Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
بين التقدم والمقتطف والبيان والضياء والمشرق وبذلك أخذ من يعانون صناعة القلم يتأنون قليلاً فيما يكتبونه وأخذت تخف أغلاط الكاتبين والشاعرين وتسلم عبارة التأليف كلما نقل الناقلون عن اللغات الإفرنجية ونحا المؤلفون مناحي قدماء الكتاب في ترك التكلف والتعسف حتى صح لنا أن نقول اليوم أن أسلوب الكتابة العربية لا ينقص عن اللغات الإفرنجية الراقية بإيجازه واندماجه وتقطيعه وفيه بلاغة قدماء المنشئين وسلاسة المعاصرين وأفكارهم.
نعم عادت للغة العربية ولا سيما في الثلاثين سنة الأخيرة نضرتها الأولى في القرن الرابع والخامس والسادس للهجرة وخلصنا من ذاك السجع المتكلف الذي أتانا به العماد الكاتب الأصفهاني من فارس - وفارس مورد بدع كثيرة في الإسلام منها الزندقة والزنادقة ثم الباطنية ومنها الموسيقى والعود المطرب_ونقله إلى العربية فأجاد في أكثره إلا أن من جاؤا بعده قد أفسدوا علينا لغتنا لأنهم لم يتقنوه.
وإني لا أزال أذكر ما كنت أكثر من مطالعته واستظهاره أيام ولوعي بالأدب من مقامات الحريري ورسائل الخوارزمي ورسائل الصابي وتاريخ اليميني للعتبي ومقامات الزمخشري ومقامات الأصفهاني وقلائد العقيان وذيله مطمح الأنفس للفتح بن خاقان وخطب أبن نباته وفاكهة الخلفاء لأبن عربشاه وخزانة الأدب لأبن حجة والريحانة للخفاجي وغيرها من الكتب التي كنت أطرب لتلاوتها ولا أكاد أفارقها في خلوتي وجلوتي. ولما كتب لي الإطلاع على الآداب الفرنسوية والتركية وأنشأت أبحث عن كتب كتبت بلا تكلف وتعمل ككتابات الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وسهل بن هرون وأبي حيان التوحيدي وابن مسكويه والراغب الأصفهاني والغزالي والماوردي والطبري والمسعودي والصاحب وأبن العميد وأبن خلدون وأبن الخطيب وغيرهم من جهابذة المنشئين غدوت أعجب من نفسي كيف أضاعت وقتها في تلقف تلك الأسفار المسجعة وفي اللغة مثل نهج البلاغة والبيان والتبيين والذريعة والإحياء وغيرها مما لا يتسع المجال لتعداده وهو في الحقيقة ونفس الأمر مادة أدب كما هو مادة عليم لا تبلى على الدهر جدتها ولا تخلق ديباجتها كما كنت أعجب من إقبالي أيام الطلب على تلاوة شعر أبن النبيه وأبن معتوق والصفي الحلي وأبن منجك وأبن مليك والجندي من شعراء المتأخرين وعند العرب من أهل هذا الشأن
стр. 2802
أمثال أبي الطيب وأبي عبادة وأبي نواس والشريف الرضي وأبن حمديس وأبي فراس الحمداني.
يرجع الفضل الأكبر في انتشار دواوين الأدب والتاريخ واللغة من كتبنا لعلماء المشارقة من الغربيين أمثال دوزي ودساسي ووستنفيلد وعشرات غيرهم من أهل أوربا ولبعض ما نشره اليسوعيون في مطبعتهم المتقنة في بيروت وما نشرته الجمعيات الكثيرة التي أُلفت في أوقات مختلفة في مصر لإحياء الكتب العربية وآخرها تلك الجمعية التي طبعت لنا المخصص لأبن سيده وأحسن كتاب عني بطبعه في شرقنا ولما طبعته المطبعة الأميرية ومطبعة الجوائب ومطابع الجرائد في مصر والشام وتونس. كل هذه الأعمال أعانت العربية على تحسين آدابها وترقيتها. ولا ننسى غيرة أولئك الذين نسجوا في منظومهم ومنثورهم على مناحي الأوروبيين من حيث قلة الكلفة ومجاراة الطبع ومحاكاة الطبيعة ووصف عواطف النفس بإيجاز وإعجاز وأولئك الذين وقفوا أنفسهم منذ عشرات من السنين يعربون لنا كل يوم في جرائدهم ومجلاتهم أفكار الغربيين في سياستهم وعلومهم واجتماعهم فكوَّنوا مجتمعنا الأدبي على ما ترونه وجددوا للغة شبابها بحيث أمنا بفضلهم عليها من العفاء وأصبحنا نرجو لها دوام النماء والارتقاء.
أنا لا أقدم لكم مثالاً من أمثلة ارتقاء لغتنا أكثر من أن أحيلكم على مراجعة مجموعة من جرائدنا العربية قبل ثلاثين سنة مثل الجنان والجنة في سورية والفلاح والمحروسة في مصر وأن ترجعوا إلى كتابة الدواوين في مصر في منتصف القرن الماضي مثلاً وترجعوا إليها اليوم وإن كانت إلى الآن عشيقة الركاكة بعض الشيء. قابلوا المنشورات التي تصدر اليوم في الوقائع الرسمية في مصر وما كان يصدر من أمثالها منذ مئة سنة مما أورد الجبرتي في تاريخه نموذجاً صالحاً منه بنصه وفصه. عارضوا بين لغة القضاء اليوم وما تفيض به ألسن المحامين وأقلامهم في مصر من التفنن في أساليب الدفاع والتأثير الخطابي وبين ما كان للغة من نوعها مما ذكر صاحب كتاب المحاماة طرفاً صالحاً منه يتجلى لكم كيف ارتقت لغة القضاء. استمعوا للخطباء اليوم ممن درسوا الدروس النظامية وتشبعوا بالعلوم العصرية وقابلوها بأكثر ما يحفظه خطباء الجوامع أو يقرأونه من السجعات في دواوين الخطب القديمة. تدبروا لغة التمثيل اليوم وإن كنا فيه دون سائر فروع الآداب
стр. 2803
تأخراً واسألوا كيف كانت منذ البدء حليفة الضعف والسماجة. اقرأوا المحاضرات التي تتلى اليوم في نادي المدارس العليا ونادي دار العلوم في مصر الخالية من التعقيد والغلط الحالية بالرشاقة والبيان وقابلوها بالخطب التي كانت تتلى زمن الثورة العرابية وبعدها مثلاً تدركون كيف وفقنا الله إلى قيام بناء آدابنا على هذا الأسلوب الرائق والإبداع في الأداء والإلقاء.
أليس مما يعد من نهوض اللغة ما نراه من أحكام ملكتها في طلبة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي فقد رأينا طلبة أحداثاً تخرجوا من دار العلوم فكانوا والله أعرف بالعربية وفنونها من أكثر من اشتهروا في قرون الانحطاط الأخير على غير حق أما من تمحض منهم للتدريس والنفع فهم مفخر من مفاخر العربية في هذا العصر استحكمت فيهم ملكة البيان استحكامها من العرب العرباء وأحاطوا بعلوم الوقت إحاطة نبهاء الغربيين.
وإليكم أيضاً مثالاً صغيراً أذكره لكم على ما أتت به بعض مدارس مصر في حياة اللغة فقد شاهدت في وادي النيل بعض العمد ممن لم يدرسوا غير الدروس الثانوية يكتبون كتابة صحيحة في الجملة تسقط فيها على روح البيان والتلطف في التعبير مما لا تتلوه في عسلطات المحشين والمهمشين والشارحين من الفقهاء والنحويين المتأخرين وما ذلك إلا بفضل المدارس المنظمة وما تلقيه الجرائد على مسامع الناس وأنظارهم كل يوم من فصح العربية وشواردها وتتفنن فيه من أساليب التعليم. نعم إن مطالعة الجرائد والمجلات أعانت على انتشار الآداب وأدخلت الغيرة على التعلم في نفوس أرباب الاستعداد.
ولذا رأينا البلاد العربية التي لم تنشأ فيها مدارس لتعليم العربية على الأصول الحديثة ولم يولع أهلها بمطالعة الجرائد لقلة انتشارها بينهم ما زال أهلها إلى اليوم يكتبون لغة سقيمة ويتكلمون بلغة سقيمة ومن هذه البلاد مرَّاكش فإن مدينة فاس منذ القديم ما خلت من أفراد يعانون الآداب على الأصول القديمة ولكنهم في الحملة خير من أهل الجزائر الذين لا تكاد تجد فيهم فرداً يعد في الطبقة الثانية في كتابنا فيما علمت وما ذلك إلا لأن اللغة العربية لم تقم لها في بلاد الجزائر في دور من الأدوار سوق نافقة ولأن حكومتها تحاول منذ القديم أن تجعل أهلها فرنسيساً في لغتهم وأفكارهم ومنازعهم.
ولئن ضعفت في تونس تلك الروح الشريفة التي بثها فيها خير الدين باشا التونسي وأشياعه
стр. 2804
فإن الآمال قويت الآن بارتقاء ملكة العربية لانتباه التوانسة الأذكياء من الخلدونيين وغيرهم. أما طرابلس الغرب وبرقة الصحراء والسودان فهي من أخوات الجزائر في ضعف ملكة البيان وقلة الجرائد فيها بل عدمها ولكن هناك في صحراء مراكش بلد غريب في تلقف ملكة العربية وأعني به شنقيط بلد الشيخ محمد محمود الشنقيطي الحافظ المشهور في عصرنا. وطريقة أهلها طريقة الأقدمين في التلقي والاستظهار وقد شوهدت في شنقيط بعض البنات الشنقيطيات إلى اليوم يحفظن كامل المبرد مع الفهم وأظن من يحسن فهم هذا الكتاب قلائل حتى في شيوخ الأزهر.
أما سورية فقد كاد ينحصر الفضل في إحياء ملكة العربية الجديدة ببعض المدن وبقيت الأخرى غريبة عن تلك الحركة مثل فلسطين وبلاد حلب وداخلية ولاية سورية ومثلها الحجاز واليمن ونجد وحضرموت ومسقط وعمان وزنجبار والجزيرة والعراق إلا أن ذلك لم يحل دون نبوغ بعض أفراد شاركوا أتم المشاركة في حياة العربية ونعني بهم بعض أولئك العراقيين النوابغ الذين ألفوا وكتبوا ولم يعقهم الحجز على الأفكار الذي دام في البلاد العثمانية إلى يوم ٢٣ تموز ١٩٠٨ ولذلك لا نغالي إذا قلنا أن ثلاثة أرباع ما تم للعربية من الارتقاء في القرن الأخير يرجع الفضل فيه لمصر والربع الآخر يوزع على سورية والعراق وتونس. ومن الأسف أننا لا نزال نرى بعض الجرائد في الولايات العربية تصدر باللغتين التركية والعربية ولكن القسم العربي منها يكاد يكون أشبه بالمالطية والكرشونية منه بالعربية الحجازية فتسقط فيها من الأغلاط في التركيب والتأليف والألفاظ والوضع وما تسأل الله معه السلامة وأقلُّ من ذلك غلطاً تلك الجرائد التي صدرت مؤخراً في طرابلس الغرب وبعض مدن سورية الصغرى وبغداد والبصرة والموصل وأحسن منها جرائد مهاجري سورية في أميركا الشمالية والجنوبية وهي لا تقل عن ثلاثين جريدة وفيها الجيد والرشيق. ومع هذا فإن الآمال قويت بأن لا ينتصف هذا القرن الرابع عشر للهجرة إلا وتكون ملكة الآداب عمت البلاد التي ينطق فيها بالضاد بل بالصاد والحاء والخاء والعين والغين والثاء والذال والظاء ورقيت لغتنا بمساعي المنورين من أبنائها أمثالكم درجة عالية خصوصاً في البلاد التي كانت كعبة هذه اللغة ومنبعث أنوارها وأريد بها الحجاز واليمن ونجداً فإن فيها بقايا من أرباب الذكاء النادر إلى الآن من لو تمرنوا على العمل إذا تهيأت
стр. 2805
لهم الأسباب لأتى على أيديهم خير كثير للأمة ولا يرجى ذلك إلا متى انقطعت شأفة الفتن من تلك الأقطار وأمن الناس على أموالهم وأرواحهم ليتفرغوا أو أفراد للدرس والإستنارة.
هذا ما أحضرني في موضوع نهضة العربية الأخيرة ألقيته في هذه المحاضرة وربما خرجت عن البحث بعض الشيء وساحة عفوكم تسعني وأنتم تعلمون أني على أوفاز استودعكم الله والسلام عليكم.
