← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

أعظم أجراس الكنائس في العالم جرس كنيسة الثالوث في موسكو وزنه ٦٧٠٨٣ كيلو غراماً وجرس بلدة موسكو ٦٥ ألف كيلو غرام والجرس الإمبراطوري في كولونيا زنته ٢٨ ألف وجرس السفوايارد في باريز وزنه ١٦٨٨٨ وجرس عمانويل في كنيسة نوتردام في باريز ١٢٠٠٠ وجرس سيدة الحماية في مرسيليا ٨٠٤٤ وجرس كليمان في جنيف وهو من الفضة وزنه ٢٠٧٠ كيلوغراماً. العدد المشؤم يتشاءم عامة الإفرنج من العدد ١٣ وهذا التشاؤم كان قبل الميلاد عنوان الموت فكان العدد ١٣ في ورق اللعب الذي يستعمله أهل بوهيميا للتنبوء عن المستقبل عبارة عن هيكل عظام مسلح بمنجل ولهذا الرمز أثر عند بعض اليهود فلا يلفظ به عامتهم ويسمح لكبار حاخاماتهم أن يذكروه مرة في السنة. والعدد ١٣ هو العدد المقدس عند أهل المكسيك وقبائل يوكاتان إذ كان في بلادهم ثلاث عشرة حية تعبد وتمجد. وللعدد المذكور شأن في الأساطير النروجية وغيرها. نبات يضيء كل يوم يكتشف علماء النبات خواص لم تكن معروفة لبعض النباتات فبالامس اكتشفوا نباتاً يتغذى باللحوم ونباتاً يطير كالمنطاد والطيارة الهوائية واليوم اكتشفوا في برازيل في مقاطعة سان جواكيم من أعمال ولاية سان باولو نباتاً يضيء كالكهرباء أو كمصابيح الغاز والبترول والشموع ويسميه أهل تلك البلاد نبات الأوربية ويتنافسون فيه فيجعلونه في أصاصي وأواني ويزينون به القصور فيظل أياما يبعث نوراً يكفي لأن يطالع المطالع به جريدة وكتاباً. قالوا أنه من فصيلة النباتات التي لا زهر لها وإن كان لا يشبه الفطر. غابة عظيمة في شاطئ العاج إحدى مستعمرات فرنسا في افريقية غابة مساحتها ١٢٥ ألف كيلومتر مربع لم تمسها يد بشر وفيها من أنواع الحراج والنبات من ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ نوع منها خمسون نوعاً يبلغ علو شجرها خمسين متراً وجذعها من متر إلى مترين ونصف وعدد الأشجار التي يبلغ طولها من ٢٥ إلى ٤٠ متراً من ١٥٠ إلى ٢٠٠ وهناك من أنواع

стр. 2942

الأشجار أغربها وفي ظلالها من النباتات أدهشها ومن جملتها المطاط والنخيل الذي يستخرج منه الزيت.

стр. 2943

العدد ٤٦ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩٠٩

стр. 2944

كتاب العرب أو الرد على الشعوبية لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة من أهل القرن الخامس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما (قال) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة جعلنا الله وإياك على النعم شاكرين. وعند المحن والبلوى صابرين. وبالقسم من عطائه راضين. وأعاذنا من فتنة العصبية وحمية الجاهلية وتحامل الشعوبية فإنها بفرط الحسد ونغل الصدر تدفع العرب عن كل فضيلة وتلحق بها كل رذيلة وتغلو في القول وتسرف في الذم وتبهت بالكذب وتكابر العيان وتكاد تكفر ثم يمنعها خوف السيف وتعص من النبي ﷺ إذا ذكر بالشجا. وتطرف منه على القذى. وتبعد من الله بقدر بعدها ممن قرب واصطفى. وفي الإفراط الهلكة وفي الغلو البوار والحسد هو الداء العياء. أول ذنب عصي الله به في الأرض والسماء. ومن تبين أمر الحسد بعدل النظر أوجب سخطه عَلَى واهب النعمة وعداوته لمؤتي الفضيلة لأن الله تعالى يقول (نحن قسمنا بينهم معيشتهم ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) فهو ﵎ باسط الرزق وقاسم الحظوظ والمبتدي بالعطا والمحسود آخذ ما أُعطي وجار إلى غاية ما أُجري. وقال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله قيل ومن يعادي نعم الله قال: حاسد الناس وفي بعض الكتب يقول الله: الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راضي بقسمي. وقال ابن المقفع: الحاسد لا يبرح زارياً على نعمة الله لا يجد لها مزالاً ويكدر عَلَى نفسه ما به فلا يجد لها طعماً ولا يزال ساخطاً عَلَى من لا يتراضاه ومتسخطاً لما لا ينال فوقه فهو مكظوم هلعٌ جزوع ظالم أشبه شيء بمظلوم محروم الطلبة منغص المعيشة دائم السخطة لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب والمحسود يتقلب في فضل الله مباشراً للسرور ممهلاً فيه إلى مدة لا يقدر الناس لها عَلَى قطع وانتقاض ولو صبر الحسود عَلَى ما به وضمر لجرته كان خيراً له لأنه كلما هرَّ خسأه الله وكلما لجج قذف بحجره وكلما أراد أن يطفئَ نور الله أعلاه الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولله در القائل:

стр. 2945

وإذا اراد الله نشر فضيلة ... يوماً أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ماكان يعرف طيب عرف العود ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة ولا أشد نصباً للعرب من السفلة والجشوة وأوباش النبط وأبناء اكرة القرى فأما أشراف العجم وذوو الاخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون مالهم وما عليهم ويرون الشرف نسباً ثابتاً. وقال رجل منهم لرجل من العرب: إن الشرف نسب والشريف من كل قوم نسيب الشريف من كل قوم: وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب لأن منهم قوماً تحلوا بحلية الأدب فجالسوا الأشراف وقوم اتسموا بميسم الكتابة فقربوا من السلطان فدخلتهم الأنفة لآدابهم والغضاضة لأقدارهم من لؤم مغارسهم وخبث عناصرهم فمنهم من الحق نفسه بأشراف العجم واعتزى إلى ملوكهم واساورتهم ودخل في باب فسيح لا حجاب عليه ونسب واسع لا مدافع عنه ومنهم من أقام عَلَى خساسة ينافح عن لؤمه ويدعي الشرف للعجم كلها ليكون من ذوي الشرف ويظهر بغض العرب يتنقصها ويستفرغ مجهوده في مشاتمها وإظهار مثالبها وتحريف الكلم في مناقبها وبلسانها نطق وبهممها انف وبآدابها تسلح عليها فإن هو عرف خيراً ستره وإن ظهر حقره وإن احتمل التأويلات صرفه إلى أقبحها وإن سمع سوءاً نشره وإن لم يسمعه نفر عنه وإن لم يجده تخرصه فهو كما قال القائل: إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شراً أذيع وإن لم يعلموا بهثوا ومن ذا رحمك الله صفا فلم يكن له عيب وخلص فلم يكن فيه شوب. وقيل لبعض الحكماء هل من أحد ليس فيه عيب فقال لا لأن الذي ليس فيه عيب هو الذي لا يموت وعائب الناس يعيبهم بفضل عيبه وينتقصهم بحسب نقصه ويذيع عوراتهم ليكونوا شركاءَه في عورته ولا شيء أحب للفاسق من زلة العالم ولا إلى الخامل من عثرة الشريف قال الشاعر: ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري إن أردت قريب وقال آخر: وأجرأُ من رأيت بظهر غيب ... عَلَى عيب الرجال ذوو العيوب وقد كان زياد بن أبي سفيان حين كثر طعن الناس عليه وعَلَى معاوية في استلحاقه عمل

стр. 2946

كتاباً في المثالب لولده وقال من عيركم فقرعوه بمنقصته ومن ندد عليكم فابدهوه بمثلبه فإن الشر بالشر يتقى واحديد بالحديد يفلح. وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى أغرى الناس بمشاتم الناس والهجهم بمثالب العرب وحاله في نسبه وأبيه الأقرب إليه حال نكره أن نذكرها فنكون كمن أمر ولم يأتمر وزجر عن القبيح ولم يزدجر وهي مشهورة ولكن كرهنا أن تدوَّن في الكتب وتخلد عَلَى الدهر ولا سيما وهو رجل يحمل عنه العلم ويحتج بقوله في القرآن. ومن أتعب قلباً وأنصب فكراً ممن أراد أن يجعل الحسنة سيئة والمنقبة مثلبه ويحتال لإخراج الباطل في صورة الحق فيقصد من المناقب لمثل فوس حاجب يضحك منها ويزرى بها ويذهب في ذلك إلى خساسة العود وقلة ثمنه وهذا لو كان على مذاهب التجار والسوق في الرهون والمعاملات لرجع بالعيب على الآخذ لا عَلَى الدافع لا يألون بدفع أحقر ما يجد في أكثر ما يأخذ والمغبون من غرَّ بالصغير عن الكبير وإنما رهن عن العرب بما ضمنه عنها من كف الأذى عن مملكته حتى يحيوا وتنكشف عنهم السنة ولو كان مكان القوس مائة ألف رأس من الغنم عن هذا السبب ما كان القوس إلا أحسن بالدافع والقابل لأن سلاح الرجل هي عزه وشرفه وإسلام المال أحسن من إسلام العز والشرف. وقد يدفع الرجل خاتمه وبرده أو رداءَه عن الأمر العظيم فلا يسلمه خوفاً من السبة وأنفة من العار. قال أبو عبيدة لما قتل وكيع بن أبي سود التميمي قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان بلغ ذلك سليمان وهو بمكة وهو حاج خطب الناس بمسجد عرفات وذكر غدر بني تميم وإسراعهم في الفتن وتوثبهم عَلَى السلطان وخلافهم له فقام الفرزدق ففتح رداءَه وقال يا أمير المؤمنين هذا رداي رهناً بوفاءِ تميم ومقامها على طاعتك فلما جاءَت بيعة وكيع قال الفرزدق: فدى لسيوف من تميم وفى بها ... رداي وحلت عن وجوه الاهاتم يريد الأهتم بن سمي التميمي ورهطه وهذا سيار بن عمرو بن جابر الفزاري ضمن لبعض الملوك ألف بعير دبة أبيه ورهنه قوسه فقبلها منه عَلَى ذلك وساقها إليه وفيه يقول القائل: ونحن رهنا القوس ثم تخلصت ... بألف عَلَى ظهر الفزاري اقرعا وسيار هذا هو جد هرم الذي تنافر إليه عامر وعلقمة. ومن هذا الباب قول جران وذكر اجتماعه مع نساء كان يألفهن:

стр. 2947

ذهبن بمسواكي وقد قلت أنه ... سيوجد هذا عندكن فيعرف يظن من لا يعرف هذا الخبر أنهن سلبنه المسواك فاعتد عليهن واخبرهن أنه سيوجد عندهن ويعرف لقدر المسواك عندهن وعنده ولأن الأعراب أنظر قوم في التافه الحقير الذي لا خطر له وكيف يظن به وبهن وهذا وبلد نجد مستحلس بضروب من شجر المساويك لا تحصى فكيف يبخل عَلَى نساء يهواهن بعود هو يصطلي به ويختبز ويطبخ بشجره ومتى احتاج إلى مسواك منه لم يتكلفه بثمن ولم يبعد في طلبه والمعنى أن نجداً تختلف منابته فمنه ما ينبت الاسحل ومنه ما ينبت الارك ومنه ما ينبت البشام فاهل كل ناحية منهم يشاكون بشجر بلدهم وكان جران العود معروفاً بهؤلاء النساء يزورهن عَلَى حذر من مزار بعيد وهو يستن من الشجر ما ينبت في بلده ولا ينبت في بلدهن فلما أخذن سواكه ليتذكرنه ويسترحن إليه كما يفعل المتحابون قال إن هذا سيوجد عندكن وإذا وجد علم أنه مما ينبته البلد الذي اسكنه فاستدل به عَلَى زيارتي إياكن ويقصد لقول القائل: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردا فيتضاحك بالشعر ويستهزيء بالبردين والفرس الورد ويعارض ذلك بملوك فارس واسرتها وتيجانها وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلاً على مرابطه وبلغت مخدته التي كان يشرف بها على الداخل عليه ألف إناء من الذهب وخدمته ألف جارية وقد جهل هذا معنى الشعر واخطأ في المعارضة وفخر بما ليس له فيه حظ ولا نصيب. أما معنى الشعر فإن أبا عبيدة ذكر أن وفود العرب اجتمعت عند النعمان بن المنذر فأخرج بردي محرق وهو عمرو بن هند وقال ليقم أعز العرب قبيلة فيأخذهما فقام عامر بن احيمر بن بهدلة فأخذهما فاتزر بواحد وارتدى بآخر فقال له بما أنت أعز العرب فقال العز والعدد من العرب في معد ثم نزار في مضر في خندق ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني فسكت الناس فقال النعمان هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة يغنيني الأكابر عن الأصاغر والأصاغر عن الأكابر فأما أنا في بدني فهذا شاهدي ثم وضع قدمه عَلَى الأرض وقال من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين فسمي ذا البردين قال الفرزدق:

стр. 2948

فما تم في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما قيل لم يتبهدا لهم وهب النعمان ثوبي محرق ... بمجد معد العديد والمحصل وأما الفرس الورد فإن الخيل حصون العرب ومنبت العز وسلم المجد وثمال العيال وبها تدرك الثار وعليها تصيد الوحش وكانوا يؤثرونها على الأولاد باللبن ويشدونها بالأفنية للطلب والهرب وقد كنى الله عنها في كتابه بالخير لما فيها من الخير فقال حكاية عن نبيه سليمان ﷺ (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب) يعني الخيل وبها كان شغل سليمان عن الصلاة حتى غربت الشمس وقال طفيل: وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير يعقب وقال آخر: ولقد علمت عَلَى توقي الردى ... إن الحصون الخيل لا مدر القرى اني وجدت الخيل عزاً ظاهراً ... تنجي من العمى ويكشفن الدجى ويبتن بالثغر المخوف طلائعاً ... وتبين للصعلوك جمة ذي الغنا باتوا بصائرهم عَلَى أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتدٌ وأَى والبصيرة الدم يريد أنهم لم يدركوا الثار فثقل الدماءُ عَلَى أكتافهم وأنه قد أدرك ثأره على فرسه وحدثني محمد بن عبيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن شيب بن غرقدة عن عروة البارقي قال سمعت النبي ﷺ يقول: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). قال أبو محمد وليس لأحد مثل عتاق العرب ولا عند أحد من الناس من العلم بها ما عندهم وسأذكر من ذلك شيئاً فيما بعد إن شاء الله. وإذا كان للرجل منها جواد مبر كريم شهر به وعرف فقيل العسجدي ولاحق وداحس والورد. وليس أعجب من سرير كسرى وفخر العجم به وتصويرهم إياه في الصخور الصم وفي رعان الجبال. وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذلك إلا لمعنى شريف فيه كقولهم لهنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق ذات الخمار لذلك قال أبو عبيدة كانت هنيدة بنت صعصعة تقول من جاء من نساء العرب بأربعة مثل أربعتي يحل لها أن تضع عندهم خمارها فصرمتي لها أبي صعصعة وأخي غالب وخالي الأقرع بن حابس وزوجي الزبرقان بن بدر فسميت ذات

стр. 2949

الخمار لذلك. وقال كان هند بن أبي هالة ربيب النبي ﷺ يقول: أنا أكرم الناس أربعة أبي رسول الله وأمي خديجة وأختي فاطمة وأخي القاسم فهؤلاء الأربعة لا أربعتها وأما خطأه في المعارضة فإن صاحب البردين لم يكن ملك العرب فيعارضنا عنه بملك العجم ولم يدّع أحد أنه كان للعرب في دولة العجم مثل ملكها وأموالها وعددها وسلاحها وحريرها وديباجها فيحتاج أن يذكر فيلة ابرويز وجواريه وفرشه وقد كان هذا لأولئك كما ذكرتم جعله الله لهؤلاء فابتزوه واستلبوه والتحوهم كما يلتحى القضيب والناسخ أفضل من المنسوخ. وأما فخره بما ليس له حظ ولا نصيب فإنما يفخر بملك فارس أبناء ملوكها وأبناء عمالهم وكتابهم وحجابهم واساورتهم. فأما رجل من عرض العجم وعوامهم لا يعرف له نسب ولا يشهر له أب فما حظه في سرير كسرى وتاجه وحريره وديباجه وليس هو من ذلك في مراح ولا مغدى ولا مظل ولا مأوى. فإن قال لأني من العجم وكسرى من العجم فمرحباً بالمثل المبتذل ابن جار النجار ولو قال أيضاً لأني من الناس وكسرى من الناس كان وهذا سواء وما هو بأولى بهذا السبب من العرب لأن العرب أيضاً من الناس. قال أبو عبيدة: اجريت الخيل فطلع منها فرس سابق فجعل رجل من النظارة يكبر وثب من الفرح فقال رجل إلى جانبه يا فتى أهذا السابق فرسك فقال لا ولكن اللجام لي. وقال المسعودي: قدم علينا أعراب وكانوا يأتون ببضائعهم فأبيعها وأقوم بحوائجهم وكانوا يقولون رحم الله أباك ديناراً فكنت لا آلوهم عناية فقلت لهم اخبروني عن السبب بينكم بين أبي قالوا كان يساومنا مرة باتان فقلت لهم هل كان اشتراها منكم قالوا لا قلت الله أكبر قالوا وما ذاك قلت لو اشتراها صارت رحماً ونسباً. وقد كانت العجم رحمك الله في ذلك الزمان طبق الأرض شرقاً وغرباً وبراً وبحراً إلا محال معد واليمن افكل هؤلاء أشراف فأين الوضعاء والأدنياء والكساحون والحجامون والدباغون والخمارون والرعاع والمهان وهل كان ذوو الشرف في جملة الناس إلا كاللمعة في جلد البعير وأين ذراريهم وأعقابهم أدرجوا جميعاً فلم يبق منهم أحد وبقي أبناء الملوك والأشراف. وأعجب من هذا ادعاؤهم إلى اسحق بن إبراهيم صلى الله عليهما وسلم وفخرهم عَلَى

стр. 2950

العرب بأنه لسارة الحرة وأن إسماعيل أبا العرب لهاجر وهي أمة وقال شاعرهم: في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ... ولا خباءً ولا عكٌّ وهمدان ولا لجرم ولا بهراء من وطن ... لكنها لبني الأحرار أوطان أرض تبنى بها كسرى مناسكه ... فما بها من بني اللخناءِ إنسان فبنو الأحرار عندهم العجم من ولد اسحق واسحق لسارة وهي حرة وبنو اللخناء عندهم العرب لأنهم من ولد إسماعيل وإسماعيل لهاجر وهي أمة قالوا واللخناء عند العرب الأمة فالويل الطويل لهؤلاء والبعد والثبور من هذه العداوة لأولياء الله والأنبار القبيحة لصفوة الله وقد غلطوا في التأويل عَلَى اللغة وليس كل أمة عند العرب لخناء إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب وحمله واستقاء الماء والحلب وأشباه ذلك من الخدمة كما يقال الأمة الوكعاء وليس كل أمة وكعاء وإنما قيل لها لخناء لنتن ريحها ويقال لخن السقاء بلخن لخناً إذا تغير ريحه وانتن. وأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وطيبها من كل دفر وارتضاها للخليل فراشاً وللطيبين إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام أما وجعلهما لها سلالة فهل يجوز لملحد فضلاً عن مسلم أن يطلق عليها اللخن ولو لم يكن إلا أن ملك القبط متع بها سارة وكانت أنفس أمائه عندهم واحظاهن لديه لقد كان في ذلك دليل عَلَى أنها لم تكن من الاماء اللخن ولو جاز أن يطلق على كل أمة لخناً لجاز أن يقال لكل شريف ولدته أمه هذا ابن اللخناء كما يقال هذا ابن الأمة وقد ولدت الاماء الخلفاء والخيار والأبرار مثل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. حثني سهل بن محمد قال حدثنا الأصمعي قال كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة ففاتوا أهل المدينة فقهاً وورعاً فرغب الناس في السراري والنساب لا يعرفون لأهل فارس ولا للنبيط في اسحق بن إبراهيم حظاً لأن اسحق تزوج رفقا بنت ناحور بن تارح وتارح هو آزر ورفقا بنت عمه فولدت له عيصو ويعقوب توأمين في بطن واحد فيعقوب هو إسرائيل الذي ولد الأسباط كلهم وكانوا اثني عشر رجلاً وأولادهم جميعاً يدعون بنو إسرائيل وهم أهل الكتاب وليس لهؤلاء فيهم سبب

стр. 2951

ولا نسب وعيصو هو أبو الروم وكان الروم رجلاً أصفر شديد الصفرة في بياض ومن أجل ذلك سميت الروم بني الأصفر. قالوا وكانت أم الروم بنت إسماعيل ابن إبراهيم وولد من الروم خمسة نفر فكل من بأرض الروم من نسل هؤلاء الرهط قالوا ولما سبقه يعقوب إلى دعوة اسحق فصارت النبوة في ولده دعا لعيصو بالنماءِ والكثرة فالروم كلها من ولده وبعض الناس يزعم أيضاً أن الاشبان من ولده وقالوا النبط بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ويقال انه ابن ماش بن سام ابن نوح قالوا وأهل فارس من ولد لاوذ بن ارم بن سام بن نوح وكان كثير الولد فنزل أرض فارس فأجناس الفرس كلهم من ولده فليس بين هؤلاء وبين اسحق بن إبراهيم على ما ذكر النسابون نسب يجمعهم إلا سام بن نوح والناس يجتمعون في ولادة شيث بن آدم ثم في ولادة نوح ثم يتشعبون فولد نوح أربعة نفر سام وحام ويافث ويام فأما يام فهلك بالطوفان فلا عقب له وهو الذي قال له أبوه (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) وأما حام فإن أباه لعنه ودعا عليه بأن يكون عبداً لأخويه فخملت ذريته وسقطت فيه فهم النوبة وفزَّان والزغاوة وأجناس السودان والسند والقبط وأما يافث فإن أباه دعا له بالنماء والكثرة فولد الصقالب والترك ويأجوج ومأجوج وأممّا عدد الرمل والحصا في مشارق الأرض. فأما سام فبارك عليه فأشراف الناس من ولده منهم العماليق ومنهم الجبابرة وفراعنة مصر وملوك فارس ومن ولد سام الأنبياء جميعاً بعد نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ومن بعده إلى نبينا محمد ﵊. فالعرب وفارس يتساوون في هذه الجملة وتفضلها العرب بعدها بأنها من ولد إسماعيل ابن إبراهيم فهي أدنى من خليل الله دناوةَ وأمس به رحما. ثم تتساوى العرب وفارس في أن الفريقين ملكوا وتفضلها العرب بأن قواعد ملكها نبوة وقواعد ملك فارس استلاب وغلبة. وتفضلها العرب بأن ملكها ناسخ وملك فارس منسوخ وتفضلها بأن ملكها متصل بالساعة وملك فارس محدود وتفضلها العرب بأن ملكها واغل في أقاصي البلاد داخل في آفاق الأرض وملك فارس شظية منه ليس فيه الشام ولا الجزيرة ولا خراسان في أكثر مددهم ولا اليمن إلا في أيام وهزر وسيف ابن ذي يزن. ومن عجب امرهم أيضاً فخرهم عَلَى العرب بآدم بقول النبي ﷺ لا تفضلوني عليه فإنما أنا حسنة من حسناته ثم بالأنبياء وأنهم من العجم إلا أربعة نفر هود

стр. 2952

وصالح وشعيب ومحمد ﷺ وفي هذا القول وضع الفخر عَلَى غير أساس ومن أسس بنيانه عَلَى الباطل والغرور أوشك أن يتداعى وأن يخر وظلم للعرب فاحش ومنه ادعاؤهم آدم كأن العرب ليسوا من ولده ومنه انتحالهم موسى وعيسى وزكريا ويحيى وأشباههم من بني إسرائيل وليس بين فارس وبين بني إسرائيل نسب عَلَى ما بينت لك ومنه دفعهم العرب عن قربهم بهؤلاء الأنبياء وهم بنو عمومهم وعصبتهم لأن العرب بنو إسماعيل بن إبراهيم بإجماع الناس فهم بنو أخي اسحق بن إبراهيم وأولى به وأحق بشرفه وأولى بموسى وعيسى وداوود وسليمان وجميع الأنبياء من ولده وقال الله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران عَلَى العالمين) فآل إبراهيم هم ولد اسحق وولد إسماعيل ثم قال (ذرية بعضها من بعض) فأعلمنا أن العرب وبني إسرائيل شيءٌ واحد في النسب وفيما أوحى الله إلى موسى: إني سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك أجعل كلامي على فيه: يريد أنه يقيم لهم من العرب نبياً مثل موسى يعني محمد ﷺ وهذا علم من أعلامه وحجة من حججنا على أهل الكتاب من كتبهم فإن قالوا في ذلك أنه يقيم لهم من بني إسرائيل نبياً مثل موسى وقالوا أن بني إسرائيل بعضهم أخوة بعض أكلبهم النظر لأنه لو أراد ذلك لقال لهم من أنفسهم ومنهم كما أن رجلاً لو أراد أن يبعث رسولاً من خندف لم يقل سأبعث رسولاً من أخوة خندف فإن كان دفعهم ولد إسماعيل عن تشابك نسبهم بولد اسحق لنزول إسماعيل الحرم ونكاحه في جرهم فإن الديار قد تتناءى والمحال قد تتباين والرجل قد ينكح في البعيد وقد يولد له من الاماءِ ولا تنقطع الأرحام والأنساب وإن كان إسماعيل نطق بالعربية فليس اختلاف الناس في الألسنة يخرجهم عن نسب آبائهم وإخوانهم وعشائرهم فهؤلاء أهل السريانية قد خالفوا في اللسان أهل العبرانية وهذه الروم كفرت بالله ولا شيء أقطع للعصمة من الكفر وتكلمت بالرومية ورغبت عن لسان آبائها وليس ذلك بمخرجها عن ولادة اسحق بن إبراهيم عَلَى أن إسماعيل لم يكن أول من نطق بالعربية وإنما تعلمها وإنما أصل العربية لليمن لأنهم من ولد يعرب بن قحطان وكان يعرب أول من تكلم بالعربية حين تبلبلت الألسن ببابل وسار حتى نزل اليمن في ولده ومن أتبعه من أهل بيته ثم نطق بعده ثمود بلسانه وشخص حتى نزل الحجر.

