Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
٣٣٦١ من الأجانب فتيان وفتيات ومن هؤُلاءِ ٩٢٦ يدرسون الحقوق و٥٢٠ يدرسون الطب و٧٧٣ العلوم و١٠٦٢ الآداب ولم تقصر كليات الولايات وعددها اثنان وعشرون كلية في بث روح التكافل الأخلاقي والعقلي فأنشأت كلية تولوز جمعية اجتماع الطلاب الفرنسويين في اسبانيا وأنشأَت كلية بوردو مدرسة الدروس الاسبانية العالية في مدريد وأنشأت كلية كرنوبل المجمع العلمي في فلورنسة وكلية نانسي وهي على الحدود الألمانية تعلم قاصديها احترام فرنسا وخدمتها للعلم. وهكذا الحال في كلية مونبليه وليل وليون فكليات فرنسا تعلم في السنة سبعة آلاف طالب وهو عدد ليس بقليل يدل عَلَى تفردها في هذا الشأن من بين أكثر الممالك الراقية.
هذه شذرة صغيرة في وصف كلية باريز التي ما زالت الحكومة الفرنسوية تنفق عليها النفقات الطائلة والمحسنون لا ينفكون عن إعطائها المنائح الكبيرة فقد وهبها كارنجي المحسن الأميركي كثيراً كما أن بعض الروسيين منحوها مالاً جزيلاً والفرنسيس يعطونها عن سعة. فحيا الله يوماً تقام لكل قطر من أقطار البلاد العربية كلية مثل هذه تدرس أبناءها علوم البشر بلغتهم وتكوّن مجتمعنا بالوطنية الصحيحة كما تكونها كليات الممالك الصغرى في الغرب كالبلجيك وهولاندة والدانيمرك والسويد ونروج وسويسرا والمجر وبولونيا وفنلندا والبرتقال.
حدائق باريز ومتاحفها
١٨
يطول بنا نفس الكلام إذا أردنا الإفاضة في كل فرع من فروع العمران بباريز وكلها مما يحتاج إلى صفحات كبيرة وربما ملّ القاريء قبل أن يمل الكاتب. ولقد عنيت مدة مقامي في هذه العاصمة أن لا أضيع ساعة من وقتي إلا في البحث عن جمعية أو إنسان وزيادة معهد فيه نموذج من ارتقاء العقول ووفرة العلم وحذق الأبدي وبسطة العيش وفضل الرفاهية ومما جعلته لأوقات الفراغ غشيان الحدائق والمتاحف ودور التمثيل والسماع.
في باريز حدائق كثيرة عامة ومنها الصغير الخاص بحي أو شارع صغير ويسمونها سكوار وهي كلمة إنكليزية معناها ساحة مربعة أو حديقة يحيط بها حاجز من قضبان حديد وتكون في ميدان عام وعددها ٣٦ حديقة تتمنى كل حاضرة من حواضر البلاد العثمانية أن يكون
стр. 3047
لها من نوعها واحدة فقط بانتظامها وحسن تعهدها. أما الحدائق الكبرى فعددها تسع تصرف في كل واحدة الساعات وأنت تسرح ظرفك فيما خصتها به يد الصانع وأيدي البشر من مجالي الظرف والجمال.
زرت منها حديقة الحيوانات وحديقة النباتات وحديقة كلوني وحديقة لوكسمبورغ وعجبت لمن يزور هذه الحدائق مرات لم لا يكون عارفاً بالنبات والحيوان وتاريخ مشاهير فرنسا أحسن معرفة فمثل هذه الحدائق التي يتنزه فيها المتنزهون هي في الحقيقة مدارس عملية يدرس فيها المتنزه كبيراً كان أو صغيراً ما ينبغي له من هذه العلوم درساً عملياً لا يحتاج فيه إلا إلى انتباه فكر قليل حتى إذا أسعده الحظ ونظر في المدرسة أو خارجها في كتب هذه العلوم يصبح وهو مطبق العلم عَلَى العمل.
ولقد رأَيت في حديقتي الحيوان والنبات أسماء كنت أقرأها ولا أعرف أعيانها فلما وقع النظر عليها تبينت فضل عرضها وأن العلم النظري إذا لم يشفعه علم عملي يبقى كالسيف في غمده أو البندقية في معملها أو الكهربائية قبل توليدها. وليس في البلاد العثمانية أو المصرية ما يشبه هذه الحدائق الله إلا أن تكون حديقة الجيزة والجزيرة والقناطر الخيرية في مصر وحديقة الأمة وغيرها في الأستانة ولكن أين الثريا من يد المتناول ما ينظمه الباريزيون لأنفسهم وينظمه الإنكليز أو الطليان والنمسويون لنا. وما حك جسمك مثل ظفرك.
وإنك لترى في بعض الحدائق العامة تماثيل مشاهير رجال فرنسا في السياسة والعلم مجسمة من رخام مجزع أو حديد مصنع كأَن ساحات باريز وشوراعها العظمى لم تستوعب وحدها كبار رجالهم حتى هرعوا إلى الحدائق يضعون فيها التماثيل والنصب لمن أحسنوا اللامة أو سادوها زمناً وأصبح لهم في تاريخها ذكر يردد. ففي ساحات باريز وشوارعها ٦٨ مشهداً لمشاهير علمائهم ورجال سياستهم ومنهم أوغست كونت والفرد دي موسه وشاركو وكورنيل ودانتون وغامبتاوكي دي موباسان وجول سيمون ولافييت وواشنطون ولافوازيه وباستور وفيكتور هوغو وغيرهم وفيها ٦٨ تمثالاً اثنان منها لاسكندر دوماس الابن والأب. وواحد لبالزاك وبوفون وبرانجيه وشارلمان وكلود برنار وكوندورسه ودانت وديدرو وغاريبالدي وجورج ساند وجان جاك روسو وجان دارك ولامارتين ومارات
стр. 3048
وموليير وباسكال وشاكسبر وفولتير وتمثال الحرية والقانون والجمهورية هذا داخل العاصمة أما خارجها فلها من غابتي فنسين وبولونيا أعظم فسحة ونزهة وغابة فنسين في شرقي باريز على بضعة كيلومترات من نقطة دائرتها ومساحتها ٩٢٧ هكتاراً وفيها من أنواع الراحة وتنويع المناظر المفيدة ما هو العجب العجاب وأعجب منها غابة بولونيا في غربي باريز ومساحتها ٨٧٣ هكتاراً زرتها ثلاث مرات وإن كانت في الشتاء ليست مثلها في الصيف عَلَى أنها ما خلت من الأنيس والجليس وكان أحد تلك الأيام يوم عيد رأْس السنة والسماء مصحية والشمس طالعة مريضة صحيحة والعيون المراض الصحاح خرجت من كناسها تستنشق الهواء النقي. وهناك منظر من بحيرات بولونيا وطرقها لا أدري كيف يصوره الشاعر إذا كان الوقت ربيعاً أو صيفاً أو خريفاً ولو كنت شاعراً لحبرت في وصفه القصيدة وإن زرتها في الفصل الميت كما يقول الفرنسيس.
أما المتاحف الباريزية فهي أيضاً قصور نزهة وحدائق صفاءٍ وعددها ٣١ متحفاً يحتوي كل منها عَلَى أقصى ما يتصوره العقل من ارتقاء البشر في الصناعات والفنون على اختلاف الأعصار زرت بعضها وقضيت أوقاتاً طويلة في متحف اللوفر العظيم يالقرب من نهر السين ومتحف فرسال عَلَى ثلاثة أرباع الساعة من باريز. أما متحف اللوفر فهو من أجمل قصور العالم وأوسعها عرف سنة ١٢٠٤ عَلَى عهد فيليب أوغسطس وما زالت أيدي الملوك تتعاوره بالإصلاح أو التدمير حتى إذا كان عهد فرنسيس الأول أصبح اللوفر متحفاً يقسم اليوم إلى سبعة متاحف في متحف بحسب أصول آثارها وزمنها وطبيعتها وهي متحف التصوير ومتحف الرسوم ومتحف النقش ومتحف النحت القديم ومتحف النحت في القرون الوسطى وعَلَى عهد النهضة ومتحف النحت الحديث ومتحف العاديات الآسياوية ومتحف العاديات المصرية ومتحف العاديات الإفريقية ومتحف العاديات النصرانية ومتحف الفخار والأواني الخزفية القديمة ومتحف القلز والحلي والرخام القديم ومتحف عاديات القرون الوسطى والنهضة والقرون الحديثة ومتحف تير ومتحف البحرية ومتحف الشرق الأقصى. وكل متحف تصرف فيه الساعات الطويلة ولا تستوفي النظر فتأْخذك الدهشة من رؤية المكان ورؤية المكين وتقضي بالعجب من كل ما يقع عليه بصرك إذ تتمثل لك عظمة الإنسان وتفننه فيما تصنعه يده وعينه وذوقه أما متحف فرسال فهو في مدينة فرسال
стр. 3049
وكانت في القرن الحادي عشر للميلاد قرية فأصبحت بعناية لويز الثالث عشر مدينة صغرى لأنه أقام فيها قصراً للراحة أثناء الصيد وأراد لويز الرابع عشر أن يجعل فرسال مركز حكومة فرنسا فأنشأَ فيها أبنية ومصانع عظيمة وكذلك فعل لويز الخامس عشر حتى أصبح عدد سكانها ثمانين ألفاً على عهد الثورة. وهكذا إذا أراد الملوك أن يعمروا بلداً أحيوه وإذا شاؤا أن يخربوه أماتوه. واشتغل في إقامة قصر فرسال الذي جعل المتحف فيه اليوم ثلاثون ألف رجل وسنة آلاف دابة في اليوم مدة سنين طويلة وقد فتحت أبواب المتحف سنة ١٨٣٧ وفيه اليوم. ٥٦٠٠ أثر تاريخي.
أما مجموعة الصور البديعة التي فيه فعددها ٢٤٠٠ صورة ليس لها نظير في العالم ومن يمعن النظر فيها كثيراً يخرج من المتحف وقد درس تاريخ فرنسا ووقائعها الحربية بالعمل والنظر.
ومن جملة ما حواه أسلحة ببيوت الشرف التي اشترك فرد أو أفراد منها في الحروب الصليبية. ومنها أبواب مستشفى فرسان رودس الذي أهداه السلطان محمود العثماني سنة ١٨٣٦ إلى لويز فيليب صاحب فرنسا. وفيه صور كثير من مشاهير الشرق كأنك تراهم عياناً وفيه صورة تمثل القائد كلبر الفرنسوي وسليمان الحلبي يقتله في حديقته في القاهرة زمن الاحتلال الفرنسوي في مصر.
أطلت الرواية في كل هذا وأنعمت النظر في النفقات الطائلة التي أنفقت على هذه القصور المزخرفة والمصانع العظيمة فأعطيت بعدها الحق لمن قاموا بالثورات الفرنسوية يريدون إنزال الملوك عن عروشهم وفصم عرى السلطة الفردية لتنقل إلى أيدي الأمة. نعم إن أقل نظرة إلى هذه القصور يستغرب معها المرء كيف لم تحدث تلك الثورات قبل حدوثها بزمن طويل ولكن الحوادث كالحبال لا تلد إلا بعد إتمام مدة الحمل أو كالثمر لا ينضج قبل إبانه.
ولم أتمكن يوم زيارتي لفرسال من رؤية كل حدائقها ومرافقها لنزول الثلج ولكني عَلَى الجملة أخذت منها صورة إجمالية كافية. شأني في كل ما زرته من المعاهد ورأَيته من المشاهد فلم يتيسر لي أن أُلقي عليه سوى نظرة واحدة لضيق الوقت وكثرة ما يجب أن يدرس من آثار هذه الحضارة الغربية الغريبة.
وبعد كل هذا صرت أَرى الاشتراكيين عَلَى حق فيما يطالبون به المجتمعات الحديثة في
стр. 3050
الغرب وهم يرون مئات الفدادين من الأرض تجعل حدائق قد لا يختلف إليها إلا أفراد في حين يهلك مئات الألوف من المحاويج والفقراء ولا من يرحم ضعفهم المادي والصحي أو يرثي لبكائهم وتسبل عَلَى النظر هذه التحف والعاديات التي لا تقدر بثمن وحكومة الجمهورية تفترض مئات الملايين من الفرنكات لسد العجز في ميزانيتها. وهكذا نظام المجتمع الغربي ولعلّ عقول أهله المفكرة تحرر في الأجيال المقبلة الفقير من فقراه أو تقوى عَلَى الأقل عَلَى تعديل هذا النظام الجائر الذي يسلب من كثيرين السبد واللبد ليعمر به قصر البلد ويلعب في حدائقه وساحاته الوالد والوالدة والولد.