стр. 2806
طريقة التعليم
كان من أول الإصلاح في أوربا أواخر القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة لما شرعت الأمم الراقية فيها تدرس العلوم المادية والأدبية أن أتت على طريقة التعليم تصلحها بما يقتضيه حال الزمن والتجارب فتم لها في أوائل القرن الماضي تنظيم مدارسها على النحو الذي نراها عليه اليوم وأصبحت يدخلها الطالب فيتعلم في بضع سنين لغو أو لغتين أو ثلاثاً معها إلى ما يتحتم عليه معرفته من العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية فيخرج الطالب بعد هذه الدروس النظامية الأولية ملماً بفروع كثيرة بل بأمهات العلوم وأصولها المقررة لإعداد العقول للتفكير والأنامل للكتابة والألسن للنطق والأجسام للحركة وهذه الدروس التي يسمونها دروس الموضوعات (الأنكلوبيذية) يمر فيها الطالب على كثير من المطالب تغنيه إذا أراد الاقتصار عليها والانصراف إلى أكثر الأعمال التجارية والصناعية والزراعية والعلمية. وإذا سمحت به همته إلى الإخصاء في علم واحد من العلوم التي ذاقها في الجملة يتمحض لها ويدخل مدارسها الخاصة كمدارس الزراعة والتجارة والمعادن والميكانيكيات والأدب والطب والهندسة والقضاء والجندية واللغات والفلسفة واللاهوت والاجتماع وعن ذلك من أصناف العلوم التي جعل لكل فرع منها مدرسة خاصة أوصف خاص يدرس فيها من تصح عزيمته على الامتياز في فروعها ليكون فيها مرجعاً ويبرز على أقرانه فينفع وينتفع.
ولولا إصلاح طريقة التعليم والإلقاء لم يتيسر للشاب أن يدرس في سنين قليلة مثل هذه الدروس الكلية ولكن أصول الكتب التي أُلفت بحسب سني الطلب وسن الطالب وطريقة الإلقاء الشفهي والإملاء الكتابي هي التي تفتح ذهن الطالب وتحبب إليه الدرس والبحث منذ الصغر فلا يتناول من العلم إلا بقدر معلوم ولكنه يتناول اللباب ويطرح القشور ويقرأ المختصرات إبان دراسته كليات العلوم فإذا شب يتناول المطولات فتكون منه على طرف الثمام.
فيمثل هذا التنظيم في التعليم ثم الإخصاء في فرع أو فرع نبغ في الغرب رجال في علوم البشر لأشبه بينهم وبين رجالنا في سعة المدارك وبعد الهمم والعلم الواسع وبتربية بنيه على هذا الأسلوب نبغ في القرون الأخيرة فرادليس في رجالنا من يضاهيهم أو يبلغ علمه ربع علومهم أمثال ديكارت وكونت وكانت وياكون سبينوزا ويبنترلا وأمرسون ونيوتن
стр. 2807
وهاكسلي وسبنسر وكيتي وشيلر وروسو وفولتير ومئات يتعذر الآن إحصائهم.
هذه المدارس وطرق تدريسها هي التي حرم منها الشرق إلا قليلاً ولا يرجى تأسيسها على ما يجب في البلاد المصرية والعثمانية إلا بعد أن تكون المائة والخمسون طالباً الذين تبعث بهم نظارات الحكومة العثمانية إلى كليات أوربا قد أنجزوا الفروع التي يتمحضون لها ويعود أولئك الذين أرسلتهم الجامعة المصرية للأخصاء في فروعه منوعة من العلم يدرسون في الجامعة بالعربية فيتخرج بهم أرباب الرغبات في العلم كما يتخرج الآن في السلطنة العثمانية أناس كثيرون بالرجال الذين درسوا الفنون العسكرية والطبية في ألمانيا أو يتخرج المصريون بالأساتذة القلائل الذين تعلموا في كليات انكلترا وفرنسا وألمانيا على نفقة نظارة المعارف المصرية.
متى كثر عدد المتعلمين على الطريقة الحديثة وأصبح الأستاذ لا يجلس في حلقة تدريسه وعلى منبر إلقائه إلا إذا كان أفنى شطراً من حياته بالقعود على دكات تلك المدارس الراقية وأسهر الجفن في الليالي وراء المناضد وتخرج بأعظم أساتذتها الأعلام هنالك قل للعثمانيين والمصريين أنكم بلغتم درجات الأمم الحية فجديرون وأنتم ما أنتم أن يهابكم العدو ويحترمكم الصديق. وأي سلاح أمضى من العلم الصحيح والآداب الرافعة وأي عاقل يبجل غير الحري بالتجلة والإكرام ممن امتاز بصفات الرجولية الحقيقية.
لا جرم أن إصلاح التعليم على الأسلوب الجديد وتدريس علوم الدنيا به ينفع إذ ذاك في إحياء العلوم الدينية أيضاً لأن الارتقاء سلسلة لا يتيسر أن يكون بعضها عاطلاً وبعضها حالياً بل هو كالبناء لا يكون صحيحاً إذا تداعى منه جانب.
متى حسنت طريقة التعليم لا يقضي طالب العلم الديني بضع سنين مثلاً في تعلم بعض العلوم الآلية ليحسن مطالعة عبارة معربة فيغوص كما هو الحال في الروم ايلي والأناضول والشام سنين كثيرة في بحر البناء والمقصود العزي والمراح والعوامل والإظهار والكافية والشافية والسمرقندية والمختصر والسنوسية والأيساغوجي وغيرها من كتب النحو والصرف والبيان والمنطق ثم لا يتلو شيئاً من العلوم التي يقصد تعلمها كالتفسير والحديث والفقه والكلام والحكمة. وذلك كما يغوص طالب العلم في الأزهر في قراءة الأجرومية والكفراوي والأزهرية وأبن عقيل والخضري والصبان وغيره من كتب النحو المطولة
стр. 2808
والمختصرة ينتقل من واحد إلى آخر حتى يفرغ صبره ولو قرأ أحد هذه الكتب المطولة قليلاً كابن عقيل وشرحه مثلاً لأغنته عن هذا التطويل الذي يضيع به وقته ويتبلد ذهنه وتفوته الغاية المقصودة من الطلب واللغة آلة لا غاية. ولكن عقم طريقة التعليم قضى أن لا يتعلم طلبة الجوامع والمدارس سواء كان في الديار المصرية والبلاد العثمانية إلا هذه القوانين والقواعد ويحرموا من تطبيق النظر على العمل.
وليت شعري أليس من فساد طريقة تعليم المشايخ أن لا يعلم الطالب منهم كتاباً أو شذرة من علم الأدب واللغة ليتفهم أثناء دراسته النحو والصرف والبيان معاني الكلام الفصيح ويطبق النحو والصرف والبيان والمنطق على العمل ثم يتأتى له تأليف جملة صحيحة عربية وكيف يتأتى للمرء إتقان لغة دون أن يطلع على كلام أهلها وكيف يؤلف الكلام من لا يفهمه وهل اللغة الإسماع من أصحابها والجري على مناحي بلغائها وما نظن الغزالي وابن رشد وابن سينا وابن الطفيل وابن زهر وأبا حيان وابن جرير الطبري والماوردي ومئات غيرهم في الإسلام كانوا يعرفون فروع النحو ودقائقه مثل ابن الحاجب وابن عقيل والبركوي والصبان وإضرابهم من أئمته ومع هذا انتفعت الأمة بكتب أولئك الفلاسفة والعلماء انتفاعاً يبقى أثره على الدهر ولم تعهد لهم غلطة شائنة ولا أسلوب ركيك.
لا يتيسر إتقان لغة من لغات العالم كلها إلا بالسماع من أفواه أهلها وسلوك الطريقة العلمية في اقتباسها فلو أتقن الطالب جميع قواعد النحو والصرف والبيان والمنطق كما هو الحال الآن في هذا الصنف من المتعلمين ولم ينظر في تحليل الكلام العربي واستظهار القدر اللازم من منثوره ومنظومه ولم يتدبر معاني الكتاب ولا أخذ بقسط من الحديث وغيره ما استطاع الطالب أن يفهم روح اللغة العربية على أصولها ومن لم يفهم اللغة كان حرياً بأن لا يفهم أسرار الشريعة على ما يجب.
إن المدارس الغير نظامية كالأزهر والفاتح صدت الناس عن الطلب لما اعترضهم دونه من العقبات بالطريقة العقيمة المتبعة معهم وأي طريقة أفسد من أن يظل الشيخ يشرح للطالب المبتدئ في أول يوم يشرع فيه بتعلم النحو كيفية إعراب البسملة ووجوه قراءتها على حين يكون الطالب غفلاً لا يعرف الجار من المجرور ولا المرفوع من المنصوب ولا الصفة من الموصوف وهكذا يبقى الشيخ يضيع وقته ووقت الطالب على غير جدوى وقد رأيت من
стр. 2809
المشايخ من قرأوا العوامل في سنة والعوامل مثل فهرس لأبواب النحو لا يبلغ ثلاث ورقات إلا أن المدرس أوسعها شرحاً وتحشية وتهميشاً حتى صارت كتاب نحو مطول هيهات أن يستوعبه عقل طالب.
ولذا كان من خير ما تم من الإصلاح في الأزهر على عهده الأخير الاستغناء ما أمكن عن الشروح والحواشي. ولعل المشيخة الإسلامية تنظر لطريقة تعليم طلبة الجوامع بما يقوم أودها فتقضي على طلبة العلوم الدينية أن يمتحنوا امتحاناً عملياً لا نظرياً ممزوجاً بشيء من العلوم العصرية كما هو حال مدرستي دار العلوم ولقضاء الشرعي. وتسير على هذا المنهج إدارة الأزهر الشريف فيعود إليه سالف مجده ويخرج في السنين القليلة طلاباً درسوا علوماً كثيرة تنفعهم في جهاد الحياة.
стр. 2810
سير العلم والاجتماع
الأرض وما تخرجه
تبلغ مساحة الحقول المزروعة بأيدي البشر ٥٣٧ مليون هكتولتر أي واحد من خمسة وعشرين جزءاً من أراضي القارات الخمس وثلث أراضي أوربا مزروع وواحد في كل ١٢١ هكتاراً من كندا ويبلغ ما في الأرض من الحيوانات ذوات القرون ٢٨٠ مليون رأس و٤١٣ مليون خروف و١٢٧ مليون خنزير و٧٠ مليون حصان. ومملكة هولاندة أخصب بلاد العالم يعطي كل هكتار من أرضها ١٢٣٥ لتراً من الحنطة في حين يعطي الهكتار في فرنسا ٧٢٠ وهي معدودة أرقى بلاد أوربا بزراعتها ويخرج من الولايات المتحدة ٢٣٤ مليون دجاجة.
الدواب والأثقال
أفضل ما اهتدى إليه الإنسان استعمال الخيل كانت العول عليها في التنقل قبل الدراجات والسيارات والمناطيد. ومن أقطار العالم ما لا تستعمل فيه الخيول لأنها غالية الثمن أو لا تحتمل مناخ الإقليم الموجودة فيه أو لأن الطرق غير معبدة أو لأن الأحمال التي يراد نقلها عليها غير متناسبة مع قواها فاستعاض سكانها بغيرها من الحيوانات ففي الهند وبعض بلاد الشرق الأقصى يعمدون إلى استعمال الفيلة لا لقلع الأشجار بل لحملها إلى الأماكن البعيدة وأن مخالب الفيلة في برمانيا وسيام على صغرها وقوتها لتكفي لقلع أضخم الأشجار من جذوعها ولما كانت مخالب الفيلة في سيلان وسومطرة ضعيفة أكتفوا منها بأن استخدموها بدل البنائين فعهدوا إليها بنقل الأحجار الضخمة ووضع بعضها فوق بعض كما توضع سائر مواد البناء.
وفي الترنسفال تجر ثماني أو عشر أو ثنتا عشرة بقرة مركبة بسرعة مهمة وفي جزائر الأرخبيل يربطون البقر توصلهم وأثقالهم إلى الحقول حتى إذا بلغوها استعملوها فيما تستعمل فيه الخيول. وفي برمانيا جنس من الجاموس معد للسباق وهو مطلوب بقدر ما تطلب خيول السباق في أميركا. ويستعملون في جهات القطب الشمالي الوعل والكلب بدل الخيول والوعل هو خيل بلاد لابون يقطع ١٥٠ كيلومتراً في اليوم وهو مربوط إلى مركبة متسعة والكلب فيما وراء ذاك الإقليم أي أصقاع القطب بمثابة الدواب التي تجر الأثقال
стр. 2811
وهو مستعمل في شركة نهر الهدسون بأميركا كما يستعمل القرد المعروف بالأسكيمو. والكلاب هنا قد تقطع ١٥٠٠ كيلومتر بدون أن تستريح طويلاً ومن الغريب أنهم لا يطعمونها بل هي التي تمتان لنفسها إذ يصعب حمل مؤنتها في جملة ما يراد حمله في المركبات التي تجرها ولذلك كثيراً ما يحدث أن تفترس الكلاب بعضها بعضاً لقلة الغذاء فلا تصل المركبة إلى المكان المقصود إلا بزوجين أو بأربعة من الكلاب في الأكثر. والجمل كما هو المعلوم في افريقية وآسيا هو الذي يحمل الأثقال.
