعادة، وإن الكتابات على ورق البردي التي كانت تلف وتخاط في الثوب ليحملها الإنسان وكان يتزين بها الرجال والنساء بعقود الصفر المخفي ومن حرذون
стр. 2670
محفور على الحجر أو على المعدن كلما كانت تعاويذ للوقاية لا أشياء للزينة والتبرج يراد منها طرد الأرواح الشريرة والأمراض ودفع الخراب والموت.
واعتاد الآشوريون والبابليون أن يكتبوا بعض كلمات سحرية وتراكيب للشفاء على عصابتين إحداهما من قماش أبيض والثانية من قماش أسود وتقوم هاتان العصابتان مقام التعويذة بأن كانوا يضعونها على الأيدي أو على الجبهة، وقد نقلوا هذه الطريقة إلى الاسرائيليين مع شيء من التعديل فيها ولكنها لا تكاد تختلف عنها كثيراً ومع أن الشعب الاسرائيلي كبير الاعتقاد بالمولى فهو يعتقد بتأثير التعاويذ.
وتشير التوراة إلى هذه العقيدة فقد وردت فيها عدة آيات في التعاويذ والأحرار، ومعظم التعاويذ اليهودية عبارة عن صفائح معدنية أو حلق أو جذور أو عصائب من الرق كتب عليها اسم المولى أو آية من التوراة وبعضها مؤلف من جذع بعض الأشجار أو من حبات قمح وضعت في كيس جلد تناط في عنق الأطفال أو الحيوانات على حد سواء، ويلبس البالغون من الاسرائيليين تعاويذ على صفة خواتم.
وقد شاع استعمال التعاويذ بين اليهود منذ القرن الأول إلى القرن السابع للميلاد وكان الرومان واليونان يعتقدون كأبناء اسرائيل بتأثير التعاويذ ولما ظهرت النصرانية لم يكن من تأثيراتها إلا أنها حولت مجرى الخرافات وحلتها بالاسم والأعمال فأخذ الناس يعتقدون بالأيقونات والصور والتماثيل وبعض المعابد كما كان البشر يعتقدون من قبل بتأثير بعض الينابيع أو بعض المغور الآهلة بالجن.
أما الشرق الأقصى فقد فاق الشرق القريب والغرب باعتقاد أهله بالتعاويذ، فالصينيون والهنود اعتقدوا ولا يزالون يعتقدون بنفعها واقتبسها البراهمة والطاوسيون والبوذيون واقبسوها غيرهم من النحل والملل، ولشعوب الهند الصينية كالخمريين والشميين والاناميين ممن امتزجوا ببعض الأمم الراقية أساليب كثيرة من التعاويذ وللهنود نوع من الخرز يزعمون أنه يقي حامله من كل سوء وينيله كل خير وللأناميين والصينيين نوع من البطانات يكتبون عليها كلمات أو ألغازاً ويجعلونها في الأعناق عوذة كما أنهم يستعملون الأنواط والأقراط الذهبية والفضية وأظافر النمر وغيرها لدفع الأرواح الشريرة.
جاء الإسلام وهو آخر الأديان وفيه أمور من اليهودية والنصرانية ولم يتيسر له مثل غيره
стр. 2671
أن يتخلص من عدوى سرعة الاعتقاد فاستمال العامة بأن أقرهم على بعض معتقداتهم على نحو ما فعلت النصرانية، وربما كان الإسلام على سذاجته المملوءة بالتقوى والنفع أكثر الأديان تسامحاً في معنى التعاويذ وذلك لأنه انتشر بين شعوب الشرقيين تأهلت فيهم الخرافات منذ القدم، ولم يأت الإسلام غير توحيد صورة التعاويذ الظاهرة بعض الشيء عند جميع الشعوب الإسلامية.
فتعاويذ المسلمين في الشرق الأقصى تكاد تكون كلها عبارة عن سور من القرآن أو حكم أو كلمات لا يفهم لها معنى تكتب على الورق أو القماش أو على نصل أو صفيحة من معدن ويستعملون في كتابة هذه الأحراز ماء الزعفران أو الكركم أو ماء الورد أو ماء الزهر وتسامح المالايو والجاويون فأخذوا يستعملون الحبر الافرنجي.
ومن التعاويذ ما ينفع في جميع حالات الحياة فمنها للوباء وللمرض وللحريق وللسحر ومنها ما يلبسه الغزاة في حروبهم والنساء لحبلهن أو لحفظ ما لهن من ولد ومنها ما ينزل المطر ويفتح الكنوز ويحرس الحيوانات ومنها ما يبقى من قرص الذباب ونقيق الضفادع، أما عدد ما يحمل منها فراجع إلى ذوق الشخص وكذلك يضعها في جميع أطراف بدنه مؤقتاً أو دائماً ومعظم التآليف الموضوعة في فن الرقية والتعاويذ من تآليف أناس من مسلمي إفريقية وأكثر ما يعول عليه بين المغاربة والمشارقة كتاب شمس المعارف ولطائف العوارف ولهذا الكتاب عندهم حرمة تكاد تقرب من احترامهم الكتاب العزيز منهم لا يمسونه إلا مطهرين.
وشاع استعمال التعاويذ بين العرب والترك ومسلمي إفريقية الشمالية والشرقية والفرس وهم مكثرون منها وشعوب مانالايو والبولينيزيين وسكان مدغسكر، والمالايو وهم من شيعة أكثر الشعوب الإسلامية إغراقاً في استعمال التعاويذ، وكذلك الحال عند البوكويين والماكاساريين في سيليب والاتشثينيوا والبانافيين في سعومطرا والداياكيين في بورنو والتاكاليين والبيزيين في جزائر فيلبين.
стр. 2672
العدد ٤٢ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩٠٩
стр. 2673
نخب الذخائر
في أحوال الجواهر
اشتهر أبو عبد الله شمس الدين محمد بن ابراهيم بن ساعد السنجاري المصري بن الأكفاني بتآليف الجيدة وهو من أهل القرن الثامن توفي بالطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان طبيباً بمصر ومن مؤلفاته كتاب كشف الغين في أحوال العين وشرحها وقاية العين لنور الدين علي المناوي وتمنية اللبيب في غيبة الطبيب ونهاية القصد في صناعة الفصد والنظر والتحقيق في تقليب الرقيق ونخب الذخائر في أحوال الجواهر وإرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد وبعضهم زاد عليها وسماها الدر النظيم في أحوال العلوم والتعليم، وكتاب إرشاد القاصد طبع مرتين في القاهرة وبيروت وهو من كتب التعليم الممتعة على صغر حجمه ولكن المصنفات بفوائدها لا بحجمها.
وكتابه نخب الذخائر وأحرى به أن يسمى رسالة تفضل بإهدائه للمقتبس محمود شكري أفندي الآلوسي عالم العراق الآن فأحببنا أن نضمه إلى صدر المجلة لينتفع به القراء، أما هذا الموضوع فقد ألف فيه عدة كتب كما يفهم من عبارات المصنف ومن الكتب المؤلفة فيه كتاب الجماهر في معرفة الجواهر لأبي الريحان البيروني الفيلسوف المشهور ألفه للملك المعظم أبي الفتح ومنه نسخة في مادريد ومنها أزهار الأفكار في جواهر الأحجار لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن يوسف التيفاشي المتوفي سنة ٦٥١ هـ، وإليك نخب الذخائر:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يقول العبد الفقير إلى الواحد الباري، محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري: الحمدلله كفّ أفضاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله، (وبعد) فهذا كتاب لخصت فيه خلاصة كلام الأقدمين والمتأخرين، من الحكماء المعتبرين، في ذكر الجواهر النفيسة بأصنافها وصفاتها ومعادنها المعروفة، وقيمتها المشهورة المألوفة، وخواصها ومنافعها بأوضح لفظ وأصح معنى، ووسمته بنخب الذخائر في أحوال الجواهر، وجانبت فيه الأطناب، وميزت فيه القشر عن اللباب، والله أسأل أن ينفع به بمحمد وآله.
القول على الياقوت
أصنافه أربعة الأحمر وهو أعلاها رتبة وأغلاها قيمة والأصفر والأزرق والأبيض
стр. 2674
وللأحمر سبع مراتب أعلاها الرماني ثم البهرماني ثم الأرجواني ثم اللحمي ثم البنفسجي ثم الجلناري ثم الوردي، فالرماني وهو الشبيه بحب الرمان الغض الخالص الحمرة الشديد الصبغ الكثير الماء ويوجد لونه بأن يقطر على صفحة فضة مجلاة قطرة دم قرمز أعني من عرق ضارب فلون تلك القطرة على تلك الصفيحة هو الرماني والبهرماني يشبه بلون البهرماني وهو الصبغ الخالص الحاصل عن العصفر دون زردج ومن الجوهريين من يفضل البهرماني على الرماني والتفضيل إنما هو بشدة الصبغ وكثرة المائية والشعاع ومنهم من يقول هما شيء واحد وإنما أهل العراق يقولون بهرماني وأهل خراسان يقولون رماني فالخلاف لفظي والأرجواني أيضاً شديد الحمرة، وقيل كان الأرجواني لباس قياصرة الروم وكان محظوراً عن السوقة إلى زمن الاسكندر فإنه اقتضى رأيه أن لا يختص الملك بلباس يعرف به فيقصد، ومنهم من يسمي الأرجواني الجمري بالجيم تشبيهاً بالجمر المتقد وصحفه بعضهم بالخمري وكان الخميري هو البنفسجي، وأما اللحمي فهو دون الأرجواني في الحمرة يشبه ماء اللحم الطري الذي لم يشبه ملح والبنفسجي يشوبه كهبة تخرجه عن خالص الحمرة وهو لون البنفش المعروف بالماذيني، وأما الجلناري فيشوبه بعض صفرة والوردي يشوبه بياض وهو أنزل طبقات الأحمر.
وأجود هذه الألوان كلها ما توفر صبغه وماؤه وشعاعه وخلا عن النمش وعن الحرمليات وهي حجارة مختلطة به وعن الرثم وهو وسخ فيه شبه طين، وعن التفت وهو كالصدع في الزجاجة إذا صدمت يمنع نفوذ الضياء والإشفاف، وهذا قد يكون أصلياً وقد يكون عارضاً، ومن عيوبه أيضاً اختلاف الصبغة فيشبه البلقة ومنها غمامة بيضاء صدفية تتصل ببعض سطوحه فإن لم تكن غائرة ذهبت بالحك وإذا خالط الحمرة لون غيرها يزول بالحمي بالنار بتدريج وتبقى الحمرة خالصة ولا يثبت على النار غيرها ومتى زالت الحمرة بالحمي فليس بياقوت.