مكاتب باريز ومكتباتها
١٩
لو لم يكن في باريز إلا مكتبة الأمة التي حوت في قصرها الفخيم زهاء ثلاثة ملايين كتاب مطبوع ومئة ألف كتاب مخطوط ومليونين ونصف صورة مختومة وألوفاً من الأيقونات والأنواط القديمة وغير ذلك من التحف والآثار ومجاميع الصحف والمجلات لكفاها جالباً للسائحين ولافتاً لأنظار أهل العالمين من العالمين.
مكتبة أسست منذ نحو ستة قرون وملوك فرنسا وعلماؤها وأشرافها يتبارون في أن يجعلوا في كل فرع من فروع العلم واللغات وصنوف المخطوطات والمطبوعات حتى إذا جاء القرن العشرون أصبحت مكتبة الأمة أكبر مكاتب العالم وأهمها بندرة كتبها ومخطوطاتها ففيها من نوادر المخطوطات والمطبوعات العربية ألوف.
اختلفت إليها غير ما مرة ولم أتمكن من مطالعة كل ما أريد لضيق الوقت وضخامة الفهارس وكثرة المؤلفين والناقلين في قاعات المطالعة. وبلغني أن الكتب التي أهديت إلى مكتبة الأمة في العهد الأخير لم يتيسر إدخالها في قوائم الكتب عَلَى كثرة موظفي المكتبة وكادت مطبعة الأمة الأميرية تعجز عن طبع فهارس هذه الخزائن ولا غروفان ما رأَيته منها مطبوعاً إلى عهد ليس ببعيد وحده مكتبة برأْسه ويقضي فيه المرء الساعات ولا يستطيع أن يستوفي النظر الإجمالي.
ولو صرف طالب العلم عمره كله ببحث في مخطوطات مكتبة الأمة ويستعين بمطبوعاتها لما تيسر له أن يأْتي إلا على قسم ضئيل جداً مما حوته في بطنها من معارف البشر ولا
стр. 3051
نعد المكتبة الخديوية في مصر ومكاتب الأستانة التي تتجاوز الأربعين مكتبة ومكتبة المجلس البلدي في الإسكندرية ومكاتب دمشق وبيروت وحلب وبغداد والمدينة ومكة وغيرها من بلاد الشرق الأدنى إذا جمعت كلها في صعيد واحد وجعلت لها فهارس وقوائم منظمة إلا جزءاً صغيراً من ذاك الجسم الكبير. وعَلَى تلك النسبة قس المطالعين والمراجعين في مكتبة الأمة بالنسبة لأمثالهم في البلاد العثمانية والمصرية فتراهم عند الساعة الرابعة بعد الظهر يخرجون رجالاً ونساء شيوخاً وعجائز شباناً وشابات كالقطيع الكبير لا يقل عددهم عن خمسمائة وربما الألف أحياناً وتجد فيهم الغرباء من أمم أوروبا وآسيا وأميركا وإفريقية ممن تجمع بينهم كلمة العلم الجامعة وكلهم يتنافسون في البحث والدرس ويستخرجون من ركاز تلك الكنوز ما يصوغونه عقوداً ثمينة وتعاويذ محلاة تقي البشر شر الجهل والخرافة ولعله يخطر ببال بعضهم أن هذه المكتبة هي كل ما في فرنسا من خزائن كتب صرف الفرنسيس فيها قواهم وجمعوا لها من أقطر الأرض كل غال ونفيس عَلَى عادة الإفرنج في التغالي بفخامة مصانعهم وضم شتيت متفرقهم وحرصهم على الاجتماع للانتفاع ولكن في باريز وحدها من المكاتب العامة ما لو جمع أيضاً لكان منه مكتبة كمكتبة الأمة بكثرة أسفارها إلا أن هذه تفوقها بالنوادر من المخطوطات.
ولباريز عشر مكاتب أخرى في كل واحدة منها عشرات الألوف من المخطوطات والمطبوعات دع عنك خزائن كتب الجمعيات والمدارس والكليات والمجامع فإن لكل واحدة منها ما يقتضي للمطالع من أسفار المراجعة وغيرها. أما خزائن كتب الأفراد فهذه لا يحيط بها إلا علاّم الغيوب أو من يدعي أنه يعرف ما حوت باريز من علم وأدب وذهب ونشب.
ويقول العارفون أن قواعد بلاد الإنكليز السكسونيين كألمانيا وإنكلترا والولايات المتحدة تحسن استخدام أسفارها أكثر من الجنس التوتوني اللاتيني كالفرنسيس والطليان والاسبان وغيرهم إذ ثبت أن تلك الأمم العظمى الراقية أكثر إحساناً للانتفاع من قواها الطبيعية والصناعية على أسلوب حديث لم يخطر ببال الفرنسويين الذين جروا في أوضاعهم وترتيب مصانعهم وتنظيم شؤونهم عَلَى تقاليد لهم قديمة وإن عرف عنهم أنهم أسبق الأمم إلى الجديد ولكن تجديدهم في أمور دون أخرى.
والانتفاع من الكتب أيضاً لم يخرج عن هذا النظام حتى قالوا أن نفائس المخطوطات
стр. 3052
والمطبوعات الموجودة في مكتبة الأمة في عاصمة الفرنسيس لو نقلت إلى ليبسيك أو مونيخ أو برلين أو فينا أو أكسفورد أو مانشستر أو لندرا أو نيويورك أو شيكاغو لانتفع بها وتيسر سبيل الوصول إليها لأنها تكون هناك مفهرسة مبوبة عَلَى طريقة فيها روح القرون الوسطى وقد جعلت هنا على أسلوب قريب المأخذ سهل التناول خال من القيود التي تقيد المطالع والمراجع. فإن كانت فرنسا في مقدمة شعوب الأرض من وجوه كثيرة ولا سيما في الأمور الذوقية وبدائع الصناعات والإصلاحات الدستورية والإنسانية فقد فاقها غيرها من الممالك المجاورة من حيث الفنون والاقتصاد والاجتماع فعرفوا كيف يطبقون أنفسهم عَلَى الذوق العصري.
مثال ذلك صناعة الوراقة أو بيع الكتب فإنا نجد ألمانيا أرقى من فرنسا فيها مع كثرة تفنن الفرنسيس فيما يدل على سلامة الذوق حتى أن ليبسيك في ألمانيا تبيع وحدها من الكتب قدر ما تصدر فرنسا كلها ومن الغريب أن الكتبية الألمان في نفس باريز تجدهم أمهر في تصريف كتبهم فيبيعون كمية أوفر من كتبية الباريزيين.
جاء في كتاب ألمانيا الحديثة أن ألمانيا أعظم البلاد إصداراً للكتب فقد كانت أوائل القرن الماضي لا تخرج في السنة سوى ٣٩٠٠ كتاب فأصدرت سنة ١٩٠٥ ٢٨٨٨٦ كتاباً في حين أن فرنسا التي في الدرجة الثانية بكتبها لم تصدر سنة ١٩٠٤ سوى ١٢١٣٩ كتاباً فإذا قدّر أنه يطبع من كل كتاب في ألمانيا ألف نسخة فيصيب كل شخص فيها عَلَى أقل تعديل مجلد واحد فصناعة الكتب في ألمانيا رابحة جداً. وقد كان عدد المحال التي تتعاطى تجارتها سنة ١٩٠٥ ٧١٥٢ محلاً تصدر إلى الخارج فقط ما قيمته ٢٩٠ مليون مارك.
زرت في جملة الكتبية الذين زرتهم أو ابتعت منهم بعض الكتب مكتبة هاشيت المشهورة في جادة سان جرمان وهي ثلاثة طوابق وفيها نحو ألف وخمسمائة موظف ومستخدم وتطبع فيها بضع جرائد ومجلات كما تطبع الكتب المدرسية والأدبية والتقاويم السنوية المشهورة في العالم وهي مؤسسة منذ نحو ثلاثة أرباع قرن ويعد هاشيت من أعظم كتبية العالم إن لم يكن أعظمهم ومع هذا يقول العارفون أن مكتبته عَلَى حالتها الحاضرة لو كانت لجماعة من الألمان أو الأميركان لأدهشوا العالم بنظامهم وأرباحهم. فكأن دم الفرنسيس الذي على زمناً قد برد اليوم وأصبح الدم الجديد غيره الآن يغلي فيدهش بحرارته. ومن مكتبات
стр. 3053
باريز المشهورة مكتبة فلاماريون ولمكتبته فروع كثيرة في مدينة باريز وبلاد فرنسا وهذه المكتبة فيما رأَيت أقرب إلى التجديد منها إلى الجمود على القديم.
مجامع باريز العلمية
٢٠
عَلَى الشاطيء الأيسر من نهر السين مقابل قصر اللوفر الفخيم قام قصر عظيم عمر في النصف الثاني من القرن السابع عشر بمال أوصى به السياسي مازارين الذي جمع بطمعه وجشعه ثروة عن خمسين مليون فرنك عَلَى عادة عظماء القرون الوسطى. وأراد أن تنفق بعده في الخيرات وحسن الأثر ومن جملة خيراته هذا القصر الذي أوصى له بمليوني فرنك فضة وخمسة وأربيعن ألف ليرة دخلاً سنوياً ليكون منه مدرسة عالية يتعلم فيها ستون طالباً من أبناء الولايات الأربع التي أضيفت إلى فرنسا بموجب معاهدة البيرنيه وروسيللون.
وهذا القصر هو الذي نقل إليه مجمع فرنسا العلمي سنة ١٨٠٦ ذاك المجمع الذي أُسس سنة ١٧٩٥ فكان مفخراً من مفاخر الفرنسيس وحق لهم أن يفاخروا به. وهو مجلس أو ديوان مؤلف من خمسة مجامع فالأول المجمع العلمي الفرنسوي المعروف بالأكاديمي أَسسه ريشليو سنة ١٦٣٥ وهو يشتغل خاصة بتأليف معجم اللغة الفرنسوية وإدخال المفردات الجديدة ونبذ القديمة أو إصلاحها وأعضاؤه أربعون رجلاً ويقال لهم المخلدون عَلَى سبيل الدعابة لأنهم إذا خلا موضع واحد بالموت ينتخب سائر الأعضاء في الحال من يخلفه والمجمع الثاني مجمع الصناعات النفيسة أسسه مازارين سنة ١٦٤٨ باسم مجمع التصوير والنقش والمجمع الثالث مجمع الخطوط والآداب أنشأه الوزير كولبر سنة ١٦٦٤ ومجمع العلوم أَسسه كولبر أيضاً سنة ١٦٦٦ ومجمع العلوم الأخلاقية والسياسية أنشيء سنة ١٨٣٢ وجميع هذه المجامع ينتخب أعضاؤها بعضهم بعضاً مدى العمر وينظرون في العلوم الآنف بيانها ويعطون جوائز للمحسنين من المؤلفين والعاملين وبعضها لا يستهان به. وفي باريز مجامع علمية كثيرة غير هذه منها مجمع باستور العلمي مكتشف الميكروب والمجمع الكيماوي ومجمع فتيان العميان ومجمع الزراعة ومجمع البحار ومجمع العيون ومجمع الصم البكم ولكل منها أنظمة وقوانين وأعمال يطول شرحها وأكتفي فقط بوصف جلسة عامة حضرتها من جلسات مجمع العلوم الأخلاقية والسياسية في اليوم الرابع من
стр. 3054
كانون الأول سنة ١٩٠٩ عقد هذا المجمع جلسته السنوية تحت قبة المجمع وهي القبة التي تجتمع فيها المجامع الخمسة المعددة فيما تقدم اجتماعها السنوي وقدر الجمع بأربعمائة نسمة رجال ونساء. جلسوا على مقاعد من المخمل على ترتيب بديع بحيث يسمع كل واحد منهم ويرى وكان أكثر أعضاءِ هذا المجمع بلباسهم الرسمي فجلس على كرسي الرئاسة المسيو رني ستورم وتلا كما هي عادة هذا المجمع منذ القديم أو منذ إنشائه قائمة بأعمال المجمع منذ اثني عشر شهراً وصفق لمن نالوا جوائز على كتب أَلفوها وأعمال قاموا بها لخدمة الإنسانية وتعليم البائسات وإطعام الجائعات واليتامى والعمي وبين من نالوا الجوائز أربع عقائل عدا من أثنى الرئيس عَلَى أياديهن البيضاء كالأم أرنستين التي أنشأَت معملاً وملجأً في مدينة روان والعقيلة بيكوين التي أنشأَت في باريز ملجأً سمته معمل الجهاز والآنسة دي رشمون التي أنشأَت في مدينة كرنيل منذ أربع وعشرين سنة ملجأً للبنات تأوي إليه أربعمائة ابنة من بنات العملة وأنفقت عليه ثروتها. ومن المعاهد التي أخذ هذا المجمع النظر فيه معهد كارنو وهو الذي منحته العقلية كارنو امرأَة أحد رؤساء الجمهورية رأْس مال يأْتي بثمانية عشر ألف فرنك دخلاً سنوياً وقضت بأن تقسم إلى ٩٠ إعانة كل واحدة بمائتي فرنك توزع كل سنة يوم ٢٤ حزيران وهو يوم مقتل كارنو على تسعين امرأَة من نساء العملة ممن لهن أولاد. ومن جملة الجوائز التي منحها المجمع للمؤلفين جائزة الإجادة لمن أَلف كتاب إفريقية للأوروبيين وكتاب أوربا والمملكة العثمانية.