стр. 2953

حدثني أبو حاتم قال حدثني الأصمعي قال اخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال تسع قبائل قديمة طسم وجديس وعهينة وضجم (بالجيم وبالحاء) وجعم والعماليق وقحطان وجرهم وثمود. وحدثني أبو حاتم قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا ابن أبي الزناد عن رجل من جرهم قال: نحن بدءٌ من الخلق لا يشاركنا أحد في أنسابنا بقول من قدمنا فهؤلاء قدماء العرب الذين فتق الله ألسنتهم بهذا اللسان وكانت أنبياؤهم عرباً هود وصالح وشعيب. حدثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبهٍ أنه سأل عن هود أكان ابا اليمن الذي ولدهم قال لا ولكنه أخو اليمن في التوراة فلما وقعت العصبية بين العرب وفخرت مضر بأبيها إسماعيل ادعت اليمن هودا ليكون لهم والد من الأنبياء. (قال) وأما شعيب من ولد رهط من المؤمنين تبعوا إبراهيم لما هاجر إلى الشام ولم يكن يثبت لهم نسب في بني إسرائيل ولم تكن مدين قبيلة ولكنها أمة بعث إليها فلما بوَّأ الله إسماعيل الحرم وهو طفل وانبط له زمزم مرت به من جرهم رفقة فرأوا ما لم يكونوا عهدونه وأخبرتهم هاجر بنسب الصبي وحاله وما أمر الله أباه فيه وفيها فتبركوا بالمكان ونزلوه وضموا إليهم إسماعيل فنشأ معهم ومع ولدانهم ثم أنكحوه فتكلم بلسانهم فقيل نطق باليعربية إلا أن الياء زيدت في الاسم فحذفت في النسب كما تحذف أشياء من الزوائد وغير كما تغير أشياء عن أصولها والدليل على أن أصل اللسان لليمن أنهم يقال لهم (العرب العاربة) ويقال لغيرهم (العرب المتعربة) يراد الداخلة في العرب المتعلمة منهم وكذلك معنى التفعل في اللغة يقال تنزر الرجل إذا دخل في نزار وتمضر إذا دخل في مضر وتقيس إذا دخل في قيس وقال الشاعر: وقيس عيلان ومن تقيسا ولو كان كل من تعلم لساناً غير لسان قومه ونطق به خارجاً من نسبهم لوجب أن يكون كل من نطق بالعربية من العجم عربياً (وسأقول في الشرف باعدل القول وأبين أسبابه ولا أبخس أحداً حقه ولا أتجاوز به حده) فلا يمنعني نسبي في العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها واثني أعنتها عما تقدم إليها سفلتها واختصر القول واقتصر على العيون والنكت ولا اعرض للأحاديث الطوال في خطب العرب وتعداد أيامها ووفدات أشرافها عَلَى ملوك العجم ومقاماتها فإن هذا وما أشبهه قد كثر في كتب الناس حتى اخلق ودرس حتى مل لا

стр. 2954

سيما وأكثر هذه الأخبار لا طريق لها ولا نقلت من الثقات والمعروفين أيضاً تخبر عن التكلف وتدل عَلَى الصنعة وأرجو أن لا يطلع ذوو العقول وأهل النظر مني عَلَى إيثار هوى ولا تعمدٍ لتمويه وما أتبرأ بعده من العترة والزلة إلا أن يوفقني الله وما التوفيق إلا به. وعدل القول في الشرف أن الناس لأب وأم خلقوا من تراب وأعيدوا إلى التراب وجروا في مجرى البول وطووا على الأقذار فهذا نسبهم الأعلى الذي يردع أهل العقول عن التعظم والكبرياء ثم إلى الله مرجهم فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله وكانت ماتته طاعة الله. وأما النسب الأدنى الذي يقع فيه التفاضل بين الناس في حكم الدنيا فإن الله خلق آدم من قبضة جميع الأرض وفي الأرض السهل والحزن والأحمر والأسود والخبيث والطيب يقول الله (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) فجرت طبائع الأرض في ولده فكان ذلك لاختلاف غرائزهم فمنهم الشجاع والجبان والبخيل والجواد والحي والوقاح والحليم والعجول والدمث والعبوس والشكور والكفور وسبباً لاختلاف ألوانهم وهيآتهم فمنهم الأبيض والأسود والأسمر والأحمر والأقشر والوسيم والخفيف على القلوب والثقيل والمحبب إلى الناس من غير إحسان والمبغض إليهم من غير ذنوب وسبباً لاختلاف الشهوات والإيرادات فمنهم من يميل به الطبع إلى العلم ومن يميل به إلى المال ومن يميل به إلى اللهو ومن يميل به إلى النساء ومن يميل به إلى الفروسية. ثم يختلفون أيضاً في ذلك فمنهم من يسرع إلى فهمه الفقه ويبطئ عنه الحساب ومنهم من يعلق بفهمه الطب وينبو عنه النجوم ومنهم من يتيسر له الدقيق الخفي ويعتاص عليه الواضح الجلي ومنهم من يتعلم فناً من العلم فيرسخ في قلبه رسوخ النقر في الحجر ويتعلم ما هو أخف منه فيدرس دروس الرقم عَلَى الماء ومن طلبة المال من يطلبه بالتجارة ومن يطلبه بالجراية ومن يطلبه بالسلطان ومن يطلبه بالكيمياء فيتلف بالطمع الكاذب والتماس المحال اثلة المال ومن طلبة النساء من يريد المهفهفة ومن يريد الضناك ومن يريد الغرة الصغيرة ومن يريد النصف الوثيرة وأعجب من هذا من ربما حبب إليه العجوز قال الشاعر:

стр. 2955

عجوز عليها كبرة وملاحة ... اقاتلتي يا للرجال عجوز عجوز لو أن الماَء ملك يمينها ... لما تركتنا بالمياه نجور ومن لؤم الغرائز أن من الناس من يحب الذم كما يحب غيره المدح ويرتاح للهجاء كما يرتاح غيره للثناء ومنهم من يغري بذم قومه وسب نفسه وآبائه وشتم عشيرته منهم عميرة بن جعيل التغلبي وهو القائل: كسا الله حي تغلب ابنة وائل ... من اللؤم اصغاراً بطيئاً نصولها ومنهم الحرمازي وهو القائل: إن بني الحرماز قوم فيهم ... عجز وتسليط عَلَى أخيهم فابعث عليهم شاعراً يخزيهم ... يعلم منهم مثل علمي فيهم ومنهم القحيف وهو القائل في أمه: ياليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار ليست بشبعى ولو أسكنتها هجراً ... ولا بربا ولو حلت بذي قار تلهم الوسق مشدوداً اشظته ... كأنما وجهها قد طلي بالقار خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار (لها بقية)

стр. 2956

شذرة ذهب من فن الأدب من كلمات اللغة العربية ما يدل عَلَى أصل المعنى. ومنها ما يدل على المعنى نفسه مع زيادة قيد أو شرط أو وصف حالة. مثال الأول أن تقول (افتخر) زيد فإنه يفيد أصل معنى الافتخار. ومثال الثاني أن تقول (تنفخ) زيد فإن معناه الافتخار وشيء آخر زائد: وهو أن يفتخر الإنسان بما ليس عنده أو بصفة ليست فيه. أو يفتخر أحياناً بأكثر مما عنده. فيكون كريماً بالجملة مثلاً ثم يصف من كرمه وجوده أكثر من الواقع ومما يعلمه الناس فيه. فحينئذ يقال عنه أنه تنفخ. وقريب من معنى المتنفخ (الفتحة) ـ بضم الفاء وفتح التاء. وقالوا في معناه أنه الرجل الذي يتنفخ في المجالس ويكثر من ذكر ما أُوتيه من ملك وأدب يتطاول بذلك عَلَى الحاضرين. ومثل (تعلم) فإنه يفيد أصل التعلم. أما إذا قلت (أَخصى) فإنه يفيدنا زيادة معنى في التعلم. هو أنه تعلم علماً واحداً كأن يتعلم فن الطب وحده أو الكيمياء وحدها ولا يلقى باله إلى غيرها من العلوم. مثل هذه الأوصاف أو الأفعال التي تدل على معنى مركب يجب أن نعنى بها ونجمع منها طائفة للقارئ والكاتب. قد تريد أيها الكاتب أن تصف إنساناً بكونه متقلباً لا يثبت عَلَى رأي واحد فتارة يتبع رأي هذا. وطوراً رأي ذاك. فتفكر كثيراً في كلمة تدل عَلَى هذا المعنى المركب. ولكنك إذا حفظت كلمة (إمعة) ـ بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة ـ فإنك تستعملها وتقول. فلان لا بأس به ولكنه إِمعة تريد أنه لا رأي له وإنما يتابع كل إنسان عَلَى رأيه. وقد تريد أن تصف صاحبك بأنه لا يثبت عَلَى صداقة أحد فهو يؤاخي هذا يوماً ويمله. وينتقل إلى مؤاخاة الآخر وهكذا. تريد وصفه بذلك فيعيبك الأمر وربما سردت لبيان هذا المعنى جملاً طويلة عريضة ولكن العرب يقولون لا تثق بفلان فإنه مقطاع أي لا يثبت عَلَى مؤاخاة أحد. وقد تحاول وصف بعض معارفك بأنه كسول لا ينشط إلى الكسب ولا يسعى في طلب معاشه فيضيق عليك الوصف أما إذا تعلمت كلمة (لبد) عَلَى وزان (كتف) فإنك تصفه به

стр. 2957

وتقول أن صاحبي فلان لبد لا يبرح منزله ولا يطلب معاشاً لنفسه وقريب من كلمة (تنفخ) التي معناها افتخر بما ليس فيه كلمة (ابتهر) هو أن يقول المرء فعلت كذا وأفعل كذا وهو لم يفعل شيئاً مما ادعى. وكثيرون يدعون فعل مالم يفعلوا فيضيق المرءُ ذرعاً بالواحد من هؤلاء ويريد أن يوجز في وصفه وفي الأخبار عنه بكلمة واحدة فأرى له أن يقول: دعونا من فلان فإنه يبتهر في كل ما يقول. أما إذا كان المرءُ يقول فعلت الشيءَ ويكون قد فعله صدقاً. فهل من كلمة تدل عَلَى هذا المعنى؟ تدل عليه كلمة (الابتيار): فإذا قلنا فلان يبتار كان معناه يقول ويفعل لا كصاحبنا الأول الذي يبتهر ابتهاراً. وقد جمع الأعشى الشاعر الكلمتين في قوله: قبيحٌ بمثلي لفت الفتا ... ة إِما ابتهاراً وإما ابتيارا يقول أنه لا يليق بأدبه أن يعرض بالفتيات ويأخذ في سرد حوادثه مع أوانس الحي: فيقول كان من أمري مع فلانة كذا وخبري مع فلانة كذا: فهو لا يبتهر ولا يبتار ولا يقول عن الفيثات شيئاً صادقاً أو كاذباً. فليتق الله ازيار النساء وليأنسوا بالأعشى فإنه موضوع للأسى. ويعرض لك أحياناً أن تقول: إن القاضي كان يكلم المدعى عليه أثناء المحاكمة بغيظ وغضب. فبدل أن تأتي بكلمتين تقول كان (يدمدم عليه) أي يكلمه بغضب واراك تتهيب استعمالها لأول الأمر ثم لا تلبث أن تأنس بها ويألفها سمعك فتشيع وتروج بين الكتاب. وإذا مات امرؤ في ميعة الشباب وصحة الجسم وأردت أن تخبر بذلك فقل مات فلان عبطة. أي شاباً صحيحاً. واعتبطه الموت. وقد تعيب آخر بكونه يشبه النساء في شدة تزينه وتنعمه فتأتي في وصفه بكلام كثير. والأجدى لك أن تقول لا يعجبني فلان فإنه يتزلق. قالوا ومعناه أن يتزين وينعم حتى يكون الونه وبيض أي لمعان ولبشرته بريق. وإذا أردت أن تثني على صديقك بأنه ينفق عَلَى ذوي رحمه الفقراء ويكفيهم ذل السؤال تقول أنه (يعوله) ولكن هناك كلمة أخرى لا أرى بأساً في استعمالها وهي ن تقول أنه (يقعدهم) ـ بتشديد العين ـ أي يقوم بأمرهم ويكفيهم مؤونة الكسب وأحسبك تفضل (يعول) عَلَى (يقعد) وتقول أنها أخف منها على السمع. نعم ولكن الاستعمال كفيل بصقلها