ومعدن الياقوت بجبل يسمى الراهون في جزيرة سرنديب، وفي سيلان ومكران معدن الياقوت الأصفر والأزرق وتحت جبل البرق معدن الياقوت الأحمر والياقوت أصلب الجواهر، ولا يخدشه منها إلا الألماس ولا ينجلي بخشب العشر الرطب وإنما يسوى بالسنباذج ويجلى على صفيحة نحاس بالجزع المكلس والماء وهو أشد الجواهر صقالاً
стр. 2675
وأكثرها ماءً، وشعاعه في الليل في ضوء الشمع أحمر وشعاع البلخش ونحوه أبيض.
وذكر القدماء أن قيمة المثقال الفائق من الياقوت الأحمر ثلاثة آلاف دينار، وأما في الدولة العباسية فإن الغالب من قيمته أن الجيد منه إذا كان وزن طسوج يساوي خمسة دنانير وأضعفه عشرين ديناراً وسدس مثقال ثلاثون ديناراً وثلث مثقال مائة وعشرين ديناراً ونصف مثقال أربعمائة دينار والمثقال بألف دينار والمثقال ونصف بألفي دينار هذا هذا ما تقرر في أيام المأمون مع كثرة الجواهر في ذلك الزمان، والمثقال من البهرماني بثمانمائة دينار ومن الأرجواني بخمسمائة دينار ومن الجلناري بمائتي دينار ومن اللحمي بمائة دينار والبنفسجي يقاربه والوردي دون ذلك وكان في خزانة يمين الدولة ياقوتة شكلها شكل حبة العنب وزنها اثنا عشر مثقالاً قومت بعشرين ألف دينار وكان للمقتدر فصاً يسمى ورقة آلاس لأنه كان على شكلها وزنه مثقالان إلا شعيرتان اشتراه بستين ألف درهم، وأما في هذا الزمان فإن قيمة الياقوت وسائر الجواهر زادت كثيراً.
وأما الياقوت الأصفر فأعلاه ما قارب الجلناري وبعده المشمشي وبعده الاترجي وبعده التبني وبلغت قيمة الأصفر الجيد المثقال مائة دينار، وأما الأزرق ويسمى الأكهب فأعلاه الكحلي ثم النيلي ثم اللازوردي ثم السمائي، وكان في القديم قيمة الجيد من الأزرق عشرة دنانير المثقال وما زاد فتزداد قيمته بأضعاف ذلك، وأما الأبيض فإنه يحمل من سرنديب ويكون رزيناً بارداً في الفم واجوده البلوري الكثير الماء وهو أقل قيمة من سائرها.
قال ارسطوطاليس أن مزاج سائر اليواقيت حار يابس وإذا علق شيء من أي أصنافه كان على إنسان أكسبه مهابة في أعين الناس وسهل عليه قضاء حوائجه ودفع عنه شر الطاعون، وقال ابن سينا أن خاصيته في التفريح وتقوية القلب ومقاومة السموم عظيمة، وشهد جمع من القدماء أنه إذا أمسك في الفم فرح القلب وقال النافقي وغيره أنه ينفع نفث الدم ويمنع جموده تعليقاً، وقال ابن زهر أن شرب سحيقه ينفع الجذام وأن التختم به ينفع حدوث الصرح وقال ابن وحشية من علق عليه الياقوت الأحمر اتسع رزقه وتصرفه في المعاش، وفي زماننا هذا حجر نفيس يعرف بعين الهر لشبهه إياها كان فيه زئبق يتحرك يتغالى فيه الملوك والأمراء ويقال أنه من أصناف اليواقيت ويظهر من معادنها، وقيمته إذا كان فائقاً وزنته نحو نصف مثقال ألف درهم فما فوقها ويقال أنه وقاية لعين المجدور.
стр. 2676
القول على البلخش
ويسمى اللعل بالفارسية وهو جوهر أحمر شفاف مسفر صافي يضاهي فائق الياقوت في اللون والرونق، ويتخلف عنه في الصلابة حتى أنه يحتك بالمصادمات فيحتاج إلى الجلاء بالمرقشيشا الذهبية وهو أفضل ما حلى به هذا الجوهر ومنه ما يشبه الياقوت البهرماني ويعرف باليازكي وهو أعلاها وأغلاها، وكان يباع في أيام بني بويه بقيمة الياقوت حتى عرفوه فنزل عن تلك القيمة وقرر أن يباع بالدرهم دون المثقال تفرقة بينه وبين الياقوت، ومنه ما يميل إلى البياض ومنه ما يميل إلى البنفسجية وهما دون الأول ومعدنه بالمشرق على مسير ثلاثة أيام من بذخشان، وهي له كالباب ومنه ما يوجد في غلف شفافة ومنه ما يوجد بغير غلاف وشوهد منه ما يزيد وزنه على المائة درهم وكانت قيمته في القديم عن كل درهم عشرين ديناراً وربما زاد عن ذلك وليس لهذا الجوهر منفعة كالياقوت بل يشترى لحسنه.
القول على البحادي
ويعرف بالبنفش وهو حجر يشبه الياقوت بعض الشبه إلا أنه لا يضيء غالباً حتى يلعق من تحته بالحفر ليشف عن البطائن وشبه ارسطوطاليس لونه بنار يشوبها دخان ومنه ما يجلب من سرنديب وهو أرفع طبقاته ويعرف بالماذيني، ومنه ما يجلب من بذخشان ومنه ما يجلب من بلاد المغرب ويعرف بالقروي، ومنه ما يجلب من بلاد الافرنجة ومنه صنف يشوبه صفرة خلوقية ويعرف بالاسبادشت ويوجد في الخراساني منه ما يكون وزنه نصف من.
أما السنديبي فإنه لا يتجاوز مقدار الياقوت بكثير وزن، وقيل أن الجيد منه يلتقط زغب الريش المنتوف ويبلغ قيمة الدرهم منه ديناراً واحداً، قال ارسطوطاليس أن من تختم بوزن عشرين شعيرة منه لم ير في منامه أحلاماً ردية ومن أدمن النظر إليه نقص نور عينيه وقال ابن أبي الأشعث لبسه يورث الخيلاء ويحرك الشبق، وأما الاسبادشت فإنه يقطع الرعاف ونزف الدم تعليقاً إذا كان وزنه نصف مثقال فما فوقه.
القول على الماس
هو جوهر يشبه الياقوت في الرزانة والصلابة وعدم الانفصال عن الحديد وقهره لغيره من
стр. 2677
الأحجار وهو شفاف فيه أدنى بريق ويوجد فيه الأبيض والزيتي والأصفر والأحمر والأخضر والأزرق والأسود والفضي والحديدي وأشكال الماس كلها مضرسة مخروطية ومثلثات من غير صنعة والهند تفضل منه الأبيض والأصفر بسبب ما يظهر منهما من الشعاع الأحمر بقوس قزح إذا أقيما في مقابلة عين الشمس، وأما أهل العراق وخراسان فلا يفرقون بين ألوانه لأنهم إنما يستعملونه في ثقب الجواهر خاصة ومعدنه بقرب معدن الياقوت، وله معدن بقرب غزنه ومعدن بمقدونية من بلاد الروم ولونه كلون النوشاذر، ومعدن باليمن وهو حديدي اللون ومعدن بقبرس وهو فضي اللون رخو، ومن غريب حال الماس أنه إذا طرق بمطرقة على سندان نكأ فيهما ولا ينكسر وإذا لف في صفحة اسرب وضرب انكسر، وغالب ما يوجد منه قطع صغيرة بقدر الفلفل ونحوه، وكان قيمة هذا قديماً المثقال بمائتي دينار وما كان بقدر البندقة أو قاربه فيكون قيمته من ثلاثمائة إلى خمسمائة دينار.
وحكى نصر الجوهري أن معز الدولة بن بويه الديلمي أهدى إلى أخيه ركن الدولة من الماس فصاً وزنه ثلاثة مثاقيل ولم يسمع بأعظم منه، وأخبرني السيد الشريف ناصر الدين الترمذي أنه رأى عند السلطان قطب الدين ملك الهند من الماس الجيد الجليل القدر شيئاً كثيراً جداً ولعلهم لا يسمحون بخروج جيده من أرضهم لأنهم يتيامنون به، قال ارسطوطاليس الماس بارد يابس في الرابعة يثقب به الياقوت وسائر الأحجار الصلبة ومتى كان في مجرى البول حصاة فتلصق حبة من هذا الحجر في حديدة كالقاثاطير ثم يدخل في القضيب لتماس الحصاة فتفتتها ولا ينبغي أن يدخل الفم فإنه يكسر الأسنان وإن ابتلع منه شيئاً فربما قتل.
القول على الدر واللؤلؤ
الحيوان الذي يتولد فيه اللؤلؤ هو بعض الأصداف وهو دقيق القوائم لزج ينفتح بإرادة منه وينضم كذلك ويمشي أسراباً ويزدحم على المرعى واختلفوا في تولده في هذا الصدف فمنهم من قال أنه يتكون فيه كما يتكون البيض في الحيوان البياض ذكر ذلك جمع من المحققين، وقيل بل يطلع إلى سطح البحر في شهر نيسان وينفتح الصدف ويتلقى المطر فينعقد حباً ذكره نصر الجوهري وكثير من الناس وأقول عند التدقيق لا تضاد بين القولين لجواز أن
стр. 2678
يكون تكون اللؤلؤ في صدفه كتكون البيض ويكون قطر نيسان له بمثابة النطفة.
وقال الكندي أن موضع اللؤلؤ من هذا الحيوان داخل الصدف وما كان منه مما يلي الفم والأذن فهو الجيد منه وقالوا أن الحب الكبير إنما يتكون في حلقومه ويزداد بالتفاف القشور عليه والدليل على ذلك أنه يوجد طبقات والداخلة منها شبيه بالخارجة وكلها تشابه باطن الصدف وله مغاصات مشهورة في البحر الأخضر ويوجد في مجازات بين تلك المغائص وبين تلك السواحل، ومن المغاصات المشهورة مغاص أول بالبحرين ومغاص دهلك والسرين ومغاص الشرجه باليمن ومغاص القلزم بجوار جبل الطور ومغاص غب سرنديب ومغاص سفالة الزنج ومغاص اسقطرة وقد يتفق في بعض المغاصات مانع من الغوص كالحيوانات المؤذية التي في مغاص القلزم، ولهذا يدهن الغواصون عند الغوص أبدانهم بالميعة السائلة لأن الهوام البحرية لا تقربها.