ثم قرأَ المسيو دي نوفيل أمين سر المجمع الجديد ترجمة حياة صديقه وسلفه في هذه الوظيفة جورج بيكو فاثر في السامعين وأبكاهم وتفنن ما شاء وشاء البيان في وصف حسنات المتوفى واقتداره. وكانت الخطب يتلوها أولئك الشيوخ في الورق بنغمة تأخذ بمجامع القلوب ويطرب لها العالمون العاملون طربهم بنغمات الأوتار وتغريد الأطيار في الأسحار.
وهكذا انصرف القوم ونصفهم من النساء يرددون محامد أعضاء المجمع أما أنا فتمثات لي أرواح أولئك العلماء العاملين الذين سنوا لمعاصرينا أخلافهم سنن الارتقاء وخدمة العلم والحق والفضيلة والآداب والفنون وحدثتني النفس ببلادنا الشرقية وقلت هل يكتب لها في المستقبل تأليف مثل هذه المجامع فنعمل فرادى ومجتمعين كالغربيين أو نظل كما نحن لا
стр. 3055
نعمل فرادى ولا مجتمعين ونكتفي بالتفاخر بأجدادنا نجعله عدتنا في شدتنا ومثالنا في نهضتنا ونحن عن اقتصاص آثارهم غافلون.
كنائس باريز ومعابدها
٢١
من المعاهد التي يقضى عَلَى من يزور باريز أن يختلف إليها ولو مرة بيعها وكنائسها فإنها من الأماكن التي يقرأ فيها نموذجاً من النموذجات البناءِ في القرون الوسطى ويطلع فيها عَلَى فلسفة الفرنسيس الروحية خصوصاً والمأْثور عنهم في الشرق أنهم أمة لا تقيم لغير العقل وزناً تجردت من العواطف الدينية حتى لم يبق فيها سوى العجائز من النساء يختلفن إلى المعابد للإنابة إلى الله وتقديس يسوع وأمه ﵉.
بيد أن من تعمق في البحث عن حال الفرنسويين الروحية يتجلى له أن جمهوراً عظيماً لم يبرح متشبثاً بدينه متشبعاً بصحة يقينه ولا سيما في القرى والبلدان الصغرى فأغلب الخاصة والطبقة العليا عندهم نزعوا كل نحلة حتى لم يعودوا يعرفون غير المادة ديناً وأغلب الطبقة الوسطى يغلب عليها التدين أما العام في المدن فكالسائمة لا تعرف غير الأَكل والشرب واللهو واللذائذ وأكثر أهل طبقتهم في القرى متعصبون لدينهم والسواد الأعظم من النساء متدينات. وتساوى متدينهم والمنحل من كل دين منهم أو الخاصة والعامة بالتظاهر في مراعاة الشعائر الدينية ولا تختل هذه القاعدة قليلاً إلا في المدن والحواضر ولا أثر للتعليم الديني في المدارس الأميرية وهو عَلَى أشده في مدارس الرهبنات وغيرها من المدارس الخاصة عَلَى أن نزعة التعصب التي عرفت بها فرنسا منذ صبأَت عن الوثنية لتنتحل النصرانية في القرن الثالث للمسيح ما برحت لها في نفوس أبنائها حتى في هذا القرن العشرين آثار راسخة وإن عبثت حكومتهم بقانون الحرية الشخصية غير ما مرة ودمرت بيوت الرهبان والنسك وجردت الكنائس والبيع والمدارس الأكليركية من كل ما يدخل في حوزتها.
يحتفل الفرنسيس يوم ١٤ تموز بسيد الجمهورية احتفالاً يقدسونه ويمجدونه وفي ذاك اليوم تشهد كل أرض فيها بضعة منهم أو رفع لهم فيها علم نموذجاً من وطنيتهم وكيف يرى جمهورهم بالجمهورية حياته ولكن احتفال هذه الأمة بأعيادها الدينية لا يقل عن احتفالها
стр. 3056
ذاك اليوم وأعيادها كثيرة هي صورة من صورتها في القرون الوسطى بل في القرون الحديثة قبل أن تنادي فرنسا بتأليه العقل وتعلن الحكومة علناً نزعها ريقة الدين.
نعم إن زائر كنائس باريز تتجلى له فلسفة القوم النفسية. ومما زرته من كنائس باريز كنيسة نوتردام والمادلين وعدد الكنائس الباريزية سبعون كنيسة أسقفية للكاثوليك ما عدا بيع الروم والبرتستانت ومعابد اليهود الأربعة وما عدا المصليات والبيع الصغرى ونوتردام هي من أعظم الكنائس وهي أجمل إنموذجات البنايات القديمة تجيء بمكانتها بعد كنيسة مدن شارتر وريمس وأمين وبورج وتفوقها بآثارها التاريخية وكفى بأنها أُنشئت في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني عشر ولم تزل تتعاورها الأيدي بالنقش والتزيين والترخيم والتعريق حتى يوم الناس هذا وفيها من بدائع ما صنعت الأيدي وتفننت فيه العقول ما يدهش ويبهر.
زرتها قبيل صلاة المساءِ مع صديقي عثمان بك ووقفنا نستمع لوعظ الواعظ عَلَى جمهور المصلين وأكثرهم من النساء. يعظهن واصفاً لهن غرور الحياة الدنيا بالقياس مع الآخرة ومنهن من تغر ورق عيناها بالدموع أو تجهش بالبكاء خصوصاً عندما يذم بلسان بليغ غرور أهل باريز. فهو داخل الكنيسة يقوم بالواجب ليدعو الناس إلى الزهادة ويجيب إليهم العبادة ووراءَ سور الكنيسة تجري كل ساعة شؤون وأعمال دنيوية هائلة كلها ما كانت تقوم لو عمل الناس بمثل هذه المواعظ وآثروا الباقية على الفانية. إن ما رأَيته من انتظام البيع الباريزية وتفنن البانين في إبداعها وتفانيهم في توفير قسطها من الجمال دلني بلسان حاله عَلَى أن مدينة القرون الوسطى قامت باسم الدين ولذلك جاءت المعابد أجمل مصانع تلك القرون وكان أكثرها إلى الزوال لو لم تتدارك في القرون الحديثة ببلسم من إنارة العقول بالفلسفة والعلم المادي أما مدينة هذا العصر فلا أدلّ عليها إلا بما ينفع الناس في دنياهم كالسكك الحديدية والبوارج والبواخر والمرافيءِ والمعامل والثكن والمستشفيات والمدارس والكليات ودور البائسين والحقول الأنموذجية والمتاحف وحير الوحوش والمكاتب ودور التمثيل. فهل يأْتي عَلَى البشر عصر يا ترى يكون فيه ما ينمّ عن مدينتهم غير ما ذكرنا قديماً في الدين واليوم في الدنيا ويخف تكالبهم على مظاهر هذا العالم وينسون بتاتاً تعظيم ما خلفته عصور التدين من المصانع والعبادات التي انتقلت إلى أكثرهم بالعادة أو يمزجون
стр. 3057
القديم بالحديث فيكون شأنهم غير شأنهم الآن في تصور ماضيهم وحاضرهم. هذه أسئلة ليس غير الزمان كفيلاً بالإجابة عنها والله أعلم بمصير عباده.
قصور باريز وسراياتها
٢٢
من القصور العامة وأملاك الحكومة في هذه الحاضرة: مصرف فرنسا وقصر الإليزه حيث يقيم رئيس الجمهورية وقصر الأنفاليد والتويليري وقصر العدلية وقصر ساحة المريخ وقصر التروكادير والقصر الملكي وفيه دائرة شورى الدولة ومحكمة التجارة والبانتيون مدفن العظماء وقصر مجلس النواب وقصر مجلس الشيوخ وقصر المجلس البلدي.
ونتكلم هنا عَلَى القصور الثلاثة الأخيرة فقد كتبت لي زيارة مجلس نواب الأمة الفرنسوية ومجلس أعيانها خلال انعقاد المجلسين فلم أسر بمشهد أجمل ولا أفخم وقلما ثمثل لي معنى النيابة عن الأمة إلا ذاك اليوم. ومجلسا النواب والأعيان هما مفخر من مفاخر هذه الأمة ونموذج تقدمها ودليل أخلاقها السياسية ففي مجلس الأمة الحركة والمضاءُ وفي مجلس الشيوخ التؤدة والروية فالأول يقيم في قصر البوربون والثاني في قصر اللوكسمبورغ وكلا القصرين من أجمل قصور الحكومة في هذه العاصمة العظيمة وعدد النواب خمسمائة تغلب عليهم همة الشباب وعدد الأعيان ثلثمائة تقرأْ في وجوههم المغضنة وشعورهم البيضاء سعة العقل والتجارب الكثيرة.
وما أنس ولا أنس يوم كانت المناقشة في مجلس النواب في وضع ضريبة على العملة وقد تدفقت أقوال بلابل المجلس عَلَى المنبر وما فيهم إلا الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والسياسي والإداري.
وإن ما تلي في تلك الجلسة فقط من الخطب وجرى الحوار فيه بين الأعضاء لو جمع في كتاب يرأْسه لجاء منه أحسن كتاب اجتماعي اقتصادي عن فرنسا ومن أراد أن يعرف ما هو البيان الحقيقي والعلم الذي تشربته أجزاءُ النفس فليزر مجلس النواب الفرنسوي في فصل اجتماعه يشهد ارتقاء الغرب ويدرك سر الشورى.
أما المجلس البلدي فهو معيار العمران وبيده إسعاد باريز وإشقاؤها. يزار كما تزار أكثر المعاهد الكبرى في باريز بطلب من الزائر يقدمه إلى أمين سر المعهد فيرسل هذا إليه
стр. 3058
ورقة يعين له فيها الميعاد الذي يأْتي فيه.
يدخل الزائر هذا القصر المدهش فيتجسم في نظره الذوق الفرنسوي وعظمة هذه الأمة لكثرة ما يقع عليه نظره من الردهات والقاعات والغرف وكلها مزدان بنقوش وصور ورسوم من أجمل ما خطته أنامل النقاشين والمصورين وتدل كلها على الذوق والمعاني اللطيفة والإشارات الحسنة.
فمن رسم يمثل الغناء والعشرة وآخر يمثل الزهور والثمار وغيره يصور أغاني شواطيء السين وآخر يمثل التجارة والصناعة فالأشهر الجمهورية ومناظر كثيرة لأجمل قصور باريز ومعاهدها وأصقاعها وهناك صور رسمت عَلَى الحيطان والسقوف في القاعات التي تستقبل بها مدينة باريز في العادة من يزورها من ملوك الأرض وأمرائها ومنها ما يمثل أفراح الحياة وآخر يمثل العمل ومغيب الشمس والرقاد والحلم وغيرها يريك الطبيعة الملهمة المربية فالرياضيات الطبيعية فالرياضيات العقلية وآخر يمثل الطبيعة والكيمياء والفلسفة والنجوم وفيها ما يمثل المساء في باريز والخيال والولادة فيها والجهاد والنهضة والشعر والفلسفة والتاريخ والعلم والفنون والسلام واليقظة وذكرى عيد وطني وعيد الخلاءِ في ضاحية باريز. وبعضها يمثل أبولون وعرائس الشعر والتصوير والأدب والموسيقى والنقش والهندسة ومنها رمز القصائد الغنائية والأنغام والكدر والتأمل ومن التماثيل ما يرسم التمثيل بالإيماء والقصص الهزلية والموسيقى والرقص والألعاب ومنها ما يصور الحصاد وقطف العنب والغناء والصيد وتعاطي الشراب. ومنها الموسيقى عَلَى اختلاف العصور والطبوب والعطور ومدينة باريز تدعو العالم إلى أفراحها والزهور والرقص في كل عصر من أعصار التاريخ وصور تمثل أهم أقاليم فرنسا مثل الفلاندر وبيكارديا والجزائر وليون ولانكدوك وغاسكونيا والبروفانس وكوسين وبرى وشامبانيا وبرتانيا وبورغونيا وأوفرن واللورين ونورمانديا وكونتية نيس. ومن صورها ما يمثل الصيف ومنها الشتاء ومنها ما يمثل آسيا وأوروبا وأميركا وإفريقية ومنها ما يصور تأليه العلوم وهو رمز لعلم الأحداث الجوية والكهربائية وتعليم العلم وتمجيد العلم وأربع أيقونات تمثل علم الطبيعة والنبات في شخص أراغو وأمبر وكوفيه ولافوازيه. ومنها رمز إلى ساعات الليل والنهار ومشاهد الأفراح والأعياد وفي ردهة الآداب صور ترسم لك عرائس الشعر والإلهام والتفكر وتاريخ
стр. 3059
الكتابة وأعظم الأعمال الأدبية وأربع أيقونات لأربعة أدباء وهم مولير وديكارت وفيكتور هوغو وميشله ثم صور الفلسفة والشعر والفصاحة والتاريخ وهناك رمز بديع يشير إلى أن التاريخ يجمع دروس الماضي والفلسفة تحرر الأفكار من قيودها وعَلَى مقربة من ذلك رسمان اثنان نائمان وهما يمثلان الأدب وفي سقف ردهة الفنون والنقش والموسيقى والهندسة والرسم وغير ذلك من رسوم الوقائع الكبرى التاريخية والصور والتماثيل التي تشير كل واحدة منها إلى معنى من المعاني وفائدة من الفوائد وكلها من حفر أو رسم أو نقش أعظم رجال هذا الشأْن في العالم ولا سيما من أهل فرنسا جعلت هناك نموذجاً مما خصوا به من المزايا وسعة العلم وبعد النظر وحسن الذوق.
