← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

أي غرض تريد أن أقضيه يا فيلسوف فأجابه هذا أريد أن تبعد من طريق شمسي. وقد اتفق الأطباء في عصرنا عَلَى هذه المسألة وجاءت من كل مكان أخبار فوائد أشعة الشمس. وحدث أن رجل كان مصاباً بخراجين نغارين من الخنازير فعرض أحدهما للشمس فشفي أما الثاني فلما لم يحسن مداواته بأشعة الشمس بقيت بحالها تنز. وهكذا الحال في كثير من الرضوض والقروح السلية والنواسير والبثور وجروح الجلد فإنها كلها تتحول بتأثير المداواة بالشمس. وأشعة الشمس لا تؤثر فقط في ظاهر الجلد بل تخترق البشرة والأدمة (الطبقة الغائرة من الجلد) وتسري إلى الداخل وتعدل الحواس الداخلية فالحرارة المنبعثة منها تجلب التعريق فتلين الأعصاب وترخص المفاصل ويزول الشعور بالملل والثقل بتأثير الأشعة وما يتبعها من ارتفاع درجة الحرارة ويحسن الهضم شيئاً فشيئاً ويسكن القلق والاضطراب الحادثان من أوجاع مجهولة. ويرتفع التأثير الشديد الناشئ من وجع الكلى والرحم والمبيض والآلام العصبية ووجع الأضلاع أو يقل تناوبه عَلَى المصاب به فتنبسط نفسه وترتاح روحه وتتعدل حالة البول بإدراره تارة وتجمعه أخرى وتحسن موازنة الوظائف العديدة في تركيب الإنسان وأكل الأحشاء التي تقاوم كل تأثير تنتهي بها الحال إلى الخروج عن ضعفها. ويقف السمن عن النمو أو يرجع القهقرى وذلك بدون عقاقير ولا تعاطي أدوية ولا حاجة للوصول إلى هذه الغاية إلى أكثر من التشمس عَلَى طريقة منظمة بتوجيه الأشعة إلى البطن السمين والعنق والخاصرة حتى تعود إلى اعتدالها وحالتها الطبيعية وبعد المداواة بالشمس أشهراً يعود الصدر إلى سالف طبيعته. وإن الحركات الرياضية التنفسية اللازمة للبالغين من ضاقت صدورهم وكل من لهم استعداد للسل لتقضي بأن يعري المرء نصفه الفوقي ويعرضه للشمس وهذه المداواة تنفع جميع الضعفاءِ والهزالى والمنهوكين والمتعبين. وأكثر المستشفين انتفاعاً بأشعة الشمس من اسودت بشرتهم فإذا لم يكتب لهم ذلك فالواجب أن يعمدوا إلى طريق آخر في الاستشفاءِ. ويجب أن يعرض الجزء اللازم شفاؤُه للشمس مباشرة بدون حاجز اللهم إلا سجف يقي الجسم من النظر وهبوب الهواء فلا يحم المستحم عَلَى هذه الصورة ولذلك رأى بعضهم أن خير استشفاء ما يكون في الشتاء ورأى آخرون أي الواجب الاستياط ووضع رفادات ندية

стр. 3152

أو مثلجة عَلَى الرأس والنقرة والقلب ولذلك يجب مراجعة الطبيب. السجناء ما برح الناس في الغرب يسعون إلى تخفيف عذاب السجون والرفق بالسجناء حتى أصبح السجن بهيجاً كالمعمل أو الثكنة بل إن بعض السجناءِ قال لمفتش أحد السجون أنهم لا يعطوننا خبزاً مثل خبز الجند كأنه يظن نفسه أرقى منهم طبقة ويحق له أن يطالب بأكثر مما نال فليس عجيباً من ثم أن تزيد الجرائم. واختلف الباحثون في الجرائم والعقوبات فمنهم من رأى الاستعاضة عن الحبس بغرامة مالية ولكن ما كل الناس في سعة يستطيعون معها بذل المال وقال آخر يجب تشهير الجاني بالإعلانات ورد عليه غيره بأن ذلك مناط بعقل المجرم. وذهب آخرون إلى وضع المجرمين في بيوت أهلها من أهل العرض والشرف ثم عاد عن هذا الفكر وارتضاه فقط لصغار الأولاد. وأحسن السجون سجن لوفان في البلجيك حيث يفصل المحكوم عليهم عن أخوانهم ويزورهم أناس من أرباب الشرف والحشمة يسلونهم ويعطونهم عملاً ويستمعون لمطالبهم وينصحون لهم سراً بنصائح صالحة وقد ارتأى أحد العلماء أن المحكوم عليه يجب أن يفصل ما أمكن عن أقرانه ويكون قريباً ما أمكن من المجتمع. شركات المطاط كان يستخرج المطاط إلى العهد الأخير من أشجار برية معرشة اسمها ليان ثم أصبحوا يغرسون شجرة ويزرعونها فصارت غلاته عَلَى طريقة منظمة وأجود وأغزر من قبل وانتشرت هذه الزراعة في المستعمرات الإنكليزية فأنشئت سنة ١٩٠٩_٨٩ شركة إنكليزية برأس مال قدره عشرة ملايين جنيه كما أنشئ من أول كانون الثاني ١٩١٠ إلى ١ آذار ٤٥ شركة أخرى رأس مالها خمسة ملايين ونصف من الجنيهات وكل يوم تنشأ شركات جديدة وقد كانت رؤوس الأموال الموضوعة سنة ١٩٠٦ مليونين ونصفاً من الجنيهات فأصبحت اليوم ثلاثين مليوناً وأهم تلك الشركات تملك ٢. ٧٠٠. ٠٠٠ شجرة يستخرج منها المطاط. مدرسة التربية يذهب كثير من الباحثين إلى أن المدرسة إذا علمت الأولاد قليلاً أو كثيراً فهي لا تربيهم

стр. 3153

وقد كتب أحد علماء الطليان بحثاً في هذا الشأن قال فيه أن المدارس تفرط في تدريس التعليم المسيحي عَلَى حين ليس هو نافعاً في تربية أخلاق الأولاد وذلك لأنهم لا يفهمون منه شيئاً فالواجب أن يعمد إلى تربية الطفل عَلَى العمل حتى تصبح المدرسة مربية حقيقية في ساعتين تكفيانه في اليوم لتعليم اللغات والمعارف الابتدائية فينبغي تخصيص بقية الوقت أي ساعتين أو ثلاث للأعمال اليدوية بحسب ميل الطفل وذوقه لأن الاستعداد للعمل أمتن أساس في الخلاق وبذلك لا تكون المدرسة سجن الطفل تتبرم نفسه من الجلوس عَلَى دكات المدارس خمساً أو ست ساعات في اليوم وتضطرهم المدرسة إلى حضور التعليم الديني بلا فم والفطرة تدعوهم إلى الحياة العملية التي تهيئ مستقبلهم في المجتمع. سماد الفوسفات انتشرت صناعة السماد الكيماوي ولاسيما الفوسفات فقد ظهر هذا السماد لأول مرة سنة ١٨٦٧ في كارولين ثم جاء سماد البلجيك والجزائر وتونس وجزائر المحيط وفلوريدا وغيرها وكان المستخرج منه سنة ١٨٨٦ ثمانمائة ألف طن فأصبح هذه السنة خمسة ملايين طن والولايات المتحدة أكثر الممالك إخراجاً للفوسفات أي نصف ما يستخرج من آسيا وأوربا وأفريقية وزاد المصروف من هذا السماد ٧٩ مرة خلال العشر السنين الأخيرة. القرى والمدن الأنكلوسكسونية قابل احدهم بين نمو المدن في إنكلترا ونموها في ألمانيا فقال أن الألمان أشد ميلاً إلى سكنى المدن من الإنكليز في حين بدأ الإنكليز بالتحضر في المدن قبل الألمان بكثير فقد كان ٥ في المئة من سكان المملكة الجرمانية سنة ١٨٧١ يعيشون في المدن التي تضم كل واحدة منها بين جوانحها مئة ألف نسمة فبلغ عدد ساكني المدن ١٩ في المئة من مجموع من مجموع السكان سنة ١٩٠٥ وكان عدد المدن التي تحوي كل منها مئة ألف نسمة ١٤ مدينة في إنكلترا سنة ١٨٧١ فيها ٦. ٢٥٠. ٠٠٠ ساكن أو ٢٧ ونصف في المئة من مجموع السكان فأصبحت سنة ١٩٠١ ٣٣ مدينة كبرى تحتوي كل واحدة منها عَلَى مئة ألف نسمة ومجموع سكانها ١١. ٥٠٠. ٠٠٠ فزاد سكان المدن ضعفين خلال هذه المدن في إنكلترا وزادت في ألمانيا ثلاثة أضعاف. والسبب في نمو المدن الألمانية كثر أراضي