ويختلف اللؤلؤ باختلاف المغاصات من جهة تربة المكان وغذاء الحيوان كما تغلب الرصاصة على اللآلئ القلزمية والدهلكية والوقت الذي يغاص فيه هو من أول نيسان الرومي إلى آخر شهر أيلول وفي ما عدا هذه المدة يسافر هذا الحيوان من السواحل وبلجج ويختلف اللؤلؤ بالمقدار فمنه الكبار والصغار وما بين ذلك وأعظم ما وجد منه اليتيمة التي كانت عند عبد الملك بن مروان ذكر أنها كان وزنها ثلاثة مثاقيل وكانت مع ذلك حائزة لجميع صفات الحسن مدحرجة نقية رطبة رائقة ولذلك سميت اليتيمة ولم يذكر عنها قيمة لكن ذكر الأخواني الرازيان أنهما شاهدا في خزانة الأمير يمين الدولة حبة ذات قاعدة وزنها مثقالان وثلث وأنها قومت بثلاثين ألف دينار، ويختلف اللؤلؤ أيضاً من شكله فمنه المدحرج ويعرف بالعيون وإذا كثرت استدارته وماؤه سمي نجماً، ومنه المستطيل الزيتوني ومنه الغلامي وهو المستدير القاعدة المحدد الرأس كأنه مخروط ومنه الفلكي المفرطح ومنه الفوفلي واللوزي والشعيري، ومنه المضرس وهو دونها شكلاً، ويختلف اللؤلؤ أيضاً من لونه فمنه للسقي البياض ومنه الرصاصي ومنه العاجي وصفرته غالباً في حساب المرض له وإذا فاز وطال زمانه أسود، واللؤلؤ سريع التغير لأنه حيواني بخلاف الجواهر المعدنية إذ أن أعمارنا لا تفي بتغير أكثرها، ويثقب هذا الحب لأنه يزداد بحسن التأليف في إلا حسناً ورونقاً وقيمة وإنما بثقب بالماس فلذلك لم يستعمل الأطباء في الأدوية النظم البكر
стр. 2679
غير المثقوب.
والقيمة عن الدر في القديم النجم إذا كان وزنه مثقالاً كانت قيمته ألف دينار وإذا كان وزنه ثلثي مثقال كان قيمته خمس مائة دينار وإذا كان وزنه نصف مثقال كانت قيمته مائتي دينار وإذا كان وزنه ثلث مثقال كانت قيمته خمسين ديناراً وإذا كان وزنه ربع مثقال كانت قيمته عشرين ديناراً وإذا كان وزنه سدس مثقال كانت قيمته خمسة دنانير وثمن مثقال قيمته ثلاثة دنانير ونصف سدس مثقال قيمته دينار واحد، والغلامي بالنصف من قيمة النجم وما عداهما بالنصف من قيمة الغلامي، وأما ما زاد على وزن مثقال فيزاد لكل قيراط في الوزن مائة دينار في الثمن إلى أن يبلغ مثقالاً ونصفاً ثم يزاد لكل دانق في الوزن خمس مائة دينار في الثمن إلى أن يبلغ مثقالين وما زاد عليه تتضاعف قيمته، وأما الآن فالقيمة على قياس الجواهر متضاعفة لكثرة الرغبات من ملوك العصر في اقتناء الجواهر النفيسة، وأما صغاره فبالدرهم يقوم، وخاصية اللؤلؤ المنفعة من خفقان القلب وتوحشه ويجلو العين ويزيد في الباه ويقطع نزف الدم وشربته درهم والمحلول منه يذهب البهق والبرص والكلف والنمش طلاءً ويبرئ الصداع والشقيقة سعوطاً، وصفة حله أن يسحق ويعجن بماء حماض الأترج ويعلق في دن فيه خل بحيث يرتقي إليه بخار الخل فإنه ينحل في ثلاثة أسابيع وهو يابس في الدرجة الثانية بارد في الأولى وقيل حار فيها لطيف جداً.
قال نصر الجوهري: إذا ذهب ماء اللؤلؤ وكدر فينبغي أن يودع إليه مشروحه وتلف الألية في عجين مختمر ويجعل في كوز ويحمى عليه فإذا خرج دهن بالكافور وقال أبو الريحان البيروني إن ما كان تغيره من قبل الطيب فيجعل في قدح مطين فيه صابون ونورة غير مطفية جزآن متساويان ويصب عليه ماء عذب وخل خمر ويغلى في نار لينة ولا يزال ترفع رغوة الصابون وترمى بها إلى أن تنقطع ويصفو الماء في القدح وبعد ذلك يخرج اللؤلؤ ويغسل، وإن كان التغير في اديمه إلى السواد فينقع في لبن التين أربعين يوماً ثم ينقل إلى قدح فيه محلب وكافور وخروع أجزاءً سواءً ويوضع على نار فحم مقدار ساعتين بدون نفخ عليها ثم ينحى، وإن كان السواد في باطنه طلي بشمع وجعل في قدح مع حماض الأترج ويبدل عليه كل ثلاثة أيام وتدام حتى يبيض، وإن كان في اديمه صفرة نقع في لبن التين أربعين يوماً ثم نقل إلى قدح فيه قلي وصابون وبورق بالسوية ويفعل فيه كما يفعل
стр. 2680
بالأسود، وإن كانت الصفرة في داخله جعل في محلب وسمسم وكافور متساوية الأجزاء مدقوقة ثم تلف فوقها عجين وتوضع في مغرفة حديد وتغمر بدهن الأكارع وتغلى غليتين ثم تخرج، وإن كان أحمر غلي في لبن الحليب ثم طلي باشنان فارسي وشب يماني وكافور أجزاء متساوية تدق ناعماً وتعجن بلبن حليب ويطلى به طلياً ثخيناً وتودع جوف عجين قد عجن بلبن حليب ويخز في التنور، وإن كان رصاصياً نقع في حماض الأترج ثلاثة أيام ثم يغسل بماء البيض ويحفظ من الريح بالقطن، وذكر غيرهما في تبييض الفاسد أن يلقى في خل ثقيف مع حبشين تنكار وقيراط نوشادر وحبة بورق وثلاث حبات قلي مسحوقة وتغلى في مغرفة حديد ثم ترفع المغرفة عن النار وتوضع في ماءٍ بارد ويدلك فيه بملح اندراني مسحوق ناعم ثم يغسل بماءٍ عذب ولا يبعد أن هذا العمل ينزع عنه قشرة الأعلى أو بعضه والتجربة خطر.
القول في الزمرد
الخضرة تعم أصنافه كلها وأفضله ما كان مشبع الخضرة ذا رونق وشعاع لا يشوبه أسود ولا صفرة ولا نمش ولا حرمليات ولا عروق بيض ولا تفوت، وليس يكاد يخلص عنها ودونه الريحاني الشبيه بورق الآس الرطب ودونه السلقي الشبيه بورق السلق الطري وأهل الهند والصين تفضل الريحاني منه وترغب فيه، وأهل المغرب يرغبون لما كان مشبع الخضرة وإن كان قليل الماء ويزداد رونقاً إذا دهن بزيت بذر الكتان، وإذا ترك بدون دهن يذهب ماؤه ويمتحن بالعقيق المحدد فإن خدشه فهو من أشباه الزمرد ومعدنه بسفح جبل قرشندة من أرض البجاة بصعيد مصر الأعلى وأكثر ما يظهر منه خرز مستطيلة ذات خمسة أسطحة ويسمى أقصاباً وثقبه يشينه بعكس اللؤلؤ وظهر في زماننا هذا من هذا المعدن قطع لم يسمع بمثلها في العظم ما يقارب زنة من ونحو ذلك، والمشهور أن الدهنج يكدر الزمرد إذا ماسه فيذهب رونقه وهو الآن بدون القيحة التي كانت في القديم بخلاف سائر الجواهر وما ذلك إلا لكثرته، فإن أبا الريحان البيروني حكى أن زنة نصف مثقال من الجيد منه يساوي ألف دينار وقيل أن منه صنفاً يعرف بالذبابي أنه يشبه الذباب الطاوسية التي تكون في المروج وإن من خاصية هذا الصنف ولكنني امتحنت الريحاني والسلقي في هذا الأمر فلم يصح ولا تغيرت أعين الأفاعي وخاصية الزمرد النفع من السموم المشروبة
стр. 2681
ونهش الأفاعي ولدغ العقارب يؤخذ من سحيقه تسع شعيرات ويجد شاربه في بدنه وجعاً عظيماً وانحلالاً في قوته ثم يفيق وقد انتفع ويوقف الجذام في ابتدائه ويقطع الإسهال المزمن ونفث الدم شرباً وتعليقاً ويقوي المعدة وينفع الصرع تعليقاً وإمساكه في الفم يقوي الأسنان والمعدة وإن علق على فخذ المطلقة أسرعت الولادة وإدمان النظر إليه يجلو البصر ويحده وطبعه بارد يابس.
القول على الزبرجد
هو صنف واحد فستقي اللون شفاف لكنه سريع الانطفاء لرخاوته وقيل أن معدنه بالقرب من معدن الزمرد ولكنه مجهول في زماننا هذا ومع ذلك فقيمته نحو قيمة البنفش وطبعه حار يابس وتقرب منافعه من منافع الزمرد ويدفع شر العين.
القول على الفيروزج
معنى اسمه بالفارسية النصر ولذلك يسمى حجر الغلبة ويسمى أيضاً حجر العين لأن حامله يدفع عنه شرها والمشهور عنه أنه يدفع الصواعق وهو حجر أزرق أصلب من اللازورد يجلب من أعمال نيسابور، وكلما كان أرطب فهو أجود والمختار منه ما كان من المعدن الأزهري والبوسحاقي لأنه مشبع اللون صقيل مشرق، ثم اللبني المعروف بشيرقام، ثم الاسمانجوني الغميق، قال أبو الريحان أعظم ما وجد من الفيروزج وزن مئة درهم ولم يوجد من الخالص منه غير المختلط بشيء غيره إلا وزن خمسة دراهم، وبلغت قيمته مائة دينار قال الكندي وقد كرهه قوم بسبب تغيره بالصحو والغيم والرياح وتصفير الروائح الطيبة له واذهاب الحمام لمائه وإماتته بالزيت وكما أنه يموت بالزيت كذلك يحى بالشحم والالية يعالج بأن يجعل في أيدي القصابين، قال بن زهر: إن الملوك تعظم هذا الحجر لأنه يدفع القتل عن صاحبه ولم ير في يد قتيل قط ولا في يد غريق وإذا شرب منه نفع لدغة العقرب، وقال الغافقي إنه بارد يابس، وقال ديسقوريدس أنه يقبض نتو الحدقة وينفع بثرها ويجمع حجب العين المنحرقة ويجلو الغشاوة، وقال ارسطوطاليس أنه ينقص من هيبة حامله، وذكر هرمس أنه إذا نقش عليه صورة طائر في فمه سمكة وجعل في خاتم وتحته شيء من خصي الثعلب ويكون القمر وعطارد في الثور فإن حامله يقوى على الجماع وتزداد شهوته له، وقال ابن أبي الأشعث أنه يقوي القلب إلا أنه دون الياقوت، ووجدت
стр. 2682
نقلاً عن بعض الأطباء أنه أقوى في تقوية النفس من سائر الأحجار.
