← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

لمعرفة درجات التغذية في كل طعام وها هي مرتبة بحسب مكانتها من التغذية: الثمار والجوز والحبوب والعسل والزبدة. البطاطا وغيرها من البقول التي تقشر. السمن والملح القليل والقشطة واللبن والحليب والبيض وسكر القصب وشوكولاتو اللوز الهندي. الجبن المطبوخ واللبن الرائب. البقول التي تؤْكل بقشورها. المعجنات. الجبن المخمر وجبن روكفور وغيره. التريد. الحساء باللحم وخلاصة اللحم. الشاي والقهوة. اللحم والسمك والطيور. الكبد. التوابل ما عدا الملح. الألكحول. توراة الشيطان قالت مجلة مطالعاتنا في البيوت ما تعريبه: من جملة التحف المحفوظة في خزانة الكتب الملكية في استوكهلم كتاب مخطوط أطلقوا عليه اسم توراة الشيطان كما يسمونه مارد الكتب لضخامة حجمه المتناهي ويبلغ طوله ٩٠ سنتمتراً وعرضه خمسون ولا يستطيع نقله سوى ثلاثة رجال وهو ذو ٣٠٩ صفحات ضاع منه سبع وقد كتبت كل صفحة عَلَى عمودين. وحسبوا ما وضع لهذا الكتاب من الورق فكان ١٦٠ حماراً وحروفه من نوع الكوتيك الصغير وأوائل الحروف الكبرى جعلت بالذهب الملون وزينت بالصور وجلده من البلوط الغليظ ثخانته أربعة سنتمترات ونصف وأقفاله من المعدن. ولما حرق القصر الملكي في استوكهلم سنة ١٦٩٧ أُصيبت هذه التوراة برضوض فطرحوها من النافذة إلى الشارع

стр. 3082

فتعطلت أقفالها ثم أُصلحت.

стр. 3083

خاتمة السنة الرابعة نحمد الله عَلَى أن وفقنا إلى النجاة من مآزق السنة الماضية وأقلها مما يعوق عن التأْليف والطبع والنشر في بلاد أعمتها الجهالة والجهلاءُ وأفسدتها السياسة الخرقاءُ قروناً وأزماناً. فقد اضطررنا بعد نقل المقتبس من القاهرة إلى دمشق أن نعاني السياسة فأصدرنا جريدة يومية باسم المقتبس لتخدم الإصلاح الإداري الاقتصادي كل يوم كما يعالج شقيقها الأكبر الإصلاح العلمي والاجتماعي كل شهر وما أعظم ما قاسيناه من ممارسة أعداءِ الدولة والأمة فتربصوا بنا الدوائر وفي مقدمتهم صنيعة عبد الحميد المخلوع وموجد الجاسوسية في الأستانة ناظم باشا والي سورية السابق فقد شق عليه مطالبتنا بالإصلاح فقام ينصب لنا شراكاً يريد بها إهلاكنا فأنجانا الله منه ولكن بعد أن تحملنا في هذا السبيل وقتاً ومالاً واضطرت هذه المجلة إلى الاحتجاب عن قرائها زمناً ولذلك فإنا نحسب السنة الماضية من أشقى أيام العمر إذا لم نقم فيها بالواجب نحو المشركين بإصدار المجلة في أوقاتها عَلَى الصورة المقبولة التي كانت تظهر بها في سنيها الثلاث الأولى واضطررنا باديءَ بدءٍ إلى رفض الورق الذي أوصينا عليه من معامل النمسا بداعي مقاطعة البضائع بين البلاد العثمانية والنمساوية ولما لم نجد الورق اللازم للمجلة في بيروت ولا في دمشق اضطررنا إلى الطبع عَلَى ورق الكتابة عَلَى نحو ما تراه في الأجزاء الثلاثة الأولى من هذه السنة ثم توقعنا انتظام المطبعة التي أسسناها فما كاد يتعلم عملتها ويستعد القائمون بها حتى أُغلقت ظلماً نحو أربعة أشهر. وها نحن اليوم نصدر آخر جزء من سنة ١٣٢٧ أي جزء شهر ذي الحجة في جمادى الثانية من سنة ١٣٢٨ والمأْمول أن نوفق بعد ثلاثة أشهر إلى إصدار كل جزءٍ في شهره خصوصاً وقد تفرغنا أكثر من قبل للتأليف والترجمة في الموضوعات التي نتابع البحث فيها. ولقد توفرت لنا المواد خلال رحلتنا إلى أوربا وصارت للمقتبس علائق واسعة مع الأندية العلمية في ديار الغرب يتناول مدة الشهر من مطبوعاتها أشياءَ كثيرة وسيتوفر بحول الله عَلَى نقل كل ما يهم هذا الشرق العربي منها ومن المجلات الفرنسوية التي ننقل عنها بعد الآن مجلة العالمين والمجلة الآسياوية ومجلة العالم الإسلامي ومجلة الاقتصاديين ومجلة الطبيعة والمجلة الزرقاء والمجلة الوردية ومجلة انتربية ومجلة المجلات ومجلة العلم الاجتماعي ومجلة مطالعاتنا في البيوت والمجلة التونسية إلى غير ذلك من المجلات التي قد

стр. 3084

نطلع عليها ولكن عَلَى طريقة غير منظمة دع عنك المجلات التركية والعربية. وسيكون في السنة المقبلة حظ واسع لتلخيص المؤلفات الإفرنجية الحديثة في هذه المجلة والتوسع في الأبحاث التي تؤول إلى ترقية اللغة العربية وآدابها واجتماع العرب وعلومهم مع تطبيقاتها عَلَى حالة الغرب اليوم فنمزج المدنية العربية بالمدنية الغربية لتكون لنا منها مدنية تأْخذ من كل شيءٍ أحسنه ونسأَله تعالى أن يسددنا ويلهمنا رشدنا ويثبت أقدامنا في خطتنا ويقلل خطأَنا وخطيئاتنا إنه أكرم مسؤول.

стр. 3085

العدد ٤٨ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٠

стр. 3086

سعة التأليف في الإسلام من جملة مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق كتابان عظيمان تعددت مجلداتهما فدلا على اتساع نطاق التأليف في الإسلام أيام كان علماؤُه منصرفين إلى العلم والعمل يصرفون أثمن أوقاتهم في خدمة الأمة وهما كتاب الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري لجامعه الإمام أبي الحسن علي بن عروة الحنبلي من أهل القرن التاسع وكتاب تاريخ دمشق الكبير لواضعه الحافظ أبي القاسم ابن عساكر من أهل القرن السادس. هذان السفران الجليلان آيتان ناطقتان على طول نفس أجدادنا وشدة وثاقنا وجهالتنا فقد وجد من الأول مجلدات كثيرة ضخمة لا تقل عن ثمانين مجلداً متفرقة ومما وجد منها المجلد الثاني والعشرون بعد المئة بحيث لايظن أن الكتاب بلغ أقل من مئة وخمسين مجلداً في التفسير والحديث والأصول والفقه الحنبلي وتراجم الحنابلة ومباحث في الفلسفة والكلام والتاريخ والأدب فهو دائرة معارف إسلامية حقيقية ضمت بين جوانحها أشهر كتابات علماء الحنابلة وكبار مجتهدي الأمة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن رجب وغيرهم من الأعلام. وأما تاريخ دمشق فمنه الآن نسختان نسخة في عشرين مجلداً ونسخة وقعت في عشرة مجلدات ضخمة وهي تامة وكان كتب في ثمانين مجلداً. ولقد جرى ذكره بين حافظ مصر في عهده زكي الدين المنذري وطال الحديث في أمره واستعظامه فقال حافظ مصر: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه وشرع في الجمع من ذلك الوقت وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه. قال ابن خلكان: ولقد قال الحق ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضيع مثله وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها وله غيره تواليف حسنة. وبعد فإن الخالق تعالى وضع في أفراد من كل أمة خاصيات وملكات قلما يشاركهم فيها كثيرون وآتاهم هبات يستخدمونها في نفع البشر ونفوساً لا تعرف الملل لدرك مقاصدهم

стр. 3087

الشريفة. وكلما ارتقت الحضارة في شعب ينبع فيه رجال يصرفون على الإفادة والاستفادة نقد أعمارهم ويتمحصون لإحسان الخدمة حتى لا يكادون يرون السعادة والملاذ والخير وكل ما تطمح إليه نفوس بني الإنسان من المعالي رإلا فيما هم بسبيله. ومن أنعم النظر في تراجم نوابغ العلماء ودرس حياتهم حق دراستها لا يلبث أن يزول عجبه إذا شاهد كيف كانوا يستغرقون في أعمالهم ويتفانون فيما أخذوا به نفوسهم فيزهدون في المال والبنين ويفطمون أنفسهم عن حب المناصب والمراتب والزخارف والسفاسف. كنا ذات يوم نذكر لأحد أصدقائنا من الأطباء الذين صرفوا شطراً من حياتهم في الغرب اتساع التأليف في هذه الأمة قديماً فقال أما ما يبلغكم عن أكثر المؤلفين في الغرب اليوم من كثرة المصنفات فليس لأكثرهم منه إلا النظر القليل يكتبه لهم أذكياء المتخرجين بهم بعد أن يكونوا ثقفوا عنهم بعض ماله علاقة في الموضوع الذي ألفوا فيه حتى إذا أتوا على آخره يدفعونه إلى أساتذتهم فيجيلون فيه أنظارهم ويمثلونه للطبع مفتتحاً بأسمائهم والمصنف منهم من يذكر أن تلميذه فلان أعانه في التأليف وبعضهم يضنون بمثل هذه الإشارة. ولما أوردنا أسماء كثير ممن اشتهروا في الإسلام وألفوا التواليف الممتعة الضخمة وعنوا وحدهم في الأكثر بجمعها وتنسيقها وتصنيفها وتبييضها وتسويدها وإن ما أثر عنهم كان مردوداً لو لم يرد على لسان أهل العدل والصدق من المؤرخين وعلماء التراجم وبعضهم قد يكذبون من أضدادهم وحاسيدهم - عند ذلك اقتنع صاحبنا بصحة رأينا وقال أن حال الإفرنج اليوم يخالف حال سلفنا فإن الإفرنجي مهما بلغ من حبه الحكمة وتفانيه في خدمة المعارف يقتطع له أوقاتاً لراحته وإدخال الفرح على قلبه لينشط إلى متابعة السير في عمله أما الشرقي فإنه يفرط فيما تمحض له فحاله إما تعب ليس وراءه غاية أو راحة ما بعد ورائها وراءٌ. افتح أي كتاب من كتب التراجم ولاسيما تراجم أهل القرون الستة الأولى للإسلام تسقط على مبلغ عناية رجالنا بالتأليف وتوفرهم على النفع وقد يظن أن معظم ما خلفوه من كتبهم هو ديني محض ولا أثر لهم في العلوم الدنيوية ولكن هذا الظن لا يغني من الحق شيئاً لأن جماهير المؤلفين المجيدين لم يكونوا متمكنين من علوم الدين بإغفال علوم الدنيا بل إنهم كانوا يعتقدون بأن العلوم بأسرها نافعة في الدارين وما نفع في هذه الأولى كان خليقاً بأن