стр. 3154

ألمانيا وكثرة الولادات بل هجرة الناس من القرى ومعظم سكان المدن الحديثة هم شبان تختلف سنهم بين ٢٠ إلى ٤٥ سنة. عملة الطليان يبلغ عدد العاملين في إيطاليا ٧. ٧٨٧. ١٦٦ عاملاً منهم ثلاثة ملايين و١٢٦. ٥٠٠ يعملون في الصناعات و٤٦٧. ٦٦٦ في الزراعة وقد أنشأ الراقون من العملة مؤتمراً للاتحاد بينهم منذ أربع سنين فبلغ عدد الداخلين فيه إلى هذه السنة زهاء ثلثمائة ألف وغايتهم أن تكون حركة طبقة المساكين تحت إدارتهم مباشرة وأن يساعدوا عَلَى تأسيس غرف للعمل والاتحاد الوطني وينشطوا عَلَى وضع القوانين الاجتماعية النافعة للعاملين فخطتهم إصلاحية سلمية. التعليم الحديث في الصين أخذت الصين منذ سنة ١٩٠٠ تعنى كل العناية بإصلاح التعليم في الصين فنظمت كلية بكين وقسمتها إلى ثمانية أقسام ثم أسست مدرسة للغات الغربية وفي سنة ١٩٠٣ وضعت مشروع قانون لجعل التعليم عصرياً محضاً فأخذ الطالب يشرع في الدرس في السنة السادسة ولا يخرج من المدرسة الثانوية إلا في سن العشرين وبعد ذلك يتمرن ثلاث سنين في المدرسة العليا في عواصم الولايات قبل أن يخصي في مدرسة بكين في علم واحد وهذه المدرسة تعد رجالاً أكفاء لستة وأربعين مسلكاً. ويصرفون جزءاً مهماً من الوقت في المدرسة الابتدائية لتعليم اللغة الصينية وقراءة كتب الأقدمين من كتاب الصين أما في المدارس الأخرى فيدرسون العلم واللغات الحية خاصة وهذه اللغات تعلم عَلَى الترتيب الآتي: اللغة الإنكليزية اللغة اليابانية اللغة الفرنسوية اللغة الألمانية اللغة الروسية. والتلامذة أنفسهم يلاحظون في كل مدرسة أمر مدرستهم ويحق لهم الإشراف عليها. ولم تكد تنشر اللوائح الجديدة في التعليم حتى وضعت موضع العمل وقام الصينيون كلهم يطلبون إنشاء مدارس لهم وقد فتحت في ولاية بتشيلي وحدها ثلاثة آلاف مدرسة في آن واحد وحولت كثيراً من المعابد البوذية إلى مدارس للتعليم عَلَى الصول الحديثة وقد أوعزهم المعلمون أولاً حتى أصبحوا يقبلون المتعلم بعض من لا يحسنونه إلا أن الصين لم تلبث أن بعثت إلى يابان سنة ١٩٠٤ بألفي طالب يتعلمون في مدارسها العالية وزاد عددهم حتى بلغوا سنة

стр. 3155

١٩٠٦ عشرة آلاف طالب وكل من يعود منهم توظف إليه الوظائف السامية في التدريس وغيره (من مجلة العالمين الفرنسوية). التعليم في ألمانيا لا شيءَ أدل عَلَى ارتقاء التعلم الابتدائي في ألمانيا من قلة عدد الأميين بين الجند من أبنائها فقد كان عند ألمانيا سنة ١٨٨٧_١. ٢٥٠ جندياً أمياً من الجنود الذين كانوا تحت السلاح فأصبحوا سنة ١٨٩٧ مائتين وقد بلغا هذه السنة اثنين في المئة من مجموع المجندين وأكثر هؤلاء الجنود الأميين من البولونيين في بروسيا الشرقية أما عدد الأميين في فرنسا في السنة الماضية فقد بلغ ٩٨٢٥ من الجند ومعظم الدول تعلم جندها الأميين القراءة والكتابة بحيث لا يقضي الجندي الخدمة العسكرية إلا وقد تعلم الكتابة كما تعلم الرماية. المطبوعات الأميركية نشر إحصاء بحركة العلم والمطبوعات في الولايات المتحدة خلال السنة الماضية فشوهد أن القوم أخذوا يزهدون في قراءة القصص ويرغبون في تناول كتب الجد وأصبحت كتب الآداب في الدرجة الأولى من العناية بعد أن كانت في الدرة الخامسة. وقلت العناية بكتب الدين واللاهوت كما زادت في سائر فروع العلم مثل الفنون النافعة والجغرافيا وكتب الرحلات والسياسة والعلوم الاجتماعية والتربية. وقد طبع سنة ١٩٠٩ في هذه البلاد ٨٣٠٨ كتب لمؤلف أميركي وكان عددهم في السنة التي قبلها ٦٣٤٩ وطبع ٨٢٨ كتاباً لمؤلف إنكليزي أو أجنبي وكان عدد هذه الفئة في للسنة التي قبلها ١١٤٥. اللغة الروسية كانت اللغة الفرنسوية في روسيا منذ مئة سنة لغة الطبقة العالية والمجتمعات المنورة وما برح الروسيون يعملون عَلَى تحسين لغتهم ويحببونها إلى النفوس عَلَى كثرة شذوذها ويرققونها عَلَى غلظتها حتى نشروا أعلامها لا في بلادهم فقط بل في أوربا ووصلوا بها إلى أميركا ففي نيويورك وحدها حيٌّ للروس يبلغ المتكلمون بلغتهم ١٦٠ ألفاً هذا واللغة الروسية عَلَى ما فيها من الآداب منذ عهد بوشكين شاعر الروس الأول إلى عهد تولستوي آخر أئمة النثر عندهم لم تبرح عَلَى جفائها الأول وإن تسربت غليها ألفاظ كثيرة من اللغات المجاورة ولاسيما الألمانية.

стр. 3156

أميركا الإسرائيلية في إحدى المجلات الإفرنجية أن أميركا هي بلاد الإسرائيليين لو رجعنا إلى ما قاله بعض المؤرخين والإحصائيين. فقد دخل الإسرائيليون أميركا منذ اكتشافها وسها علماء إسرائيل في البرتقال بأعمالهم الرياضية والفلكية الطريق لسفر خريستوف كولمبس إلى أميركا بل إن مال اليهود هو الذي يسر له رحلته وكان معه في السفينة لويز دي تور الإسرائيلي وهو أول من داس الأرض الأميركية وأخذ المهاجرة من الإسرائيليين منذ افتتاح تلك البلاد يأتون زمراً زمراً فاليهود هم الذين استعمروا سان تومه حيث أسسوا معامل السكر وبهم نجحت برازيل إلى أن طردوا منها سنة ١٦٥٤ وجزائر بارباد وجاماييك ارتقت بواسطة الإسرائيليين وقد طرح أحد حكام الإنكليز أن الإسرائيليين هم أحسن رعايا عظمة الملك. وما كانت الولايات المتحدة لتدخل في طور الفلاح لولا العنصر اليهودي فيها. وقد قال الرئيس يوم عيد الـ ٢٥٠ لهجرة الإسرائيليين أن هؤلاء القوم قد شاركوا في عمران هذه البلاد ونشأتها. وقال الرئيس كلفلند لم يؤثر أحداً كاليهود في تأسيس معالم الحضارة الأميركية اليوم. الرياضات اليابانية يقول اليابانيون أن الأجسام بينهم أخذت بالضعف منذ تخلى الناس في يابان عن الارتياض واللعب عَلَى طريقتهم القديمة عَلَى خلاف ما يظن الأوربيون فإن كثرة المواصلات بالترمواي والسكك الحديدة قللت السير عَلَى الأقدام والمشي من أنفع الرياضات كالسباحة وقد نصحوا بأن الواجب عَلَى كل ياباني أن يحسن العوم ويتعلمه مكرهاً في المدارس وعلى الناس أن يرجعوا من تلقاء أنفسهم إلى تعاطي اللعب والرياضات والمشي فليس أدل عَلَى ضعف البنية اليابانية أكثر من أن حكومة الميكادو أخرت ١٧٨ ألفاً منن الجند وأعفتهم من الخدمة من أصل ٤١٤ ألفاً لضعف بنيتهم ولأنهم لم يستوفوا الشروط المطلوبة للخدمة العسكرية. خريطة العالم دعا المؤتمر الجغرافي في جنيف سنة ١٩٠٨ مؤتمراً دولياً للتعاون عَلَى وضع خريطة للعالم من مقياس مليون فاجتمع المؤتمر في لندرا وقرر أن ترسم إنكلترا معالم أفريقية

