Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
كتب لذي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الحضال منهم رسالة إلى عسكر انهزم فوبخه وثانية كتبها عن تاشغين بن علي إلى صاحب فاسر في أمر محمد بن تميم حين استراب منه وثالثة أيضاً مراجعاً للوزير الكاتب أبي مروان بن زكريا جواباً عن رسالة خاطبه بها وغير ذلك ومما يؤثر ما كتبه عن علي بن يوسف إلى يحيى بن علي بولاية بلنسية وها هو:
كتابنا أعزك الله بتقواه ورفع قدرك وأسماه وأيد عزمك في ذاته وقواه ولا زلت تتقلب في عوارفه المقيمة ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وأنا بما نعرفه من صفو ولائك وصدق غنائك وظاهر استقلالك واكتفائك نرى أن نرفعك بمقتضى حقك في الأحوال ونوسع لك في الأعمال ونعقد بطوقك منها ما نعلم أنه به ناهض مضطلع ونضيف إليك من جسيمها ما أنت بشروطه والقيام بحقوقه رحب الصدر متسع ولضبط جوانبه ومراعاة لوازمه منتظم الأمر مجتمع فقلدناك بعد استخارة الله تعالى والابتهال إليه في اطلاعنا على مواقع السداد وإمدادنا بحسن التوفيق والإرشاد ولاية بلنسية وأعمالها حماها الله تقليداً جمعنا لك به بين الولايتين وملكناك به أمر كريمتين وزمام جحفلين فتقلد ما قلدناك على الطائر السعيد وتظاهر التأييد وتوله معرفاً فيه يمن التقليد وتوالي الصنع الحميد وانفذ إلى عملك وتسلمه من المصروف بك واستقبل الأمر بأقوى عزيمة وجد وانفذ مضاءٍ وامضى حد وكن به جد ناهض مستبد وتلك حال خطيرة قد جذبنا إليك زمام قيادها وتوخينا بك إقامة منآدها وثغور قد رميناها منك بسدادها وأمور صارت بتصييرها إليك عند عالم بإصدارها وإيرادها وقد أغنانا علمك بالسياسات في جميع الطبقات عن أن نفصلها تفصيلاً أو نأتيك بها قبيلاً وإنما أعطيناك جملة لا يؤودك تدبيرها ولا يذهب عنك تفسيرها لأنك إنما تقدم على بلد صاقبته كثيراً وجاورته دهراً طويلاً فشؤونه في صدرك مجتمعة وإلى فكرك منحصرة مع تكررك على المكان واطلاعك عليه تارة بالخبر وتارة بالعيان وقديماً تمنى أن يلقى إليك قيادة وصب سادته ورعاياه وأجناده فاجزهم الآن بودادهم وحطهم في أنفسهم وأموالهم وبلادهم وعم جميع الأحوال بتصفحك ومتع الجميع بتأملك واعط كلاً حقه من نصفتك وحسن رعايتك وأذقهم حلاوة الأمن والعدل في ولايتك إن شاءالله، وموضع إقامتك هناك أنت تختاره حيث تهوى لنفسك فتبوأ مكاناً
стр. 2697
يصلح لأمرك ولا تبعد به كل البعد عن قاصية ثغرك فترجح ما بين شاطبة وبلنسية أو منزلة بينهما ذلك مصروف إلى اختيارك والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ونحن بعيد وأنت قريب وإنك كما علمنا موفق الرأي مصيب والله تعالى مؤيدك ومرشدك ومعينك ومنجدك بجوده ومجده لا رب غيره فإن احتجت أن تستعين بأبي عبد الله محمد بن علي أخيك أعزه الله فاستعرفه يقدم عليك واستدعه يسرع إليك واستنب مكانه بميورقة محمود المناب نافذاً في ذلك الباب إن شاءالله عرفك الله يمن ما وليت وأعانك على حفظ ما استرعيت بفضله وجميل صنعه لا إله غيره والسلام.
وكتب عنه أيضاً إلى أهل بلنسية في ذلك:
كتابنا كتب الله لكم تمهيد الأحوال والجهاد وأمدكم بسوابغ الإجمال والهبات ويسركم للأعمال الصالحات والمساعي المرضيات من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد رأينا بعد استخارة الله التي يتوصل إلى المراشد من بابها وتدرك المناحج من أسبابها أن نولي عليكم أبا زكريا يحيى ابن علي أعزه الله بتقواه فقد قلدناه أعمالكم ووصلنا به حبالكم نظراً منا لكم بمكانه وإلقاءً بأزمتكم إلى حازم وقته وأوانه فإنه والله ينجده ويسعده بحيث علمتم حسن سيرة وعدل ومتانة دين وفضل وتمسكاً من التقوى بأقوى حبل مع صالح مشهد وبلاء وصادق حفاظ وغناء ونفاد عزيمة ومضاء فآثرناكم منه يحافظ لنظامكم ومصرف لزمامكم وساد لثغوركم وقوام بأموركم فهو يقلبها على الحزم ويديرها ويمضي على ما يراه ويحكم تدبيرها وحسبنا في تمهيد أكنافكم وحراسة أطرافكم أن نجعلها وإياكم في كفالته ونختار لها ولكم حسن إنابته وقد فزعنا إليكم به من شؤونكم وقضيناكم به ممطول ديونكم فما ترجعون بعده بتباعة ولا تخشون معه إن شاء الله من حوزة مضاعة فعليكم رحمكم الله أن تتلقوا أمره بأتم سمع وطاعة وتتوخوا نصحه بكل جهد واستطاعة ثم إنه لا يستغني أن تكونوا ظهراً في المحاتم التي يتوخى بها جبر أحوالكم ورم ما رثّ من حبالكم فليجدكم عندها أمام كل إرادة ولتنجذبوا في يده باسمح مقادة فإنه لا يجعلكم الأعلى الذي فيه عن حوزتكم دفاع ولمصالحكم انتظام واجتماع وأنتم عنده على منازلكم يقدر كلاً قدره ويقضي إليه أمره فما في بره ولا في سياسته تقصير ولا عنده في غير كنهه جانب عسير وعلى ذلكم فقد وصيناه بجانبكم من غير أن نخاف منه عن
стр. 2698
القصد انحرافاً أو نحذر من جهته نكوباً عن الواجب أو خلافاً وإنما قصدنا معه الذكرى فإنها توقظ ذا لحجى وتنب وتبين لذي الحلم والنهى ما يشتبه عرفنا الله وإياكم ميامين هذا التقليد وجعله كافلاً بالأمر السعيد والصنع الحميد إنه الكريم والسلام
وكتب إلى العسكرية بها في الغرض المذكور!
كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه وأجزل حظوظكم من حسناه وجعلكم سابقين إلى طاعته ورضاه متقلبين في عوارفه ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله في تاريخ كذا من سنة كذا وقد ولينا أمركم أبا زكريا يحيى بن علي أعزه الله بتقواه وقدنا تصريف أعنتكم وأرمينا إليه بأزمتكم ومكانه حيث لم تجهلوه خيراً وضيماً ونصاباً كريماً وهدياً قويماً وإقداماً وتصميماً ومضاء كان به إذا رفع اللواء على الخميس زعيماً والآن بولائه إياكم فقد آن أن تتضاعف نجداتكم وتصدق عزماتكم فإنه يقود بكم من يرسل أمام اعنتكم عنانه ويروي قبل أسنتكم سنانه وأنتم مع ذلك بحكمه مصرّفون وبالتزام طاعته مكلفون وإلى رايته مجتمعون وتحتها متألفون فإذا أمر فأتمروا وإذا رمى بكم جانباً فابتدروا وإذا أوردكم فردوا وإذا أصدركم فاصدروا فإن حسن الطاعة بركة وجمال ويمن وإقبال كما أن الاستعصاء عليكم مبني على الأخلاق اللئيمة ومخبئة للنفوس الكريمة فأطيعوه كما فرض عليكم في المكروه والمحبوب وانضموا عليه راشدين مشفقين انضمام الجوانح على القلوب فإن لكم حسن الإيثار جزاكم الحسنى والحياء الانم الاسنى جعلكم الله ممن أصحب في القياد وأجاب داعي الرشاد وآثر التقوى واعتقدها خير زاد بمنه والسلام.
وفي هذا المجموع أيضاً بعض مقامات سنها المقامة القرطبية وتنسب إلى أبي عبد الله بن أبي الخصال وقد تبرأ منها وهي في وصف أعيان قرطبة ورؤسائها ثم رد على صاحب المقامة أيضاً اسمها الانتصار كتب بها أبو جعفر بن أحمد والمقامة الشبلية وتعري لأبي الوليد بن سيد أمير، ورسالة لأبي محمد بن القاسم في الترجيح بين الصابي والبديع وقد فضل البديع على الصابي ويتبعها رد من أبي عبد الله بن أبي الخصال في الانتصار للصابي، هذه نموذجات جزئية من الكتاب نشرناها على علاتها وربما سمح لنا الوقت بالرجوع إلى نقل بعض جمل من كتب ابن سيده والموازنة بين الصابي والبديع.
стр. 2699
روح الاجتماع
قلت الكتب التي تنشر هذه الأيام باللغة العربية ويراد منها بث علم نافع أو تصحيح فكر سقيم وذلك لقلة المؤلفين والمترجمين ولقلة القارئين والعارفين، وكتاب روح الاجتماع الذي عربه عن الافرنسية أحمد فتحي زغلول باشا هو من الأسفار التي يقصد بها مؤلفها نفع أمته وتصحيح بعض أغلاطها والمؤلف هو الدكتور كوغستاف لوبون العلامة صاحب التآليف الممتعة ومنها كتاب مدنية العرب فقصد المعرب أن ينقل كتابه لأمته لينتفعوا منه انتفاع الفرنسيين أو بعضه، والمعرب النابغة قديم في صناعة التعريب صحت عزيمته حتى الآن على نشر بعض الكتب المفيدة ومنها أصول الشرائع نبتنام وسر التقدم الانكليز السكسونيين لديمولانس والإسلام لهنري دي كاستري وهي من الكتب النافعة التي أحدثت تأثيراً في وقتها واستفاد منها المستنيرون من قراء العربية ولا سيما من لم يسعدهم الحظ بتعلم لغة أجنبية لتناول مثل هذه الأفكار من مصدرها الأصلي.
ولو تصدق كل من حذق لغة أوروبية وأحكم اللسان العربي فنقل لأمته كتاباً أو كتابين لكان عندنا اليوم من المترجمات العصرية في العلوم والاجتماع لا في القصص والأساطير ما يملأ خزانة كبرى تصبح معها لغتنا كإحدى اللغات الغربية بغناها بأفكارها وكتبها الجديدة، وليست طلاوة الجديد كطلاوة القديم وما قط كان العلم الخيالي كالعلم العملي، لو تصدق كل واحد من أرباب الأقلام ودارسي اللغات والفنون كما يتصدق المرة بعد المرة أمثال حضرات أحمد فتحي زغلول، محمد فريد، عبد العزيز جاويش، عبد العزيز محمد، أحمد زكي، صالح حمدي حماد وأمثالهم من المعاصرين لأغنونا بعلوم الغرب وقلبوا في مدة كيان الأفكار من طريق العلم.
كتاب روح الاجتماع هو في بيان أحوال الجماعات وما يعرض للفرد مجتمعاً من تغير المشاعر واختلاف النظر وتبدل حكمه فيما يحيط به حلل فيه المؤلف روح المجتمعات الحديثة ولا سيما في فرنسا تحليلاً نفسياً فلسفياً غير ناظر إلى أكثر ما يتعلق به بعض ضعاف المؤرخين من الحوادث بل نظر إلى الدواعي النفسية والمعتقدات والعادات نظر المستبصر الناقد علماً منه بأن الحوادث الظاهرة مثل الأمواج المتلاطمة التي تترجم فوق سطح البحر عما هو واقع في جوفه من الاضطرابات التي خفيت عنا ونحن إذا نظرنا إلى الجماعات نراها تأتي من الأعمال بما يدل على انحطاط مداركها انحطاطاً كلياً غير أن لها
стр. 2700
أعمالاً أخرى يظهر أنها منقادة فيها بقوة خفية سماها الأقدمون قدراً أو طبيعة أو يداً صمدانية وسماها أهل هذا الزمان صوت من في القبور.
وأحرج الأزمان في تطور الفكر الإنساني زماننا هذا ولهذا التطور عاملان أصليان: الأول تهدم المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية التي تتكون منها عناصر المدنية الحاضرة والثاني قيام أحوال جديدة ونشوء أفكار جديدة في الحياة تولدت كلها من الاكتشافات العصرية العلمية والصناعية، ولما كان تهدم الأفكار القديمة لم يتم فلم تزل قوتها وكانت الأفكار التي ستحل محلها في دور تكونها كان الزمن الحاضر زمن تحول وفوضى. . . .
ولكن الذي نراه منذ الساعة أنه سيكون أمام تلك الأمم قوة عظيمة لا بد لها من الاعتداد بها لأنها أكبر قوة وجدت أريد بها قوة الجماعات تلك القوة التي قامت حتى الآن وحدها على أطلال الأفكار البالية التي كان الناس يعتقدونها حقائق وماتت وعاشت بعد أن حطمت الثورات المختلفة كل سلطة كانت تتحكم في الناس وهي القوة التي يظهر لنا أن مصيرها ابتلاع ما عداها في القريب العاجل ألا ترى أن معتقداتنا القديمة أخذت تهتز من وهن أساسها وأن أساطين المجتمعات القديمة تتداعى وتتحطم وأن سلطة الجماعات هي وحدها التي لا يهددها طارئ بل هي تعظم وتنمو عليه فالدور الذي نحن قادمون عليه هو دور الجماعات لا محالة. . .
