Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
السيئات.
السلام عليك باريز أجمل عواصم العالم وأغنى البلاد ببدائعها الطبيعية والصناعية وأجمعها لمرافق الراحة والرفاهية. لست أنت اليوم عاصمة مئة مليون من البشر أربعون في أرضك وستون في المستعمرات بل أنت بما فيك من المزايا عاصمة معظم الخافقين لأسباب هنائك وصفائك ونعيمك ونعائمك وتفردك من بين العواصم بسلامة الذوق وسلامة الإبداع ووفرة العلماء والباحثين والكاتبين والشاعرين والقصصيين. فكل شيء في باريز مبذول حتى لتعافه النفوس من أقصى ما يتصور الفكر من الفضيلة إلى آخر ما يجول في خاطر أو يحوم حوله خيال.
فباريز ولا مراء جنة أرضية جمع فيها موجدوها - استغفر الله_ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
باريز بعد الغروب
١٠
إن فاخرت باريز بمعارضها التي أقامتها في أوقات مختلفة لتلفت إليها الأنظار وتستفيد الفخار والنضار فإن لها كل ليلة معارض لا تختلف عن السابقة إلا في كون البقعة التي تقوم عليها هذه أوسع مجالاً وأكثر جمالاً.
يصرف الباريزيون أو معظمهم نهارهم في الاستعداد لليلهم وكثيرون لا يعملون إلا في الليل ويصرفون النهار في جمع قواهم وادخار أحسن ما عندهم لما بعد الشفق فهم لا يجعلون الليل لباسا والنهار معاشاً كما هي عادة معظم الأمم بل أن الحركة عندهم تبدأ قبيل الظهر بطيئة ولا تزال تنمو حتى تغيب الشمس وتطلع بدلها شموس وأقمار.
ترى المدينة في النهار عابسة مظلمة على كثرة جاداتها الكبرى وشوارعها المغروسة على جانبيها بالأشجار غالباً وطرقها وأزقتها وساحاتها العامة وفي هذه الأماكن تشهد مجالي الحسن والإحسان وما تفننت في إبداعه العوامل وتلطفت في روائه الأفكار والأنامل.
على تلك الأرصفة تناجي النفس رب النجوى قائلة اللهم هل خلقت باريز من معدن اللطف والظرف لتكون مثالاً من جنة أرضية فخصصت أهلها بالاستمتاع بنعمة الجمال حتى لكأنك شطرته شطرين شطر وقفته على الباريزيات وشطر وزعته على سائر بنات حواء.
стр. 2837
إن امتاز الفرنسيس بالإبداع في الصناعات فقد امتازوا أيضاً بنضرة الوجوه. وإلى باريز تحمل هذه الأمة ولا سيما في فصل الشتاء أفضل ما عندها من مجالي الكمال والجمال أيام تكون أم هذه القرى مقصد السائحين والمتجرين والطالبين والعالمين والسياسيين والخاطبين وتغص دواوينها وإداراتها وتلتئم مجالسها العلمية والسياسية والاجتماعية.
ويزيد الوجوه بهجة في باريز تفنن القوم في الأزياء وتغاليهم في التبرج والزينة تغالياً مهما تقدم عند غيرهم لا يزالون مصدره ومورده وأساتذته وسدنته. ومظاهر الأزياء تتجلى في باريز بعد الغروب على الجادات والشوارع والطرق والساحات وفي المركبات والسيارات وحوافل الخيل والكهرباء والسكك الحديدية فوق الأرض وتحتها وفي دور التمثيل ومسارح اللهو والطرب وحال الفرج والحانات والقهوات والمطاعم والفنادق ويزيدها فتنة للناظرين ما اعتاده الباريزيات إلا من عصم ربي من إبداء زينتهن لغير المحارم أكثر من إبدائها لبعولهن وذوي قرباهن ورنين أصواتهن في الكلام رنيناً تحسبه من مزامير داود وتستطيبه أكثر من تغريد العندليب وهناك الفتنة بعينها والفتنة أشد من القتل ونعوذ به تعالى من فتنة القلب وفتنة العين.
ولعل هذه المجالي في الحرية المفرطة حملت الكثير من الغرباء على نزول باريز ليشهدوا فيها مالا يشهدونه في غيرها وتربح منهم الليرات بالملايين والكرات عملاً بما قاله أحد ملوك بروسيا وقد قيل له ليس من اللائق أن تضرب ضريبة على محال الاطمئنان في الشوارع فقال الغاية تبرر الوسيلة فما دامت الغاية الكسب فلا بأس من الاحتيال لنيله ومن أجل هذا تظهر باريز بعد الغروب أقصى الفضيلة وأقصى الرذيلة والناس معهما وما يختارون.
بعد الغروب تعمر في باريز أندية الخطابة والمحاضرة والعلم وتلقى فيها من الفوائد ما يبلغ الأذهان عفواً وصفواً ويفيض معين البيان ويبدو حذق يد الإنسان ويسعى العالم إلى تعليم الجاهل في ساعة ما تعب في إحضاره الأيام والأعوام فمائدة الخطب والمحاضرات معروضة. ودروس الفضائل عامة مورودة.
بعد الغروب يعمل معظم الكاتبين كتبهم والشاعرين أشعارهم والمؤلفين مؤلفاتهم والمخترعين اختراعاتهم والصانعين كأن الأفكار لا تنطلق من عقالها والأيدي لا تحذق
стр. 2838
أعمالها إلا عندما ترقد عيون البشر أو كأن الزهرة ربة الجمال لا تحب أن تملي على من هم أحوج الناس إلى طلعتها إلا من الليل ككوكب الزهرة لا يبدو في مطلع الأفلاك إلا مع الدجى. ولذا يحرص أهل باريز أن يجعلوها بعد غروب الشمس مجمع الأنس وريحانة النفس.
وكأن الباريزيين وهم العارفون بتقسيم الأعمال عزَّ عليهم أن تمضي ساعة في بلدهم ينقطع فيها العاملون عن أعمالهم فخصوا النهار ببعض الصناع والتجار والعملة والعاملات والليل بالمفكرين والمفكرات والمؤنسين والمؤنسات والمغنين والمغنيات والممثلين والممثلات. . . . . حتى لا تنقطع حركة ولا يقف دولاب عمل وكان بذلك الحظ الأوفر للغرباء فلا يدخل على الغريب ملل من تغير المشاهد ولا يفتأ من الفجر إلى الفجر إن أحب يستمتع بالمشاهد العجيبة ويتعلم ويأنس ويتنزه.
يقول الباريزيون أن بلدهم مبارك على الغريب أكثر منه عليهم وأنهم مضطرون أن يواصلوا السير بالسرى ويكدحون الليل والنهار ولكن هذا قول من ملك شيئاً فزهد فيه والروح ترتاح إلى التنقل أما الشرقي الذي يرى أهل باريز ويغبطهم على أكثر ما دبروه لراحتهم ورفاهيتهم فإنه يعجب لمن يساكنهم زمناً كيف ترضى نفسه أن يختار عن باريز بلداً كما يعجب لأهلها كيف لا يأسفون على مفارقة الحياة أضعاف أضعاف ما يأسف غيرهم عليها ومن قال بأن دواعي الراحة تطيل حبال الآجال يستعظم على أهل باريز لمَ لم يعمروا أكثر من عامة الخلق وعندهم النعيم المقيم والخير العميم.
стр. 2839
الرسالة العذراء
في موازين البلاغة وأدوات الكتابة كتب بها أبو اليسر ابراهيم بن محمد بن المدبر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فتق اله بالحكمة ذهنك، وشرح بها صدرك وأنطق بالحق لسانك، وشرف به بيانك، وصل إليَّ كتابك العجيب الذي استفهمني فيه بجوامع كلمك جوامع أسباب البلاغة، واستكشفني عن غوامض آداب أدوات الكتابة، سألتني أن أقف بك على وزن عذوبة اللفظ وحلاوته، وحدود فخامة المعنى وجزالته، ورشاقة نظم الكتاب ومشاكلة سرده، وحسن افتتاحه وختمه، وانتهاء فصوله، واعتدال وصوله وسلامتهما من الزلل، وبعدهما من الخطل، ومتى يكون الكاتب مستحقاً اسم الكتابة، والبليغ مسلماً له معاني البلاغة، في إشارته، واستعارته، وإلى أي أدواته هو أحوج، وبأي آلاته هو أعمل إذا حصحص الحق. ودعي إلى السبق، وفهمته وأنا راسم لك أيدك الله من ذلك ما يجمع أكثر شرائطك، ويعبر عن جملة سؤالك، وإن طولت في الكتاب وعرضت وأطنبت في الوصف وأسهبت، ومستقص على نفسي في الجواب على قدر استقصائك في السؤال، وإن أخل به التياث الحال، وسكون الحركة، وفتور النشاط، وانتشار الروية، وتقسم الفكر، واشتراك القلب، والله المستعان.
اعلم أيدك الله إن أدوات ديوان جمع المحاسن وآلات المكارم طاعة منقادة لهذه الصناعة التي خطبتها وتالية تابعة لها وغير خارجة إلى حجد أحكامها ولا دافعة لما يلزمها الإقرار به لها أضراراً منها إليها وعجزاً عنها فإن تقاضتك نفسك علمها ونازعتك همتك إلى طلبها فاتخذ البرهان دليلاً شاهداً والحق إماماً قائداً يقرب مسافة ارتيادك ويسهل عليك سبل مطالبها واستوهب الله توفيقاً تستنجح به مطالبك، واستمنحه رشداً يقبل إليك بوجه مذاهبك، فاقصد في ارتيادك، وتأمل الصواب في قولك وفعلك، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللجاج ولا تخرج إلى إهمال حق المصيب بالمعاندة والإنكار ولا تستخف بالحكمة ولا تصغرها حيث وجدتها فترحل نافرة عن مواطنها من قلبك وتظعن شاردة عن مكانها من بالك، وتتعفى بعد العمارة من قلبك آثارها وتنطمس بعد الوضوح أعلامها واعلم أن الاكتساب بالتعلم والتكلف وطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء فإن أردت خوض بحار البلاغة وطلبت أدوات الفصاحة فتصفح من رسائل المتقدمين ما تعتمد عليه
стр. 2840
ومن رسائل المتأخرين ما ترجع إليه في تلقيح ذهنك، واستنجاح بلاغتك، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به ومن الأشعار والأخبار والسير والأسماء ما يتسع به منطقك، ويعذب به لسانك ويطول به قلمك، وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب ومعاني العجم وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم وتوقيعاتهم وسيرهم ومكايدهم في حروبهم بعد أن تتوسط في علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والشروط ككتب السجلات والأمانات فإنه أول ما يحتاج إليه الكاتب وتمهر في نزع آي القرآن في مواضعها واجتلاب الأمثال في أماكنها واختراع الألفاظ الجزلة وقرض الشعر الجيد وعلم العروض، فإن تضمين المثل السائر والبيت الغابر مما يزين كتباتك ما لم تخاطب خليفة أو ملكاً جليل القدر فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء والجلة والرؤساء عيب واستهجان للكتب إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له فإن ذلك مما يزيد في أبهته ويدل على براعته، وإن شدوت من هذه العلوم ما لا يشغلك محله، وتنقبت من هذه الفنون ما تستعين به على إيطالة قلمك وتقويم أود بيانك.
بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة، حلو الشمائل، عذب الألفاظ، دقيق الفهم حسن القامة بعيداً عن الفدامة خفيف الروح، حاذق الحس، محنكاً بالتجربة، عالماً بحلال الكتاب والسنة وحراميهما، وبالملوك وسيرها وأيامها، وبالدهور في تقلبها وتداولها، مع براعة الأدب، وتأليف الأوصاف، ومشاكلة الاستعارة، وحسن الإشارة وشرح المعنى بمثله من القول حتى تنصب صوراً منطقية تعرب عن أنفسها، وتدل على أعيانها، لأن الحكماء قد شرطوا في صفات الكتاب طول القامة، وصغر الهامة، وخفة اللهازم، وكثافة اللحية، وصدق الحس، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل وملاحة الزي حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيوا بزيّ الكتاب فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
وخاطب كلاً على قدر أبهته، وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وتفطنه وانتباهه، واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام فأربعة منها للطبقة العلوية وأربعة دونها ولكل طبقة منها درجة ولكل قسمة حظ لا يتسع للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها، ويقلب معناها إلى غيرها فالطبقة العليا الخلافة التي أعلى الله شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير والمخاطبة والترسل، والطبقة الثانية الوزراء والكتاب الذي يخاطبون الخلفاء
стр. 2841
بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم ويتجملون بآدابهم الثالثة أمراء ثغورهم، وقواد جيوشهم، يخاطب كل امرئ منهم على قدره وبما حمل من أعباء أمورهم، وجلائل أعمالهم، الطبقة الرابعة القضاة فإنهم وإن كان لهم تواضع العلماء وحلية الفضلاءِ فمعهم أبهة السلطنة وهيبة الأمراء.