стр. 3088

ينفع في الأخرى. هذا أبو محمد حزم الظاهري وأهل الظاهر نفاة القياس والتعليل وهو معدود في الطبقة الأولى بين علماء الدين ومع هذا تجد له تآليف ممتعة فيما نعتبره من علوم الدنيا فقد ذكر غير واحد من علماء الأندلس أن تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المخالفين نحو من أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيءٌ ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر الطبري فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفاً فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة وهو الذي وصل به تاريخ أبي جعفر الطبري الكبير أن قوماً من تلاميذ أبي جعفر لخصوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي في سنة ٣١٠ وهو ابن ست وثمانين سنة ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة ومن جملة تآليفه التفسير الكبير والتاريخ الذي هو أصح التواريخ وأثبتها وكلاهما مطبوع متداول وهو الذي قال لتلاميذه: هل لكم إن أملي عليكم كتاباً في التاريخ قالوا وكم يكون حجمه فقال ثلاثون ألف ورقة فاستعظموا ذلك وأرادوه على الاختصار حتى أملاه عليهم في ثلاثة آلاف ورقة فجاء كما رأيناه اليوم أحد عشر مجلداً ضخماً أعلاه بهذا القدر وهو يحوقل ويقول ماتت الهمم لأن تلاميذه لم يوافقوه على جعل تاريخه في ثلاثين ألف ورقة فماذا كان يقول لو جاء في هذا العصر ورأى انحطاط علوم الدين وعلوم الدنيا بين قومه. وابن جرير في إجادته في التأليف وإكثاره منه مشهور كسائر من تقدمه ومن تأخر عليه من المصنفين مثل ابن تيمية من أهل القرن الثامن فقد قال فيه أحد واصفيه أن له من المؤلفات والقواعد والفتاوى والأجوبة والرسائل والتعاليق مالا ينحصر ولا ينضبط ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع ولا صنف نحو ما صنف ولا قريباً من ذلك مع أن تصانيف كان يكتبها من حفظه وكتب كثيراً منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه ويراجعه من الكتب. وقال غيره كان الإمام يكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة الأوائل نحواً من أربعة كراريس أو أزيد وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد وله في غير مسألة مصنف مفرد في

стр. 3089

مجلد وجمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مدة مقامه بها سبع سنين في علوم شتى فجاءت نحو ثلاثين مجلداً وقيل إن تآليفه تبلغ ثلاثمائة مجلد. ومثله أبو الفرج ابن الجوزي الواعظ من علماء القرن السادس صنف في فنون عديدة وكتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئاً كثيراً والناس يغالون في ذلك حتى يقولون أنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس وهذا شيءٌ عظيم لا يكاد يقبله العقل ويقال أنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث الرسول فحصل منها شيءٌ كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها. ومن المكثرين من التأليف ابن الهيثم الرياضي الطبيعي فقد عدد ابن أبي أُصيبعة مصنفاته في زهاء أربع صفحات هذا عدا ما ضاعت دساتيره منه لما فارق البصرة والأهواز وانتقل إلى مصر قال: وما أظنها تنقص عن مئة مجلد. ومثله الفارابي أحد \ فلاسفة الإسلام كان مكثراً من التأليف وقد أضاع أكثرها لأنه كان يكتب في رقاع كيفما اتفق ويختار الفلاة ومجاري الأنهار للتأليف فتطير الأوراق التي يكتبها. ومثلهما أبو الريحان البيروني قال ياقوت: كان لغوياً أديباً له في الرياضيات والنجوم اليد الطولى ولما صنف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيه فضة فرده للاستغناء عنه وكان مكباً على تحصيل العلوم منصباً على التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر دخل عليه بعض أصحابه وهو يجود بنفسه فقال له في تلك الحال كيف قلت لي يوماً حساب الجدات الفاسدة فقال: أفي هذه الحال قال: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بها أليس خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها قال: فذكرتها له وخرجت فسمعت الصريخ عليه وأنا في الطريق. قال ياقوت: وأما تصانيفه في النجوم والهيئة والمنطق والحكمة فإنها تفوت الحصر ورأيت فهرستها في وقف الجامع بمرو في ستين ورقة. وقال بعض مترجميه: إن كتبه زادت على حمل بعير. والبيروني أحد كبار فلاسفة العرب يجيءُ في طبقة ابن سينا وابن رشد وابن زهر والفارابي ومثلهم الكندي فيلسوف العرب وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقي والموسيقى والنجوم وغير ذلك وقد عدد أسماءَها ابن

стр. 3090

النديم في ست صفحات. ومثله أبو بكر بن زكريا الرازي صاحب المصنفات الممتعة في الطب والعلوم العقلية والأدب وهو الذي استنار الغربيون لأول نهضتهم بمصنفاته وأول ما طبع عندهم من تأليف العرب كتبه ذكر أسماءها ابن أبي أُصيبعة في نحو سبع صفحات وابن النديم في ثلاث. ومن المكثرين من التأليف في عهد الحضارة الإسلامية حنين بن اسحق وثابت بن قره ويعقوب بن اسحق الكندي وقد ساق ابن أبي أُصيبعة تآليف آخرهم في خمس صفحات وكلها كتآليف حنين وثابت فلسفية علمية وهم أئمة النقل من اليونانية إلى العربية. ومن المكثرين من التأليف المجودين فيها حجة الإسلام الغزالي والماوردي وعمرو بن بحر الجاحظ وجار الله الزمخشري وهذان الأخيران من أئمة المعتزلة قيل في الأول أن تأليفه تعلم العقل وفي الثاني أن تآليفه يكتفى بها في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان والأدب. ومن المكثرين المجودين من أئمة المعتزلة القاضي عبد الجبار قيل أن تآليفه التي وضعها في كل فن أربعمائة ألف ورقة ومن أئمة المعتزلة كثيرون من جاوزت مؤلفاتهم المئة والخمسين ألف ورقة. ومن المؤلفين الأول المكثرين من التأليف هشام الكلبي العالم بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها المتوفى سنة ٢٠٦ ذكر كتبه ابن النديم في نحو ثلاث صفحات وهي تزيد على مئة وخمسين ومنهم المدائني المتوفى سنة ٢١٥ في نحو أربع صفحات ومنهم المرزباني من أهل القرن الرابع قال إن تآليفه بلغة ألوفاً من الأوراق ومن الفقهاء والحفاظ المكثرين من التأليف محمد بن إدريس الشافعي وداود بن خلف الأصفهاني وأبو العباس بن سريح المعروف بالباز الأشهب من أئمة الشافعية كانت فهرست كتبه تشتمل على أربعمائة مصنف وقيل أن تصانيف الحافظ أبي بكر ابن البيهقي تبلغ ألف جزء ولأبي بكر ابن الخطيب صاحب تاريخ بغداد المتوفى سنة ٤٦٣ قريب من مئة مصنف وللنسفي من كتب الأصول والفقه والحديث والأدب والتاريخ متا يقرب من مئة مصنف وكان ابن سبعين ممن صنف تصانيف كثيرة وللأشعري خمسة وخمسون تصنيفاً. وكان أبو حاتم البستي من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ قال ياقوت وكانت الرحلة بخرسان إلى مصنفاته وروى عن ابن ثابت أن من الكتب التي تكثر منافعها إن

стр. 3091

كانت على قدر ما ترجمها واصفها مصنفات أبي حاتم محمد بن حيان البستي التي ذكرها لي مسعود بن ناصر الشجري ووقفني على تذكرة بأسمائها ولم يقدر لي الوصول إلى النظر فيها لأنها غير موجودة بيننا ولا معرفة عندنا وأنا أذكر منها ما استحسنت سوى ما عدلت عنه وأطرحته وهنا عدها فجاءت زهاء مائتين وخمسين جزءاً وبلغت مصنفات أبي بكر بن فورك المتكلم الأصولي النحوي الواعظ قريباً من مائة مصنف. ولفظة المتكلم تطلق على من يعرف علم الكلام وهو أصول الدين وإنما له علم الكلام لأن أول خلاف وقع في الدين كان في كلام الله أمخلوق هو أم غير مخلوق فتكلم العباس فيه فسمي هذا النوع من العلم كلاماً اختص به وإن كانت العلوم جميعها تنشر بالكلام أهـ ولأبي الحسين الرواندي صاحب المقالة المشهورة في علم الكلام وهو الذي ينسب إليه اليوم ظلماً كل كلام فيه سفسطة ومغالطة وكفر من التآليف نحو مائة وأربعة عشر كتاباً مع أنه لم يتجاوز الأربعين من عمره. ولرأس المتصوفة محيي الدين بن عربي تآليف كثيرة ومنها الممتع ذكر في إجازة كتبها للملك المعظم أنه أجازه أن يروي عدد مصنفاته ومن جملتها كذا وكذا حتى عد نيفاً وأربعمائة مصنف وألف رسالة عدد فيها كتبه كما جرت عادة بعض المؤلفين أن يترجموا أنفسهم ويذكروا مؤلفاتهم في رسائل خاصة مخافة أن يدس عليهم بعضهم ما لا يروقهم ويقول فيهم ما ليس فيهم. وابن سعيد الأندلسي المؤرخ من المكثرين من التأليف منها المرقصات والمطربات والمقتطف من أزاهر الطرف والطالع السعيد في تاريخ بني سعيد والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار وهما المغرب في حلي المغرب والمشرق في حلي المشرق وغير ذلك قال لسان الدين حدثني الوزير أبو بكر بن الحكيم أنه خلف كتاباً يسمى المرزمة يشتمل على وقر بعير من رزع الكراريس لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلا الله تعالى. ومن المكثرين من التأليف لسان الدين بن الخطيب وأبو العلاء المعري ولهذا كتاب سماه الأيك والغصون وهو المعروف بالهمزة والردف يقارب المئة جزء في الأدب قال ابن خلكان: وحكى لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال إذا علم ما كان يعوزه بعد هذا المجلد. ومن المكثرين القاضي الفاضل قال ابن خلكان: أخبرني

стр. 3092

أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وكان الحاجب المنصور أبو بكر بن عبد الله بن مسلمة المدعو بالأفطس أديباً جليلاً ومن تآليفه الكتاب المظفري المسمى بالتذكرة في خمسين مجلداً. وكتب عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف نحو مئة وخمسين كتاباً وذلك في سياحات له طويلة دامت نحو أربعين سنة ساحها بين العراق والشام ومصر والروم. ومن المكثرين من التأليف والمتوسعين فيه أحمد بن أبان بن السيد اللغوي الأندلسي يعرف بصاحب الشرطة وهو مصنف كتاب العالم في اللغة نحو مئة مجلد مرتب على الأجناس بدأ بالفلك وختم بالذرة وله في ؤالعربية واللغة كتب أخرى. ومثله ابن سيدة الضرير صاحب المخصص والمحكم وغيره وهو من المكثرين من التأليف والحفظ ومن المكثرين أبو اسحق إبراهيم بن الأعلم البطليوسي له نحو خمسين تأليفاً. وبلغت تآليف محمد أبي طالب القرطبي المتوفى سنة ٤٣٧ ـ ٧٧ تأليفاً وألف عيسى بن عمر النحوي نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو قال سيبويه جمعها بعض أهل اليسار وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق في الوجود سوى كتابين ولو تنافس أهل العلم وغلاة الكتب بمثل هذه الكتب لتعاورتها الأيدي بالنسخ ولما فقدت. ومن المكثرين من التأليف عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب السلمي المتوفى سنة ٢٣٨ قال المقري رأيت في بعض التواريخ أن تواليفه بلغت ألفاً ومن أشهرها كتاب الواضحة في مذهب مالك. ولأبي عمرو الداني القرطبي من علماء القرآن مئة وعشرون مصنفاً وكان يقول ما رأيت شيئاً قط إلا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته وآخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس أبو الحسن القلصادي المتوفى سنة ٨٩١ وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض. وممن عرفوا بسعة التأليف أحمد بن أبي عبد الله على مذهب الإمامية فإن ما كتبه بلغ مائة تصنيف عددها ياقوت في معجم الأدباء ومن فقهاء الإمامية أبو النصر العياشي ذكر ابن النديم أسماء كتبه في نحو صفحتين. ويقال أن تواليف أبي جعفر بن النحاس تزيد على خمسين منها شرح عشرة دواوين للعرب