стр. 2958

وإدنائها من الذوق. والمرأة التي تبغض زوجها ماذا يقال لها؟ يقال لها (فارك) أما إذا كانت تحبه فتسمى (العلوق) وقالوا أنها التي لا تحب غير زوجها. وإذا مر موكب في الشارع ورأيت امرأة تنظر إليه من نافذة بيتها وتمد عنقها مبالغة في المد فقل أنها (تتلع) أي تمد عنقها متطاولة. وإذا رأيت صاحبك يمشي الهوينا وينسحب انسحاباً وأردت أن تحكي عنه تقول أني رأيته (يتخزل) أي يمشي وهو متثاقل في مشيته. وإذا كان صاحبك المذكور مولعاً بمعاشرة النساء والجلوس أليهن فقل عنه أنه (عل). وقالوا في تفسير أنه الذي يكثر زيارة النساء. والراهب لا تعرف له اسماً غير اسمه هذا ولكنني أذكرك باسم آخر ربما فاقه رشاقة وحسناً وهو (الابيل) وقالوا في معناه أنهُ الراهب المنقطع عن النساء. ومن كلامهم فلانة لو أبصرها الابيل لضاق به السبيل وما أحلى ما قاله محي الدين بن العربي في هذا المعنى: لو أَنها برزت لأشمط راهب ... فاق العباد عبادة لو أنها واتت لتطلب منه ما خلقت له ... متذكراً نهي المسيح لما انتهى لم يدع ابن العربي وجهاً من أوجه الحسن اللفظي والمعنوي إلا أودعه بيتيه هذين: وقوله لو أنها في آخر البيت لأفادة استبعاد أن تبرز تلك الفتاة من خدرها وهذا يستلزم أن تكون حصاناً عفيفة. وقوله لتطلب منهُ ما خلقت له غاية في نزاهة التعبير ولطف الإشارة. وقوله متذكراً نهي المسيح مما يؤكد حسن تلك الفتاة فضل تأكيد. وأن جمالها يملك النفس ويخدر الحس. ويوجد أناس يتركون اللحم فلا يأكلونهُ. فإذا أردت أن تخبر فلاناً من هؤلاء القوم. وبحثت عن كلمة واحدة تؤدي هذا المعنى المركب دللتك عَلَى قولهم فلان (يتنحس) بالحاء المهملة عَلَى وزن يتكلم أي ترك أكل اللحم. وإذا ترك التلميذ المذاكرة ومطالعة دروسه ومال إلى البطالة والكسل ماذا تسمي عمله هذا؟ تسميه (تناوة) وقالوا في تفسيرها أنها ترك المذاكرة وهجران المدارسة. وإذا كان التلميذ نفسه قد اعتاد عادة قبيحة وهي أن يغمض عينيه ويفتحهما دواليك وأردت أن تنهاه عن ذلك فقل له دع هذه العادة يا بني ولا ترضك عينيك أي لا تغمضهما

стр. 2959

وتفتحهما. وهو رباعي وماضيه أرضك عَلَى وزن أكرم. وإذا لامك لائم على شيء لم تفعله فقل أنهُ (يتذقح) لي أي ينسب إلي ذنباً لم أفعله ومثله (يتجرَّم) وكلاهما عَلَى وزن يتكلم ومثلهما يتجنى فلان عَلَى فلان. وإذا وقح الرجل وقل حياؤه فلم يعد يبالي ذمهُ الناس أو مدحوه. رضوا عنهُ أو سخطوا عليه. فذهب في ارتكاب المآتم واجتراح السيئات كل مذهب ماذا تسميه؟ يسمونه (مستولغ) وفسروها بأنه الرجل لا يبالي ذماً ولا عاراً. وهناك تعبير آخر يفيد هذا المعنى. وهو قولهم أن فلاناً (يلحم الناس عرضه) أي يمكنهم من عرضه بما يفعله من المقاذر والمخازي فيقعون فيه ويطعنون عليه. فكأنه بذلك جعل عرضه لحماً أطعمهم إياه. وأكل لحم الغير كناية عن اغتيابه والنيل من عرضه. ومنه قوله تعالى (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً). وإذا مهدت لك أسباباً حملتك بها على سب فلان وشتمه كنت قد ألحمتك عرضه. وورد (إن الله يبغض البيت اللحم) بكسر الحاءِ على وزن كتف. وفسروه بالبيت الذي تؤكل فيه لحوم الناس بغيبتهم والاستطالة في أعراضهم. وكان للوليد بن عبد الملك ولد يقال له العباس. ولم يكن في أطواره وأخلاقه كشبان بني مروان بل كان امرأَ صدق يتشبه بعمر بن عبد العزيز فقال يخاطب قومه ويحثهم عَلَى الاتحاد والإقلاع عن الفجور ومخالفة الدين. ان البربة قد ملت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا لاتلحمن ذئاب الناس عرضكمو ... إِن الذئاب إذا ما أُلحمت رتعوا فقوله (لا تلحمن) بضم التاءِ وكسر الحاء وتشديد الميم المضمومة خطاب للجميع وقد حذفت واوه لاتصالها بنون التوكيد. أي أن الناس كالذئاب فإذا مكنتموهم من الوقيعة فيكم لا يقصرون كما الذئاب إذا رأوا فريسة أغروا بها ونهشوا منها. ومن الناس من يقابل الآخرين بذكر ما يؤلمهم ذكره. ويصف من أحوالهم ما يحملهم به عَلَى كره الحياة بل كراهة أنفسهم. فهذا الرجل الذي يفعل بالناس كذلك يسمى (أَجوم) عَلَى وزن جسور ويقال أنه يؤجم الناس ـ بتشديد الجيم ـ أي يكره إليهم أنفسهم. وهو مشتق من أجم الطعام وغيره إذا كرهه ومله. وقد قام في زماننا قوم ينقصون العرب. ويصغرون من شأنهم وآخرون يفعلون كذلك

стр. 2960

بالمسلمين فماذا تسمي الأولين؟ وماذا تسمي الآخرين؟ الأَولون يسمون (شعوبية٩ والواحد منهم (شعوبي) وقالوا في تفسير الشعوبية أنهم الذين يحتقرون العرب. والآخرون يسمون (دققة) ـ بفتح القافين ـ وقالوا أنهم الذين يظهرون عيوب المسلمين. أما (دققة) فطاهر أنه مشتق من دقق نظره في الشيء إذا تأمل فيه. وبحث في ما خفي عليه من أمره. ومن يكره المسلمين يفعل ذلك وينقب عن مساويهم ليشهر بها ويشنع عليها. وأما الأولون مبغضو العرب فلماذا سموا (شعوبية)؟ سموا بذلك نسبة إلى الشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو الجماعة الكبيرة من الناس غير العرب. أما الجماعة الكبيرة من العرب فتسمى قبيلة كما أن الجماعة الكبيرة من بني إسرائيل تسمى سبط. فالقبائل للعرب. والأسباط لليهود. والشعوب لغير هؤلاء وأولئك. ومنه قوله تعالى في صدد الامتنان عَلَى البشر (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وكتب المعتمد بن عباد أحد ملوك الأندلس إلى يوسف بن تاشفين ملك المغرب يستنجده عَلَى الاسبانيول ـ (فأنا نحن العرب في هذه الأندلس قد تلفت قبائلنا. وتفرق جمعنا. وتغيرت أنسابنا. فصرنا فيها شعوباً لا قبائل. وأشتاتاً لا قرابة ولا عشائر) الخ. فانظر كيف قال أنهم تلفت قبائلهم فلم يعودوا قبائل وإنما أصبحوا شعوباً أي جماعات أعجمية. وذلك بسبب فقدهم مزايا العرب وكريم خصالهم التي منها النجدة والنعرة في حماية الذمار. والدفاع عن الجار. أما الكتاب اليوم فقلما يفرقون بين (الشعوب) و (القبائل) وإنما يستعملونها في مطلق الجماعات من أي جنس كانوا. ولما كانت شعوب الأعاجم تحط من قدر قبائل العرب عادة سمي كل من يحتقر أمر العرب (شعوبي). اسكلة طرابلس الشام المغربي

стр. 2961

استعمار الهند معربة عن المجلة الزرقاء الفرنسوية أحدث ما يقوم به الهنود في العهد الأخير م مقاومة حكومتهم قلقاً وهلعاً وذلك أن الثورة تضطرب لهزتها أعصاب إمبراطورية الهند والقوم هناك يدعون إلى الاستقلال جهاراً حاملين العلم الأحمر ويقوم الدعاة من كل مكان يوقدون جذوة التعصب والتحزب ولا يستنكفون من إتيان كل منكر من قتل النفوس وإهراق الدماء. قويت هذه الحركة وامتدت دون أن يعوقها عائق لأنه لم يهتم بها أحد في مبدأها لغرابة أمرها ولأنها ظهرت غير متناسبة مع حال العقول في الهند. ولئن كان جمهور موظفي الحكومة الإنكليزية هناك عَلَى جانب من طهارة الوجدان والعلم والتهذيب والتجارب إلا أنهم لم يحسبوا لهذه الحركة حسابها ووهموا في نتائجها وفلتهم عَلَى ما عرفوا به من الذكاء إن ما دعا إلى ذلك غلطات لهم ارتكبوها فنشأ عنها ما نشأَ. وللوقوف عَلَى الصلات المتبادلة بين الحكام الانكليز والمحكومين الوطنيين من الهنود يجب أن نبين الأسس التي قامت عليها الإدارة البريطانية في شبه جزيرة الهند فنقول: إن الهند أوسع من أوربا فمساحتها ٤، ٨٩٤، ٠٠٠ كيلو متر مربع وسكانها ٢٦٦ مليوناً وأهلها خليط من الناس ما كانوا ولن يكونوا أمة برأسها. قال الفرد ليل: كل من أراد أن يحكم عَلَى امرئٍ بالحكومة التي تحكمه والبلاد التي ينزلها لا يكون حكمه إلا ناقصاً إذ يجهل بذلك طبيعة الحكومة التي تحكمه لا يفيد شيئاً في معرفته نفسه لأن الحكومة نتيجة أحوال عارضه وتدبير موقف اه. لما استولى الانكليز عَلَى الهند عقيب أن دالت دولة المغول ورفع عن بعض ارجائها علم الفرنسيين لم يجدوا أمامهم حكومة وطنية في البلاد ولا جماعة اجتمعوا لتدبير شؤونهم تربطهم المصلحة المشتركة بها بل رأوا هنا وهناك عصابات غير طبيعية نشأت بالاتفاق بطبيعة الفنح وظلت بطبيعة الحال عبارة عن مجتمعات منفصمة العرى تجمع تحت لوائها ملايين من الناس في أماكن متباينة وكان لهذه الأنوام بحسب مكانتها زعماء يقودونها اسموا أنفسهم أمراء وراجات ونواباً وسلاطين وامبراطرة ولم تتغير هذه الصورة من الحكومة منذ الأعصر التي استولى فيا الفرس والمقدونيون والبارثيون والتتار والمغول وغيرهم عَلَى

стр. 2962

تلك القارة. ومع ما نراه من حال ذاك الشعب المهزع المنتشر الأطراف الخالي من كل جامعة قد انشأ له مدينة باهرة دامت قروناً تنير العالم بدائعها وظلت إلى يوم الناس هذا لم تمسها يد بسوءٍ. فارتبط الهنود من الشمال إلى الجنوب من جبال حملايا إلى رأس كومور برباط واحد وعملوا بقلب واحد وتبعوا بروح واحدة تدفعها الثبات الذي لا يوصف والغاية المشتركة التي وجهوا كلهم وجهتهم إليها وذلك أنهم لم يرموا إلى غرض سياسي ولا إلى غرض اقتصادي بل لأن المجتمع الذي ألفوه ورتبوا درجاته لم تكن غايته زمنية دنيوية بل كانت دينية فاستقام الأمر للمستعمرين لأن القوم لا تهمهم السياسة ولأن النواب والراجات المغلوبين عَلَى أمرهم ليست لهم أصول راسخة في البلاد ولا منزلة في قلوب الأمة فكان الدين هو الذي يحرص القوم عَلَى بقائه والانكليز أحرص الناس على احترامه ولا سيما بين طبقات البراهمة التي كان لها تأثير شديد في العامة. أدرك الانكليز في الحال صراحة بأنهم في حلّ من أن يؤسسوا في الهند الحكومة التي تروقهم من حيث الإدارة والنظام السياسي والتشريعي على أن لا يمسوا المعتقدات ولا رجال الدين بسوء فانشأوا حكومة جديدة سموها حكومة الاستقلال ولم يراعوا في تأسيس هذه الحكومة أصول الشعوب إذا كان هنا البنغاليون الجياع وهناك الباهراتيون الشجعان وفي مكان أبعد سكان ميزور وفي المقاطعات الأخرى السيخيون النشيطون فتجد الفلسفة العالية والتصوف البديع إلى جنب الخرافات المستحكمة والتعصب الشديد بل راعوا اختلاف طبائع الأقاليم من حيث وضعها الطبيعي عملاً بما قاله أحد رجالهم من أن الاختلاف في أصقاع الهند أشد مما تراه في ظاهر أرضنا وسياراتنا من المشاهد. ولم ير المستعمرون من مصلحتهم أن يؤلفوا وطنية هندية فيكون لسكان بنجاب وبنغل وطنية خاصة بل عزموا عَلَى توسيع الاختصاص وتقسيم البلاد في إدارتها عَلَى خلاف ما جرت عليه فرنسا في ربط البلاد كلها بالعاصمة مباشرة لأنها ترمي إلى تجنيس أهل البلاد المستعمرة بالجنسية الفرنسوية. وبعد تجارب طويلة تمت لانكلترا سنة ١٨٦١ صورة الهند وكانت هذه الصورة معدلة منظوراً فيها وهي الصورة التي جرت عليها شركة الهند الشرقية سنة ١٧٧٣ واستصدرت بها قانوناً من مجلس النواب فقسمت الهند أولاً إى ثلاث