الجماعات أقدر على العمل منها على التفكير وقد أصبحت بنظامها الحاضر ذات قوة كبرى وعما قريب يكون للمذاهب التي نراها اليوم في دور التكون من السلطان العظيم على الأفكار ما للمذاهب التي رسخت أصولها في الاعتقادات أعني سلطاناً مستبداً لا تأثير فوق تأثيره فلا تعود تحتمل البحث أو الجدل وحينئذ يقوم حق الجماعات المقدس مقام حق الملوك الأقدسين.
ينحصر الأثر الواضح لعمل الجماعات حتى الآن في هدم صروح المدنية فالتاريخ يدلنا على أنه كلما وهنت القوى الأدبية التي يقوم عليها بناء تقدم أمة من الأمم كانت خاتمة الانحلال على يد تلك الجماعات الوحشية اللاشعورية التي سميت بحق متبربرة أما الذين أقاموا صروح المدنية وشيدوا أركان الحضارة فهم نفر امتازوا بسمو المدارك وبعد النظر ولكنا لم نر حتى الآن للجماعات أثراً مثل هذا فهي إنما تقدر على الهدم والتحطيم وزمان
стр. 2701
حكمها زمان بربرية على الدوام لأن المدنية لا تقوم إلى على مبادئ مقررة ونظام ثابت وانتقال من العمل بمقتضى الغريزة إلى الاهتداء بنور العقل والبصر بالمستقبل ومرتبة راقية من العلم والتهذيب وتلك وسائل برهنت الجماعات على أنها غير أهل لتحقيقها إذا تركت وشأنها ـ ومثل الجماعات في قوتها الهادمة مثل المكروبات التي تعجل بانحلال الأجسام الضعيفة وتساعد على تحلل الأجساد الميتة فإذا نخرت عظام مدنية تولت الجماعات نقض بنائها هنالك يظهر شأنها الأول ويخيل لنا بادئ بدء أن العامل في حوادث التاريخ هو كثرة العدد، إنا لنخشى أن يكون هذا أيضاً مصير مدنيتنا لكن ذلك الذي لا نعرف منه شيئاً حتى الآن. . . .
معرفة روح الجماعات أصبحت اليوم آخر ملجأ يأوي إليه السياسي العظيم لا لأجل أن يحكمها فقد صار ذلك الآن صعباً كثيراً بل ليخفف عنه شدة تأثيرها، وإذا أردنا أن نعرف ضعف تأثير القوانين والنظامات في الجماعات فإنما السبيل إلى ذلك تدقيق البحث لمعرفة روحها والوقوف على أحوالها النفسية وبذلك نفقه أيضاً أنه لا قدرة لها على تكوين رأي أو التفكير في شيءٍ خارج عن الدائرة التي رسمت لها وأنها لا تقاد بقواعد العدل النظرية بل بالبحث عما من شأنه التأثير فيها أو اختلابها.
فإن الجماعات لا تعرف من المشاعر إلا ما كان متطرقاً بسيطاً وهي لذلك لا تقبل ما يلقى إليها من الآراء والأفكار والمعتقدات بجملتها أو ترفضها كذلك فتأخذها حقائق مطلقة أو ترغب عنها أباطيل مطلقة على أن هذا هو الشأن في المعتقدات التي تتحصل من طريق التلقي لا التي تتصل بالإنسان من طريق النظر والتعقل وكل يعرف ما للمعتقدات الدينية من التأثير في عدم احتمال المخالف ومن السلطان على النفوس.
ولما كان باب الشك غير مفتوح أمام الجماعة في كل ما اعتقدت أنه حق أو باطل وكانت تشعر شعوراً تاماً بقوتها كانت إمرتها متساوية لعدم احتمالها، يطيق الفرد المناظرة والخلف أما الجماعة فلا تطيق ذلك أبداً وأقل خلف يأتي به الخطيب الذي يتكلم في المجتمعات العمومية يتلقاه السامعون بأصوات الغضب والسباب الشديد فإن أصر فنصيبه الإهانة والطرد بلا إمهال ولولا الرهبة من رجال الشرطة الحاضرين لقتلوه أحياناً. . . . .
والمؤلف يكرر بعض الأفكار ولعله عن قصد لترسخ في النفوس وربما حذا كما قال في
стр. 2702
كتابه حذو دعاة الاشتراكية العصرية ممن يستعملون التوكيد والتكرار وسائل في التأثير وقد عقد لذلك فصلاً من ذلك قوله أن المدنيات هي صنع أناس من أرباب الأفكار العالية وسائر الناس معهم تبع ومثل قوله إن التعصب وعدم الاحتمال يصاحبان على الدوام كل شعور ديني وبلا زمان كل من اعتقد أنه ملك ناصية السعادة في الحياة أو في الآخرة وهاتان الصفتان توجدان في كل جماعة تحركت بأحد المعتقدات فقد كان اليعاقبة (اليعقوبيون) زمن الهول متدينين كما كان أهل الاضطهاد متدينين ومنبع حماسة الفريقين في القسوة واحد.
كذلك تظهر معتقدات الجماعات بالخضوع الأعمى والتعصب الوحشي والإكراه في الدعوة وكلها صفات من لوازم الشعور الديني وما البطل الذي تهلل الجماعة له إلا اله في نظرها، هكذا كان نابليون مدى خمسة عشر عاماً ولم يكن لمعبود سواه عباد أشد إخلاصاً من الذين عبدوه ولم يسهل على معبود قيادة النفوس إلى حتفها أكثر منه وما كان لآلهة الوثنية والنصرانية سلطان على القلوب أعز من سلطانه.
إن جميع موجدي الديانات ومؤسسي المذاهب السياسية لم يقيموها إلا لأنهم تمكنوا من إحداث التعصب الذي يجعل الإنسان يرى سعادته في العبادة والطاعة ويهيئه لأن يهب حياته لمعبوده. . . ليس لفاتحي النفوس في هذا الزمان معابد وهياكل لكن لهم صور وتماثيل والعبادة التي يعبدون بها لا تخالف كثيراً ما كانوا به يعبدون ومعرفة فلسفة التاريخ تتوقف على إجادة معرفة هذا البحث في علم روح الاجتماع. . . .
وقال: لا يقوم سلطان الفاتحين وتبنى قوة أعماله على تخيل الأمم ولا تجر الجماعات إلا بالتأثير في ذلك التخيل وكل حوادث التاريخ العظيمة كإيجاد البوذية وتشييد أركان المسيحية والإسلام وقيام البرتستانية والثورة فيما مضى وكإغارة الأفكار الاشتراكية المزعجة في هذه الأيام إنما هي نتائج قريبة أو بعيدة لتأثرات شديدة في تخيل الجماعات، ذلك هو العلة في أن جميع أقطاب السياسة في كل عصر وفي كل أمة حتى أشدهم استبداداً، اعتبروا تخيل أممهم أساساً تقوم عليه قوتهم وما فكروا يوماً في أن يحكموا الناس بدونه.
قال نابليون في مجلس شورى الحكومة (إني أتممت حرب الفندائيين لما تكثلكت واستوليت على مصر إذ أسلمت وتوجت بالظفر في حرب إيطاليا لأني قلت بعصمة البابا ولو كنت
стр. 2703
أحكم شعباً يهودياً لأعدت معبد سليمان) ويظهر لي أنه لم يقم منذ الاسكندر الأكبر وقيصر بين عظماء الرجال من عرف كيف يكون التأثير في تخيل الجماعات مثل نابليون فقد كان ذلك التأثير همه الدائم ما نسميه في انتصاراته وخطبه وأحاديثه ولا في عمل من أعماله وكان يفكر فيه وهو على سرير موته.
وقد أجاد المؤلف في كلامه على أفكار الجماعات ومعتقداتها ولا سيما في فضل التربية والتعليم وإثباته بالإحصاء أن الميل إلى الجرائم يزداد بانتشار التعليم أو هو يزداد بانتشاره على طريقة مخصوصة وأن الأمم اللاتينية أسست تعليمها على قواعد غير صحيحة تنمي الكفاءات الفنية ولا تؤثر في رقي الأخلاق وإن طريقة الانكليز السكسونيين غير طريقتهم فليس لهؤلاء مدارس خصوصية بقدر ما لفرنسا والتعليم عندهم لا يتلقى من الكتاب بل من الشيء نفسه فالمهندس مثلاً يتكون في المصنع لا في المدرسة وهو ما يسمح لكل واحد أن يصل في حرفته إلى الحد بالذي تصل قدرته العقلية فيكون عاملاً أو رئيس عمال إذا قعد به الذكاء عند هذا القدر وهو مهندس إذا قاده استعداده إلى هذا الدرج.
وأحسن ما شاء الإحسان في الكلام على الصور والألفاظ والجمل وما لها من السلطان على النفوس فقال أن الألفاظ والمعاني قد تختلف معانيها في قرن عن قرن وفي أمة عن أمة فمعنى الديمقراطية عند الجنس اللاتيني انزواء إرادة الفرد وإقدامه على العمل من نفسه أمام إرادة المجموع وهمته والمجموع تشخصه الحكومة فالحكومة هي المكلفة لإدارة كل شيء وحصر كل شيء واحتكار كل شيء وصنع كل شيء وهي التي تلجأ إليه دائماً الأحزاب بلا استثناء من أحرار إلى اشتراكيين إلى ملكيين وعلى الضد من ذلك يفهم الانكليزي السكسوني وبالأخص الأميركي من كلمة ديمقراطية نمو إرادة الفرد وإقدامه الذاتي إلى الحد الأقصى وانزواء الحكومة بقدر ما أمكن فلا تكلف بعد الشرطة والجيش والعلاقات السياسية بشيء حتى التعليم وعليه فاللفظ الواحد يفيد في بلد جمود إرادة الفرد وسكون إقدامه الذاتي واستعلاء كلمة الحكومة ويفيد في بلد آخر انزواء هذه وارتفاع صوت الأول.
وهكذا زاد الموضوع جلاء في الفصول التي عقدها المؤلف بعد هذا الفصل وأصبح لا يتعذر فهمه على الطبقات المتوسطة في المعرفة وجوّد الكلام على المجالس النيابية أي
стр. 2704
إجادة وابان مواقع الضعف والقوة من أعمالها وهو فصل كنا نتمنى نقله برمته أو تلخيصه على الأقل لا سيما والأمة اليوم في مصر تطالب بدستورها وفي البلاد العثمانية نالته ولكنه ما زال منقولاً عن أوروبا نقلاً لم يطبق على العمل فنوصي القارئ بالرجوع إليه.
وبعد فهذا مضمون الكتاب وموضوعه مصغراً وقد بان منه أسلوب معربه من الجمل التي نقلناها بحرفها آنفاً ومن قابل بين سلاسة العبارة هنا وضعفها في كتاب أصول الشرائع يدرك سر التوفر على العمل وأن مدرسة الزمن هي أعظم مخرج لأبنائها العاملين، وما برحت بعض هفوات لغوية تعلق على اسلة قلم المؤلف ومنها ما سرى إليه من لغة الجرائد ونص عليه أهل اللغة مثل الحريري وعبد اللطيف البغدادي والسيوطي وغيرهم، وذلك مثل قوله: لا نراها إلا رؤيا ناقصة والصواب رؤية لأن الرؤيا تكون في النوم والرؤية في اليقظة، واستعماله (الظروف) بدلاً من الأحوال والظروف لا تعطي هذا المعنى واستعماله (حيث) في غير مكانها واستعماله (تمام) كثيراً مثل (واضحة تمام الوضوح، تخالف تمام المخالفة، ويفقه فيها ذاته الشاعر تماماً) والفصيح أن يقال واضحة كل الوضوح ومنها قوله (رجل تمام) والأجدر أن يقال كامل أو تام الأدوات أو نحو ذلك واستعمل (ترتكز على) وهذه الصيغة لم تسمع إلا في لغة الجرائد المصرية.
ومثل ذلك (مجرد انضمامهم إلى بعضهم) والأحسن أن يقال بعضهم إلى بعض ومثله (رغماً عما ذهب إليه) والأولى أن يقال على الرغم مما، ومثله (يضحي مصلحته الذاتية) وهذا التعبير فيما أحسب هو من ركاكات الجرائد الشامية القديمة سرى إلى مصر فاستعمله حتى أفاضل الكتاب على غير روية وهو تعبير افرنجي والأجدر أن نقول فادى بدلاً من ضحى، ومثله (كان فرداً متنوراً) والصواب أن نقول منوراً أو مستنيراً ومثله (منقادة عادة إلى) وهو تعريب حرفي مثل بالسهولة وبالصعوبة وجلياً وبانتظام وبلا عناءٍ ويمكن الاستعاضة عن هذه الكلمات بألفاظ أو تراكيب أقرب إلى الأسلوب العربي.
ومثله (مندهش) والأحسن مدهوش و (منجر) والأحسن مجرور ومثله استعمال (الأجيال) للتعبير عن القرون والعصور، وما الأجيال إلا أصناف من الناس على ما أذكر، واستعمال (مراسح اللهو) والأولى أن يقال مسارح ومثله عنيف كثورة عنيفة وغير ذلك وهي من المبذوء ولنا من ألفاظ اللغة التي تدل على معانيها مندوحة عن استعمالها، ومثله العموم
стр. 2705
للتعبير عن الناس وهي من الألفاظ العامية، والأهمية وهي غير عربية بل تركية مثل محظوظية وممنونية، والرضوخ لحكمها وليس في اللغة رضوخ بمعنى الخضوع أو الأتمار وإنما الرضوخ العطاء القليل وفي مقامات الحريري بدريهمات رضخ بها له، وقد عدى يؤثر بعلى والصواب تعديتها بفي ومثله فطاحل العلماء ولفظة فطاحل وإن كانت شائعة على هذه الصورة للتعبير عن كبار العلماء لكنه لم يسبق للبلغاء استعمالها ولا للغويين بهذا المعنى تدوينها ومثله (الحفظ عن ظهر قلب) والأحسن أن يقال الاستظهار وهي أخصر وأجمل.