стр. 3093

وذكروا أن محمد بن جماعة من أهل القرن الثامن كان أعجوبة زمانه في العلم وليس له في التأليف والتأليفين والثلاثة التي جاوزت الألف فإن له على كتاب أقرأه التأليف والتأليفين والثلاثة وأكثرها من شرح مطول ومتوسط ومختصر وحواش ونكت إلى غير ذلك وكان يعرف علوماً عديدة منها الفقه والتفسير والحديث والأصلان والجدل والخلاف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والهيئة والحكمة والزيج والطب والفروسية والرمح والنشاب والدبوس والثقاف والرمل وصناعة النفط والكيمياء وفنون أخر وعنه أنه قال: أعرف ثلاثين علماً لا يعرف أهل عصري أسماءها. ومن الذين أكثروا من التأليف أحمد بن مكتوم من أهل القرن الثامن وعبد الرحمن الأنباري من أهل القرن السادس وعيسى الإسكندراني من أهل القرن السادس وتقي الدين السبكي من أهل القرن الثامن وله مئة وخمسون تصنيفاً والجلال السيوطي من أهل القرن العاشر أطلعنا على فهرست كتبه في سبع ورقات وربما لا تقل عن أربعمائة مجلد وفيها الجيد. وأعجوبة المؤلفين أبو موسى جابر بن حيان قال: ألفت ثلاثمائة كتاب في الفلسفة وألفاً وثلاثمائة كتاب في الحيل على مثال كتاب تقاطر (؟) وألفاً وثلاثمائة رسالة في صنائع مجموعة وآلات الحرب ثم ألفت في الطب كتاباً عظيماً وألفت كتباً صغاراً وكباراً وألفت في الطب نحو خمسمائة كتاب إلى أن قال: ثم ألفت كتباً في الزهد والمواعظ وألفت كتباً في العزائم كثيرة حسنة وألفت كتباً في النيرنجيات وألفت في الأشياء التي يعمل بخواصها كتباً كثيرة ثم ألفت بعد ذلك خمسمائة كتاب نقداً على الفلاسفة ثم ألفت كتاباً في الصنعة (الكيمياء) يعرف بكتب الملك وكتاباً يعرف بالرياض. وماذا عسانا أن ندون هنا ونقتبس من كلام المؤرخين في المكثرين من المؤلفين العارفين ولو أردنا أن نذكر فقط من لهم منهم إلى عشرة كتب لاستغرق الكلام مجلد هذه السنة برأسه. وإنا ليحزننا بوم نذكر أن كل واحد ممن ذكرنا خلف للأمة خزانة كتب من مصنفاته ونلتفت الآن عن إيماننا وعن شمائلنا فلا نرى المؤلفين في الأقطار العربية يعدون على الأصابع والمكثر منهم من لا تتجاوز مصنفاته العشرة.

стр. 3094

نشوء اللغات الإسلامية قضي على اللغات في كل عصر ومصر أن تقتبس بعضها من بعض ما يعوزها من الألفاظ لتعبر بها عن الإكثار الحديثة والعربية والفارسية والتركية لم تخلص من هذا القانون. فاقتبست أولاً من اللغات السامية ومن اليونانية ثم من أهم لغات أوروبا الحديثة ولاسيما من الفرنسوية كما اقتبست كمية وافرة من الألفاظ للإفصاح عن الأفكار التي ليس في معجمها ما يدل عليها ثم هجمت تلك الألفاظ الأعجمية هجوماً كثيراً كادت تأتي معه على مفردات تلك اللغات نفسها فقامت تريد الرجوع إلى أصولها وهبّ القوم ينبذون من اللغات الإسلامية الثلاث تعابير رأوها وحشية ويستعيضون عنها بألفاظ يشتقونها من المادة الأصلية في العربية والفارسية والتركية أو بألفاظ موجودة ولكنها أُطلقت على معاني جديدة. ومن الضروري أن لا يفوتنا النظر بأن أصحاب هذه اللغات اليوم يريدون الرجوع بلغاتهم إلى أصولها الصحيحة ويطرحون الألفاظ التي ليست لهم مدفوعين إلى ذلك بتأثيرات الدعوة إلى الوطنية في البلاد الإسلامية. وهذه الحركة في الرجوع بهذه اللغات إلى أصولها لا ترمي إلى نبذ الألفاظ الإفرنجية فقط بل إلى أن القوم في فارس يطمحون إلى حذف التعابير العربية وفي البلاد العثمانية كما هو سائر البلاد التركية يحاولون طرح الألفاظ العربية والفارسية. ويبحث الأدباء من أهل هاتين اللغتين فيما لديهم من الألفاظ الإيرانية والتترية عن الألفاظ التي كان من تأثيرات الفاتحين أو من رغبة المغلوبين في إظهار معرفتهم بلغة غالبيهم إن زهد فيها واستعملت ألفاظ أقل منها انطباقاً مع الروح التركية والفارسية وإن كثر استعمالها وعدت أو كادت من مادة اللغة الأصلية. جرت اللغات الإسلامية كاللغات الأجنبية في اقتباسها على طريقتين علمية وعامية فالعامة يقتبسون على أيسر وجه من الألفاظ ما يتكرر على مسامعهم دائماً أو ما يفصح عن أفكار لا مقابل لها في لغتهم الأصلية ولقد عرفت منذ القديم القوانين التي تجري عليها في الاقتباس فالأسماء تنتقل من لغة إلى أخرى بأعظم ما يكون من السرعة وأقل من ذلك انتقال الصفات وفي النادر اقتباس الظروف ويشذُّ أو لا يكاد يكون أثر لاقتباس الأفعال. ومن اللغات ما إذا نظر فيه إلى المفردات يمكن وصفه باللغات المختلطة وهي تتألف في البلاد التي عرفت بتجارة المقايضة ولا سيما في الموانئ البحرية مثل لغة البيجيين في الشرق الأقصى وهي مزيج من اللغة الإنكليزية والصينية ولغة السابير مؤلفة من العربية والافرنسية والإسبانية

стр. 3095

والإيطالية أو اللغة الإفرنجية وهي مجموعة من كلمات مقتبسة من جميع لهجات البحر المتوسط من البلاد التي تمتد من سورية إلى مراكش ولا بأس باعتبار اللغة المالطية من هذا الضرب من اللغات وإن أصبح لها صحافة وآداب منذ عهد ليس ببعيد ولكنها لم تعد تحسب لهجة عربية تكون صلة بين لغة مصر والمغرب جامعة إلى نحوها الذي هو كنحو اللغات السامية مفردات إيطالية وبعبارة أصح صقلية في الأكثر وكتابتها لاتينية. وما عدا هذه اللغات المشتركة البحرية التجارية خصوصاً فقد تألفت في البلاد الإسلامية التي استولى عليها الأوروبيون لهجة عامية دخلتها ألفاظ من لغات الفاتحين واصطلاحات دواوين الحكومة وأرباب الصناعات وهكذا نجد قرارات الحكومة الفرنسوية في الجزائر كانت تكتب زمناً بلهجة محرفة ممزوجة بكلمات فرنسوية نقلها المترجمون بجهل منهم أو كسل فيهم على حالها ولم يعنوا بترجمتها ونرى جند الرماة والمشاة هناك يستعملون لغة هي أحرى بها أن تكون مما تواطأوا عليه بينهم وهي خليط من التعابير الفرنسوية المحرفة كثيراً بحيث يصعب الاهتداء إلى معرفتها غالباً. ولكن هذا لا يصح على الإطلاق إلا على اللغة المحكية وكتابات من لم يتعلموا. أما اللغة الأدبية التي مست حاجتها كذلك إلى إيجاد تعابير جديدة فقد عمدت إلى طرق عديدة في الاقتباس فبدأت بنقل ألفاظ أوروبية كما هي أو بتعديلها قليلاً حتى توافق التلفظ المحلي وهذه هي الطريقة التي كانت تعمد إليها اللغة العامية ومضى زمن كانت هي المعول عليها أما فكر الرجوع بتلك اللغات إلى أصولها فلم ينشأ إلا في السنين الأخيرة فاللغة العربية الغنية بمفرداتها ولها من الاشتقاق موارد كثيرة فقد عمدت إلى ما في متنها من المفردات فاشتقت منها وكذلك كان من الفارسية وإن كانت لا تستغني بعض الأحيان عن الألفاظ العربية. أما التركية التي افتقرت بتأثير اللغات الأجنبية فيها فقد أخذت بادئ بدء من العربية والفارسية وهي تحاول منذ مدة الاكتفاء بما عندها باستعمال التعابير التترية القديمة التي كادت تتلاشى. ما هي المؤثرات التي عرضت للغات الإسلامية من اللغات الأجنبية؟ إن أقدم النصوص العربية التي انتهت إلينا هي الأشعار التي قيلت قبل الإسلام والقرآن نفسه لا يخلو من بعض ألفاظ أصلها فارسي. وذلك لأن الصلات بين الفرس والعرب كانت قديمة مستحكمة

стр. 3096

فأخذت العربية عن اللغة المجاورة لها بعض الألفاظ. فمن ألفاظ القرآن الغير العريقة في العربية إبريق وسجيل. واقتبست اللغة الآرامية اللغة العربية بعض ألفاظها أيضاً فإن اتحاد أصول هاتين اللغتين والمناسبة القوية في تركيبهما قد جعلت الأخذ منها سهلاً للغاية. وكذلك الحال في اللغة العبرانية فقد اقتبست العربية بعض الألفاظ وأكثرها ديني فمنها جهنم وملك واقتبست اللغة الرومية منذ عهد بعيد بعض الألفاظ للغتين العربية والفارسية مثل سجل وسندس وانتقلت هذه إلى العربية ووردت في القرآن عن طريق الفارسية. ولقد نشأت في فارس لغة صناعية وأعني بها البهلوية واستعملت الخط السامي واستعاضت عن المفردات الإيرانية بما يقوم مقامها من المفردات الآرامية وتصريفها يجمع بين تصريف اللغتين ولكن اللهجة الشائعة من هذه اللغة غير متأثرة كثيراً بالنفوذ الغريب إلى زمن الفتح العربي. ولا حاجة إلى ذكر ما أصاب اللغة الإيرانية من التبدل بالفتح فقد سرت إلى لغة الجمهور ألفاظ كثيرة دينية وعامية. واعتمدت فارس في كتابتها على الخط العربي. أما الأتراك فالظاهر أنهم لم يقتبسوا ألفاظاً كثيرة من جيرانهم قبل أن يدينوا بالإسلام هذا إذا استثنينا منهم المغول. وربما أخذوا قديماً بعض الألفاظ من الصين وفارس حتى إذا انتحلوا الإسلام كثرت في لغتهم الكلمات العربية والفارسية. ونرى العربية إلى عهد ظهور الإسلام تقتبس من الفارسية والسامية والآرامية خصوصاً واليونانية ودام هذا الاقتباس وارتقى ارتقاءً ظاهراً على عهد خلفاء الأمويين والعباسيين. وظلت اللغات الفارسية والسريانية والرومية بحسب الأقطار لغات الإدارة في المملكة العربية ولا عجب من ثم أن أدخلت إلى لغات الفاتحين عدداً كبيراً من الألفاظ العلمية. وكان من درس فلاسفة يونان ورياضيهم وكيمياوييهم وطبيعييهم أن سرت إلى العربية من اليونانية اصطلاحات علمية. وفي الحروب الصليبية دخلت إلى اللغة العربية ألفاظ مختلفة اقتبستها من لغات الشعوب التي اختلط بهم المسلمون ولكن ما أخذته هو من الأقاصيص محدود معدود ولم تدخل على اللغة العربية الألفاظ الغريبة إلا في القرون الحديثة الموافقة لارتقاء العمثمانيين في آسيا وأوروبا. أما تأثير اللغات الأوروبية في العربية فلم يكد يشعر به إلى الدور الأخير وهو أقل من ذلك في الفارسية بالنظر لبعدها الجغرافي. ومن أراد الآن أن يبحث في تأثير كل لغة أوروبية في اللغات الإسلامية منذ زمن النهضة