стр. 2963

ولايات بنغال ومدراس وبومباي دعوها رئاسات لأن إدارتها كانت بيد مجلس ينشر القوانين وينفذ القرارات وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهو دور الحروب والمنازعات الهائلة رأت انكلترا من الضرورة أن توحد الإدارة السياسية مع الإدارة الحربية لتقوية كل منها فعهدت سنة ١٧٧٣ بولاية الهند لحاكم بنغال بحيث يكون له التقدم عَلَى حاكمي مدراس وبومباي ولكن ولايته اسمية لا فعلية فأخذت الولايات الثلاث تضيع الوقت في الأخذ والرد والإدارة مختلة الأساليب لا ترجع إلى يد تضم شملها حتى إذا كانت ثورة السيباي سنة ١٨٥٧ وهي التي كادت تخرج انكلترا من الهند وضعت الحكومة صورة إدارة كانت أساساً للإمبراطورية الهندية وهو عمل إداري لم توفق إليه أمة ولم يخطر في خاطر حاكم. فقسمت أراضي الهند إلى طبقتين جوهريتين أراضي السلطنة البريطانية أي البلاد التي تحكمها انكلترا مباشرة وهي عبارة عن ولايتي مدراس وبومباي اللتين بقيتا عَلَى ما كانا عليه في حدودهما وولاية بنغال وقاعدتها كلكوتا جعلت عاصمة المملكة وقسمت إلى ثماني مقاطعات لها حق الانتخاب. والطبقة الثانية إمارات الوطنيين التي تركت تحت سلطة الراجات الاسمية أو الفعلية فقسمت إلى قسمين في وضع الحماية الانكليزية عليها وبذلك صار الحكم للوالي العام والرئاسات وحكومات الولايات والإمارات الوطنية. ولحاكم الهند أو نائب ملكها مجلس مؤلف من ستة وزراء لهم معاونون وفي بعض الأحيان ولا سيما عند سن القوانين يضطر إلى أخذ آراء المجلس وله الحرية أن يعمل بها أو يرفضها وهؤلاء الوزراء يشبهون من وجوه كثيرة وزراء لويس الرابع عشر لا وزراء ادوارد السابع وهم وزير الداخلية والخارجية والمالية والمعارف والتجارة والحربية والعدلية والأشغال العمومية ويحق لواليي مدراس وبومباي أن يحضرا في المجلس عضوين فوق العادة وهذا المجلس الوزاري يجتمع في المكان الذي يستني الحاكم العام فحيثما التأم فهناك العاصمة. ويضاف إلى هذا المجلس بعض الأعضاء فيصبح برلماناً أي مجلس نواب فيكون نصف هؤلاء الأعضاء الإضافيين من الأعيان أوربيين كانوا أو وطنيين عَلَى أن لا يكونوا من موظفي الحكومة يعينهم الحاكم العام فبذلك يصبح العنصر الرسمي في هذا المجلس أكثر من العنصر الأهلي وهذا العنصر قليل العدد ولذلك لا حكم له ومعاونته في

стр. 2964

الأغلب. أما المجلس التشريعي فله سلطة واسعة لا يقف أمامها إلا امتيازات البرلمان البريطاني وحقوق السلطنة الانكليزية وتفقد قراراته عند ما يصدق عليها حاكم الهند. وهذه الطريقة التي تسهل إحالة السلطة الإجرائية إلى السلطة التشريعية تحل مسألة تقسيم الإدارة عَلَى ليسروجه في حين تمنحها وحدة الآراء والأميال. وفي مجلس النواب كما في مجلس الوزراء يعمل كل عضو بما فيه المنفعة العامة وينظر في المسائل التي يحسن معرفتها بخلو غرض ويعطي رأيه حراً وللموظفين ضمانات لا تضر بالنظام ولكنها تقي أشخاصهم كل الوقاية. وبعد فإن الحكومة العامة تنظر خاصة في المسائل الملكية كالديون العمومية والكمارك والرسوم الأميرية والمقايضات والبريد والبرق ونفقات الحربية والأديان وقانون الجزاء والباتنتا والعلائق الخارجية والحقوق الأدبية وغيرها فتوجه دفة السياسة إلى الوجهة التي تختارها وتوحد بين المصالح العامة والخدم العامة فهي المنظمة والمدبرة وحافظة العهد الدستوري أما ولاة الأقاليم فلكل منهم مجلس خاص ومجلس تشريعي لا تسري أحكامه عَلَى أحكام الحاكم العام كما ن هذا لا يتعدى عَلَى امتيازات الإمبراطورية وما عدا ذلك فالحكومة مالكة حريتها برمتها ولها مطلق التصرف أن تقرر ما تشاء. ويخاطب واليا مدارس وبومباي لندرا مباشرة ويناولان التعليمات بأنفسهما أما سائر الولايات فإدارتها ترجع إلى ولاة وبعضها إلى متصرفين يعينهم الحاكم العام ويتناولون رواتبهم من الإمبراطور ويختارهم من الموظفين الذين قضوا عشر سنين في الهند على الأقل وهم يخابرون كلكوتا في شؤونهم ولكن في الأمور الإدارية ولهم سلطة كسلطة والي مدراس وبومباي ولهم الميزة عليهم بأنهم أكثر خبرة ونفوذاً. أما الجيش فيؤلف من جيش عامل ن الأوربيين والهنود ويقدر بمائتين وسبعين ألفاً منهم ثلاثة وسبعون ألفاً من الانكليز ومن جيش مساعد تقدمه الإمارات الوطنية المستقلة عدده ٣٨٠ ألفاً ولكن على الورق فقط وعنده أربعة آلاف مدفع وإذا استثني من الجيش العسكر الانكليزي وبعض الالايات كالسيخيين والباتام والغوركا فالجيش الهندي لا يساوي شيئاً. وإذا استثني من الجيش المساعد فيلق مملكة الكواليور لا يساوي شيئاً أيضاً. قال أحد

стр. 2965

كبارهم أن هذا الجيش عبارة عن خليط من الأوباش لا علم له بالتدريب الحربي وليس لديه سلاح منظم وإن الايين أو ثلاثة من جيشنا مع بطارية خيالة تمزق شمل خمسين ألفاً من مثل هؤلاء المحاربين فمجموع هذا الجيش العامل وقدره سبعمائة ألف مع الجيش الاحتياطي هو عبارة عن تضليل يزول كالسراب أو كالدخان عند مداهمة الخطر. وتقسم كل ولاية وارداتها مع الولايات العامة عَلَ نسبة محددة وتقوم بنفقات القضاء والمعارف والأشغال العمومية وإعانة البائسين ولكل ولاية الحق في أن تستلف نقوداً على واردات خمس سنسن تصرفها في الطرق التي تراها نافعة لعمران ولايتها وتقتصد ما تشاء وفي الهند أربع محاكم عالية في بومباي وبنغال والشمال الغربي ومدارس تميز إليها أهم الدعاوي المدنية والجزائية وينتخب أعضاؤها من قبل السلطنة الانكليزية ويقبض كل عضو من مئة إلى مائتي ألف فرنك راتباً سنوياً وفي كل حاضرة ولاية محكمة استئناف ومحكمة جزاء نقالة ثم محاكم المقاطعات ويعمدون تارة إلى استعمال قانون لندرا وإذا وقع اختلاف بين أوربيين من رعايا انكلترا يطبقون عليهم القانون الهندي وأحياناً قانون الجزاء الانكليزي الهندي. ومأمورو الإدارة الملكية عبارة عن ٧٦٥ موظفاً فيكون بذلك موظف واحد لكل ربع مليون ساكن وتحت أيديهم صغار الموظفين من الوطنيين. ومن مبدأ انكلترا في الهند أن تبقي جميع الوظائف الكبرى في أيدي الأوربيين وتعطي جزءاً مهماً منها للوطنيين ولا ترى الحكومة أن تقبل أحداً من رعاياها الهنود وتجعلهم انكليزاً في جنسيتهم وهم يهزأون من فرنسا التي جنست رعاياها في بوندشيري بجنسيتها وأعطتهم حق الانتخاب لإرسال نواب واعيان. أما الإمارات الهندية المستقلة فهي منقسمة إلى طبقتين تقل في الأولى السلطة الانكليزية عليها ومنا الإمارات الإسلامية التي تركت وشأنها لأن ذلك اقصد في النفقة عليها ولكن حالتها إلى الزوال لأدنى إشارة تصدر من الحاكم العام ثم أن أمراء تلك الإمارة الإسلامية هم غرباء ويدينون بدين يكرهه السواد الأعظم من رعاياهم فهكذا تجد في مملكة النظام مملكة حيدر آباد الدكن. تسعة ملايين من البراهمة لقاء مليون من المسلمين وفي سائر الممالك المستقلة خمسون مليون برهمي أما ممالك كواليور واندور وبارودا فليس لها من

стр. 2966

المهراتية إلا الاسم لأن امراءَها هم دخلاء عليها. أما ممالك الطبقة الثانية من الوطنيين فتختلف عن هذه كثيراً ومن الممالك ميزور وراجبوتانا وترافانكور وجيبور وجوبور وملوكها هم من البراهمة ولئن ترى الحكومة من الحكمة أن تضيق خناقهم وهي لا تخافهم ولكنها لا تركن إليهم إلا قليلا قال جايمس ستيفن: إن الانكليز في الهند هم نواب تمدن محارب وسلام تدعمه القوة وما من بلاد نظمت شؤونها وحالفتها الدعة والراحة مثل الهند البريطانية ومتى خفت شدة الحكومة يكر نظام الهند كأنه مأخوذ بسيل جارف اه. وتنقسم درجات التعليم في الهند إلى ابتدائي ووسط وعالٍ وهو النقطة الضعيفة من ذاك البناء الانكليزي الهندي البديع. إن من يسكنون البلاد الواقعة بين نهر الاندوس وشاطئ كورومانديل ويطلقون عليهم اسم الهنود يجب أن يجعلوا م الشعوب التي تشمئز من الغريب وتعاديه شأن كل الشعوب التي لها تاريخ قديم وفلسفة معروفة وتمدن خاص بها وهذا يصدق عَلَى الأكثرية من البراهمة كما يصدق عَلَى الأقلية من المسلمين فالبراهمة يرون من واجباتهم أن لا يحيدوا قيد شبر عن تعليم أولادهم الصنعة التي يعلمها آباؤهم بالإرث وتلقيهم الفروض الاجتماعية والعالمية والدينية التي تصدر عن زعمائهم وإن جزءاً من هذا الشعور ليتعلمه الطفل بالفطرة والتقليد وباقيه يحصله في مدرسة قريته أو يأخذه عن رئيسه الديني مع ما يأخذ من آداب أمته ودينها فيملأ ذهنه بالتراكيب المبهمة والصلوات ولا سيما صلاة الغداة ومعناها: لنعبد النور السامي من هذه الشمس ربة كل وجود في الوجود التي تقود فكرنا كما تقود عين معلقة بقية السماوات. أما التعليم الحديث فإن رب الأسرة يدفعه عن أسرته مشمئزاً بقدر ما كان يشمئز لاوكون من هدايا اليونان ويرفضها ولذلك يعز عَلَى البراهمة أن يخونوا مبادئهم المقدسة وأكثر ما يحذرونه من الأمور التي يحملها إليهم الغرب المدرسة فإن شيئاً خفياً في فطرتهم يدعوهم في السر: إياكم والمدرسة الانكليزية فهي عدوتكم. وعَلَى هذا حارت انكلترا في سياسة التعليم التي تجري عليها بين البراهمة لأنها لا تستطيع أن تعلمهم التعليم الأوربي إلا إذا أضرت بمعتقداتهم الدينية ومعتقدهم هو وطنيتهم وهي لا تريد أن يخرجوا عنها حتى إن انكلترا اضطرت سنة ١٨٤٠ أن تجيب مطالب ثلثمائة ألف