وفي كثير من البلاد يستعمل الإنسان بدل الحيوان لنقل الأثقال ولا تزال المحارات والدراجات التي تسير من نفسها في بلاد أنام وقد انتقلت إليها من اليابان وهي عندهم دخيلة أدخلها منذ أربعين سنة أحد المرسلين الأميركان لينتفع بجرها محاويج الأهلين ولكنها أشاعت عندهم شيوعاً هائلاً حتى أنك تجد في طوكيو وحدها عشرة آلاف عربة من هذا النوع تقطع عشرة كيلومترات في الساعة ولا تزال هذه المركبات التي يجرها البشر شائعة في أنام وسيلان والهند وجنوبي افريقية على الرغم من انتشار السكك الحديدية والتراموايات والدراجات والسيارات. والمركبات المستعملة في المكسيك هي من نوع ما كان يستعمل في المحارات لنقل الملوك في أوربا وثمن البغل في الحبشة ضعفاً أو ثلاثة أضعاف ثمن الحصان ولذلك يؤثرون استعماله للإكرام ومن يريدون إكرامه ليحظى بحضور نجاشي الحبشان يركبونه على البغل ويركبون الخدم على الخيول. واشتهرت حمير القاهرة حتى احرزت قصب السبق في بعض المعارض. وفي بعض المدن الكبرى من فرنسا يستعملون مركبات يقطرونها إلى العنز يستخدمونها لتنزيه الأولاد في الحدائق العمومية كما يقطر النعام في افريقية الجنوبية وكليفورنيا إلى المركبات ليجرها. والبقر شائع في جر المركبات في كثير من الأصقاع الأوربية والآسياوية. وفي هولاندة والبلجيك وبعض الأقطارالشمالية من فرنسا يقطرون الكلاب بالمركبات وتجر عربات بائعي الحليب.
مدة النوم
كان الطب القديم يقضي بأن ينام الأطفال والشبان والشيوخ ست ساعات في الأربع والعشرين ساعة ويعد من ينام كثيراً من الكسالى ولكن علم الصحة الحديث قضى بأن تكون كمية النوم متناسبة مع ما يصرفه الإنسان من قواه فالشيخ الذي يتوجب عليه سنه أن لا
стр. 2812
يصرف كثيراً من قواه ينبغي له أن لا ينام كثيراً أيضاً ويقول المثل الإفرنجي إن أرق الشباب ونوم الشيوخ دليل الموت لا الحياة وكثيراً ما يصدق هذا القول. فسبع ساعات تكفي لمن يتعاطى الأعمال الصعبة منها ساعة في النهار وينتاب داء المفاصل والحميات المتقطعة العامل الذي ينام على الأرض معرضاً للهواء ولو كان في الشمس كما أن علة الصرع قد تعتري الشيوخ الذين ينامون بالقرب من النار بعد الطعام.
عدد البقر
في انكلترا ١١، ٤٥٥، ٠٠٠ رأس بقر وفي ألمانيا ١٩، ٠٠١، ٠٠ وفي فرنسا ١٣، ٥٥١، ٠٠٠ وفي روسيا ٣٧، ٤١٣، ٠٠٠ وفي النمسا والمجر ١٤، ٢٣٧، ٠٠٠ وفي إيطاليا ٥، ٠٠٠، ٠٠٠ وفي اسبانيا ٢، ٤٥٢، ٠٠٠ أما بلادنا فليس فيها إحصاءٌ مدقق للبشر فضلاً عن البقر.
طحين الشوندر
هو محصول جديد يستخرج من الشوندر الذي أصبح منذ مدة يستخرج منه للصناعة سكر والكحول وكان هذا الطحين يستعمل في ألمانيا ولكن لعلف الماشية فتوصل أحد الزراع البلجيكيين إلى الانتفاع به في المعجنات. وطحين الشوندر يحتوي على ٦٥ في المئة من السكر.
الكليات الفرنساوية
كان عدد أساتذة العلم في الخمس عشرة كلية في فرنسا سنة ١٩٠٩_٣٦٦ و ١٠٢ ناظر ومحاضر و١٤٨ ناظراً عاماً على الأعمال العلمية و٣٣٦ معيداً للدرس وطلب من الحكومة لرواتب الأساتذة ومن يتبعهم سنة ١٩١٠ مبلغ ١١، ٦٧٩، ٥٥٣ فرنكاً و ٢، ٢٢٩، ٨٢٧ فرنكاً لابتياع الأدوات وقد زادت ميزانية تلك الكليات زهاء ربع مليون فرنك.
عطايا كليات أميركا
كانت عطايا المحسنين لكليات أميركا في السنة الماضية كثيرة على العادة وأهمها لكلية يال ٤٧٥ ألف دولار ليؤسس فيها معمل طبيعي و٧٣ ألف ريال لتصرفها على تعليم بعض نوابغ المعوزين و٢٣٦ ألفاً لجامعة دورهام و٥٠ ألفاً لكلية ماك جيل في مونتريال و١٠٠
стр. 2813
ألف لكلية برنستون و٥٠٠ لكلية أوهيو و٢٣٠ ألفاً لكلية هارفرد وأعطت عقيلة ريد مبلغ مليوني دولار فقط لتأسيس مدرسة جامعة للفنون والعلم في بورتلاند من أقاليم أورغون.
عظمة بريطانيا
نشرت المجلة الوردية إحصاء في بلاد الإنكليز ومستعمراتهم وتجارتهم في العام الماضي جاء فيها أن مساحة بريطانيا العظمى ١٢١، ٣٩٠ ميلاً مربعاً وسكانها ٤٤، ٥٣٨، ٧١٨ ومساحة الهند الإنكليزية ١، ٧٦٦، ٥١٧ ميلاً يسكنها ٢٩٤، ٣١٧، ٠٨٢ ومساحة مستعمراتها الأخرى في آسيا ١٤١١٥٠ ميلاً يسكنها ٦، ٢١٨، ٠٠٦ ومساحة مستعمرات المحيط الكبير ٣، ١٩٠، ٣٦٠ ميلاً سكانها ٥، ٨٤٨، ٤١٣ ومساحة مستعمرات افريقية ٢، ٠٩٩، ٤٨٣ ميلاً سكانها ٣٤، ٦٠٥، ٣٠٥ ومساحة كندا ٣، ٧٤٥، ٥٧٤ ميلاً سكانها ٦، ١٥٣، ٧٨٩ ومساحة المستعمرات الأميركية الأخرى ٢٧٩، ١٢٣ ميلاً فيها ٢، ٣٣٦، ٩٥١ ومساحة أملاكه في أوربا ١١٧ سكانها ٢٢٨، ٦١٨ فيكون مجموع مساحة ما يخفق عليه العلم البريطاني في القارات الخمسة ١١، ٣٤٣، ٧٠٦ أميال مربعة و ٣٩٤، ٢٤٦، ٨٨٢ ساكناً أو نحو خمس العالم وواردات بلادها ١، ٠٥٣، ٢٦٥، ٩٩٥ ليرة إنكليزية وصادراتها ٩٦٨، ٣٤٤، ٥٦٢ ليرة أي بزيادة ثلاثين ملون ليرة في قسم الواردات وعشرة ملايين في قسم الصادرات بالنسبة للسنة السابقة وزادت خطوطها الحديدية حتى أصبحت في السنة الماضية ٢٣، ١٠٨ أميال في بريطانيا و ٢٩، ٩٣٦ في الهند و ٥٣، ١٩٩ في سائر المستعمرات.
الطب الصيني
قال أحد أطباء الغرب في يونان من بلاد الصين أن ما يقال في شهرة طب الصين مبالغ فيه على أن الصيني لا يعادي الطب الأوربي ومعلوم أن أحد أمبراطرة الصين درس سنة ٢٧٣٧ ق. م زهاء مئة نبات شافٍ ونظمها تنظيماً حسناً وأن علم تركيب الأدوية الصينية يربو على خمسمائة نوع من النباتات الطبية والتراكيب المختلفة مثل قرن الوعل وذرور الأظافر وشوارب النمور وإذ كانت تستعمل بالإفراط أحياناً فقد تودي بحياة المريض وعند الصينيين من النباتات ما يستعملونه من الخارج مثل نبات يقي من الإسهال يجعلونه على البطن في لزقة وعندهم أدوية تقي من السكر ومن الخوف أو تجلب الخوف وأدوية لمداواة
стр. 2814
العشق وأدوية لنزعه. وذكر الطبيب المشار إليه حالة أهل الصين مع حفظ الصحة فقال أن البيت الصيني قذر مظلم كئيب لا نوافذ له في الأغلب وفراش الصيني وهو من الخشب مغشى بالحصير وأغطية وسخة تحته في الشتاء موقدة ترمى بروائح أوكسيد الفحم لترسل الحرارة في المكان. وليس عند الصينيين عناية بتنظيف الجسم فيكاد الصيني لا يستحم مدة عمره ولا ينزع ثيابه عن بدنه إلا إذا نزعته وليس في البيوت محال للاطمئنان ومراحيض والمستنقعات مملوءة بالأقذار ولذلك كانت الحمى التيفوئيدية والزحير من الأمراض الوافدة في الصين وكثرت وفيات الأطفال كثرة هائلة ولكن التناسل كثير جداً.
الأضواء في فرنسا
تكون الأضواء في المدن والقصبات الفرنسوية بالكهرباء والغاز والاسيتيلين ففيها ٣٧٦٩ مدينة ومديرية لها معمل للغاز أو محطة للكهرباء والاسيتيلين وفي فرنسا ٣٧٠٠ حاضرة مقاطعة و ٧٧٢٠ مديرية يربو سكان كل واحدة منها على ألف نسمة لم يزل بعضها محروماً من الكهرباء ولا تكثر الكهرباء إلا بالقرب من شلالات المياه وتمتد على مسافة طويلة فتضيء الأرجاء.
اكتشاف العالم الجديد
عثر الباحثون في مينوستا في الشمال الرقي من الولايات المتحدة على أثر تاريخي يستدل منه على أن أميركا دخلها أناس من العالم القديم قبل أن يصل إليها خريستوف كولمبوس بمئة وثلاثين سنة. وقد زعموا كثيراً أن جماعة من السكانداويين نزلوا الشاطئ الشرقي من غروانلانده ولابرادور نحو سنة ألف للميلاد ولكن ذلك من روايات بعض القصصين الذين جاؤا قبل القرن الخامس عشر ويظهر أن الأثر الذي عثر عليه الآن أقرب إلى الصحة وقد عثر عليه جماعة من العملة بينما كانوا يعالجون أخراج جذع من الأرض وهو عبارة عن حجر بين جذعين وقد عرف من البحث في الجذعين أنهما أصل لشجرتين قديمتين غرستا بعد وضع ذاك الحجر المكتوب عليه من وجهيه بحروف رونية كتبت في القرن الرابع عشر والحروف الرونية هي حروف السكاندوايين في القرون الوسطى لا يعلم حلها إلا أفراد قلائل وما كان منها من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر يمكن تقليده ولذلك تبين لهارلاند العالم الأثري أن هذا الحجر صحيح والكتابة به واضحة ومعناها أن ثمانية
стр. 2815
من الغوطيين واثنين وعشرين من النوريين بينا كانوا يطوفون البحار سافروا من فنلاندا في ايكوسيا الجديدة ونزلوا على مقربة من ليلتين بالقرب من هذه الحجر وذهبوا إلى الصيد وشهدوا عند عودتهم عشرة م رجالهم ميتين: رحماك أيتها السيدة البتول فإن عشرة من رجالنا نازلون على الشاطئ بالقرب من سفنا على أربعين يوماً ويوم من هذا الحجر كتب سنة ١٣٦٢.
الروائح والهضم
كل الناس يعلمون أن الروائح التي تنبعث من الطعم اللذيذ تفتح شهوة الطعام والروائح المنبعثة من الطعام الكريه تصد النفس وتمنع القابلية. وقد استدل أحد أطباء الولايات المتحدة بالبحث والتجارب أن الروائح والعطور تؤثر كل التأثير في بعض الحواس وذلك أن بعض الأشخاص لا يتأتى لهم أن يقعدوا في غرفة فيها باقة من البجلة (ليلك) أو الياسمين وأن أناساً يصابون بالصداع أو المقس (القيء) إذا استنشقوا الياسمين البري أو وردة وأن أكثرهم يصابون باضطرابات معدية إذا دخلوا بيت تربية النبات وكان فيه التنوم (دوار الشمس) وذكر أن امرأة متوسطة العمر كانت تصاب بوجع في القلب كلما كانت تشم رائحة الخروف والسمك وكانت تتناول منه مسرورة على شرط أن تسد أنفها حتى لا تشم رائحته ومن ذلك أن كثيرين يصابون بالقرف إذا قدمت لهم صفحة من لحم كريه عندما يشمونه. وقال أن له زبوناً كان ضابطاً في حرب الانفصال كلما رأى البصل يصاب باضطراب في المعدة لأنه كان يقدم له في تلك الحرب بصل محضر تحضيراً رديئاً فيتناول منه متكارهاً مضى على ذلك خمس وأربعون سنة وهو لا يزيد للبصل إلا كراهة. وأفضل دواء لمن يصاب بذلك أن يعمد إلى أخذ المقبلات ولكن يجب ما أمكن التوقي من الروائح الدافعة فالجيد منها نافع والكريه ضار حتى أن بعض الشرقيين يعمدون قبل الطعام إلى استنشاق الطيوب والعطور علماً منهم بأنهم بذلك يحسنون أعصابهم وهضمهم.
الطلاق
انتشر الطلاق في الولايات المتحدة وسويسرا انتشاراً هائلاً بحيث أصبح المطلقون والمطلقات كثيرين جداً ويقال أن السرَّ في ذلك فساد قوانين الزواج حتى اختل نظام الزوجية وانتشار العيشة الفردية وقلة التدين ويؤكد من يعللون هذا الحال بقلة الدين أن
стр. 2816
بعض المقاطعات في الولايات المتحدة يقلُّ فيها الطلاق جداً لأن أهلها متدينون ولا تزال تغلب عليهم التقاليد والأوهام.