وعلى الجملة فإن الشرقي الذي يزور قصر المجلس البلدي في باريز تصغر بلاده في عينه ويكاد ييأس من ارتقائها ونهضة أبنائها.
أما أعمال هذا المجلس الذي تبلغ ميزانيته مئات الملايين فلا أقول فيها إلا أنها عظيمة جداً ويكفي أن المجلس طلب من الحكومة هذه الأيام أن تسمح له بعقد قرض قدره تسعمائة مليون فرنك ليطهر بعض أحياءِ باريز فأذنت لأنه ثبت أن بعض الأمراض تكثر في حي دون آخر فالواجب العناية بها حتى لا تعلو يد الفناءِ عليها أما أنا فلم أر على كثرة تجوالي راكباً وماشياً في شوارع باريز وأحيائها موضعاً تحدثك النفس أنه محتاج للإصلاح بعد لكثرة ما ترى كل شيء في مكانه وإن مدينة باريز لتنفق على أضواء الكهرباء والغاز الذي تنير به شوارع هذه المدينة السعيدة كل ليلة ما يبلغ مقدار ميزانية بلدية دمشق طول السنة فتأمل.
تاريخ الحضارة الفرنسوية
٢٣
بسطنا القول في الفصول السالفة في كل ما يهم عن معرفة باريز وها نحن أولاءِ نتوخى في هذا الفصل أن نلم بطرف من عمران فرنسا بأسرها وأثرها في الحضارة منذ قامت للعلم والعمل سوق رائجة معتمدين فيما ننقل على معجم لاروس الجديد وما هذه النبذة إلا احتذاءٌ لما ورد في الفصل الفرنسوي بتصرف كثير وزيادات.
فرنسا مملكة عظمى في أوربا الغربية يحدها المحيط الأطلانطيقي وبحر الشمال أو المانش
стр. 3060
من الغرب ومن الجنوب جبال البيرنيه والبحر المتوسط ومن الشرق جبال الألب والجورا والفوسج ويفصل بينها وبين البلجيك وألمانيا خط اتفق عليه من الشمال الشرقي والشمال ومجموع مساحتها ٥٣٦. ٤١٨ كيلومترات مربعة وسكانها نحو أربعين مليوناً أي نحو أربعة أضعاف ونصف مساحة سورية ومساحة سورية ١١٥. ٠٠٠ كيلو متر مربع والفرنسيس كجميع سكان سوريا أخلاط من العناصر مزجتهم بودقة واحدة فجاء منهم شعب ذي قوة عقلية حقيقية واختلفت صفاتهم وميولهم لمذاهب المعاش وإن فرنسا لغنية بزراعتها أكثر من غناها بمناجمها ومع هذا فهي تعد من أغنى البلاد وزراعتها أرقى زراعة في الأرض و. . . في أرضها الذهب والفضة والزئبق والنحاس والزنك والرصاص والقصدير والزرنيخ والنيكل والأنتيموان والكبريت ولكن عندها ما يلزمها من الحديد والفحم الحجري.
وإنك لتدهش إذا عرفت أن جزئين من ثلاثة عشر جزءاً من أرضها تزرع وتشجر وفيها نحوة عشرة ملايين هكتار من الغابات والعوسج ولها في تربية المواشي والحيوانات يد طولى وتجد المعامل الكبرى قائمة في الضواحي الغنية بالفحم الحجري والحديد والمحاصيل الزراعية القابلة للتحول وقد امتاز كل إقليم بصناعة وباريز هي ملكة المدن الصناعية في فرنسا لأنها محط الخطوط الحديدية ومنتهى المواصلات.
امتازت الجنوب بصناعاتها لكثرة الفحم الحجري وكثرة السكان وفيها صناعات اشتهرت شهرة الشمس والقمر كما امتاز إقليم الآردن بالجوخ وأعمال الحديد والألواح الحجرية وامتاز إقليم شامبانيا ونورمانديا بالجوخ وأعمال الحياكة والنسيج وإقليم فرانش كونتيه بعمل الساعات وليون وسان إتين بالمنسوجات الحريرية وامتازت المقاطعات المجاورة لها بتربية الحرير والغزل وامتازت البلاد الوسطى بالفخار والخزف والصيني والكاشاني وفي ضواحي الكمولم عَلَى الينابيع ذات المياه الشفافة معامل الورق ولمرسيليا الميزة بصابونها ولإقليم البروفانس بزهوره العطرة التي تستعمل في الطيب وعَلَى الجملة فإن صناعات فرنسا من أنفس ما تصنع صنع الأيدي في العالم ولا سيما في منسوجاتها الحريرية وصناعة الجوهرية والبلور والأواني الصينية الدقيقة وكلها مما جعل فرنسا في مقدمة ممالك أوربا.
تقسم فرنسا من حيث أمورها الإدارية إلى ٨٧ إيالة وهذه تقسم إلى ٣٦٢ ولاية و٢٨٩٩
стр. 3061
كورة و٣٦١٧٠ مديرية ولها مجلس نواب ومجلس شيوخ ينتخب أعضاء الأول كل أربع سنين وأعضاء الثاني كل تسع سنين وهذان المجلسان هما اللذان ينتخبان رئيس الجمهورية لسبع سنين والقوة الإجرائية بيد الوزارة وهي المسؤلة أمام القوة التشريعية وتقسم هذه البلاد من حيث المعارف والأديان والبحرية والبرية إلى مناطق كثيرة تخالف ترتيب الإيالات وكلها لسان واحد وتربية تكاد تكون واحدة ونظامها واحد.
ومن نظر إلى تاريخ فرنسا السياسي والاجتماعي يتجلى له أنها هي بلاد غاليا المستقلة وهي عبارة عن ولاية رومانية عَلَى عهد مملكة الرومان افتتح الرومانيون منذ سنة ١٢٥ قبل المسيح البلاد الواقعة عَلَى شواطيء البحر المتوسط ثم افتتح قيصر البقية سنة ٥٨ ـ ٥١ ق. م ولم تكن إذ ذاك إلا خليطاً من العناصر والقبائل لا وحدة بينها ولا جامعة تجمعها ففي الشمال قبائل جرمانية وفي الوسط سلتية وفي الجنوب الغربي إيبرية وفي الجنوب الشرقي ليكورية وفي الولايات الرومانية مدن يونانية ومستعمرات إيطالية يتكلمون بنحو عشر لغات مختلفة ولم تكن لهم وحدة سياسية ولا رئيس أعلى بل كانوا عبارة عن نحو مئة من الشعوب لهم أوضاع مختلفة ويحكم عَلَى معظمهم مجلس شيوخ ومن هذه الشعوب من يعيش عَلَى حال انفراد ومنها متحدة بينها عَلَى التساوي ومنها من يشترك مع غيره ويترك الزعامة لمن يراه أحق بها.
وكانت المدن قليلة جداً في بلاد غاليا وغاية ما كان فيها ملاجيءٌ لأوقات الغارات وهي مراكز الأسواق والزيارات فبلاد غاليا كانت بلاداً زراعية وسكانها ثلاث طبقات الأشراف والمحاربون ومنهم ينتخب أعضاء مجلس الشيوخ والملوك والفرسان وعامة الشعب كانوا فدادين تقرب حالهم من العبودية ولم يكن يملك الأراضي ثم أصبحت ملكاً للأسرات الشريفة.
أما الحراثون فهم من توابع الأرض ويجيءُ بعدهم العبيد ويعدل من حال الأشراف طبقة الدرويد وهم الكهنة والأطباء والمنجمون والقضاة ولا سيما في أوسط البلاد.
ولما استقام أمير الرومانيين أقاموا زعيماً عاماً على البلاد ممتعاً بالسلطة المطلقة متصرفاً بالقوة الحربية والمدنية والدينية ونعني به الإمبراطور وهو زعيم الحرب والمشرع المطلق والقانون الحي والرئيس الروحي والرب ثم امتزجت البلاد بالعادات الرومانية واللغة
стр. 3062
الرومانية بما أتاها من جيوش الرومان وتحرفت لغة الفاتحين فأصبحت اللغة اللاتينية الحقلية وغدت كل أمة غالية مقاطعة برأْسها يرأَسها زعيم وأخذت التجارة والصناعة ترتقي ولولا أنه كان من حق المالك أن يبيع الأرض بفلاحيها وهو الحاكم المتحكم في حياتهم ومماتهم لركن الفلاحون إلى الفرار.
ولما أخذت النصرانية بالانتشار كانت قاصرة على المدن ولم تتعداها إلى الأرياف إلا بعد زمن وكان من فوائد انتشارها أنها أعلنت بأن الأحرار والعبيد سواءٌ أمام الله هذه هي الفائدة الأخلاقية أما الفائدة السياسية والاجتماعية فقد نشأَ منها تأليف طبقة رجال الدين بنظامهم الذي أخذوه عن نظام الحكومة ولم يمض إلا زمن قليل حتى أصبحت الكنيسة حكومة وسط حكومة تجبي أموالاً من الناس ويغدق المؤمنون وأحياناً الإمبراطورة عليها من المال ما تكوّنت منه ثروة طائلة وتعفى أملاكهم من الخراج كما يعفى خدمتها من المحكمة مع الشعب بل كثيراً ما يحاكم الشعب نفسه في الكنيسة ولطالما كان الأسقف في ابرشيتة خصماً للحاكم السياسي ورقيباً عتيداً عليه. ولما سقطت المملكة الرومانية تجزأَت غاليا إلى عدة ممالك بربرية كالفرنك والبورغوند والفيزغوت وعادت كلمة البلاد إلى الانتشار بعد الاجتماع ولم يكن ملوك الفرنك يدركون معنى الوحدة كسائر الملوك البرابرة ولا يقيمون للحكومة وزناً ولئن يلبسون الثياب الأرجوانية ويضعون التيجان عَلَى رؤوسهم كإمبراطور الرومان إلا أنهم لم يكن لهم جيش دائم وليست لهم طريقة منظمة في الجباية كما أن اللغات في البلاد تعددت وكلها لهجات من أصل روماني تمازجها لهجات بربرية وعادت سلطة الأشراف وسلطة رجال الدين تقرى حتى لم يعد يعترف السواد الأعظم من الناس بالزعامة عليه إلا لهم ومنهم يطلبون الإنصاف ولهم يدفعون الجزية والخراج وخربت المدن وهاجر رؤساء الجيش والأديار إلى الحقول وضعفت الصناعة والتجارة باختلال الأمن في البلاد وكاد الفلاح يكون عبداً لسيده كما في سابق الأعصار وفي اليمين الذي أقسم سنة ٨٤٢ في ستراسبورغ ظهرت لأول مرة لغة اشتقت من اللاتينية المستعملة عند الفلاحين ومنها نشأت اللغة الإفرنسية وفي معاهدة فردون سنة ٨٤٣ اعترف بوجود مملكة فرنسا وعاصمتها باريز.
وما زالت الملوك تتوالى عليها وتختلف في المباديء والأطوار حتى قبيل نهاية القرن
стр. 3063
الثامن وقد حسنت فيه حال الفلاح الفرنسوي وزاد عدد المالكين من أبناء القرى زيادة مهمة وارتقت الصناعة والتجارة عَلَى ما كان يقف في سبيلها من القيود الكثيرة والأنظمة المنوعة وارتقت الأدبيات وتحررت من قيودها القديمة وأخذت الفلسفة تبحث في التسامح الديني والحرية والسياسية وإصلاح القوانين الجنائية وتمايز الطبقات الاجتماعية وعارض مونتسكيو نظرية أن الملك ملهم من الله وحقه إلهي عَلَى سكان الأرض بنظرية الحكم الملكي النيابي ووضع روسو نظرية العهد الاجتماعي.