القول على البلور
يجلب من خزائن الزنج ومن كشمير ومن نواحي بذخشان وله معدن ببدليس ومعدن بأرمينية ويجلب أيضاً من سرنديب ومن بلاد افرنجة ومن المغرب الأقصى ومنه ما يلتقط من البوادي، وقيمته بحسب ما يعمل منه من الأواني وحسن صنعتها ووجد منه قطعة زنتها مائة رطل بالعراقي وأفضله المستنبط من بطن الأرض ويكون ساطع البياض كثير المائية رزيناً صلباً بحيث يقدح منه النار ويخدش كثيراً من الجواهر بخلاف الملتقط من ظاهر الأرض ومن خاصيته أنه من علقه عليه لم ير مناماً يفزعه ورأى أحلاماً حسنة ويسقى منه مثقال بلبن الاتن لأصحاب السل فينفعهم وينفع الرعشة تعليقاً.
القول على الجمز
ويقال جمست هو حجر يشبه الياقوت البنفسجي وأعلاه ما غلبت عليه الوردية ومعدنه بقرية صفراء بالحجاز، ويوجد مغشى ببياض كالثلج على وجهه حمرة ووجد منه قدر الرطل وأكثر ينفع وجع المعدة تعليقاً والشرب بآنيته يبطي بالسكر وقيمته رخيصة.
القول على الدهنج
هو حجر رخو شديد الخضرة تلوح فيه زنجارية وفيه خطوط سود دقاق جداً، وربما شابه حمرة خفية ومنه طاوسي ومنه موشى وقيل أنه يصفو بصفاء الجو ويكدر بكدورته ومنه افرندي وهو أفضل أصنافه ومنه هندي ومنه كرماني وخراساني ومنه كركي ومنه معزل والهند نرى أنه ضرب من التوتيا ويكون رخواً وقت إخراجه من معدنه ثم يزداد صلابة، وقال ارسطوطاليس إن شرب منه شارب السم نفعه وإن شرب منه من غير سم كان سماً، وقد وثق عامة الناس من الفرندي أنه يجلو بياض العين جلاءً حسناً.
القول على اليشب
ويقال يشم منه مجلوب من بلاد الترك وألوانه أبيض وأصفر وزيتي وهو أفضلها، ومنه مستخرج من ناحية ختن من واديين يسمى أحدهما فاش ويستخرج منه أبيض فائق ويسمى الآخر واقاش والمستخرج منه كدر، وربما خرج منه شيء أسود لا يوصل إلى معدنه وإنما
стр. 2683
السيل بخرجة والقطع الكبار للملك والصغار للرعية والترك، وأهل الصين تتخذ منه مناطق وحلية للسيوف والسروج حرصاً على الغلبة وزعموا أنه يدفع الصواعق وجرب من الأصفر والزيتي أنه ينفع وجع المعدة تعليقات عليها وينفع أوجاع الأحشاء.
القول على الغازدهر
ويقال بازهر ومنه معدني ومنه حيواني والمعدني منه أبيض وأصفر وأخضر وأغبر ومسكت وهو أفضلها ومعادنه بالهند والصين والخالص منه إذا ألقي من سحالته شيء في لبن حليب جمده ويعرق في الشمس وهو نافع من جميع السموم ومقدار ما يشرب منه اثنا عشر شعيرة فيخرج السم بالعرق من الجسد، وإذا وضع على لسع العقرب أو الزنبور نفع نفعاً بيناً وإذا أنثرت سحالته على موضع اللسع اجتذبت السم منه وجرب أنه إذا نقش في فص منه صورة عقرب والقمر في العقرب في أحد أوتاد الطالع وركب على خاتم ذهب وطبع به والقمر في العقرب على درهمين كندر ممضوغ فإنه يشفي من لسعة العقرب شرباً، وأما الحيواني من البازهر فإنه يتولد في مراير بعض الأياييل بأرض شنكاره من جبال شيراز كما يتولد حجر البقر في مريرها وأكثره بلوطي الشكل لونه بين الخضرة والغبرة ويتراكم طبقات بعضها فوق بعض في المسن من هذا الحيوان حتى يبلغ زنة البلوط منه عشرة مثاقيل مع خفته وهو جوهر شريف يقاوم سائر السموم شرباً إذا شرب منه من دانق إلى نصف درهم يسحل على المسن بالماء القراح وسحالة الخالص بيضاء وربما تميل إلى حمرة خفية والمغشوش منه سحالته تميل إلى خضرة أو صفرة وإذا تقدم إنسان باستعماله على سبيل الاحتياط، وشرب منه في أربعين يوماً متوالية كل يوم وزن دانق لم يضره ما يرد على بدنه من السموم وينفع المجزومين نفعاً بليغاً ويجلو بياض العين والكلف والنمش جلاء، وحيا ويحل مغل الدواب وأسر بولها سريعاً.
القول على الخرتوت
ويقال ختو قال أبو الريحان البيروني هو حيواني يقال أنه يؤخذ من جبهة ثور يكون في نواحي بلاد الترك بأرض خرخيز، وقيل بل من جبهة طائر عظيم يسقط في بعض تلك الجزائر وهو مرغوب فيه عند الترك وأهل الصين يزعمون أنه يعرق إذا قرب من طعام مسموم، قال الأخوان الرازيان خيره المعقرب الضارب من الصفرة إلى الحمرة، ثم
стр. 2684
المشمشي، ثم الضارب إلى الكهوبة وكان في القديم ما كان وزنه مائة درهم فقيمته من مائة دينار إلى مائة وخمسين ديناراً، وجرب من دخان بخوره أنه ينفع البواسير نفعاً بليغاً، وليكن هذا آخر هذا الكلام في هذا الكتاب واقتصرت على ذكر هذه الجواهر لأنها النفيسة التي تدخرها الملوك والأكابر وتتحلى بها الغواني، ومنافعها جليلة ولم أطل فيه القول بكيفية تولدها لعدم الفائدة في ذلك ولا ذكرت ما يلتحق بها مثل المرجان والسبح ونحوهما لنزول رتبتها عن هذه الجواهر النفيسة، وقد آن ختم الكتاب بحمد الله تعالى والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين وآله وصحبه الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 2685
المطبوعات العربية
كان أول كتاب عربي مثل بالطبع في القرن الخامس عشر للميلاد في رومية العظمى كرسي البابوية فطبعت على ذاك العهد أمهات من الكتب النافعة كأسفار ابن سينا وغيره وعني الطابعون بتصحيحها ومعارضتها على أصول وقعت إليهم فدلوا بذلك على أن حب الإتقان واختيار الأجود تكاد تكون غريزة في الغرب ثم انصرفت الرغبة في أوروبا إلى تعلم لغات الشرق ولا سيما العربية فطبع المستشرقون من الفرنسيس والألمان والهولانديين وغيرهم كتباً جليلة لنا وبذلوا مجهودهم في تصحيحها ووضع الفهارس والمعاجم لها والدلالة على ما فيها من فوائد وأوابد وشوارد، وكل هذه المطبوعات على سقم الحروف التي كانوا يستعملونها في مطابعهم كانت على غاية من جودة الورق ومتانته وجمال الوضع والشكل.
ولما دخل الطبع إلى البلاد العثمانية سنة ١١٣٥ هـ تأسست في اسكدار إحدى أحياء الأستانة أول دار للطباعة كان في جملة المطبوع من الكتب العربية بعض كتب دينية وبينها بعض الكتب العلمية والتاريخية إلا أن الطباعة لم تكن على الإتقان المطلوب والعناية بالتصحيح كانت دون عناية الأوروبيين بكثير أما الفهارس والتبويب فلم يحفلوا بها لما يحتاج وضعها إليه من طول النفس وسعة الصدر وكثرة العلم.
ولما قام محمد علي الكبير في القطر المصري والياً عليها وأراد أن يجعل لها شأناً في الحضارة لتدخل في عداد البلاد الراقية كان مما قام به تأسيس المطبعة الأميرية الكبرى فشرعت تطبع الكتب المعتنى بها متخيرة لها أجود الحروف وأجود الورق وخيرة المصححين والناظرين، وإن بعض الكتب التي نشرتها تلك المطبعة على أوائل عهدها لا تزال إلى اليوم مثال الإجادة ومنها كتاب كلستان الفارسي للحافظ الشيرازي والقاموس المحيط للفيروز آبادي.
وما برحت أحوال المطبعة الأميرية عرضة للقلب والإبدال على ما يكون حال الإدارات والمشاريع في الشرق غالباً تختلف سقوطاً وارتفاعاً بحسب إرادة القائم عليها وهي تطبع مع تلك الكتب القديمة التأليف الأسفار التي عني الشيخ رفاعة الطهطاوي وجماعته بتعريبها من اللغات الافرنجية ولا سيما الافرنسية فجاءت إلا قليلاً نموذج الجودة شكلاً ووضعاً.
ثم أخذ بعض التجار في أواسط القرن الماضي بمصر يفتحون المطابع ويطبعون الكتب
стр. 2686
للتكسب منها فقط فوضعت لهم بعض أمهات الحروف ولكنها سقيمة بالقياس إلى حروف المطبعة الأميرية وزادها سقماً أن أولئك الطابعين طفقوا يتخيرون من الورق أرأده ويقتصدون في التصحيح حتى لقد يعهدون به وأكثرهم أميون لا يقرأون الكتاب إلى أناس يماثلونهم في ضعف المدارك والعلم فكانوا إذا أحسنوا وأجادوا يطبقون المطبوع بالحرف على ما عندهم من الأصل وربما كان في البلد على قيد غلوة منهم خمس نسخ أو عشر من ذاك الكتاب كتبت في أوقات مختلفة وهم لا تحدثهم أنفسهم بأن يعارضوا عليها نسختهم التي يطبعون عليها وإن يذبلوها كما جرت عادة الأوروبيين بوضع اختلاف النسخ في أسفل الصفحات، أما التبويب والفهارس المتقنة فليس لها أثر فيما طبعه أولئك المتجرون ببضاعة العلم.