غنى أشراف الإنكليز
في المجلة الباريزية بحث في حال الأشراف والفقراء في انكلترا جاء فيه أن فيها ٢٧ دوقاً ما عدا الدوقات الذين هم من دم ملكي يملكون نحو ٢٥٠٠ مزرعة كبرى أي أراضي نصف المملكة على التقيب. ويقدرون مساحة أراضي الدوق دي سوترلاند بـ ١، ٣٥٨، ٥٤٥ فداناً أو نصف مليون هكتولتر بلغت وارداتها منذ عشرين سنة ١٤١، ٦٦٧ ليرة انكليزية ويجيء بعده الدوق دي بوكلوش وأراضيه تبلغ نصف مليون فدان ولكن وارداتها أكثر أي أنها تبلغ خمسة ملايين ونصف من الفرنكات ويجيئ بعدهما دوقات ريشموند وديفونشير وهاملتون واتول وارجيل وبورتلاند ونورتومبراند ومونتروز وهم يملكون مئة ألف فدان تأتيهم بنحو مليون فرنك من الواردات ثم يجيء بعدهم الدوقات الصغار ولا يقل ما يملكه الواحد عن عشرة آلاف فدان.
ويتألف من هؤلاء الدوقات وألقابهم وغناهم أمتن أساس في بنيان المجتمع الانكليزي الحاضر وهم المحور الذي تدور عليه الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد ولطالما كان هؤلاء الأشراف منذ القديم موضوع احترام انكلترا ولكنهم بما يملكون من هذه الأراضي الواسعة أصبحوا لا يعرفونها ولا يخدمونها فصحت فيهم آية التوراة إن الذين يضيفون من بنيكم حقلاً إلى آخر تنتهي بهم الحال أن يكونوا نساكاً متزهدين. نعم تركت حقولهم وغاباتهم بدون أن تتعهدها الأيدي تركوها لتكون متنزهاً ومجالاً للإرتياض والصيد في حين أن ألوفاً من الأيدي تنقطع عن العمل لقلة الأراضي لديها ويتحكم الأشراف في مزارعيهم ومزارعهم تحكماً غريباً فإن الدوق ديفونشير لا يسمح لمزارعيه أن يعلقوا في أراضيهم إعلانات يتناولون أجرتها بضعة قروش من المعلنين والدوق دي فيف لا يرضى أن يبقى أحد في الفندق القريب من مقره عندما يجيء إليه.
فغنى انكلترا المشهور هو في أيدي الأسرات الممتازة المختارة من طبقة الأشراف وأغنياء الطبقة الوسطى والرفاهية وقف عليهم وحدهم لا يشاركهم فيها غيرهم من أهل الطبقات الأخرى كما هو الحال في فرنسا. وقد بلغ عدد المعوزين في انكلترا ٩٥٩، ٨٤٨ أي
стр. 2817
شخصاً واحداً من كل سبعة وثلاثين شخصاً محتاج أن تعوله الحكومة أو جمعيات الإحسان وفي لندرا وحدها من البائسين ١٢٣، ٥٤٥ ولا يزال عددهم في ازدياد في الولايات والعاصمة فقد كان منذ سنين معدل الفقراء في بريطانيا العظمى ٥٧، ٩ في الألف فأصبح في أواخر العام الماضي ٥٨٦ في الألف.
ويستدل من هذه الأرقام أن الأمة الانكليزية تعيش منذ سنين برأس مالها وإذا ظلت على هذا الحال تفلس إفلاساً اقتصادياً واجتماعياً وأن الحكومة من حيث السياسة دلت بذلك على أنها لم تستطع أن تحكم لتوسع على الأمة راحتها وسعادتها بل تركتها بلا سلاح في معترك الحياة تغني لنفسها وتفقر كذلك. والسبب لوحيد في هذا الفقر اضطرار الناس إلى الانقطاع عن العمل بداعي حرية التجارة. ويقول آخرون أن السبب في هذا الشقاء هو مسألة تقسيم الأراضي فأملاك الأشراف مهملة لا يستفاد منها وتلك الأيدي العاملة تنقطع اضطراراً عن عملها لأنها لا تجد ما تعمل في الصناعة والتجارة وكانت تعمل في تلك الأراضي الواسعة لو وزعت عليها توزيعاً معقولاً فأشراف انكلترا هم العائق الكبير في كل إصلاح وارتقاء وأملاكهم هي الحاجز الاقتصادي الحائل دون نماء الراحة العامة فعليهم التبعة العظمى في غلاء المعيشة وقلة الأعمال والشقاء الاجتماعي الذي يزيد يوماً عن يوم.
ومنذ عشرين سنة فتحت طريقة جديدة لإدخال لوردات جدد علاوة على القديم منهم وهم من كبار أرباب المعامل والماليين مثل الدوق دي نورفولك ووارداته السنوية ٣٧ مليون فرنك ما عدا الأربعمائة فدان التي يملكها في حي وستمنستر في لندرا وريعها مليون جنيه والدوق دي بدفور وريع أراضيه البالغة ٢٥٠ فداناً في لندرا هو مليونا جنيه واللورد نورثامبتون وريع أملاكه مليونا ليرة أفرنسية وغيرهم كثيرون.
وهكذا أصبح دوقات انكلترا أرباب الاحتكار للثروة وهم سبب شقاء الطبقات ومنهم ضرر البلاد.
ري العراق
خطب السر ويليم ويلكوكس في اجتماع الجمعية الجغرافية الملكية في لندرا: في العراق ماضيه وحاضره ومستقبله خطاباً حضره كثير من سراة الانكليز وعلمائهم فقال أنه لما انتدبته الحكومة العثمانية الجديدة لري العراق وإصلاح أقنية دجلة والفرات وبيان الطرق
стр. 2818
اللازمة لعمران تلك البلاد بدأ يدرس طرق الري القديمة وما يلزمها من الإصلاح فاستفاد من ذلك فائدتين أساسيتين الأولى كثرة نفع الماء الخالي مما يحمله عادة كالوحل والحكاكات والثانية لزوم اتخاذ الاحتياطات لمنع الفيضانات وأن الأثني عشر مهندساً الذين ساعدوه في بغداد كانوا بينوا له أنهم قادرون على القيام بهذين العملين فعرضوا على الحكومة قبل ذلك طريقة للتخلص من فيضان ماء الفرات حتى مهابط نهر بيزون القديم وقدر المال اللازم لذلك بثلاثمائة وخمسين ألف ليرة والوقت بثلاث سنين وبذلك تصبح الأرض قابلة للزرع مضاعفة ومحصولات الحنطة تبلغ ثلاثة أضعاف أما المزارعون اليوم فإنهم لا يجرأون على زرع الأراضي بالبذور اللازمة وكذلك هم يحسبون أنهم يخسرون كل شيء في السنة السالفة.
ومشروع اليوم هو القناة الوسطى الكبرى في أرض الدلتا اللازمة لري ٣، ٠٠٠، ٠٠٠ فدان من أحسن أراضي العراق لريها بماءٍ نقي ففي الشمال الغربي من بغداد بين دجلة والفرات انخفاض في الأرض يسمى بحيرة عكار كف ومساحتها إذا كان ماؤها على أقل درجاته أربعون ميلاً مربعاً وإذا كانت مملوءة ثلاثمائة ميل مربع وانخفاض سطحها عن الفرات خمسة وثلاثون قدماً وعن دجلة عشرة أقدام وإلى هذا المنخفض من الأرض يأتي نهر الصقلاويه وهو فرع من الفرات عرض قناته ٢٤٠ قدماً وعمقها ٢٥ قدماً وينقسم عند وصوله إليها من الغرب إلى نحو عشرين فرعاً.
وعند اتصاله بالفرات يلزم أن يوضع له معياران قويان يعينان الماء المار فيه وكذلك يوضع للفرات سد بعد مفرق فرع الصقلاويه لتنظيم مجرى ماء الفرات نفسه. إن ما تقدم من الأعمال يؤمن وصول الماء من الفرات وأما من جهة دجلة فإن المهندسين ارتأوا وضع سكر في البلد عند حاجز عكار كف وبهذه الواسطة يمكن أن يحفر له فرع لري الأرض المخصبة الواقعة شمال بغداد ويصنع لهذا الفرع منفذ إلى البحيرة المذكورة فيحفظ قناته من الوحل ويصل دجلة بالبحيرة وهكذا يحصل الزارعون على ما يلزمهم من الماء من النهرين المنصبين في تلك البحيرة من غربها وشمالها وأما من جهتها الجنوبية والشرقية القريبة من بغداد فيحفر قناة توازي ضفة دجلة اليمنى وتنتهي في الحي وهذه القناة تكفي لري ستة ملايين فدان.
стр. 2819
أما الوحل الشديد المضر ومدته لا تتجاوز خمسة عشر يوماً في السنة فإنه يرسب في البحيرة. وويلكوكس يقترح أن تسمى الضفة اليسرى من هذه القناة باسم أول حاكم دستوري في البلاد العثمانية وهي تكون حاجزاً يحمي البلاد من فيضانات دجلة وعليها تمر سكة حديدية تنقل محصولات البلاد وهكذا تعود مدن صبارة وكوثا ونيل ونفور وأرخ وتل سكرخ وتل لو إلى عمرانها.
وبعد أن بين الطرق التي تحمي البلاد من الفيضانات وكيف أن المباشرة تكون بري ثلاثة ملايين فدان من الأرض تغل سنوياً مليون طن من القمح ومليوني بالة قطن ذكر طريقة إيصالها لأسواق التجارة مع ملايين من الأغنام ومئات الألوف من الماشية التي يمكن أن تعيش في الدلتا وقد فاوض تجار بغداد فوجدهم متفقين على أن تأخر البلاد ناشئ في الأكثر عن انقطاع المواصلة مع الغرب وأن محصولات العراق اليوم وهي الغنم والبقر والجاموس والصوف وعرق السوس والحنطة والشعير مطلوبة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وفي أوربا وكل ما تحتاج إليه البلاد يمكن أن يأتيها من الغرب لذلك لا ينقصها إلا إحداث سكة حديدية تصل بغداد بالبحر المتوسط من أقرب الطرق وأرخصها ومثل هذا الخط يكون مخرجه قرب صور أو صيداء وطوله من بغداد إلى دمشق خمسمائة وخمسون ميلاً تكلف مليوني ومائتي ألف ليرة. اه (معرباً عن جريدة التيمس بقلم أحد أصدقائنا).
ثقل الأيام
يقال أن فلاناً أثقله كر الغداة والعشي وقد أثبت أحد العلماء أن المرء كلما تقدم في السن زاذ جسمه خفة فالكبد ووزنه العادي في البالغ ١١٦٥ غراماً لا يبلغ وزنه في الرجل الشيخ أكثر من ٨٠٠ إلى ٩٠٠ غرام ووزن الكلية في البالغ ١٨٠ غراماً ولا تكون كلية الشيخ أكثر من ١٠٠ غرام. أما القلب فلا يزال ينمو بنمو السن فيبلغ زهاء ألف غرام في الشيخ أكثر من الفتى وكلما شاخ المرء كبر قلبه وربما كان ذلك ناشئاً من أسفه على السنين تمر به فتقربه من أجله.
دارسو العلوم
بلغ عدد الطلبة الذين قيدوا أسمائهم سنة ١٩٠٨_١٩٠٩ في جامعة العلوم الباريزية ٢١٥١ طالباً منهم ١٥٧٧ فرنسوياً و٤٢٧ روسياً و٢٧ رومانياً و١٥ من جمهوريات أميركا و١٣
стр. 2820
نمساوياً مجرياً و١٣ عثمانياً و١٠ ألمان و١٠ يونان و٨ من الولايات المتحدة و٨ بلجيكيين و٦ سويسريين و٥ سويديين ونروجيين و٤ صربيين بلغاريين و٤ مصريين و٤ إيطاليين و٣ من كل من الجزائر البريطانية وهولاندة وشيلي و٢ من كل اسبانيا والبرتغال والصين وواحد من كل الدانيمرك وإيران وسورية والراس والهند الانكليزية و٨٠ طالباً أجنبياً في سائر الجامعات منهم ٥١ في الطب و٢١ في الصيدلية و٥ في الأدب و٣ في الحقوق.
معمل الفولاذ
انشأوا على ٤٠ كيلومتراً من شيكاغو على شاطئ بحيرة مشيغان في مدينة اسمها طاري أعظم معمل للفولاذ في العالم وهو يحوي من التنانير ما يخرج في اليوم أربعة آلاف طن وتقدر أكلاف هذا المعمل بعشرين مليون ليرة وحجم الغاز الذي يخرج في الساعة من كل تنور عالٍ يبلغ ثمانين ألف متر مكعب وفيه ١٧ محركاً بالغاز تبلغ قوتها ٢٥٠٠ حصان ومجموع ما يصدر من هذا المعمل في السنة ٢، ٧٠٠، ٠٠٠ طن
مخترع المعكرونة
قالت إحدى الكاتبات الإيطاليات إن تاريخ اختراع المعكرونة يرد إلى سنة ١٢٢٠ يوم خميس الجسد وهو اليوم الذي تاب فيه في بلرمة ونابولي الملك الصالح فريدريك الثاني ففي ذاك اليوم اخترع أحد علماء الكيمياء من الطليان واسمه سيشو هذه المعكرونة فسرقت منه سر هذه الصناعة امرأة اسمها لاجوفانلادي كانزيو فاستعملتها من مواد كثيرة وأجادت صنعها وتناول الملك فاستطابها ثم الأسرة المالكة وأهل البلاط والأشراف والنبلاء والفرسان وبعد أن عمت إيطاليا انتقلت إلى أوربا بأسرها بل إلى العالم كله.