نبهت البارلمانات في مكافحتها سلطة الملوك (سنة ١٧٨٨) أفكار وكلاءِ الشعب فبدأَت الأمة ترفع صوتها وكان الملوك يخفتونه ولا يرون لها حقاً في مطالبتها بحق واتفق أن وقعت البلاد في عسر مالي فاجتمع وكلاءُ الأمة ينظرون في حل ما أصابهم فنشأَت بعد حين الثورة الأولى (١٧٨٩) وأعلن لويز الرابع عشر أن الأمة كلها للملك ولكن جاء في قانون حقوق الإنسان والوطني أن مبدأَ كل سلطة ينبعث من الأمة بجوهره فما من جماعة ولا من شخص يستطيع أن يحكم حكماً لا يكون صادراً عنها بالفعل وهكذا مات حق الملوك الإلهي المزعوم وأتت الثورة عَلَى أعشار رجال الدين والإقطاعات والسخرات والأحكام التي يحكمها أرباب الإقطاع وساوت بين الناس في الواجبات والضرائب وقضت على قليل الكفاءة من أرباب الغنى أن توسد إليه الوظائف الكنائسية والحربية بدون استحقاق وحمت الحرية الشخصية وحرية الضمير وحرية التكلم والكتابة وحرية المسكن وتساوي كل وطني من أكبر كبير إلى أصغر صغير في الخدمة العسكرية ودفع الضرائب كل بحسب طاقته وثروته.
هذا موجز الأساس الذي قام عليه بناء النظام الجمهوري ثم عراه قليل من التعديل بتقلب أنواع الحكومات وقيام بعض الأدعياء بالملك إلى عهد الجمهورية الثالة بعد حرب السبعين مع ألمانيا وعندها استقرت الحال عَلَى ما تراها إلى اليوم.
أما نشأَة الآداب والعلوم فلكل منها تاريخ ويقال على الجملة أن اللغة الفرنسوية هي بنت اللغة اللاتينية تكوّنت عَلَى صورة غريبة إلى أن وصلت في عشرين قرناً إلى حالتها وكانت أدبياتهم دينية لأول أمرها وبعضها شعري ونثري وأكثرها خرافي ولم تخلص اللغة من القيود العائقة إلا في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. وتاريخ العلم
стр. 3064
ونشؤُه فيها طويل كتاريخ الأدب ويقال على الجملة فيه أن مرسيليا كانت مدة قرون منبعث العلم الوحيد في بلاد غاليا واشتهرت مدرستها كما اشتهرت كليات آثينا وكلية الإسكندرية وكان بيتياس أحد أبنائها الذي ولد نحو سنة ٨٣٠ قبل المسيح لا يقل عن أعاظم الفلكيين في القديم وكانت بيوت العلم تفتح عَلَى العهد الروماني في البلاد المهمة والتعليم فيها عبارة عن مباديء عملية من الحساب والمساحة والبناء ثم جاء دور الانحطاط التام فأصيب الغرب بغارات البربر ولم تخرج فرنسا من ظلماتها الفكرية إلا بعد ثمانية قرون بفضل العرب وبينما كان التمدن الإسلامي بالغاً أوجه كانت العلوم منحطة كل الانحطاط في أرض فرنسا. ولم ينتشر الطب والصيدلة في فرنسا إلا بمساعي أطباء اليهود الذين طردهم المسلمون من آسيا الصغرى في القرن الحادي عشر فاعتصموا باسبانيا أولاً ثم بإقليم لانكدوك حيث أَسسوا عدة مدارس ومن جملتها مدرسة مونبليه. وهذا كان مبدأَ انتشار العلم في هذه الأرض. فمن العرب أخذ الفرنسيس فيما مضى حضارتهم ونحن العرب اليوم نأخذ عنهم وندهش بحضارتهم فسبحان المعز المذل القابض الباسط.
الصحافة الباريزية
٢٥
نشأت الصحافة هنا في مبدأ أمرها بنشر أخبار الملوك والوزارت والموظفين والحروب والدول ثم ارتقت بارتقاءِ المدارك إلى أن صارت تلم بمعظم الموضوعات التي تهم القراء وتعلمهم وعلى عهد الثورة اشتد ولوع الناس بالاطلاع على الحوادث والآراء السياسية وإلى هذا العهد ظلَّ الصحافي في وراء منضدته يكتب ليفيد مثل الأستاذ عَلَى منبره والواعظ في معبده لا يقصد إلا تثقيف عقل وتربية النفس.
ولما تكالبت النفوس على المال واتسع للصحافة المجال بكثرة المواصلات والبرقيات وأخذت التجارة ترقى دخلت الصحافة في طور جديد فبعد أن كانت هي خادمة لتجارة أصبحت هي بنفسها تجارة لا يقصد منها إلا الربح وأول من أنزل أجور اشتراكاتها إميل جيراردين مؤسس جريدة لابريس سنة ١٨٣٦ من ٨٠ أو ٦٦ فرنكاً قيمة الاشتراك بالجرائد الكبرى إلى ٤٠ فرنكاً وهي قيمة زهيدة لا تعادل النفقات أنزلها ليكثر قراؤها وإذا كثر قراء جريدة أقبل الناس عليها بإعلاناتهم ومنشوراتهم فاستطاعت بعض الصحف أن
стр. 3065
تعيش مستقلة عن معونة الأفراد والحكومة والأحزاب.
ولكن هذا الاستقلال وإن لم يكتب لها كلها إلا أن سعيها وراء الإعلانات وخدمة الشركات والبيوت المالية قيدها أكثر من قبل بل أخرجها عن المقصد منها حتى صارت العشرون الجريدة الكبرى الباريزية اليوم عبارة عن سمسار لا يهمه إلا أن يقبض العمالة من البائع والشاري وغدت الجريدة من مقالتها الافتتاحية إلى أنبائها البرقية فرفرف قصصها وتقاريظ الكتب والحوادث الداخلية والخارجية والأنباء المنوعة والمقالات الأدبية والاقتصادية والسياسية والإعلانات والمنشورات وغير ذلك مما تخوض الصحف عبابه مثل أخبار دور التمثيل والرياضيات البدنية والسباق لا ينشر منها اسم ولا سطر إلا قبل أن يذهب صاحبه الذي يهمه وينقد أمين صندوق الجريدة مبلغاً معلوماً عنه وعند ذلك ينشر له من الأفكار والمحامد ما يشاء وتشاء الأهواء.
فإن كتبياً أو طابعاً لا يقدر أن ينشر كتاباً طبعه إلا إذا انتقده كاتب أو عالم كبير وهذا إذا فرض أنه رضي بأن يخدمه بالمجان يسأَله مدير الجريدة عن ربح الإدارة من ذلك. فمقالة في تقريظ كتاب قد تكلف الطابع ألفي فرنك يأخذ نصفها كاتبها الموقعة باسمه والنصف الآخر مدير الجريدة ومثل ذلك يتناولون من المصورين والموسيقيين والممثلين والراقصات والعقيلات والآنسات والأعاظم والأصاغر لا تدون أسماؤهم بالطبع قبل أن يرشوا إدارة الجريدة بمال ترتضيه وكل ما تراه من أخبار الدعوات والرياضيات والمآدب ووصف الأزياء مع بائعات الزهور والجوهريين والخياطات والخياطيين يدفعه أرباب المأدبة وتجار هذه الأصناف بل أن أخبار الأعراس والأفراح وأخبار المناعي والأموات لا تكتب إلا لمن تؤخذ منه أجرتها والأعمال الأدبية مهما بلغ من مكانتها لا تذكر بكلمة قبل أن يدفع صاحبها جعالة لقاءَ ذكر اسمه وهناك الماليون وأرباب التجارة يريدون أن يعبثوا بحوالة الأسواق ويعرفون أن السياسة تؤثر كثيراً في أعمالهم فيعمدون إلى ابتياع الجرائد لتكتب في السياسة عَلَى هواهم فيرفعون الأسعار يوم يريدون الرفع ويخفضونها كذلك بمالهم بواسطة هذه الجريدة من التأثير في الأفكار العامة ومنهم من يبتاع من الجرائد كلامها كما يبتاع منها سكوتها فدار اللعب في إمارة موناكو تدفع مشاهرات إلى جميع الصحف الكبرى لتسكت عما يحدث فيها من ضروب الانتحار والخراب والنجائع التي تنشأ من المقامرة كما تدفع
стр. 3066
مبالغ جسيمة أيضاً في أوقات معينة لتأخذ الصحف في حمد مرافق مونتكارلو ونزلها ودور تمثيلها وسواحلها وصفاء العيش فيها.
وإن أعظم علماء الاقتصاد لا تنتشر له مقالة في موضوع مالي قبل أن يوافق عليها المصرف الذي ابتاع من تلك الجريدة روحها المالية ليصرفها كما يشاءُ وبعد حادثة بناما التي ظهرت فيها رشاوي الصحف الإفرنسية لم يعد يقدر الإنسان أن يقرأَ سطراً في شأن مالي في جرائدهم إلا ويشك فيه.
وهكذا أصبحت الصحافة الباريزية مقيدة في صورة حرة مطلقة ففي وسعها أن تصرب في كل ما تريد وتنزع كل أَساس وتهاجم كل موضوع وتغتاب كل امريءٍ وتنم عن كل عمل وتفتات عَلَى كل فرد ولا يحظر عليها إلا شيءٌ واحد وهو أن تكشف الغطاء عن الأسرار المالية فإذا فعلت يحكم عَلَى الكاتب والناشر والجريدة بأشد عقوبات العطل والضرر وكذلك إذا دلت عَلَى الطرق الاحتيالية التي يعيش بها المحل الفلاني منذ سنين.
وعَلَى ذلك فالجرائد هنا يجب أن لا تقرأ إلا بحذر شديد حتى مقالات لها في الكيمياء أو التاريخ فإنها لا تنشرها إلا ولها منها مآرب يظهر بعد أعمدة من نفس العدد أو في عدد تال. وخف كل الخوف من الصحف التي تخدم الأحزاب جهازاً فإن هذه تقلب الحقائق الناصعة وتجسم الحوادث أو تضعفها بحسب هواها وتستعمل من السفسطة ما يضحك ويبكي.
فكأن الصحافة الباريزية جعلت لقلب الحقائق لا لقدر أن تسقط فيها عَلَى حقيقة خالصة من الشوائب فهي تزيد إلى ضعف البشر الطبيعي وغلطهم وخطأهم أموراً تأتيها بذاتها بالقصد لتحريف الحق وتشويهه فمنها ما يخضع لحكومة في كل ما يكتب ومنها ما يخضع للأحزاب وكلهم خاضعون لزبنهم وكثير منهم يقولون كل ما يريدون عَلَى شرط أن يحسن المرءُ دفع المطلوب منه. فقد قيل أن الرياء تكريم الرذيلة للفضيلة والصحف الفرنسوية تكرم الحقيقة من هذا النوع أي أنها هي الرذيلة.
هذا ما اقتبسته من فكر الكاتب الفرنسوي في هذا الباب وصاحب الدار أدرى بالذي فيه وقد أجمع العقلاء الذين لقيتهم من أهل العلم والمطبوعات وغيرهم عَلَى أن الصحافة الفرنسوية كلها ترتشي وتلفق في أحاديثها وتكذب في رواياتها ما عدا جريدة لاومانيته أي الإنسانية
стр. 3067
وهي لجوريس أحد زعماء الاشتراكيين تعيش من وارداتها الشرعية ولا تسفّ لتناول رشوة من أحد وإن الصحافة الإنكليزية أشرف غاية وأنبل قصداً وأكثر مادة وأوسع مصادر أما أنا فعللت هذا التصريح من أصدقائي الفرنسويين بأن إنكلترا هي أرقى الأمم بأخلاقها والأخلاق هي معيار الأمم والجرائد مرآتها.
ومن الصحف الباريزية ما يصدر صباحاً وأكثرها جرائد لا تهتم بالمسائل السياسية بل بالأمور المالية والحركة الأدبية كدور التمثيل والخطب وغيرها أما جرائد المساء فأكثرها يهتم بالسياسة فالطان والديبا من الجرائد المسائية والجورنال والماتين والبتي باريزين والبتي جورنال من الجرائد الصباحية والجرائد طبقتان قسم لعامة القراء وهي التي ينادي عليها المنادون في الشوارع بأعلى أصواتهم وتباع في كل مكان فيقرأها البواب والحوذي والمساح والكساح وسائق الأتوموبيل والشرطي والمرتزق وبعض التجار وذلك ككثير الجرائد الصباحية وقسم للطبقة العالية وأبحاثها لهم بالطبع مثل الطان والديبا والغولوا والفيغارو وهذه لا ينادى عليها وتباع بثمن أغلى فالطان يبتاع عددها بثلاثة فلوس أو خمسة عشر سنتيماً في حين تباع تلك الجرائد العامية بفلس واحد وهي أكبر حجماً وأوسع مادة من هذه ولكن شتان بين مادة ومادة وحجم وحجم.