стр. 3157

ومجاهلها وترسم الولايات المتحدة معالم أميركا الشمالية والجنوبية وألمانيا ترسم آسيا وستكون هذه الخريطة أصح مصوَّر للأقاليم والبلدان تنفق عليه النفقات العظيمة. محصول الحنطة ذكر أحد كبار الإحصائيين الاقتصاديين منذ عشر سنين أنه سيجيء وقت ليس ببعيد يظهر عجز كبير في محصول القمح فلا يعود يكفي الناس لأنهم في ازدياد كل يوم والمحصول لا يزيد عَلَى نسبتهم فقد أبان بعضهم أن محصول الحنطة في العالم سنة ١٩٠٦_١٩٠٦ كان ٧. ٨١٢. ٤٦٢ هكتولتراً (الهكتولتر مئة لتر) وما صرف منها ٢٢٩. ٧٧٣. ٧٣٠ فبلغت الزيادة ٧. ٨١٢. ٤٦٢ هكتولتراً وبلغ المحصول في العالم سنة ١٩٠٧_١٩٠٨ ٢. ٠٠٩. ٧٣٦. ٤٣٠ والمصروف ٢. ٣٣. ٥٨٥. ٩٠٠ أي بعجز ٣٢٠. ٨٤٩. ٤٧٠ ولا يتأتى سد هذا العجز إلا بخزن القمح وخزنه لا يتيسر عَلَى ما ينبغي والمستقبل لا يخلو من خطر عَلَى غذاء البشر. وقد عاد الاقتصاديون فبحثوا عن الراضي التي تزرع قمحاً فأثبتوا بالأرقام أن كثيراً من الأصقاع في أميركا وآسيا آخذة بالنمو العجيب في زراعة الحنطة وأنه يمضي الجيل إثر الجيل والقرن بعد القرن والحنطة تكفي البشر وإنه إذا كانت بعض المطاحن والمخابز وقفت عن الطحن والعجن والخبز ولاسيما في العواصم الأميركية والإنكليزية فذلك ناشئٌ من مضاربة تجار الحنطة لا من قلة المحصول. الصحافة في سويسرا ظهر تقويم الصحافة السويسرية لهذه السنة فتبين منه أن سويسرا عَلَى قلة سكانها أكثر البلاد الراقية بصحفها ومجلاتها ففيها ٢٦٢ جريدة سياسية وإخبارية تصدر باللغة الألمانية و١٠١ باللغة الفرنسوية و٢١ باللغة الإيطالية و٣ بلغة الرومانش (الرومانش من شعوب سويسرا الشرقية ينزلون اليوم في كريزون ولغتهم مشتقة من اللغة اللاتينية) وعندهم أربع مجلات فلسفية مهمة و٤٠ مجلة فرنسوية برتستانتية و٣٧ ألمانية و٢٧ جريدة كاثوليكية و١٠ جرائد للمراسلين وجلتان إسرائيليتان وثلاث مجلات لا تقول بدين هذا عدا الجرائد الرسمية التي تصدر في المقاطعات والمجلات الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والفقهية ومجلات الضمان والنساء والفلسفة والعلوم والصناعات النفسية والرياضات والآداب فيكون مجموعها ٧٦٦ مجلة وجريدة فحيا الله بلاد العلم والعمل.

стр. 3158

منع التقبيل اشتدت ولاية أيوا في الولايات المتحدة أكثر من غيرها من أصقاع الأرض منع التقبيل وقد صنعت ألوفاً من الشريط الأبيض والوردي كتبت عليه لا تقبل ووزعت مجاناً عَلَى تلامذة المدارس وأخذت إدارة الصحة تبعث بأطبائها إلى البلاد يخطبون القوم في مضار التقبيل وأساتذة المدارس يساعدونهم بما يبثونه من النصائح للتلامذة والطلبة. حماية الجمال الطبيعي في ألمانيا عدة جمعيات أخذت عَلَى نفسها حماية الجمال الطبيعي في أصقاعها البهجة وهي تبذل كل مرتخص وغال لحماية المصانع القديمة من سوء ينزل بها ومنذ عشر سنين ما برحت المؤتمرات لهذه الغاية تنعقد وتتوالى ومن هذه الجمعيات ما يبلغ إيراده مئة ألف فرنك في السنة تصرفها في هذا السبيل. الحمة هي تلك الراضي الفسيحة الواقعة في وادي اليرموك الجميل عَلَى الخط الحجازي الآتي من طريق حيفا في الكيلومتر و٩٣ و٩٥ الذي يشقه نهر الشريعة الشهير عَلَى جنوبي جبال مكيس ذات الآثار الجليلة المعروفة قديماً بمدينة (جدره) وفي الحمة ينبع ثلاثة ينابيع معدنية حارة تنبجس بغزارة وتجري حتى تنصب في نهر الشريعة عَلَى بعد قليل ويبعد النبع عن الآخر بضع دقائق يدعى إحداها المقلي أو حمام سليم ودرجة حرارته ١١٩ والآخران (حمام الجرب) وحرارته ١٠٨ وحمام الريح وحرارته ٨٢ بميزان فارنهيت ويلحق بهذه الحمامات ثمانمائة دونم كلها صالحة للزراعة ذات خصب وثراء وقد عرف الأقدمون مكانة هذه الينابيع فعمروها عَلَى أحسن طرز من البناء الروماني الضخم الجميل يدلنا عَلَى ذلك ما خلفوه لنا من الآثار الجليلة والأبنية لدائرة الفخمة التي تخاطبنا بأفصح لسان بما كانت عليه من الجلال والمنعة إبان مجد الرومانيين الدابر منها آثار تياترو من الحجر الصلد الأسود عَلَى غاية الرونق والإتقان. وقد جرى تحليل هذه المياه في أدوار مختلفة لمعرفة خصائصها ومنافعها في الاستشفاء والمعالجة فأفصحت التجارب عن حقائق ذات شأن كبير منها شفاء أوجاع المفاصل المعروفة بالروماتيزم عَلَى أنواعها عضلية أو مفصلية وأمراض الجلد والقروح حادة أو

стр. 3159

مزمنة والرمل الكلوي وأمراض المعدة والكبد والأمراض الزهرية والأمراض المانعة للحبل والتوليد وغير ذلك وفيها أيضاً نبع غزير بارد له خاصية شفاء الإسهال إذا شرب منه المصاب ولهذه الحمامات شأت في كثير من جهات البلاد المجاورة لذلك يقصدها الكثيرون يستشفون بها ويمنعون النظر بمناظرها الطبيعية الجميلة بين ماء وكلأ وجبال شماء وأودية غناء ولا أبالغ إذا قلت أن معدل قاصديها في شهر نيسان لا يقل عن عشرين ألفاً يقيمون أياماً تحت حر الشمس وهبوب الريح لا بيت يؤويهم ولا نزل يكنهم فإن كان هؤلاء القاصدون يبلغون هذا العدد وهي قفراء خربة في شهر واحد فكم يكون عددهم لو تهيأت لهم حمامات منتظمة وأبنية وفنادق وما به يستتب لهم الراحة فيه أأبالغ إذا قلت أنهم يزيدون عن المائتي ألف؟ وقو لي هذا يقوله ألوف غيري ويضيق بي المقام لو قصدت الاستفاضة في وصف ما تجتنيه شركة مساهمة من الأرباح وما يحوزه الوطن من الفوائد المادية والمعنوية والشركة تحتاج إلى خمسين ألف ليرة منها خمسة وأربعون ألف ليرة للأبنية من الحمامات ونزل ومستشفيات وخمسين ألف ليرة لإصلاح الراضي المجاورة ونصب أشجار مثمرة من ليمون وبرتقال وغيره وحدث عن خصب هذه الأراضي ولا حرج فإن شجرة الباميا بلغت مترين فكم تكون غلة الشجار المثمرة وكم يكون نموها عجيباً وكم من الأرباح والفوائد التي تستغلها الشركة وتتمتع بها دون إعانات وعناء؟ عجلون: نجيب فركوح.