أما الطبقات الأربع الأخرى فالملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب وأفضالهم تفضيلهم فيها، والثانية وزراؤهم وكتابهم وأتباعهم الذي بهم تقرع أبوابهم وبعنايتهم تستماح أموالهم والثالثة هم العلماءُ الذين يجب توقيرهم في الكتب لشرف العلم وعلو درجة أهله، الرابعة لأهل القدر والجلالة والظرف والحلاوة والعلم والأدب فإنهم يضطرونك بحدة أذهانهم وشدة تمييزهم وانتقادهم إلى الاستقصاء على نفسك في مكاتبتهم، واستغنينا عن الترتيب للتجار والسوقة والعوام رتبة لاستغنائهم بتجارتهم عن هذه الآلات واشتغالهم بمهماتهم عن هذه الأدوات ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن تراعيها في مراسلتك إليهم في كتبك وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه وتعطيه قسمه وتوفيه نصيبه فإنك متى أضعت ذلك لم آمن بك أن تعدل بهم غير طريقهم وتجري شعاع بلاغتك في غير مجراه وتنظم جوهر كلامك في غير ملكه فلا يفيد المعنى الجزل ما لم تلبسه لفظاً جزلاً لائقاً بمن كاتبته ومشابهاً لمن راسلته، وإن الباسك المعنى وإن شرف وصلح لفظاً مختلفاً عن قدر المكتوب إليه لم تجر به عادتهم تهجين للمعنى وإخلال بقدره وظلم لحق المكتوب إليه ونقص مما يجب له كما أن في امتناع نعارفهم وما انتشرت به عاداتهم وجرت به سنتهم وضعاً لقدرهم وخروجاً من حقوقهم، وبلوغاً إلى غير غاية مرادهم وإيقاظاً لحجة أدبهم ضمن الألفاظ المرغوب عنها والصدور المستوحش منها في كتب السادات والأمراء والملوك على اتفاق المعاني مثل أبقاك الله طويلاً وعمرك ملياً وإن كنا نعلم أنه لا فرقان بين قولهم أطال الله بقاءك وبين قولهم أبقاك الله طويلاً ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزناً وأنبه قدراً في مخاطبة الملوك كما أنهم جعلوا أكرمك الله وأبقاك أحسن منزلة في كتب الظرفاء والأدباء من جعلت فداك على اشتراك معناه واحتماله أن يكون فداء من الخير كما يكون فداءً له من الشر ولولا أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص فداك أبي وأمي لكرهت أن يكتب بها أحد على أن كتاب العسكر وعوامهم قد
стр. 2842
أولعوا بهذه اللفظة حتى استعملوها في جميع محاوراتهم وجعلوها هجيراهم في مخاطبة الشريف والوضيع والصغير والكبير ولذلك قال محمود الوراق:
كل من حل سر من را من النا_س وممن يصاحب الأملاكا
لو رأى الكلب ماثلاً في طريق ... قال للكلب يا جعلت فداكا
وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل أبقاك الله وأمتع بك إلا إلى الحرمة والأهل والتابع والمنقطع إليك وأما في كتب الإخوان فغير جائز بل مذموم مرغوب عنه ولذلك كتب عبد الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكاً فتهت في كتبك
أم هل ترى أن في التواضع للأخ ... ولمن نقصاً عليك في حسبك
أتعبت كيفك في مكاتبتي ... حسبك مما يزيد في تعبك
إن جفاءً كتاب ذي أدب ... يكتب في صدره وأمتع بك
فكتب إليه محمد بن عبد الملك:
أنكرت شيئاً فلست فاعله ... فلن تراه يخط في كتبك
فاعف ندتك النفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك
كف أخون الإخاء يالعلي ... وكل شيءٍ أنال من سببك
إن يك جهلاً أتاك من قلبي ... فعد بفضل عليّ في أدبك
وأما صدور السلف كانت من فلان بن فلان إلى فلان كذلك جرت كتب رسول الله ﷺ إلى العلاء بن الحضرمي وإلى أقيال اليمن وإلى كسرى وقيصر وكتب أصحابه والتابعين كذلك حتى استخلص الكتاب هذه المحادثات من بدائع الصدور واستنبطوا لطيف الكلام ورتبوا لكل رتبةً وجروا على تلك السنة الماضية إلى عصرنا هذا في كتب الخلفاء والأمراء وثبتوا على ذلك المنهاج في كتب الفتوحات والأمانات والسجلات ولكل مكتوب إليه قدر ووزن ينبغي للكاتب أن لا يتجاوز به عنه ولا يقصر به دونه، وقد رأيتهم عابوا الأخوص حين خاطب الملوك بمخاطبة العوام في قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فهذا معنى صحيح في المدح ولكنهم أجلوا أقدار الملوك أن يمدحوا بما يمدح به العوام لأن
стр. 2843
صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان مدحاً فهو واجب على كل والملوك لا يمدحون بالفروض الواجبة وإنما يحسن مدحهم بالنوافل لأن المادح لو قال لبعض الملوك إنك لا تزني بحليلة جارك وإنك لا تخون ما استودعت وإنك تصدق في وعدك وتفي بعهدك كان قد أثنى بما يجب ولكنه لم يصل بثنائه إلى مقصد وقال ما لا يستحسن مثله في الملوك.
ونحن نعلم أن كل تولى من أمور المؤمنين شيئاً فهو أمير المؤمنين غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا للخلفاء خاصة ونعلم أن الكيس هو العقل إذا عنوا به ضد الحمق ولكنك لو وصفت رجلاً فقلت: إن فلاناً لعاقل كنت قد مدحته عند الناس ولو قلت أنه كيس كنت قد قصرت في وصفه وقصرت به عن قدره إلا عند أهل العلم باللغة لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة إلا إلى حيث جرت منها العادة في استعمالها في الظاهر مع الحداثة والعزة وخساسة القدر وصغر السن فقد روينا عن علي ﵁ أنه تبجح بالكيس حين بنى الكوفة وقال:
أما تراني كيساً مكيساً ... بنيت بعد نافع مخيساً
حصناً حصيناً وأميراً كيساً
وقال آخر: ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس ونعلم أن الصلوة وحي غير أنهم قد حرموها إلا على الأنبياء كذلك روي عن ابن عباس (رضه) وسمع سعد بن أبي وقاص أخاً له يلبي ويقول: ياذا العارج فقال نحن نعلم أنه ذو المعارج ولكن ليس كذلك كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ إنما كنا نقول: لبيك اللهم لبيك وكان أبو ابراهيم المزني قال في بعض ما طالبه به داود بن علي خلف الأصبهاني فقال: وإن قال كذا فقد خرج من الملة والحمدلله فانتقد عليه ذلك داود وقال: تحمد الله علي أن يخرج مسلماً من الإسلام هذا موضع استرجاع وللحمد مكان يليق به ونحن نقول على المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون.
فامتثل هذه الرسوم والذاهب وأجر على آدابهم فلكل رسومٌ امتثلوها وتحفظ في صدور كتبك وفصولها وافتتاحها وخاتمتها وضع كل معنى في موضع يليق به وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر الشكوى بمثل والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل، وفي موضع ذكر البلوى نسأل الله دفع المحذور ونسأل الله صرف السوء وفي موضع الذكر المصيبة بمثل إنا لله وإنا إليه راجعون، وفي موضع ذكر النعم بمثل
стр. 2844
والحمد لله خالصاً والشكر لله واجباً، فإنها مواضع ينبغي للكاتب تفقدها فإنما يكون كاتباً إذا وضع كل معنى في موضعه وعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى فلا يجعل أول ما ينبغي له أن يكتب في آخر كتابه في أوله ولا أوله في آخره فإني سمعت جعفر بن محمد الكاتب يقول: لا ينبغي للكاتب أن يكون كاتباً حتى لا يستطيع أحد أن يؤخر أول كتابه ولا يقدم آخره.
واعلم أنه لا يجوز في الرسائل ما أتى في آي القرآن من الإيصال والحذف ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص لأن الله إنما خاطب بالقرآن أقواماً فصحاء فهموا عنه جل ثناؤه أمره ونهيه ومراده والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم لهم بلسان العرب وكذلك ينبغي للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك والمعنى الملتبس فإنه إن ذهب على مثل قوله تعالى واسأل القرية واسأل العير بل مكر الليل والنهار احتاج أن يبين بل مكركم بالليل والنهار ومثله في القرآن كثير.
ولا يجوز في الرسائل ما يجوز في الشعر لأن الشعر موضع اضطرار فاغتفروا فيه الإغراب وسوء النظم والتقديم والتأخير والإضمار في موضع الإظهار فمن الحذف قول الحطيئة من صنع سلّام يريد سليمان بن داود وكقول الآخر: والشيخ عثمان أبو عفان وكقول الآخر:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق
أراد ابن سيار وكقول النابغة: ونسج سليم كل قضاء زائل يريد سليمان وكذلك ينبغي في الرسائل أن لا يصغر الاسم موضع التعظيم وإن كان ذلك جائزاً على مثل قولهم دويهية وجذيل وعريق، ومما لا يجوز في الرسائل كلمت إياك وأعني إياك وإساءة النظم في التأليف في الشعر كثير وتكون الكلمة بشعة حتى إذا وضعت وقرنت مع أخواتها حسن حالها وراقت كقول الحسن بن هاني:
ذو حضر أفلت من كد القبل والكد كلمة قلقة لاسيما في الرقيق والغزل والتشبيب غير أنها لما وقعت في موضعها حسنت كما أن اللفظة العذبة إذا لم توضع موضعها نفرت قال:
رأت عارضاً جونا فقامت غريرة ... بمسحاتها قبل الظلام تبادره
فأوقع الجلف الجافي هذه اللفظة غير موقعها وظلمها إذ جعلها في غير مكانها لأن المساحي
стр. 2845
لا تكون ولا تصلح للغرائر وأين كان عن قول الشاعر:
غرائر ما حدثن يهديهن آنسة ... فما فوقه منهن غير غرائر
حديث لو أن العصم تدعى به أتت ... ودون يد الفحشاء حد البواتر
فتخير من الألفاظ أرجحها وزناً، وأجزلها معنى، وأليقها في مكانها، وليكن في صدر كتابك دليل واضح على مرادك وافتتاح كلامك برهان شاهد على مقصدك حيثما جريت فيه من فنون العلم ونزعت نحوه من مذاهب الخطب والبلاغات فإن ذلك أجزل لمعناك وأحسن لا تساق كلامك ولا تطيلن صدر كلامك إطالة تخرجه من حده، ولا تقصر به عن حقه، ولو صور اللفظ وكان له حد لوقفتك عليه غير أنهم في الجملة كرهوا أن يزيدوا سطور كتب الملوك على سطرين وهذه إشارة لا تعبر إلى عن الجملة من المقصود إليه لأن الأسطر غير محدودة.
واعلم أن أول ما ينبغي لك أن تصلح آلتك التي لا بد لك منها وأدواتك التي لا تتم صناعتك إلا بها وهي دواتك فابدأ بعمارتها وإصلاحها وتخير لها ليقة نقية من الشعر والودح لئلا يخرج على حرف قلمك ما يفسد كتابك ويشغلك بتنقيته وخذ من المداد الفارسي خمسة دراهم ومن الصمغ العربي درهماً وعفصاً مسحوقاً نصف درهم ورماد القرطاس المحرق درهمين ثم تسحقها وتغربلها وتجمعها ببياض البيض ثم بندقها واجعلها في الظل فإذا احتجت إليها أخذت منها مقدار حاجتك فكسرته وحشوت به دواتك وإذا نقعته في ماء السلق حتى ينحل ويذوب ويختمر ثم أمددت من مائه دواتك كان أجود وأنقى ثم اختر بعد ذلك من أنابيب القلم الذي يصلح لكتابة القراطيس أقله عقدة وأكثفه لحماً واجلبه قشراً واعدله استواءً وتجنب الأقلام الفارسية ما استطعت فإنها ما تصلح إلا للكواعد والرقوق.
واجعل لقلمك براية حادة فإن تعثر يد الكاتب وقت قطع القرطاس ناقص مروءته ومخل بظرفه وإن قدرت أن لا تقطع القرطاس إذا فرغت من كتابك إلا بخرطوم قلمك فافعل فإن ذلك أكمل لمروءتك وأبدع لظرفك وقطعك.
واستعمل لبري القلم سكيناً طواويسي مذلق الحد وميض الطرف فيكون ذلك عوناً لك على بري أقلامك فإن محل القلم من الكاتب محل الرمح من الفارس ولئن قيل كأنه الرمح الرديني فقد قال الكاتب كأنه القلم البحري، وتفقد الأنبوبة قبل بريكها لئلا تجعلها منكوسة
стр. 2846
وابرها من ناحية نبات القصبة وأرهف ما قدرت جانبي قلمك ليرد ما انتشر من المداد ولا تطل شقه فإن القلم لا يمج المداد من شقه إلا مقدار ما احتملت شبتاه فارفع شبتيه ليجمعا لك حواشي تحضيره وإما قط القلم فعلى قدر القلم الذي يتعاطاه الكاتب من الخط غير أن المسلسل لا يكاد يتسلسل إلا بالقلم المربع القط كما أن كتب الملوك والسجلات لا تحسن إلا بالقلم المحرف الكوفي وأما قلم اللازورد فهو المعتمد عليه والمقصود إليه في النوائب والمهمات.