وعلى ذاك العهد فتحت بعض المطابع في بيروت على يد بعض الجمعيات الدينية المسيحية وكان سبق لبعض الأديار في لبنان أن كان لها مطابع حجرية، طبعت بعض الكتب الدينية واللغوية ومن جملتها شرح الزوزني على المعلقات وهو طبع حجري لا حرفي، فتخيرت مطابع تلك الجمعيات الكتب الدينية أولاً وأجادت بعض الشيء في طبعها ثم ارتقت الطباعة إلى أن أصيبت ببائقة المراقبة فانقطعت الرغبات عن الطبع بل زهد الناس في تعلم العربية ورأوا ربحهم المادي من اللغات الأعجمية أكثر وأنشأ دير الفرنسيسكان في القدس مطبعة طبعت بعض كتب وأكثرها في الدين ومثلها دير الدومينيكين في الموصل طبع مع كتب الدين كتباً علمية قديمة وحديثة ومنها تآليف المطران يوسف داوود العالم المشهور، وأنشئت إذ ذاك في دمشق مطبعتان إلا أنهما لم تطل أيامهما حتى تزيد العناية بإتقان مطبوعاتهما بالاقتصاد من التصحيح والعناية والورق والشكل ورص السطور والكلمات بعضها فوق بعض بدون فواصل ولا تقطيع وكانت أكثر مطبوعاتهم في فروع الفقه والنحو والكلام والزهد والخلاعة مما ألفه المتأخرون وفيه من الحشو واللغو والموضوع والمصنوع ما كثر ضرره في عقول الطالبين والمتأدبين.
ومنذ عادت إلى العربية بعض نضرتها الأولى أيام هب منذ بضع سنين أناس استناروا بقبس الغرب أصبحت المطابع تستحي من طبع التآليف الساقطة وتستشير أهل الرأي في تخير المصنفات للطبع ولو عملوا بنصائح العلماء كل حين لما أخرجوا كتاباً للناس قبل
стр. 2687
بذل الجهد في تنقيحه وتصحيحه وإتقان طبعه ووضعه ولكن ما الحيلة وهم يعتقدون كما قلنا أن الربح لا يتيسر لهم إلا بمثل هذا الاقتصاد البارد، وما أعجب إلا من طابع يطبع كتاباً يكلفه الألف والألفي ليرة ثم يبخل بعشرات من الليرات أو بعض النسخ جائزة لمن يتقن النظر فيه.
أما سائر المطابع المصرية كمطابع الصحف فلم تطبع شيئاً يذكر من الكتب المهمة وإن كانت أكثر سخاء من أولئك التجار في إتقان الطبع وجودة الورق وحسن التنسيق، ولم نر في المطبوعات التي انتشرت في العهد الحديث أتقن وأجمل وأصح من كتاب المخصص لابن سيده تعاورته بالتصحيح أيدي بعض العلماء الأخصائيين المحققين فجاء مزيداً في بابه لانخجل منه إذا نظر فيه عالم أوروبي كسائر مطبوعاتنا الأخيرة.
نقول هذا ونحن على مثل اليقين في أن ماطبع من الكتب العربية في بلادنا ما عدا بعض كتب طبعت في المطبعة الأميرية في مصر وبعض كتب لغوية أدبية طبعت في المطبعة اليسوعية في بيروت لا ثقة للمستشرقين به، وقد أكد لنا أحدهم أن كل نقل ينقله أحد مؤلفيهم من كتاب عربي طبع في الشرق تسقط مكانته وإن جمهورهم لا يعترف بالصحة إلا لكتاب عربي طبعه أوروبي ولكن هذا لا يخلو من غلو أيضاً.
أليس من العار أن تكون سيرة ابن هشام التي طبعت في ألمانيا أصح من الطبعة التي طبعت في المطبعة الأميرية نفسها وهي التي كنا نقرظها الآن بجودة الطبع واختيار المصححين وقد نبغ منهم فيها أمثال الشيخ نصر الهوريني وأمثاله.
أليس من العار أن يطبع امرؤ القيس الطحان أو (ماكس موللر) الألماني طبقات الأطباء لبن أبي أصيبعة في مصر فيخرج بجودة تصحيحه وفهارسه على ما تراه وتطبع مصر كتاباً لأحد كبار فقهائها الذين تفاخر بهم وهو كتاب طبقات الشافعية للسبكي فيأتي مشعثاً سقيماً كما تشهد، نعم إن نفس تأليف ابن أصيبعة أرقى وأمتع من مصنف السبكي في بابه ولكن إتقان الطبع والتصحيح والفهارس هو الذي نبكي على فقده بين أظهرنا وهو موضوع بحثنا الآن.
أي فرق بين كتاب لنا طبع مرة في أوروبا وأخرى في الشرق، بالله كم تساوي نسخة معجم البلدان لياقوت طبع أوروبا إذا قيست بالنسخة التي نقلت عنها وطبعت في مصر أو كتاب
стр. 2688
الكامل المبرد المطبوع في أوروبا إذا قيس بالطبعة الثانية المصرية التي نقلت عنه فكانت الصحة تغلب عليها أكثر من الكتب التي نطبعها ابتداءً.
ومن غريب أمر الطابعين في مصر أنهم يستحلون طبع الكتب التي تعب علماء المشرقيات من الأوربيين في أحيائها فيعيدون طبعها بالسقم المعهود في مطابعنا فتجيء والعين تنبو عن النظر إليها دون الطبعة الأوروبية بمراحل ومع هذا يستنكف أولئك الأمناء أن يشيروا إلى النسخة المنقول عليها تمويهاً بأنهم هم ناقلوها عن أصل مخطوط ظفروا به وتكلفوا في البحث عنه ضروب المشقة والنفقة كأن أولئك الفضلاء الذين لهم الفضل الأكبر في إحياء مآثر أجدادنا غير أحرياء أن يذكروا بكلمة شكر لمعاونتهم لنا.
وإنا لنرى حتى الآن خزائن الكتب في بلادنا طافحة بالمخطوطات من الأمهات التي تجب المبادرة إلى تمثيلها بالطبع على مناحي الغربيين ونرى طابعينا وكتبيينا يكررون طبع تلك الكتب المألوفة والمستنير الفكر منهم يمد يده إلى كتاب طبعه أوروبي فعانى عرق القربة في سبيل نيله فيعيد طبعه مدعيه لنفسه وإنه هو الذي أحياه، وخزائن كتب الأستانة وخزانة دار الكتب المصرية وحدها مملوءة بالنوادر التي لو أحييت على الطريقة التي تجب من العناية لكان فيها الربح الجزيل والشرف الأثيل لطابعيها وناشريها.
لو بذل أرباب المطابع في مصر والشام والأستانة وبغداد وتونس وفاس بعض عناية الأوروبيين بكتبنا قبل أن يمثلوها بالطبع لكان عندنا اليوم من المطبوعات العربية ما نفاخر الأمم بكميته وإتقانه، نحن لا نقول لطابعينا أن يتأنقوا ويبالغوا في التصحيح كما يبالغ أكثر المستشرقين في الطبع بأن يرسلوا أحياناً الملازم المصفوفة حروفها من مملكة إلى أخرى لتعارض على الأصل الآخر الذي هناك أو لتدفع لعالم متمكن من الفن الذي جعل الكتاب في موضوعه يمر عليها نظره وإنما نريدهم على السخاء المعتدل في التصحيح وجعله من أوليات المسائل في الطبع لا مناص من توسيده إلا للعالمين به كما لا مهرب من إعطاء أجرة المنضد والمرتب والطابع والمجلد لكل من أراد أن ينشر كتاباً.
طبعت بعض مطابع الهند وفارس كتباً عربية كثيرة ومعظمها بالحجر في موضوعات دينية من حديث وفقه وكلام ولكن بعضها على العجمة المستحكمة من السن أهل تلك البلاد تكاد تكون أقرب إلى الصحة والضبط من بعض ما طبعه العرب من أرباب الطباعة في هذا
стр. 2689
الشرق الأدنى.
أما الآن وقد رفع الحجر عن العلم في البلاد العثمانية وأصبحت كالديار المصرية في حريتها فالفرض العيني على المتجرين بالكتب والمتمحضين لخدمة الآداب والعلم أن يسارعوا إلى استنساخ ما حوته خزائننا العامة والخاصة من الأسفار الممتعة ويحذوا حذو الأوروبيين في التصحيح والشكل والفواصل والتقطيع والفهارس المنوعة حتى ينتفع المراجع بفوائد الكتاب لأول وهلة ويسقط على ما يريد معرفته منه بأدنى نظر دون إنهاك القوى في تصفحه كله على غير جدوى من أجل العثور على مسألة أو اقتباس جملة، وبذلك يرفعون العار عن العربية الذي يشيعه عنها الجاهلون فضلها فيرمون كتبنا عنها بأنها معقدة غير متسعة وأن المطالعة في كتب جعلت جملة واحدة ضرب من العنت وإضاعة الوقت على غير طائل، وإفناء العمر في باطل وعاطل.
стр. 2690
رسائل بليغة
وقع إلينا كتاب مخطوط وقد كتب على جلده بخط حديث لا تحزن إن الله معنا حكمة بالغة لبعض الحكماء: لا مجد كمجد من يخدم وطنه، وقال اسكندر دوماس الفرنسوي المشهور: إن الأشرار يتحاملون على النفوس الشريفة بيد أنهم لا يستطيعون له أذىً فهي (أي النفوس الشريفة) كالصخور الصوانية تطغو عليها أمواج البحر عند هبوب العواصف فتظن أنها قد أغرقتها وهي قد غسلتها فتعود في نور الشمس أكثر جلاءً.
وليس لهذا المجموع اسم ولا عرفنا اسم جامعه ولا سنة نقله وإنما الطاهر من خطه المشرقي أنه مما كتب قبل الألف للهجرة وهو في ستة وأربعين ورقة من قطع الربع.
وفي الورقة الأولى منه صورة سؤال كتبه الشيخ الفقيه المفتي أبو محمد عبد الحميد بن أبي الدنيا إلى الفقيه الإمام العلامة الشيخ عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام ﵄ فيمن تصدى للفتيا والجواب عليها وقد استغرق السؤال والجواب ورقتين.