وجريدة الطان هي الجريدة الوحيدة التي تعنى كثيراً بأخبارها هذا الشرق الأدنى خاصة والسياسة الشرقية عامة وهي جريدة وزارية تقدس كل وزارة تأْتي وهذه بالطبع تعطيها أخباراً وربما أمدتها بمعونة مالية وهي لا تذيل المقالات السياسية والإخبارية بأسماء كتابها على عادة معظم الجرائد السياسية وبذلك قد يقع لها أن تؤيد اليوم في مقالتها الأولى فكراً مخصوصاً ثم يجيءُ كاتب آخر من الغد في نفس ذاك المكان من الجريدة فيضعف ذاك الرأْي بعينه وينتقده. وأعرف الجرائد بالشرق عَلَى التحقيق هي هذه وربما كانت جريدة الإيكو دي باري من جرائد الصباح أكثر منها مادة برقية إخبارية عنه بدون تعليق على الحوادث. ومقالات الطان عن السياسة الشرقية تتناقل لأنها أقرب إلى الثقة والتعقل من غيرها ومع هذا تؤخذ بكل حذرٍ شأننا مع عامة الصحف الإفرنجية التي تقول الحق ولكن إذا صادف هوى لها وهيهات أن تقوله بدون عوض. ولقد كنت أظن جريدة الديبا وحدها ترتشي من السلطان عبد الحميد المخلوع ولكن علمت هنا أن الطان أيضاً عَلَى ما فيها من
стр. 3068
الغمز واللمز بالدولة كانت لا تستنكف من قبض الخمسة آلاف ليرة من أعوان ذاك السلطان لتكتب على هواه يوماً لعلم المخلوع بمكانة أقوالها في الأندية السياسية.
وأنواع الجرائد هنا كثيرة ومنها اليومي الذي لا يكتب إلا في موضوع واحد مثل جريدة كوميديا وهي تبحث في دور التمثيل والقصص التمثيلية والفاجعات وغيرها ومنها جرائد للسباق مثل جريدة الأوتو وهي لنشر أخبار سباق الحوافل الأتوموبيل وغيرها من أنواع السباق ومن جرائدهم ما هو خاص بتأجير الأملاك والعقارات ومنها الخاص بطلاب الزواج وطالباته ومنها للأزياء وأخرى للعطور والطيوب ومنها للأخبار الخلاعية ولكنها مقصورة على طبقة خاصة تطبع سراً وتوزع كذلك وإذا رآها الشرطة صادروها وأنزلوا العقوبة الشديدة بكاتبها وبائعها ومشتريها.
أما تنظيم إدارات الجرائد الكبرى فهو الغاية ولا سيما الأمهات منها مثل الماتين وهي في أعظم جادة وبنايتها أجمل بناية وآلاتها الطابعة أحسن الآلات فيها اثنتا عشرة واحدة تطبع الواحدة مئة ألف نسخة في الساعة زرتها مع زهاء سبعين رجلاً وامرأَة رأيتهم سبقوني إلى زيارتها فما رأَيت نظاماً أتم ولا استعداداً استوفى من الكمال أوفى القسم ومن أحسن ما قرأته. مما كتب فوق غرف المحررين خلق المحرر ليكتب فلا تشغله فيما لا يعنيه وزرت أيضاً إدارة البتي باريزين وهي دونها في الاستعداد وإن لم تكن دونها في الانتشار والنفاد.
стр. 3069
تربية البنات
لحافظ أفندي إبراهيم
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي ... في حب مصر كثيرة العشاق
إني لأحمل في هواك صبابة ... يا مصر قد خرجت عن الأطواق
لهفي عليك متى أراك طليقة ... يحمي كريم حماك شعب راق
كلف بمحمود الخلال متيم ... بالبذل بين يديك والإنفاق
إني لتطربني الخلال كريمة ... طرب الغريب بأوبة وتلاق
ويهزني ذكر المروءة والندى ... بين الشمائل هزة المشتاق
مالبابلية في صفاء مزاجها ... والشرب بين تنافس وسباق
والشمس تبدو في الكؤُوس وتختفي ... والبدر يشرق من جبين الساقي
بالذ من خلق كريم طاهر ... قد مازجته سلامة الأذواق
فإذا رزقت خليفة محمودة ... فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
فالناس هذا حظهُ مال. وذا ... علم. وذاك مكارم الأخلاق
والمال إن لم تدخره محصناً ... بالعلم كان نهاية الإملاق
والعلم إن لم تكتنفه شمائل ... تعليه كان مطية الإخفاق
لا تحسبن العلم ينفع وحده ... ما لم يتوج ربه بخلاق
كم عالم مد العلوم حبائلاً ... لوقيعة وقطيعة وفراق
وفقيه قوم ظل يرصد فقههُ ... لمكيدة أو مستحل طلاق
يمشي وقد نصبت عليه عمامة ... كالبرج لكن فوق تل نفاق
يدعونه عند الشقاق وما دروا ... أن الذي يدعون حلف شقاق
وطبيب قوم قد أحل لطبه ... ما لا تحل شريعة الخلاق
قتل الأجنة في البطون وتارة ... جمع الدوانق من دم مهراق
أغلى وأثمن من تجارب علمه ... يوم الفخار تجارب الحلاق
ومهندس للنيل بات بكفه ... مفتاح رزق العامل المطراق
متعنت تندى وتيبس كفه ... بالماء طوع الأصفر البراق
стр. 3070
لا شيء يلوي من هواه فحده ... في السلب حد الخائن السراق
وأديب قوم تستحق يمينهُ ... قطع الأنامل أو لظى الإحراق
يلهو ويلعب بالعقول بيانهُ ... فكأَنه في السحر رقية راق
في كفه قلم يمج لعابه ... سماً وينفثه على الأوراق
يرد الحقائق وهي بيض نصع ... قدسية علوية الإشراق
فيردها سوداً عَلَى جنباتها ... من ظلمة التمويه ألف نطاق
عريت عن الخلق المطهر نفسه ... فحياته ثقل عَلَى الأعناق
لو كان ذا خلق لأسعد قومهُ ... ببيانه ويراعه السباق
من لي بتربية النساءِ فإنها ... في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم روض أن تعده الحيا ... بالري أورق أيما إيراق
الأم أستا الأساتذة الأولى ... شغلت مآثِرهم مدى الآفاق
أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً ... بين الرجال يجلن في الأسواق
يدرجن حيث أردن لا من وازع ... يحذرن رقبته ولا من واق
يفعلن أفعال الرجال لواهياً ... عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهن شؤونهن كثيرة ... كشؤون رب السيف والمزراق
كلا ولا أدعوكم أن تسرفوا ... في الحجب والتضييق والإرهاق
ليست نساؤكم أثاثاً يقتنى ... في الدور بين مخادع وطباق
تتشكل الأزمان في أدوارها ... دولاً وهن عَلَى الجمود بواق
فتوسطوا في الحالتين وانصفوا ... فالشر في التقييد والإطلاق
ربوا البنات عَلَى الفضيلة أنها ... في الموقفين لهن خير وثاق
وعليكم أن تستبين بناتكم ... نور الهدى وعَلَى الحياء الباقي
стр. 3071
مطبوعات ومخطوطات
(معذرة إلى المؤلفين والطابعين الذين أهدونا مؤَلفاتهم لنتكلم عليها في هذه المجلة فعاقت الأحوال التي طرأَت علينا دون القيام بما اعتدناه في السنين السالفة من التوسع في نقد الكتب وتقريظها والمبادرة إلى النشر في حينه ولذا نرجوهم أن يعذرونا عَلَى إيجاز القول ونعدهم بأن كلامنا يكون من قابل أطول نفساً وأوسع مادة. وها نحن أولاءِ نبدأُ بجملة مما كتب في الغرب على الشرق أو نشر في ديار الغرب من علوم الشرق ثم نتبعه بما صدر من المصنفات الجديرة بالنظر في هذا الشرق الأقرب ونستميح عذراً ممن تفضلوا بإهدائنا ما عربوه من القصص ونشروه من الروايات عَلَى إغفال ما نشروه لأن المجلة لا تشير إلا إلى المصنفات التي توافق موضوعاتها في الأدب والاجتماع والعلم وتعنى بما يصنف رأْساً في الأدب أكثر من عنايتها بما يعرّب فيه كما أنها تعنى بالكلام عَلَى ما يكتب أو يعرب في الاجتماع والعلم عَلَى حد سواء).
الشرق الإسلامي
كتاب بالألمانية نشره المسيو مارتين هرتمن من علماء المشرقيات وهو ممن يهتمون بمستقبل العرب وكتابه قسمان قسم في تاريخ العرب وينقسم إلى ثلاثة أقسام العربية القديمة والعربية الوسطى والعربية الحديثة واعتمد في سرد التاريخ على الآثار أكثر من النقول التي لا ينهض دليل تطمئن النفس ومتى فقدت المادة التاريخية فليس من تاريخ وخص كلامه عَلَى اليمن لأن ما اكتشف من آثارها الحجرية يسهل البحث في تاريخها وقال أن اليمانيين كانوا شعباً رحالاً ولم يكونوا عرباً كما يفهم من معنى هذا اللفظ في القديم إذ كان معناها البدو أو سكان البادية وما قط كان العرب الرحالة كثار العدد ومن الغلط أن يقال أن القفر كان مادة حياة المدن القريبة منه في سكانه. وقد كان الأشراف في اليمن وهم الأذواء أي ذو يزن وذو رعين وغيرهما هم المحتكرون للتجارة والسواد الأعظم من الأهلين ينقسمون إلى قبائل يخضعون للأشراف ويعيشون بالزراعة وانتشرت الديانة اليهودية في اليمن إلا أنها كانت قليلة البقاء كما أنها لم تطل أيامها في جزيرة العرب وقد أسقط الحبشة دولة ذي نواس وتكلم المؤَلف عَلَى الأسرة والزواج والقبائل وشرح حالة جنوبي الجزيرة العربية من حيث زراعتها وتجارتها وآثارها وديانتها وقال أن أفكار البابليين قد انتشرت
стр. 3072
في العالم الشرقي كله وأن نهضة البلاد العربية لا تتم إلا بمد الخطوط الحديدية وإنشاء الكليات الإسلامية.
تاريخ الإسلام
نشر المسيو ليون كايتاني من أشراف إيطاليا والمشتغلين بالعلم فيها الجزء الثاني من هذا التاريخ الضخم بالإيطالية وهو يحتوي عَلَى تاريخ ١٢ سنة من الهجرة أي في أوائل الفتوحات الإسلامية ويقول من درسوا هذا التاريخ أنه من أكمل ما أُلف في تاريخ الإسلام حتى الآن.
الخطاطون والمصورون في الشرق الإسلامي
نشر المسيو كليمان هوار من علماء المشرقيات باللغة الإفرنسية كتاباً في هذا الموضوع ذكر فيه الخطوط العربية ومنشأها ونشوءَها وجعل الخطوط طبقات بحسب ترتيب سني الخطاطين فقال أن الأصل في الخط العربي الكوفي المأْخوذ من الخط السرياني والنبطي ثم قام ابن مقلة فأسس الخط الأول وجاءَ بعده ابن البواب وياقوت المستعصمي ثم قام الأساتذة السبعة في الخط في آسيا الصغرى سنة ١٥٢٠ ورأسهم الشيخ حمد الله بن مصطفى البخاري نديم السلطان بايزيد الثاني. أما تذهيب الكتب فغير معروف فإن قصر الأمويين المعروف بقصر عمرة الذي اكتشف حديثاً قد وجد فيه صور من أصل بزنطي مثل التي تزدان بها المخطوطات العربية القديمة.
كتاب بغداد
نشر الدكتور كللر من علماء المشرقيات السويسريين الجزء السادس من تاريخ بغداد لمؤَلفه أحمد بن أبي طاهر طيفور من أهل القرن الثالث للهجرة وهو في سيرة المأْمون بدأه بحوادث سنة ٢٠٤ وختمه بحوادث سنة ٢١٨ ففيه ذكر الوقائع الأخيرة من عهد هذا الخليفة الكبير وليس فيه شيءٌ زائد عما عرف من حال ذاك الدور السعيد عَلَى نحو ما ذكر في مطولات التاريخ ولكن فيه فوائد غيرها مثل ترجمة بعض رجال المأْمون ككاتبه أحمد بن يوسف ويقول ناشره ـ الذي استنسخه وطبعه على الحجر وقدم له مقدمة باللغة العربية تبين الغرض من نشره ـ أن ابن جرير أخذ عن ابن أبي طاهر ما يتعلق بتاريخ المأمون وفي ذلك نظر.