стр. 3160

مطبوعات ومخطوطات العبرانيون والفينيقيون نشر المسيو سلوش من علماء المشرقيات كتاباً بالإفرنسية ذكر فيه أن الإسرائيليين والفينيقيين من عنصر واحد وليس أصل سكان فينيقيا بعيداً عن وقت دخول الهكسوس أي العرب إلى مصر. ومعنى فينيقي ساكن الكثبان والرمال الحمراء وكان الفينيقيون والعبرانيون عل عهد القضاة شعباً واحداً قال وقد دخل التمدن إلى بلاد اليونان من مصر وإن كان موسى أخو أبي الهول قد خرج من صحراء ليبيا ليحمل الحضارة إلى يونان والكادموسيون أخوان الفينيقيين البكر أما أجداد الساميين المذكورين باسم بني قدم في التوراة فإن أصل مقامهم كان في الهند كوش وخليج فارس ومعنى اسمهم الساميون الشرقيون ومنهم خرج العبرانيون سكان وراء بحر الفرات والآراميون سكان الشمال الجبلية والعرب سكان الغرب. وقال أنه كان سنة ٤٧١ ق. م أناس من المستعمرين اليهود في أسوان وجزيرة الفيلة من صعيد مصر وانتشر اليهود في القرن الثاني ب. م في افريقية ولما دمرت القدس سنة ٧٠ كان اليهود ومن تبع عاداتهم هم السواد الأعظم من سكان صحراء ليبيا. وبعد الحروب التي نشبت بين يهود اليونان ويهود الرومان خربت بلاد برقة وصحراء ليبيا الشرقية واضمحل سكانها وسقطت اليهودية اليونانية منذ ذاك الحين في افريقية ولما قامت مدينة قرطاجنة الرومانية عَلَى أنقاض قرطاجنة الفينيقية أصبحت مدينة تقاليد اليهود التلموديين وامتدت المستعمرات اليهودية إلى من قرطاجنة بلاد مراكش وكثر عددهم في مراكش الرومانية وأفريقية الفاندالية في القرن الثالث للمسيح. وتكلم عَلَى اليهود الحميريين واليهود البربر وعلق شأناً عظيماً عَلَى قول ابن خلدون في البربر النازلين في أفريقية منذ عهد متطاول والبربر الذين أتوا من حمير وهم عرب اختلطوا في أفريقية بالسكان الأصليين وتبربروا مثلهم وقد انصبغت هذه الشعوب الحميرية بصبغة اليهود وقال أن اليهودية انتشرت في جنوبي بلاد العرب منذ سنة ١١٥ ق. م. ديوان سلامة بن جندل نشر المسيو كليمان هوار من علماء المشرقيات من الفرنسويين ديوان سلامة بن جندل من شعراء الجاهلية نقلاً عن نسخة مخطوطة من مكتبة آيا صوفيا في الآستانة وقد ترجمه كله

стр. 3161

إلى الإفرنسية ونشره في المجلة الآسياوية فعساه يجرد عَلَى حدة. فقه العلم هو كتاب قدمه أصدقاء الماركيز ملكيوردي فوكويه المستشرق الفرنسوي بمناسبة ذكرى ثمانين سنة عَلَى ولادته وبعض تلامذته ورصفائه والمعجبين به من علماء المشرقيات فكتب كل واحدة مقالة وقد جرت العادة أن يقدم للعلماء مثل هذه الهدايا كما قدم لنولدكه أحد كبار علماء المشرقيات من الألمان مثله ومن مقالات هذا السفر النفيس مقالة للمستشرق مانس فإن برشم للكتابات المأثورة عن دولة الأتابكية في دمشق وحل ما عرف من الكتابات الخمس عن أمراء البوريين منها ثلاث من الأتابك طغتكين وواحدة من ابنه يوري وأخرى من محمد بن يوري. ومنها مبحث للمسيو برونوف في حصون تخوم بلاد العرب من العقبة إلى حوران وأشار إلى المعبد الذي أنشئ في أوائل التاريخ المسيحي في سي من بلاد حوران إكراماً لووسارا وفيه المصورات والرسوم اللازمة. وبحث المسيو جويدي في المعلومات التي تؤثر عن علماء العرب في الجغرافيا من قبل الإدريسي مثل ابن خرداذبة واليعقوبي وابن الفقيه والاصطخري والمقدسي في وصف أوربا الغربية فقال أن هذه المعلومات ضعيفة لأن العرب الذي جاؤوا إسبانيا قد ساروا عَلَى شواطئ أفريقية ولم يتيسر لهم أن يزوروا البلاد الغربية عَلَى أن هؤلاء الجغرافيين وصفوا رومية وصفاً مستوفى في الجملة أخذوه عن مصادر مسيحية ولكنها شرقية. وجميع هذه المقالات متعلقة بآثار الشرق وتاريخه وآدابه وشعوبه وفي جملة الكاتبين أناس من كبار المستشرقين مثل سنار ونولدكه ومولر وماسبرو ومرجوليوث ودوسو وغانو. مجلتان جديدتان العلم_هي أول مجلة عربية نشرت في العراق لمنشئها السيد محمد علي هبة الدين الشهر ستاني في النجف وتطبع في بغداد وهي شهرية دينية فلسفية سياسية علمية صناعية ومؤلفها مشهور من القديم بكتاباته ورسائله وقيمة اشتراكها ٢٠ قرشاً في محلها وريال ونصف في سائر الأقطار. النجف_هي أول مجلة فارسية ظهرت في العراق أنشأها آغا محمد المحلاتي تصدر في النجف مرة في الشهر في ٦٤ صفحة وثمنها ثمانية بشالك وهي تبحث في موضوعات

стр. 3162

دينية ومدنية.

стр. 3163

العدد ٤٩ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٠

стр. 3164

مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن تتمة ما ورد في الجزء الماضي. مزاعمهم في الهاتف والناقل والرائي قال الجاحظ: والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف بل يتعجبون ممن رد ذلك فمن ذلك حديث الأعشى ابن ماس بن زرارة الأسدي أنه سمع هاتفاً يقول: لقد هلك الفياض غيث بني فهر ... وذو البياع والمجد الرفيع وذو القدر قال فقلت مجيباً له: ألا أيها الناعي أخا الجود والندى ... من المرءِ تنعاه لنا من بني فهر فقال: نعيت ابن جدعان بن عمرو أخو الندى ... وذا الحسب القدموس والمنصب القصر قالوا ولنقل الجن الأخبار علم الناس وفاة الملوك والأمور المهمة كما تسامعوا بموت المنصور في اليوم الذي توفيه فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضاً كثير. وكانوا يقولون إذا ألف الجني إنساناً وتعطف عليه وخبره ببعض الأخبار وجد حسه ورأى خياله، وإذا كان عندهم كذلك قالوا مع فلان رئي من الجن. وممن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحاء ابن قمعة_والمأمون الحارثي_وعتيبة بن الحارث بن شهاب في ناس معروفين من ذوي الأقدار من بين فارس رئيس وسيد مطاع. فأما الكهان فمثل حارثة بن جهينة وكاهنة باهلة وعنز سلمة ومثل شق وسطيح وأشباههم. وأما العراف وهو دون الكاهن فمثل الأبلق الأسيدي والأجلح الزهري وعروة بن زيد الأسدي وعراف اليمامة رباح بن كحلة وهو صاحب المستنير البلثعي وقد قال الشاعر: فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن أبرأتني لطبيب وقال جبهاء الأشجعي: أقام هوى صفية في فؤادي ... وقد سيرت كل هوى حبيب لك الخيرات كيف منحت ودي ... وما أنا من هواك بذي نصيب أقول وعرة الأسدي يرقي ... أتاك برقية الملق الكذوب لعمرك ما التثاؤب يا ابن زيدٍ ... بشافٍ من راق ولا مجيب