وجمع مشروعاً على مشروعات والأحسن جمعه على مشاريع، ومثله (أعداء الداء أشداء ضد الحكومة) والذوق العربي يقضي بأن يقال على الحكومة ومثله جمل ينطقها المتكلم والصواب ينطق بها ومثله معاني ما كانت لها أبداً، وأبداً بمعنى دائماً والأولى استعمال قط، ومثل جمعه عادة على عوائد كالاستعمال الشائع والأحسن جمعها على عادات وعاد ومثلها جمعه لواء على لواءات والصواب ألوية.
واستعمل من التراكيب الشائعة فلولا هي ما خرج من بربرته الأولى ولولا هي لراح مسرعاً والصواب فلولاها، ولولا هي من تراكيب عامة المصريين ومثلها لولا هو ما شاء الآلهة والصواب لولاه ومثل النصب على التاجر وما أدري إذا كانت لفظة النصب معروفة باللغة بهذا المعنى ومثله من رجاله الخصوصيين ولو قال من خاصته لأحسن ومثله يريق قطرة دم لواحد من أهلها والأولى قطرة دم واحد ومثلها جاز الاعتراف من السامعين والأسلوب الفصيح أن يقال جاز اعتراف السامعين ومثله شكلوا محكمة وهي مما سرى إلينا من التركية والصواب ألفوا محكمة وللتشكيل معنى آخر غير هذا ومنها استعمال المصالح للدواوين والمصالح لفظة عامية مصرية.
وهناك بعض التراكيب التي يقع نظرك عليها في الكتاب وهي تنبئك عن نفسها بأنها افرنجية لم تذق طعم العربية مثل تحت تأثير أحد هذه الأفكار وهم تحت ذلك التأثير وقتل الوقت ولكان ثمنها كثيراً من الثورات، وأما الحكومة التي تصنع من حملة الشهادات والذين اضطربت قواهم العقلية إلى النصف ولا تلبث المياه أن تعود إلى مجاريها وغير ذلك.
ومنها بعض التراكيب التي فيها شيء من ركاكة وسقم مثل غرق ٨٥٠ مركب شراعي و
стр. 2706
٢٠٣ مركب تجاري والصواب ٨٥٠ مركباً شراعياً و ٢٠٣ مراكب تجارية.
ومن عرف كيف يؤثر في تخيل الجماعات عرف كيف يقودها، لا دخل لتلك النظامات لا في سعادة ولا في شقاء، فإنه كان رجلاً هجوماً لا ذكاء فيه لكن ذا عزم ومضاءٍ، أنحى على العمال بالعطش.
وخالف مألوف المعربين في ترجمته السنديكات بالجمعيات وقد اصطلحوا على تعريبها بالنقابات وهي أولى وترجم البورصات بغرف التجارة وغرف التجارة كما لا يخفى هي غير البورصات وعرب الغيلوتين التي كانت تقط الرؤوس في فرنسا بالمنجلة ووضع لها بعضهم المقصلة ونظنها أحسن، ووضع بعض الألفاظ بلفظها مثل (ماندران) وهو الحاكم الصيني و (الاردواز) وهو لوح الحجر.
ولكن هذه الألفاظ والتراكيب القليلة لا تقدح في فضل الترجمة خصوصاً وأكثرها عما عمت البلوى باستعماله ولكن كنانود أن يكون ذاك الثوب النفيس خالياً من الشوائب ليجيء كتاب اليوم مستوفي الشروط من حيث أصله وفرعه ولغته ورشاقته وطبعه ووضعه وعسى أن تكون مترجمات المعرب المشار إليه في الأيام المقبلة أتم وأكمل لتزيد منها فائدة المطالعين والمتعلمين والله لا يضيع أجر المحسنين.
стр. 2707
الصحافة العثمانية
الصحافة أو فن الجرائد والمجلات هي عنوان ارتقاء الأمة المحسوس وكل أمة كانت صحافتها أوسع وأمتع يسوغ لك أن تحكم عليها بأنها أرفع وأمنع، فالجرائد الانكليزية مثلاً أوسع مادة وأبعد نظراً وأصدق أقوالاً من الافرنسية والإيطالية لأن الانكليز رجال الاتجار والاستعمار أعلى كعباً من الفرنسيس والطليان ودولتهم أرقى الدول.
وهكذا الحال في صحافة الأمة العثمانية المختلفة العناصر والأجناس وتاريخها يرد إلى سنة ١٢٧٦ هـ، ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا أن الصحافة التركية أرقى من الصحافة العربية والرومية والأرمنية والبلغارية وبعبارة أخرى أن الصحف التركية أرقى من العربية إذ لا يجوز لنا أن نحكم على الصحافة الرومية والأرمنية والبلغارية ونحن لا نعرف لغاتها لنقرأها بها والحكم على الشيء فرع عن تصوره، أما التركية فلمعرفتنا بها يتيسر لنا الحكم على جرائدها وجرائدنا معاً كما نحكم على الصحف الافرنسية التي تصدر في بلادنا أيضاً.
كانت الجرائد العربية قبل الانقلاب الأخير عبارة عن الأعيب ورويات عن السياسات الخارجية محرفة وكان يحظر عليها خصوصاً في العشر السنين الأخيرة أن تبحث في موضوع اجتماعي إداري أو سياسي وطني فكانت موضوعاتها من ثم مسخاً أو سلخاً من جرائد أوروبا والأستانة في شؤون تافهة لا ترقي عقلاً ولا تلقن فضلاً.
ولما أنقذ الله البلاد من ظلم الاستبداد كانت صحافتها أول ما تحرر من أوضاعها مع صحافة العناصر الأخرى فداهمتها الحرية على حين غرة وأصبحت في حلّ من الخوض في كل موضوع وعندها ظهرت كفاءتها وصح لمن يريد التنظير بينها وبين الصحافة التركية أن يصدر حكمه عليهما.
لم يكن في سورية والعراق والجزيرة والحجاز واليمن وطرابلس الغرب غير بضع جرائد ومجلتين في مدينة بيروت ولبنان وواحدة في دمشق وأخرى في طرابلس الشام أما حلب والبصرة وبغداد واليمن والحجاز فكان يصدر في كل واحدة منها جريدة رسمية باسم ولايتها نصفها بالتركية والنصف الآخر بالعربية السقيمة وسائر قواعد البلاد خالية من الجرائد الرسمية وغير الرسمية لأن الجرائد كانت العدوة الكبرى للسلطان المخلوع فلم يكن يسمح بإصدارها إلا مضطراً أو بالاحتيال العظيم والبذل الكثير.
ولم تمض سنة على نشر القانون الأساسي حتى ظهرت بضع جرائد يومية جديدة في
стр. 2708
بيروت ودمشق وحلب وصدرت في الموصل وبغداد والبصرة ومكة وجدة وطرابلس الشام وطرابلس الغرب والقدس وحيفاء ويافا ومرج عيون واللاذقية جرائد أسبوعية متناسبة مع حال البلاد التي تصدر فيها وإن كانت جرائد سورية من حيث التركيب البياني واللغوي أرقى من جرائد غيرها من الأقطار لأن الملكة العربية مستحكمة من القائمين بها في بلاد الشام أكثر من غيرها ولكن تلك الجرائد الصادرة في الأقطار الأخرى نافعة على كل حال بما تأتي به من الأفكار والأخبار وسيكون منها بحول الله النفع العام لمن تنشر بين أظهرهم.
أما الجرائد التركية قبل الدستور فكانت عبارة عن مقتطفات من الصحف الأوروبية في السياسة الخارجية وتبليغات أوامر الحكومة الاستبدادية وأبواق خصصت لتأليه عبد الحميد الثاني وإطرائه إطراءً لم يعهد في لغة من اللغات ولا في أمة من الأمم وكانت تلك الجرائد متخومة بإنعامات السلطان السابق ورشى بعض الشركات لتساعدها على ابتزاز خيرات السلطنة، ومع كل هذه المساوئ كان الارتقاء بادياً على الصحافة التركية أكثر من غيرها لأن التركية لغة الحكومة وجرائدها مقروءة في بلاد الترك من آسيا وأوروبا كما تطالع في غيرها من البلاد لكثرة الموظفين وغيرهم ممن يعرفون التركية ويهتمون أن يطلعوا على قرارات حكومة العاصمة ومنشوراتها وأنبائها.
ثم إن الأتراك بمجموعهم أرقى بتربيتهم وتعليمهم من مجموع العرب ونظام الأسرة عندهم أمثل منه عند أكثر العرب والمرأة التركية والحق يقال أكثر تعليماً وتهذيباً من المرأة العربية، فقد تطوف البلد الكبير في هذه الديار ولا تجد إلا بضع بنات متعلمات ولو استقريت قواعد البلاد التي يغلب فيها العنصر التركي لرأيت المتعلمات من التركيات يبلغن المئات والألوف ولا سيما في العاصمة، وهذا هو أحد أسرار انتشار الجرائد في الأتراك أكثر من انتشارها هنا لكثرة سواد القارئين والقارئات عندهم وقلته عندنا.
وإذا أردنا المقارنة بين الصحف التركية وخصوصاً صحف العاصمة وبين الصحافة العربية في الولايات تكون للعربية الدرجة الأخيرة بين الصحافة العثمانية فيما نحسب ولذلك وجب أن نقابل الصحافة العربية كلها بالصحافة التركية كلها أي الصحف التركية التي تصدر في الأستانة وازمير وسلانيك وادرنة ومناستر وغيرها من البلاد العثمانية
стр. 2709
والصحف التركية التي تصدر في القريم والقافقاس مع الصحف العربية التي تصدر في الولايات العثمانية ومصر وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وجرائد المهاجرين من السوريين في أميركا الشمالية والجنوبية، وهذه الصحف على اختلاف مصادرها مستمتعة بحريتها الفكرية ما خلا بعض صحف تونس والجزائر والقريم والقافقاس وإذ كانت درجة ارتقاء الشعوب التي تتلى عليها متفاوتة جاءت هي كذلك.
ولذا كان من اللائق إذاً أن نقيس صحف بلد معين بآخر معين لأن قوة الجرائد بقوة من تصدر بينهم كما قلنا وإذ كان أهل الأستانة أرقى من حيث المجموع من أهل سائر الولايات ومدينتهم عاصمة سلطنة عظمى من أعمالها ثلاثون ولاية عدا الايالات المستقلة وهي مهوى أفئدة الأمم الإسلامية كافة كانت صحافة الأستانة أرقى من صحافة القاهرة وهي عاصمة مملكة فيها نحو ثلث سكان الولايات العثمانية ولها السبق علينا بالاستمتاع بنعمة الحرية، ومركز القاهرة السياسي مهم أيضاً وأهلها عريقون في الحضارة منذ عشرات من السنين وهي في غناها الطبيعي أغنى من الأستانة في الحقيقة، فلا عجب إذا امتازت فروق من هذه الوجهة عن مصر.
تأملنا كثيراً في صحافة مصر والأستانة في العهد الأخير فرأينا أمهات الجرائد التركية أرقى من أمهات الجرائد المصرية مادة وأسلوباً وشكلاً ووضعاً وطبعاً، ولا أغالي إذا قلت أن جريدة طنين ويكي تصوير أفكار ويكي غزته وصباح وإقدام لا تفوقها الطان والديبا والفيغار والماتين والجورنال إلا بحوادثها الخارجية وما عدا ذلك من البحث في إدارة البلاد وسياستها الداخلية وأخبارها وأفكارها وآدابها واجتماعها فالجرائد التركية شقيقة الجرائد الفرنسوية بقيمتها إلا قليلاً هذا مع بعد عهد الفرنسيس بالحضارة وقدم جرائدهم وقرب عهد الترك بها وحداثة جرائدهم، وتفوق جرائد القاهرة كاللواء والمؤيد والجريدة والأهرام والمقطم مثلاً بأنها أمهر في الضرب على الوتر الحساس في الأمة أكثر من جرائد الأستانة.
أما المجلات الافرنسية فهي أرقى بلا جدال من المجلات التركية وتصدر تحت سماء الأستانة بضع مجلات مثل علوم اقتصادية واجتماعية مجموعة وملكية وشهبال وثروت فنون لا تقل في أبحاثها وتدقيقها في موضوعاتها عن المجلات العربية الكبرى في مصر
стр. 2710
والشام وهي أرقى منها من حيث الوضع والطبع وأشبه بالمجلات الأوروبية في أن أبحاثها تكتبها الأيدي المنوعة من أهل الإخصاء، ومن العجيب أن مصر على كثرة علمائها الأخصائيين لم يصدر فيها حتى الآن مجلات يكتبها المصريون أنفسهم ولولا مجلة الجامعة المصرية وصحيفة نادي دار العلوم وهما ابنتا هذه السنة لقلنا أن مصر لا تميل للعلميات ميلها إلى السياسات وأهل العلم والأدب فيها لا صبر لهم على المشاريع العلمية حتى تنضج كما صبر أرباب المشرق والمقتطف والمنار والهلال والمقتبس والجامعةوغيرهم من أرباب المجلات السورية الحديثة كالمباحث والنبراس والمنتقد والحسناء والكوثر والنعمة والعرفان وغيرهم ممن لا تحضرنا أسماؤهم في مصر والشام.