стр. 3073
تاريخ حكام مصر
نشر المستر كونيج من علماءِ المشرقيات الأميركيين تاريخ أبي عمر محمد بن يوسف الكندي وهو تاريخ القرون الثلاثة الأولى للهجرة ومرجع من أحسن المراجع في تاريخ الصدر الأول في وادي النيل لقرب مؤلفه من الوقائع.
تاريخ قضاة مصر
نشر المستر كوتهيل أستاذ اللغة العربية في جامعة كولمبيا الأميركية تاريخ قضاة مصر للكندي الذي اعتمد فيه عَلَى كتاب عبد الرحمن بن عبد الحكيم في كتابه فتوح مصر وأتمه أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن برد إلى سنة ٣٦٦ هـ وأوصله مؤَلف مجهول إلى سنة ٤٢٦.
ولاية بغداد
هو كتاب في ٣٣٨ صفحة طبعه بالعربية حبيب أفندي شيحة وفيه وصف هذه الولاية وماضيها وتاريخها ووصف سكة بغداد الحديدية وبحث في القبائل البادية بين النهرين.
ديوان السموأَل
نشره الأب لويس شيخو اليسوعي في بيروت وقد عثر عَلَى النسخة الأصلية منه الأب ألستاس الكرملي الحافي البغدادي عند أحد كتبية دمشق.
الفرْق بين الفرَق
هو كتاب لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي من أهل القرن الخامس طبعه وعلق حواشيه محمد بك بدر في مصر وفيه ذكر الفرق الثلاثة والسبعين الواردة في الحديث.
طبقات الصحابة
نشرا الجزء السادس من كتاب طبقات الصحابة لابن سعد المتوفى سنة ٣٢٠ هـ تحت نظارة المسيو شاشو وبناية الأستاذ زترستين من كلية أبسال وفي هذا الجزء تراجم دعاة الإسلام في الكوفة ومنهم أناس من الصحابة مثل ترجمة علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وسلمان الفارسي.
стр. 3074
مفيد الصم ومبيد النقم
نشر الأستاذ داود مهرمان هذا الكتاب لباج الدين السبكي من أهل القرن الثامن وصاحب جمع الجوامع وفي هذا الكتاب وصف المؤلف الحياة الاجتماعية في عصره فذكر الولاة والقضاة والقواد والمحتسبين والمربين والأساتذة والتجار والدراويش والصناع والأطباء والكحالين والحلاقين وغيرهم وهو في ٢٤٠ صفحة.
تجارب الأمم
هو تاريخ لابن مسكويه المتوفى سنة ١٠٣٠ م وهو التاريخ النفيس المنقح الذي فضله بعضهم على تاريخ الطبري بما فيه من صحة الأسانيد والنقد التاريخي نشر في لندن عَلَى نفقة أُسرة جيب الإنكليزية وقدم له الكنت ليون كايتاني المستشرق الإيطالي مقدمة.
تاريخ السلاجقة
هو تاريخ بالفارسية للوزير محمد الحسيني اليزدي من أهل القرن الثالث عشر للميلاد طبعه في مصر الدكتور كارل سوسهيم الألماني في ١٩٢ صفحة.
إغاثة اللهفان
هي رسالة في حكم طلاق الغضبان تأْليف شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية عني بتصحيحه الشيخ جمال الدين القاسمي ووقف عَلَى تصحيح طبعه حسين وصفي أفندي رضا طبع بمطبعة المنار بالقاهرة وهو في ٤٨ صفحة.
حياة اللغة العربية
هي مسامرة أو محاضرة للشيخ الخضر بن الحسن في تونس أتى فيها على أطوار هذه اللغة وأساليبها ومطابقتها مع المدنية واتحاد العامية بالفصحى طبعها في تونس في ٦٠ صفحة.
الشهاب في الحكم والآداب
تأْليف أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن حكمون القضاعي المتوفى سنة ٤٥٤هـ وهو حكم نبوية مختصرة طبع في بغداد.
وشاح الكاتب
стр. 3075
وزينة الجيش الغالب
هي رسالة في ملخص القوانين التي سنها الأمير عبد القادر الحسني الجزائري في ٣٣ صفحة طبعت بدمشق.
مرشد العائلات
إلى تربية البنين والبنات
وهو مختصر في التربية الجسمية منذ الحمل إلى سن الولادة تأْليف المرحوم حسن أفندي توفيق طبع في بيروت لإعانة دار العلوم.
تدبير صحة الأطفال
وهو كتاب في صحة الأولاد وما يعرض لهم وما ينبغي وقايتهم منه للدكتور أمين دمر طبع في الاسكندرية.
حالة اليمن
هي رسالة مطولة اسمها يمنه استجلاب نظر دقت كتبها بالتركية جمال الدين أفندي الخطيب ذكر فيها ما صارت إليه حالة اليمن من الانحطاط الإداري وطبعها في الأستانة.
عبرة وذكري
أو كلمة حول الشورى للدكتور أيوب ثابت ذكر فيها المذاهب السياسية وأنه لا دخل للأديان في ترقي نوع الإنسان طبعت في بيروت.
مجلات جديدة
المورد الصافي - كتاب لجرجس أفندي الخوري المقدسي يصدر في بيروت كل أربعة أشهر جزء منه في ١٠٤ صفحات يتضمن مختارات من الخطب والمقالات والأشعار والآراء العصرية في التربية والتهذيب.
الهداية - مجلة دينية علمية أدبية اجتماعية لمنشئها الشيخ عبد العزيز جاويش تصدر في مصر كل شهر في ٧٢ صفحة.
الزهور ـ مجلة أدبية فنية علمية لصاحبها أنطون أفندي الجميل تصدر في القاهرة في أول كل شهر في ٤٠ صفحة.
стр. 3076
الحقوق ـ مجلة حقوقية نصف شهرية لمنشئيها المحاميين سليم بك المعوشي وملحم بك خلف في لبنان وهي في ٣٢ صفحة.
الإنسانية - مجلة علمية أخلاقية اجتماعية انتقادية عمرانية لمنشئها الشيخ حسن الرزق تصدر نصف شهرية في حماة في ٣٢ صفحة.
كتب متفرقة
نشر المسيو كومب باللغة الإفرنسية تاريخ ديانة السين في بابل وآشور ذكر فيه الأنساب والأساطير واللاهوت والآثار والمصانع والعبادات والمعابد وتأْثير الأديان العيلامية والعربية والسورية وغير ذلك من الفوائد.
وكتب أيضاً كل من الكولونيل ألوت ولانوي وجنو يلاك كتابيين عَلَى الصومريين وهم سكان أسفل بلاد بين النهرين وكانوا في رأْي أحدهما قبل المسيح بثلاثة آلاف وخمسمائة سنة مستنداً في ذلك إلى ما عثر عليه من المواد الأثرية ولا سيما في تللو التي ملأَت آثارها متاحف العالم. ونشر أوجين أوبين كتاباً بالإفرنسية في فارس اليوم وما وراءَ النهرين ولا سيما الأماكن المقدسة في العراق وبحيرة أورورمية وبغداد وطريقها إلى همدان ونشر رايموند ويل كتاباً في جغرافية شبه جزيرة سينا وتاريخها. والمسيو أبيل كتاباً في وصف الشعب الإسلامي في تلمسان من أعمال الجزائر. ونشر إيبوليت دريفوس كتاباً في تاريخ البهائية وحالتهم الاجتماعية. ونشر رينه بنون كتاباً بالفرنسية في أوربا والمملكة العثمانية وفيه مستندات تاريخية وسياسية كثيرة.
стр. 3077
سير العلم والاجتماع
مدارس الفرص
من جملة التعليم الذي كثر بين الأمم الغربية بكثرة المواصلات أن بعض المدارس أو الجمعيات لا تحب أن تصرف التلاميذ إلى بيوت ذويهم في الصيف وتحص عَلَى تعليمهم وتنزيههم والسياحة في هذا الفصل فابن إنكلترا يطوف به أساتذته بعض بلاده أو يأْخذونه إلى فرنسا وإيطاليا وألمانيا واسبانيا وسويسرا وابن ألمانيا كذلك والسكك الحديدية في هذه الممالك تسقط من أجورها قسماً عظيماً لتلك المدارس والجمعيات حتى أن التلميذ لا يدفع عن ستة أسابيع سوى ليرتين إنكليزيتين وعن أربع أشهر أربع ليرات فرنسوية.
تطهير ماء الشرب
رأَى طبيبان إيطاليان أن أفضل الطرق لتطهير ماء الشرب من الجراثيم الضارة أن يجعل فيه محلول فلورور الفضة فلا تمضي نصف ساعة إلا وتهلك الجراثيم كلها ويمكن أن يعرض الماء بعد ذلك زمناً للهواء الطلق بدون أن يكون فيه أدنى خطر من جراثيم جديدة.
اللغات الحية
عقد في باريز هذه السنة المؤتمر الدولي للغات الحية فتباحث أساتذة البلاد المتمدنة في الطرق التي تمكن التلامذة من الاستعداد اللازم لهم في جهاد القرن العشرين فكانت النتيجة أن الواجب تعليم أساتذة المستقبل اللغات الحية تعليماً عالياً لتْرسخ فيهم رسوخ لغاتهم الأصلية فلا يكتفى بتلقينهم من اللغة الأجنبية نحوها وصرفها وشيءٌ من لهجتها والتكلم بها بل يعلمونها أرقى تعلم عام أدبي فلسفي. واتفقت الآراء عَلَى أن اللغات الحية إذا أريد إنزالها منازل التربية تعادل تربية اللغات القديمة فالواجبْ أن يكون بلغ أساتذتها الذين يعهد إليهم تعليمها درجة عالية توازي درجة علماء اللغات القديمة وأجمعوا على أن التعليم الثانوي يجب إصلاحه بحيث يتخرج منه أناس لا ملمون باللغات الأجنبية الحديثة فقط بل ممتازون بها امتيازاً يناسب روح العصر الحاضر ورأَوا أن إحكام اللغة وحده لا ينشأُ منه ما يقال له قيمة مربية ودرجة راقية في المدنية والآداب بل أن يشفعه درس أخلاق تلك الأمة التي يتعلم الطالب لغتها ويتشرب روح آدابها وتاريخها فإن الإطلاع عَلَى لغة حديثة ليس من الغايات بل من الوسائط فهو آلة من أثمن الآلات في جهاد الحياة فلا يكفي أن
стр. 3078
يتعلم المرءُ كلمات وجملاً وقواعد نحوية وصرفية بل أن يدخل في حياة الشعب الغريب عنه فبعد أن يدرس الطالب قوانين لغة أمة يحيط علماً بأخلاقها وتاريخها وآدابها وكيفية تصورها معنى الحياة وخير الذرائع لبلوغ هذا القصد الرحلة إلى البلاد التي يتعلم المرءُ لغتها فيها زمناً وهذا ما يجب أن يكون من دعائم التربية اليوم كما كان فتيان المتسلمين في رومية يسيحون في بلاد يونان في سالف الأزمان. واستحسن المتآمرون الإكثار من الإنفاق على المتعلمين ما يقوم برحلاتهم ودعوا البلديات والأسرات والجمعيات والحكومات والمحسنين إلى التنافس في هذا المضمار لأن مثل هذه الرحلات توسع الفكر وتشحذ النشاط وتنبه الشعور بالانتقاد وتقوي الوطنية بالمقابلة بين البلاد ومن أهم نتائج هذه التربية الحديثة تقريب ما بين قلوب الأمم المتمدنة.
وانعقدت في أكسفورد ببلاد الإنكليز جمعية اللغات الحديثة فقال الرئيس في خطاب له أن أغنية رولاند ونبلنجن ليد لا تقومان مقام أغاني هوميروس ولا دانتي يخلف فيرجيل مرشده وأستاذه ولا بسكال يضطرنا إلى نسيان أفلاطون ولا بوسويه ينسينا شيشرون ومعنى هذا أن من رأْيه أن التربية الأدبية الكاملة تتطلب دراسة كتب القدماء كما تتطلب درس آثار المحدثين وأفاض على هذا النحو متناولاً الموضوع الذي أجمع عليه مؤتمر باريز ورأَى أن تعليم اللغات كما هو شائع الآن في إنكلترا تعليماً سطحياً ويراد منه التفهم مع الأجانب اللا تجار هو ناقص الجهاز والأولى التعمق في الدراسة.