стр. 3165

لسير الناعجات أظن أشفى ... لما بي من طبيب بني الذهوب وليس الباب الذي يدعيه هؤلاء من جنس العيافة والزجر والخطوط والنظر في أسرار الكف وفي مواضع قرض الفأر وفي الخيلان في الجسد وفي النظر في الأكتاف والقضاء بالنجوم والعلاج بالفكر. وقد كان مسيلمة يدعي أن معه رئياً في أول زمانه ولذلك قال الشاعر حين وصف مخاريقه وخدعه: بيضة قارور وراية شادن ... وخلة جني وتوصيل طائر ألا تراه ذكر خلة الجني. ما روي من هتوفهم بالبعثة المحمدية روى الإمام الماوردي في أعلام النبوة ما رواه أهل السير من هتوف الجن برسول الله ﷺ قبل مبعثه وأنه كان من آيات نبوته الصادرة عن إلهام فمن ذلك ما رواه عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال بينما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ذات يوم جالساً إذ مرَّ به رجل فقيل له: أتعرف هذا المار يا أمير المؤمنين قال: ومن هو قالوا هذا سواد بن قارب قال نعم يا أمير المؤمنين فقال أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي ﷺ قال: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئي من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي وأعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول: عجب للجن وتطلباتها ... وشدها العيس باقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صدق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... فليس قدماها كأذنابها فقلت له: دعني فقد أمسيت ناعساً ولم أرفع بما قال رأساً فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي وأعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:

стр. 3166

عجب للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها فقلت: دعني فقد أمسيت ناعساً ولم أرفع بما قال رأساً فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي وأعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول: عجب للجن وتجساسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو الجن كانجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها قال: فأصبحت وقد امتحن الله قلبي للإسلام فرحلت ناقتي وأتيت المدينة فإذا رسول الله ﷺ وأصحابه فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله قال: هات فأنشأت: أتاني نجيٌّ بين هدو ورقدة ... ولم أك فيما نجوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بني غالب فشمرت من ذيل الأسرار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب فاشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون عَلَى كل غالب وإنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جيء شيب الذوائب وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب قال ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحاً شديداً ووثب إليه عمر فالتزمه وقال: قد كنت أحب أن أسمع منك هذا الحديث فهل يأتيك رئيك اليوم فقال: مذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن. يروي إبراهيم بن سلامة بسنده إلى رجل من خثعم قال: كانت خثعم لا تحل حلالاً ولا تحرم حراماً وكانت تعبد أصناماً (قال) فبينا نحن عند صنم ذات ليلة نتقاضى إليه في أمر قد شجر بيننا إذ صاح صائح من جوفه.

стр. 3167

يا أيها الركب ذوو الأحكام ... ما أنتم وطائش الأحلام ومستندو الحكم إلى الأصنام هذا نبي سيد الأنام ... يصدع بالحق وبالإسلام اعدل ذي حكم من الأحكام ويتبع النور عَلَى الأظلام ... سيعلن في البلد الحرام قد ظهر الناس من الآثام قال الخثعمي: ففزعنا منه وخرجت إلى مكة وأسلمت مع النبي ﷺ وروى إبراهيم بن سلامة بسنده عن رجل حدث عمر بن الخطاب قال له: خرجت وأصحاب لي في تجارة لنا نريد الشام فصحبنا رجل من يهود فلما كنا ببعض أودية الشام هتف هاتف إياك لا تجعل وخذها موبقة ... فإن شر السير سير الحقحقة قد لاح نجم فاستوى في مشرقه ... يكشف عن ظلما عبوس موبقه يدعو إلى ظل جنان مونقه فقال اليهودي: تدرون ما يقول هذا الصارخ قلنا: ما يقول قال: يخبر أن نبيّا قد ظهر خلا فكم بمكة فقدمنا فوجدنا نبيّ الله ﷺ بمكة ومن بشائر هتوفهم ما حكاه أبو عيسى قال: سمعت قريشا في الليل هاتفا عَلَى أبي قبيس (جبل) يقول: إن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان سعد بكر وسعد تميم فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... عَلَى الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف قال الماوردي: ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد عمن لا يرى شخصه ولا يحج قوله فخروجه عن العادة نذير وتأثير في النفس بشير وقد قبلها السامعون وقبول الأخبار يؤكد صحتها ويؤيد حجتها (فإن قيل) إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة جاز أن تكون دليلاً

стр. 3168

عَلَى صحة الكهانة فعنه جوابان (إحداهما) أن دلائل النبوة غيرها وإنما هي من البشائر بها وفرق بين الدلالة والبشارة أخباراً والثاني أن الكهانة عن مغيب والبشارة عن معين فالعيان معلوم والغائب موهوم اهـ كلام الماوردي. مزاعمهم في أوصافهم ومن قتلوه يقولون من الجن جنس صورة الواحد منهم عَلَى صورة الإنسان واسمه شق وأنه كثيراً ما يعرض للرجل المسافر إذا كان وحده فربما أهلكه فزعاً وربما أهلكه قتلاً وضرباً (قالوا) فمن ذلك حديث علقمة بن صفوان بن أمية بن حرب الكناني جد مروان ابن الحكم في الجاهلية خرج وهو يريد مالاً له بمكة وهو عَلَى حمار وعليه أزار ورداء ومعه مقرعة في ليلة أضحانية حتى انتهى إلى موضع يقال له حائط جرمان فإذا هو بشق له يد ورجل وعين معه سيف وهو يقول: علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول اضربهم بالذهلول ... ضرب غلام شملول رحب الذراع بهلول فقال علقمة: يا شق ها مالي ولك، ... اغمد عني منصلك تقتل من لا يقتلك قال شق: عنيت لك عنيت لك، ... كيما أبيح مقتلك فاصبر لما قد حم لك (قالوا) ومن الدليل أن هذين البيتين من أشعار الجن أن أحداً لا يستطيع أن ينشدهما ثلاث مرات متصلة لا يتعتع فيها وهو يستطيع أن ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقه عشر مرات ولا يتعتع. (قالوا) وقتلت مرداس بن أبي عامر أبا عباس بن مرداس_وقتلت الغريض خنقاً بعد أن غنى بالغناء الذي كانوا نهوه عنه_وقتلت الجن سعد بن عبادة بن ديلم وسمعوا الهاتف يقول:

стр. 3169

نحن قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين ... فلم نخط فؤَاده من استهووه ومنهم خرافة (قالوا) استهووا سنان بن أبي حارثة ليستفحلوه فمات فيهم واستهووا طالب بن أبي طالب فلم يوجد له أثر إلى يومنا هذا_واستهووا عمرو ابن عدي اللخمي الملك الذي يقال فيه شب عمرو عن الطوق ثم ردوه عَلَى جذيمة الأبرش بعد سنين_واستهووا عمارة بن المغيرة ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش. ويروون عن عبد الله بن قتادة يرفعه قال: خرافة رجل من عذرة استهوته الشياطين. ورووا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل المفقود الذي استهوته الجن ما كان طعامهم قال: الروث: قال فما كان شرابهم قال البول. توصيفهم رجل الغول وعين الشيطان العامة تزعم أن الغول يتصور في أحسن الصورة إلا أنه لا بد أن تكون رجلها رجل حمار، وخبروا عن الخليل بن أحمد أن أعرابياً أنشده: وحافر العير في ساق خدلجة، ... وجفن عين خلاف الأنس في الطول وذكروا أن العامة تزعم أن شق عين الشيطان بالطول: قال الجاحظ: وما أظنهم أخذوا هذين المعنيين إلا عن الأعراب. مزاعمهم في أرض وبار وبلاد الحوش تزعم الأعراب أن الله تعالى عندما أهلك الأمة التي كانت تسمى وبار كما أهلك طمساً وجديساً وعملاقاً وثموداً وعاداً أن الجن سكنت في منازلهم وحمتها من كل من أرادها وأنها أخصب بلاد الله وأكثرها شجراً وأكثرها حباً وعنباً وأكثرها نخلاً وموزاً فإن دنا إنسان من تلك البلاد متعمداً أو غالظاً حثوا في وجهه التراب فإن أبى الرجوع خيلوه وربما قتلوه. (قال الجاحظ) والموضع نفسه باطل فإن قيل لهم دلونا عَلَى جهته وأوقفونا عَلَى حده وخلاكم ذم زعموا أن من أراده ألقى عَلَى قلبه الصرفة حتى كأنهم أصحاب موسى في التيه وقال الشاعر: وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار

стр. 3170

دعا جعلاً لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار فهذا الشاعر الأعرابي جعل أرض وبار مثلاً في الضلال، والأعراب يتحدثون عنها كما يتحدثون عما يجدونه بالدو والصان والدهناء ورمل يبرين وما أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشعر عَلَى معنى هذا الشاعر (قالوا) فليس اليوم في تلك البلاد إلا الجن والإبل الحوشية والحوش من الإبل عندهم هي التي قد ضربت فيها فحول إبل الجن فالحوشية من نسل ابن الجن والعبدية والمهرية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الحوش وقال رؤبة: حوت رجال من بلاد الحوش وقال ابن هرمة: كأني عَلَى حوشية أو نعامة ... لها نسب في الطير وهو ظليم وإنما سموا صاحبة يزيد بن الطثرية حوشية عَلَى هذا المعنى، وقال بعض أصحاب التفسير في قوله تعالى وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً إن جماعة من العرب كانوا إذ صاروا في تيه من الأرض وتوسطوا بلاد الحوش خافوا عبث الجنان والسعالي والغيلان والشياطين فيقوم أحدهم فيرفع صوته إنا عائذون بسيد هذا الوادي فلا يؤذيهم أحد وتصير لهم بذلك خفارة. يوجد نقص فقرة مزاعمهم في الصرع وفقرة مزاعمهم في الطاعون ما يزعمونه في تمثيلهم وتصويرهم قال الجاحظ: تزعم العامة أن الله تعالى ملك الجن والشياطين والعمار والغيلان أن يتحولوا في أي صورة شاؤوا إلا الغول فإنها تتحول في جميع صورة المرأة ولباسها إلا رجليها فلا بد أن يكونا رجلي حمار. وإنما قاسوا تصور الجن عَلَى تصور جبريل ﵇ في صورة دحية ابن خليفة الكلبي_وعلى تصور الملائكة الذين أتوا مريم وإبراهيم ولوطاً وداود في صورة المؤمنين_وعلى ما جاء في الأثر من تصور إبليس في صورة سرافة بن مالك_وعلى تصوره في صورة الشيخ النجدي. (قالوا) فإذا استقام أن تختلف صورهم وأخلاط أبدانهم وتتفق عقولهم ونياتهم واستطاعتهم جاز أيضاً أن يكون إبليس لعنة الله عليه والشيطان والغول أن يتبدلوا في الصور من غير

стр. 3171

أن يتبدلوا في العقل والبيان والاستطاعة اهـ. ونقل الحافظ أحمد بن حجر في فتح الباري عن البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع قال سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته إلا أن يكون نبياً اهـ. (قال ابن حجر) وهذا محمول عَلَى من يدعي رؤيتهم عَلَى صورهم التي خلقوا عليها وأما من ادعى أنه يرى شيئاً منهم بعد أن يتطور عَلَى صور شتى من الحيوان فلا يقدح فيه وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، (قال) واختلف أهل الكلام فقي ذلك فقيل هو تخييل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية وقيل بل ينتقلون لكن لا باقتدارهم عَلَى ذلك بل بضرب من الفعل إذ فعله انتقل كالسحر (أي الشعبذة) (قال) وهذا قد يرجع إلى الأول اهـ وسيأتي تحقيق تمثلهم في أول مباحث الخاتمة. رأيهم في قرناء الشعراء الفحول قال الجاحظ: يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطاناً يقول ذلك الفحل عَلَى لسانه العشر ويقولون اسم شيطان المخبل عمرو واسم شيطان الأعشى مسحل وكذلك أيضاً اسم شيطان الفرزدق عمرو وقد ذكر الأعشى مسحلاً حين هجاه جهنام فقال: دعوت خليلي مسحلاً ودعوا له ... بجهنام يدعى للهجين المذمم وذكره الأعشى فقال: حباني أخي الجني نفسي فداؤه ... بأقبح جياش العشيات مرحم وقال أعشى سليم: وما كان جني الفرزدق أسوة ... وما كان فيهم مثل فحل المخبل وما في الخوافي مثل عمرو وشيخه ... ولا بعد عمرو شاعر مثل مسجل وقال الفرزدق في مديح أسد بن عبد الله: لتبلغن أبا الأشبال مدحتنا ... من كان بالغور أو طودي خراسانا كأنها الذهب العقيان حبرها ... لسان اشعر خلق الله شيطانا وقال: فلو كنت عندي يوم قرء عذرتني ... بيوم دهتني جنه وخبائله

стр. 3172

فمن أجل هذا البيت ومن أجل قول آخر: إذ ما زاع جارية فلاقى ... خبال الله من أنس وجن دعاني شقنان إلى خلف بكرة ... فقلت اتركني فالتفرد أحمد أي أحمد لي في الشعر من أن يكون لي عليه من معين فقال أعشى سليم يرد عليه: إذا ألف الجني قرداً مشنفاً ... فقولوا لخنزير الجزيرة أبشر فجزع بشار عند ذلك جزعاً شديداً لأنه كان يعلم مع تغزله أن وجهه وجه قرد وكان أول ما عرف من جزعه من ذكر القرد الذي رأوا منه حتى أنشد قول حماد عجرد: ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد وفي أن مع كل شاعر شيطاناً يقال معه قول أبي النجم: إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر وقال آخر: إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبوٌّ عني فإن شيطاني كبير الجن وأما قول عمرو بن كلثوم: وقد هرب كلاب الجن منا ... وشذبنا قتادة من يلينا فإنهم يزعمون أن كلاب الجن هم الشعراء. ومما دل عَلَى أنهم يقولون أن مع كل شاعر شيطاناً قول شاعرهم: إذا ما ترعرع فينا الغلا ... م فليس يقال له من هوه إذا لم يسد قبل شد الإزا ... ر فذلك فينا الذي لا هواه ولي صاحب من بني الشيبا ... ن فطوراً أقول وطوراً هوه وشيصبان وشنقان رئيسان من آباء القبائل في زعمهم وقد ذكرهما أبو النجم. خيالهم في جن الشام والهند قال الجاحظ: وأصحاب الرقي والأخذ والعزائم والسحر والشعبذة يزعمون أن العدد والقوة في الجن والشياطين لنزالة الشام والهند وإن عظيم شياطين الهند يقال له (سكويرك) وعظيم شياطين الشام يقال له در كاراب وقد ذكرهما أبو إسحاق في هجائه محمد ابن بشير حين