ورأيت كثيراً من الكتاب يختارون قلم النرجس لتجعده وتجانسه ومن اللازورد أبسط منه وأقوم حروفاً وأما الموشع والمولع والمدبج والمنمنم والمسهم فعلى قدر رشاقة خط الكاتب وحلاوة قلمه وأما حسن الخط فلا حد له قال علي بن زيز النصراني الكاتب أعلمك الخط في كلمة واحدة لا تكتبن حرفاً حتى تستفرغ مجهودك في كتابة الحرف المبدوء به وتجعل في نفسك أنك لا تكتب غيره حتى لا تعجل عنه إلى غيره، وإياك والنقط والشكل في كتابك إلا أن تمر بالحرف المعضل الذي تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه فأن يشكل عليّ الحرف أحب إلي من أن يعاب بالنقط والأعجام، وقال المأمون لكتابه إياي والشونيز في كتبكم يعني النقط ولذلك قال ابن هاني:
لم ترض بالأعجام حين كتبته ... حتى كتبت السب بالأعراب
ولا تغفل الصلاة على النبي علي الصلاة والسلام فقد قال أبو العيناء أن بني أمية هم الذين كانوا أمروا كتابهم فطرحوا ذلك من كتبهم فجرت عادة الكتاب إلى يومنا هذا على ما سنوه، وقد قال ﵊ لا تجعلوني كقدح الراكب ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولاً وأوسط وآخراً.
وأحب أن تجعل بدل الإشارة التراب فإن النبي ﷺ قال أتربوا كتبكم فإنه أنجح لحاجة ولا تدع التاريخ فإنه يدل على تحقيق الأخبار وقربها وبعدها وانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقي منه فإن كان الماضي أقل من نصف الشهر قلت هكذا ليلة مضت من شهر كذا وإن كان الباقي أقل من النصف قلت لكذا أيضاً بقيت وقد قال بعض الكتاب إن الماضي من الشهر إن تحصيه والباقي لا تحصيه لأنك لا تدري أيتم الشهر أو ينقص وليس هذا بشيء لأن تاريخ الكتاب ليس من الأحكام في شيءٍ وما على الكاتب أن يكتب
стр. 2847
إلا بما ظهر وتبين لا بما يظن.
ولا تجعل سحاة كتبك غليظة إلا في العهود والسجلات التي تحتاج إلى خواتمها وطوابعها فإن محمد بن عيسى الكاتب كاتب آل طاهر أخبر عنهم أن عبد الله بن طاهر كتب إلى العراق في أشخاص كاتب كان كتب إليه فكتب وغلظ سحاة كتابه فرد الكتاب إليه فقدم عليه راجياً لبره وجائزته فقال عبد الله بن طاهر إن كان معك مسحاة فاقطع خزم كتابك وإنه رف وراءك وكذلك لا تعظم الطينة ففي المثل من عظم الطينة فإنه مظلوم ولا تطبعها إلا بعد عنواناتها فإن ذلك مراد بهم وقد يجب عليك علم الصلق القراطيس ومحوها ولم أر شيئاً في إلصاقها ألطف من أن ينقع الصمغ العربي في الماء ساعة حتى يذوب ثم يلصق به وكذلك ماء الكثيرا والنشاستج ثم تطويه طياً رقيقاً وتجعله في منديل نظيف ويرفع تحت وسادة حتى يجف وأما محوها فعلى قدر لطف الكاتب وتأنيه غير أنه ينبغي له أن لا يلقط السواد من القرطاس إلا بمثل الشمع المسخن واللبان الممضوغ وما أشبههما ثم يكون لقطه رويداً رويداً كما لقط جانباً حوله إلى الجانب الآخر
وأما قراءة الكتب المختومة والتلطف لنقض خواتيمها فمما لا نذكره خوفاً من سفيه.
وأما تضمين الأسرار حتى لا يقرأها غير المكتوب إليه فقيه أدب وقد تعلقت العامة بالقمي والأصبهاني فيجب أن يبدل الحروف تبديلاً يخفى وألطف من ذلك أن تأخذ لبناً طيباً فتكتب به في قرطاس فيذر المكتوب إليه عليه رماداً حاراً من رماد القراطيس فإنه يظهر وأن كتب بماء الزاج وذرّ عليه العفص المدقوق بجاز أو بماء العفص وذر عليه شيئاً من الزاج أو ينقع شيئاً من وشق ثم تكتب به ثم نثرت عليه الرماد فإنه يظهر وإن أحببته لا يقرأ بالنهار ويقرأ بالليل فاكتبه بمرارة السلحفاة وإن حاولت صنعة رسالة أو إنشاء كتاب فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت والكلمة بعبارة إذا سخت فربما مرّ بك موضع يكون مخرج الكلام إذا حسب أنا فاعل أحسن من أنا أفعل واستفعلت أحلى من فعلت.
وأدر الألفاظ في أماكنها واعرضها على معانيها وقلبها على جميع وجوهها حتى تقع موقعها ولا تجعلها قلقة نافرة فمتى صارت كذلك هجنت الموضع الذي أردت تحسينه واعلم أن الألفاظ في أماكنها كترقيع الثوب الذي إذا لم تتشابه رقاعه تغير حسنه قال الشاعر:
стр. 2848
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع
وارتصد لكتابك فراغ قلبك وساعة نشاطك فنجد ما يمتنع عليك بالكد والتكلف لأن سماحة النفس بمكنونها وجود الأذهان بمخزونها إنما هو مع الشهوة المفرطة في الشر والمحبة الغالبة فيه أو الغضب الباعث منه ذلك، قيل لبعضهم لم لا تقول الشعر قال: كيف أقوله وأنا لا أغضب ولا أطرب، وهذا كله إن جريت من البلاغة على عرق وظهرت منها على حظ فأما إن كانت غير مناسبة لطبعك ولا واقعة شهوتك عليها فلا تنضي مطيتك في التماسها ولا تتعب بدنك في ابتغائها واصرف عنانك عنها ولا تطمع فيها باستعارتك ألفاظ الناس وكلامهم فإن ذلك غير مثمر لك ولا مجد عليك ومن كان مرجعها فيها إلى اغتصاب ألفاظ من تقدم والاستضاءة بكوكب من سبقه وسحب ذيل حلة غيره ولم يكن معه أداة تولد له من بنات قلبه ونتائج ذهنه الكلام الحر والمعنى الجزل فلم يكن من الصناعة في عير ولا نفير.
على أن كلام العظماء المطبوعين ودرس رسائل المتقدمين على كل حال مما يفتق اللسان ويوسع المنطق ويشحذ الطبع ويستثير كوامنه أن كانت فيه سجية قال العتابي: ما رأينا فيما تصرفنا فيه من فنون العلم وجرينا فيه من صنوف الآداب شيئاً أصعب مراماً ولا أوعر مسلكاً ولا أدل على نقص الرجال ورجاحتهم وأصالة الرأي وحسن التمييز منه واختياره من الصناعة التي خطبتها والمعنى الذي طلبته وليس شيء أصعب من اختيار الألفاظ وقصدك بها إلى موضعها لأن اللفظة تكون أخت اللفظة وقسيمتها في الفصاحة والحسن ولا يحسن في مكان غيرها وبتمييز هذه المعاني ومناسبة طبائع جها بذتها ومشاكلة أرواحهم جعلوا الكتابة نسباً وقرابة وأوجبوا على أهلها حفظها.
سهل بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت في أبدان مفترقة ومن لم يعرف فضلها وجهل أهلها وتعدى بهم رتبتهم التي وصفهم الله بها فإنه ليس من الإنسانية في شيءٍ، قالت البرامكة: رسائل المرء في كتبه دليل على عقله وشاهد على غيبه قال الشاعر:
وتنكرو دا لمرء في لحظ عينه ... وتعرف عقل المرء حين تكاتبه
آخر:
وشعر الفتى يبدي غريزة طبعه ... وبالكتب يبدو عقله وبلاغته
الشعبي: يعرف عقل الرجل إذا كتب وأجاب، العتبي: عقول الناس مدونة في كتبهم، ابن
стр. 2849
المقفع: كلام الرجل وافد عقله، وشبهت الحكماء المعاني بالغواني والألفاظ بالمعارض فإذا كسا الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظاً رائقاً وأعاره مخرجاً سهلاً كان للقلب أحلى وللصدر أملى ولكنه بقي عليه أن ينظمه في سلكه مع شقائقه كاللؤلؤ المنثور الذي يتولى نظمه الحاذق والجوهري العالم يظهر بإحكام الصنعة له حسناً هو فيه ومنحة بهجة هي له كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة هجن نظمه وأطفأ نوره، كان حبيب بن أوس ربما وقع على جوهرة فجعلها بين بعرتين قال الشاعر:
ولو قرنت بدرٍ فاخرٍ خرزاً ... من الزجاج لقلنا بئسما نظما
والياقوت حسن وهو في جيد الحسناء أحسن وكذلك الشعر الجيد مونق ولكنه من أفواه العظماء آنق والتاج الشريف بهي المنظر وهو على الملك أبهى كما قال ابن الرقيات يعتدل التاج فوق مفرقه قال أبو العتاهية لابن مناذر: بلغني أنك تقول الشعر في الدهر والقصيدة في الشهر فقال نعم لو رضيت لنفسي أن أؤلف تأليفك وأقول ياعتب بادرة الغواص لقلت في اليوم والليلة ألف قصيدة وقال عمر بن لجأ لشاعر: أنا أشعر منك قال: ولم قال: لأنك تقول البيت وابن عمه وأنا أقول البيت وأخاه.
فإن منيت بحب الكتابة وصناعتها والبلاغة وتأليفها وجأش صدرك بشعر معقود أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور وتهيأ لك نظم هو عندك معتدل وكلام لديك متسق فلا تدعونك الثقة بنفسك والعجب بتأليفك أن تهجم به على أهل الصناعة فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد لولده والعاشق إلى عشيقه كما قال حبيب:
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
ولكن اعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجاً بغيره فإن أصغوا إليه وأذنوا له وشخصوا بالأبصار واستعادوه وطلبوه منك وامتزج فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه وانسبه إلى نفسك وإن رأيت عنه العيون منصرفة والقلوب عنه واهية فاستدل به على تخلفك عن الصناعة وتقاصرك عنها واسترب رأيك عند رأي غيرك من أهل الأدب والبلاغة فقد بلغني أن بعض الملوك دعا إنساناً إلى مؤانسته حتى ارتفعت الحشمة بينهما فأخرج له كتاباً قد غشاه بالجلود وجمع أطرافه بالابريسم وسوى ورقه وزخرف كتابته وجعل يقرأ عليه كلاماً قد حبره فيه ونمقه عند نفسه وجعل يستحسن ما لا
стр. 2850
يحسن ويقف على ما يستثقل قراءته حتى أتى على الكتاب فقال له كيف رأيت ما قرأت عليك فقال أرى عقل صانع هذا الكلام أكثر من كلامه ففطن له ولم يعاوده إلى أن وقف به على تنور مسحور ثم قذف بالكتاب في النار وهذا رجل في عقله فضلة وفيه تمييز.
وإنما البلية فيمن إذا بينت له سوءَ نظمه واختياره ووقفته على سخافة لفظه هجرك وعاداك فاجعل هذا الأصل ميزاناً تزن به مذهبك في رسائلك وبلاغتك ولا تخاطبن خاصاً بكلام عام ولا عاماً بكلام خاص فمتى خاطبت أحداً بغير ما يشاكله فقد أجريت الكلام غير مجراه وكشفته وقصدك بالكلام الشريف للرجل تنبيه لقدر كلامك ورفع لدرجته قال:
فلم أمدحه تفخيماً لشعري ... ولكني مدحت بك المديحا
فلا تخرجن كلمة حتى تزنها بميزانها فتعرف تمامها ونظامها ومواردها ومصادرها وتجنب ما قدرت الألفاظ الوحشية وارتفع عن الألفاظ السخيفة واقتضب كلاماً بين الكلامين.
الجاحظ: ما رأيت قوماً أمثل طريقة في البلاغة من هؤلاء الكتاب فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً ولا ساقطاً سوقياً: وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلالم ما لا يحتاج إلى كلام وأحسنه ما لم يكن بالبدوي المغرب ولا القروي المخدج الذي صحت مبانيه وحسنت معانيه ودار على السن القائلين وخف على آذان السامعين ويزداد المحكوم له بالبلاغة من إذا حاول صنعة كتاب سالت على قلمه عيون الكلام من ينابيعها وظهرت من معادنها وتدرب من مواطنها من غير استكراه ولا اغتصاب.