أما المجموع فهو رسائل لبعض البلغاء فالرسالة الأولى كتاب الفقيه المشاور أبو محمد عبد القوي في زواج ابنته إلى أحد الفقهاء وكتاب لأبي بكر بن صاحب الصلاة إلى بعض إخوانه يوصيه بالتحفظ بكتبه من الفار وكتاب له إلى بعض إخوانه يصف جامع قرطبة جاء فيه:
والجامع قدس الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسي بردة الازدهاء، وجلي في معرض البهاء، كأن شرفاته فلول في سنان، أو أشر في أسنان، وكأنما ضربت على سمائه كلل، وخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس قد خلفت فيه ضياءها، ونسجت على أقطاره أضياءها، فترى نهاراً قد أحدق به ليل، كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، وللذبال تألق كنضنضة الحيات، أو إشارة السبابات بالتحيات، قد أترعت من السليط (شيرج) كؤوسها، ووصلت بحاجز الحديد رؤوسها، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة، أو كالثعابين العائمة، عصبت بها تفاح من الصفر، كاللقاح الصفر، بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولآلائها، كأنما جليت باللهب، أو أشربت ماء الذهب، إن ساميتها طولاً رأيت منها سبائك عسجد، أو قلائد زبرجد، وإن جئتها عرضاً رأيت منها أفلاكاً ولكنها غير دائرة، ونجوماً ولكنها غير سائرة، تتعلق تعلق القرط من الذفرى، وينبسط شعاعها بسط الأديم حين يغرى، والشمع قد رفعت على النار رفع البنود، وعرضت عليها عرض
стр. 2691
الجنود، ليجتلي طلاقة روائها القريب والبعيد، ويستوي في هداية ضيائها الشقي والسعيد.
وهنا انتهت الصفحة واختلط الكلام بغيره والغالب أن ورقة سقطت من الوسط، وكان فيها تكملة ذلك الوصف المسجع المستملح، وهناك رسائل كتب بها الوزير الكاتب أبو مروان بن زكريا ورسائل كتب بها ذو الوزارتين أبو بكر بن عبد العزيز منها كتاب كتبه عن أهل قرطبة إلى علي بن يوسف بن تاشغين ونصه: أيد الله أمير المسلمين بالتقوى وعمر به ربع الإسلام فلولا رجاؤه لكان قد خرف في هذه الجزيرة وأقوى وأتم به وعليه النعمى وجعل ذراه الأمنع الأحمى وأمده بالقوة والرحمى وأنار به طريق الهدى وصدع بنظره الحميل جميع العدى وجعله ممن اشتمل بالتوفيق وارتدى وجرى في غايات البر فسيح المدى واتبع آثار الذين هداهم الله واقتدى، كتبناه أدام الله تأييده وطاعته لم تخلق برودها ولم تتقض عهودها ولم يتغير معهودها ونحن لحقه مقدمون ولما أوجب الله من فرض إمامته معظمون ولما قضاه مسلمون ولما أمضاه مستسلمون وبين يدي أشفاقه باكون خاشعون وإلى جنابه وارتماضه (انفعاله) شاكون ضارعون وللحق فيما ينهيه حاكون وبه صادعون وقد ضاقت بالنفوس الحناجر وأسلمت الدموع المحاجر وسمعنا صراخ الأسرى المضطهدين يمنة ويسرة فما ملكنا إلا عبرة أو حسرة ووددنا يوم انتقل الأمير الأجل ولي العهد عن أنظارنا وارتحل من ديارنا أنا لقينا الموت المعجل فأراحنا من الأوجال ولم ترتق الخطوب إلينا حالاً بعد حال وهذا العدو المجاور لنا قضمه الله قد أحرقنا بشررة من ناره وأغرقنا في قطرة من غماره فكيف نكون بعد وقد أشجانا بشؤبوب برد ورمانا بضرم متقد ونحن نستقبل به جمعاً ولا نطيق له بغير الله دفعاً ونترقب آزفة تترك أنوار الإسلام والله الكافي كاشفة ولا تجد لها من دون الله كاشفة بل هو القادر على أن يصرف إلينا نظر أمير المسلمين فيسهل لنا مقاصدها ومسالكها ويرد عنا محاذيرها ومهالكها.
وتفسير هذه المقدمة الشديدة الوقوع الكريهة المسموع الأميرة قلعة رباح ومورة نفدت في شهر كذا وأوعب العسكر مع والينا أبي محمد وفقه الله في نقلها ونهضوا بما تحملوا من ثقلها فلما أعنقوا في مضمارهم وبعد عنا ماكنا نتطلع من أخبارهم جاء الصريخ أن عسكر الروم دخل على فج المساجد إلى بلاد الإسلام رد الله عنه كيد عبدة الأصنام وهناك مقاصد شتى شعوبها وغنائم لا يتعذر مطلوبها فأخذ بنا الورع في كل طريق وخفنا على كل جانب
стр. 2692
من جوانب المسلمين وفريق وتوجه من بقي في البلد من أهل الفلاحة وغيرهم للإنذار وتقليع الأقطار وأعلام أهل البوادي بنبأ هذا العسكر الجرار ورفعهم عن مواضع سكناهم عسير ولا يرد قدر الله عمن هو قتيل أو أسير واستصرخنا الأمير الأجل أبا زكريا يحيى بن اسحق وفقه الله لهذا الخطب النازل والعدو المغير المنازل فتوانى فيما كان يروم وسبقه إلينا الروم فأغاروا من الوادي الكبير إلى القليعة إلى لورة إلى فرنجولس واجتاز الوادي إلى يلمه وبعض نواحي استجة وكان ذلك في اليوم الثالث من وصول خبرهم إلينا ووروده علينا وأكثر أهل هذه الناحية لم يطيعوا النذير ولا صدقوا التحذير بل غلبهم ضعف المقدرة عن الانتقال وكثرة العيال والأطفال فامتلأت بالسبي الجبال وأسلمت من فيها السهول ولا تعصمهم الجبال وأخذوا من النهاب والإمتاع والحاضر والكراع ما لا يدركه الإحصاء ولا يملكه الاستقصاء وبقوا في ذلك يومين لا يجدون من يرد امتدادهم ولا من يرمي سوادهم حتى غلب أكفهم الانتهاب وضامه بهم المشي والذهاب ووصل كتاب وإلينا أبي محمد بن كركي بعد أخذه في الصدر والقفول من ذلك السفر يذكر ما اتصل به من الخبر ووعدنا بالتشمير في اتباعهم وأخذ الاهبة لقراعهم وتلوه إذن الله في ذلك لاعبين بكثرة الجند واجتماعهم وجاء أيضاً عن والي إشبيلية أنه وصل لورة وسيره حثيث وهو للمسلمين ناصر ومغيث والنصارى قد أثقلتهم الأسرى والغنائم فلا يمشون إلا رويداً ولا ينتقلون إلا صار الأمن لهم قيداً واجتمع الواليان وفقهم الله والعدو لم يبعد طلبه ولا تعذر مطلبه ونفر المسلمون من كل مكان خفافاً وثقالاً فرساناً ورجالاً وقد رأوا أسباب النجح بينة ولوازم الجهاد متعينة ولما تراءت الفئتان قصرت الأقدام وقلّ الإقدام وطفئت الحفائظ وكان لها توقد واحتدام ونسي فرض الإسلام واستخف ثقل الملام ورأى الكافر ما عليه من عساكر تترادف أمدادها وتزيد ضعفاً على من عنده أعدادها فلجأ العدو إلى جبيل لا يعصم الهارب ولا يمنع الطالب وسدل به الرجالة المطوعون فأرهقوه عسراً وحالوا بينه وبين المواشي قسراً وخالطوا الكفار في صعيد وسائر العساكر غير بعيد ورزق الله المطوعين الصبر في محاربتهم والاجتهاد في مطاعنتهم ومضاربتهم فما ذعر الكفار لهم سرباً ولا فلوا لهم غرباً فاستمدوا الولاة وعندهم الكماة وبين أيديهم الرماة فما أمدوهم بحام ولا أعانوهم برام بيد أن الكفار يئسوا من الحياة ولم يطمعوا في النجاة واعتنقوا اعتناق وداع ولا يثقوا بقوة ولا
стр. 2693
خداع وفني عمر اليوم والكتائب لم تتحرك وقد أذن الله بالإملاء لمن أشرك وترك الليل فقوض الكافر بجمعه على أعين الناس وأسرى ومعه الدواب والأسرى وقد أهملهم أهل الإسلام ولم ثرع فيهم ذمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وتركت الغنم والبقر سدى واغتالتها يد الردى وانتهبتها أهل الحصون كما تنتهب المغنم المباح وأخذوها كما تؤخذ الفوائد والأرباح ولم يرجع منها إلى أهلها إلا النذر اليسير والتافه الحقير وكان للأسرى عند رحيلهم عجة في الأصفاد وضجة في الأغلال والأقياد تصرع الجماد وتفجر الأحجار الصلاد فما رقت لذلك قلوب أقستها الذنوب وبعد عنها نصر الله وهو قريب ومنعها من حسن اليقين شك مريب، ومعظم الشكوى بأهل إشبيلية فإنهم أظهروا المباعدة وأقلوا المساعدة وعادهم في ذلك الخميس عيد من ذكر يوم الخميس فاستقبلوا العجز استقبالاً وخرجوا للنصر فما زادوا إلا خبالاً فيالله ويالأمير المسلمين من دماء سفكت وحرمات هتكت وأنفة في دين الله وضعت وتركت وجماعة من المسلمين غلبت بيد الباطل وملكت، وقدامهم من أخوانهم من يزيد على عددهم أضعافاً يغلب فيها النساء الرجال ويسبق ذوي الغرر والحجول ربات الحجال ولو كانوا نصفهم لكان ذلك النصف يحسبهم وكتاب الله تعالى قد أوجب أنه يغلبهم وقد روى ثقات الأخبار خطبة علي ﵁ بالأنبار وأمير المسلمين أولى من اهتدى بهديه ورأى في الإسلام مثل رأيه وقد علم الروم أن حمى الإسلام غير ممنوع وغاربه غير مدفوع وعندهم في هذه السنة احتفال واحتشاد وتأهب واستعداد وما منا أحد إلا وهو يجتاز للجلاء أقرب طرقه ويرى موضع الفداء والسيف من عنقه وقد دعونا أمير المسلمين بما أسلف إلينا من نعمه وأعلقنا من ذممه وقرب إلينا من مسافة مطالعه واقتضاء الواجب في مناصحته ومشايعته والرب سائله عما استرعاه ومجازيه بعمله المبرور ومسعاه ولعل الله يجعل لنا في قلبه رأفة تعطفه إلى هذه الشكوى وترفه ما نزل بنا من البلوى وإنا لننتظر من نظره الجميل وجوابه الواضح السبيل ما يقر النفوس في قرارها ويعيد الآمال في النجاة بعد فرارها وهو أيده الله بذكر ما أخذه عليها من العهد المسؤول في النصح المبذول والصدق المقبول فرأينا أن لا نكتم ما يجب إبداؤه ولا نمسك ما يلزم أداؤه وهو المسؤول جلت قدرته أن يرفع بالتقوى قدره ويشرح لهذه الشكوى صدره ويجزيه عن جوانب الاتها العدل وبسيطها ومذاهب زانها الرفق وأقسطها أفضل ما
стр. 2694
جزي به أماماً تواضع لله فحببه إلى خلقه وأعانه على حقه لا رب غيره والسلام.