стр. 3173

ادعى هذه الصناعة فقال: قد لعمري جمعت من أصعياب ... ثم من شعر آدم والخراب وتفردت بالطوالق والهيكل ... والدهتمات من كل باب وعلمت الأسماء كي ما تلاقي ... زحلاً والمريخ فوق السحاب واستثرت الأرواح بالبحر يأتين لصرح الصحيح بعد المصاب جامعاً من لطائف الدهمسيا ... ت كنوساً نعتها في كتاب ثم أحكمت متقن الكرويا ... ت وفعل الناريس والنجاب ثم لم تفتك السعاية والخد ... مة والاحتفاءُ بالطلاب بالخواتيم والمناديل والسعي ... بسكويرك ودركاراب توهمهم ملامح الجن في الأنس قال القعقعاع بن زرارة في ابنه عوف ابن القعقعاع: والله لما أرى في عوف من شمائل الجن أكثر مما أرى من شمائل الأنس: وقال بجير بن أيوب: أخو قفرات حالف الجن وانتفى ... من الأنس حتى تقضت وسائله له نسب الأنسي يعرف نجله ... وللجن منه خلقه وشمائله وقال الآخر: وصار خليل الغول يعد عداوة ... صفياً وربته القفار البسابس فليس بجني يعرف نجله ... ولا هو أنس تحتويه المجالس يظل ولا يبدي لشيء نهاره ... ولكنه ينتاع والليل دامس قولهم في جنون الجن وصرع الشيطان أنشد أعرابي: فما يعجب الجنان منك عدمتهم ... وفي الأسد أفراس لهم ونجائب أتسرج يربوعاً وتلجم قنفذاً ... لقد أعوزتهم ما علمت المراكب فإن كانت الجنان جنت فبالحرى ... ولا ذنب للأقدار والله غالب وما الناس إلا خادع ومخدع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب وقال دعلج بن الحكم

стр. 3174

وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلة يصرع وأنشد عبد الرحمن بن منصور الأسدي: جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيباً يداوي من جنون جنون وأنشد: أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلا الصحيح المسلم وقال ابن ميادة: فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنت شياطين وجن جنونها وحكت لها مما أقول قصائداً ... ترامت بها صهب المهاري وجونها وقال في التمثيل: إن شرخ الشباب والشعر الأسو ... د ما لم يعاض كان جنونا وقال الآخر: جادت بها عند الغداة يمينه ... كلتا يدي عمرو والغداة يمين ما إن يجود بمثلها في مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون وقال الجمحي: ولو أنني لم أنل منكم معاقبة ... إلا السنان بذات الموت مطعون أو لا خطبت فإني قد هممت به ... بالسيف إن خطيب السيف مجنون وانشد: هم أحموا حمى الرقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون ما يحكونه من نيران السعالي والجن أنشد أبو زيد لسهم بن الحارث: ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقام سوى تحليل راحة وعين ... أكالتها مخافة أن تنام أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قد عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطعاما

стр. 3175

قال الجاحظ: وهذا غلط وليس من هذا الباب بل الذي يقع ههنا قول أبي المطراب عبيد بن أيوب: فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متنفر أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليَّ نيران تبوخ وتزهر فلسفة ما تزعمه الأعراب من عزيف الجنان وتغول الغيلان قال الجاحظ ﵀: كان أبو إسحق يقول في الذي تذكر الأعراب من عزيف الجنان وتغول الغيلان أصل هذا المر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا ببلاد الوحش عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء والبعد من الأنس استوحش ولاسيما مع قلة الاشتغال والمذاكرين والوحدة، لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير، والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة وقد ابتلي بذلك غير حاسب كابي ياسر ومثنى ولد الفنافر (قال) وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة فأنكر أهله عقله حتى حموه وداووه، وقد عرض ذلك لكثير من الهند وإذا استوحش الإنسان مثل له الشيء الصغير في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتقضت أخلاطه فيرى ما لا يرى ويسمع ما لا يسمع ويتوهم عَلَى الشيء الصغير الحقير أنه عظيم جليل ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعراً يناشدوه وأحاديث يتوارثونها فازدادوا بذلك إيماناً ونشأ عليه الناشئ وربي فيه الطفل فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الحنادس، فعند أو وحشة أو فزعة وعند صياح بوم ومجاوبة صدا وقد رأى كل باطل وتوهم كل زور وربما كان في الجنس واصل الطبيعة تفاحاً كاذباً وصاحب تشنيع وتهويل فيقول في ذلك من الشعر عَلَى حسب هذه الصفة فعند ذلك يقول رأيت الغيلان وكلمت السعلاة ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول رافقتها ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول تزوجتها قال عبيد بن أيوب: فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متنفر وقال: أهذا رفيق الغول والذئب والذي ... يهيم بربات الحجال الهواكل وقال آخر: أخو قفرات حالف الجن وانتفى ... من النس حتى قد تقضت وسائله

стр. 3176

له نسب الأنسي يعرف نجله ... وللجن منه خلقه وشمائله ومما زادهم في هذا الباب وأغراهم به ومد لهم فيه أنه ليس يلقون بهذه الشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم والأغبياء لم يأخذ نفسه قط لتمييز ما يوجب التكذيب والتصديق أو الشك ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط_وأما أن يلقوا رواية شعر أو صاحب خبر فالرواية عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أظرف عندهم وصارت روايته أغلب ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول أو قتلها أو مرافقتها أو تزويجها، وآخر يزعم أنه رافق في مغارة نمراً فكان يطاعمه ويؤاكله فمن هؤلاء خاصة القتال الكلابي فإنه الذي يقول: أيرسل مروان الأمير رسالة ... لآتيه إني إذاً لمضلل وما بي عصيان ولا بعد منهل ... ولكنني من خوف مروان أوجل وفي ساحة العنقاء أو في عماية ... أو الأود ما من رهبة الموت موئل ولي صاحب في الغار هدك صاحباً ... هو الجون إلا أنه لا يعلل إذا ما التقينا كان جل حديثنا ... صماتاً وطرف كالمعابل أكحل تضنت الأروى لنا بطعامنا ... كلانا له منها نصيب ومأكل فأغلبه في صنعة الزاد أنني ... أميط الأذى عنه ولا يتأمل وكانت لنا طب بأرض مضلة ... شريعتنا لأي من جاء أول كلانا عدو لو يرى في عدوه ... محزاً وكل في العداوة محمل وأنشد الأصمعي: ظللنا معاً جارين نحترس الثأي ... يشاربني من فضلتي وأشاربه ذكر سبعاً ورجلاً قد توافقا كل واحد منهما يدع فضلاً من سؤره ليشرب صاحبه، والثأي الفساد، وخبر إن كل واحد منهما يحترس من صاحبه. فأما من جميع ما ذكرناه عنهم فإنما يخبرون عنه من جهة المعاينة والتحقيق وغنما المثل في هذا مثل قوله: قد كان شيطانك من خطابها ... وكان شيطاني من طلابها حيناً فلما اعتركا ألوى بها

стр. 3177

والإنسان يجوع فيسمع في أذنه كالدوي وقال الشاعر: دوي الفيافي رابه فكأنه ... أميم وساري الليل للضوء يعود يعود أي يضجر، وربما قال الغلام لمولاه دعوتني فيقول لا وإنما اعترى مسامعه ذلك لعرض لا أنه سمع صوتاً. ومن هذا الباب قول تأبط شراً أو قول القائل في كلمة له: يظل بموماة ويمسي بقفرة ... جحيشاً ويعروري ظهور المهالك ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شده المتدارك إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كانئٌ من قلب شبحان فاتك ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخضر باتك إذا هزه في عظم قرن تذللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك يرى الأنس وحشي الفلاة ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك (قال الجاحظ): ويدل عَلَى ما قال أبو إسحق من نزولهم في بلاد الوحش وبين الحشرات والسابع ما رواه لنا أبو مسهر عن أعرابي من بني تمتم نزل ناحية الشام فكان لا يعدمه في كل ليلة أن يعضه أو يعض ولده أو بعض حاشيته سبع من السباع أو دابة من دواب الأرض فقال: تعاورني دين وذلك وغربة ... ومزق جلدي ناب سبع ومخلب وفي الأرض أحناش وسبع وحارب ... ونحن أسارى وسطها نتقلب ثم عد في قصيدته ما ينيف عن الثلاثين صنفاً ما بين حيوان وحشرات. يتبع جمال الدين القاسمي.