التربية في الهواء
أخذ علماءُ التربية منذ حين في ألمانيا وفرنسا يبحثون عن الطرق التي يعلمون بها التلامذة في الهواءِ الطلق ويخلصوهم من ازدحام الأنفاس في صفوف المدارس لما فيها من إضعاف أجسامهم وإنهاك صحتهم وذلك بدون أدنى نقص في تعليمهم وممن عني بهذا الموضوع الأستاذ فلات أحد مديري المدارس العالية في ألمانيا فكتب بعد التجارب العديدة في أبناء مدرسته أن تعليم التلاميذ في الهواءِ الطلق لا يناسب إلا الأولاد الذين تقدموا قليلاً في السن وفي هذه الحال يعلم التلامذة أصول الرياضة البدنية ولا يصعب تعليمهم خارج الصفوف دروس العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية والرياضيات وقد أَلف في هذا الموضوع كتاباً تداولته الألسن بالثناءِ.
стр. 3079
التلامذة والأساتذة
كتب أحد علماءِ الإفرنج بحثاً ضافياً أخذ فيه رأْي ٨٧ أستاذاً مع تلاميذهم عن المواد التي يختار التلامذة تعليمها فكانت النتيجة أن المواد التي يحبها التلامذة أكثر من غيرها ليست هي المواد التي يرتاح الأساتذة إلى تعليمها فالتلامذة يحبون الرياضيات البدنية والأعمال اليدوية ثم التصوير والتاريخ ويتأففون من التعليم الديني والإملاء والتاريخ الطبيعي. أما الأساتذة فأحب الدروس إلى قلوبهم التاريخ وليست للرياضة البدنية منزلة من قلوبهم.
تعليم التاريخ
كتب أحد الألمان العارفين مبحثاً في مجلة علمية قال فيها نشأ من تعليم التاريخ أن كثيراً من المعلومات التاريخية بناها المرءُ والضروري منها استظهاره مؤقتاً يساعد عَلَى تربية القلب والذكاءِ والإحساس الإنساني والوطني فيجب عَلَى معلم التاريخ أن يغفل من درسه مالا يضر جهله ويتوسع في المسائل المهمة فيعنى بما ينطبق عَلَى الحال الحاضر من مسائله وعن تعليل أسبابها وتكوينها وينظر نظراً بليغاً فيما تمس حاجتنا إليه في حياتنا ولا يكتفى بالمعرفة البسيطة الغير المعقولة من الماضي ويحب تنبيه الذهن وإعداده لإدراك العالم الحاضر السياسي والاجتماعي والديني وأحوال الرجال المعاصرين وأن تقوى الوطنية بدون أن تكون إلى العصبية الجاهلية ويقصد بالتاريخ تخريج رجال ووطنيين بإطلاعهم عَلَى ما وقع لمن قبلنا وما هو دائر الآن حوالينا. وهذا ما يقصد من روح التاريخ.
المدارس الألمانية في العالم
نشر أحد علماءِ الألمان كتاباً سماه المدارس الألمانية في الخارج جاء فيه أن لألمانيا في روسيا ٦٠ مدرسة فيها ١١٠٠ تلميذ وفي رومانيا ٣٠ مدرسة فيها ٤٢٠٠ وفي البلجيك ١٠ مدارس و١٩٠٠ تلميذ و٦ مدارس في البلاد العثمانية في أوربا فيها ١٨٥٠ تلميذاً و١٤ في إيطاليا تحتوي عَلَى ٨٨٠ تلميذاً ومدرسة واحدة في فرنسا (بباريز) فيها ١٥٠ تلميذاً و٢١ مدرسة في آسيا فيها ١٢٥٠ منها ٩ في أزمير وفلسطين فيها خمسمائة تلميذ و٤٦ مدرسة في إفريقية الجنوبية منها ١٥ في حكومة الرأس فيها ١١٠٠ تلميذ و١٦ في الناتال فيها ٤٠٠ و٣ في الترنسفال ولها ٣٠٠ تلميذ و٨٠ في أوستراليا تضم في حجرها ٢٥٠٠
стр. 3080
و٨٠٠ في برازيل تجمع ٢٦٠٠٠ تلميذ و٥٠٠ في ريو الكبرى لها ١٥٠٠٠ تلميذ و٦٠ في الجمهورية الفضية لها ٣٥٠٠ تلميذ و٣٦ في شيلي فيها ٢٨٠٠ تلميذ. أي ١٧٠٠ مدرسة فيها مالا يقل عن سبعين ألف تلميذ وتمنح الحكومة الألمانية لهذه المدارس ٨٥٠ ألف مارك في السنة هذا عدا الأساتذة والمعلمين الذين يدرسون في الولايات المتحدة وبذلك تتبين انتشار نفوذ ألمانيا عَلَى بلاد العالم ولا سيما عَلَى الممالك المحتاجة حتى الآن إلى التعلم.
جراثيم التعب
قامت منذ زهاءِ مائة ألف سنة فئة من أطباء الألمان والطليان والأميركان يقولون بوجود جراثيم في أحشاءِ الإنسان تأْتيه من ملامسة الأرض التي يعمل فيها فتحدث فيه الكسل والتعب ثم تنتهي بالموت. وآخر ما قرره أحد أطباء أميركا أن ظاهر أنثى هذه الجراثيم كذكرها أشبه بخيط مغموس بالوحل وهي تبيض حيثما نزلت ألوفاً من البيوض والأجنة التي تخرج منها وتنتشر في الخلايا. وطول الذكر من هذه الجراثيم سانتمتران يعلق بالأحشاء فيتناول أجزاءً صغيرة من الغشاء المخاطي وذلك بثقبها ثقوباً يمتص منها الدم وقد رأَى طبيب إنكليزي بمعاينة شخص مصاب بجراثيم التعب أن فيه ٢٥٠ جرثومة و٥٧٥ عضة ورأَى في آخر ٨٦٣ جرثومة و٢١٧ عضة ومعظم هذه الإصابات تكون من باطن القدم أولاً لأنه معرض للاحتكاك بالأرض التي تسكنها الجراثيم ويقدرون المصابين بهذا المرض بمليوني نسمة أكثرها في جنوبي أميركا.
درجات التغذية
ما من شيءٍ مهم في التغذية أكثر من التدقيق في معرفة ما يتركب منه طعامنا حيوانياً كان أو نباتياً أو معدنياً جامداً كان أو سائلاً فالأصل في طول حبل العمر متوقف عَلَى الإحاطة بذلك فقد قال أحد الأطباء أن الواجب عَلَى المرءِ قبل المباشرة في الأكل أن يعرف درجة التغذية فيما يتناوله والمقدار اللازم له منبها. وقال غيره أن من أوائل قواعد حفظ الصحة أن يعرف المرءُ النسبة بين التغذية والإنفاق عليها. ولكن هذه القواعد قلما يعمل بها بالفعل وكثير من الناس يجهلون كل الجهل ما يدخل في الطعام من درجات التغذية وقد نصح الدكتور فيشر من كلية يال في أميركا أن تعلق القائمة الآتية في المدارس وغرف الموائد
стр. 3081
لمعرفة درجات التغذية في كل طعام وها هي مرتبة بحسب مكانتها من التغذية:
الثمار والجوز والحبوب والعسل والزبدة.
البطاطا وغيرها من البقول التي تقشر.
السمن والملح القليل والقشطة واللبن والحليب والبيض وسكر القصب وشوكولاتو اللوز الهندي.
الجبن المطبوخ واللبن الرائب.
البقول التي تؤْكل بقشورها.
المعجنات.
الجبن المخمر وجبن روكفور وغيره.
التريد.
الحساء باللحم وخلاصة اللحم.
الشاي والقهوة.
اللحم والسمك والطيور.
الكبد.
التوابل ما عدا الملح.
الألكحول.
توراة الشيطان
قالت مجلة مطالعاتنا في البيوت ما تعريبه: من جملة التحف المحفوظة في خزانة الكتب الملكية في استوكهلم كتاب مخطوط أطلقوا عليه اسم توراة الشيطان كما يسمونه مارد الكتب لضخامة حجمه المتناهي ويبلغ طوله ٩٠ سنتمتراً وعرضه خمسون ولا يستطيع نقله سوى ثلاثة رجال وهو ذو ٣٠٩ صفحات ضاع منه سبع وقد كتبت كل صفحة عَلَى عمودين. وحسبوا ما وضع لهذا الكتاب من الورق فكان ١٦٠ حماراً وحروفه من نوع الكوتيك الصغير وأوائل الحروف الكبرى جعلت بالذهب الملون وزينت بالصور وجلده من البلوط الغليظ ثخانته أربعة سنتمترات ونصف وأقفاله من المعدن. ولما حرق القصر الملكي في استوكهلم سنة ١٦٩٧ أُصيبت هذه التوراة برضوض فطرحوها من النافذة إلى الشارع
стр. 3082
فتعطلت أقفالها ثم أُصلحت.
стр. 3083
خاتمة السنة الرابعة
نحمد الله عَلَى أن وفقنا إلى النجاة من مآزق السنة الماضية وأقلها مما يعوق عن التأْليف والطبع والنشر في بلاد أعمتها الجهالة والجهلاءُ وأفسدتها السياسة الخرقاءُ قروناً وأزماناً. فقد اضطررنا بعد نقل المقتبس من القاهرة إلى دمشق أن نعاني السياسة فأصدرنا جريدة يومية باسم المقتبس لتخدم الإصلاح الإداري الاقتصادي كل يوم كما يعالج شقيقها الأكبر الإصلاح العلمي والاجتماعي كل شهر وما أعظم ما قاسيناه من ممارسة أعداءِ الدولة والأمة فتربصوا بنا الدوائر وفي مقدمتهم صنيعة عبد الحميد المخلوع وموجد الجاسوسية في الأستانة ناظم باشا والي سورية السابق فقد شق عليه مطالبتنا بالإصلاح فقام ينصب لنا شراكاً يريد بها إهلاكنا فأنجانا الله منه ولكن بعد أن تحملنا في هذا السبيل وقتاً ومالاً واضطرت هذه المجلة إلى الاحتجاب عن قرائها زمناً ولذلك فإنا نحسب السنة الماضية من أشقى أيام العمر إذا لم نقم فيها بالواجب نحو المشركين بإصدار المجلة في أوقاتها عَلَى الصورة المقبولة التي كانت تظهر بها في سنيها الثلاث الأولى واضطررنا باديءَ بدءٍ إلى رفض الورق الذي أوصينا عليه من معامل النمسا بداعي مقاطعة البضائع بين البلاد العثمانية والنمساوية ولما لم نجد الورق اللازم للمجلة في بيروت ولا في دمشق اضطررنا إلى الطبع عَلَى ورق الكتابة عَلَى نحو ما تراه في الأجزاء الثلاثة الأولى من هذه السنة ثم توقعنا انتظام المطبعة التي أسسناها فما كاد يتعلم عملتها ويستعد القائمون بها حتى أُغلقت ظلماً نحو أربعة أشهر. وها نحن اليوم نصدر آخر جزء من سنة ١٣٢٧ أي جزء شهر ذي الحجة في جمادى الثانية من سنة ١٣٢٨ والمأْمول أن نوفق بعد ثلاثة أشهر إلى إصدار كل جزءٍ في شهره خصوصاً وقد تفرغنا أكثر من قبل للتأليف والترجمة في الموضوعات التي نتابع البحث فيها.
ولقد توفرت لنا المواد خلال رحلتنا إلى أوربا وصارت للمقتبس علائق واسعة مع الأندية العلمية في ديار الغرب يتناول مدة الشهر من مطبوعاتها أشياءَ كثيرة وسيتوفر بحول الله عَلَى نقل كل ما يهم هذا الشرق العربي منها ومن المجلات الفرنسوية التي ننقل عنها بعد الآن مجلة العالمين والمجلة الآسياوية ومجلة العالم الإسلامي ومجلة الاقتصاديين ومجلة الطبيعة والمجلة الزرقاء والمجلة الوردية ومجلة انتربية ومجلة المجلات ومجلة العلم الاجتماعي ومجلة مطالعاتنا في البيوت والمجلة التونسية إلى غير ذلك من المجلات التي قد
стр. 3084
نطلع عليها ولكن عَلَى طريقة غير منظمة دع عنك المجلات التركية والعربية. وسيكون في السنة المقبلة حظ واسع لتلخيص المؤلفات الإفرنجية الحديثة في هذه المجلة والتوسع في الأبحاث التي تؤول إلى ترقية اللغة العربية وآدابها واجتماع العرب وعلومهم مع تطبيقاتها عَلَى حالة الغرب اليوم فنمزج المدنية العربية بالمدنية الغربية لتكون لنا منها مدنية تأْخذ من كل شيءٍ أحسنه ونسأَله تعالى أن يسددنا ويلهمنا رشدنا ويثبت أقدامنا في خطتنا ويقلل خطأَنا وخطيئاتنا إنه أكرم مسؤول.
стр. 3085
العدد ٤٨ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٠
следующие страницы →