стр. 2967

رجل اجتمعوا في سهل بنارس يقيمون الحجة عَلَى الرسوم التي تريد وضعها على البيوت وعزموا أن يهلكوا جوعاً أو تجيبهم الحكومة إلى إلغاء هذه الرسوم فأجابتهم مكرهة مخافة أن يحدث وباءٌ فإذا عادت روح الاعتصاب وسرت في أعصاب مائتي مليون رجل لمقاومة سياسة التعليم ماذا تعمل بريطانيا؟ ولم تر انكلترا اسلم لها من تلقين الهنود مبادئها بالتدريج على أن تعلمهم ما تعلمه أبناءها في عاصمة الجزائر البريطانية وتشربهم حب الانكليزية عَلَى شرط أن لا يحيدوا عن جادة الإخلاص لها ولا يسيئوا استعمال المفتاح الذي تسلمهم إياه ويستخدمونه لفتح الباب في إيذائها والمسألة لا تخلو من إشكال أيضاً فيما يتعلق بأهل الطبقة العالية من المسلمين فقد جاء في أحد التقارير عن الهند ما نصه: إنا إذا صرفنا النظر عن الأسباب الاجتماعية والتاريخية في الشعب الإسلامي في الهند نرى لانحطاطهم أسباباً ذات شأن لها علاقة بتربيتهم التي تؤثر في حياتهم فتعليم الجامع يجب عندهم أن يكون سابقاً دروس المدرسة ولا يتيسر أخذ الطفل من المسلمين إلا بعد أن يقضي بضع سنين في مدرسة يتعلم فيها اللغة العربية والفقه الإسلامي ولكن تعليم المدرسة الدينية يقوده إلى أن يختار الخدم الدينية مؤثراً لها عَلَى أربح المسالك والأعمال. وقد أيدت التجارب هذه الملاحظة إذ حدث أن حب الوظائف العامة قد أثر قليلاً في المسلمين في الهند وظلوا يقاومون التعليم الانكليزي كل المقاومة ولحسن طالعهم لم تعن الحكومة الانكليزية بأن تجعل المسلمين أوربيين كما حرصت عَلَى جعل الهنود كذلك ورأت انكلترا أن تنقذ الطبقة العالية من الهنود من الأوهام القديمة لتستخدم منهم أناساً في الإدارة والقضاء والمالية وقد رأَى اللورد ماكولى سنة ١٨٣٥ على ما فيه من العقل الذي أثر تأثيراً سيئاً في الهند أن من الواجب تعليم اللغة الانكليزية في مدرسة شبان الهنود من أرباب الطبقات المختلفة لترشيح الانكليزية من الأعلى إلى الأدنى وكان يقصد من ذلك أن يأخذ ما يلزم للبلاد من الموظفين من أهل البلاد أنفسهم. وفي سنة ١٨٥٤ أنشأت انكلترا ديوان المعارف العمومية فعنيت بإدخال اللغة (الانكليزية) إلى مدارس بنغال وبنارس ونظمت مدارس الوطنيين مع محافظتها لها عَلَى صفاتها الخاصة وفي سنة ١٨٥٧ أثمرت البذرة التي وضعها لورد ماكولي في تربة الهند فأسست

стр. 2968

ثلاث كليات في كلكوتا وبومباي ومدارس عَلَى مثال الكليات الانكليزية فيها أنواع الراحة والرفاهية وتدرس فيها الدروس التقليدية وأنشئت في حاضرة كل مقاطعة مدرسة عالية وفي المدن الصغرى مدارس وسطى ثم أُنشئت كليات لاهور لإقليم بنجاب والله آباد لإقليم الشمال الغربي وساغ للمتخرجين من تلك الكليات أن يتدرجوا في المراتب مثل من تخرجوا من كليتي أكسفورد وكمبردج. فتخرج من تلك الكليات أناس من أرباب الذوق والأدباء والمشرعون وقل في المتخرجين العلماء إذ لاحظ السير هنري مين أن عقل الهندي المستعد لقبول ما حلا وطاب من المعارف هو محروم مما يتصور من قياس مدقق الحقيقة فالهندي يجيد التكلم والكتابة والتفكير الدقيق ولكنه متوسط الاستعداد للحساب والأرقام وأصبحت الحكومة تبعث إلى لندرا بأرقى طبقة من متخرجي كليات الهند ليكونوا نموذجاً عَلَى اشتغالها وراموزاً لمن طبعتهم بطابعها فكانت تكرم وفادتهم في لندرا ولم تعقهم ألوانهم السمراء وتناسب أعضائهم وعيونهم التي تقدح شرراً وقاماتهم القصيرة وحركاتهم المتناسقة وأمزجتهم الشديدة عن أن يستميلوا قلوب الناس إليهم ونالوا من الكرم البريطاني أنواع الرعاية والعناية وفتح الانكليز لهم أبواب دورهم الأنيقة الشريفة كأن كل فرد منهم كان أميراً خطيراً وراجا كبيراً فأخذوا بما شاهدوا وتكلنزوا عَلَى أجمل أسلوب وعاشوا عيش الوطنيين الانكليز وقدروا حق قدره كل ما في الوطنية من الاحترام والأمن والشرف والاستقلال العالي. فكانوا يتعاشرون ويتسامرون ويتعارفون في المجالس إلى من يخطبهن من الآنسات الفتانات الشقر البيض ويلعبون معهن أنواع الألعاب المألوفة والرياضات الانكليزية النافعة وكانوا في جميع أحوالهم مثال الظرف في ألبستهم والترتيب في قبعاتهم حتى إذا أتموا دور التمرين التي كان كل يوم منها ابتسامة للمستقبل وتشبعوا بهواء الغرب وتبطنوا أسرار فلسفة هربرت سبنسر وشوبانهور ونيتش وخفقت أفئدتهم بما علمت وتلبس شعورهم بالبدائع وحشيت عقولهم بخطب مجلس النواب الانكليزي - يركبون البحر عائدين إلى بلادهم بلاد الشمس والحرية يحملون أجمل ذكرى مما رأَوه وفي صناديقهم وأصونتهم الأوراق المطيبة والزهرات الذابلة وقطع من الشريط وبعض الفساطين يؤُبون والكبر آخذ منهم ويعود محيطهم البرهمي يتحيفهم ويرجعون إلى سابق أوهامهم وأحقادهم عَلَى الإدارة

стр. 2969

الانكليزية التي لم تؤثر فيها كثرة تغذيهم بمبادئ أصحابها. ولقد شاءت اللغة الانكليزية بين أمراء الهند حتى صارت لهم بمثابة لغة الاسبرانتو في الغرب يتكلم بها الهنود وهم أجناس مختلفة وأصحاب لهجات متباينة فالمتكلمون باللغة السنسكريتية والبراكريتية والبالية والتيلنكا والبنغالية والهندستانية والمالاكالية والتامولية وغيرها من لهجات الهند يحسنون الانكليزية كأهلها وهذا ما حدا انكلترا أن تضاعف مدارسها وكتاتيبها وكلياتها ثم رأت من الحكمة أن تعتمد على العنصر الإسلامي فأعظمت له مكانته وأقلت من مكانة العنصر البرهمي فزاد ذلك البراهمة نفوراً وأخذوا ينادون في سرهم وجهرهم (الهند للهنديين) وأرادوا محاربة الانكليز حرباً اقتصادية فلم يكن من أبناء جنسهم أناس يكفون للظفر في هذه المعارك فلم يسعهم إلا أن يلجؤا للأجانب فكان الألمان وهم الشعب الذي يحاول أن يخلف الانكليز في كل مكان هم الذين مدوا أيديهم للهنود وأصبح ما تخرجه هندهم من بالات القطن وصناديق الشاي وأكياس القهوة يسافر إلى ميناء همبورغ بدل منشستر. ثم حدثت مشاغبات وفتن وقتل رجال الثورة بعض أعضاء الحكومة فلم يسع انكلترا إلا أن تعطي الهند نظاماً جديداً مصبوغاً بالصبغة الديمقراطية أكثر من ذي قبل وأشركت الهنود في سياسة بلادهم واستعملت انكلترا الرفق فيمن دعوا إلى الثورة من رجال الصحافة والمحاماة وكان من تقربها من روسيا وتحالفها مع اليابان أكبر مفتر لهمم الهنود عن نزع أيديهم من يد حكومتهم أما المسلمون الذين رأت بريطانيا بعد حين أن تعتمد عليهم فقد تحركت نفوسهم وأدركوا قصورهم خصوصاً عندما رأوا إخوانهم شبان العثمانيين الأحرار الذين حرروا المملكة العثمانية من السلطة الاستبدادية كل هذا ليصدق عَلَى سكان الهند ما قاله أحد المفكرين من رجال السياسة الانكليزية (سيبقى الشعب الهندي عَلَى الدوام شاهدا ناطقاً بالماضي غير ممسوس بيد الغرب إلا مساً خفيفاً) ومحاولة تجديد شبابه هو من الغلط وقلة الخبرة.

стр. 2970

الألبان امتلأت الجرائد في هذه الأيام باسم هذا القوم المحارب ويجدر بنا أن نذكر شيئاً من تاريخه ولو مختصراً لنعرف ما كان عليه في الأيام الخالية وما صار إليه الآن. وقد اتخذت قاموس الأعلام، لشمس الدين سامي بك إماماً وكتاب التاريخ لمؤلفه دوروي معاوناً. إن اسم هذا القوم فيما بينهم (اربانيا) في قبيلة كيفه و) اربريا) في قبيلة طوسقه لأن هذه كثيراً ما تبدل النون راء وكلاهما مشتق من اللغة الآرية القديمة من كلمة (آر) الحقل و (بان) من يعمل فيه أو يحرثه أو يزرعه فكأنه قيل لهذا القوم (الحارث) أو (الزارع) لأنه هو أول من أدخل هذه الصنعة من آسيا إلى أوربا ولما كان اليونانيون يبدلون الباء بالواو لفقدان الأولى عندهم دعوا هذا القوم (اروانيتيس) بزيادة (يشيس) وهي أداة النسبة عندهم أي منسوب إلى أربان (ظناً منهم أن أربان اسم للأرض التي يسكنوها) والسين زائدة تظهر في أكثر كلماتهم حالة الرفع وتسقط في حالة النصب والجر وفي التثنية والجمع ولما دخلت الأتراك إلى تلك البلاد أخذوا الأمم اليوناني فدعوهم ارناويت بحذف السين الزائدة وتقديم النون على الواو تحريفاً (كما حرفنا نحن كلمة عربون وقدمنا الراء فقلنا رعبون) وثقل أول الكلمة اقتضى أن يكون آخرها كذلك فبدلت التاءُ طاءً وكسرت الواو ضمة لغير سبب فصارت ارناؤط وأوربا اليوم تدعوهم (الباني) بتبديل الراء لاما وهما قريبا المخرج وكثيراً ما يتبادلان وفي العربية البرت والبت بمعنى واحد وهو القطع. تبين لدى علماء الألسنة المحققين أن لسان الألبان يشابهُ اليوناني القديم واللاتيني والصقلبي والغوطي والفارسي والسنسكريتي وإن هذا اللسان من أقدم شعب اللسان الآري. ومن يقدر أن يحكم أن الكلمات المشتركة بين هذا اللسان وبين اليوناني القديم هي يونانية أخذها الألبان أو البانية أخذها اليونان؟ لا يقدر عَلَى ذلك إلا العالم بكلتا اللغتين المتوغل فيهما. وقد ادعى شمس الدين سامي بك بأن كثيراً من الكلمات تدل صورتها الألبانية عَلَى أنها أصل وصورتها اليونانية أو اللاتينية عَلَى أنها فرع. (كما نعلم نحن العرب مثلاً أن يئس وجذب أصل وأن ايس وجبذ فرع) ومن هنا يتبين أن هذا اللسان أقدم من اليوناني واللاتيني ثم إن مشابهته للسان الفارسي والزند والسنسكريتي أكثر من غيره من الألسنة الآرية الأوربية تدل على أنه لم يتشعب من هذه الألسنة التي هي شعبة من غيرها بل أنه جاء رأساً من آسيا الوسطى إبان الهجرة

стр. 2971

العمومية. وقد انتخب هذا القوم لنفسه شرق أوربا وطناً له كما أن انسباءه السلتييت اختاروا غرب أوربا. ثم تفرق فرقاً فمنهم من أقام في ايليريا وهي بلاد الألبان الآن وبوسنه وهرسك ودالماسيا ومنهم من سكن في مكدونيا القديمة وهي عبارة عن سيروز وولاية سلانيك ومناستر واسكوب ومنهم من انتشر في ثراكيا وهي اليوم ولاية أدرنة وقسم من بلغاريا ومنهم من بقي في آسيا ولم يدخل أوربا وهم الفرنجيون ومكنهم من سواحل الأناضول في البحر الأبيض إلى سيواس وانقرة. وقد ثبت بالأدلة التاريخية أن هذه الفرق الأربع من أصل واحد إلا أن أهل ايليريا أقرب إلى أهل مكدونيا وأهل ثراكيا أقرب إلى أهل فريجيا لغة وخلقا. وكان يجمعهم اسم (بلاسج أو بلاسغ) في قديم الزمان ويظن بعض علماء اللغة أن كلمة بلاسج مأخوذة من كلمة (بلاق) الألبانية ومعناها الشيخ سموا باسم حكمهم أي مجلس الشيوخ حتى أن أهل الجبل منهم الآن يحكمون مجلس الشيوخ فيما يختلفون فيه ويسمونه (بلاقونيا). ومن هنا يعلم إن هذا القوم العظيم انتشر قبل ألفي سنة من تريتا في بلاد المجر إلى سيواس في الأناضول. أما من كان في الأناضول فقد استولى عليهم الفرس ثم اليونان ثم الرومان فاختلطوا بهم فضاعوا وانقرضوا. وأما من كان في مكدونيا وايليريا فقد زاحمهم البلغار والصقالبة حتى اجتمعوا كلهم واكتفوا بالقسم الجنوبي من ايليريا. وكان هؤلاء لا يختلطون بغيرهم من الأمم ولا يؤَلفون جامعة لهم ولا يخطر ذلك في بالهم بل كانوا يعيشون متفرقين كما هو حال أهل الجبل منهم الآن في جوار دبره واشقودرة ولذلك حافظوا عَلَى لسانهم وعاداتهم وأخلاقهم. ولكن لم يحصلوا من الأدبيات القومية على شيء لفقدان الجامعة بينهم. اتى عليهم زمن اسس فيه بعضهم دولة فكان منهم حكومة في اشقودرة وأخرى في يانية وثالثة في مكدونيا ومركز هذه بلدة (بلا) على نهر (قره آزمق) قرب بلدة (يكيجه واردار) من توابع سلانيك ومن ملوكها اسكندر المشهور ابن فيليب وهو الباني الأصل والنسب تعلم اليونانية لآدابها في ذلك الوقت فظنه الناس أنه يوناني وأكبر دليل عَلَى أنه ليس بيوناني خطب ذلك الخطيب اليوناني الشهير (ذيموستن) وتحريضه لأهل آتينة وتسميته له في تلك الخطب باسم (بارباروس) أي اعجمي وكانوا يسمون كل من لم يكن يونانياً (بارباروساً)