أما جرائد سورية اليومية فهي أشبه من كثير من الوجوه بالصحافة التونسية من حيث المواد وقلة البحث في حالة البلاد وإن كانت جرائد الشاميين أكثر حرية وأسلم عبارة بل أنضج أسلوباً من جرائد التونسيين والفضل في ذلك للمدارس التي تعلم آداب العربية في الشام أكثر من تونس على أن المملكة التونسية وإن كانت أصغر من الجزائر ومن مملكة مراكش فهي في هذا العهد أرقى لهجة وعربية منهما بل هي بالنسبة للجزائر كنسبة سويسرا إلى إسبانيا أو ألمانيا إلى روسيا ولعل كثيراً من فقهاء الجزائريين يحرمون حتى اليوم كبعض فقهاء المراكشيين ما يقال له الجرائد والمحلات وكم للجامدين من جنايات جنوها على الدنيا والدين.
وقصارى القول أن الصحافة التركية أرقى بمجموعها من الصحافة العربية ولا سيما في السياسات والإداريات والعسكريات، والترك منذ قرون هم أهل السياسة والإدارة والجندية وأدبياتهم أيضاً أقرب إلى الأدبيات الغربية من أدبيات العرب، وعسى أن يكون الترقي الذي يتناول كل أمة فينبلها حظها منه في ظل القانون الأساسي يجري التعادل بين البلاد فيعم الارتقاء أنحاءها كافة بعد جيل أو جيلين من الناس ويجدّ رجال صحافتنا في الولايات العربية في ترقية جرائدهم ومجلاتهم ويسهرون على إيداعها كل مفيد من الأبحاث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والإدارية والعلمية والأدبية بحيث يزول عن العقول صدؤها فتتحلى من حلي المدنية الحقيقية بما ينيلها السعادتين وينبطها عليه أهل الخافقين.
стр. 2711
غنى العثمانيين
لا يعقل أن تكون المملكة العثمانية على هذه السعة والاعتدال وفيها من الأنهار والحراج والمعادن ما فيها ومن ذكاء سكانها وزكاء تربيتها العجب العجاب وتصبح في هذه الدركة من الفقر والانحطاط.
لا يعقل أن تكون بلاد هذه السلطنة التي ضمت إلى صدرها كثيراً من ممالك الأقدمين كالفينيقيين والغسانيين واللخميين والحثيين والحميريين والصفويين والنبطيين والبابليين والآشوريين والمقدونيين واليونانيين والفراعنة وتكون مساحة ولاياتها الثلاثين خمسة أضعاف ألمانيا ولا يكون فيها من السكان سوى نحو ثلاثين مليوناً على حين يبلغ سكان ألمانيا زهاء خمس وستين.
لا يعقل أن بلاداً فيها من الأنهار العظيمة مثل سيحان وجيحان ودجلة والفرات وقزل ايرمق واردار وغيرها من الأنهار أن تمحل ولا تخصب مع أن الخالق خصها بتربة ممرعة فيعطي مد الحنطة في بعض جهاتها مئة مد ثم تقرأ الفقر المدقع في وجوه أهلها.
لا يعقل أن بلاداً لها عشرات من الموانئ على شواطئ البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر وبحر الادرياتيك والمحيط الهندي وهي متاخمة لممالك البلقان وأوروبا من جهة ولبلاد السودان وصحراء إفريقية وشماليها من جهة وروسيا وإيران من أخرى ثم لا تستطيع أن تبعث بغلاتها إلى البلاد الخارجية لتتناول منها ثمنها نقداً لسد العجز المحسوس بين وارداتها وصادراتها.
ولكن من نظر في الأمر نظر متدبر وعرف أن حكومة الاستبداد تحرق الأخضر واليابس وتخرب العامر والغامر وأن الجهل مبيد الأمم برمتها دع عنك عمرانها لا يستغرب ما قدر لهذه السلطنة بل يعجب كيف أبقى الاستبداد فيها عقولاً تفكر وأيدي لتعمل ونفوساً تشعر بالتأخر.
كان همّ الحكومة المطلقة في هذه السلطنة أن تحتال لسلب النعمة الباقية من يد الأهين فكانت تشاركهم في أموالهم على غير رضاهم وهي لا تحميهم في أنفسهم وأموالهم ولا في مرافقهم وصحتهم وكيف تهتم لإسعادهم وهم عبيدها إذا طلبوا أن تخفف عنهم العذاب قاتلتهم وأن أرادوها أن تحاسنهم خاشنتهم، وكيف بطلب من الجاهل ما يطلب من العالم وهل ينفق امرؤ إلا مما عنده وهل الحكومات إلا أفراد مجتمعون.
стр. 2712
لسنا في صدد بيان مساوئ الدور البائد بل نريد الإلمام بغنانا وذكر شيءٍ من مستقبلنا، وغنانا في دور هذه الحكومة النيابية السعيدة مناط بهمتنا وهمتها إن عملت وعملنا حسبت بلادنا في عشر سنين في جدول البلاد الراقية وإلا فنبقى دستوريين بالاسم لا نستثمر من قوانيننا الجديدة وخيرات بلداننا العتيدة فائدة يعم نفعها.
نحن نطالب الدولة اليوم أن تؤسس لنا من المرافق العامة ما لا طاقة للأفراد أن يقوموا به من مثل إنشاء السكك الحديدية حتى تربط الأستانة مع أقصى بلاد العرب وتتصل وأن باشقودرة وطرابزون بالقدس وبغداد بالقاهرة ودمشق بطرابلس الغرب فتصبح ولايات الروم ايلي والأناضول وبلاد العرب متصلة كالحلقة الواحدة بشرايين من حديد ويتيسر لفلاح ملاطية وحكاري في الديار الكردية أن يبيع غلاته وثمراته من ابن طنطا والاسكندرية في الديار المصرية فلا تباع اقة الخبز الجيد بعشرين بارة كما في بعض بلاد الأناضول وتباع في دمشق بثمانين وتباع بمئة وستين في القاهرة.
نطالب الدولة أن تنشئ السدود وتجفف المستنقعات حتى ينتفع بكل شبر من الأرض يمكن زرعه وتشجيره ولا تهلك البلاد المجاورة لتلك المياه لقلة ريها كمن يصبح عطشاناً وفي الماء فمه وأن تصلح سقياها فلا يذهب ماء الفرات ودجلة بل مياه كثير من الأنهار والخلجان بلا فائدة وترى حواليها البلاد قاحلة تنتظر ماء الأمطار لتروى وما هي بمضمونة معظم السنين، وبذلك تجود صحة السكان النازلين بالقرب من تلك الأراضي وتقل الحميات والأمراض الوافدة فيهم فينمون ويتناسلون فتزيد البلاد بهم قوة.
كانت الأوبئة والطواعين تنتاب البلاد العثمانية قبل أن يعرف الأهالي والحكومة معنى التوقي المشروع فتهلك من سكانها مئات الألوف ولو ذكرت تواريخ المتأخرين ما انتاب البلاد كلها من الموتان فقط في المائتي سنة الأخيرة لزال العجب من قلة النفوس في بعض الولايات قلة لا تكاد تصدق، ولكن الزلازل والأوبئة والحريق والغارات مهما بلغ من تدميرها السكان والمكان يتأتى جبر ما أوهته ورنق ما فتقته وتعويض ما خسرته لو كان في البلاد شيء يقال له عدل وعلم.
مثال ذلك مدينتنا بيروت ودمشق فإنهما منذ جلب إليهما ماء نهر الكلب وعين الفيجة في أنابيب تقي الماء من الجراثيم الضارة قلت الأمراض قلة محسوسة حتى أن الهواء الأصفر
стр. 2713
انتاب سورية مرتين في العهد الأخير ولم يعرج على بيروت مع انتشاره كثيراً في صيدا وطرابلس المجاورتين لها وكذلك في دمشق منذ أخذ بعض أهلها يتسربون من ماء الفيجة الطاهر فلو تيسر لسائر مدن سورية مثلاً ما تيسر لنا من الماء النقي كالقدس وعكا ونابلس وطرابلس وصيدا واللاذقية وحمص وحماة وحلب وغيرها من الأمصار لما جاء على سورية ربع قرن إلا وسكانها ضعف ما هم الآن.
هذا في أبسط الأشياء وأقربها تناولاً فما الحال لو تشعبت خطوطها الحديدية عريضة كانت أو ضيقة بحيث لا تخلو قرية فيها خمسة آلاف نسمة من الارتباط مباشرة مع أمهات المدن فحاصبيا وراشيا وقطنا ودومة والنبك والقنيطرة وصلخد وعاهرة والسويداء والعمرانية وسلمية وبصر الحرير وعجلون والسلط والكرك كل هذه القصبات مراكز أقضية مهمة لا اتصال لأكثرها مع حاضرة الولاية إلى على ظهور الدواب والبغال والجمال فلو اتصلت بدمشق مثلاً كما اتصلت الزبداني والبقاع وبعلبك وحمص وحماة ومعان وشمسكين ودرعا إذاً لتوفر عمرانها وغزر سكانها واغتنت أرضها بغلاتها وثمراتها وسهل على البعيد أن يقتني أراضي لا يصل إليها على المطايا إلا في أيام طويلة فيبلغها مع القطار في ساعات.
ومثل ذلك قل عن ولايتي حلب وبيروت ومتصرفيتي القدس وجبل لبنان بل قله عن ولايات طرابلس الغرب واليمن والحجاز والبصرة وبغداد والموصل وديار بكر ومعمورة العزيز وبتليس وقسطموني ووان وارضروم وطرابزون وسيواس وقونية وانقره واطنه وجزائر البحر الأبيض وآيدين وخداوندكار والأستانة وادرنة وسلانيك ومناستر ويانيا وقوصوة واشقودرة ومتصرفيات بنغازي والزور وبيغا وجاتلجه وازميد.
ليس عند الدولة اليوم من الخطوط الحديدية ما يكفي لخمس ولايات فقط وقدروا عدد ما لديها منها بنحو سبعة آلاف كيلومتر تدفع على أكثرها ضمانات كيلومترية كل سنة لا تقل عن ستمائة ألف ليرة ولو كان رجالها في العهد الماضي على شيءٍ من الذمة والعقل لما فادوا بمصلحة أمتهم لقاء منفعة ذاتية تافهة إلى هذا الحد ولكانوا أنشؤوا معظم تلك الخطوط بأيدي شركات عثمانية تستلف من أوروبا ما يقتضي لها من المال بمقابل معتدل تسدده من مداخيل الخطوط التي تمدها فكما لم يعسر على الحكومة العثمانية إنشاء خط حديدي من دمشق إلى المدينة وهو لا يقل عن ألف ومئتي كيلومتر في واد غير ذي زرع لا يصعب
стр. 2714
عليها أو على الأمة أن تنشئ خطاً حديدياً مثلاً من دمشق إلى بغداد والمسافة بينهما ثمانمائة كيلومتر أو من دمشق إلى الأستانة والمسافة ألف ومئة كيلومتر تمر بأقاليم كلها عامرة بطبيعتها مشهورة بخصبها وجودة تربتها.
ولكن البلاد حتى اليوم لم تبرح كمن خرج من تحت الردم لا يكاد يفيق لكثرة ما لقيه من مصائب الأدوار السالفة والحكومة على سعي القائمين بشؤونها في العاصمة لم تستطع حتى الساعة أن تدبر ميزانيتها على ما ينبغي والعجز لم يزل يربو على أربعة ملايين ليرة كل سنة فقد بلغت نفقات الحكومة هذا العام ٢٩٩٢٩٥٢١ ليرة عثمانية ووارداتها ٢٤٥٨٧٢١٧ ليرة على ما أدخل عليها من تعديل رواتب الموظفين وغير ذلك من أنواع الاقتصاد وكان يرجى أن تزيد الأعشار هذه السنة زيادة محمودة لأن معظم أرباب النفوذ والفنى لم يعتادوا أن يؤدوا للخزانة في السنين الغابرة أكثر من خمس وارداتهم في الأغلب بل بعضهم ما كانوا يدفعون عشر العشر دع عنك سائر التكاليف.
وآخر إحصاء رأيناه في زيادة أعشار هذه السنة أنها زادت في السلطنة عن السنة الماضية مائة وخمسين ألف ليرة مع أن أعشار ولاية سورية وحدها زادت ثلاثة وأربعين ألف ليرة ولو عنيت حكومة هذه الولاية بتلزيمها حق العناية لما قلت الزيادة عن مئة ألف ليرة من الأقضية والألوية التي تدفع الأعشار بدلاً فضلاً عن لواء حوران الذي يدفع عشراً مقطوعاً بلغ هذه السنة تسعين ألف كيلة من الحنطة ولو استوفت من أهله الأعشار بحسب ما يجب عليهم أداؤه لأخذت هذا القدر المأخوذ من قضاء واحد فما بالك بسائر الأقضية على أن بعض الولايات كحلب مثلاً أصيبت هذه السنة بنقص غلاتها وثمراتها للجراد الذي انتشر في أرجائها ولكن حال سائر الولايات ليس كذلك.