الفراسة بالأظافر
يقول أحد أطباء الأيدي في باريز أن الأظافر العريضة والقصيرة هي دليل كاف على الشدة في الخلق والقسوة والغضب ويكون صاحبها متناقضاً في أفكاره وعنيداً للغاية. وإذا كانت الأظافر طويلة ومنبسطة تدل على كبر العقل والتصور وعلى الحكمة وتوازن الدماغ. وإذا كانت مستطيلة ومنفسخة تدل على ميل صاحبها إلى الشعر والفنون على اختلاف أنواعها وعلى كسل غريزي فيه. وإذا كانت محنية كالمخالب فهي دليل نفاق خبيث شديد قاس كما تدل على القسوة والميل إلى القتل ومن كانت أظافره رخوة فدليل ضعف جسمه وعقله في
стр. 2821
حين أن من يأكلون أظافرهم كثيراً ما يكونون من المائلين إلى الخلاعة. ومن كانت أظافره متلونة تدل على صحة وفضيلة وسعادة وميل عظيم للكرم.
معادن العالم
أحصى أحد العارفين ما استخرج من معادن الرصاص والنحاس والتوتيا الزنك سنة ١٩٠٧ فكانت ٩٩٢ ألف طن من الرصاص و٧١٣ ألف طن من النحاس و٧٣٣ ألف طن من التوتيا ومعدل سعر الطن من المعدن الأول ٤٨٢ فرنكاً وربع ومعدل سعر الطن من الثاني ٢١٧٧ فرنك و٥٥ سنتيماً ومعدل سعر التوتيا ٣٣٧ فرنكاً ويوزع المستخرج من الرصاص على ست ممالك فيصيب الولايات المتحدة ٣٤١ ألف طن واسبانيا ١٨٦ ألفاً وألمانيا ١٤٠ ألفاً واستراليا ٩٧ ألفاً والمكسيك ٧٢ ألفاً وانكلترا ٢٠ ألفاً ويصيب الولايات المتحدة من النحاس ٤٢١ ألف طن وأوربا كلها ١٤٣ ألفاً وانكلترا ٧٢ ألفاً وألمانيا ٣٢ ألفاً واليابان ٤٥ ألفاً واستراليا ٣٢ ألفاً ويصيب الولايات المتحدة من التوتيا ٢٢٧ ألف طن والبلجيك ١٤٥ ألفاً الخ.
стр. 2822
العدد ٤٤ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩٠٩
стр. 2823
غرائب الغرب
حالة مصر
هبطت مصر وعهدي بها ليس ببعيد غبت عنها أربعة عشر شهراً وكنت صرفت فيها أربع سنين أيام الحكم الاستبدادي في المملكة العثمانية فلم أرَ اليوم وأنا عابر سبيل أن أمكث فيها أقل من أربعة عشر يوماً قضيتها في مشاهدة من خلفتهم فيها من الأصدقاء الكثيرين. والقاهرة من البلاد العربية كباريز من البلاد الإفرنجية حوت ما في العواصم من ضروب الرقي والانحطاط مما تنفقه على غيرها طوعاً أو كرهاً ويأتي الناس من القاصية فيأخذونه عنها ويهتمون بتقليده وتأييده.
إن من ينظر إلى مصر نظراً سطحياً يأسف لها كثيراً ويعدها كنزاً ضائعاً ودماً ضيعه أهله. ومن يمعن النظر في مواردها ومصادرها ويدرس مساعيها ومقاصدها ويقيس النتائج بالمقدمات والماضي بما هو آت يدرك أن المستقبل المخبوء لمصر في حياتها الاجتماعية والسياسية لا يقل عما أحرزته في حاضرها من المنافع المادية والأدبية إذا ظلت عناية أهلها متوفرة على التعليم والتربية وهم يتفننون سنة عن أخرى في تلقف ما ينفعهم من أنواع المعارف لقيام بناء مجدهم الجديد على أحسن نظام.
ليس في أقطار الشرق ولا في أقطار الغرب بلد عرف تاريخه كما عرف تاريخ مصر ولا بلد مثله أبقى على آثاره الخالدة واحتفظ بتراثه القديم فنفع العلم والعالم بما ادخره.
فقد قال لنا التاريخ أن عهد بعض سلائل فراعنتها كان عهد ارتقاءٍ ومدنية وأن مدنيتهم لا تقل من وجوه عن المدنية الرومانية واليونانية والفارسية فكانت دولة فاتحة غازية مستعمرة كما كانت دولة فاضلة متحضرة وأنه جاءَ زمن طويل على مدينة الإسكندرية أيام الروم كانت تفيض العلم النافع على العالم أجمع بمدرستها كما كانت تفيض العلم مدرسة بغداد ومدرسة قرطبة أيام الخلفاء وكما تفيض كليات أوربا وأميركا على آسيا وافريقية اليوم.
أتى على مصر دور انحطاط بعد دولة الفاطميين اشتغلت فيه بنفسها وكان حظها من المعارف حظ سائر بلاد الشام وإن كانت لها الميزة أبداً في هذا الباب على الأقطار المجاورة فقد كانت على عهد الأيوبيين والجراكسة والمماليك على انحطاطها مورداً تستقي منه البلاد الأخرى وكانت العلوم الإسلامية والأدبية خاصة مما يحمل من أزهرها إلى
стр. 2824
شمالي افريقية وداخليتها وبلاد العرب والترك وسورية وغيرها. ولما جاء نابليون الأول ثم م علي الكبير دخلت فيها بواسطة علماء من الفرنسيس روح الحضارة الغربية وأسلوب التعاليم الأوربية وأخذت حكومتها ترسل بالبعثات العلمية بل بالبعوث السلمية إلى أوربا ليدرس النشء في كلياتها ثم يعودوا إلى مصرهم فينفعوها بما علمهم الله والبشر الراقي.
وما برحت هذه الإرساليات تكثر ومصر الحديثة تتكون على المناحي الغربية حتى جاء الخديوي إسماعيل وأسرف في مالها إسراف جنون وجهل فاضطرت إلى الاستدانة من الماليين الأوربيين وأكثرهم انكليز وفرنسيس ولما حدثت الفتنة العرابية وجدت انكلترا مدخلاً لها بحجة أن أرباب الأموال يوجسون خيفة على أموالهم ورأت من فرنسا غفلة أو تغافلاً فعملت وحدها على إطفاء الفتنة فصدقت عليها كلمة نابليون في قوله وقد أخرجته انكلترا من مصر بعد احتلاله لها بضع سنين في القرن الماضي أنها لم تخرجنا منها إلا لتأخذها لنفسها في المستقبل.
دخلت انكلترا مصر لإطفاء الفتنة أولاً ثم للمحافظة على ترعة السويس التي أصبحت أكثر أسهمها لجماعة من أبنائها. والترعة كما هو المعلوم طريق الهند الأقرب ومادة حياة دولة البحار. ومن حافظ على سلامته ومادة حياته يعذر.
ولقد كان ميدان الإصلاح فسيحاً أمام المحتلين لتوفر الأسباب الطبيعية لمصر وأن بلاداً لا ينقطع ماؤها ولا تغيب شمسها ولا تتعب تربتها ولا تتعاصى على الإنسان طبيعتها لأقرب البلاد إلى معالجة الإصلاح في مجاهلها ومعالمها.
ولما استتب الأمن في أنحاء القطر أقبل أرباب الأموال من الغربيين وغيرهم يتجرون ويزارعون ويؤسسون المشاريع العمرانية فكانت تلك الحركة نافعة في نهضة القطر الأخيرة نهضة اقتصادية كبرى حسدتها عليها بلاد كثيرة.
تهيأ لمصر والحق يقال من رجال الاحتلال أناس عملوا بإخلاص لتحسين زراعتها وريها وتنظيمها لينتفع من ذلك البريطانيون والمصريون معاً. وكان عميدهم الأكبر لورد كرومر الذي أدار دفة السياسة المصرية أربعاً وعشرين سنة أرخى في خلالها عنان الحرية الفكرية فهاجر إلى مصر كثيرون من المشارقة. عمل هذا وغيره من الأعمال النافعة ولكنه كان يحاول أن يقف بالمصريين عند حد الاشتغال بالزراعة ثم بالوظائف القليلة التي لا تسمح
стр. 2825
الحال إلا بإعطائها للمصريين وماعدا ذلك من الارتقاء العقلي والسياسي فقد كان اللورد يقول لهم كل سنة تصريحاً وتلويحاً في تقاريره السنوية أنكم لا استعداد لكم معاشر المصريين لغير ذلك من الأعمال فهل نسيتم ماضيكم أيام كنتم تساقون إلى السخرة سوقاً وتستعبدون استعباد العبيد والأرقاء أيام الحكومات الماضية المدمرة فاحمدوا الله على أن أنجاكم مما كنتم فيه فحالكم الآن أحسن من ماضيكم مئة مرة فعليكم أن تقنعوا بما حزتموه.
ولكن نبهاء مصر لم يفتهم معنى هذه السياسة وكان الفضل الأكبر للجرائد في تنبيه شعور الأمة المصرية إلى أن وراء ما هم متمتعون به الآن مطلباً أسمى وأنفع فقاموا يسعون إليه سعيهم وهم على اختلاف في الطرق الموصلة إليه لا يختلفون في كون بلوغه لا يتأتى إلا من طريق التعليم والتربية فبذل أهل الاقتدار ما سمحت به نفوسهم من إنشاء الكتاتيب في الأرياف والمدن حتى أسفرت النتيجة بعد بضعة سنين عن تكثير سواد القارئين والكاتبين ثم رأوا أن الأمة لا ترقى إلا إذا كان فيها أفراد يحسنون تعليم الأمة بلغتها ما يلزمها من المعارف المادية والاقتصادية والاجتماعية فسعوا إلى إقناع الحكومة بجعل التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية باللغة العربية وكان أكثره بالانكليزية من قبل ثم رأوا أنه إذا لم يكن لهم من أبنائهم من يعلم العلم العالي سبب ارتقاء الأمم لا يكون العلم إلا عقيماً ناقصاً فأنشأوا لذلك المدرسة الجامعة المصرية وهم اليوم ينظمونها لتكون بعد سنين على مثال الجامعات الأوربية تدرس علوم الجامعات الإفرنجية باللغة العربية وهي أول جامعة من هذا النوع لأمة لا يقل الناطقون بها على ستين مليوناً من البشر.
نعم إن الجامعة المصرية اليوم وما دخل من الإصلاح على الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي ومدرسة دار العلوم ومدرسة الحقوق ومدرسة الطب ومدرسة الهندسة والزراعة وسائر المدارس الأميرية والخصوصية هي التي تتألف منها اليوم طبقات رجال مصر الحديثة ولا بد لهذا الأمر من آخر ولمساعيهم الحسنة من نتيجة إذا سلك القوم سبيل التوءدة وطبقوا أعمالهم على قانون العقل الصحيح واستفادوا بتجارب الأمم السالفة وانصاع العامة للخاصة وحدهم ولم يبق المجال للغوغاء وبذلك تصبح أسباب القوة المادية والمعنوية في بلادهم على مستوى ما هي عليه عند الأمم الحية حقيقة لا مجازاً.
لا جرم أن المصريين بما فيهم من الذكاء وما ورثوه من حضارتهم القديمة وتيسر لهم من
стр. 2826
الرقي المادي هم بمجموعهم أرقى من مجموع الشرقيين خل عنك اليابانيين وفيهم اليوم من العقلاء المفكرين العالمين والباحثين من ليسوا دون أبناء طبقتهم في الغرب وربما فاق الأتراك المصريين في الأمور السياسية والحربية.
ولا يعاب على مصر إلا فتور همة أبنائها في منتصف الطريق في الأغلب وهذا الخلق يكاد يكون عاماً في القطر لا يقوى في التغلب عليه إلا التربية العملية. وحبذا يوم نرى فيه مصر تقبل على العلوم الطبيعية والكيمياء والميكانيك والمعادن مثلاً إقبالها على تعلم الحقوق مثلاً فقد ترى من ناشئتهم زهاء خمسمائة طالب في كليات أوربا وأميركا والقسم الأعظم منهم يدرسون الحقوق ليترشحوا منها إلى الوظائف لأنه وقر في النفوس أن فن المحاماة أكثر عائدة على صاحبه من غيره من الفنون خصوصاً وهو متوقف بعد العلم النظري على طلاقة لسان وفضل بيان والمصريون أكثر العرب حظاً من تينك المزيتين.