حدثنا صديق للعتابي قال له: اعمل لي رسالة واستمده مرة بعد أخرى فقال له: ما أرى بلاغتك إلا شاردة فقال له العتابي. لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل جهة فأحببت أن أترك كل معنى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها. أملى يزيد بن عبد الله أخو ديناراً على كاتب له وأعجل عليه الإملال فتعثر قلم الكاتب عن تقييد إملاله فقال متحرشاً: اكتب يا حمار فقال الكاتب: أصلح الله الأمير إنه لما هطلت شآبيب الكلام وتدافقت سيوله على حرف القلم كلَّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده فليتذكر الأمير عذري فكان جوابه أبلغ من بلاغة يزيد. وكلما احلولى الكلام وعذب ورق وسهلت مخارجه كان أسهل ولوجاً في الأسماع وأشد اتصالاً بالقلوب وأخف على الأفواه ولا سيما إذا كان المعنى البديع مترجماً للفظٍ مونق شريف ومعبراً بكلام مؤلف رشيق لم يشنه التكلف بميسمه
стр. 2851
ولم يفسده التعقد باستهلاكه كقول ابن أبي كريمة.
قفاه وجه حسن والذي ... قفاه وجه يشبه الشمسا
فهجن المعنى بتوعر مخارج الحروف وأخذه الحسن بن هاني فسهله. وقال بذَّ حسن الوجوه حسن قفاكا وكلاهم من حسان حيث يقول:
قفاؤك أحسن من وجهه ... وأمك خير من المنذر
وانظر إلى سلاسة الحسن بن سهل حيث قال:
شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهل والجبل
وكتب عيسى بن لهيعة كتاباً إلى بعضهم فعقد كلامه وجاز المقدار في التنطع فوقع له:
أنى يكون بليغاً ... من اسمه كان عياً
وثلث الحرف منه ... إذا كتبت مسياً
ودخل كاتب على مريض فوجده يئن فخرج من عنده فوجد طائراً يقال له الشفانين بباب الطاق فاشتراه وبعث به إليه وكتب كتاباً يتنطع فيه ويذكر أنه يقال له الشفانين شفاءً من الأنين فأجابه لو عطست ضباً لم تكن عندي إلا نبطياً فاقصر عن بغضك وسهل كلامك ومثله بمخلد الموصلي يهجو حبيب بن أوس الطائي:
أنت عندي عرني ... عرني والسلام
شعر ساقيك وفخ ... ذيك خزامى وتمام
وقفاً تحلف ما أن ... أعرقت فيه الكرام
أنا ما ذنبي إن الذ ... نبي فيك الأنام
وسألني بعض أهل العلم أن أكتب له قصة إلى جعفر بن عبد الواحد القاضي وقال: اكتب لي قصة سهلة بليغة الألفاظ فقلت له: دعني أكتب لك ما يصلح للقضاة فغضب وقال ما أسأل أن تعطيني شيئاً إنما أسألك هذا المعنى الرخيص فاحتملت عتبه لذمام فكتبت له قصة لا تصلح أن تدفع إلا لرؤية بن العجاج يقرؤها أو الطرماح فلما حصلت بيد القاضي أراد قراءتها فإذا هي مغلقة عليه فقال له: أنت كتبت هذه القصة قال: نعم. فقال: إذاً فاقرأها فذهب ليقرأها فإذا هي يالسودانية استعجاماً عليه فقال له: أصلح الله القاضي إنما أقرؤها في بيتي فقال له: فاطلب حاجتك إذاً في بيتك فرجع إليَّ غضبان آسفاً يشتم ويؤذي وسألني
стр. 2852
أن أكتب له قصة على ما أرى فكتبت له كتاباً يثبه أن يكون من مثله إلى القضاة فقرأها وقضى حاجته وعلم أنه لم يكتب واحدة منهما والكتاب إذا لم يكن بحاجة صاحبه كان أحد الأسباب المانعة والمعاني كلها ممتثلة والكلام مشبعاً ولكن سياسته صعبة وتأليفه شديد إلا على جهابذته وفرسانه أمراء الكلام يصرفونها كيف شاؤوا ولا يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه ويكون اللفظ الأسبق إلى الأسماع من معناه إلى القلوب.
الجاحظ: كان لفظه في وزن إشارته وطبعه في معناه في مطابقة معناه ذكر الحسن ابن وهب أحمد بن يوسف فقال ما كنت ألفظه آنق أم معناه أو معناه أجزل أم لفظه. والمعاني وإن كانت كامنة في الصدور فإنها مصورة فيها ومتصلة بها وهي كاللآليء المنظومة في أصدافها والنار المخبوءة في أحجارها فإن أظهرته من أكنانه وأصدافه تبين حسنه وإن قدحت النار من مكانها وأحجارها انتفعت بها وإلا حذق المستنبط وصواب حركات المستخرج وقصد إشارته وكلما كان الكلام أفصح والبيان أوضح كان أدل على حسن وجه العني الخفي بالروح الخفي واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف لفظ شريف جزل لم تكن العبارة واضحة ولا النظام متسقاً والدال على المعنى أربعة أصناف لفظ وإشارة وعقد وخط.
وذكر أرسطاطاليس خامساً وهي تسمى النصبة وهي الحالة الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة الناطقة بغير لفظ والمشيرة إليه بغير يد وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض وفي كل صامت وناطق وهي داخلة في جملة هذه المعاني الأربعة وخارجة منها بالحيلة.
ولكل واحدة من هذه الدلائل صورة مخالفة لصورة صاحبتها وحلية غير مشاكلة لحلية أختها غير أنها في الجملة كاشفة عن أعيان المعاني وأوضح هذه الدلائل صنفان منها وهما اللسان والقلم وكلاهما يترجمان ويدلان على القلب ويستميلان منه ويؤديان عنه ما لا تؤدي هذه الأصناف الباقية.
وأما اللسان فهي الآلة التي يخرج الإنسان بها من حد الاستبهام إلى حد الإنسانية ولذلك قال صاحب المنطق: حد الإنسان الحي الناطق وإنما يبين عن الإنسان اللسان وعن المودة العينان والله سبحانه رفع درجة اللسان فأنطقه من بين الجوارح بتوحيدة وما جعل الله من
стр. 2853
عبر عن شيء مثل من لم يعبر عنه.
الأعور التيمي:
لسان الفتى ونصف فؤَداه ... فلم يبقِ إلا صورة اللحم والدم
وقال آخر:
إن الكلام لفي الفؤاد وأنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
الطائي:
ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
للخط صورة معروفة. وحلية موصوفة وفضيلة بارعة. ليست لهذه الأوصاف لأنه ينوب عنها في الإيضاح عند المشهد ويفضلها في المغيب وكفى بفضيلة العلم والخط قول الله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وأقسم به كما أقسم بغيره ثم أقسم بما يكتبه القلم إفصاحاً عن حاله وإعظاماً لشأنه وتنبيهاً لذكره فقال: وما يسطرون. ومن فضيلة الخط أنه لسان اليد ورسول الضمير ودليل الإرادة. والناطق عن الخواطر. وسفير العقول ووحي الفكر. وسلاح المعرفة. ومحادثة الأخلاء على التنائي. وأنس الأخوان عند الفرقة. ومستودع الأسرار. وديوان الأمور. وترجمان القلوب. والمعبر عن النفوس. والمخبر عن الخواطر. ومورث الآخر مكارم الأول والناقل إليه مآثر الماضي والمخلد له حكمته وعلمه والمسامر للعين بسر القلب. والمخاطب عن الناصت. والمجادل عن الساكت. والمفصح عن الأبكم والمتكلم عن الأخرس الذي تشهد له آثاره بفضائله وأخباره بمناقبه وقد وقعت البلاغة من العلم علو القدر وباذخ العز كأبي مسلم صاحب الدولة فرقت شمله وبددت جمعه ونقضت برمه وأفسدت صلاحه وضعضعت بنيانه مع ذكائه وتفطنه ومكايده ودهائه وأصالة رأيه وشدة شكيمته وامتناعه على أبي جعفر ونفاره عنه كيف استفزه ابن المقفع وصالح بن عبد القدوس وجبل بن زيد واستمالوه بسحر ألفاظهم وبلاغة أقلامهم حتى نزل من باذخ عزه وجاء مبادراً حتى وقع في الشرك المنصوب له فتفرق جمعه وانطفأ نوره وصار خبراً سائراً وأثراً ورفع القلم خاشع الطرف صغير الخطر لئيم الجنس من ناظريه حتى شافهت بع عنان السماء ورفعت بناءه فوق البناء حتى طلبه الراكب وقصده الطالب وخشعت له الرجال. ولحظته العيون بالوقار. وتمكن من الصنائع ومدت نحوه الأصابع.
стр. 2854
فشكرت منه اللفظة. ورجيت منه اللحظة. كمحمد بن عبد الملك بن الزيات وفيه يقول علي بن الجهم:
أحسن من عشرين بيتاً سداً ... جمعك معناهم في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت
فأجابه محمد بن عبد الملك:
رقيت في القول إلى خطة ... قدرك فيها قد تعديت
قيرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت
ومدحه حبيب بن أوس يمدحه ويصف قلمه:
لك القلم الأعلى الذي بثباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
وكان محمد من ألطف الناس ذهناً وأرقهم وأصدقهم حساً وأرشقهم قلماً وأملحهم إشارة إذا قال أصاب وإذا كتب أبلغ وإذا أشعر أحسن وإذا اختصر أغنى عن الإطالة أمره الواثق أن يتلطف بعبد الله بن طاهر ويعلمه أنه صرفه عن أمر الجزائر والعواصم وفوض ذلك لابن اسحاق بن إبراهيم فكتب أما بعد فإن أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما في يمينك من أمر الجزائر والعواصم فيجعله في شمالك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
سهل بن بركة يهجو أبا نوح النصراني الكاتب فقال:
بأبي وأمي ضاعت الأحلام ... أم ضاعت الأذهان والأفهام
من صد عن دين النبي محمد ... إله بأمر المسلمين قيام
إلا تكن أسيافهم مشهورة ... فينا فتلك سيوفهم أقلام
قال عبد الرحمن بن كيسان استعمال الكلام أجدر بإحضار الذهن عند تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام ولم يختلف في شرف القلم وإنما اختلف في كيفية البلاغة وماهيتها وقد مدحها كل قوم بأوضح عبارتهم وأحسن بيانهم فقال صاحب اليونانيين البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام. الرومي: البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. الفارسي: هي معرفة الفصل من الوصل. الهندي: هي البصر بالحجة والمعرفة لمواضع الفرصة ثم أن يدع الإفصاح بها إلى الكتابة عنها إذ كان الإفصاح أوعر طريقاً وربما الإطراق عنها أبلغ في الدرك وأحق بالظفر. غيره: جماع البلاغة التماس
стр. 2855
حسن الموقع والمعرفة بساعات القول وقلة الحذق بما التبس من المعاني وغمض وبما شرد من اللفظ وتذر ثم قال وزين كله وبهاؤه وحلاوته أن تكون الشمائل معتدلة والألفاظ موزونة واللهجة نقية فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت فقد تم كل التمام. وقيل لهندي ما البلاغة فأخرج صحيفة مكتوبة عندهم فيها أول البلاغة احتمال آلة البلاغة. وذلك أن يكون البليغ رابط اتلجأش ساكن الجوارح قليل اللحظ متحيز للفظ لا يكلم سيد الأمة بكلام ولا الملوك بكلام السوقة ويكون في قواه فضل للتصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح ويصعبها كل التصعبة ويهذبها غاية التهذيب ولا يكون كذلك حتى يصادف فيلسوفاً حكيماً ومن قد تعود فضل الكلام وأسقط مشترك اللفظ.
أنوشروان لبزر جمهر: متى يكون العيي بليغاً فقال إذا وصف بليغاً
أرسطاطاليس: البلاغة حسن الاستعارة.
بشر بن خالد: البلاغة التقرب من المعنى البعيد والتباعد عن خسيس الكلام والدلالة بالقليل على الكثير.
خالد بن صفوان: ليس البلاغة بخفة اللسان ولا بكثرة الهذيان لكنها إصابة المعنى والقرع بالحجة.
عمر بن عبد العزيز: البليغ من إذا وجد كثيراً ملأه وإذا وجد قليلاً كفاه.
ابن عتبة: البلاغة دنو المآخذ وقرح الحجة والاستغناء بالقليل عن الكثير. بعضهم: إني لأكره للإنسان أن يكون مقدار لسانه فاضلاً عن مقدار عقله كما أكره أن يكون مقدار عقله فاضلاً عن مقدار لسانه وعلمه. يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
عمرو بن عبيد: ما البلاغة فقال: ما بلغك الجنة وعدل بك عن النار وما بصرك بمواقع رشدك وعواقب غيك فقال السائل ليس هذا أريد. فقال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول قال ليس هذا أريد. قال النبي ﵊: إنا معشر الأنبياء بكاؤون وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله فقال له السائل ليس هذا أريد قال كانوا يخافون من فتنة السكوت وسقطات الصمت
стр. 2856
فقال ليس هذا أريد فقال فكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن إفهام أنك أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين وتخفيف المؤنة عن المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت من الله سبحانه جزيل الثواب. الخليل بن أحمد: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقاً ولتلك الحال وفقاً وآخر كلامك لأوله مشابهاً وموارده لمصادره موازناً فافعل واحرص أن تكون لكلامك متهماً وإن ظرف ولنظامك مستريباً وإن لطف بمواتاة آلتك لك وتصرف إرادتك معك فافعل إن شاء الله.