ولا علة لهذا إلا أن موظفي المالية والإدارة ضعاف في معظم الولايات والأهلون أكثر منهم جربذة واحتيالاً فتمكنوا كما كانوا في العهد السالف من التزام الأعشار بالأثمان البخسة ويفكر ناظر ماليتنا اليوم في تخفيض العشر من اثني عشر ونصف في المئة إلى عشرة فقط لتبقى للفلاح بقية صالحة من وارداته يعمر بها أرضه ويكسو أهله ويرمم اصطبله وداره ويستكثر من الماشية لأن الحكومة تستوفي الآن من الفلاح جميع ما يملك كل سبع سنين، كما يفكر في زيادة رسوم الكمارك أربعة في المئة فتصبح خمسة عشر في المئة بدلاً
стр. 2715
من أحد عشر فإذا حسبنا قيمة ما تتقاضاه الدولة من الكمارك سنوياً ٣٨٦٨٨٦٦ ليرة عثمانية كما هو المقدر في الميزانية الأخيرة والكمرك بعد عشرة في المئة لا تقل الزيادة عن مليون ونصف ليرة يسد بها جانب مهم من عجز الميزانية من قابل، ولا شك أن ضرائب الأملاك ستزيد أيضاً لأنها قليلة بالنسبة ولا سيما على أرباب السعة الذين كانت الحكومة السالفة تتسامح معهم بأكل حقوقها عن قصد والمأمول أن يزيد كل شيء على تلك النسبة من مثل بدلات العسكرية التي ستتقاضاها الحكومة من غير المسلمين في السلطنة.
قلنا ومن أمثل الأعمال تخفيف الأعشار في السلطنة أو إلغاؤها إن أمكن والاستعاضة عنها بضرائب على الأراضي بحسب موقعها وخصبها والزيادة في الكمارك وربما لا يخلو هذا الصنيع من زيادة قليلة في ثروة البلاد ويرغب السكان بعض الشيء عن البضائع الأجنبية ويستعملون ما أمكن من مصنوعات بلادهم فإذا لم يقل الوارد من السلع الأجنبية فلا أقل من وقوفه عند هذا الحد، ويقدرون قيمة صادراتنا بنحو اثنين وعشرين مليون ليرة عثمانية ووارداتنا بنحو ثلاثة وثلاثين مليوناً أي أن البلاد الأجنبية وأوروبا خاصة تأخذ منا كل سنة عشرة ملايين نخسرها من مجموع ثروتنا وإذا أضفنا إليها قيمة ما تدفعه الحكومة العثمانية ربا ديونها وهو لا يقل عن تسعة ملايين ليرة لأن ما عليها من الديون يبلغ نحو مئة مليون من الليرات فتكون السلطنة العثمانية قد خسرت نحو عشرين مليون ليرة كل سنة على أقل تعديل.
والطريقة الاقتصادية لسد هذا العجز في المزانية هو الوقوف في النفقات عند حد معين والسعي في استثمار الأسهل فالأسهل من خيرات البلاد بحيث لا تتكلف الدولة الإنفاق على مشروع إلا إذا كانت الأرباح فيه تربو على الخسارة منذ أول سنة كإصلاح ري العراق مثلاً الذي يحتاج إلى عشرة ملايين ليرة مثلاً تأتي الدولة والأهالي بمليوني ليرة على الأقل تأخذ منها الحكومة لا أقل من مليون ليرة فإصلاح ري العراق بالاستدانة من أوروبا ربح ظاهر لا محالة ولا سيما إذا تقدمه إنشاء خط حديدي من بغداد إلى دمشق كما هو رأي السير ويلكوكس المهندس الانكليزي المشهور.
وإذا عنيت نظارة الغابات باستثمار غابات السلطنة على الأصول المتبعة في أوروبا وصانتها من فأس الأهلين وأنياب مواشيهم تزيد ثروة المملكة زيادة محمودة تؤثر في
стр. 2716
المجموع فلا تتناول ما يلزمنا من الأخشاب من النمسا أو رومانيا مثلاً بل نبتاعه من حراج قونية وقسطموني وآيدين وتكفي سائر حراج الروم ايلي والأناضول وسورية للوقود فتكفينا مؤونة الفحم الحجري أو البترول أو غيره من الوقود الذي تجلبه من الخارج.
стр. 2717
الأوائل
ذكرني ما طالعته في العددين الخامس والسادس من مجلة المقتبس الغراء (٤: ٢٧٣) بما كنت قد عنيت بجمعه منذ سنوات من الأوائل (أي أول من عمل شيئاً) عند القدماء من يونان ورومان وفرس وعرب ثم عند من جاء بعدهم من الأمم إلى عهدنا من أعارب وأعاجم ولا يخفى ما في هذه الأبحاث من المحاضرات التاريخية والأدبية والعلمية واللغوية الخ فرأيت الآن أن ألخص مقدمة هذه الرسالة وبعض مباحثها لعل القراء الكرام يرون فيه تفكهة وجماماً وهاك نبذة منها:
لم يفت العرب جمع (الأوائل) شأنهم في كثير من الموضوعات التي طرقوها وألفوا فيها على حين لم يطرق مثلها كاتب أعجمي وعلم الأوائل هو كما عرفه الحاج خليفة في كتابه كشف الظنون الشهير (طبعة مصر ١: ١٣٢) ما يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب وموضوعه وغايته ظاهرة وهو من فروع علم التواريخ والمحاضرات لكنه ليس بمذكور في كتب الموضوعات وقد ألحق بعض المتأخرين مباحث (الأواخر) فيه وألفوا فيه كتباً عددها ملخصة وهاك تفصيلها من مظانها الأخرى:
١ـ أول من صنف في (الأوائل) أبو هلال حسن بن عبد الله العسكري المتفوى سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ م) وسمى رسالته (الأوائل) وهي مختصرة.
٢ـ ومن المؤلفات فيها (محاسن الوسائل في علم الأوائل) للقاضي بدر الدين محمد ابن عبد الله السبكي المتوفى سنة ٧٦٩ هـ ـ ١٣٦٧ م.
٣ـ (إقامة الدلائل على معرفة الأوائل) للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ ـ ١٤٤٨م.
٤ـ (الوسائل إلى معرفة الأوائل) لجلال الدين السيوطي الشهير المتوفى سنة ٩١١ هـ ـ ١٥٠٥م لخص فيه أوائل العسكري المذكور آنفاً وزاد أضعافه ورتبه ترتيب الفقه وختمه بالعلم والأمثال وفيه منظومة بالرجز اسمها الوسائل ويرجح أنها أرجوزة وسائل السائل إلى معرفة الأوائل التي ذكرها كشف الظنون ـ ٢: ٤١٥.
٥ـ محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر وهو مختصر للشيخ علي دده اتمه سنة ٨٨٩ هـ ـ ١٥٨٩م ووضعه على قسمين الأول في فصول الأوائل مرتباً على ٣٧ فصلاً والثاني في فصول الأواخر وفيه ٤ فصول.
стр. 2718
٦ـ أزهار الخمائل في وصف الأوائل لمولى عثمان بن محمد المعروف بدوقه كين زاده الرومي المتوفى سنة ١٠١٣ هـ ـ ١٦٠٤م وقد رتب الأوائل على الحروف بالتركية وأهداها إلى السلطان مراد خان الثالث.
٧ـ٨ـ٩ الأوائل للطبراني ولمحمد بن أبي القاسم الراشدي ولابن خطيب داريا ـ وهذه أهم المؤلفات بهذه المحاضرات، على أننا لم نقف على مخطوط منها حتى الآن وإليك الآن مثالاً مما جمعته من الأوائل:
أول إنسان هو أبونا آدم وأول امرأة هي أمنا حواء
أول قتيل ومحسود وراع ولدهما هابيل وأول قاتل وحاسد وحراث ولدهما قابين.
أول ضارب بالمطرقة حفيدهما توبال قابين.
أول عازف بآلة طرب لامك.
أول مشترع ومؤرخ وقائد موسى النبي.
أول من كتب في السل أنه داء معدٍ سقراط الفيلسوف اليوناني الشهير.
أول من قال من الروم أن الأرواح غير فانية بل هي أزلية أبدية طاليس الفيلسوف اليوناني.
أول من عرف علم الطبيعة والهيئة عند اليونانيين طاليس هذا
وهو أول من قال الكلمة المشهورة أيها الإنسان اعرف نفسك.
وهو أول من أنبأ بكسوف الشمس وخسوف القمر قبل وقوعهما.
وهو أول من بحث عن أسباب الأهوية والزوابع والصواعق والبرق والرعد.
وهو أول من قاس ارتفاع القلاع والأهرام من ظلها الجنوبي لما تكون الشمس في الاعتدال.
وأول من قرب القربان للهياكل وطهر الأرض والمدائن والمنازل الفيلسوف أثيميديس اليوناني.
أول من اخترع عمل الفخار بالدولاب انخرسيس الفيلسوف اليوناني.
أول من امتنع لتواضعه أن يلقب حكيماً فيثاغورس الفيلسوف اليوناني.
أول من شهر علم الفلسفة بطريقة جلية في جميع اليونان دون غيره انكساغوراس
стр. 2719
الفيلسوف اليوناني.
أول من أدخل فلسفة اليونان إلى رومية شيشرون الخطيب الروماني الشهير قبل الميلاد بقرن.
أول من قال في الجاهلية أما بعد قس بن ساعدة أسقف نجران النصراني.
وهو أول من اتكأ على عصا عند خطبته وأطال الكلام.
وأول من وصف الخيل وأجاد بتشبيهاته امرؤ القيس من أصحاب المعلقات.
وأول من لعب بالصقور الحارث بن معاوية بن ثور الكندي ملك كندة.
وأول طبيب عند العرب الحارث بن كلدة الثقفي ثم ولده النصر.
أول من سكن نجران يزيد بن عبد المدان من بني كهلان نزلها نحو سنة ٤٥٠م.
وأول من سمى اليوم السادس من الأسبوع الجمعة وكان يقال له العروبة كعب بن لؤي.
أول من قال مرحباً وأهلاً سيف بن ذي يزن الحميري قالها لعبد المطلببن هاشم ما وفد إليه مع قريش لتهنئته برجوع الملك إليه.
أول من خطب في الإسلام النبي ﵊.
وهو أول من قال (مات فلان حتف أنفه).
وأول من أسلم خديجة زوجته.
أول كتاب كتب في اللغة العربية بصدر الإسلام المصحف في خلافة أبي بكر لأنه أول من اعتنى بجمعه.
أول من كتب في الإسلام علي بن أبي طالب.
وهو أول من قال جعلت فداك.
أول من قال أيدك الله وأطال بقاءك عمر بن الخطاب.
وأول والٍ فرض له رعيته نفقته أبو بكر الصديق.
وهو أول من سمي خليفة.
وهو أول خليفة مسلم ولى غيره وهو حي.
وهو أول من سمى القرآن مصحفاً.
وأول من قال اجعل هذا الشيء بأجاً (طريقاً) واحداً عثمان بن عفان.
стр. 2720
وأول من قال فاض الميت شريح قال هذا حين فوضه.
وأول من جمع الدجال مالك بن أنس فقيه المدينة بقوله: هؤلاء الدجاجلة.
وأول خليفة بايع لولده في الإسلام هو معاوية بن أبي سفيان بايع لولده يزيد.
وهو أول من وضع البريد، وأول من خطب جالساً على الأرجح.
وهو أول من سمى الطيب غالية وأول من عمل المقصورة في المساجد.
وأول من ضرب الدراهم والدنانير في الإسلام عبد الملك بن مروان.
وأول من بنى المارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك وعين له أطباء برواتب وحبس المجذومين وأجرى عليهم وعلى العميان الرزق.
وأول من ضبط الحروف العربية بالنقط والحركات نصر بن عاصم بخلافة عبد الملك ابن مروان.
وأول من اتخذ اللغة العربية في الدواوين بنو أمية.
أول لحن سمع بالبادية هذه عصاتي وأول لحن سمع بالعراق حيّ على الفلاح.
أول من سمي وزيراً في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمذاني استوزره السفاح في القرن الثالث للهجرة.
أول من لقب أمير الأمراء في الإسلام ابن رائق أمير البصرة وواسط في القرن الرابع للهجرة وكان صاحب هذا اللقب يتولى رئاسة الوزارة والجند.
أول من لقب بالصاحب من الوزراء اسماعيل بن عباد وزير مؤيد الدولة في القرن الخامس للهجرة.
أول من التزم الصحيح من اللغة مقتصراً عليه الإمام أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح.
أول من وضع كتاب الأجناس في اللغة الأصمعي لأن التجنيس مولد وليس من كلام العرب.
أول من ذكر أبنية الأسماء والأفعال فأورد للأسماء ثلاثمائة مثال وثمانية أمثلة سيبويه في كتابه المشهور.
أول من نقل الخط من القلم الكوفي إلى الصورة المتعارفة ابن مقلة وزير المقتدر بالله.
стр. 2721
أول من وضع المثلث في اللغة قطرب من أهل القرن الثاني للهجرة.
أول من تعمق بدرس كتب أرسطو الفيلسوف اليوناني وفسرها ونشرها بين العرب الفارابي.
أول من تكلم بأصول الفقه واستنبطه الإمام الشافعي.
أول من دعي بقاضي القضاة أبو يوسف القاضي من أهل القرن الثاني للهجرة وقيل ابن جنبة الأنصاري.
وأول من غير لباس العلماء إلى زيه المعلوم عندنا اليوم أبو يوسف المذكور.
أول خليفة لعب بالصولجان والكرة عند العرب هو هرون الرشيد العباسي.
أول من عمل اسطرلاباً في الإسلام الفزاري زمن المنصور العباسي.
أول من اشتغل بنقل العلوم إلى العربية خالد بن يزيد الأموي حفيد معاوية الأكبر في القرن الأول للهجرة.
أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة المشهورة والقسي الموتورة موسى الهادي العباسي في القرن الثاني للهجرة.
أول رصد وضع في الإسلام بدمشق زمن المأمون العباسي.
أول من كتب من العرب في السياسة المدنية أو الاقتصاد السياسي الفارابي ثم ابن خلدون في مقدمته.
أول جمعية علمية فلسفية عند العرب جمعية إخوان الصفاء في بغداد في أواسط القرن الرابع للهجرة.
أول من استخدم المرقد البنج في الطب العرب واستخدموا له الزؤان أو الشيلم.
أول من استخدم الكاويات في الجراحة العرب وأول كتاب فيه ليوحنا بن ماسويه.
أول من وصف الحصبة والجدري بكتاب هو أبو بكر الرازي.
أول من أنشأ حوانيت الصيدلية واشتغل في تحضير الأدوية العرب.
أول من استخدم الجيوب والأوتار في قياس المثلثات والزوايا البتاني الرياضي العربي.
أول من استنبط الكرة البيروني الجغرافي العربي الشهير.
أول من تناول الأرقام عن الهنود الخوارزمي فنسبت إليهم.
стр. 2722
أول من حسب فلك نجم المذنب على موجب قواعد تعليمية اسحق نيوتن الانكليزي في القرن السابع عشر.
أول من استعمل الشاري قضيب الصاعقة فرنكلين سنة ١٧٥٩م.
أول من اكتشف الكينا رجل اسمه بليتيه سنة ١٨٢٠م.
أول من اكتشف التلقيح بالجدري ادورد جنر الطبيب الانكليزي سنة ١٧٩٦م.
أول من استعمل طوابع البريد الانكليز في لندن سنة ١٨٤٠م.
أول طابعة تيب ريتر صنعت في أميركا سنة ١٨٧٣م.
أول من اكتشف النيتروجين الدكتور روثر فورد سنة ١٧٧٢م.
أول من اخترع تذاكر البريد الدكتور هرمن الألماني سنة ١٨٦٩م.
أول جريدة عربية أنشئت في مصر تقويم الوقائع سنة ١٨٢٨م.
أول جريدة عربية أنشئت في الأستانة العلية مرآة الأحوال لرزق الله حسون الحلبي سنة ١٨٥٤م.
أول جريدة عربية أنشئت في سورية حديقة الأخبار لخليل الخوري اللبناني سنة ١٨٥٨م.
أول مطبعة عربية أنشئت في سورية مطبعة حلب الآرثوذكسية منذ مائتي سنة أي في أول القرن الثامن عشر للميلاد.
стр. 2723
سير العلم والاجتماع
اللغة العثمانية
معلوم أن اللغة التركية العثمانية اليوم مؤلفة من ثلاث لغات التركية الأصلية والعربية والفارسية وإن الألفاظ العربية في العهد الأخير كثرت فيها جداً حتى تكاد تجد في الصفحة الواحدة ثلاثة أرباعها من الألفاظ العربية وربما أكثر وقد شق هذا الأمر على إقدام إحدى جرائد الأستانة فقامت تطلب تصفية اللغة العثمانية من الألفاظ العربية وقد ردت الجرائد الأخرى على هذا الرأي ويفته وفي مقدمتها جريدة تصوير أفكار بقلم صاحبها أبي الضيا توفيق بك الكاتب المشهور فقال من مقالة له ما تعريبه: زعمتم أن يوسف الثاني ملك النمسا كان أخذ على نفسه نشر اللغة الألمانية بين المجر فانتبه المجريون لما يراد بلغتهم وأخذوا يطرحون منها الكلمات الزائدة من اللاتينية والألمانية فتم لهم أن يكونوا اليوم أمة وأن البلغار وإن كانوا في الأصل أتراكاً أبدلوا لما نزل قسم منهم أوروبا مذهبهم ولسانهم بالنصرانية والسلافية فغدوا ينظرون إلينا نظر الخصومة كأننا لسنا منهم وليسوا منا في شيء، ولكننا لو نظرنا إلى تاريخنا وكيف تألفت جنسيتنا لا نحتج بمثل هذه الحجج.
فإنا لقوم (الترك) قد دفعتنا أيدي بكواتنا وأمرائنا وكنا عبارة عن ألف أو ألفين من الرجال اضطرتنا غارات جنكيز إلى الرحيل عن أوطاننا فجئنا إلى القرب من هذه العاصمة ونزلنا قصبة سكود ومنذ ذاك العهد حتى أواخر سلطنة سليمان القانوني أيام بلغنا غاية الغايات في فتوحاتنا ووصلت قوتنا إلى أرقى مراقيها أخذنا ننتشر في قارات الدنيا الثلاث الكبرى فجمعنا تحت لواء حكومتنا نحو عشرين إلى ثلاثين جنساً ومثل هذا العدد من الأديان والمذاهب حتى لقد استولينا أيضاً على جزء من بلاد المجر المبحوث عنها آنفاً.
وإذ تعذر في العهد الأخير أن تتقدم سياسة التغلب إلى الأمام التي لم تكن مبنية على مقصد خاص على نحو ما كانت سياسة بطرس الأكبر امبراطور روسيا مثلاً ولما لم تكن سياستنا نتيجة فطنة وتأمل قائمة على أساس متين انحلت عرى هذه الأجناس المتحالفة التي لم يدرك بادئ بدءٍ أن الضرورة تدعو إلى توحيدها لأدنى خلل عرض لقوة الدولة.
ثم إن الرابطة التي تربطنا والشعوب الإسلامية ومن هم قوام روابطنا كالعرب والأكراد وبعض العشائر المغولية التي سقطت إلى هذه الأرجاء وتوطنت فيها ومن تركناهم ن أولاد
стр. 2724
الفاتحين ومن تفرقوا من المجاهدين اتباع بكوات الروملي فانتشروا في تلك الديار أن تلك الرابطة قد دعت إلى أن يمتزج هؤلاء بأهالي البلاد الأصليين أي بالبلغاريين والصربيين والارناؤد والبوشناق فأخذ هؤلاء يدينون بالإسلام حتى أصبح نحو نصف سكان تلك الأقطار الواسعة من المسلمين، واضطر أولئك المسلمون إلى تعلم أمور دينهم وبهذه الواسطة انتشر اللسان العثماني وتغلب الفكر الديني على الجنسي وأنشأ أولئك الشعوب يعتقدون بأن السلطنة العثمانية حامية الدين وسلامتها سلامة لهم في الدارين وبفضل هذا الاعتقاد غدا أهالي البوسنة المسلمون خاضعين للحكومة النمساوية وهم لا يقلون عن ٥١٠٠٠٠ نسمة ينظرون إلى النمسويين نظر الأعداء مع أنهم من عرق واحد، ومثل ذلك قل في البوماقيين والجناقيين وغيرهم من سكان بلغاريا ممن يرون السلافيين أعداءهم على حين هم وإياهم من أصل واحد ولا يستثنى من ذلك إلا الأرناؤد فإنهم في بلادهم يفضلون الجامعة الجنسية على كل جامعة فيدين المرء فيها بما يريد ولا من يسأله عن معتقده دان بالإسلام أو بالنصرانية لأن مسائل الاعتقاد من الأمور الوجدانية النفسانية ولكن يبقى للجنسية القول الفصل بينهم فإذا استباح حماهم أجنبي يقوم المسيحيون والمسلمون يذودون عن حياض بلادهم قومة رجل واحد بمعنى أنه لم تنشب قط ولا تنشب فتنة باسم الدين في بلاد الارناؤد فاللسان التركي الذي نستعمله منذ ستمائة سنة مؤلف من ثلاث لغات وقواعد صرفه ونحوه هي من الأصول المتحصلة من القواعد التي اقتبسها العجم عن العرب ولذلك أصبح لغة قائمة برأسها ولهجة خاصة بالعثمانيين فقط، وبقدر ما بين التركية الشائعة فيما وراء النهر والتركية المستعملة في آذربيجان والتركية التي يتكلم بها بعض الشعوب الأتراك في قافقاسيا والتركية المستعملة بين التاتاريين في القديم من الفروق فالفرق كذلك بين لغتنا ولغتهم.
وبالجملة فإن ما فقدته الدولة العثمانية من أملاكها بعد دور الفتح من البلاد وما خسرته بعد عهد السلطان سليمان من النفوس مما لا يقل عن ثلاثة أرباع السكان وما نحن مضطرون ومفتقرون إليه من تعلم اللغة العربية التي هي لسان شريعتنا وعقيدتنا مع كل هذا هل جذب العربي التابع لنا التركي إليه وصبغه بصبغته أم نحن صبغنا العربي بصبغتنا، وما أدري كيف نشأ خيال الخوف من فقدنا وطنيتنا إذا لم تداركه بتصفية لساننا فقد رأينا جميع أبناء
стр. 2725
العرب النازلين في المدن والبلاد الواقعة بين الاسكندرونة وبغداد يتكلمون بالتركية ولقد أنسنا بشرف اللقاء في مجلس النواب بأناس من مبعوثي العرب يطلق عليهم لقب آغا ولكنهم يفوقون بفضائلهم وكمالهم كثيراً من وزرائنا فكان الحلبيون والرهاويون والعينيون (أهل أورفه وعنتاب) والمواصلة والكركوكيون والسليمانيون والبغداديون يتكلمون ويكتبون بهذه اللغة العثمانية الممزوجة من التركية والعربية والفارسية بلسان يشف عن فضل بيان وإحسان لا يضاهيهم فيهما إلا قلائل منا وما ذلك إلا أثر من آثار انتشار آداب التركية الجديدة بينهم لا التركية القديمة.
وعاد الكاتب المشار إليه في عدد آخر يقول في الرد على مناقشيه: إن اللسان العثماني هو لسان الأمة التي أنشأت هذه الدولة العثمانية من الأتراك وغيرهم من الشعوب الذين اتحدوا معهم افترق كل الافتراق عن تركية الجغتاي لمقصد سياسي بل من الواجب عليه أن ينفصل عنها وذلك لاشتراك الشعوب الكثيرة التي دخلت دائرة اتحادنا فأنشئت هذه الهيئة الاجتماعية ولذا لا تجد حاجة لها أن تتخاطب وتتكاتب بألف باء أويغور وتركية ما وراءِ النهر.
فما دامت ألف بائنا اليوم هي آلة الكتابة المشتركة التي اتخذها العرب وأضاف إليها الفرس أربعة حروف فعبروا بها عن لغتهم وما دمنا نرى من الواجب علينا أن نقلد العرب بسائق الدين ونقلد الفرس بسائق الأدب ونحن في حاجة ماسة إلى الأخذ من مؤلفات العرب والفرس والانتفاع بما خلفوه من علومهم منذ ألف وثلاثمائة سنة وما دامت مصنفاتنا العثمانية منذ ستمائة وخمسين سنة قد دونت من هذه اللغات الثلاث فنشأت عنها اللهجة العثمانية ما دام الأمر كذلك فنحن نأخذ في كل عصر من خزائن معارف هذه اللغات الثلاث ولا نتخذ عنها بديلاً، ولعمري ماذا نجني من الفوائد إذا قلدنا اليوم البخاريين والخوقنديين والكشغريين بلهجاتهم وكتابتهم ولكن هذه الشعوب إذا قلدتنا في لهجتنا تقترب من منهاج معارفنا فتستفيد من ذلك فوائد حسنة.
مقاومة الكحول
يشتد حملة الأقلام وأمراء البيان في الممالك الإفرنجية يوماً بعد يوم في مقاومة المسكرات وذلك بواسطة جمعيات نذر أعضاؤها على أنفسهم أن يقعدوا للمسكرات كل مرصد وقد
стр. 2726
كانت سويسرا من أول الأمم التي قاومت انتشار الابسنت منذ ثلاثين سنة فصدعت الحكومة هناك بأمر الشعب وإرادة الشعب حكم وعملت على ما اقتضاه منه المقاومون للمسكرات على كثرة خصومهم بادئ ذي بدء والموافقون على المنع رجال الصحة والأدب والجمعيات الطبية والسياسية والكنائس والأحزاب السياسية المتطرفة من كاثوليك وبرتستانت ولم يقف على الحياد في هذا الباب سوى الحزب الراديكالي.
وقد سبقت فنلندا سويسرا في مقاومة المسكرات فأصدرت حكومتها أمراً منذ سنة ١٨٨٢ بمنع بيع المسكرات بالمفرق للناس والاتجار بها وجعلت بيعها بيد جمعيات تنفق ريعها على ما من ورائه فائدة عامة، وهذه الجمعيات تقاوم السكر بكل ما فيها من طاقة وتصد العامة من غشيان الفنادق وتدفعهم إلى الاختلاف إلى المطاعم الصحية التي لا تبيع المسكرات وأخذت تلك الجمعيات تدخل في دروس المدارس مضار المسكرات وتنفر الدارسين من تعاطيها، وحذت النمسا حذو الأمم العاملة على تقليل المشروبات فأنشأت جمعيات تصد العملة عن الشرب وأفلحت في تكثير سواد أفرادها وأنصارها وقد جعلت جمعية نقابات العملة شعارها: إن المشروبات الروحية منبع الأضرار العظيمة على طبقة العملة تسلبهم قواهم الطبيعية والعقلية اللازمة لهم في جهاد الحياة.