فراجعهم علي بن يوسف بن تاشنين:
كتابنا كتب الله لكم يقيناً تطمئن بصدقه القلوب وتهون بعده الخطوب وأيدكم بإيمان تنبعث به البصائر ويثوب ويذهب بسبب الروع الذي يخوف به الشيطان أولياءه فلا يعقب ولا يؤب من حضرة مراكش حرسها الله في الثاني عشر من جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ونحن نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو حمداً نتخذه إلى المزيد من نعمته سبيلاً ونجعله إلى رحمته دليلاً وننزله بعصمته كفيلاً ونصلي على محمد نبيه الكريم صلاة عامة تامة تتعاقب إليه مع التسليم الأصفى وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين بكرةً وأصيلا، أما بعد تجاوز الله عن ذنوبنا وذنوبكم وفزع بأمنه عن قلوبنا وقلوبكم وصفح عما يعلمه من عيوبنا وعيوبكم فإن كتابكم الأثير وافانا مضمناً من سوء أثر العدو قصمه الله في المسلمين عصمهم الله ما أغص وأشرق وأمضى وأرق وجمع علينا من همومكم وغمومكم ما انتشر وافترق وذلك ما أحصاه قبل خلق الخلائق كتاب من الله سبق قال الله سبحانه وبلغ رسوله ﷺ وصدق (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسو على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) وما نهون مصاباً أدرك المسلمين والمسلمات فيه من النكال الموجع ما أدرك وظهر على المؤمنين في مواطنهم من كفر بالله وأشرك وفتك في حومته بدين الله من فتك ولوددنا والله شاهد أن نجعل دون نفس المسلمين نفساً لا ندخرها ما استطعنا من فدائهم ولا نكره أن نبذلها جهدنا في جهاد أعدائهم وأن نكون جنة واقية من أمامهم وورائهم ولكن نقول ما قال سبحانه وتسليماً وتراه كما هو عند الله عظيماً (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم أن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً) وقد علمتم أمتع الله بالحسنى أمتاعكم وأقر بعوائد البشرى أبصاركم وأسماعكم وكشف عنكم وعنا فيكم ما وقذكم وراعكم أنا قد تقدمنا إلى جميع العمال ومن تحت أيديهم من الرجال أن يتظافروا على العدو قصمه الله ويأتلفوا ويتطاوعوا ولا يختلفوا ويتقدموا في حسن الدفاع ويزدلفوا ولو أن جميع المسلمين من قلة أتي وبأضعاف كثيرة رمي لقلنا في الحاجزة نعماً هي ولكن فت في أعضاد الله تبريحهم وتنازعوا ففشوا وذهب ريحهم ولم يحظ عندنا بقبول تعريضهم في
стр. 2695
العدو وتصريحهم فاستحقوا مقت الله ومقت الأمة ولومها وأعطوا شيعة الكفر على الرغم منهم حكمها وشومها وفضحوا المسلمين كما فضحت عامل (عاد؟) قومها وعلى الله تعالى ثم علينا تقويم الزيغ بعينه والأود والتقدم لكل خاصة وللمسلمين عامة على توفيق الله تعالى بالنظر الاحد وأعينونا رحمة الله بالأدعية الصالحة التي هي أمضى السلاح وأوثق العدد وأما ما سرى إليكم من أعداد العدو قصمه الله لخروج يستقبله وفساد في البلاد يؤمله فالله تعالى بقدرته يشغله عن ذلك ويذهله ويرميه بحوادث لا تنتظره ولا تمهله وحن علينا وقد استرختم بنا أن نلبي بمشيئة الله نداءكم ونجيب على الصبة والذ والذلول دعا كم ونلقي دونكم الأموال والأنفس أعداءكم وما كنا لو لم تعلنوا في الكتب المجردة نجواكم ولم يبلغنا على السنة الأقلام شكوا كم لندعكم لعدو يستبيح حماكم ويجمع نفسه لمصرتكم وإذا كم ولا نستقيم أصلحكم الله بما نيتنالكم عن أذكاركم واعتصامنا جميعاً بالله هو مولانا ومولاكم واعلموا وفقكم الله أن حماكم حمانا ومن رماكم فقد رمانا ومن أرادكم بسوء الله يكبه لوجهه فما تخطانا ولا تعدانا وظلام الإسلام بحمد الله ممتدة وتلك النصب التي تقدمنا بها في العام الأول معتدة والاهبة بحمد الله متى حزب حازب مستجدة والذي من نصرتكم نستدعيه ونستمنحه في الله ونستهديه دعاء نتعرف بنعمة الله بركة إخلاصكم فيه على الذين شغلوا خيل الله قبلنا عن ثنايا في غزو الكفر نطلعها وأودية في مواطئ بغيظ حزب الشيطان نطويها ونقطعها والله يأخذ هذه الفئة ولا يدعها ويكبتها سريعاً ببطشه الكبرى ويصدعها فخذوا رحمكم الله في أدعية يقبلها ويرفعها ويد الله مع الجماعة ولن يرجع إلا بالإجابة السريعة إن شاء الله مجتمعها وأما ما انتهبه أهل الحصون وسواهم من أغنام المسلمين فلا فرق بينهم في ذلك وبين المشركين ولو كان ذلك النشر جامع يضم تفاريقه وحائط المسلمين يرى الحرج ويخشى ضيقه أو آمر بمعروف أدناه عن منكر يؤثر الحق ويسلك طريقه لحفظ تلك البقية على أربابها وحال بين المسلمين وبين انتهابها لكنهم أمنوا من سعتها وطلابها وما منعه قوم لم يحضرهم من أهل الرضى حاضر ولم يشهده منهم ناصر والله على نصر المهتضمين قادر توكل الله للمسلمين بناصر ناجز ولا وكلهم إلى مضيع ولا عاجز وجعل بينهم وبين الأعداء كل حجر مانع وحاجز بمنه والسلام.
ومن الكتب أيضاً أربعة كتب من أبي الحسن علي بن سيده إلى أستاذه، وفي المجموع عدة
стр. 2696
كتب لذي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الحضال منهم رسالة إلى عسكر انهزم فوبخه وثانية كتبها عن تاشغين بن علي إلى صاحب فاسر في أمر محمد بن تميم حين استراب منه وثالثة أيضاً مراجعاً للوزير الكاتب أبي مروان بن زكريا جواباً عن رسالة خاطبه بها وغير ذلك ومما يؤثر ما كتبه عن علي بن يوسف إلى يحيى بن علي بولاية بلنسية وها هو:
كتابنا أعزك الله بتقواه ورفع قدرك وأسماه وأيد عزمك في ذاته وقواه ولا زلت تتقلب في عوارفه المقيمة ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وأنا بما نعرفه من صفو ولائك وصدق غنائك وظاهر استقلالك واكتفائك نرى أن نرفعك بمقتضى حقك في الأحوال ونوسع لك في الأعمال ونعقد بطوقك منها ما نعلم أنه به ناهض مضطلع ونضيف إليك من جسيمها ما أنت بشروطه والقيام بحقوقه رحب الصدر متسع ولضبط جوانبه ومراعاة لوازمه منتظم الأمر مجتمع فقلدناك بعد استخارة الله تعالى والابتهال إليه في اطلاعنا على مواقع السداد وإمدادنا بحسن التوفيق والإرشاد ولاية بلنسية وأعمالها حماها الله تقليداً جمعنا لك به بين الولايتين وملكناك به أمر كريمتين وزمام جحفلين فتقلد ما قلدناك على الطائر السعيد وتظاهر التأييد وتوله معرفاً فيه يمن التقليد وتوالي الصنع الحميد وانفذ إلى عملك وتسلمه من المصروف بك واستقبل الأمر بأقوى عزيمة وجد وانفذ مضاءٍ وامضى حد وكن به جد ناهض مستبد وتلك حال خطيرة قد جذبنا إليك زمام قيادها وتوخينا بك إقامة منآدها وثغور قد رميناها منك بسدادها وأمور صارت بتصييرها إليك عند عالم بإصدارها وإيرادها وقد أغنانا علمك بالسياسات في جميع الطبقات عن أن نفصلها تفصيلاً أو نأتيك بها قبيلاً وإنما أعطيناك جملة لا يؤودك تدبيرها ولا يذهب عنك تفسيرها لأنك إنما تقدم على بلد صاقبته كثيراً وجاورته دهراً طويلاً فشؤونه في صدرك مجتمعة وإلى فكرك منحصرة مع تكررك على المكان واطلاعك عليه تارة بالخبر وتارة بالعيان وقديماً تمنى أن يلقى إليك قيادة وصب سادته ورعاياه وأجناده فاجزهم الآن بودادهم وحطهم في أنفسهم وأموالهم وبلادهم وعم جميع الأحوال بتصفحك ومتع الجميع بتأملك واعط كلاً حقه من نصفتك وحسن رعايتك وأذقهم حلاوة الأمن والعدل في ولايتك إن شاءالله، وموضع إقامتك هناك أنت تختاره حيث تهوى لنفسك فتبوأ مكاناً
стр. 2697
يصلح لأمرك ولا تبعد به كل البعد عن قاصية ثغرك فترجح ما بين شاطبة وبلنسية أو منزلة بينهما ذلك مصروف إلى اختيارك والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ونحن بعيد وأنت قريب وإنك كما علمنا موفق الرأي مصيب والله تعالى مؤيدك ومرشدك ومعينك ومنجدك بجوده ومجده لا رب غيره فإن احتجت أن تستعين بأبي عبد الله محمد بن علي أخيك أعزه الله فاستعرفه يقدم عليك واستدعه يسرع إليك واستنب مكانه بميورقة محمود المناب نافذاً في ذلك الباب إن شاءالله عرفك الله يمن ما وليت وأعانك على حفظ ما استرعيت بفضله وجميل صنعه لا إله غيره والسلام.