وهذه الرسالة عذراء لأنها بكر معانٍ لم تفترعها بلاغة الناطقين ولا لمستها أكف المفوهين ولا غاصت عليها فظن المتكلمين ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين فاجعلها مثالاً بين عينيك ومصورة بين يديك ومسامرة لك في ليللك ونهارك تهطل عليك شآبيب منافعها ويظلك منها بركاتها وتوردك مناهل بلاغاتها وتدل على مهيع رشدها وتصدرك وقد نقع ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء الله والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2857
جابلق وجابلص أو جابلقا وجابلصا
كان الإفرنج قبل أن يعنوا بدرس اللغات الشرقية ينسبون أشياء جمة إلى العرب ويقولون عنها أنها خرافات لا نصيب لها من الحقيقة بل ولا أثر لها في عالم الوجود.
ولما أخذوا بالبحث عن تلك الأمور والإيغال فيه ناموا يرجعون شيئاً فشيئاً عما عزوه إليهم تحكماً أو تهكماً وبدأوا ينضمون إليهم مستصو بين أقوالهم. إلا أنه مما يمكن أن يقال في هذا الصدد أن الناطقين بالضاد بالغوا في ذكر بعض الأمور العرضية حتى كاد الجوهر يخرج عن طوقه بما حملوه الوهمية نقلاً عمن ليسوا من فرسان الميدان. ومن هذا القبيل هاتان المدينتان اللتان نريد أن نبحث عنهما في نبذتنا هذه.
أخلاف اللغات فيها
قال في اللسان في مادة جبلق: التهذيب: جابلق وجابلص (أي بفتح البآء الموحدة التحتية وفتح اللام في كليهما على ما ضبطتا كتابة) وأما في القاموس فقد ضبطهما أيضاً بالفتح في جابلق وبالفتح أو بالسكون في جابلص. وذكرها ياقوت في معجمه: جابرس وجابلق أي براء مهملة ساكنة بعد الياء الموَّصلة التحتية. وبلام ساكنة بعد الياء في الثانية ورواها صاحب البرهان القاطع روايات مختلفة الذكر فذكر في ٢: ٧٩ ج بلسان في جابلق. ورواهما أيضاً جابرسان وجابرُسا في جابلص. وحكى في شفاءِ الغليل إن المتكلمين يقولون جابلقآء وجبلصآء بالمدّ وخطأهم. وأرردهما الطبري في تاريخه بصور مختلفة أي جابرت وجابرس وهو يريد جابلص وجابلق وجابلقا وهو يرمي إلى جابلق. فهذه اللغات والروايات وإن اختلفت فهي واحدة في المرجع والأصل ثم اختلفت تبعاً لسنة المعرب أو الأعجمي على ما هو مشهور في ما أفرغ في قالب عربي. وتعاور اللام والراء في العربي الفصيح أمر مشهور كالطلمسآء والطرمساء وداهية لبسآءُ وربساء ونافة عبهر وعبهل فكيف في الدخيل. ومثله يقال في تبادل التاء والسين في لغة معروفة في اليمن وهي الوتم. ولا حاجة في التصريح بأن السين والصاد تترادفان في العربية والأمثلة تفوت الحصر (المزهر١: ٢٢٦ و ٢٢٧).
أقوال العرب فيها
قال في التهذيب: جابلق وجابلص: مدينتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب لس
стр. 2858
ورأهما إنسيٌ روي عن الحسن بن علي ﵄ أنه ذكر حديثاً ذكر فيه هاتين المدينتين. أهـ.
وقال الإمام السهيلي في كتاب المبهم: أظنها مجاورتي ياجوج وماجوج. وقد آمنوا بالنبي ﷺ إذ مرَّ في ليلة الإسراء فدعاهم فآمنوا. أهـ.
وقال الخليل: بلغنا أن معاوية أمر الحسن بن علي أن يخطب الناس. وهو يظن أن الحسن سيحصر لحداثته فيسقط من أعين الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابلص رجلاً جدُّه ونبيٌّ ما وجدتموه غيري وغير أخي وأن أدري لعله فتنةً لكم ومتاع إلى حين وأشار بيده إلى معاوية. أهـ.
وقد جاء حرف جابلق في شعر أبي الأسود الدؤلي على أنه اسم موضع معروف قد شاهده فقد قال:
تلبس لي يوم التقينا عويمر ... بجابلقٍ في جلد أحنس باسل
فهذا كلام يشعر بأنهما التقيا بجابلق. وهي غير جابلق الواردة في حديث الحسن وهي التي ذكرها أحمد بن يعقوب الهمداني في كتاب الإكليل إذ يقول: في جابلق وجابلص بقايا عاد وثمود الذين آمنوا بهود وصالح.
وقال ياقوت في معجمه في مادة جابرس. مدينة بأقصى المشرق. يقول اليهود إن أولاد موسى عم هربوا أما في حرب طالوت (= شاول) أو في حرب بخت نصر فسيرهم الله وأنزلهم بهذا الموضع فلا يصل إليهم أحد وأنهم بقايا المسلمين. وإن الأرض طويت لهم وجعل الليل والنهار عليهم سواءً حتى انتهوا إلى جابرس فهم سكانها ولا يحصي عددهم إلا الله فإذا قصدهم أحد من اليهود قتلوه وقالوا: لم تصل إلينا حتى أفسدت سنتك فيستحلون دمه بذلك. وذكر غير اليهود أنهم بقايا المؤمنين من ثمود وبجابلق بقايا المؤمنين من ولد عاد. اهـ. وذكر في جابلق: جابلق بالباءِ الموحدة المفتوحة وسكون اللام. روى أبو روح عن الضحاك عن ابن عباس أن جابلق مدينة بأقصى المغرب وأهلها من ولد عاد وأهل جابرس من ولد ثمود ففي كل واحدة منهما بقايا ولد موسى ﵇ كل واحدة من الأمتين. أهـ. المقصود من إيراده.
وقال صاحب التاج في مادة ج ب ر س جابرسا آخر بلاد الدنيا (من جهة المغرب) وقال
стр. 2859
في جبلق: جابلق قد أوضح المولى سعد الدين البلدين وعرَّف بهما وذكر معناهما على الوجه الأكمل في بحث المثال في شرح المقاصد. ذكر ذلك الشهاب في شفاء الغليل. . . . أهـ قلتُ أنا: لم أرَ شيئاً في شفاء الغليل المطبوع في مصر مما ذكره صاحب التاج. نعم إنه تكلم عن البلدين إلا أنه لم ينطق بكلمة بخصوص المولى سعد الدين. فاحفظه. وأما شرح المقاصد لسعد الدين فهو وإن كان يبدي إلا أنه لما كان خالياً من فهرس مرتب يهديني وحياً إلى مطلبي لم أتمكن من العثور على البحث المذكور فرجعت عنه بما رجع به حنين.
وكفانا تتبعاً لأقوال الكتبة إذ اجتزأنا بذكره وفاء بالمقصود لا سيما أن الجميع يكررون أقوال بعضهم عن بعضٍ والنتيجة واحدة. والذي يستخلص مما تقدَّم بعد طرح الزوائد الدخيلة التي جاء بها الإسرائيليون ما يأتي:
جابلص آخر البلاد المعمورة من جهة المغرب على ما كان يظنه أبناء ذلك الزمان وجابلق آخر البلاد من المشرق وجابلق تاور بلاد ياجوج وماجوج. وجابلص في أقصى المغرب وأقصى المغرب كان ينتهي في عرف الأقدمين عند بحر الظلمات في نحو الجزائر الخالدات أو في ما يسامتها. وعليه فيجب علينا أن نبحث عن جابلق أو جابلقا في ما يجاور بلاد ياجوج وماجوج ونبحث عن جابلص في ما ينتهي عند بحر الظلمات. وأول كل شيء نحتاج إليه في البحث عن ضالتنا أن ننظر إلى الكلمة ونتفحصها لنعرف مأتاها. والحال أن العلماء قد أتفقت على أن اللفظة ليست بعربية ورجحوا كونها فارسية. لأنهم يقولون أن الجيم والقاف أو الجيم والصاد لا يجتمعان في لفظة عربية وإذا وجدتا فيهما يدلان على أن الكلمة أعجمية أو فارسية. فإذا تقرر أنها فارسية يتضح لك أن وجود جا في صدر كلا الحرفين يدل على أن اللفظة مركبة وأن جا تعين معنى يصح أن يقع على الكلمتين. وهو أمر لا ريب فيه فإن جا حرف فارسيّ معناه المحل والمكان والمقام. أو كما يقول العرب الدار التي وردت بمعناها الأصلي الحقيقي وبمعنى البلد والمدينة. لأن أول ما تنشأ عليه المدينة تكون داراً ثم تبتنى دور أخرى بجانبها حتى تقوم منها البلد أو المدينة. فقد قالوا دار السلام ودار الإسلام ودار السعادة ودار الحرب إلى آخر ما هناك. وأما بلقا أو بُلقا فيجب أن تكون اسم مدينةٍ في آخر البلاد المعمورة من جهة الشرق مما يجاور بلاد يأجوج ومأجوج وهذا ما يصدق على بلدة بلقا وبالإفرنجة وهو اسم نهر عرفه العرب أيضاً
стр. 2860
لخروجهم من سقي ذلك النهر. ويشهد على صحة ذلك وجود مدينة هنالك تسمى إلى اليوم بلقاري أو بلغاري وهم يكتبونها بحرف تمييزاً لها عن أو للبلاد المشهورة. واللاحقتان بآخر الكلم تدل على البلاد كما في كما أن جا في رأس الألفاظ تفيد هذا المعنى عند الفرس ومنها جابروان وجابق وجاجرم وجاجن وجاسك وجاكرديزه وجالقان وجاورسان إلى غير هذه.
وأما جابلص أو جابرسا أو جابلسا أو جابلصا فهي: بلص أو برصا أو بلصا أو بلسا بعد تجريد جا عنها. وإذا فتشنا عن مدينة بهذا الاسم في منتهى المغرب المعروف في ذلك العهد وجدناها باسم بلسا أو بلصا في بلاد لوسينانية أي هي البلدة المعروفة اليوم باسم تافيرة في بلاد البرتقال.
وإذا علمت ذلك ظهر لك أن لا حق للأجانب أن ينسبوا العرب إلى الجهل والقول بالخرافات والله الهادي إلى كل صواب.
بغداد ـ
ساتسنا
стр. 2861
نظرة في نخب الذخائر في أحوال الجواهر
وقفت على نسخة مضبوطة قديمة العهد من نخب الذخائر وعلقت عليها بعض حواشٍ وملاحظات لأنشرها في إحدى المجلات. فسبقتني إلى ذلك مجلة المشرق البيروتية في سنتها الحادية عشرة صفحة ٨٥١ وبالمقابلة وجدت أن نسخة المشرق ليست بمضبوطة كل الضبط وقد وقع فيها أغلاط وسقط منها عبارات وكلمات فترقبت فرصة أخرى أنشر نسختي مع حواشيها وملاحظاتي على مجلة المشرق. ولما زرت حلب في الصيف الماضي زدت النسخة تحقيقاً بمعارضتها بنسخ كثيرة فزدت ثقةً بما اجتمع لديَّ منها ثم انتهى إليَّ منذ أسبوعين الجزء السابع من مجلتكم المقتبس الغراء. لسنتها الرابعة فإذا بكم نشرتموها أيضاً فعارضت ذلك بنسختي فوجدت اختلافات أفردت لها هذه المقالة الآن وقبل أن أدخل في الإشارة إلى اختلافات نسخة المشرق والمقتبس عن نسختي أقدم الكلام في أحوال الجواهر والمعادن وما عرفه العرب عنها مع اعتقاداتهم واعتقادات الإفرنج بالحجارة الكريمة.
إن مؤلف نخب الذخائر في أحوال الجواهر هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري السنجاري المصري المعروف بابن الأكفاني نسب إلى سنجار حيث ولد ونشأ وطبَّ بمصر وتوفي بالطاعون سنة ٧٤٩ هـ ١٣٤٨ م وترك مؤلفات ذكر بعضها الحاج خليفة في فهرسه كنف الظنون منها كشف الرين في أمراض العين وغنية اللبيب في غيبة الطبيب ونهاية القصد في صناعة الفصد وإرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد وهذا طبع مؤخراً في بيروت سنة ١٩٠٤ م في ١٤٨ صفحة وبعضها لم يذكرها منها بالنظر والتحقيق في تقليب الرقيق وغيرها مما هو في بعض مكاتب أوربا والشرق وأخبار المؤلف قليلة.