وهكذا ترى الحال في معظم الأمم الأوروبية ولاسيما في الممالك الصغرى مثل السويد والنرويج والدانيمارك وهولانده والبلجيك وبلغاريا، وهذه الإمارة الأخيرة أخذت منذ أسست سنة ١٨٧٨ تقلد الأوروبيين في مناحيهم وأحبت مخالفة القواعد التي كانت مرعية فيها على عهد حكم العثمانيين عليها من وضع العقبات في سبيل المسكرات ولكنها عادت ففكرت في العاقبة حتى قل فيها تعاطي المشروبات كثيراً في البلاد التي تكثر فيها الكروم وأخذ البلغاريون يرددون المثل البلغاري السائر بينهم وهو أن الماء لا يقلق الرأس ولذلك جعلوا شربهم الماء الصرف وقد لا يتناولون المسكرات في بعض أعيادهم وهي لا تتجاوز الخمسة أو الستة أيام في السنة كلها.
وانتبهت بعض ولايات أميركا الشمالية إلى مضار المسكرات فسنت منذ سنة ١٨٤٦ قانوناً لحظر بيعها بالمفرق ومن هذه الولايات كنساس وميسيسيبي وألاسكا وغيرها وقد عادت بعض الولايات أيضاً بعد أن رأت فائدة المنع مثل ولايتي الأباماوجيورجيا فسنت قانون
стр. 2727
الحظر لتنقذ سكانها السود من الموبقات وسكانها البيض ولا سيما النساء من اعتداء الزنوج عليهن وبذلك أخذ يقل توقيف المعربدين والجناة شهراً عن شهر في تينك الولايتين قلة محسوسة.
أما المملكة العثمانية فمع أن دين حكومتها هو الإسلام والإسلام أشد الأديان في حظر المسكرات فتراها أمس واليوم تشدد على المسكرات طاهراً ويهمها في الباطن ولاسيما قبل أن تكون دستورية ترك الأمور لطبائعها حتى تستفيد الديون العمومية من رسوم المسكرات، ويا حبذا لو فكر مجلس الأمة في سن قانون شديد للمشروبات الروحية والإكثار من الرسوم عليها إكثاراً لا يستطيع معه حتى الأغنياء تناولها وبذلك تنتفع البلاد نفعاً تقدره قدره بعد سنتين عندما يصبح معظم أبنائها متعلمين مهذبين بفضل التعليم الإجباري، وبعد تعريب ما تقدم منعت الدولة العلمية دخول الالكحول التي تعمل من غير العنب إلى بلادها وأن لا يدخل إليها من الالكحول (اسبرتو) إلا ما كان ممزوجاً ببعض الأجزاء فيستعمل في بعض الصناعات فحبذا يوم تمعنه على اختلاف ضروبه.
الإعلانات
يؤكدون أن الولايات المتحدة تنفق في السنة ٢٥٠ مليون ليرة على نشر الإعلانات حتى أن بعض أصحاب معامل الصابون ينفقون كل يوم على إعلاناتهم ٢٥٠ ليرة وقد أرسل أحد المخازن مؤخراً إلى زينه قوائم ببضائعه عدد صفحات كل قائمة ألف صفحة ووزنها ثلاث ليبرات فكان ما كلفه ذلك أجرة نقلها في البريد فقط ٦٤٠ ألف دولار أو ١٢٨ ألف ليرة انكليزية، وقد أنفق أحد أصحاب معامل الأمواس هذه السنة خمسين ألف فرنك زيادة عن السنين السالفة لنشر إعلاناته فباع ستة ملايين موسى زيادة عن القدر الذي كان يبيعه في الأعوام الماضية.
الصحة في أسوج ونروج
أهل المماليك الصغرى في أوروبا من أسعد الناس حالاً وأنعمهم بالاً، فترى نروج متقسمة إلى مناطق طبية ولكل مقاطعة طبيب تعينه الحكومة وتدفع إليه راتبه وفي كل مديرية مجلس صحة يرأسه مفتش صحة وطبيب له سلطة تامة على المديريات والأفراد ويلقنون الطفل في المدرسة مبادئ حفظ الصحة فيجد فيها التلميذ حمامات ورشاشات (دوش)،
стр. 2728
وجميع الأمة تعتقد بتأثير المكتشفات العلمية والطبية وكلها تقوم بالواجب في أي مكان كان والناس يقومون أحسن قيام بالتدابير الصحية دون أن يتأففوا أو يحالوا التملص منها، وقد كان معدل الوفيات في أسوج ٧و١٧ في الألف سنة ١٨٨١ فنزل سنة ١٩٠٦ إلى ٣و١٤ ومعدل وفيات الأطفال ٧و١١٢ في الألف فنزل إلى ٨٣ وكان عدد سكان أسوج سنة ١٨٨١ ـ ٤٥٧٢٢٤٥ فأصبح سنة ١٩٠٦ ـ ٥٣٢٧٠٥٥، وكان معدل الوفيات في نروج ١٦ في الألف سنة ١٨٨٠ ووفيات الأطفال ٩و٩٥ فنزل سنة ١٩٠٦ إلى ٥و١٣ في الألف و ٤و٦٩ في الأطفال وبعد إن كان عدد سكانها سنة ١٨٨٠ـ ١٩٠٨٥١٢ أصبحوا سنة ١٩٠٦ـ ٢٢٩٦٣٠٠ كل ذلك بالمحافظة على الصحة على ما يوجبه الشرع والعقل.
العطورات والأخلاق
جاء في إحدى المجلات الافرنجية: الظاهر أنه تمكن معرفة أخلاق الناس من الطيوب التي يستعملونها حتى أصبح الآن من القواعد النفسية الجديدة قولهم: قل لي كيف تتطيب حتى أقول لك من أنت كما قالوا قل لي من تعاشر لأقول لك من أنت كلما قوي الشعور في الأعصاب الشامة كانت طبيعة المرء مهمة وعقله حصيفاً ولطيفاً فروائح الطيب الهندي والرائحة المعروفة برائحة قبرص وجلد إسبانيا وكلها مما لا يحمد أمره لأن مستعمليها يكونون من أرباب التأثر والهذر والرفاهية يصابون بكسل مزمن في عقولهم ويميلون إلى الإسراف ويستمدون للسمن، أما المولعون بعطر المسك فهم من فطرة أحط من أولئك أيضاً ويعرفون بالبلادة والتوحش على أن استعمال عطر المسك مع عطر آخر يدل على عقل راق، وفي العادة إن المولعين بعطر البنفسج من المستنيرين الذين يحبون الجمال على اختلاف مظاهره ولكن من يستعملون ماء الكولونيا يفوقون غيرهم بكثرتهم ووفرة فضائلهم، ويصعب إعطاء صفة لمستعملي عطر الكوريلبسيس الياباني لأن طبائعهم غريبة يجمعون إلى حب الغرائب فطرة خبيثة قد تكون نائمة في نفوسهم فلا تلبث أن تنبعث في حالة غير منتظرة وتظهر متجلية كالشمس في رابعة النهار.
هبات الأميركيين
بلغ ما جادت به نفوس المحسنين وأغنياء الأميركان منذ الحرب الأهلية حتى الساعة بليون ريال على أقل تعديل جادوا بها على إقامة المدارس والمكاتب والمستشفيات غيرها من
стр. 2729
الأعمال العلمية والخيرية العامة، ومن أوائل المحسنين المستر سلاتير وهب مليون ريال لتهذيب الزنوج والمستر بيبادي وهب كثيراً من ماله فمنح دفعة واحدة خمسة ملايين ريال لتصرف في سبيل التعليم، ومن محسنيهم المستر ليلاندستانفورد أنشأ جامعة كبيرة فمنحها دفعة واحدة عشرين مليون ريال، ومن محسنيهم أو محسناتهم مسز اليصابات اندرسون ومسز رسل ساج ومنهم مورغان وكارنجي وروكفلر فهبات الأول مكتومة وإن كان يعرف منها الشيء الكثير وبلغت هبات الثاني مئة مليون ريال وهو عاقد العزم أن يوزع ثروته البالغة ثلاثمائة مليون في الأعمال التي يعود نفعها على مجموع امته وجاوزت هبات الثالث مائتي مليون ريال، يجودون بأموالهم التي اكتسبوها في الغالب من التجارة والاقتصاد من الأمة التي كان بعض أفرادها خداماً لهم وأعواناً على إثرائهم وذلك على طريقة لا تدخل الكسل على الناس بل على العكس تدعوهم إلى اقتفاء آثارهم والائتمام بهديهم ولطالما سمعنا أن فلاناً يجود بمبلغ كذا إذا جاد الناس بمثله فلا يلبث المبلغ المطلوب أن يجمع فيدفع الكريم ماله راضياً، ولو جمع ما جاد به هؤلاء الأغنياء وأمثالهم على المعاهد العلمية والصحية فقط خلال الأربعين سنة الأخيرة لا بتيع به ممالك كبرى من ممالك الشرق ولاحتقر الشرقي نفسه وأمته ونعى فقرها المدقع وجهلها المطبق.
كليات إيطاليا
نشرت مجلة التعليم الدولية إحصاءً بكليات ايطاليا السبع عشرة وما فيها من الطلبة فكان مجموع من في كلية نابولي ٥٨٥٦ طالباً منهم من يدرسون العلوم ومنهم الطب وبعضهم الصيدلة وفي كلية رومية ٣٠٦٩ وفي تورين ٢٠٨٣ وفي بولونيا ١٦٩٥ وفي بافيا ١٣٦٠ وفي بادو ١٢٩٩ وفي بيز ١١٨٦ وفي بالرمة ١١٣١ وفي جين ١٠٩٥ وفي كاتان ٨٤٢ وفي بارم ٥٣٢ وفي مودين ٤٣١ وفي ماسراتا ٣٥٦ وفي كاكلياري ٢٤٥ وفي سين ٢٤٠ وفي ساساري ١٩٨ وإذا أضفنا إلى هؤلاء التلامذة مجموع ما في الكليات الحرة وهي كامارينو وفرار وبروز واورين يبلغ مجموع الطلبة في الكليات الإيطالية ٢٤٦٤٤ منهم ٤٣٥٦ في الطب و ٣٣٢٢ في العلوم و ٢٢٧١ في الصيدلة.
الأمويون والعباسيون
التي رفيق بك العظم خطبة في نادي دار العلوم في القاهرة في أسباب سقوط الدولة الأموية
стр. 2730
والعباسية قال فيها: كان الأمويون شديدي الحذر من آل علي كما ذكرنا وكان هؤلاء بعد نكبتهم في خلافة يزيد قليلي الجرأة على الظهور لشدة العمال عليهم ومراقبتهم لحركاتهم وسكناتهم ولأن الخلفاء من بني أمية كانوا مع شدة حذرهم منهم يراعون مكانتهم ويحسنون إليهم فلم ينزع أحد منهم إلى الخروج عليهم لضعفهم إلا زيد بن علي فقد خرج في خلافة هشام فقتل في الكوفة وقتل ابنه يحيى في خراسان أما تميم أبي هاشم فقد كان بأمر سليمان بن عبد الملك لأنه خاف جانبه لما رأى فيه من النجابة والذكاء.
وربما كان هناك سبب آخر لضعف آل علي من بني فاطمة وهو أن الذين بقوا منهم أحياء بعد نكبتهم في كربلاء كانوا أطفالاً لا يصلحون لقيادة الناس فالتف الشيعة حول محمد بن علي المعروف بابن الحنفية من غير ولد فاطمة وهكذا ساقوا الإمامة في بنيه من بعده كما ساقها غيرهم إلى بني فاطمة أيضاً وانتقلت من ثم إلى أبي هاشم إلى بني العباس.
لا جرم أن سليمان بن عبد الملك جنى على دولته بقتل أبي هاشم لأن آل علي كانوا لشدة ما عانوا من المراقبة والاضطهاد شديدي الحذر بطيئي الخطى في الوثوب على الخلافة الأموية والظهور لمنازعة الأمويين عليها فتلقى العهد بها آل العباس وهم بعيدون عن سوء الظن والمراقبة لم يعانوا مشاق الدعوة ولم يذوقوا طعم الاضطهاد فيخافون الوقوع فيه: ولذا ما لبث أن عهد إلى محمد بن علي بالأمر حتى نهضوا بأعباء الدعوة بجرأة عظيمة وكان لابراهيم بعد موت أخيه محمد ما كان مع أبي مسلم بتفويض أمر الزعامة إليه وقيام هذا بث الدعوة أحسن قيام حتى استفحل أمرها وظهرت على خصومها.
أحس الأمويون بهذا الخطر السريع فبادروا ابراهيم الإمام بالقتل فنهض أبو العباس السفاح بعد قتل أخيه ابراهيم وعاجل الأمويين بالوثوب عليهم قبل أن يدب الفشل في أهله وشيعته منتهز الفرصة وقوع الشقاق بين الأخوة وأبناء الأعمام من آل مروان وتلظى المملكة الأموية بنار الفتن وظفر بما أراد وقضى على دولة الأمويين في المشرق فذهبت كأن لم تكن بالأمس.
على أن ظفر العباسيين على هذا الوجه وبهذه السرعة له بواعث وأسباب أخرى كاختلال نظام الدولة وغيره أرى أن ألم بها على قدر ما يمكنني من الاختصار.
تعلمون أن الدولة تموت برجل وتحيا بآخر وأن الرجال في الدول قليل والدولة الأموية لما
стр. 2731
فقدت رجلها فقدت جانباً عظيماً من قوتها وأعني بأولئك الرجال الرجال المخلصين الذين يخدمون الدولة بمنتهى الصداقة بقطع النظر عما ينسب إلى أفراد منهم من القسوة فيتهمونهم من أجل ذلك بالظلم إذ الرجال يصطبغون بصبغة الدولة ويتشكلون بشكلها والدولة الأموية لما كانت دولة مطلقة لزم أن يسير عمالها على سننها.