وكتب عنه أيضاً إلى أهل بلنسية في ذلك:
كتابنا كتب الله لكم تمهيد الأحوال والجهاد وأمدكم بسوابغ الإجمال والهبات ويسركم للأعمال الصالحات والمساعي المرضيات من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد رأينا بعد استخارة الله التي يتوصل إلى المراشد من بابها وتدرك المناحج من أسبابها أن نولي عليكم أبا زكريا يحيى ابن علي أعزه الله بتقواه فقد قلدناه أعمالكم ووصلنا به حبالكم نظراً منا لكم بمكانه وإلقاءً بأزمتكم إلى حازم وقته وأوانه فإنه والله ينجده ويسعده بحيث علمتم حسن سيرة وعدل ومتانة دين وفضل وتمسكاً من التقوى بأقوى حبل مع صالح مشهد وبلاء وصادق حفاظ وغناء ونفاد عزيمة ومضاء فآثرناكم منه يحافظ لنظامكم ومصرف لزمامكم وساد لثغوركم وقوام بأموركم فهو يقلبها على الحزم ويديرها ويمضي على ما يراه ويحكم تدبيرها وحسبنا في تمهيد أكنافكم وحراسة أطرافكم أن نجعلها وإياكم في كفالته ونختار لها ولكم حسن إنابته وقد فزعنا إليكم به من شؤونكم وقضيناكم به ممطول ديونكم فما ترجعون بعده بتباعة ولا تخشون معه إن شاء الله من حوزة مضاعة فعليكم رحمكم الله أن تتلقوا أمره بأتم سمع وطاعة وتتوخوا نصحه بكل جهد واستطاعة ثم إنه لا يستغني أن تكونوا ظهراً في المحاتم التي يتوخى بها جبر أحوالكم ورم ما رثّ من حبالكم فليجدكم عندها أمام كل إرادة ولتنجذبوا في يده باسمح مقادة فإنه لا يجعلكم الأعلى الذي فيه عن حوزتكم دفاع ولمصالحكم انتظام واجتماع وأنتم عنده على منازلكم يقدر كلاً قدره ويقضي إليه أمره فما في بره ولا في سياسته تقصير ولا عنده في غير كنهه جانب عسير وعلى ذلكم فقد وصيناه بجانبكم من غير أن نخاف منه عن
стр. 2698
القصد انحرافاً أو نحذر من جهته نكوباً عن الواجب أو خلافاً وإنما قصدنا معه الذكرى فإنها توقظ ذا لحجى وتنب وتبين لذي الحلم والنهى ما يشتبه عرفنا الله وإياكم ميامين هذا التقليد وجعله كافلاً بالأمر السعيد والصنع الحميد إنه الكريم والسلام
وكتب إلى العسكرية بها في الغرض المذكور!
كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه وأجزل حظوظكم من حسناه وجعلكم سابقين إلى طاعته ورضاه متقلبين في عوارفه ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله في تاريخ كذا من سنة كذا وقد ولينا أمركم أبا زكريا يحيى بن علي أعزه الله بتقواه وقدنا تصريف أعنتكم وأرمينا إليه بأزمتكم ومكانه حيث لم تجهلوه خيراً وضيماً ونصاباً كريماً وهدياً قويماً وإقداماً وتصميماً ومضاء كان به إذا رفع اللواء على الخميس زعيماً والآن بولائه إياكم فقد آن أن تتضاعف نجداتكم وتصدق عزماتكم فإنه يقود بكم من يرسل أمام اعنتكم عنانه ويروي قبل أسنتكم سنانه وأنتم مع ذلك بحكمه مصرّفون وبالتزام طاعته مكلفون وإلى رايته مجتمعون وتحتها متألفون فإذا أمر فأتمروا وإذا رمى بكم جانباً فابتدروا وإذا أوردكم فردوا وإذا أصدركم فاصدروا فإن حسن الطاعة بركة وجمال ويمن وإقبال كما أن الاستعصاء عليكم مبني على الأخلاق اللئيمة ومخبئة للنفوس الكريمة فأطيعوه كما فرض عليكم في المكروه والمحبوب وانضموا عليه راشدين مشفقين انضمام الجوانح على القلوب فإن لكم حسن الإيثار جزاكم الحسنى والحياء الانم الاسنى جعلكم الله ممن أصحب في القياد وأجاب داعي الرشاد وآثر التقوى واعتقدها خير زاد بمنه والسلام.
وفي هذا المجموع أيضاً بعض مقامات سنها المقامة القرطبية وتنسب إلى أبي عبد الله بن أبي الخصال وقد تبرأ منها وهي في وصف أعيان قرطبة ورؤسائها ثم رد على صاحب المقامة أيضاً اسمها الانتصار كتب بها أبو جعفر بن أحمد والمقامة الشبلية وتعري لأبي الوليد بن سيد أمير، ورسالة لأبي محمد بن القاسم في الترجيح بين الصابي والبديع وقد فضل البديع على الصابي ويتبعها رد من أبي عبد الله بن أبي الخصال في الانتصار للصابي، هذه نموذجات جزئية من الكتاب نشرناها على علاتها وربما سمح لنا الوقت بالرجوع إلى نقل بعض جمل من كتب ابن سيده والموازنة بين الصابي والبديع.
стр. 2699
روح الاجتماع
قلت الكتب التي تنشر هذه الأيام باللغة العربية ويراد منها بث علم نافع أو تصحيح فكر سقيم وذلك لقلة المؤلفين والمترجمين ولقلة القارئين والعارفين، وكتاب روح الاجتماع الذي عربه عن الافرنسية أحمد فتحي زغلول باشا هو من الأسفار التي يقصد بها مؤلفها نفع أمته وتصحيح بعض أغلاطها والمؤلف هو الدكتور كوغستاف لوبون العلامة صاحب التآليف الممتعة ومنها كتاب مدنية العرب فقصد المعرب أن ينقل كتابه لأمته لينتفعوا منه انتفاع الفرنسيين أو بعضه، والمعرب النابغة قديم في صناعة التعريب صحت عزيمته حتى الآن على نشر بعض الكتب المفيدة ومنها أصول الشرائع نبتنام وسر التقدم الانكليز السكسونيين لديمولانس والإسلام لهنري دي كاستري وهي من الكتب النافعة التي أحدثت تأثيراً في وقتها واستفاد منها المستنيرون من قراء العربية ولا سيما من لم يسعدهم الحظ بتعلم لغة أجنبية لتناول مثل هذه الأفكار من مصدرها الأصلي.
ولو تصدق كل من حذق لغة أوروبية وأحكم اللسان العربي فنقل لأمته كتاباً أو كتابين لكان عندنا اليوم من المترجمات العصرية في العلوم والاجتماع لا في القصص والأساطير ما يملأ خزانة كبرى تصبح معها لغتنا كإحدى اللغات الغربية بغناها بأفكارها وكتبها الجديدة، وليست طلاوة الجديد كطلاوة القديم وما قط كان العلم الخيالي كالعلم العملي، لو تصدق كل واحد من أرباب الأقلام ودارسي اللغات والفنون كما يتصدق المرة بعد المرة أمثال حضرات أحمد فتحي زغلول، محمد فريد، عبد العزيز جاويش، عبد العزيز محمد، أحمد زكي، صالح حمدي حماد وأمثالهم من المعاصرين لأغنونا بعلوم الغرب وقلبوا في مدة كيان الأفكار من طريق العلم.
كتاب روح الاجتماع هو في بيان أحوال الجماعات وما يعرض للفرد مجتمعاً من تغير المشاعر واختلاف النظر وتبدل حكمه فيما يحيط به حلل فيه المؤلف روح المجتمعات الحديثة ولا سيما في فرنسا تحليلاً نفسياً فلسفياً غير ناظر إلى أكثر ما يتعلق به بعض ضعاف المؤرخين من الحوادث بل نظر إلى الدواعي النفسية والمعتقدات والعادات نظر المستبصر الناقد علماً منه بأن الحوادث الظاهرة مثل الأمواج المتلاطمة التي تترجم فوق سطح البحر عما هو واقع في جوفه من الاضطرابات التي خفيت عنا ونحن إذا نظرنا إلى الجماعات نراها تأتي من الأعمال بما يدل على انحطاط مداركها انحطاطاً كلياً غير أن لها
стр. 2700
أعمالاً أخرى يظهر أنها منقادة فيها بقوة خفية سماها الأقدمون قدراً أو طبيعة أو يداً صمدانية وسماها أهل هذا الزمان صوت من في القبور.
وأحرج الأزمان في تطور الفكر الإنساني زماننا هذا ولهذا التطور عاملان أصليان: الأول تهدم المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية التي تتكون منها عناصر المدنية الحاضرة والثاني قيام أحوال جديدة ونشوء أفكار جديدة في الحياة تولدت كلها من الاكتشافات العصرية العلمية والصناعية، ولما كان تهدم الأفكار القديمة لم يتم فلم تزل قوتها وكانت الأفكار التي ستحل محلها في دور تكونها كان الزمن الحاضر زمن تحول وفوضى. . . .
ولكن الذي نراه منذ الساعة أنه سيكون أمام تلك الأمم قوة عظيمة لا بد لها من الاعتداد بها لأنها أكبر قوة وجدت أريد بها قوة الجماعات تلك القوة التي قامت حتى الآن وحدها على أطلال الأفكار البالية التي كان الناس يعتقدونها حقائق وماتت وعاشت بعد أن حطمت الثورات المختلفة كل سلطة كانت تتحكم في الناس وهي القوة التي يظهر لنا أن مصيرها ابتلاع ما عداها في القريب العاجل ألا ترى أن معتقداتنا القديمة أخذت تهتز من وهن أساسها وأن أساطين المجتمعات القديمة تتداعى وتتحطم وأن سلطة الجماعات هي وحدها التي لا يهددها طارئ بل هي تعظم وتنمو عليه فالدور الذي نحن قادمون عليه هو دور الجماعات لا محالة. . .
الجماعات أقدر على العمل منها على التفكير وقد أصبحت بنظامها الحاضر ذات قوة كبرى وعما قريب يكون للمذاهب التي نراها اليوم في دور التكون من السلطان العظيم على الأفكار ما للمذاهب التي رسخت أصولها في الاعتقادات أعني سلطاناً مستبداً لا تأثير فوق تأثيره فلا تعود تحتمل البحث أو الجدل وحينئذ يقوم حق الجماعات المقدس مقام حق الملوك الأقدسين.
ينحصر الأثر الواضح لعمل الجماعات حتى الآن في هدم صروح المدنية فالتاريخ يدلنا على أنه كلما وهنت القوى الأدبية التي يقوم عليها بناء تقدم أمة من الأمم كانت خاتمة الانحلال على يد تلك الجماعات الوحشية اللاشعورية التي سميت بحق متبربرة أما الذين أقاموا صروح المدنية وشيدوا أركان الحضارة فهم نفر امتازوا بسمو المدارك وبعد النظر ولكنا لم نر حتى الآن للجماعات أثراً مثل هذا فهي إنما تقدر على الهدم والتحطيم وزمان
следующие страницы →