أصبحت مصر بمجموعها اليوم قطعة من أوربا كما قال الخديوي إسماعيل ولكن أحبابها يريدون لها أن تكون كأوربا في صفاتها العالية وحضارتها الراقية حتى لا تخرج أملاكها بطيش الطائشين من أبنائها إلى أيدي الغريب فيعود المصري بعد بضع سنين والعياذ بالله كالغريب في بلده وما أصعبها من حالة.
إن مسألة الراية التي تخفق على أمة لاتهم بقدر ما تهم في الحقيقة مسألة الأملاك إذ أنه مهما بلغ من حيف أمة فاتحة أو مستعمرة لا تحدثها نفسها أن تنزع من المالك ملكه إلا برضاه. ومصر التي تتأذى اليوم بوطأة الرومي والطلياني والانكليزي وغيره لا تنتقل بعض أملاكها منها إلا برضى أولئك الوارثين والمسرفين الذين لا يعرفون دخلهم من خرجهم ولا دينهم من دنياهم هذه هي الفئة الضالة المضلة في هذا القطر المحبوب ومنها يخشى على مستقبله.
فبقلة عقول المستهترين أصبحت نحو تسعة أعشار الأطيان والأملاك في مصر للغرباء وعليها مائتان وخمسون مليون جنيه من الديون منها نحو مئة مليون دين الحكومة ولا نعرف متى توفيه والباقي على عنق الفلاح الصغير والمزارع الكبير.
إن ما نخشاه على مصر هو الإسراف الزائد وتقليد الغربي على العمياء ولو كان لأهل وادي النيل شيء من الإمساك المحمود والاقتصاد المعقول إذا لكانت حال مصر السعيدة
стр. 2827
أرقى مما هي اليوم. ومن حاز الثروة وقانون الحكمة يدبرها والحنكة قائدها ورائدها وانتظر الفرص التي لا يزال الدهر يخبأوها للأفراد كما يبخل بها على الأمم لا بد أن يتمتع يوماً بالسعادة السياسية والاجتماعية التي هي منتهى آمال كل أمة حية في هذا الوجود.
٧
مرسيليا
في الساعة الرابعة بعد الظهر أقلعت بنا من الإسكندرية الباخرة ايكواتور (خط الاستواء) إحدى بواخر شركة الميساجري مارتيم الفرنسوية فبلغنا ثغر مرسيليا أكبر مواني فرنسا على البحر المتوسط والمحيط والمانش في اليوم السادس الساعة الخامسة بعد الظهر ولم نر في طريقنا شيئاً يستحق الذكر سوى بعض سواحل إيطاليا وفرنسا وقد تجلت عن بعد وكان نظرنا يختلف إليها بقدر بعدنا أو قربنا منها ودام البحر رهواً حتى إذا خرجنا من مضيق مسينا أصبحنا وأصبحت سفينتنا على كبرها وطولها وعرضها ألعوبة العواصف والتيار يتقاذفنا من كل مكان حتى لم يبق راكب في درجات السفينة الأربع إلا وقد أخذه الدوار أو كاد ولم نملك حواسنا إلا عند بلوغنا ساحل السلامة.
وقوة هذه الباخرة ٢٩٨٧ حصاناً ومحمولها ٣٨٤٨ طناً وتقطع في الساعة أثني عشر ميلاً وهي إحدى بواخر الشركة التي تغدو وتروح بين مواني البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر وبحر الأدرياتيك ولهذه الشركة التي جعلت رأس مالها خمسة وأربعين مليون فرنك تسع عشرة باخرة من مثل هذه خصت سيرها بالبحرين الأولين في لأغلب. ومن موانينا التي تقف عليها بواخر الميساجري ماريتم خانيا وسلانيك والأستانة وجناق قلعة وأزمير ومدانيا وفاتي ولارنكا ومرسين والإسكندرونة واللاذقية وطرابلس الشام وبيروت ويافا وحيفا ورودس والإسكندرية وطرابلس الغرب وصمصون وطربزون وبور سعيد والسويس ولولا أمثال هذه البواخر الفرنسوية والنمسوية والروسية والإيطالية والانكليزية والألمانية والرومانية لما بقيت لنا تجارة تصدر من بلادنا وترد إليها ولتعذر التنقل إلا في السواحل على ظهور الجمال والبغال والحمير أو في المركبات وبعض القطارات القليلة التي تربط أجزاء مملكتنا بعضها ببعض.
стр. 2828
ولشركة الميساجري أيضاً إثنان وعشرون باخرة تمخر العباب إلى الهند الصينية وتوابعها وخمس بواخر لخط الكوشنشين وست بواخر لخط اوستراليا وخلكيدونيا الجديدة وخمس بواخر في المحيط الأطلانطيكي (الظلمات) وسبع اختصت بالبحر المحيط الهندي وذلك ماعدا السفن الصغرى التي جعلتها في بعض المواني الكبرى. وأشغال الشركة متوسطة مع أن حكومة فرنسا تدفع إليها إعانة مالية كل سنة لقاء نقلها البريد بين الشرق والغرب وخدمة الجمهورية فيما يلزمها.
ويقول الذين سافروا مرات بين بلادنا وبلاد الغرب أن البواخر الألمانية والانكليزية والطليانية تفوق بانتظامها وحسن خدمتها البواخر الفرنسوية وأن الراكب يجد راحته في تلك أكثر من هذه مع أن الأجور واحدة ولذلك اضطرت هذه الشركة وغيرها إلى تخفيض الأجور في الصيف إلى نحو النصف لركاب الدرجة الأولى والثانية والثالثة وأخذت تحسم خمسين في المئة لكل شخص ثالث كان مع شخصين يدفعان القيمة المقررة فإذا كانوا أربعة فأكثر تحسم للرابع فما بعده خمسة وسبعين في المئة ولذلك يسهل السفر في الصيف لاعتدال أجوره.
ومن التسهيلات التي قامت بها هذه الشركة أن اتفقت مع شركات البواخر الانكليزية والأميركية وشركات السكك الحديدية على أن تنقل الركاب إلى المواني التي تختلف إليها بواخرها وتلك الشركات تنقلهم على بواخرها بحيث يطوفون العالم ويجتازون من نصف الكرة الغربية إلى النصف الشرقي والأجرة في ذلك معتدلة فيسلك الراكب إن أحب أحد الطرق التي يختارها في قطع البحور والبرور فالطريق الأولى عن مواني الصين واليابان وكندا ماراً بفانكوفر وهو يكلف في الدرجة الأولى ٣٢٨٨ فرنكاً والطريق الثانية اوستراليا وفانكوفر ويكلف في الدرجة الأولى أيضاً ٣٥٧٥ والطريق الثالثة إلى اوستراليا فمضيق توريس فاليابان ففانكوفر وأجرتها ٤٢٥٧ في الدرجة الأولى والطريق الرابعة عن طريق الصين واليابان وسان فرنسيسكو وتكلف ٣٢٨٨ فرنكاً والطريق الخامسة إلى اوستراليا ومضيق توريس واليابان وسان فرنسيسكو وتكلف ٤٢٥٧ فرنكاً في الأولى فيركب الراكب من مرسيليا إل هونغ كونغ على بواخر شركة الميساجري عن طريق السويس وجيبوتي أوعدن وكولومبو وسنغافورة وسايغون ومن هونغ كونغ إلى شنغاي إلى كوبي فيو كوهاما
стр. 2829
على بواخر الشركة أو على بواخر شركة الباسيفيك الكنادية بحسب ما يختار الراكب ومن يوكوهاما إلى فانكوفر على بواخر الشركة الكنادية ومن هنا يركب القطار إلى كيبك ومونتريال وهاليفاكس وسان جون أو نيويورك ومن نيويورك إلى ليفربول أو سومتون على إحدى البواخر الانكليزية أو الأميركية أو النمسوية أو من نيويورك إلى الهافر على بواخر الترسلانتيك ومن الهافر بالسكة الحديدية إلى باريز.
هذه هي المسافات التي يقطعها من يريد الطواف حول الأرض ولو قال قائل هذا لأحد أجدادنا الأقدمين وقال له أنني أريد السير نزهة على هذه الخطة لنسب إليه الجنون وقال إن ذلك لن يكون ولكن إذا عرف سر الأسفار في هذه الأعصار يقول سبحان من سخر لنا قطع البحار بالبخار يفعل ما يشاء ويختار.
وبعد فلم يتسع لي الوقت لأدرس جميع معالم المدنية في مرسيليا لأني لم أصرف فيها إلا ثلاثة أيام قضيت أكثرها في الراحة ومن عناء السفر الذي طال علينا إحدى عشرة ساعة زيادة على المعتاد لما صادفته الباخرة في طريقها من الأنواء ولطارئ طرأ على آلتها في عرض البحر فأصلحتها ولولا ذلك لقطعت باخرتنا المسافة بين الإسكندرية ومرسيليا في خمسة أيام بلياليها ولا تقف قرب اليابسة. ومن البواخر الانكليزية ما يقطع المسافة بين بور سعيد ومرسيليا في أربعة أيام وهذه البواخر خاصة بالبريد الانكليزي تنقله من اوستراليا والهند إلى الجزائر البريطانية في خمسة وثلاثين يوماً لا تكاد تستريح في طريقها إلا بقدر ما تحمل زاداً ووقوداً وركاباً والمسافة المعتادة بين اوستراليا وانكلترا لا تجتازها الشركات المعتادة في أقل من سبعين يوماً.
قامت مرسيليا في منقطع وادي الرون الجميل فكانت جملة الجمال الفرنسوي بما فيها من الجبال والسهول وما أحرزته من مجد قديم وغني حديث وأن محيطها الذي لا تقل مساحته عن مئة كيلومتر مربع لأحلى من العافية في بدن السقيم أو النضارة في خدود الجواري - كما يقول بديع الزمان_استغفر الله بل كاد يكون أجمل من الحور الذي تقرأوه في عيون المرسيليات الدعج. ولعل جمال العيون في النساء هنا التي فاقت عيون البدويات الرعابيب انتقلت إليهن من أجدادهن العرب فقد قال ميشله المؤرخ أن أصل سكان مضايق الرون مختلط كثيراً ففيه العنصر السلتي واليوناني والعربي وخليط من الطليان والغالب أن سكان
стр. 2830
جنوبي أوربا يوصف نساؤهم بدعج العون وسواد الشعور كما يوصف الشماليات بزرقة العيون وشقرة الشعور.
وإلى اليوم يكثر في مرسيليا الغرباء ولا سيما الطليان ففيها ٥٥٠ ألفاً من السكان خمسهم من الطليان وبيدهم كثير من الصناعات والمعامل وهم عشر الأجانب في فرنسا وكان في مقاطعة مرسيليا سنة ١٩٠٦: ٧٦٦٥٠٠ ساكن منهم ١٢٣٥٠٠ أجانب وفيها وفيها ٧١٨ مدرسة وفي مقاطعتها ٧١٧ كيلومتراً من الخطوط الحديدية و١٦٣ كيلومتراً من الترم و٢٨٤ من الطرق الأهلية و٣٦٨٣ كيلومتراً من طرق العجلات الموصلة بين أقاليمها.
وأهم صناعاتها عمل الأقمشة وتحضير الأطعمة والمأكولات وصنع القرميد خل عنك تجارتها الهائلة وزراعتها التي لا تختلف في الرقي عن زراعة عامة البلاد الفرنسوية وفيها دور صناعة للأساطيل والبواخر التجارية ولا سيما دار صناعة الميساجري ماريتيم.
قال من كتبوا عن مرسيليا من المؤرخين أن تاريخها من أقدم التواريخ وهي أول ميناء بحرية لفرنسا يرد عهد إنشائها إلى القرن السادس قبل المسيح وفي مقاطعتها اليوم ٤٩ ألف منزل منقسمة بين ألفي شارع وطريق ومعظم آثارها ومصانعها حديثة النشأة من عهد السلالة الملكية الثانية ومن أحسن متنزهاتها الكورنيش الذي انتهى سنة ١٨٦٣ وكان عدد السفن التي دخلت مرفأها البالغ سطحه ٣٠٠ هكتار سنة ١٩٠٧_١٦٣٣٠ وعدد الركاب ٥٥٠ ألفاً وقدروا ما يدخل إليها ويخرج منها في اليوم بسبعة وأربعين باخرة وبارجة وناهيك به من عدد.
ويطبع فيها وينشر ١٤٦ جريدة ومجلة. وجريدة البتي مارسيليه (المرسيلي الصغير) أوسعها انتشاراً تطبع ١٨٠ ألفاً كل يوم وهو حجم الماتين والايكودي باري كما يطبع البتي باريزيان (الباريزي الصغير) الذي يصدر في باريز مليوناً ومائتي ألف نسخة في اليوم والثاني أكثر جرائد فرنسا انتشاراً. فكأن لهذه الأسماء الصغيرة من حسن التوفيق ما لا يحالف الأعمال التي تبدأ بالألقاب الضخمة والأسماء الفخيمة.