стр. 3097

فليقرر ما يأتي: إن أثر اللغة الافرنسية كبير جداً وقد فاق غيره في جميع العالم الإسلامي في البحر المتوسط وآسيا السالفة ولكن أثرها بالنسبة لغيره حديث العهد وكانت البواعث إليها: ١ً ـ الاصطلاحات التي جرت في البلاد العثمانية على عهد السلطان محمود. ٢ً ـ تنظيم محمد علي لمصر نحو ذاك العهد أيضاً وما تركه الفرنسيس من ألفاظهم فيها بعد حملتهم على مصر سنة ١٧٩٩. ٣ً ـ فتح الجزائر. ٤ً ـ الصلات التي نشأت بين فرنسا وفارس وقد بدئ بها في أوائل القرن التاسع عشر على أيدي بعثة جوبر والقائد غاردان ثم أعيدت بعيد حين. ٥ً ـ شدة ميل المسلمين في البلاد العثمانية ولا سيما في فارس لتعلم الآداب الفرنسوية والانطباع بالأفكار الفرنسوية. وأنت ترى بهذا أن نفوذ فرنسا في الشرق غير بعيد العهد لا يتجاوز القرن الواحد وهو قوي للغاية على الرغم من تقلص ظل سياستنا من البلاد العثمانية مدةً من الزمن وعلى تداخل إنكلترا في مصر وقلة علائقنا مع فارس فتأيد نفوذنا أبداً في تلك البلاد التي لم يبق فيها أولئك الشعوب الذين هم أكثر منا مضاءً في الأمور السياسية والاقتصادية شيئاً من لغاتهم إلا القليل الذي لا يؤبه له ولا ننسى أن تأثير اللغة الفرنسوية قد استحكم في اللغات التترية في روسيا ولكن لا مباشرة بل دخلتها الألفاظ من الافرنسية بواسطة اللغة الروسية أو اللغة التركية العثمانية. أما تأثير اللغة الإنكليزية فضعيف وهو مقصور على الصحافة العربية في مصر والصحافة الفارسية في الهند (بقطع النظر عن اللغة الهندستانية وسائر لغات الهند الوطنية) التي تعمد كل حين إلى استعمال كمية من الألفاظ الفرنسوية وليس الإنكليزية في فارس غير أثر ضئيل جداً ولا أثر لها في التركية إلا ما كان من بعض التعابير العلمية والبحرية وأكثرها في السباق وأنواع الارتياض. وبعد ذلك فإن تأثير اللغة الإيطالية قديم ثابت باق فهو يرد إلى الزمن الذي كانت فيه البندقية دولة بحرية قوية في البحر المتوسط وما زالت اللغة التركية العثمانية منذ ذاك العهد تأخذ عن اللغة الإيطالية جملة من الألفاظ لا العلمي منها فقط (مثل ألفاظ الملاحة والتجارة والصناعة وغيرها) بل ألفاظاً شائعة في الاستعمال وكان للغة العثمانية أن تكتفي بما عندها من مقابل لها مثل لفظة فامليا التي تتجلى فيها اللهجة البندقية كل التجلي وكذلك كان من

стр. 3098

اللغة الصقلية أن شغلت مكاناً مهماً على نحو ما رأيناه آنفاً في أن جزءاً من المفردات المالطية مأخوذ منها. ودخل على اللغة في تونس كثير من الألفاظ الإيطالية وقد لاحظ أحد العارفين أن هذه الألفاظ لا تستعمل إلا في الكلام الدارج أما اللغة المكتوبة فمنقحة للغاية ولذلك لا نستعملها. وفي مصر ترى بعض الألفاظ الإيطالية والظاهر أن بعضها سرت إليها بواسطة اللغة التركية مثل كلمة سيغورتا (الضمان أو التأمين). واللغة اليونانية الحديثة أدخلت كالإيطالية على اللغة التركية العثمانية ألفاظاً كثيرة فإن ما وصل إلينا من النصوص القديمة يبين أن تاريخ الصلة بينهما يرد إلى ما قبل القرن الخامس عشر ولفظة أفندي الغريبة التي ذكر المسيو جان بسيشاري تاريخها وما تقلب عليها من التبدل الغريب في الصورة والمعنى هي من جملة تلك الألفاظ. وفي لغة عرب المغرب جملة من الألفاظ ومنها ما هو من أصل إسباني وهي مألوفة الاستعمال في مراكش فقد كان للبرتقاليين أثر كبير في هذه البلاد فكيف يتأتى أن لا يتركوا فيها شيئاً من لغتهم وإذ كانت المناسبة قوية بين الإسبانية والبرتقالية وكان سكان مراكش يحرفون ما يقتبسونه عن الأوروبيين من الألفاظ فمن الصعب أن يميز في هذه الاقتباسات ما سرى إلى تلك اللغة من اللغة البرتقالية خاصة. ولقد كانت الألفاظ الألمانية التي سرت إلى الشرق قليلة جداً وقال بعضهم أن لفظة غروش التركية مأخوذة من غروش الألمانية ولكن بعد البحث الدقيق في المعجم العثماني تبين أنه لم يسر إلى التركية إلا ألفاظ جزئية من التعابير الجرمانية. وهنا ننتقل إلى اللغات الصقلبية (السلافية) فنرى لغات البلقان قد نقلت إلى التركية عدداً جزئياً من التعابير ومنها بعض الألفاظ العسكرية وهي من جملة الألفاظ القديمة في تنظيم الجيش العثماني. واللغة الروسية أكثر سرياناً ولكنها مقصورة على اللغات التترية في القريم وقازان وقافقاسيا وآسيا الوسطى فهي لم تتعد تلك التخوم فالألفاظ الروسية في البلاد العثمانية الإيرانية نادرة للغاية. ويجب أن لا يفوتنا أن ما تقتبسه اللغات التترية أو الروسية هي في الأغلب من أصل فرنسوي أو ألماني أو إيطالي. وما ذكرناه فيما تقدم عن اللغات الصقلبية البلقانية ينطبق أيضاً على اللغة المجرية ولكن اللغة الأرناؤدية والأرمنية وغيرهما من اللهجات المحكية في البلاد التي يتكلم فيها بالتركية لم تؤثر إلا قليلاً بهذه

стр. 3099

اللغة. وهنا نأتي على تأثير اللغة التركية في فارس حيث تحكم اليوم أسرة قاجار فنجد كثيراً من التعابير والمعاني المختلفة مأخوذة من التركية مثل الأعداد وألقاب الشرف وأسماء المناصب والمراتب. ومثل ذلك يقال عن اللغة العربية في مصر فإنها أخذت أسماء الرتب العسكرية التي دخلت إلى البلاد العثمانية بعد الإنكشارية ولم يدخل على أسماء الرتب من التعديل إلا ما لا غنية عنه للتلفظ العربي. وترى في طرابلس الغرب الخاضعة للحكم العثماني جميع هذه الألفاظ شائعة بالاستعمال وتجد ألفاظاً أخرى تركية مستعملة في تونس بل وفي الجزائر حيث أبقت الحكومة الفرنسوية رسمياً على بعض الألقاب التي اخترعها العثمانيون مثل آغا وباش عدل وخوجه وجاويش وغيرها وما عدا لغة البربر التي سرت بعض ألفاظها إلى اللغة المغربية. أما اللغة الهندستانية فلم يدخل منها إلا بعض الألفاظ النادرة إلى الفارسية أما اللغات الشرقية الأخرى فلا تعثر عليها بين الألفاظ العربية والفارسية والتركية إلا نادراً جداً. وها نحن نبدأ الآن بالكلام على كل واحدة من اللغات الإسلامية الثلاث فنستفتح بالعربية. فقد رأينا هذه اللغة قبل ولا سيما بعد ظهور الإسلام قد أخذت عن اللغات السامية كالعبرانية ولا سيما الآرامية والفارسية واليونانية. وحمل الصليبيون إلى العربية بعض الألفاظ الجديدة خلافاً لما يعتقده بعضهم ويظفر بهذه الألفاظ في كلام المؤرخين ولكنها لم تمر إلى اللغة المحكية ولا إلى اللغة المكتوبة فمن الأمثلة الغريبة استعمالهم لفظة ترم بمعنى المدفوع وجمعهم له على تروم كما في تاريخ أبي شامة ولكنه من الصعب أن ترى هذه اللفظة في كلام آخر. وأخذت العربية من الإفرنج بعض الألقاب النصرانية مدنية كانت أو دينية مثل قومس كونت وكاغيكوس أو كاتوغيكوس (بطريرك) وبعض التعابير الحربية واللغة المالطية التي هي لسان شعب خاضع للحكم المسيحي ومتدين بدينه قد اقتبست بالطبع من اللغات الغربية أموراً كثيرة. ولم يبدأ دخول الألفاظ الأجنبية ولا سيما الافرنسية على العربية إلا في أوائل القرن التاسع عشر دخلت بكثرة حتى أن القائلين بتطهير اللغة من الدخيل قد دهشوا لها. ثم إن دخول تعابير إفرنسية كثيرة إلى اللغة الرسمية أي التركية في سورية ومصر قد نشأ منه أثر في

стр. 3100

اللغة الوطنية وازدياد صلات الشرق مع أمم الغرب ودخول الأفكار الفرنسوية وتأييد الحكم الفرنسوي على الجزائر وتونس ولا سيما إنشاء صحافة عربية حذا فيها أهلها حذو الصحافة الأوروبية كل ذلك مما دعا إلى تحول اللغة. وذلك أن الصحافة هي التي أحدثت اللغة العربية الحديثة في الجملة وهي تختلف عن لغة القرآن كما تختلف عن لغة الروماييك عن اللغة الرومية القديمة هكذا قال المسيو واشنطون سرويس الملحق بقنصلاتو البلجيك في بيروت منذ ثلاث عشرة سنة في مقدمة كتاب مهم للغاية وضعه في وصف هذه اللغة الحديثة وعلى ما فيه من الأغلاط والنقص القليل فإن هذا الكتاب الذي لم يؤلف على مثاله قد نفع وينفع كثيراً وهو عبارة عن مقدمة عرض فيها المؤلف هذه المسألة على وجه جلي مفصل مشفوعاً بقائمة للصحف التي كانت تنشر إذ ذاك مع تاريخ إنشائها وهي قائمة ثمينة وإن كانت فهارس الرجوع إليها مختصرة وبعض الانموذجات من كلامها تأليفاً كانت أو ترجمة فأتى فيها أولاً على الجرائد ثم على المواد الرسمية ثم على معجم لغوي مفيد وهو وحده يفسر الكلمات المولدة. ومن رأي المؤلف أن اللغة الحديثة قد نمت في غضون خمسين سنة بسرعة هائلة وهذا النشوء يظهر خاصة من نشوء العربية المحكية أو المكتوبة قبل ظهور الجرائد فقد كانوا يكتفون بأن يأخذوا عن اللغات الأجنبية بعض المفردات الدخيلة اللازمة لهم من دون أن يعدلوا صورتها التعديل اللازم لها في الظاهر. (للبحث صلة)