من رجال الدولة الأموية المخلصين، موسى بن نصير، والحجاج بن يوسف، وخالد بن عبد الله القسرى، ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم وإضرابهم ومن خطاء الخلفاء الأمويين أنهم لم ينصفوا أمثال هؤلاء الرجال فأحرجوا من أحرجوه منهم حتى أخرجوه فقتلوه كخالد بن عبد الله وقتيبة بن مسلم ويزيد من المهلب الذين ذهبوا ضحايا سوء التفاهم، وموسى بن نصير الذي زج به في السجن في نظير فتحه الأندلس ومات أقبح ميتة ففقدت الدولة بفقد هؤلاء الرجال وأمثالهم جانباً لا يقدر من قوتها وأخذت تنحط من ثم هيبتها أما الحجاج فموته في الحقيقة مبدأ افول نجم الدولة الأموية لأنه كان يدها التي بها تضرب وعينها التي بها تبصر فإنه بعد أن أخمد لهم فتنة ابن الزبير كان والياً على الكوفة واليه ولاية خراسان وكلا المكانين عش الفتنة ومنبع الدعوة الأمامية ومع هذا فقط ضبط البلاد وأرهب ببطشه المنازعين للدولة والنازعين إلى الشغب، وأحسن في انتقاء العمال والقواد فامتد ملك الأمويين على عهده إلى كابول من بلاد الأفغان شرقاً والتركستان الصينية شمالاً ولو وجد بعده من يخلص من الولاة للدولة إخلاصه ويكون في مثل حزمه وعزمه لطال عمر الدولة الأموية بلا ريب.
ولعل نوابغ الرجال يكثرون في مبدأ نشوء الدولة وإن كانت هذه النظرية تحتاج إلى تمحيص.
ومما ساعد أيضاً على اختلال نظام الدولة الأموية تباعد أطراف المملكة بما صار إليهم من الفتح إلى عهد هشام بن عبد الملك إذ اتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم تبلغه قبلهم غير دولة الرومان.
فما بين النهرين المعروف بالجزيرة وإيران وقسم من الأفغان والتركستان والتبت والقوقاس وأرمينيا وشبه جزيرة العرب وسورية ومصر والمغرب والأندلس كل هذه الممالك دخلت في حوزتهم وأصبحت خاضعة لسلطانهم، وضبط مثل هذا الملك المترامي الأطراف مع
стр. 2732
صعوبة المسالك والمواصلات لذلك العهد متعذر جداً ولاسيما على أمة حديثة عهد في سياسة الأمم، ولذا فقد كانت الفتنة في طرف من أطراف المملكة بين الجنود والأمراء المتنازعين على الولاية وتنتهي بقتل وال وقيام غيره وربما انتهت بغلبة المشاغب أو المتنازع وضم البلاد إلى حوزته واستقلاله بالولاية عليها دونه وفصلها عن جسم الدولة والخليفة لا يعلم ذلك أو لا تصل قدرته إلى إخماد نار الفتنة في تلك البلاد النائية.
مثاله ما وقع في المغرب في خلافة الوليد بن يزيد سنة سبع وعشرين ومائة إذ تنازع عبد الرحمن بن حبيب من ولد عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا مع حنظلة بن صفوان وإلى إفريقيا فكانت الغلبة للأول واستأثر بالسلطة على البلاد وبقيت إفريقيا مستقلة عن الخلافة الأموية حتى قيام الدولة العباسية.
ومثل هذا وقع في الأندلس وفي بعض الأطراف السحيقة ولا يخفى ما في هذا من الوهن والخطر على المملكة.
ثم إن من الامور الثابتة في الاجتماع أن الدول الحربية الفاتحة لا تزال في أفق مجدها ما دامت على جانب الخشونة وما دام الراعي والراعية مترفعين عن الانغماس في الترف والاستغراق في ملاذ الحضارة، وقد عرفنا هذا في كثير من الدول البائدة كدولة اليونان وخلفاء داراً والاسكندر (أي البطالسة) والرومان حتى لقد قال مونتسكيو في تاريخه أسباب صعود الرومان وهبوطهم: إن دخول الرومانيين إلى الشام كان مبدأ ضعفهم بسبب ما كان متسلطاً على أهلها وملوكها من الرخاوة والترف.
والدولة الأموية إنما هلكت في نفس تلك البيئة التي هلك بها الرومان من قبل وبعد أن حافظت على خشونتها الأولى إلى خلافة هشام بدأت في خلافة الوليد بن يزيد المعروف بالتهتك تنحط عن خشونتها التي عرفت بها وأخذ الخلفاء من ثم يميلون إلى الترف والراحة والاستغراق في الملاذ تبعاً لأحوال البيئة التي نشأوا فيها وهذا بالضرورة كان من الأسباب التي عجلت على دولتهم يضاف إليه انقسام العرب في خراسان التي هي منبع الدعوة العلوية والعباسية إلى مضرية ويمانية وتنازع رؤسائهم على الولاية في إبان استفحال الدعوة.
مثاله ما وقع بين الحارث بن سريج والكرماني وبين هذا وقحطبة وبينهما وبين نصر ابن
стр. 2733
سيار حتى ملت نفوس العرب هذه الحال وسئمت ممارسة الحرب ورأوا أنفسهم اتباع ضحايا لقحطان وعدنان تزهق في سبيل المتنازعين على الخلافة من قريش حتى قال قائلهم:
تولت قريش لذة العيش واتقت=بنا كل فج من خراسان اغبرا
فليت قريشاً أصبحوا ذات ليلة=يعومون في لج من البحر أحضرا
لا جرم أن الذي بث روح الشقاق بين العرب في خراسان إنما هم أهل الدعوة الهاشمية ٣ من علويين وعباسيين والذي أنجح قصد أبي مسلم في نشر الدعوة العباسية وقلب الدولة الأموية تواطؤ سكان البلاد الأصليين على قهر الأمويين وفل عصبيتهم العربية وقد عرف ابراهيم الإمام منازع الفرس وعلم أن دولته تقوم بغير العرب من الناقمين منهم وأن العرب شديدو العصبة للأمويين لاصطباغهم بالصبغة العربية الخالصة فكتب فيما كتب إلى أبي مسلم أن لا يبقي على عربي في خراسان أن استطاع فجعل رجال الدعوة يضربون العرب بعضهم ببعض لأن قسماً كبيراً منهم ممن نقم من الأمويين قبل الدعوة وصار من القائمين بها العاملين على تشييد دعائمها تعبداً واعتقاداً.
هكذا أثمر الغرس الديني الذي غرسه قبل ذلك بقرن ابن سبأ وإضرابه من الموالي الناقمين من الدولة السائدة واستحال على العرب في المشرق استبقاء السلطة خالصة لهم دون الأمم الأخرى المحكومة منهم وقد جرت سنة الوجود هذا المجرى في كثير من الأمم من قبل.
قال مونتسكيو: اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون للمالك حدود طبيعية تمسك باعنة الملوك عن تجاوز هذه الحدود وتعدي بعضهم على بعض ولما تجاوز هذه الحدود الرومانيون أهلكهم البرث أي قدماء الفرس وبددوا شملهم ولما تجاوزها البرث أنفسهم اضطروا لأول أمرهم للرجوع إلى أراضيهم.
وأقول أن العرب أصيبوا بما أصيب به الرومان والبرث وطبائع الاجتماع تعذر أولئك الأقوام على ما فعلوه مع العرب وحسب العرب أن نشروا بينهم دين الإسلام فلا مؤاخذة ولا ملام ولاسيما أن الإسلام يرمي بطبيعته إلى محو الحدود السياسية والجنسية بين الشعوب كما ترمي إلى مثل هذا مبادئ جماعات السوسيا لست أو الاشتراكيين أو الاجتماعيين لهذا العهد.
стр. 2734
ورب قائل يقول أن هذا الانقلاب أي انقلاب الدولة الأموية إلى عباسية لم تكن نتيجته كلها كما يريد أولئك الأقوام المغلوبون للعرب إذ دولة الأمويين عربية قرشية ودولة العباسيين ليست كذلك.
الجواب على هذا يأتي من وجهين، الوجه الأول، إن أمم المشرق لذلك العهد قلما كانت تقدر قيمة الحرية الكاملة لفنائها في وجود زعماء الاجتماع الشرقي أو كما قال مونتسكيو أن أمم آسيا لم يكن ميلهم إلى الحرية كميل أمم أوروبا إليها اليوم أي لعهده ٤ ليحملهم على الخروج من الأسر والاستعباد وإنما كان ميلهم إلى تغيير الملك ولا صبر لهم على بقائه طويلاً.
وسواء صحت هذه النظرية أو لم تصح فإنه يجوز لنا تطبيقها على الأمم التي دخلت تحت حكم العرب لذلك العهد باعتبار أن الإسلام جمع بينهم جميعاً فلا فرق عند الفرس وغيرهم أن يكون الخليفة أو الملك عربياً أو غير عربي ما دام الملك آئلاً إلى غير الدولة التي نقموا منها وما دام مصير أكثر السلطة إليهم بعد فل حد العصبية العربية التي كان قائمة في دولة الأمويين متسلطة بقوتها على كل شيء.
وقد كان ما أرادوه بقيام الدولة العباسية التي لم يكن لها من العربية إلا الاسم وهي مصطبغة بالصبغة الأعجمية مشتبكة مع العناصر الأخرى بالنسب والصهر مشاركة لهم بمصالح الدولة.
هذا الوجه الأول أما الوجه الثاني فانتظار النتيجة الطبيعية لمثل هذا الانقلاب ولوفي المستقبل البعيد وتلك النتيجة هي أن اصطباغ الدولة أو الأمة السائدة بصبغة أهل البلاد يحيلها مع الزمن إلى عنصر هذه الصبغة والعكس بالعكس إذ من الشعوب من اصطبغوا بصبغة العرب بعد الفتح فاندمجوا فيهم ومن الشعوب من اصطبغ العرب بصبغتهم فاندمج هؤلاء فيهم وهذا ما وقع لسكان آسيا الوسطى بعد قيام الدولة العباسية ثم سقوطها وقيام غيرها من الحكومات الوطنية على أنقاضها وهكذا رأينا دولة الفرس وغيرها من الدول الإسلامية ديناً المختلفة جنساً قد عادت إلى أصلها وهي قائمة إلى الآن وستبقى قائمة عزيزة الجانب منيعة الجناب إلى الأبد إن شاء الله.
وهكذا نرى الخلافة الإسلامية التي من أجلها أو باسمها تلك الدماء الغزيرة صارت إلى غير
стр. 2735
العرب اليوم وفي دولة هي أعز دول الإسلام مكاناً وأجدرها بحفظ بيضة الخلافة ولم يمنع الذين أن تكون أن تكون إليها الخلافة كما لم يمنع أن تكون فيمن يقع عليه اختيار الأمة ورضاها في عهد الصحابة الكرام ولو من غير بني هاشم والتاريخ يعيد نفسه.
أما ما يقوله بعض المؤرخين من ظلم الدولة الأموية ويعزى إليه دمارها فمبالغ فيه وما كان منه صحيحاً فهو في نظري ثانوي بالنسبة للأسباب التي ذكرتها وتكاد تكون نتائجها طبيعية وليس من دولة في الأرض قائمة بالعدل المحض حتى الدول المقيدة ناهيك بالمطلقة.
ومن قال أن دولة الأمويين كانت ظالمة وأن ظلمها هو الذي جر عليها الدمار فجاهل بأحوال الاجتماع أو متعصب لدولة أخرى ولو طولب بالدليل على أن الدول التي قامت دولة الأمويين على أنقاضها كالفرس والروم والغوط وغيرهم كانت أعدل منها لما استطاع إليه سبيلاً.
والحقيقة أن الخلفاء الأمويين كانوا أشداء على خصومهم دون سائر الناس وكانوا في منزلة من العناية بالرعية والاهتمام بالعدل بين الناس فوق منزلة كثير من الحكومات المطلقة وحسبك أن أشدهم قسوة وهو عبد الملك بن مروان استهل وصيته لابنه الوليد حين الاحتضار بقوله: يا وليد اتق الله فيمن أخلفك فيهم، والشواهد على مثل هذا كثيرة لا يسعها المقام وحسب تلك الدولة فضلاً فتوحها العظيمة التي سودت دين العرب ولسانهم على أحسن أجزاء المعمور إلى اليوم وتلك الأيام تداولها بين الناس.
التماسيح المقدسة
اعتاد بعض الآسيويين أن يعبدوا بعض الحيوانات المفترسة معتقدين أنها تحفظ في جسمها أرواح من افترست، وما زال هذا المعتقد شائعاً في الهند وفي شبه جزيرة مالقه، والزحافات في الأكثر هي التي تعبد من دون سائر الحيوانات ولاسيما إذا كانت طويلة كالتماسيح المقدسة التي تعيش في الأقاليم ذات البطائح ولكثرة اختلاف الناس إلى زيارتها تأنس بهم وتعتاد الخروج من الماء إذا ناداها الكاهن بدون أن تذعر فيناولها قطعة من اللحم وتبدي الدلال والتجني والناس مجتمعون عليها وربما رسموا عليها صوراً ورسوماً، وعند قيل راجبوتانا في الهند عدة تماسيح مقدسة يربيها في قصره وقد أنشأ لها غديراً كبيراً تشرب منه وتتمدد فيه ومئات من الهنود يأتون إلى زيارتها كل يوم ويتبركون بها.
следующие страницы →