زرت إدارة البتي مارسيليه فرأيت النظام مستحكماً في كل ما يتعلق بها وهي اليوم في السنة الثالثة والأربعين من عمرها وأقدم منها بل أقدم جرائد مرسيليا السيمافوردي مارسيل أنشئت سنة ١٨٢٧ وهي من الجرائد الجدية المعتبرة إلا أنها أقل انتشاراً. وهذه الجريدة
стр. 2831
تباع في مقاطعة الرون وما إليها مثلاً فلو فرضنا أن ما يطبع من جرائد مرسيليا ومجلاتها يبلغ كل يوم مليوني نسخة لأصاب كل فرد في مقاطعتها جريدتان ونصف على أقل تعديل هذا عدا الجرائد الباريزية وغيرها التي ترد على مرسيليا وتباع في شوارعها بالألوف أيضاً.
ومن الأسف العظيم أننا لو أحصينا عدد ما يصدر من جميع الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية في البلاد المصرية والعثمانية والإيرانية لا يبلغ بكميته قدر ما تطبع كل يوم جريدة البتي مارسيليه إحدى جرائد ولايات فرنسا. وعلى هذه النسبة قس ولا تخف درجة ارتقائنا وارتقاء الفرنسيس وسجل علينا بالفقر المدقع في كل شيء ولا سيما في الأمور العقلية.
ليون
٨
ماذا يصف القلم من مدينة الفرنسيس وكل فرع من فروعها المدهشة لو تعاورته الأقلام الكثيرة وتوفرت على البحث فيه العقول الكبيرة لما كانت إلا إلى جانب القصور. نعم لو جاء في عصرنا الرحالة ابن حوقل وشاهد مدينة فرنسا فقط لحوقل واسترجع وقال هذه حضارة ليس لنا في وصفها مطمع ولو أتى المسعودي بقلمه وعلمه لعجز عن الوصف والتسطير ولو جيء بابن بطوطة لآب من رحلته الطويلة لا يحسن إملاء ما رأى وسمع ولو قام ابن جبير لاعترف بقصور ذرعه وعدم نفاذ طبعه وقال إن هذا إلا حلم وخيال ونحن لا نسجل في رحلتنا إلا ما تقع علينا أبصارنا ويترامى إلى آذاننا وتمسه أيدينا.
وبعد فماذا يصف القلم في ليون أجمالها الطبيعي أم الصناعي. معاملها الحريرية أم مدارسها وكليتها أم انتظام شوارعها ودورها وقصورها وحدائقها أم غناها ومتاحفها وعادياتها وكنائسها ومصانعها ومعارفها ومكاتبها ومخازنها وحوانيتها وتماثيلها وأنصابها وخطوطها الحديدية والكهربائية وجسورها الحديدية والحجرية وأرصفتها البديعة وساحاتها وحدائقها ونهريها العظيمين الرون والسون اللذين يقطعانها شطرين ويزيدان في بهجتها ما تقر به العين.
ماذا نذكر من ليون ثاني مدينة في فرنسا وقد شبهوها بموسكو الروسية في كونها عاصمة
стр. 2832
دين كما هي عاصمة صناعة وعمل. وعلى جسر ليون مر الصليبيون في القرون الوسطى ذاهبين إلى المشرق لإنقاذ بيت المقدس من أيدي المسلمين. نعم ماذا نعدد من ليون وبدائع صنع الإنسان فيها وما ضمت من معاهد قديمة وحديثة ومشاهد بهيجة ويالله ما أعجب معرض نموذج الأنسجة الذي حوى أربعمائة ألف نموذج ليس لها نظير في العالم وعرضت على أنظار أهل البلاد والسائحين ينتفعون بالنظر إليها ويستدلون بها على تفنن يد الإنسان في كسوة الأبدان.
لئن حرمت ليون من ميناء بحرية لتصريف مصنوعاتها بسرعة فإن البخار البري عوض عليها هذا الحرمان فزاد في عظمتها التجارية ففي كل يوم يمر في محطات سككها الحديدية ١٤٠ قطاراً جائية ذاهبة من أنحاء شتى ولا سيما من الشمال إلى الجنوب. والمسافة بين باريز ومرسيليا ٨٥٠ كيلومتراً ليس فيها شبر واحد لا أثر للعمران فيه يقطعها القطار بالسير السريع في ١٤ ساعة. وليون على مقربة من نصف الطريق بين باريز عاصمة البلاد ومرسيليا ثغرها والحكومة اليوم شارعة بمد خط حديدي ثالث لتسيير القطارات لأن الخطين الموجودين لا يتأتى أن يجري عليهما في كل بضع دقائق أكثر من قطار واحد مخافة أن يحدث اصطدام بين القطارات وسيكلف الخط الجديد بين باريز ومرسيليا مئات الملايين من الفرنكات وكل ذلك حتى لا يتأخر راكب ولا بضاعة وتأخذ كل جهة حظها من العمران.
لم تقف ليون عند حد الأعمال الصناعية والتجارية والمالية بأن كانت هي التي أسست مصرف الكريدي ليونيه مثلاً من أعظم مصارف العالم. بل لها حظ كبير من النهضة العلمية وأثر راسخ في الحضارة الفرنسوية وناهيك بكليتها التي تحوي فروع العلم ولا سيما الطبيعي والحقوق والطب والتجارة يختلف إليها ٢٥٠٠ طالب منهم الأجانب وفيهم نحو خمسين مصرياً أكثرهم ويدرسون الحقوق وقليل منهم الطب وأقل في التجارة والمصريون حديث عهدهم بنزول ليون للتخرج في كليتها وقد كثر ورودهم عليها بعد أن ترك المسيو لامبر أحد أساتذة مدرسة الحقوق في القاهرة منصبه فعينته حكومته في كلية ليون أستاذاً فكان من أثر محبته للمصريين ومحبة المصريين له أن جذب عشرات منهم للتعلم في كليتها وهو يشرف عليهم إشراف الأب على أولاده. وكانت مصر تعتمد في تنشئة أولادها
стр. 2833
من قبل على كليات الولايات الفرنسوية ولا سيما كلية مونبليه وذلك على عهد الخديوي إسماعيل لأنه كان يعتقد أن أهل مونبليه أقل معاداة للملوك وأبعد الفرنسويين عن التطرف.
قضيت في ليون يومين لزيارة معالمها ومشاهدة صديقي محمد لطفي أفندي جمعة الكاتب الخطيب الغيور فرأيت فيها غاية الرقي الاجتماعي والتكافل الإنساني والذوق الفرنسوي وفي مثل مدينة ليون من قواعد البلاد تعرف حقيقة الفرنسيس لما يشهده السائح فيها من السكون والانقطاع إلى الأعمال الشريفة فلا يسفون كأكثر سكان العواصم في الأغلب للمكاسب الدنيئة أو يرضون بأن يكونوا عالة على الحكومة يأخذون رزقهم من خزانتها بالتوظيف والاستخدام.
وياما أبهج ساحة بللكور (الفناء الجميل) يوم الأحد والرجال والنساء والأولاد غادون رائحون فيها لا تقرأ في وجوههم غير الأدب ولا في حركاتهم إلا التربية البيتية العالية والتشبع بالنظام المدني المعقول حتى إذا جن الليل يختلف القوم إلى دور التمثيل وأماكن اللهو والطرب وسماع الخطب والمحاضرات وهكذا ليلهم كنهارهم عمل وراحة واستفادة وإفادة أخذوا بحظ وافر من دنياهم ولم ينسوا تعهد آدابهم. فليون بلد طيب أمين يسكنه المهذبون العاملون.
ولقد كنت كلما وقع نظري في ليون على شارع عظيم أو بناء جسيم تحدثني النفس بسورية فأقول متى يا ترى يكون فيها مثل ما في ليون على الأقل ولو أن عمران ليون وحدها وهي إحدى مدن فرنسا وما فيها من قوة مادية وأدبية وزعت على سورية من عريش مصر إلى الفرات ومن البحر المتوسط إلى أقصى بداية الشام وحدود نجد والحجاز لغدت سورية وهي في مساحتها نحو مساحة فرنسا كلها من حيث عمرانها أرقى مدن المعمورة ولكن الرزق لا يأتي بالتمني والوجود لا ينتفع به إلا من يحسنون استخدام ما فيه من القوى والعناصر.
تحية باريز
٩
سلام عليك مرضعة الحكمة. وربيبة الرخاء والنعمة. وروح الانقلابات الاجتماعية والسياسية. وحيية المدنية الأصلية في الأقطار الغربية والشرقية. ومعلمة العالم كيف يكون الخلاص من الظالمين. والضرب على أيدي الرؤساء والنبلاء والمالكين. أنت هذبت طبائع
стр. 2834
البشر حتى غدوا يشعرون باللطف والذوق وفائدة العلم والعمل. أنت كنت في مقدمة العواصم التي انبعث منها تمجيد العقل بل تأليهه فقضيت بالتقدم له على كل شيء في الوجود. وبالغت في إكرام العقول من أبنائك.
سلام عليك يا عشيقة الإبداع والاختراع. وسابقة الأقران في مضمار الانتفاع بما حوت الرباع والبقاع. استخدمت القوى المادية فأحدت استخدامها. واستثمرت القوى العقلية فأبدعت في استثمارها. وأحييت حضارات الأمم السالفة. وأنشأت لك حضارات لا يزال يحسدك عليها أسبق الشعوب إلى الترقي مهما تقلبت بك الحال. ويجدون في أوضاعك ما ليس يجدونه في أوضاعهم من المرونة والجمال.
سلام عليك يا واضعة حقوق الإنسان وملقحة الأذهان بالتناغي بحب الأوطان والداعية إلى ثل عروش الجبارين والمخربين. أنت لم ترهبك تقاليد أبطال القرون الوسطى. والقدر بل أخذت بالأسباب والمسببات فقتلت من أراد قتلك. ووضعت من لم يهمه رفعك. وكنت للناهضين من الناس خير مثال.
سلام عليك يا معهد المعارف والصناعات بما أنشأتيه من مجامعك العلمية ومدارسك الجامعة والكلية. ومجالسك العامية والخاصية. وجمعياتك ونقاباتك لخدمة المدنية والإنسانية. ودور تمثيلك ومعاهد انسك وسماعك. ومتاحفك وحدائقك ومكاتبك ومعارضك. وكل ما أبدعته أفكار أبنائك وأيديهم ودل على مجد طريف وتالد وتاريخ على جبين الدهر خالد.
سلام عليك يا ملقنة الخلق معنى الإخاء والحرية والمساواة ليتعاشروا بالمعروف ويقوم نظام اجتماعهم على تبادل المنافع حتى لا يبقى تمييز في الحقوق والواجبات بين المختلفين في الموالد والديانات وقطعت التفاضل إلا بالأعمال الصالحة والأحلام الراجحة.
سلام عليك يا متشبعة بأفكار الحكماء ارتضيتيها منهم قانوناً تجرين عليه لسعادتك ولئن حاد بعض أبنائك بعض الشيء عنها فذلك لأن سياسة المنافع والمصالح قد تخالف ناموس الحق والعمل الصالح ولأن نظام بقاء الأنسب لا قلب له والتنازع في جهاد الحياة كثيراً ما يدعو الإنسان إلى ركوب ما تحظره الشرائع الوضعية والسماوية ولا سيما في هذه العصور التي يفصل فيها كل عمل على قالب الماديات وما ذلك إلا ليقر البشر بعجزهم ويعلموا أن الكمال الآن محال ولعله لا يفوتهم في مستقبل القرون والأجيال.
стр. 2835
السلام على هذه العاصمة التي أحسنت إلى الشرق فيما مضى فعلمته حتى استمد منها النور فإن قلنا معاشر الشرقيين ولا سيما سكان الشرق الأقرب أنا نأخذ عن المدينة الغربية فإنما نعني المدنية الفرنسوية وبعبارة أصح المدنية التي تنبعث أشعتها من باريز ومن طريقها وبلغتها وأسلوبها تيسر لنا أن نستطلع طلع سائر مدنيات الأرض.
سلام عليك علمت فما أحسن العلم والعمل إذا اجتمعا. وما أحلى الإخلاص والشعور بالواجب.
سلام عليك سننت للغرب سنة التضامن والتكافل. والعطف على البائسين والمساكين. والرفق بالضعفاء والعاجزين. والأخذ بأيدي المقهورين والعاثرين. والانتصار للمظلومين من الآدميين خصوصاً إذا كانوا من طينة أوربية.
سلام عليك أنت العاصمة التي تركت القصور الفخيمة التي عمرت بدماء الأمة مباحة للناس يدخلونها وكانت بورة المظالم والمغارم. ومنبعث الشهوات والأهواء. ولطالما جأرت جوانبها بالدعاء إلى السماء من حيف الكبراء أيام كان يوقع ملوكها وهو على سرير نومه توقيعاً واحداً يترك من الغد مئة ألف أسرة في هذه البلاد تبيت جائعة عريانة ليعمر بما يجمع قصراً له أو يدفعه لمحبوبته صبرة واحدة فلما أضناك الظلم والعنت قمت تجعلين من تلك القصور الفاسقة متاحف عامة ومن دور الظلم والظلمات مجالس عدل وعلم ونور.
سلام عليك خلدت أعمال من خلفوا لك هذه المدنية وأقمت تماثيلهم ونصبهم موقع الاحترام والإعظام وتوفرت على تكرير أسمائهم على المسامع كل يوم ألوف الألوف من المرات لتجعليهم مهمازاً لمن يأتي بعدهم من الأبناء والأحفاد.