стр. 3101

مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن ليعلم أن من المسائل الجديرة بالعناية وبذل الجهد للوقوف على ما قيل فيها وكتب عنها (مسألة الجن) فقد تنوعت في شأنها المشارب وتعددت في مباحثها المذاهب وكان للأعراب معها في الجاهلية مخيل ولها في كل عصر نغمات جديدة وعجائب ولا غرو فهي من أقدم المسائل وأرسخها في الأذهان إذ دار اسمها على كل لسان وورد ذكرها في جماع النحل والأديان. إن مسألة كمسألة الجن ليست مما تدرك بلفظة أو يشار إليها بلحظة حتى لا يرفع لها الحشوي رأساً ولا يقيم لها الجامد وزناً فلو صمت شواردها وقيدت أوابدها وانتظمت فرائدها لعثر على الجم من الطائف الفائقة والنوادر الرائعة مما يملك السمع والبصر إعجابه ويرتفع عن القلب للإصغاء حجابه. كل مسألة لا يتناولها الفهم في بداية النظر ولا يصل إليها إلا بالاستعانة من درس أمرها وسبر فلا بد من بحث عنها وتنقيب واستقراء وتنقير لا سيما أن ثلث ذات شعوب وأطراف وفروع وأوصاف لا جرم ينبغي استقراؤها وتعرفها واستجلاؤها اكتشافاً لما خبأته كنوز الحقيقة ووقوفاً على كل جليلة دررها ودقيقة. أكثر من ألف في العلم الإلهي أو ما وراء المادة تكلم في (الجن) فموجز ومسهب ومقارب ومغرب والواقف على ما كتبه فلاسفة الإسلام يراه قريباً مما نحاه علماء أهل الكتاب في شأنهم اللهم إلا في خيالات شط بها البحث فبعدت عن القصد شأن كل شيء جاوز حده. من استقرأ ما كتب وبذل جهده في التنقيب يمر به من علوم الأوائل ما يغني عن زهر الرياض حسنه وعن فتيق المسك نشره فمن تأمله ازداد حرصاً على تأمله وتصفحه مستعيداً ما يستحليه من فوائده. الطريقة المثلى والخطة الوسطى هي أخذ المهم وإيثار الأجود من كل شيء وهذا ما توخيناه في هذه المسألة مما طالعاناه وإلا فسعة علم السلف مما يدهش الخلف فليس لنا إلا المختار من آرائهم والمنتقى من أنبائهم ولله ابن المقفع إذ قول فمنتهى عالمنا علم في هذا الزمان ـ زمانه ﵀ أن يأخذ من علمهم وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم. إن استقصاءَ ما للقدماء في (مسألة الجن) واستقراءه كله يعوز إلى عدة مجلدات وسعة

стр. 3102

أوقات والحاجيات كثيرة والمطالب وفيرة لذا آثرنا جمع شذرات تكشف عن وجهها نقابها وتجلي سدف عويصاتها لطلابها. ينحصر ما نأْثره في هذه المسألة في مقدمة ومقصدين وخاتمة. أما (المقدمة) فنحكي فيها ما قاله فلاسفة اللغة في شرح المراد من الجن واشتقاقه وعمومه وخصوصه وحقيقته ومجازه. وأما (المقصد الأول) ففي مذاهب الأعراب ومزاعمهم في الجن وقد حوى أحد وعشرين مبحثاً: (أ) من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يسمعون عزيف الجان ويرون الغيلان وما يشبهونه بالجن والشياطين وبأعضائهم وأعمالهم. (ب) إضافتهم مباني تدمر وأمثالها إلى الجن. (ج) تفرقتهم بين مواضع الجن. (د) تنزيلهم الجن في مراتب. (هـ) زعمهم أن الغول من أنثى الجن وكذلك السعلاة. (و) زعمهم أنهم يظهرون لهم ويكلمونهم ويناكحونهم. (ز) مزاعمهم في الهاتف والناقل والرئي. (ح) ما روي من هتوفهم بالبعثة المحمدية. (ط) مزاعمهم في أوصافهم ومن قتلوه. (ي) من استهووه ومنهم خرافة. (يا) توصيفهم رجل الغول وعين الشيطان. (يب) نزاعمهم في أرض وبار وبلاد الحوش. (يج) مزاعمهم في الصرع. (يد) مزاعمهم في الطاعون. (يه) ما يزعمونه في تمثلهم وتصورهم. (يو) رأيهم في قرناء الشعراء الفحول. (يز) خيالهم في جن الشام والهند.

стр. 3103

(يح) توهمهم ملامح الجن في الأنس. (يط) قولهم في جنون الجن وصرع الشيطان. (ك) ما يحكونه من نيران السعالى والجن. (كا) فلسفة ما تزعمه الأعراب من عزيف الجان وتغول الغيلان. (وأما المقصد الثاني) ففي آراء فلاسفة الإسلام في الجن (أ) ابن سينا (ب) أبو طالب المكي (ج) الغزالي (د) ابن حزم (هـ) الفخر الرازي (و) القاشاني (ز) الماوردي (ح) القاضي أبو يعلى ابن الفراءِ (ط) ابن تيمية (ي) ابن القيم (يا) الأٍتاذ الإمام الشيخ محمد عبده. إنما تأثرت مذاهب الأعراب بما أُثر عن الأئمة في هذه المسألة انتقالاً إلى الجد في مباحثها إذ المقصد الأول أشبه بالجمام والمشراح لما شاب جده من مخاريق ومخايل وختمت البحث بمتفرقات من شوارد هذه المسألة تميماً لفوائده وتأييداً لمقاصده. ليس لنا من مزية فيما أثرناه إلا انتقاء المهم مما طالعناه وترتيبه على هذا الأسلوب نسأله تعالى أن يمن علينا بتنوير القلوب ويدخلنا في عباده الذين يؤمنون بالغيوب. المقدمة فيما قاله فلاسفة اللغة في الجن قال الراغب الأصبهاني في مفرداته في مادة جن: أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة يقال جنه الليل وأجنه والجنان القلب لكونه مستوراً عن الحاسة والجنة كل بستان يستر بأشجاره الأرض (ثم قال): والجن يقال على الروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاء الأنس وسيأتي تتمة كلامه. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: جنه ستره فاجتن واستجن بجنة استتر بها واجتن الولد في البطن وأجنته الحامل وواراه جنان الليل أي ظلمته وفلان ضعيف الجنان وهو القلب وجنت الأرض بالنبات ولا جن بكذا أي لا خفاءَ به قال سويد: (ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر). ونقل الإمام ابن جرير في سورة البقرة في تفسير آية وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أن استثناءه من الملائكة يدل على أنه منهم وعن ابن اسحق أن العرب يقولون: ما الجن إلا كل من اجتن فلم يروا أن آية إلا إبليس كان من الجن أي كان من الملائكة

стр. 3104

وذلك أن الملائكة اجتنوا فلم يروا وإن آية وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً إشارة لقول قريش أن الملائكة بنات الله (قال) وقد قال الأعشبي ـ أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله: ولو كان شيءٌ خالداً ومعمرا ... لكان سليمان البري من الدهر براه إلهي فاصطفاه عباده ... وملكه ما بين ثريا إلى مصر وسخر من جن الملائك تسعة ... قياماً لديه يعملون بلا أجر (قال) فأبت العرب في لغتها إلا أن الجن كل ما اجتن يقول: ما سمى الله الجن إلا أنهم اجتنوا فلم يروا وما سمى بني آدم أنساً إلا أنهم ظهروا فلم يجتناوا فما ظهر فهو أنس وما اجتن فلم ير فهو جن. ثم قال ابن جرير: وأما خبر الله عنه أنه من الجن فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جناً كما ذكرنا قبل في شعر الأ شى فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنابهم عن أبصار بني آدم: وقال الراغب الصبهاني في مفرداته: الجن يقال على وجهين (إحداهما) للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاءِ الأنس فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن وقيل بل الجن بعض الروحانيين وذلك أن الروحانيين ثلاثة (أخيار) وهم الملائكة (وأشرار) وهم الشياطين (وأواسط) فيهم أخيار وأشرار وهم الجن ويدل على ذلك قوله تعالى قل أوحي إليَّ إلى قوله وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون. من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان وما يشبهونه بالجن والشياطين وبأعضائهم وأعمالهم أنشد أعرابي: كأنه لما تدانى مقربه ... وانقطعت أوذامه وكربه وجاءت الخيل جميعاً تذنبه ... شيطان جن في هواء يرقبه أذنب فانقض عليه كوكبه وأنشد:

стр. 3105

إن العقيلي لا تلقى له شبها ... ولو صبرت لتلقاه على العيس بينا تراه عليه الخز متكئاً ... إذ مر يهدج في حش الكرابيش وقد تكنفه عرامه زمناً ... أشباه جن عكوف حول إبليس إذ المفاليس يوماً حاربوا ملكاً ... ترى العقيلي منهم في كراديس وقال أبو الخطفي: يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاماً رجفا وعنقا بعد الرسيم خيطفا وأنشد ابن الأعرابي: غناءُ كليبي يرى الجن يبتغي ... صداه إذا ما آت للجن أيب وقال الأعشى: فإني وما كلفتموني اتباعه ... ليعلم ربي من أعق وأحويا كالثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا وقال الرقياني: بين اللهى منه إذا ما مدا ... مثل عزيف الجن هدت هدا وقال ذو الرمة: قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه اليوم للجن بالليل في أرجائها زجل ... كما تناوح بين الريح عيشوم دوية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم وقال: وكم عرست بعد السرى من معرسن ... بها من صداء الجن أصوات سامر وقال: كم جبت دونك من بهماء مظلمة ... تيه إذا ما مغنى جنه سمرا وقال: ورمل لعزف الجن في عقداءه ... هرير كتضراب المغنين بالطبل وقال:

стр. 3106

وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا ... أبو البعد من أرجائه المتطاوح فلاة لصوت الجن في منكراتها ... هرير وللأبوام فيها نوائح وطول اغتمامي في الدجى كلما رعت ... من الليل أصداء المثاني الصوائح ويقولون لمن به لقوة أو شتر إذا شبَّ يالطيم الشيطان ويقولون للرجل المفرط الطول يا ظل النعامة وللتكبر الضخم يا ظل الشيطان. وكان عمر بن عبد العزيز أول من نهى الناس عن حمل الصبيان على ظهور الخيل يوم الحلبة وقال: تحملون الصبيان على الجنان وأنشد في تشبيه ال، س بالجن لأبي الجويرية العبدي: أنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مُرَزَّؤُن بهاليل إذا حشدوا وأنشدوا: وقلت والله لترحلنا ... قلائصاً تحسبهن جنتا وقال ابن الزوائد: بحور خفض لمن ألم بهم ... آخيته عمري إذا خطروا وأنشدوا: إني امرؤ تابعتي شيطانيه ... آخيته عمري وقد آخانيه يشرب في قعبي وقد سقانيه ... فالحمد لله الذي أعطانيه وقال عبيد بن أوس الطائي: هل جاء أوساً ليلتي ونعيمها ... ومقام أوس في الخياءِ المشرج ما زلت أطوي الجن أسمع حسهم ... حتى دفعت إلي راق المروج وأنشد آخر: ذهبتم وعدتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثاً ولحماً موضَّعا فما زادني إلا سناءً ورفعةً ... ولا زادكم في القوم إلا تخشعا فما نفرت جني ولا فلَّ مبردي ... ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا وأشعارهم في هذا المعنى تفوت الحصر. إضافتهم مباني تدمر وأمثالها إلى الجن

стр. 3107

قال النابغة الذبياني: ألا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصُّفاح والعمد قال الجاحظ: وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل زمن سليمان ﵇ بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود ﵉ قالوا ولكنكم إذا رأيتم بنياناً عجيباً وجهلتم موضع الحيلة فيه أضفتموه إلى الجن ولم تعانون بالفكر. وقال العرجي: سدت مسامعها لقرع مراحل ... من نسج جن مثله لا ينسج وقال الأصمعي السيوف المأثورة هي التي يقال أنها من عمل الجن لسليمان بن داود ﵉ فأما القوارير والحمامات فذلك ما لا شك فيه. وقال البعيث: بني زياد لذكر الله مصنعة ... من الحجارة لم تعمل من الطين كأنها غير أن الأنس ترفعها ... مما بنت لسليمان الشياطين وقال الأعشى في بناء الشياطين لسليمان: أرى عادياً لم يمنع الموت ربه ... وورد بتيماء اليهودي أبلق بناه سليمان بن داود حقبة ... له جندل صم وطي موثق تفرقهم بين مواضع الجن قال الجاحظ: كما يقولون تنقذ برقة وضب سحا وأرنب الخلة وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ينسب لذلك أما في السمن وأما في الخبث وأما في القوة كذلك أيضاً يفرقون بين مواضع الجن فإذا نسبوا الشكل منها إلى موضع معروف فقد خصوه من الخبث والقوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم قال لبيد: غلب تشذر بالدحول كأنها ... جن البدي رواسيا أقدامها وقال النابغة: سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت النسور جنة البقار وقال زهير: عليهن فتيان كجنة عبقر ... جديرون يوماً أن ينيفوا فيسثعلوا وقال حاتم:

стр. 3108

عليهن فتيان كجنة عبقر ... يهزون بالأيدي الوشيج المقوما تنزيلهم الجن في مراتب قال الجاحظ: ثم ينزلون في مراتب فإذا ذكروا الجني سالماً قالوا جنى. فإذا أرادوا أنه ممن سكن مع الناس قالوا عامر والجميع عمار. وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح فإن خبث أحدهم وتعرم فهو شيطان. فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت والجمع عفاريت. وهم في الجملة جن وخوافي قال الشاعر: ولا يحس سوى الحافي بها أثر فإذا ظهر الجني ونطق واتقى وصار خيراً كله فهو ملك في قول من تأول قوله كان من الجن ففسق عن أمر ربه على أن الجن في هذا الموضع الملائكة وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدار والديانة لا على أنه كان من جنسهم وإنما ذلك على قولهم: سليمان بن يزيد العدوي وسليمان بن طوحان التيمي وأبو علي العبدري وعمرو بن قائد الأسواري: أضافوهم إلى المحال وتركوا أنسابهم في الحقيقة: وقال آخرون: كل مستجن فهو جني وجان وجنين وكذلك الولد في البطن قبل له جنين لكون في البطن واستجنان وقيل للميت في القبر جنين وقال عمرو بن كلثوم: ولا شمطاء لم تدع المنايا ... لها من تسعة إلا جنينا يخبر أنها قد دفنتهم كلهم قالوا وكذلك الملائكة من الحفظة والحملة والكروبيين فلا بد من طبقات وربما فرق بينهم بالأعمال واشتق لهم الأسماء من السبب كما قالوا لواحد من الأنبياء خليل الله وقالوا لآخر كليم الله وقالوا لآخر روح الله. والعرب تنزل الشجعان في المراتب والاسم العام شجاع ثم بهمة أليس هذا قول أبي عبيدة. فأما قولهم: شيطان الحماطة فإنهم يعنون الحية وأنشد الأصمعي: تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذوي خروع قفر وقد يسمون الكبر والطغيان والخزوانية والغضب الشديد شيطاناً على التشبيه. قال عمر بن الخطاب ﵁: والله لا نزعن نعرته ولا ضربنه حتى أنزع شيطانه من نحرته وقال حسان بن ثابت في معنى قوله والله لأضربنه حتى أنزع من رأسه شيطانه فقال: وداوية سبسب سملق ... من اليد تعرف جنانها

стр. 3109

قطعت بعيرانة كالفنيق ... يمرح في الآل شيطانها وأبين منه قول منظور بن رواحة: أتاني وأهلي بالرماح وغمرة ... مسب عريف اللؤم حتى بني بدر فلما أتاني ما تقول تقلصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر والأعراب تجعل الخوافي والمستجنات من قبل أن ترتب المراتب جنين تقول حن وجن بالجيم والحاءِ وأنشدوا: أبيت أهوى في شياطين ترن ... مختلف بخارها حن وجن ويجعلون الحن فوق الجن وقال أعشى سليم: فما أنا من جن إذا كنت خافياً ... ولست من النسناس في عنصر البشر ذهب إلى قول البشر ناس ونسناس والخوافي حن وجن ويقول أنا من أكرم الحيين حيث ما كانت. وضعفة النساك وأغبياء العباد أن لهم خاصة شيطاناً قد وكل بهم يقال له المذهب يسرج لهم النيران ويضيء لهم الظلمة ليفتنهم ويريهم العجب إذا ظنوا أن ذلك من قبل الله تعالى. (قال) وأما الخابل والخبل فإنما ذلك اسم للجن الذين يخبلون ويتعرضون ممن ليس عنده إلا العزيف والنوح وفصل أيضاً لبيد بينهم فقال: أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كل جن وخابل زعمهم أن الغول من أنثى الجن وكذلك السعلاة قال الجاحظ: قالوا إذا تعرضت الجنية وتلونت وعبثت فهي شيطانة ثم غول. وربما جعلوا الغول اسماً لكل شيء فمن الجن يعرض للسفار ويتلون في ضروب الصور والثياب ذكراً كان أو أنثى إلا أن الأكثر على أنه أنثى وقد قال أبو المضراب عبيد بن أيوب العنبري: وحالفت الوحوش وحالفتني ... بقرب عهودهن وبالبعاد وأمسى الذئب يرصدني محشا ... لخفة ضربتي ولضعف آدي وغولاً قفرة ذكر وأنثى ... كأن عليهما قطع البجاد فجعل في الغيلان الذكر والأنثى وقد قال الشاعر في تلونها: وما تزال على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول

стр. 3110

فالغول ما كان كذلك. (والسعلاة) اسم لواحدة من نساء الجن تتغول لتفتن السفار قالوا وإنما هذا منها على العبث أو لعلها إن تفزع إنساناً فيتغير عقله من أجله عند ذلك لأنهم لم يسلطوا على الصحيح العقل ولو كان ذلك لبدؤا بعلي بن أبي طالب وحمزة ابن عبد المطلب وأبي بكر وعمر في زمانهما وبغيلان والحسن في دهرهما ويواصل وعمرو في أيامهما وقد فرق بين الغول والسعلاة عبيد بن أيوب حيث يقول: وساخرة مني ولو أن عينها ... رأت ما أُلاقيه من الهول جنت أزل وسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وأرى الجن فيه أرنت وهم إذا رأوا الفتاة حديدة الطرف والذهن سريعة الحركة ممشوقة قالوا سعلاة وقال الأعشى: ورجال قتلى بجنبي أريك ... ونساءٌ كأنهن السعالى ويقولون تزوج عمرو بن يربوع السعلاة وقال الراجز: يا قاتل الله بني السعلاة وفي تلون السعلاة يقول عباس بن مرداس السلمي: أصابت القوم غول جل قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان وقال عبيد بن أيوب وكان جوالاً في مجهول الأرض لما اشتد خوفه وطال تردده وأبعد في الهرب: لقد خفت حتى لو تمر حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر فإن قيل أمن قلت هذي خديعة ... وإن قيل خوف قلت حقا فشمر وخفت خليلي ذا الصفا ورأبني ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متنفر أرنْت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيراناً تلوح وتزهر وأصبحت كالوحشي يتبع ما خلا ... ويطلب مأْنوس البلاد المبعثر ومما ذكر الغيلان قوله: تقول وقد ألمت بالأنس لمة ... مخضبة الأطراف خرس الخلاخل أهذا خليل الغول والذئب والذي ... بهيم بربات الححال الكواهل

стр. 3111

رأت خلق الأدراس أشعث شاحباً ... على الجدب بساماً كريم الشمائل تعوّد من آبائه فتكاتهم ... وإطعامهم في كل غبراء شامل ومما قال في هذا المعنى: علام ترى ليلى تعذب بالمنى ... أخا قفرات كان بالذئب يأنس وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفياً وربته القفار البسابس وقال في هذا المعنى: فلولا رجال يا منيع رأيتهم ... لهم خلق عند الجوار حميد أنالكم مني نكال وغارةٌ ... لها ذنب لم تدركوه بعيد لكل بنو الإحسان حتى أغرتم ... على من يثير الجن وهي هجود وتزعمن الأعراب أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت إلا أن يعيد عليه الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى فإنه إن فعل ذلك لم تمت وقد قال شاعرهم: فثنيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلت وأنشدوا لأبي البلاد الطهوي: لهان على جهينة ما ألاقي ... من الروعات يوم رحا بطان لفيت الغول تسري في ظلام ... بسهم كالعيابة صحصحان فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فصدي عن مكاني فصدت وانتحيت لها بعضب ... حسام غير مؤتشب يماني فقد سراتها والبرد منها ... فخرت لليدين وللجران فقالت زد فقلت رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان شددت عقالها وحططت عنها ... لا نظر غدوة ماذا دهاني إذا عينان في وجه قبيح ... كوجه الهر مشقوق اللسان ورجلاً مخدج ولسان كلب ... وجلد من قراب أو شنان قال الجاحظ: وأبو البلاد الطهوي هذا كان من شياطين الأعراب وهو كما ترى يكذب وهو يعلم ويطيل الكذب ويجيزه وقد قال كما ترى: فقالت زد فقلت إني ... على أمثالها ثبت الجنان