ولقد ألف كثير من القدماء في الجواهر منها كتاب (الأحجار) لأرسطو صنفه واستخرج بنظره والإرشاد الإلهي خواصها ومنافعها وذكر فيها خاصية ستمائة حجر ونيف. وقد عرَّبُه لوقا بن سرابيون وعليه اعتمد العرب في ما كتبوه عن الجواهر. فألف في هذا الفن أبو الريحان محمد بن أحمد البيروتي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ (١٠٣٨ م) واسم كتابه الجماهر في الجواهر. وأبو العباس أحمد بن يوسف اليفاشي القاهري المتوفى في سنة ٦٥١ هـ (١٢٥٣ م) ةاسم كتابه (أزهار الأفكار في جواهر الأحجار) وصف فيه ما في خزائن الملوك منها.
стр. 2862
وقد رأيت نسخة منه في حلب وطبعه أنطونيو رانادي الإيطالي في فرنسا سنة ١٨١٨ م ونقله إلى الإفرنسية كليمان موله. وممن ألف في المعدنيات والأحجار الشيخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ ١٤٤١ م. واسم كتابه (المقاصد السنية في معرفة الأجسام المعدنية). وموفق الدين البغدادي المتوفى سنة ٦٢٩ (١٢٣١ م) له رسالة في المعادن وإبطال الكيمياء.
ومن أشهر من كتب في هذا زكريا بن محمد بن محمود الكوفي القزويني المتوفى سنة ٦٨٢ هـ (١٢٨٤ م) في عجائب المخلوقات معدّداً الحجارة والمعادن. والأبشيهي المتوفى في أوائل القرن التاسع ينتهي في المستطرف الباب السابع والستون. وابن بطوطة المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (١٣٧٦ م) في رحلته ذكر مغاص الجوهر بين سيراف والبحرين. ومعدن الياقوت في جزيرة سيلان وعدد بعض اللآلئ في خزائن الملوك والعظماء.
وأبو الحسن المسعودي المتوفى ٣٤٦ هـ (٩٥٧ م) عدّد في كتابه مروج الذهب بعض المغاوص ووصف بعض الجواهر مما لا يخرج عن اعتقاد العرب وتتمة للفائدة أذكر أسماء المعادن والحجارة الكريمة التي أوردها القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات) قال: المعدنيات تقسم إلى الفلزات وهي الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والأسرب والخارصيني وإلى الأحجار وهي الإثمد وحجر أرسون وحجر افيداج وحجر افرنجس وقليميا الذهب وقليميا الفضة وباهت وبسد وبلور والبورق وتنجادق وتدمر وتنكار وتوتيا وجالب النوم وجزع وحامي وبليناس واسمانجوني وحجر أبيض وأحمر وأسود وأصفر وأغبر وحجر الباهة والبحر والحباري والحصاة والحية والخطاف والدجاج والرحى والسامور والسم والشياطين والصدف والصنونو (السنونو) والعاج والعقاب والغار والقمر والقير والقيء والكلب والمطر وحجر تتمرغ فيه الناقة وحجر يتولد في الإنسان وحجر يتولد في الماء الراكد وحرض وموساي وخبث الحديد وخصية اللص وحجر در ودهنج وحجر دمياطي ورخام ورقوس وأحجار زاجات وحجر زبد البحر والزجاج والزرنيخ والزنجار والزنجفر وحجر سبج وسنسليس وسنباج وشاذنج وشب وصدف وطارد النوم وحجر طالقون وطلق وطرسوطوس وحجر عقيق وعنبري وعطاس وحجر فادزهر وفرسلوس وفرطاسيا وفرفوس وفيروزج وفيلفوص وفيهار وقرياطيسون وقروم قلقديس
стр. 2863
وقلطار وقلقندو وقلي وقيسور وقبراطير وحجر كرسياد وكرسيان وكرك وكرمان وكهرباء وحجر لازورد ولاقط الذهب وحجر لاقط الرصاص وحجر لاقط الشعر وحجر لاقط الصوف وحجر لاقط العظم وحجر لاقط الفضة وحجر لاقط القطن وحجر كاغيطوس وألماس ومغناطيس وماهاني ومراد ومرجان ومرداسنج ومرقشتا ومسن ومسهل الولادة وحجر مغناطيس وملح وحجر نطرون وحجر نوبي ونورة والنوشادر وحجر هادي وحجر ياقوت وحجر يشب وحجر يقظان. أهـ.
وذكر الأبشيهي في المستطرف أن المعادن تقسم إلى ما يذوب وما لا يذوب وقال أن المشهور منها سبعة الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والاسرب والخارصيني. والزمرّد والزبرجد والفيروزج والعقيق والجزع والبلور والمرجان وحجر الماطليس والحجر الماهاني وحجر مراد والدهنج والسبج والمغناطيس وحجر الخطاف وحجر الزاج وحجر الزنجفر وحجر الملح وحجر النطرون وحجر اللازورد. أهـ.
وقد ذكر كل من القزويني والأبشيهي خرافات كثيرة بشأن خواص الجواهر واتخاذ الناس لها مما كان أقدم من ذكر مثله من الاعتقادات أرسطو وديوسقور يدس اليونانيان وبلينوس الروماني وغيره فجاراهم العرب بهذه الأفكار.
وربما يظن بعضهم أن العرب ومن تقدمهم من الأمم اعتقدوا بهذه التخرصات فقط مع أن لمتمدني الإفرنج حتى يومنا اعتقادات ليست بأقل من تلك أوهاماً فالإنكليزيون يعتقدون أن الياقوت يشفي من الرثية (الروماتزم) ويبقي حامله من برد الأطراف والفيروز يحمي حامله من السقوط من شاهق والياقوت الأزرق يحمي حامله من الأفاعي ويزعمون أن حجراً كريماً يظهر في رأس الهرّ مرة كل ألف سنة فمن يجعله تحت لسانه تنبأ وأخبر بالغيب. وأهل نابولي في إيطاليا يلبسون أحجبة المرجان تعويذاً من عيون الحساد. ويزعمون أن الزبرجد يزيل حدة الطبع ويشفي من البرص. ويستعملون حجر اليشم لمنع العطش واتقاء الزوابع والصواعق والفيروز للوقاية من السقوط. والعقيق لقطع نزيف الدم والاستشفاء من لدغ الثعبان. ومن اعتقاد الإفرنج عموماً أن حجر الكهرباء يقي من مرض الحمرة ووجع الحلق. وكان القدماء من الفرنجة يطردون السحر بالياقوت الأصفر ويعالجون الجنون به ويرمزون باتاس إلى العدل والعفة والثبات إلى غير ذلك.
стр. 2864
وهناك الآن النظرة في مقالة النخب المنشورة في مجلتي المشرق والمقتبس معتمدين على مجلة المقتبس ثم على ما في نسخة المشرق وأخيراً نسختنا المحفوظة صفحة ٣٧٨ سطر ٣ كفَّ أفضاله وفي نسخة المشرق ونسختنا كفاء وهو الأظهر وسطر هـ الجواهر النفيسة بأصنافها وفي نسختنا وأصنافها. وسطر ١٣ صفحة فضة محلاة وفي نسختنا صفيحة فضة مجلوة وهي أصح وسطر ١٥ بلون البهرماني ـ البهرمان. وسطر ٢١ تشبيهاً بالجمر ـ تشبيهاً له بالجمر ـ وكأن الحميري ـ الخمري. وسطر ٢٣ بالماذيني ـ بالماذنبي ولعل الاؤلى أولى.
صفحة ٣٧٩ سطر ١ وعن التفت ـ التفث وسطر ٣ عائرة ـ غائرة. وسطر ١٣ وأضعفه ـ وضعفه: ثلاثون ديناراً ـ ثلاثين. وسطر ١٨ وكان في خزانة يمين الدولة ـ الأميريمين الدولة محمود وسطر ١٩ وكان للمقتدر فصاً ـ فصّ.
صفحة ٣٨٠ سطر ٥ الفافقي ـ الغافقي وسطر ٦ ينفع حدوث الصرع ـ يدفع وسطر ٧ الياقوت الأحمر ٥ وكذا في المشرق ـ وفي نسختي الياقوت الأبيض وسطر ٨ كان فيه زئبق ـ زئبقاً. وسطر ١٠ وتقال أنه وقاية لعين المجدور ـ ويقال أنه أصح وقاية. سطر ١٢ مسفرص في وكذا في المشرق ـ صافٍ. وسطر ١٤ بالمرقشيشا الذهبية ـ بالمرقشيشا الذهبية: ما حلي به ـ ما جلي. وسطر ٢٢ البحادي ـ البجادي. وسطر ٢٥ بالماذيني ـ بالماذبني. وسطر ٢٦ بذخشان ـ بدخشان.
زحلة (لبنان) ـ
عيسى اسكندر المعلوف
стр. 2865
سير العلم والاجتماع
كيف نحسن الأكل
كثيراً ما ينشأ سوء الهضم من هيئة الجسم ووضعه فإذا أردت أن تتقيه فعليك بجعل قامتك منتصبة ما أمكن واقفاً كنت أو جالساً فتلقي كتفيك إلى الوراء. وصدرك إلى الأمام وهذا من أهم القواعد في حفظ الصحة. ومن أنفع الرياضات لتقوية أعصاب الظهر والبطن أن يستلقي المرء على قفاه ويجعل يديه تحت نقرته ويجلس رويداً رويداً ويداه قابضتان على قفاه ويكرر هذا العمل مرات بتنويعه فينحني إلى الأمام وهو جالس ويمد يديه ليمس طرفي رجليه بأطراف أنامله. وهناك رياضة أخرى نافعة كثيراً وهو أن يقف المرءُ منتصب القامة وينحني إلى الوراءِ ثم يرجع إلى الأمام ويميل ذات اليمين ثم ذات الشمال وينتقل إلى الأطراف الأربعة بدون أن ينقل رجليه من مكانهما ثم يقف رافعاً يديه ومفرقاً بين رجليه كهذا الحرف ويمد بعد ذلك حفتيه بحيث تماسان وهو واقف مباعداً بين ساقيه ومنحنياً يمد يديه ما أمكن. هذه الحركات من شأنها تمرين عضلات البطن فإذا قام بها الإنسان قبل الأكل تنبعث شهوته للطعام وإذا أتاها بعده تسهل عليه الهضم ومما ينصح به لمن يريد حفظ صحته أن يبدل قبل الجلوس إلى المائدة ثيابه في النهار أو ثياب عمله ويضع المائدة وضعاً محكماً لأن لرداءة وضع الخفان تأثيراً في شهوة الأكل والنظر إليه وحده باعث على سوء الهضم والأحسن أن يستريح الإنسان قليلاً قبل الطعام وعليه أن لا يجلس على كرسي وذراعاه على ركبتيه وظهره منحن لأن هذه الجلسة تعوق الهضم.
النوراستينيا
النوارستينيا أو ضعف المجموع العصبي اسم لمرض عرف منذ ثلاثين سنة وهو يزداد مع الحضارة والإفراط في مقتضاياتها وهو عبارة عن تغلب الحالة العصبية على باقي المجموع العصبي والعصبي أعظم أمراض هذا العصر فالتعب على اختلاف أنواعه والاضطراب الدائم واشتغال الفكر في المعاش ولا سيما في المدن الكبرى والهموم ومعاكسة الدهر والخيبة في العشق وتعب الإسراف على النفس كلها من الأسباب الصحية المعتادة في انحلال الأعصاب وضعف مجموعها. وربما هذا المرض وراثياً فيحدث عنه إذ ذاك ضعف منوع في الأعصاب يؤدي إلى داء المفاصل وداء الملوك وهما من الأمراض العصبية كما
стр. 2866
هو المعلوم وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى الأمراض العفنية واضطراب الآلة الهاضمة والتناسل البولي. وأعراض النوراستينيا واحدة في الأكثر أهمها وجع الرأس ووجع الظهر والأرق والاضطرابات المعدية خاصة والضعف الذي يعم الجسم. وكثيراً ما تقل الوظائف العقلية والذاكرة والانتباه والإرادة ويصبح التأثر قريباً من المرض ويصحب كل ذلك قلق دائم وأفكار مرتبكة رديئة ويبدو التعب العام في الصباح عند الانتباه منت النوم فيشعر المريض أحياناً بتكسر في جسمه وارتخاء في قواه.
ويشعر بأهم الاضطرابات المعدية بسوء الهضم وثقل في جوف المعدة وأحياناً في قرصها فهذا المرض هو سوء هضم عصبي وكثيراً ما تقل شهوة الطعام وينتفخ البطن وترى في الوجه طفحة حمراء.
والنوراستينيا كالهستريا (اختناق الرحم) لا تهلك صاحبها بل تسمم جسمه وتصعب عليه الحياة ويتأتى للمصاب به كل حين أن يشفى منه وليس المعول فيه على الدواء والدواء ثانوي فالمهم في شفائه أن يُزال السبب الذي نشأ منه كالاهتمام بالأشغال والأعمال العقلية المفرطة في كل شيء. وتغير البيئة والمقام في الفلاة مما ينفع في شفائه نفعاً كبيراً. أما مداواته فالأحسن بالكهربائية والاستحمام بالماء الفاتر. والاستحمام بالكهربائية يؤثر في التغذية والأعصاب فالاضطرابات المعدية والشقيقة والأرق والأحلام الرديئة تنقطع بمجرد توجيه الكهرباء إلى الرأس. ونحاف الأجسام ينتفعن بالاحثقال بالزرنيخ ويفيد فيه التغميز (التمسيد) ولا بأس من استعمال بعض المشروبات التي تزيد القابلية للطعام وأخذ خلاصة القنب الهندي من عيار خمسة في المئة سانتغرام يزيل وجع الشقيقة لا محالة.