سلام عليك يا بلد ديكارت وكونت وروسو وفولتير وديدرو وسيمون ومونتسكيو وهوغو وباسكال ورنان ومئات أضرابهم ممن بذلوا حياتهم في حسن خدمتك فلم تنس أفضالهم عليك بعد مماتهم.
أنت إن خجلت من ذكرى الحروب الصليبية وديوان التفتيش الديني ومذبحة القديس برتلماوس ومقتل الفيلسوف فيفاتي وجنون نابليون وغير ذلك من الأعمال البربرية في عصور الظلمة فإن سكانك يفاخرون وحق لهم الفخر بأنهم أحفاد ثورة سنة ١٧٨٩ قاموا من الأعمال المشكورة في عصور النور ما ينسي الماضي إلا أقله. إن الحسنات يذهبن
стр. 2836
السيئات.
السلام عليك باريز أجمل عواصم العالم وأغنى البلاد ببدائعها الطبيعية والصناعية وأجمعها لمرافق الراحة والرفاهية. لست أنت اليوم عاصمة مئة مليون من البشر أربعون في أرضك وستون في المستعمرات بل أنت بما فيك من المزايا عاصمة معظم الخافقين لأسباب هنائك وصفائك ونعيمك ونعائمك وتفردك من بين العواصم بسلامة الذوق وسلامة الإبداع ووفرة العلماء والباحثين والكاتبين والشاعرين والقصصيين. فكل شيء في باريز مبذول حتى لتعافه النفوس من أقصى ما يتصور الفكر من الفضيلة إلى آخر ما يجول في خاطر أو يحوم حوله خيال.
فباريز ولا مراء جنة أرضية جمع فيها موجدوها - استغفر الله_ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
باريز بعد الغروب
١٠
إن فاخرت باريز بمعارضها التي أقامتها في أوقات مختلفة لتلفت إليها الأنظار وتستفيد الفخار والنضار فإن لها كل ليلة معارض لا تختلف عن السابقة إلا في كون البقعة التي تقوم عليها هذه أوسع مجالاً وأكثر جمالاً.
يصرف الباريزيون أو معظمهم نهارهم في الاستعداد لليلهم وكثيرون لا يعملون إلا في الليل ويصرفون النهار في جمع قواهم وادخار أحسن ما عندهم لما بعد الشفق فهم لا يجعلون الليل لباسا والنهار معاشاً كما هي عادة معظم الأمم بل أن الحركة عندهم تبدأ قبيل الظهر بطيئة ولا تزال تنمو حتى تغيب الشمس وتطلع بدلها شموس وأقمار.
ترى المدينة في النهار عابسة مظلمة على كثرة جاداتها الكبرى وشوارعها المغروسة على جانبيها بالأشجار غالباً وطرقها وأزقتها وساحاتها العامة وفي هذه الأماكن تشهد مجالي الحسن والإحسان وما تفننت في إبداعه العوامل وتلطفت في روائه الأفكار والأنامل.
على تلك الأرصفة تناجي النفس رب النجوى قائلة اللهم هل خلقت باريز من معدن اللطف والظرف لتكون مثالاً من جنة أرضية فخصصت أهلها بالاستمتاع بنعمة الجمال حتى لكأنك شطرته شطرين شطر وقفته على الباريزيات وشطر وزعته على سائر بنات حواء.
стр. 2837
إن امتاز الفرنسيس بالإبداع في الصناعات فقد امتازوا أيضاً بنضرة الوجوه. وإلى باريز تحمل هذه الأمة ولا سيما في فصل الشتاء أفضل ما عندها من مجالي الكمال والجمال أيام تكون أم هذه القرى مقصد السائحين والمتجرين والطالبين والعالمين والسياسيين والخاطبين وتغص دواوينها وإداراتها وتلتئم مجالسها العلمية والسياسية والاجتماعية.
ويزيد الوجوه بهجة في باريز تفنن القوم في الأزياء وتغاليهم في التبرج والزينة تغالياً مهما تقدم عند غيرهم لا يزالون مصدره ومورده وأساتذته وسدنته. ومظاهر الأزياء تتجلى في باريز بعد الغروب على الجادات والشوارع والطرق والساحات وفي المركبات والسيارات وحوافل الخيل والكهرباء والسكك الحديدية فوق الأرض وتحتها وفي دور التمثيل ومسارح اللهو والطرب وحال الفرج والحانات والقهوات والمطاعم والفنادق ويزيدها فتنة للناظرين ما اعتاده الباريزيات إلا من عصم ربي من إبداء زينتهن لغير المحارم أكثر من إبدائها لبعولهن وذوي قرباهن ورنين أصواتهن في الكلام رنيناً تحسبه من مزامير داود وتستطيبه أكثر من تغريد العندليب وهناك الفتنة بعينها والفتنة أشد من القتل ونعوذ به تعالى من فتنة القلب وفتنة العين.
ولعل هذه المجالي في الحرية المفرطة حملت الكثير من الغرباء على نزول باريز ليشهدوا فيها مالا يشهدونه في غيرها وتربح منهم الليرات بالملايين والكرات عملاً بما قاله أحد ملوك بروسيا وقد قيل له ليس من اللائق أن تضرب ضريبة على محال الاطمئنان في الشوارع فقال الغاية تبرر الوسيلة فما دامت الغاية الكسب فلا بأس من الاحتيال لنيله ومن أجل هذا تظهر باريز بعد الغروب أقصى الفضيلة وأقصى الرذيلة والناس معهما وما يختارون.
بعد الغروب تعمر في باريز أندية الخطابة والمحاضرة والعلم وتلقى فيها من الفوائد ما يبلغ الأذهان عفواً وصفواً ويفيض معين البيان ويبدو حذق يد الإنسان ويسعى العالم إلى تعليم الجاهل في ساعة ما تعب في إحضاره الأيام والأعوام فمائدة الخطب والمحاضرات معروضة. ودروس الفضائل عامة مورودة.
بعد الغروب يعمل معظم الكاتبين كتبهم والشاعرين أشعارهم والمؤلفين مؤلفاتهم والمخترعين اختراعاتهم والصانعين كأن الأفكار لا تنطلق من عقالها والأيدي لا تحذق
стр. 2838
أعمالها إلا عندما ترقد عيون البشر أو كأن الزهرة ربة الجمال لا تحب أن تملي على من هم أحوج الناس إلى طلعتها إلا من الليل ككوكب الزهرة لا يبدو في مطلع الأفلاك إلا مع الدجى. ولذا يحرص أهل باريز أن يجعلوها بعد غروب الشمس مجمع الأنس وريحانة النفس.
وكأن الباريزيين وهم العارفون بتقسيم الأعمال عزَّ عليهم أن تمضي ساعة في بلدهم ينقطع فيها العاملون عن أعمالهم فخصوا النهار ببعض الصناع والتجار والعملة والعاملات والليل بالمفكرين والمفكرات والمؤنسين والمؤنسات والمغنين والمغنيات والممثلين والممثلات. . . . . حتى لا تنقطع حركة ولا يقف دولاب عمل وكان بذلك الحظ الأوفر للغرباء فلا يدخل على الغريب ملل من تغير المشاهد ولا يفتأ من الفجر إلى الفجر إن أحب يستمتع بالمشاهد العجيبة ويتعلم ويأنس ويتنزه.
يقول الباريزيون أن بلدهم مبارك على الغريب أكثر منه عليهم وأنهم مضطرون أن يواصلوا السير بالسرى ويكدحون الليل والنهار ولكن هذا قول من ملك شيئاً فزهد فيه والروح ترتاح إلى التنقل أما الشرقي الذي يرى أهل باريز ويغبطهم على أكثر ما دبروه لراحتهم ورفاهيتهم فإنه يعجب لمن يساكنهم زمناً كيف ترضى نفسه أن يختار عن باريز بلداً كما يعجب لأهلها كيف لا يأسفون على مفارقة الحياة أضعاف أضعاف ما يأسف غيرهم عليها ومن قال بأن دواعي الراحة تطيل حبال الآجال يستعظم على أهل باريز لمَ لم يعمروا أكثر من عامة الخلق وعندهم النعيم المقيم والخير العميم.
стр. 2839
الرسالة العذراء
في موازين البلاغة وأدوات الكتابة كتب بها أبو اليسر ابراهيم بن محمد بن المدبر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فتق اله بالحكمة ذهنك، وشرح بها صدرك وأنطق بالحق لسانك، وشرف به بيانك، وصل إليَّ كتابك العجيب الذي استفهمني فيه بجوامع كلمك جوامع أسباب البلاغة، واستكشفني عن غوامض آداب أدوات الكتابة، سألتني أن أقف بك على وزن عذوبة اللفظ وحلاوته، وحدود فخامة المعنى وجزالته، ورشاقة نظم الكتاب ومشاكلة سرده، وحسن افتتاحه وختمه، وانتهاء فصوله، واعتدال وصوله وسلامتهما من الزلل، وبعدهما من الخطل، ومتى يكون الكاتب مستحقاً اسم الكتابة، والبليغ مسلماً له معاني البلاغة، في إشارته، واستعارته، وإلى أي أدواته هو أحوج، وبأي آلاته هو أعمل إذا حصحص الحق. ودعي إلى السبق، وفهمته وأنا راسم لك أيدك الله من ذلك ما يجمع أكثر شرائطك، ويعبر عن جملة سؤالك، وإن طولت في الكتاب وعرضت وأطنبت في الوصف وأسهبت، ومستقص على نفسي في الجواب على قدر استقصائك في السؤال، وإن أخل به التياث الحال، وسكون الحركة، وفتور النشاط، وانتشار الروية، وتقسم الفكر، واشتراك القلب، والله المستعان.
اعلم أيدك الله إن أدوات ديوان جمع المحاسن وآلات المكارم طاعة منقادة لهذه الصناعة التي خطبتها وتالية تابعة لها وغير خارجة إلى حجد أحكامها ولا دافعة لما يلزمها الإقرار به لها أضراراً منها إليها وعجزاً عنها فإن تقاضتك نفسك علمها ونازعتك همتك إلى طلبها فاتخذ البرهان دليلاً شاهداً والحق إماماً قائداً يقرب مسافة ارتيادك ويسهل عليك سبل مطالبها واستوهب الله توفيقاً تستنجح به مطالبك، واستمنحه رشداً يقبل إليك بوجه مذاهبك، فاقصد في ارتيادك، وتأمل الصواب في قولك وفعلك، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللجاج ولا تخرج إلى إهمال حق المصيب بالمعاندة والإنكار ولا تستخف بالحكمة ولا تصغرها حيث وجدتها فترحل نافرة عن مواطنها من قلبك وتظعن شاردة عن مكانها من بالك، وتتعفى بعد العمارة من قلبك آثارها وتنطمس بعد الوضوح أعلامها واعلم أن الاكتساب بالتعلم والتكلف وطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء فإن أردت خوض بحار البلاغة وطلبت أدوات الفصاحة فتصفح من رسائل المتقدمين ما تعتمد عليه
стр. 2840
ومن رسائل المتأخرين ما ترجع إليه في تلقيح ذهنك، واستنجاح بلاغتك، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به ومن الأشعار والأخبار والسير والأسماء ما يتسع به منطقك، ويعذب به لسانك ويطول به قلمك، وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب ومعاني العجم وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم وتوقيعاتهم وسيرهم ومكايدهم في حروبهم بعد أن تتوسط في علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والشروط ككتب السجلات والأمانات فإنه أول ما يحتاج إليه الكاتب وتمهر في نزع آي القرآن في مواضعها واجتلاب الأمثال في أماكنها واختراع الألفاظ الجزلة وقرض الشعر الجيد وعلم العروض، فإن تضمين المثل السائر والبيت الغابر مما يزين كتباتك ما لم تخاطب خليفة أو ملكاً جليل القدر فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء والجلة والرؤساء عيب واستهجان للكتب إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له فإن ذلك مما يزيد في أبهته ويدل على براعته، وإن شدوت من هذه العلوم ما لا يشغلك محله، وتنقبت من هذه الفنون ما تستعين به على إيطالة قلمك وتقويم أود بيانك.
بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة، حلو الشمائل، عذب الألفاظ، دقيق الفهم حسن القامة بعيداً عن الفدامة خفيف الروح، حاذق الحس، محنكاً بالتجربة، عالماً بحلال الكتاب والسنة وحراميهما، وبالملوك وسيرها وأيامها، وبالدهور في تقلبها وتداولها، مع براعة الأدب، وتأليف الأوصاف، ومشاكلة الاستعارة، وحسن الإشارة وشرح المعنى بمثله من القول حتى تنصب صوراً منطقية تعرب عن أنفسها، وتدل على أعيانها، لأن الحكماء قد شرطوا في صفات الكتاب طول القامة، وصغر الهامة، وخفة اللهازم، وكثافة اللحية، وصدق الحس، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل وملاحة الزي حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيوا بزيّ الكتاب فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
وخاطب كلاً على قدر أبهته، وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وتفطنه وانتباهه، واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام فأربعة منها للطبقة العلوية وأربعة دونها ولكل طبقة منها درجة ولكل قسمة حظ لا يتسع للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها، ويقلب معناها إلى غيرها فالطبقة العليا الخلافة التي أعلى الله شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير والمخاطبة والترسل، والطبقة الثانية الوزراء والكتاب الذي يخاطبون الخلفاء
следующие страницы →