стр. 3112

لأنهم هكذا يقولون يزعمون أن الغول تستزيد بعد الضربة الأولى لأنها تموت من ضربة وتعيش من ألف ضربة. زعمهم أنهم يظهرون لهم ويكلمونهم ويناكحونهم قال الجاحظ: ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم ويكلمونهم ويناكحونهم ولذلك قال شمر بن الحارث الضبي: ونار قد حضأت بعيد وهن ... بدار لا أريد بها مقاما سوى تجليل راحة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما أتوا نار فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم نحسد الأنس الطعاما وذكر أبو زيد عنهم أن رجلاً منهم تزوج السعلاة وأنها كانت عنده زماناً وولدت منه حتى رأت ذات ليلة برقاً على بلاد السعالى فطارت إليهن فقال: رأى برقاً فأوضع فوق بكر ... فلأياً ما أسأل وما أعاما فمن هذا النتاج المشترك وهذا الخلق المركب عندهم بنو السعلاة من بني عمرو ابن يربوع وبلقيس ملكة سباء. وتأولوا قول الشاعر: لاهم إن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا فزعموا أن أباجرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السماء أُنزلوا إلى الأرض كما قيل في هاروت وماروت فجعلوا سهيلاً عشاراً مسنج نجماً وجعلوا الزهرة امرأة بغياً مسخت نجماً وكان اسمها أناهيد. وتقول الهند في الكوكب الذي يسمى عطارد شبيهاً بهذا. ويقول الناس فلان مخدوم يذهبون إلى أنه إذا عزم على الشياطين والأرواح والعمار أجابوه وأطاعوه. فمنهم عبد الله بن هلال الحميري. الذي كان يقال له صديق إبليس. ومنهم كدياس الهندي وصالح الموسوي. وقد كان عبيد يقول أن العامري حريص على إجابة العزيمة ولكن البدن إذا لم يصلح أن يكون هيكلاً لم يستطع دخوله والحيلة في ذلك أن يتبخر باللبان الذكر ويراعي سير المشتري ويغتسل بالماء القراح ويدع الجماع وأكل الزهومات ويتوحش في الفيافي ويكثر دخول الخرابات حتى يرق ويلطف ويصير فيه مشابهة من الجن فإن

стр. 3113

عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودن لمثلها فإنه ممن يكون بدنه هيكلاً لها ومتى عاد خبطه فربما جن وربما مات قال فلو كنت ممن يصلح أن يكون لهم هيكلاً لكنت فوق عبد الله بن هلال. قالت الأعراب وربما نزلنا بجمع كثير ورأينا خياماً وقباباً وناساً ثم فقدناهم من ساعتنا والعوام تروي أن ابن مسعود ﵁ رأى رجلاً من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت من الجن ليلة الجن. وقد روي عنه خلاف ذلك. وقال أبو النجم * بحيث تستن مع الجن الغول * فأخرج الجن من الغول الذي باتت به الجن. وهذا من عادتهم أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة فيظهر لأمر خاص. وفي بعض الرواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمثه بالشرر حتى احترق عامة فخذه حتى عوذه النبي ﷺ قال الإمام الجاحظ رحمه الله تعالى وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب من العوام قال وما أشك أنه كان للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب. ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق في بيوت عباداتهم لعلمت أن الله تعالى قد من على جهلة الناس بالمتكلمين الذين قد نشؤا فيهم: يعني علماء الكلام وفلاسفة الدين عليهم رضوان الله. يتبع

стр. 3114

حكم إفرنجية من لم يكن يكرم الشيخوخة كان كمن يهدم في الصباح البيت الذي يجب عليه أن ينام فيه في المساءِ (كار). لا يحب المرءُ أن يحبه الناس إلا لأنه يحب نفسه وربما ليجعل له سبباً إلى أن يحب أكثر مما يحب (ديدرو) كلما أراد أحمق أن يكون شقياً يصادف شقياً يبحث عن أحمق آخر بومارشيه. المرءُ في حاجة إلى غيره سعيداً كان أو شقياً فعمره قصير إذا لم يعش إلا بنفسه دليل. التقدم هو النقطة الكبرى ولم يصل إليه أحد منا فكلنا أناس سائرون في الطريق كاسباران. ليس من الأمور العظيمة أن يكون عقل المرءِ حاداً إذا لم يكن مستقيماً فليس كمال الساعة الدقاقة بسرعة سيرها بل بانتظام أدواتها. يدفع العمل ثلاث مفاسد: الملل والرذيلة والحاجة. توشك السلطة في البلاد المصابة بالجمود أن تنتقل إلى أيدي المهدارين الساقطين من الناس. أفضل السلطات ما لم يشعر المرءُ بثقل وطأته. ما من جندي مهما كان إلى الضعف والضعة إلا ويحسب قائداً في نظر آخرين. أفضل الأطباء من ركض في البحث عنه زبائنه فلم يجدوه. النار تغلي الماء والماءُ يطفئُ النار فلا تدفئُ ناكر الجميل فإنه يطفئ شعاعك. انتف ريش البط في القرى وريش المنقاضين في المدن. حاذر من إظهار مكانتكم لئلا يكثر معادوك. إني لا أوثر أن أخدع على أن أعيش أبداً في حذر وهو ابن الجبن وأبو المداجاة بوسويه. لو كنت أعلم شيئاً نافعاً لوطني مضراً للجنس الإنساني لأبقيت عليه كما أبقي على جريمة أرتكبها مونتسكيو. أحرى الناس بالاستماع من يستعمل الكلام للتعبير عن الفكر والفكر لبيان الحقيقة والفضيلة فنيلون.

стр. 3115

غرائب الغرب الطباعة الباريزية ألمعنا مرات في الفصول السالفة إلى تفنن الباريزيين في الأمور الذوقية والطباعة من جملة فنون الذوق وإن كانت تتوقف على علم وفضل تجربة. وأجور الطبع هنا غالية لغلاء الأسعار وأجور الدور والمنازل فالعامل الجيد لا يرزق أقل من نصف ليرة وأقل عامل لا يرزق أقل من أربعة فرنكات في يومه. ولذلك ترى بعض أرباب المجلات وغيرهم من المؤلفين والطابعين يطبعون مجلاتهم وكتبهم في مطابع الولايات لرخص أجورها وجودة طبعها الذي لا يختلف عن المطابع الباريزية في شيء. ومن جملة المطابع العظمى التي زرتها مطبعة الأمة أي مطبعة الحكومة التي أسسها لويز الثالث عشر سنة ١٦٤٠ ثم نقلت إلى قصر الكردينال روهان من أجمل القصور الباريزية القديمة المعروف ببيت أساقفة ستراسبورغ. وقد أنشئت لها بناية هائلة في شارع الكنفانسيون لضيق هذا المكان على سعته البالغ سطحها عشرة آلاف متر مربع. تدخل من الباب فترى في فناءِ الدار تمثال غوتنبرغ مخترع الطباعة والمتفضل على الإنسانية معمولاً من البرونز فلا تتمالك من الدعاء له وذكر بيض أياديه على العالم ثم يأخذك الدليل في الوقت الذي تعينه لك من قبل إدارة المطبعة ويطوف بك قاعات مسابك الحروف في ثمانين لغة واللغة العربية في مقدمة لغات الشرق رأيناهم في بعض الغرف كتبوا بيتاً من الشعر العربي ليمرن الأستاذ العملة على تعلم هذه اللغة فيحسنوا تنضيد حروفها بفهم. ثم طاف بنا الدليل قاعات التنضيد والتجليد والطبع والطي فرأينا كل شيء قد جعل في مكانه اللائق به والعملة والعاملات يعملون في مكان واحد كتفاً إلى كتف وقد يتولى الأعمال الشاقة الرجال من دون النساء. وعدد العاملين والعاملات في المطبعة يناهز الألف والخمسمائة وفيها ما يربو على ستين آلة طابعة على آخر طرز منها خمس آلات من المعروف بالروتاتيف وعلى مثلها تطبع جميع الجرائد الكبرى في اغرب اليوم. وتنفق الحكومة على هذه المطبعة نحو تسعة ملايين فرنك مسانهة وفيها تطبع الجريدة الرسمية ومطبوعات الحكومة والنظارات ومناشيرها وفهارسها وأوامرها فالاستعداد فيها تام لكل ما

стр. 3116

تطلب الحكومة طبعه وليس في وقتها متسع لطبع مطبوعات الأفراد وناهيك بمطبعة حوت من الأدوات ما يلزمها من سبك الحروف حتى التجليد وناهيك بكثرة أشغال حكومة الجمهورية التي تقع ميزانيتها وحدها في ثلاثة آلاف صفحة كبيرة يطلب طبعها في وقت قصير وهذا لا يتيسر إلا بمطبعة متقنة جداً. ولهذه المطبعة معامل للتصوير الشمسي وطبع الصور والطبع المحفور المجوف والحفر على الخشب والحفر على النقش والحفر الناتئ على النحاس والزنك والطبع الملوّن وطبع الحجر والتصفيح والطبع المنحس وغير ذلك من التفنن في الطباعة. وتسمح المطبعة بإعارة الطابعين بعض الحروف الغريبة من اللغات الأجنبية ولا تطبع من الكتب إلا ما كان بلغة غريبة لا يوجد من حروفها في كل مطبعة وذلك لمحض خدمة المعارف والفنون. هذه جملة ما يقال في مطبعة الأمة ولو جمعت مطابع مصر كلها ما دانتها بالمكانة وكذلك لو جمعت مطابع الأستانة وأضفت إليها مطابع الولايات العثمانية برمتها والمطبعة التي تنفق عليها الحكومة نحو أربعمائة وخمسين ألف ليرة في السنة يستحيل على حكومة كالحكومة العثمانية والمصرية أن تقوم بمثلها وهي لا تنفق على المعارف كلها نحو هذا القدر من المال أو أكثر منه بقليل فتأمل. مدرسة فرنسا من المعاهد التي استغرقت شطراً كبيراً من وقتي في باريز دروس مدرسة فرنسا (كوليج دي فرانس) لسهولة التلقي فيها في كل علم يخطر في البال ولأن هذه المدرسة ذكرتني بمدارس الإسلام أيام حضارتنا وقد جعلوا العلم مباحاً لكل طالب يلقنونه إياه بلا عوض. في شارع المدارس بالقرب من كلية السوربون قام بناءٌ عظيم أسسه فرنسيس الأول ملك فرنسا حوالي سنة ١٥٣٠ وجعل فيه درسين الأول لتعلم اللغة الرومية والثاني للعبرانية وسمى المدرسة مدرسة الملك فرأت الكلية إذ ذاك أن قد استهين بها فأوعزت إلى مدرسة اللاهوت أن تتهم مدرسي مدرسة الملك بأنهما يدعوان إلى الزندقة فحال الملك دون صدور الحكم عليهما وأضاف إلى المدرسة درساً في الفصاحة اللاتينية ليخلص وجماعته من تهمة الإلحاد وما زال عدد الدروس يزيد على عهد الملوك حتى أضاف إليها هنري الثالث درس العربية ونابليون الأول درس التركية ولم يبرح بناؤها ودروسها عرضة للقلب والإبدال