عمر الجراثيم
ثبت لأحد العلماء الألمان أن الجراثيم أطول أعماراً ومقاومة للاحتفاظ بحياتها مما نتوهمه لعلمنا أنها أحياء صغيرة لا ترى إلا بالمجهر فقد أخذ خراطيش حشاها رصاصاً وجعل عليها ألوفاً من الجراثيم ثم ملأ بنقية وأطلق الرصاص على علبة من التنك وكان فيها نوع من الهلام السائل الذي يصلح لأن تعيش فيه الميكروبات ولما مخض العلبة شاهد أن الجراثيم التي أطلق عليها الرصاص قد نمت وتكاثرت بدلاً من أن تهلك بإطلاق النار عليها والأغرب أنه رأى الرصاصة قد أخذت من الهواء جراثيم أخرى في طريقها أكثر حياة
стр. 2867
ترتع في الجسم الذي تحل فيه ولا تبقي ولا تذر.
تنظيف الرأس والشعر
يستعمل لتنظيف الشعر والرأس صفار بيضة تحل بقليل من ماء الكولونيا ويدلكان به ثم يغسل المكان بماء فاتر وينشف الشعر ويدوم مكشوفاً ريثما يجفُّ ولا يبقى فيه أثر للنداوة.
رجال الشرطة
من زار باريز يعجب برجال الشرطة وهو يراهم في الشوارع والجادات والمنعطفات واقفين لتأييد النظام يدلون الغرباء على الشوارع وهم منتبهون لكل ما يخل بالراحة ولكن الباريزيين يحسدون الإنكليز على شرطتهم ويقولون أنها أكثر نظاماً وانتباهاً وآداباً قائلين أن ثمانية آلاف لا تكفي للضرب على أيدي ثلاثين ألفاً من الأوباش والأوغاد في عاصمة الفرنسيس. ويقولون أن الشرطة في يابان يتولون حفظ النظام في شوارع أمهات المدن ويلبسون لباساً أوربياً ويتقلدون سيفاً دلالة على سلطتهم والحكومة تختارهم من قدماء الجند ولا سيما من طبقة اسمها الساموريسية عرفت بشدتها وجلادتها في الحروب والغارات ولذلك كان لهم في الشعب تأثير قوي ويزيدهم قوة عناية الحكومة بتربيتهم وعزة نفوسهم التي ضربت بها الأمثال. وترى رجال الشرطة في ألمانيا يلبسون لباس رجال المدفعية ويضعون على رؤوسهم خوذة وطنية سوداء لصغارهم كتب عليها بحروف من نحاس ـوائل الحروف من اسم الإمبراطور وبيضاء للضباط عليها صورة نسر بأجنحة مفردة واسم الإمبراطور بحرف مذهب. وإذا كان الألمان من أهل الطاعة العمياء أصبحت وظيفة الشرطة سهلة سواءٌ أرادوا القيام بها مع الفرد أو مع الغوغاء والجماهير ويعين الشرطة الرجالة رجالٌ من الشرطة الفرسان في مدينة برلين كما هو الحال في مدينة باريز. ويكتسي رجال الشرطة الإيطالية بجوخ أزرق وسراويل رمادية فاتحة وخوذات ملونة ويلبس ضباطهم ألبسة من الحرير الأزرق وإذ كان الطليان أصعب مراساً من الألمان فكثيراً ما يشاهد رجال الشرطة في بلادهم يتماسكون مع من يريدون القبض عليه أو دعوته إلى التزام النظام وينتهي ذلك بما لا تحمد عقباه من أجل هذا جعل لرجال الشرطة الطليانية حبل من سيور الجلد ليقيدوا به السجناء.
أما شرطة فينا فودعاء لطفاء يبشون في وجوه الناس. وشرطي بروكسل رقيق الجانب
стр. 2868
يخاطبك بلا كلفة. وشرطي هولاندة يحمل كل ما يلزم لإغاثة جريح يراه من الأدوية الأولية.
وسادة رجال الشرطة في الأرض هم بلا مراء شرطة الإنكليز ويقسمون إلى قسمين في لندرا قسم في الحي القديم وهو حي الحركة والتجارة وقسم لعامة أرجاء المدينة وعدد الأول ألف رجل وهو قليل المكانة بالنسبة للثاني المؤلف من ٣٠ وكيلاً و ٥٣٩ مفتشاً و٢١٤٨ جاويشاً و ١٤١٢٩ ضابط بوليس ولهم كلهم ديوان كبير فخيم وتتخيرهم الحكومة من أرباب قامات تكون أطول من الوسطى والصحة الجيدة بالطبع وعليهم ملاحظة الحراس والعسس في الليل وستون في المئة منهم يلاحظون أمن المدينة ليلاً ولذلك قلما يحدث ما يكدر وراتب الشرطي من الدرجة الثالثة ثلاثة جنيهات في الأسبوع ويدفع إليه علاوة عن كل ساعة تزيد على العشر ساعات المقررة للخدمة كل يوم وليلة. ومخافر الشرطة في لندن هي عنوان الرفاهية يعيش فيها الشرطة غير المتزوجين حائزين على كل ما يلزمهم أما المتزوجون فلهم مخافر خاصة بهم فيها قاعات استقبال وحمامات والمضخات وقاعات لعب وخزائن كتب وغيرها فيعيش الشرطة فيها مع أسراتهم عيشة اشتراكية عسكرية. وفي لندرا ثلثمائة شرطي راكب لربط محطات الشرطة يستخدمون خاصة في أوقات المظاهرات والاحتفالات العامة ومثل هذا العدد لحفظ الأمن في نهر التايمس ويقوم بنجدة من تصيبهم بائقة ولهم مئة قارب وثلاث سفن معدة للجري كل حين وهكذا كانت شرطة لندرا أجمل زينة لإنكلترا وضامن لحفظها فعسى أن لا تقل شرطتنا العثمانية عن أمثالهم في البلاد الإنكليزية بعد حقبة من الزمن.
علاج الشهقة
وجدوا أن خير علاج للشهقة أن يمسك لسان من يشهق بين إصبعين يمسك بهما فوطة لئلا يغلب اللسان وأن يشد ما أمكن بحيث يبقى هنيهة خارج الفم فإذا لم تنجح هذه الحركة في المرة الأولى تعاد للثانية وفي ذلك الشفاء. وقد اهتدوا إلى هذه الطريقة من الدكتور لابورد الذي ما زالت تنقذ ألوفاً من الغرقى والمصلوبين وغيرهم بسحب ألسنتهم.
علاج الزكام
أفضل علاج للزكام أن يدهن المزكوم منخريه بزيت الزيتون ويستنشق زهر الكبريت وأن
стр. 2869
يلف صدغيه من الليل بمنديل ويمكن التوقي من الزكام في أوله ببل المنخرين بصبغة الأرنيكا فإذا طالت مدته فليس غير هذه الصبغة يستعملها المزكوم وإن أحرقته ولكن فائدتها مضمونة.
صوت الرعد
رأى بعض الأخصائيين بعلم الحوادث الجوية أن معرفة صوت الرعد عن بعد تتوقف على ملاحظة أول العاصفة أو آخرها لا وسطها والأحسن أن يلاحظ البرق الأفقي المنبعث من بين الغيم والأرض فإن صوته الجاف يعرف على أيسر وجه من الصوت الناشئ من البرق الذي يجول بين الغيوم. قال أراغو العالم أنه لا يسمع صوت الرعد إلى أبعد من خمسة وعشرين كيلو متراً وسبقه الإمبراطور كانغ هي الصيني فقال أنه يسمع من مسافة أربعين كيلو متراً وأن صوت المدافع يسمع إلى ٣٠ فرسخاً (١٢٠ كيلو متراً) وقال أراغو أن صداها قد يتردد إلى بعد مائتي كيلو متر وأنه سمعت المدافع التي أطلقت من ثغر بورتسموت يوم جنازة الملكة فكتوريا إلى بعد ١٣٤ كيلو متراً وقد قام الباحث المشار إليه بتجارب عديدة منذ بضع سنين فلم يستطع أن يسمع صوت الرعد إلى أبعد من ٤٥ كيلو متراً إذا لم يحل دونه جبال ولا آكام وكان الهواء ساكناً. وإن عاصفة تحدث عن بعد خمسة عشر كيلو متراً فقط قد لا يسمع صداها حتى أن بعضهم قال أنها إذا أرعدت السماء في لاهاي لا تسمع في ليدن وهي منها على أربعة فراسخ.
عداوة الزهور
يظهر أن بعض الزهور تتعادى أشد عداوة كالورد فإنه لا يطيق إلا سليخ (ريزيدا) ولك أن تربط واحدة من كل منهما في باقة وتضعهما في الماء فبعد ساعة تذبل الوردة وأختها على حين تزيد تلك الزهور الأخرى نضارة والسوسن قاس أيضاً على سائر الزهور يقتلها بدون رحمة على العكس في القرنفل وعباد الشمس فيحب أحدهما صاحبه فوا آسفاه حتى الزهور التي تعطر الأرجاءَ لا يتحمل أحدها الآخر.
مضار التدخين
في إحدى المجلات الإفرنجية إن مضار التدخين لا تنحصر في النيكوتين أي سمه فقط بل إن للدخان سموماً أخرى تصيب شاربيه وهي موجودة في تركيب مادة الدخان وهي
стр. 2870
البيريدين والكريزول وحامض الكربون وغيره وكلها ضارة لمن يدخنون اللفائف الكبيرة واللفائف المصنوعة من التبغ وهي أسوأ أثراً في الأكثر في من يبلعون الدخان فيصل إلى الرئتين فينشأ منه قيءٌ واضطراب في القلب وعرق بارد. ولا يتوقف تبطيل التدخين إلا على قوة إرادة ولأجل أن تعزف النفس عن التدخين يجب أن يتمضمض المدخن بجزء ٠. ٢٥ في المئة من نترات الفضة فإذا أحب بعدها التدخين يصاب بقرف شديد يدوم معه زمناً على أن هذه المضمضمة لا تخلو من خطر ثم أن نترات الفضة تسود الأسنان في برهة قليلة ورأى أحد الأطباء الروس أن يدهن غشاء الفم بنترات على معدل خمسة في المئة والأفضل من هذين الطريقتين أن يدهن سقف الحلق بمحلول نترات الصودا بكمية ١٠ في المئة.
لون الجوارب
من الجوارب ما يزول لونه في الحال فعليك إذا أحببت حفظ ألوانها عليها أن تجعلها في ماء فاتر وتغسلها باثني عشر لتراً من الماء البارد تجعل فيه حفنة من الملح وقدحاً من الخل الجيد.
إزالة البقع
لتنظيف البقع من الثياب (كالأقمصة والقفاطين وغيرها) وإزالة آثار الرطوبة منها افركها بالمحلول الآتي: ملعقة من الملح ممزوجة بملعقة من ذرور النشادر تحلها في ربع قدح ماء وتضع من هذا المحلول على البقع مرات متوالية ثم تترك الثياب منشورة في الهواء نهاراً ثم تغسلها على العادة فلا يبقى فيها أثر حتى ولا البقع القديمة.
البورصة
كتب خليل أفندي سعد في المهذب رسالة في البورصة جاء فيها أن البورصة نادٍ يجتمع فيه التجار والمضاربون فيشترون فيه ويبيعون إما نقداً وهو قليل وإما إلى ميعاد وهو أهم أعمال البورصة لما يجد فيه المشتري من السهولة والأمل بارتفاع الأسعار فيحمله ذلك على مشتري كميات أثمانها أكثر مما يقدر على أدائه نقداً.
وأعمال البورصة على نوعين أحدهما مختص بالاتجار بحواصل الأرض كالقطن والحبوب والسكر والمعادن وغيرها والآخر مختص بشراء وبيع القراطيس المالية من مثل أسهم
стр. 2871
المصارف وسندات الحكومة المالية وأسهم السكك الحديدية وما شاكل ذلك.
ولكي يعلم القارئ ما معنى هذه الأسهم وكيف توجد بطريقة رسمية لتصير صالحة للتعامل بها نقدم له مثالاً وهو كيفية تأسيس المصارف ذات الأسهم وهاك البيان:
إذا عزم أحد على إنشاء مصرف وكان غير قادر على تقديم رأس المال من جيبه الخالص فإنه يدعو جماعة من المتمولين للاشتراك معه في هذا العمل فيؤلف لجنة تدعى لجنة التأسيس أو المؤسسين. فهؤلاء إما أن يؤدوا كل ما يطلب لرأس المال، وإما أن يقدموا جزءاً منه مقابل أسهم معلومة يأخذونها ويطرحون الأسهم الباقية برسم البيع بالاشتراك فيشترك من يريد من الناس بعدد منها كل على قدر إرادته.