стр. 2972

كما أن العرب تسمي كل من لم يكن عربياً (أعجمياً) ومن أشهر ملوك يانيه (ببروس) فقد غلب الرومان مرتين واستولى عَلَى كثير من البلاد حتى توسع ملكه إلى اليونان ومصر ولم يكن همه إلا الظفر فقط ولذلك لم يترك لبنيه الذين ورثوه إلا ما ورثه عن أبيه. إن الألبان الذين استولوا على العالم بأسره في عهد اسكندر ابوا أن يكونوا في أسر الرومانيين ولقد كانت لهم وقائع عظيمة معهم دلت على شجاعتهم وبسالتهم إلى أن أتى (بول اميل ١٦٨ ق. م) بعسكر جرار فغلبهم وخرب لهم سبعين قصبة (قرية وأكبر منها) وأسر منهم مائة وخمسين ألفاً وساقهم إلى رومية وباعهم هناك عبيداً. أتظنون أنهم بعد هذا أطاعوا الرومانيين كلا فإنهم التجأوا إلى الجبال وتحصنوا فيها وتركوا الأراضي الخصبة وآثروا الفقر مع الحرية عَلَى الثروة مع الأسر. وهكذا كانت حالهم لما دخل ملوك بني عثمان إلى الروم ايلي وفي سنة ١٤٢٠ من الميلاد ظهر من بين رؤسائهم أمير يقال له اسكندر بك وكان رجلاً شجاعاً مدبراً فجمع القبائل كلها تحت رياسته وقاوم العساكر العثمانية أربعين سنة ولما هلك استولت الدولة العثمانية على جميع تلك البلاد فمنهم من رأى الغربة فهاجر إلى قلابريا وصقلية ومنهم من ذهب إلى البندقية وجنوه ومرسيليا ومنهم من أداه السير إلى اسبانيا. ومنهم من اختار الإقامة وهداه الله فأسلم ثم انتشر الإسلام بينهم ولم يبق عَلَى دينه القديم إلا مقدار الثلث ومذهب النصف منه اورثوذكس والنصف الآخر كاثوليك. وقد ظهر منهم رجال نبغوا في هذه الدولة حتى أحرز الصدارة منهم عشون وزيراً ومن أشهر قوادهم في الجيش العثماني سنان باشا وآثاره تدل عليه وهو أول من أدخل اليمن وعمان في حوزة الدولة وأوصل علمها إلى الأراضي المجهولة في ذلك الوقت مثل آجينة وصوماطره وكذلك الوزير المعروف بكوبريلي محمد باشا فإنه وصل إلى أسوار فينا مظفراً. يمتاز الألباني بأنه طويل القامة غليظ العظام عصبي المزاج كبير الدماغ واسع الناصية (وهذا مما يدل عَلَى ذكائه). يرعى العهد ولو كان فيه الموت الأحمر. يفدي روحه في حفظ قبيلته وعائلته بل لإنقاذ كلمة خرجت من فمه. يتبختر تبختر الأبطال في مشيته خفيف الحركة سريع الخطو. يغلب عَلَى نسائهم الجمال إلا أنهن غليظات الأبدان غليهن ملامح الرجال، لا يبالين بالحجاب ولكن الرجال يغارون أشد الغيرة عليهن فإذا أحسوا بأن فتاة أو امرأة خرجت ولو قليلاً عن دائرة العفة

стр. 2973

قولاً أو فعلاً فتكوا بها فتك ظالم غدار (لله درهم ودر العرب الذين لم تفسد أخلاقهم ودر هذه الغيرة التي نعدها نحن المدنيون توحشاً) نساؤهم صناع اليد كثيرات الجد والكد، هن ربات البيوت والرجال عندهن كأنهن ضيوف. لا يتزوجون إلا الأكفاء ولو بعدت المسافة بينهم. يحرمون بناتهم من الإرث (عادة ورثوها عن آبائهم) ولا يعطونهن شيئاً حتى إن ثياب العرس يشتريها الزوج. صلابتهم في دينهم شديدة إلا أنهم يتهاملون في العبادات ولهم بعض عادات انتقلت لهم من النصرانية أو من دين أجدادهم يحافظون عليها إلى الآن. يرون الاتفاق فيما بينهم فرضاً ولو اختلفت ديانتهم. فهذه ميزة الألبان باختصار. وأما لسانهم فقد ذكرنا أنه شعبة مستقلة من اللسان الآري لكنه لم يحذو حذو أخواته كاليونانية واللاتينية فيرقى إلى أوج الفصاحة والبلاغة إلا أنه أقدم منهما لما يرى من أسماء الآلهة في أساطير اليونان واللاتين فإنها منه أخذت. وقد اكتشف الذين ينقبون عن الآثار القديمة في (طوسقانه) من أعمال ايطاليا خطوطاً قديمة لم يمكن حلها باللسان اللاتيني واكتشفوا في فريجيا أيضاً خطوطاً تشبهها فجربوا فيها اللسان الألباني فوجدوها تشبهه غاية المشابهة ومن هنا يظهر ان لهذا اللسان خطوطاً تختص به. وعندهم بعض كتب تتعلق بمذهب الكاثوليك أُلفتت منذ خمسمائة سنة ولا أظنها مكتوبة إلا بالحروف اللاتينية وفيها المنظوم والمنثور. ويحفظون بعض أغاني وطنية يرجع إنشاؤها إلى ثمانية او تسعة إعصار. ولا فرق بينها وبين لسان أهل هذا العصر إلا في التعبيرات الدينية لأن النصارى اتخذوها من اليونانية والمسلمين اتخذوها من العربية وكلاهما ترك اصطلاحات الدين القديم. وأما حروفهم التي يتنازعون لأجلها الآن فلست أظن أنها تلك الحروف المكتشفة في طوسقانة وفي فريجيا عَلَى أنه لا يبعد أن تكون تلك إلا أنها أصلحت كالحروف العربية في بادئ الأمر وشكلها الآن. ولما زادت المجادلات بينهم وأخبرتنا الجرائد بذلك أحببت أن أرى هذه الحروف فأخذت كتاب ألف با وفيه دروس القراءة الألبانية. فوجدت كلمات هذا اللسان تتركب من أحد وثلاثين حرفاً وسبع حركات جعلوا لها (أي لهذه الثمانية والثلاثين) ستاً وثلاثين علامة أما الحركات فتلفظ همزة في أول الكلمات فقط ولذلك عدوها من الحروف. وأما الحروف فإنها تنقص عن العربية في أشياء وتزيد في أشياء. ينقص هذه

стр. 2974

اللغة من الحروف الخاء والصاد والضاد والطاء والعين وتزيد عن العربية بهذه الحروف: ١ ـ تس: حرف تمتزج فيه التاءُ بالسين فيحصل صوتاً مثل من فم ولد صغير أي بين (س) وَ () ٢ ـ: كما في التركية والفارسية. ٣ ـ دز: صوت يحصل من امتزاجهما ولا سبيل لفهمه إلا بعد سماعه. ٤ ـ ر: راءٌ مفخمة جعلوها مستقلة عن الرءِ المرفقة. ٥ ـ: كما في التركية والفارسية. ٦ ـ ك: حرف بين الغين والياء فلا هو غين ولا هو ياء لكنه أقرب إلى الياء منه إلى الغين. ٧ ـ ل: لام مفخمة كالتي في لفظ الجلالة تقدمها فتح أو ضم. ٨ ـ نى: نون ساكنة بعدها ياء وهي أسبه شيءٍ: الفرنساوية. وأما العلامات فقد أخذوها من اللسان الفرنساوي عيناً إلا أن الفرنساوية وضعوها لحرف (تس) ووضعوها لحرف ووضعوها لحرف (دز) وما زاد عن الفرنساوية فقد اتخذوا له علامات لا تخرج عن وضع العلامات الفرنساوية إلا بزيادة خط معوج في رأسه أو أسفله. سلانيك ـ ر. ب

стр. 2975

حكم افرنجية ما أحسن حال من يعتقدون أنفسهم بائسين وهم ليسوا إلا فارغين ملولين (الفرد دي موسيه). مزج البارئ تعالى الصداقة بالحياة لينشر في أطرافها السرور والسلوى والمظرف (بلوتارك). حيثما استطاع الإنسان أن يرزق فهناك يعيش عيشاً حسناً (مارك اوريل). اعظم غلط يرتكب في التربية أن يعجل المرءُ في تلقينها (جان جاك روسو). ليست معرفة الطاعة من الضعف بل هي قوة عظمى (جانت). التربية بوضع القواعد طويلة الأذيال وأقصر منها التربية بالمثال الحسن (سنيك). من فطرة الطامع أنه مغاضب لكل ما يملك (مين دي بيران). في وسعنا أن نبدو عظماءَ في وظيفة هي دون أقدارنا ولكننا كثيراً ما نبدو صغاراً في وظيفة هي أكبر منا (لاروشفوكولد). الناس كالمداخن التي يخرج دخانها كثيراً ليست ذات هندام حسن. كثرة البطالة تخالف الفضائل فمن لم يعمل عملاً لا يبعد أن يعمل سيئاً. في العادة إن المرءَ لا يستنصح إلا ليبتعد عن العمل بما نصح به أو ليلوم من نصح له. من الناس وكثير ماهم من لا يندمون حقيقة إلا من أعمالهم الصالحة. قلما يكون المختال جسوراً فالمرء كلما اعتبر نفسه تعرض للهلكة. الجائع لا يكون حراً. كثيراً ما يكون علم التغلب عَلَى المصاعب عبارة عن تقديرها بقيمتها الحقيقية. يعتقد الطحان عن طيبة قلب أن الحنطة لا تنبت إلا لتحريك طاحونه. كثيراً ما يكون الإسراع في إصدار الحكم خالياً من روح العدل. لا تأكل حتى يثقل جسمك ولا تشرب حتى يطيش عقلك. الندم أنفع الشعور الصالح. الرحمة تجعل المساواة حتى في التعذيب. الحياة حساب فالسعيد من كان حسابه مستقيماً.