стр. 3117

حتى عهد الجمهورية الثالثة. ولقد أصبحت هذه السنة الدروس التي تلقى على الناس مجاناً ٤٩ درساً يصح أن يقال أنها مجموع علوم البشر يتولى تدريسها أعظم أساتذة هذه البلاد وعلمائها ممن اشتهروا بفن أو علم أو لغة وصرفوا في البحث فيه شطراً مهماً من حياتهم ولم أر في هذه المدرسة أستاذاً نقل سنه عن ستين إلا بعض المعاونين ممن يتجاوزون الأربعين وينتخبهم المجمع العلمي أو المجامع العلمية الخمسة وأساتذة المدرسة ويقبض الأستاذ عشرة آلاف فرنك في السنة ولا تتجاوز مدة الدروس ستة أشهر يتلو في خلالها درسين في كل أسبوع فقط. أما العلوم التي تلقى على جمهور المستمعين فهي (١) علم الأثقال التحليلي والسماوي (٢) العلوم الرياضية (٣) علم الطبيعة والرياضة (٤) الطبيعة العامة والتجريبية (٥) الكيمياء المعدنية (٦) الكيمياء العضوية (٧) الطب (٨) علم الحياة العامة (٩) تاريخ الأجسام الغير العضوية الطبيعي (١٠) علم تكوين الجنين (١١) التشريح العام (١٢) علم النفس التجريبي (١٣) تاريخ العلوم العام (١٤) تاريخ التشريع المقابل (١٥) الاقتصاد السياسي (١٦) الجغرافيا والتاريخ والإحصاء الاقتصادي (١٧) تاريخ العمل (١٨) جغرافية فرنسا التاريخية (١٩) تاريخ الأديان (٢٠) الفلسفة الاجتماعية (٢١) علم الاجتماع الإسلامي (٢٢) علم الجمال وتاريخ الفنون (٢٣) علم الكتابات والعاديات الرومانية (٢٤) الكتابات والعاديات اليونانية (٢٥) الكتابات والعاديات السامية (٢٦) الآثار المصرية وأصول لغاتها (٢٧) الآثار الآشورية وأصول لغاتها (٢٨) الآداب العبرانية والكلدانية والسريانية وأصول لغاتها (٢٩) الآداب العربية واللغة العربية (٣٠) النقود القديمة ونقود القرون الوسطى (٣١) آداب اللغات الصينية والتترية والمنشوية ولغاتها (٣٢) آداب اللغة السنسكريتية (٣٣) آداب اللغة اليونانية (٣٤) فقه اللغة اليونانية (٣٥) تاريخ آداب اللاتينية (٣٦) التاريخ الوطني والعاديات الوطنية (٣٧) الفلسفة الحديثة (٣٨) اللغة الفرنسوية وآدابها في القرون الوسطى (٣٩) اللغة الفرنسوية الحديثة وآدابها (٤٠) أصول اللغات الجرمانية وآدابها (٤١) لغات أوروبا الجنوبية وآدابها (٤٢) اللغات والآداب السلتية (٤٣) اللغة السلافية وآدابها (٤٤) علم النحو المقابل (٤٥) العاديات الأميركية (٤٦) الرياضيات (٤٧) تاريخ فن الموسيقى (٤٨) التاريخ العام والطريقة التاريخية (٤٩) أصول اللغات الهندية

стр. 3118

والصينية وتاريخها. هذه العلوم التي تدرس في مدرسة فرنسا ولا يستغرق الدرس منها ساعة يتلو في خلالها الأستاذ زبدة علمه وبحثه ولا يكثر المستمعون إلا في بعض الدروس التي رزق أستاذها فضل بيان وطلاقة لسان وأكثر الحضور غرباء أي غير فرنسويين وفيهم كثير من الفتيات طالبات العلم ممن قصدن فرنسا من ألمانيا وإنكلترا وروسيا والنمسا وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا والصرب والسويد وأميركا ليغترفن من مدارس باريز ويحكمن لغتها الجميلة. فكأن أهل هذه العاصمة زهدن في حضور هذه الدروس المجانية وأزهد الناس في الرجل أهله وجيرانه. وإن دروساً يعد من جملة أساتذتها لفاسور وبول لوروا بوليو الاقتصاديين وماسبرو وغانو الأثريين وجوليان ومونو المؤرخين وبرجسون وريبو الفيلسوفين وغيرهم من الأئمة الأعلام لحرية بأن يستفيد منها كل طالب ويغترف من درر بحورها عاشق العلم. وإن هذا المعهد ليولي فرنسا شرفاً ليس وراءه غاية ويدل على تفانيها في نشر المعارف والأخذ بأيدي القائمين عليها وينادي بلسان الحال والمقال على توالي العصور والأجيال أن فرنسا إذا هرمت في سياستها وأخلاقها فهي على الدهر فتية في جمال علمها وجدة حكمتها. التجارة الباريزية لم يكتف الفرنسويون بل الغربيون بما بلغوه من أسباب الراحة والرفاهية بل تراهم يعملون ليلهم ونهارهم لئلا يسبق بلد بلداً آخر أو مملكة مملكة أخرى كأن المنافسة التي هي من أعظم عوامل الارتقاء قد تحسمت في صدر الكبير والصغير من الإفرنج فكان من آثارها ما يبهرنا من تلك الحضارة الراقية والسعادة الشاملة. رأيت روح الاجتماع مستحكمة في أعمال الأوروبيين فلا يكاد يأتي زمن قليل حتى تصبح جميع مشاريعهم وأعمالهم شركات وجمعيات ليخفى عمل الفرد ويظهر عمل الجماعة ويتراجع ضعف الواحد أمام قوة المجموع فقد ظهرت لتلك الأمم نتائج الاشتراك جماعة ظهوراً لا ينكره إلا من يكابر حسه ويغش نفسه فأنشأ من كانوا إلى الانفراد في متاجرهم ينضمون بعضهم إلى بعض ومن عاشوا بالوحدة يربحون ويخسرون فلا يدري بهم أحد عدلوا عن سالف طريقتهم واقتدى المتأخر بالمتقدم أو العناصر اللاتينية والسلافية بالعناصر الإنكليزية السكسونية.

стр. 3119

مثال ذلك مدينة باريز مهد الحضارة اللاتينية فإنك تجد معظم مشاريعها ومتاجرها ومصانعها لشركات ومشاريع الأفراد ومتاجرهم ضعيفة ضئيلة لا تكاد تحيا حتى تموت وكلها آيلة طوعاً أو كرهاً إلى الاندماج في سلك الاشتراك مع الجماعة. دخلت كثيراً من مخازن باريز فكنت أشهد على قلة إلمامي بفن التجارة روح الجماعة مرفرفة عليها وتعدد القوى زائدة في نمائها وحسن الذوق وسلامة الإبداع تتخلل أرجاءها وتزيد بهاءها. باريز أعظم بلد تصرف فيه السوق المالية والتجارية والصناعية من فرنسا ورؤوس أموالها مقدمة جميع متاجرها ولا تفوقها في ذلك إلا لندر. وقد بلغ عدد ما في باريز من البيوت المالية والمصارف وشركات الضمان فقط زهاء ألفي محل توشك أن تكون كلها لشركات وأعظم متاجر باريز بل فرنسا تجارة الأطعمة المحضرة والأمتعة والثياب والأزياء وكلها مهمة جداً لا بكثرة عددها بل بمكانتها وفخامتها وانتظام أعمالها. زرت بعض هذه المخازن من مثل لابل جارندنيير والرنتان والبون مارشه واللوفر ولافييت ودوفاييل وكل واحد منها يبتاع بما حوى قطراً واسعاً من أقطار الشرق ويحتاج وصفه إلى الكلام ساعات على شرط أن يكون المتكلم عارفاً بالتجارة وما يتصرف أو يتوقف عليها وتتوقف عليه وكل مخزن يعد مستخدموه وموظفوه بالمئات ففي مخزن دوفايل وهولفرش الدور والقصور وما يلزم لها من الأثاث والخرثي والرياش والأواني والسرر والصناديق والمقاعد والمتكآت والكراسي وأدوات الطبخ وكل ما يتصرف تحت أنواع الزينة والتبرج والبذخ والرفاهية ما يأخذ بمجامع القلب ويعد من أغرب غرائب الغرب. ولا يقدر المرء أن يطوف هذا المخزن في أقل من ثلاث ساعات إذا أحب أن يلقي نظرة واحدة على ما فيه من التحف والأمتعة الثمينة وهو قصر فخيم جداً لم أر أجمل من نقوشه البديعة وبنائه العظيم سوى متحف اللوفر ومتحف فرسال ودار المجلس البلدي الباريزي. وفي مخزن دوفايل محل للتمثيل ومحل للموسيقى ومحل لألعاب السينما توغراف يختلف إليها الزائرون بأجور معتدلة جداً والغرض منها أن يمروا ببعض مخازن ذاك المحل الكبير فيكون مرورهم بها وإلقاء أنظارهم عليها بمثابة إعلان عما فيها من الأعلاق النفيسة وببركة الإعلان يشتري من لم يكن تحدثه نفسه بالشراء. ومن الغريب أن هذا المكان الذي لا يشبهه في الفخامة إلا أرقى قصور الملوك والأمم كما

стр. 3120

آخذ الآن في توسعة مخازنه لأنها ضاقت به على سعتها وما أدري ما هو رأس ماله ولا مقدار أرباحه وعدد مستخدميه وغاية ما رأيت أن مصرفه أشبه بمصرف كبير بل هو في سعته وكثرة مستخدميه أشبه بمصرف الكريدي ليونيه في القاهرة لا في باريز فإنه هناك العجب العجاب بعينه. وقرأت في إحصاء أخيراً أن مخزن لافاييت أحب أن يزيد رأس ماله فقرر مساهموه أن يزيدوه اثنين وعشرين مليوناً ونصف مليون من الفرنكات فإذا كان مخزن واحد زاد رأس ماله في جلسة نحو مليون ليرة عثمانية فكم يكون أصل رأس المال. ومما هو حري بالنظر في المسائل الاقتصادية أن أهل باريز على شدة كرههم للألمان يبتاعون في بلدهم البضائع الألمانية لرخص أسعارها والتفنن في إبداعها حتى كادت بضائع الألمان تأتي على بضائع فرنسا مع جودة هذه ومتانتها وأصبحت بذلك معظم البيوت التجارية لأناس أو لشركات من الألمان وغيرهم ومثل ذلك قل على ما قرأته في إحدى المجلات عن تجارة لندرا أو تجارة نيويورك فإن القسم المهم منها بيد الألمان يصرفون على الإنكليز والأميركان سلعهم وحكومة إنكلترا وأميركا مع شدة حرصهما على مصلحة قومهما التجارية لم تستطيعا بالتعاريف الجمركية ولا بغيرها أنت تقيما سداً منيعاً دون تسرب البضائع الألمانية إليهم. ولكن ألمانيا أو العنصر الجرماني ومن لف لفه تحارب هذه الحرب التجارية بسيف العلم والمعارف وسدود الدول لا تقوى على صد هجماتها المعقولة. ذكر الإحصائيون أن مدارس ألمانيا تخرج كل سنة أربعين ألف طالب وبيدهم الشهادات التجارية فأين يذهب هؤلاء الرجال بعد؟ وهل لهم إلا أن يصرفوا متاجرهم في مشرق الشمس ومطلعها بالطرق الاقتصادية المدهشة. فكم رجل تخرج من البلاد المصرية العثمانية يا ترى حتى الآن في المعارف التجارية وكم طالب أتقن اللغة الألمانية منا حتى أصبح يكتب فيها ويترجم منها وإليها كما يكتب الفرنسوية أو الإنكليزية ويترجم بها منها؟ قال لي أحد علماء الألمان أتدري بأي شيء غلبنا الفرنسيس في حرب السبعين قلت لا أعلم قال غلبناهم لأننا كنا عارفين بما عندهم أما هم فلم يكونوا يعرفون ما عندنا وأنا أقول أن اقتصارنا معاشر العثمانيين والمصريين والسوريين خاصة على تعلم اللغة الفرنسوية في
следующие страницы →