فإذا أعلن المؤسسون عن وجود مئة ألف سهم مثلاً كل سهم بثمانمئة قرش فقد ترد لهم اشتراكات بخمس مئة ألف سهم فيقال حينئذٍ أن أسهم هذا المصرف غطيت خمس مرات ولذلك فلا ينال من كان طالباً خمس مئة سهم مثلاً إلا مئة سهو فقط لوجوب توزيع هذه الأسهم بالتساوي على طالبي الاشتراك فيها.
ثم أن المؤسسين يختصون أنفسهم بأسهم يأخذونها مجاناً أو بثمن قليل جداً أي السهم بخمسة قروش مثلاً مقابل أتعابهم في إنشاء المصرف، وتدعى هذه أسهم التأسيس فيعطى لحامليها شيء معلوم مما يبقى من الأرباح بعد توزيع خمسة في المئة مثلاً على حاملي الأسهم العادية.
قلنا أن ثمن السهم من أسهم هذا المصرف الاعتيادية مئة قرش فإذا عمل المصرف بعد تأسيسه أعمالاً كثيرة الربح ارتفعت قيمة أسهمه جميعاً من مئة قرش إلى مئة وخمسين أو أكثر أو أقل تبعاً لمقدار الأرباح والعكس بالعكس. أما أسهم التأسيس فيبيعها أصحابها بالأثمان التي تساعدهم عليها حالة السوق وقد يبلغ ثمن السهم الواحد بين عشرة إلى خمسين ليرة تبعاً لشروط المصرف وموافقتها في توزيع أرباح طائلة على الأسهم التأسيسية ذات الامتياز.
وهذه الأسهم جميعاً عبارة عن ورقة مطبوع عليها نمرة السهم وقيمته الأصلية وبذيلها عدد من الكوبونات وهي مربعات محاطة بخروق تمكن من قطعها على حدة فيقطع فيها كل سنة واحد من هذه الكوبونات أو القطيعات يسلم إلى المصرف وينقد حامل السهم قيمة القطيعة
стр. 2872
وهذه القيمة تكون إما خمسة بالمئة أو أكثر تبعاً لمقدار أرباح المصرف أو ما يعينه في إعلان سابق يدرجه في الجرائد المحلية مبيناً ميعاد قبول الكوبونات وأثمانها.
هذه أخص الطرق لإصدار أسهم المصارف فيمكن يقاس عليها كيفية إصدار أسهم باقي الشركات التجارية وسندات الحكومة التي تقترض بموجبها ما يسد به دينها والآن فلنعد إلى كيفية المعاملة بالبضائع والأسهم وهي ما يأتي.
تفتح البورصة عند الساعة التاسعة صباحاً فيجتمع التجار والمضاربون في ردهتا ولا يسمح بالدخول إلى حلقة المناداة بالبيع أي عرض البضاعة أو الأسهم إلا لأناس مخصوصين هم السماسرة ووكلاؤهم.
فهؤلاء يكونون قبل أن يدخلوا حلقة المناداة قد تلقوا أوامر مختلفة من عملائهم بعضها بالمشترى وبعضها بالبيع بأثمان يعرضونها لهم. فيدخلون وبيد كل \ منهم مذكرة بشكل دفتر صغير فينادون ويعرضون ما لديهم من البضائع أو الأسهم مبينين أثمانها وذلك كأن ينادي أحدهم قائلاً: عندي خمس مئة قنطار قطناً من الصنف الوسط والقنطار بعشرين ريالاً تسليم آذار، أو إني أشتري مئة سهم من أسهم البنك العقاري بثلاث مئة فرنك السهم لميعاد شهرين فيجيبه آخر إني اشتريت ما تعرضه وآخر إني بعتك ما تطلبه فيدون ما بيع وما أشتري في مفكرات يوقعها البائع والشاري.
فإذا كان البيع نقداً والبضاعة حاضرة يدفع الشاري الثمن ويستلم ما اشتراه. أما إذا كانت المعاملة إلى ميعاد فلا يطلب من الشاري إلا جزءٌ من الثمن (بين ٥ و ٢٠ في المئة تبعاً لحالته من المالية)
كثيراً ما سمعت الناس يسألون عن معنى التغطية. وعندما اشتغلت النساء في مشترى أسهم المعادن منذ زمن في بيروت سمعت إحداهن تقول أن فلانة غطت بإيزارها أو ما ماثل ذلك.
ولكي تعلم حقيقة معنى التغطية البورصية لا الوجهية نفرض أنك اشتريت مئتين وخمسين قنطار قطن مصري وهي أقل كميبة يتعامل بها من صنف القطن في البورصة. فإن كان عميلك على ثقة منك فإنه قلما يطلب منك أن تدفع مقدماً أكثر من عشرة قروش على كل قنطار بصفة تأمين يأخذه لنفسه إذا هبطت الأسعار. وبما أن شراء القطن يكون لمواعيد
стр. 2873
مختلفة فإنك تعين الميعاد الذي تستلم فيه ما اشتريته فتوصي عميلك بأن يستري لد هذه الكمية تسليم شباط أو أيار أو غير ذلك. فلفظة تسليم هنا وهمية لأنك لست تاجر قطن لتستلم وإنما المقصود أنك تبيع ما اشتريته في ميعاد التسليم وتقبض أو تدفع فرق الثمن الذي يكون قد صعد حينئذٍ أو هبط. فإذا استمر السعر في صعود فلك أن تبيع وقتما تريد وتربح فرق الثمن. أما إذا هبط السعر فخسرت أكثر من العشرة قروش التي دفعتها تأميناً فيطلب منك العميل إما أن تغطي الخسارة فتدفع عشرة قروش أخرى وأما أنه يضطر إلى تصفية ما اشتراته لك فيبيعه لئلا تلحقه الخسارة شخصياً لأنه هو المسؤول لا أنت بالخسارة أمام من اشترى هو منه لحسابك.
في البورصة حزبان أحدهما يضارب على الصعود فيكثر من المشترى ليدفع الأثمان إلى الأعلى والآخر يضارب على النزول فيكثر من عرض البضائع والأسهم للبيع لتكثر على طلابها وتكسد فتهبط الأسعار ولكل من هذين الحزبين حيل وطرق للوصول إلى الغاية لا يمكن استيفاؤها هنا. غير أننا ننصح للمتعاملين بالبورصة أن لا يغتروا بالتلغرافات التي تأتي من الخارج عن إقبال المواسم أو محلها لأن بعض المضاربين قد يشيع نشوب الحرب بين دولتين لتهبط الأسعار ويخرج من مركزه رابحاً.
وفي كثير من الأوقات يحتكر حزب الصعود صنفاً من البضاعة ولا سيما إذا صار قليلاً قرب انتهاء موسمه فيرفع أسعاره بقدر ما يتمكن من ذلك. وهذا هو السبب في بقاء أثمان بعض الأصناف مرتفعة على الرغم من قلة الطلب ووفرة وجود البضاعة. ويعلم ذلك من أثمان الماس الآن فإنها فاحشة إلى ما يجب أن تكون عليه وما سبب ارتفاع ثمن القيراط من ١٥ ليرة إلى ٣٠ ليرة مؤخراً إلاَّ تمكن جماعة من احتكاره وخصوصاً بعد حرب البوير وتعطل معادن الماس زمناً.
فيرى من ذلك أن المضاربات كثيرة الأخطار ولو كانت مبنية على الحكمة والتعقل والدرس واليقظة. فقد يكون المضارب على علم بزيادة المقطوعية لصنف من الأصناف مع عدم إقبال موسمه فيهجم على المشتري ظناً منه أن الربح متحتم ولكنه لا يلبث أن يرى الحالة بالعكس في كثير من الأوقات، إما لأسباب محلية توجب أعمال هذا الصنف أو تقليله وإما لعارض وقتي من مثل إشهار الحرب بين دولتين أو اعتصاب العمال أو لاتفاق حزب
стр. 2874
النزول على تنزيل قيمته أو لقيام صنف آخر مقامه وهلمَّ جرّاً.
فإذا كان لا بد لشخص من المضاربة بالبورصة فأفضل نصيحة تقدمها له أن يتروى كثيراً قبل المشترى أو البيع فيدرس حالة السوق على خبيرين ثم إذا أسعده الحظ وكسب عليه أن يكتفي بالربح القليل حالاً لأنه يكون قد وثق منه ثم يعاود الاتجار رابحاً بعزم جديد ومكسب يمكنه من تحمل الخسارة لو وقعت. فيمكنه إذ ذاك أن يخرج من مركزه مردداً قول القائل:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا عليّ ولا ليا
وقد دلّ الاختبار على أن البورصة لا يمكنها أن تبلغ جراحها إلا في من يهورون لطمعهم بالغنى مع أن الغنى العاجل من البورصة لا يكون إلا بنسبة ٥ إلى ١٠٠ من حوادث الخراب وذلك لذهاب معظم أرباح المضاربين إلى جيوب السماسرة الذين ينشبون المنشار فيأكلون الأرباح صاعداً ونازلاً سواءٌ ربح المضارب على أيديهم أو خسر، لأن نصيبهم (وهو في الغالب عمولة قدرها ٥ في المئة) ثابت لا ريب فيه ما لم يفتروا فيجازفون بمالهم الخاص إرضاءً لعملائهم.
في البورصة طريقة لتأمين المضاربين على أموالهم بتحديد خسائرهم وهي أن يدفع المضارب مبلغاً معلوماً بصفة سوكارتاه ضد صعود الأسعار أو هبوطها تبعاً لإرادته.
فإذا شاء المضاربة بالقطن مثلاً واختار طريق الصعود أي أن يكون شارياً لا بائعاً فإنه يدفع نحو ربع ريال على كل قنطار لمدة شهرين فيأمن الخسارة مهما هبط السعر ولكنه لا يربح إلا إذا ارتفع الثمن أثناء الشهرين فوق الربع ريال الذي دفعه بصفة تأمين له ضد الخسارة.
وهناك طرق وعمليات أخرى من مثل العملية المسماة ستلاّج وهي الربح سواءٌ صعد الثمن أو هبط مقابل دفع أكثر من المبلغ المتقدم ذكره مما لا فائدة من الإسهاب في شرحه هنا لمماثلته لما تقدم في الجوهر.
وخلاصة ما ننصح به القارئ أن يبتعد عن البورصة لأنها كثيرة الأخطار والنفقات والهموم. وقد يوافق الاشتغال بها لمن كان عضواً في داخلها يقف كل يوم على بواطنها فيتمكن من التصفية حالاً. أما من كان بعيداً عنها فخسارته له ومعظم أرباحه لغيره.
هذا فضلاً عما يحف بالبورصة من الدواعي والأسرار التي تغل الأيدي عن السعي وتقيد
стр. 2875
الهمة عن الظهور بمظهرها الحقيقي خلافاً لحقل التجارة الواسع فإن فيه لذوي الذكاء والهمة والاستقامة مضرباً نائي الأطراف يمكن من كان مستعداً من الإصلاح والفوز بالفلاح.
سر السعادة
كتبت إحدى العقائل في مجلة مطالعات البيوت ما تعريبه: قال الفيلسوف فون كنيبل: سكن رغائبك الشديدة واجلس إلى مائدة الحيلة كما يجلس الضيف المحتشم ولا تطلب صنفاً من الطعام لا تراه مكتوباً في قائمة الألوان وهي كلمات فيها سر السعادة فإن حياة المرء تنقضي في البحث عن السعادة وكم من أفراد قلائل يتيسر لهم الحصول عليها. يدخل المرء في سن العشرين مضمار الحياة فيريد أن يؤسس له مقاماً بالرضى أو الغضب ويحاول أن يحرز أو يأخذ النمر الرابحة في يانصيب الحياة وكل يظن نفسه على ثقة من ربح الشطر الأعظم لأن الأهواء في السعادة تختلف باختلاف الأشخاص حتى إذا بلغ الأربعين بتعب ويشكو ويقول أنني أضعت سعيي هباءً ولم أحظَ بما أتطال إليه من السعادة ولو بحث المرء في حياته بحثاً مجرداً عن الهوى لاعترف في الغالب أنه بتعلقه بالوهم قد تخلى عن ألوف من الحقائق الحسنة في الحياة السعيدة.
السعادة تنشأ اليوم بعد اليوم من لذات مختلفة مؤقتة وأفراح طفيفة رائقة تكون بنت ساعتها فالواجب إيجادها بهمة وعناية على نحو ما تعمل النحلة العسل الجيد من عصارة الزهور المتباينة في الجودة فلقد كتب كارنو الكبير إلى ماكبورغ في ساعة يأس بالأبيات الآتية:
أيتها السعادة أنت التي يتحرك بك كل شيء على الأرض
أينزل ندماؤك على الكبراءِ أم في القرى؟
في إسبارطة أم في سباريس؟ في المعسكر أم في المقبرة؟
أم أنك تؤثرين الغابات أم حفظ القطعان؟
أأنت في البذخ أم في المجد أم في الوهم؟
في الرغبة الحاصلة؟ وفي الخلاص من الأمراض؟
في الصداقة أو الحب أو في البغض؟
في السلام والمعرفة والفضيلة أو بين القبور؟
следующие страницы →