стр. 2976

غرائب الغرب دار معونة العلماء ١٥ هي الدار التي أنشأتها الآنسة دوسن شقيقة العقيلة تير امرأة تير. وهو العالم المؤرخ أول رئيس للجمهورية الثالثة نفع هذا الرجل فرنسا بحياته فأحبت امرأته أن تخلد ذكره بعد مماته فأوصت بمال يصرف على تأسيس دار تؤوي خمسة عشر رجلاً من شبان العلماء يكفون فيها مؤونة الحياة المادية ويتفرغون للبحث والدرس ليكونوا صلة بين الكليات التي تخرجوا فيها والمجامع العلمية التي يراد إجلاسهم في قاعاتها. ماتت العقيلة تير على حين فجأة فنفذت وصيتها شقيقتها ووقفت مالاً بلغ ريعه مئة وخمسين ألف فرنك. إن من يزور هذه الدار المباركة ويطلع على أعمالها ورجالها يوقن كل الإيقان بالمثل الإفرنجي القائل بأن (فرنسا تخترع وألمانيا تعمل) الفرنسيس يبتكرون في كل شيء وهذه الدار هي من مبتكراتهم وما أظن لها مثيلاً عند الألمان والانكليز والاميركان سادة العالم في العلم وقادة الإبداع والاختراع. زرت هذه الدار مرتين وتشرفت بالتعرف بمديرها أحد كبار فلاسفة فرنسا وعلمائهم المعاصرين المسيو أميل بوترو ـ ومشاهير الفلاسفة المعاصرين من الفرنسيس اليوم هم بوترو وفوليه وريبو وبرجسون. ولم أتمن في حياتي أن أكون فرنسوي الأصل والجنس إلا لما رأيت هذه الدار وعلمت أنها لا تقبل في حجرها إلا الفرنسويين. تمنيت أن أعيش فيها المدة المحددة لكل طالب أتفرغ لدرس أبحاث تجول في الصدر ويعوق الزمان والمكان الآن عن إتمامها. هذه الدار سميت باسم تير والأولى أن تسمى دار معونة العلماء لأنها ليست مدرسة كالمدارس ولا كلية كالكليات ولا مدرسة دينية كالمدارس الدينية بل هي دار يقبل فيها كل سنة خمسة من شبان العلماء من نابغي الكليات يحملون شهادة (الليسانس) أو (الدكتورا) في الآدب أو العلوم أو ممن نالوا جائزة من جوائز المجمع العلمي في الأبحاث التي تجري فيها المسابقة بين أرباب الأفكار والأقلام تحت نظارة المجامع العلمية الخمسة في باريز فيقضون ثلاث سنين في هذا المعهد ينصرفون فيها إلى الفن الذي يريدون الاخصاءَ فيه

стр. 2977

فيبحثون بأنفسهم لأنفسهم تحت رعاية مدير المعهد فيلسوف فرنسا المسيو أميل بوترو الذي يعيش وإياهم في المعهد كما يعيش الأب مع بنيه ويمدهم بآرائه ويهديهم إلى أقرب الطرق للانتفاع بمعارفهم ووضع مؤلف أو مؤلفات نافعة في الفنون التي هي أحب من غيرها إلى قلوبهم ولا ينشرونها إلا إذا نظر هو فيها واقرهم عليها. وأي عالم لا يحب أن ينتفع في علمه برأي عالم كالمسيو بوترو بلغ السبعين أو كاد من عمره وهو يفني لياليه وأيامه في العلم والفلسفة. يشترط فيمن يدخل دار معونة العلماء أن يكون ممتازاً بعقله وأخلاقه ويفضل من يرتضي أساتذته أخلاقه ونبوغه ويشهدون فيه شهادة حسنة وأن يكون دون السادسة والعشرين من عمره غير متزوج وقد قضى الخدمة العسكرية ويعطيه المعهد ستين ليرة في السنة لنفقته الخاصة وثلاثين ليرة ليسيح بها سياحة علمية وتعطيه غرفتين فسيحتين فيهما أسباب الراحة والرفاهية إحداهما لنومه والثانية لعمله بحيث يكون الشبان العلماء الخمسة عشر وهو عدد الموجود منهم في المعهد أبداً موسعاً عليهم لا يطلب منهم إلا أن يؤلفوا ويبحثوا أبحاثاً علمية تنفعهم ونفع أمتهم وبلادهم ويقسم عدد من كانوا فيها سنة ١٩٠٨ ـ ١٩٠٩ من شبان العلماء إلى رياضيين ومؤرخين ومتشرع في السياسة والاجتماع وعالم في اليونانيات وحقوقيين وفيلسوفين ومؤرخ وموسيقار وعالمين في الجرمانيات ومؤرخ في الآداب الفرنسوية وجغرافي وقد أنشئ هذا المعهد سنة ١٨٩٣ فيكون عدد من أعانهم على الأخصاء في العلم حتى الآن ٨٠ عالماً وكلهم وضعوا المؤلفات الممتعة النافعة للعلم عامة ولبلادهم خاصة وقد بلغت واردات هذا المعهد مئة وخمسين ألف فرنك في السنة يتناول منها المدير عشرة آلاف فرنك. قام معهد تير العلمي في أجمل حي من أحياء باريز في حي الأشراف والنبلاء بالقرب من غابة بولونيا الغناء غربي مدينة باريز في الحي الذي تؤجر الدار فيه اليوم بثلثمائة ألف فرنك مسانهة وسط حديقة أنيقة تحيط بها الحدائق في مكان يجمع إلى السكون المطلوب للعلماء والمؤلفين ولا يبعد عن سائر أحياء العاصمة وما يلزم لهم من المواد المفرقة في مكاتب باريز المختلفة ودور العلم والمستودعات والمجامع والمتاحف وغيرها بحيث هم بعيدون قريبون عن الحركة العلمية والسياسية والاجتماعية وليس في المعهد مكتبة كبرى

стр. 2978

لأنها عَلَى اتساع مساحتها لا يتسع صدرها لكل ما يلزم المؤلفين فيها من المواد بل فيها فقط كتب الفهارس والمعاجم والمراجعة والأمهات التي لأغنية لكل عالم عنها وما عدا ذلك فمكاتب باريز وعلماؤها ودور سجلاتها ومتاحفها عَلَى قيد غلوة من سكانها هذه الرحبة الشريفة يأخذون منها ما راقهم كل ساعة. وليست هذه الوسائط هي كل ما في معهد تير من المعونات علمائها بل أن لهم بفضل الشيخ الرئيس مديرهم الحكيم الكبير أهم الأسباب التي تربطهم بعلماء العالم ومجامعه وكلياته فهم كسكان الجنان توفرت لهم كل الوسائط فلم يبق عليهم إلا أن يقطفوا من ثمار يحبونها كل قريب ودان. يعيش هؤلاء العلماء عيشة مشتركة فيتناولون طعامهم معاً ويلعبون ويتنزهون معاً ويبحثون عن العلوم التي يمتون بها معاً ويظلون هكذا يعيشون عيشة الأتراب العاملين عَلَى ما تعلموا في طفولتهم في المدارس والكليات ويستفيد بعضهم من بعض في العلوم المختلفة ويعاون بعضهم بعضاً معاونة الإخوان ويترفهون رفاهية لا يتمتع بها إلا عقلاء الأغنياء. قام هذا المعهد المفيد تحت رعاية العلماء من أهل المجمع العلمي وحققت فيه مؤسستاه العقلية تير وشقيقتها مارسمه النظار على ذاك المعهد أمثال جول سيمون ومنيه وبارتلمي سان هيلير فكان تير الذي عد من نوابغ القرن التاسع عشر الذين خدموا بلادهم خدمة تذكر عَلَى الدهر فتشكر نافعاً لأمته في حياته بعقله وفي مماته بماله. فمتى يصل الشرق يا ترى إلى هذه الدرجة في العقل والإحسان ومتى يكون علماؤه من أهل السعة واليسار إلى هذا الحد ليحسنوا الانتفاع بأموالهم كما أحسنوها بعلومهم. إن شبان العلماء في هذه الدار بعد أن تعلموا ورأوا العلماء كيف يعملون محتاجون لهضم ما تعلموه أن يعانوا لينشأ منهم أفراد متفردون في العلم فيتحولون بهذه الواسطة من تلامذة إلى أساتذة أكفاء أن يكفوا أنفسهم وأن يوجدوا ويخترعوا وهذا موقوف عَلَى أن يستجمعوا قواهم ويتمتعوا بحريتهم وأوقاتهم عَلَى ما يشاؤن فالعمل كما قال أميل بوترو هو السرور على شرط أن لا يكون صاحبه مستبعداً فيه لأحد ولا لمؤثر بل يقوم به مدفوعاً فقط بعامل نتائجه الطبيعية وهي الإيجاد والإبداع. وما التربية إلا أن تخرج كل إنسان عَلَى ما ينفع فيه ويتيسر له النبوغ في فروعه. التربية هي تخريج المرء أولاً في مجموع المبادئ العامة

стр. 2979

التي هي وقف خلفه لنا أسلافنا بتجاربهم وسموا ذلك العقل ثم تخريجه ثانياً في أن يكون مخصياً متفرداً في علم واحد يكون فيه عَلَى بصيرة عَلَى نحو ما يتطلب ذلك العلم الحاضر والمجتمع الحديث ثم ينشأ ثالثاً ممن دخل في هذين الطورين في التربية فيلسوف يدرك قيم الأمور ويعرف الصلات المتبادلة فيما ينصرف إليه العالمون عَلَى اختلاف معارفهم ويبحث في أن يوفق توفيقاً حسناً بين الحياة الخاصة والحياة العامة. وكل هذا لا يفهم مغزاه شرقنا التعس الآن. تآخي الغربيين ١٦ كل فكر ومذهب في الوجود نتيجة الدعوة إليه وتحبيبه إلى النفوس. عرف الغربيون هذه القاعدة فجروا عليها كثير من أعمالهم وكان من ثمرات الدعوات السياسية والدينية تأليف الوحدة السويسرية والألمانية والأميركية وتوحيد كلمة الجزائر البريطانية وانتشار المذاهب الاجتماعية والاشتراكية والفوضوية وكثرة من يدينون بالمذاهب البرتستانتية والفلسفية وقد قام في فرنسا جماعة ممن يفكرون لخيرها رأوا أن بلادهم تنتفع كثيراً من تحسين صلاتها مع أميركا فألفوا جمعية دعوها (جمعية فرنسا أميركا) مؤلفة من علماء وسياسيين وقواد واجتماعيين ومعلمين وفي رأسها المسيو جبرائيل هانوتو أحد أعضاء المجمع العلمي وصاحب التأليف الكثيرة في التاريخ والسياسة ووزير خارجية فرنسا الأسبق وقد انشأوا لبث هذه الدعوة مجلة شهرية باسم جمعيتهم تدعو إلى هذا الغرض استفتحها رئيس الجمعية بمقالة في الغرض الذي يرمون إليه وكتب في المجلة الأسبوعية مقالة طويلة الذيل في هذا الشأن فرأيت أن الخص للمشارقة لباب هاتين المقالتين دلالة عَلَى ما يأتيه المغاربة من الأعمال النافعة لمستقبلهم لننعى على أنفسنا نومنا عن النظر في مستقبلنا. قال هانوتو: إن النجاح معقود بناصية من يعمل في الوقت اللازم ولو وجهنا وجهتنا منذ سنة ١٨٦٠ إلى أميركا الشمالية والجنوبية لما احتجنا اليوم إلى دعوة أمتنا لتعريفها بما نعرفها به. هبت علينا الزعازع السياسية والاقتصادية منذ ذاك الحين وإذ سكنت الآن وجب علينا أن نعمل عملاً يحمل في مطاويه أحسن الفوائد. تبدلت الأرض غير الأرض في خمسين سنة حتى صح أن نقول إن قارتي آسيا وافريقية

стр. 2980

كأنهما اكتشفتا حديثاً فكثرت مواصلاتهما وحملت إليهما المدنية والحضارة وجرى تعليمهما واستعمارهما وكان لفرنسا من هذا التحول الغريب حصة موفورة. فقد غير دلسبس بفتحه ترعة السويس شكل الأرض كما أن جول فري بموافقته عَلَى السياسة الاستعمارية قد حاز لنا قسماً كافياً من قسمة الأراضي الجديدة. وبينما كان الشرق يستدعينا غدا الغرب الغرب ينكرنا ويستغني عنا. فإن مسألة باناما المشؤومة التي جاءت بعد مسألة المكسيك قد أثرت في علاقاتنا مع أميركا الشمالية والجنوبية واستغرقت التدابير الأوربية الكبرى التي اضطررتا إلى مجاراتها فكرنا وقوتنا المادية. وانحطت بحريتنا التجارية فضعفت بضعفها أسبابنا في العمل واحتفظنا بأساليبنا القديمة التجارية فسبقتنا شعوب أكثر منا فتاء وأكثر مضاء وأقل مطالب ومشاعب. نعم تقدمنا وتأثلنا ولكننا لم نبرح كما كنا في قوتنا على عهد نابليون على حين كانت أميركا بثروتها وقوتها وعظمتها تتقدم تقدماً لا يوصف فقد كان سكان الولايات المتحدة سنة ١٨٧٠ ـ ٣٦ مليوناً أي ما يقرب من سكان فرنسا على التقريب فأصبحوا سنة ١٨٩٠ ـ ٦٣ مليوناً وهاهم يتجاوزون اليوم الثمانين مليوناً. وفي كندا اليوم زهاء ٦ ملايين من السكان وفي الجمهوريات الوسطى والمكسيك ٢٢ مليوناً وأصبحت أميركا الجنوبية ٤٥ مليوناً وكان فيها سنة ١٨٩٠ ـ ٣٥ مليوناً. وكان مجموع تجارة الولايات المتحدة سنة ١٨٧٠ خمسة مليارات ونصف فرنك فأصبحت اليوم زهاء ١٦ ملياراً وكان مجموع تجارة كندا سنة ١٨٧٨: ٧٥٠٧٩ مليوناً فأصبحت سنة ١٩٠٥ـ ١٩٠٦ مليارين ونصفاً. ومجموع تجارة أميركا الوسطى والمكسيك مليارين ونصف وجمهوريات الجنوب أكثر من أربعة مليارات منها ملياران ونصف للبرازيل ومليار للجمهورية الفضية. وعلى الجملة فقد بلغ مجموع ما هناك من نفوس ١٦٠ مليوناً من البشر ومجموع التجارة أكثر من ٢٥ مليار فرنك وأحدثت أميركا حركة كبرى في العالم بدخولها مضمار الاتجار فأثرت في فرنسا تأثيراً غير قليل وكانت هذه إلى ذاك التاريخ قريبة لتجارتها من انكلترا أي لها المقام الثاني في التجارة فأصبحت اليوم في الدرجة الرابعة بعد انكلترا والولايات المتحدة وألمانيا. أي أننا فقدنا ما كان لنا من المكانة قديماً فنحن اليوم نريد أن نستعيد
следующие страницы →