стр. 3178

نشوءُ اللغات الإسلامية تتمة ما ورد في الجزء الماضي دعت ضرورة إيجاد ألفاظ جديدة للتعبير عن أفكار حديثة أن تأخذ اللغة العربية من اللغات الأجنبية أو أن تعمد إلى معجمها بأن تصيغ ألفاظاً جديدة أو بأن تضع معاني جديدة للألفاظ التي تجدها في متن اللغة. ولم يكن في العربية سهولة اللغات الرومانية بأن تعمد إلى اللاتينية أو اليونانية لتصيغ التعابير الجديدة وبهذا تألف حزبان حزب يقول بأخذ الألفاظ الإفرنجية والآخر لا يرضى إلا بالرجوع إلى الاشتقاق من متن اللغة. والظاهر أن الحزب الأول قد كتبت له الغلبة أولاً ولاسيما في بلاد الجزائر وذلك لجهل المترجمين أو لغلبة الكسل عليهم فبدلاً من أن يبحثوا في إيجاد لفظ يقابل اللفظ الفرنسوي اكتفوا بنقله عَلَى ما هو بدون أن يحدثوا فيه تغييراً ثم إن عدم وجود صحافة وطنية مما ساعد عَلَى ذلك أيضاً فإن جريدة المبشر الرسمية ما برحت إلى عهد قريب هي الجريدة الوحيدة في الجزائر أما جرائد البلاد الخارجية فلم يكن دخولها إليها إلا من المتعذرات. وقد ذكر المسيو واشنطون سويرس من جملة الألفاظ الأعجمية التي دخلت عَلَى اللغة الجزائرية لفظة شامبيت ويجمعونها عَلَى شامابيت أي حارس الحقل بدلاً من عسس الفحص وفي الوراق الرسمية السيد الكوفرنور جنرال أي سيدي الحاكم العام في حين كان من السهل جداً أن يقال سعادة والي مملكة الجزائر وقد أنحى برسنيه في كتابه الملح العربية عَلَى هذا النقل الرديء وحق له أن ينحي عليه قال لأنه لا يفهم له معنى حتى عند الفرنسيس أنفسهم. ويا ليته يرى ما سرى إلى لسان العامة من الجزائريين وفي مكاتباتهم من الألفاظ الفرنسوية المحرفة تحريفاً تتعذر أحياناً معرفته. وفقد جاء في كتاب الرسائل العربية المخطوطة الذي نشره المسيو دلفين لفظة لانتوراليزه فرانسه بمعنى المتجنس بالجنسية الفرنسوية ولفظة كاتارفاويتبدلاً من لفظة ثمانية وثمانين. ونحن لا نورد ألفاظاً كثيرة من هذا القبيل من الألفاظ الإفرنجية التي يقل فيها التحريف ولا تتأذى منها النفس في العبارة العربية مثل لفظة كونسيون دو امتياز ماءٍ التي وردت في رسالة لأحدهم فنقلها كما هي. ولقد وقع رجوع إلى الأصل في مكافحة الألفاظ الأعجمية التي أوشكت أن تغير نضرة اللغة. فأكد المسيو باربيه دي مينار سنة ١٨٩٦ مع السرور أن الصحافة العربية في مصر

стр. 3179

وسورية أخذت تستعيض عن الألفاظ الأجنبية التي كثرت فيها بألفاظ عربية صرفة وذلك أن اللغة يمكنها بما لها الاستغناء عن الألفاظ الأعجمية وكان منها أن عربت سنة ١٨٩٧ لفظة كونغره بلفظة مؤتمر للدلالة عَلَى مؤتمر المستشرقين الذي عقد تلك السنة في مدينة باريز ووضعت كلمة مستشرق للفظة أوريانتاليست الفرنسوية وهي اسم الفاعل من شرق والمصدر استشراق أي طلب الشرق أو انتحاء نحو الشرق وهي تنطبق عَلَى الأصل الإفرنجي كل الانطباق. وأخذ اللسان العثماني هذه الألفاظ الثلاث عن العربية وانشأ يستعملها وكان من قبل ينقل اللفظ الفرنسوي برمته واحتذى اللغة العربية مطالب الحياة الحديثة هو من العادات المتبعة في الصحافة التونسية ويرجى أن تجري سائر الجرائد العربية في البلاد الأخرى والجرائد السورية والمصرية وهي نموذجها ومصدرها الوحيد عَلَى مثال الجرائد التونسية في تعريب الألفاظ. وإليك الآن عدة أمثلة في استعمال المولد من الألفاظ العربية الصرفة اقتبسناها من كتاب المسيو واشنطون سويرس ومن هذه الألفاظ لفظة منطاد للبالون ودراجة للبيسيكليت ومطفأة لمضخة الحريق ومستوصف. ومن جملة الألفاظ التي كانت موجودة في اللغة واستعملت لمعنى جديد لفظة امتياز وإنهاء ودشن افتتح وتحقيق ومذهب (سياسي) وصبغة (سياسية). وأنت ترى أن لفظة صبغة بالمعنى الخاص معناها اللون والصباغ أما الذين يصوغون الكلمات المولدة عندما يعمدون إلى ألفاظ موجودة في متن اللغة فإنهم يستندون عَلَى المعنى الأصلي للفظ الذي يريدون أن يعربوه. ومن هذه الألفاظ التي كان عَلَى المسيو واشنطون سويرس أن يضيفها إلى قائمة الألفاظ المعربة لفظة كلية فقد كان المترجمون يستطيعون أن يطلقوا عليها لفظة دار العلوم أو دار الفنون ولكن كثيراً من الكتاب لاحظوا أن لفظة أونيفرستيهتعطي معنى الاجتماع والمجموع فصاغوا من كل كلية وهي ترجمة حرفية للفظة الفرنسوية. ولفظ كلية شائع اليوم في مصر كثيراً. وبعد فإنا إذا بحثنا عن الألفاظ في كل قطر عربي وعن علاقة ألفاظه بالألفاظ الفرنسوية نستنتج ما يأتي: ففي سورية ومصر وتونس كمية كبيرة من الألفاظ الفرنسوية مختلفة الأساليب وفيها أيضاً كثير من الألفاظ التركية أو الفارسية انتقلت إلى العربية بواسطة التركية وهي في الأكثر تعابير عسكرية وإدارية أو ألفاظ تشريف مثل باشا وبك وأفندي

стр. 3180

وخانم. وألفاظ طليانية مثل سيغورطه (ضمان من الحريق أو ضمان الحياة) المستعملة في التركية. وندر استعمال هذه الألفاظ في البلاد الأخرى وهي شائعة بالاستعمال عَلَى الألسن في طرابلس الغرب كما تجد بعض الألفاظ الرومية وهناك ألفاظ أعجمية أخرى ولكنها قليلة وهي مستعملة في مصر خاصة مثل لفظة جنيه الإنكليزية لليرة المصرية. وهذا جماع الألفاظ الأعجمية وقد سبق لنا الكلام عَلَى المالطية وهي بين اللغة التونسية والمصرية وفيها أثر كبير من الإيطالية. ثم أن في تونس لغة مكتوبة منقحة للغاية ليس فيها شيءٌ من الألفاظ الأجنبية ولغة محكية دخلت إليها الألفاظ الإفرنسية والإيطالية بكثرة. أما لهج الجزائر فتكثر فيها الألفاظ الفرنسوية وفيها كما في لهجة تونس بعض الألفاظ التركية وقليل من الإسبانية والإيطالية. أما لغة مراكش فتجد فيها تعابير فرنسوية وإيطالية واقتبست قليلاً من لغة البربر وكثيراً من اللغة الإسبانية وربما بعض الألفاظ البرتقالية. وقد أكد المسيو مرسيه في بحثه عن هذه الألفاظ المشتركة أن الألفاظ البربرية (التي قد تكون أحياناً ألفاظاً من أصل عربي متبربرة ثم أعيدت إلى اللغة العربية) قلما توجد إلا في البلاد الكبرى التي تكثر فيها اللغة البربرية ثم أن تأثير اللغة الإسبانية في المدن الساحلية محسوس جداً فتراهم يستعملون في الكلام لفظة كوشطا للساحل مأخوذة من كوستا الإسبانية وفالسو أي رديء الصفة وفافور نعمة وخلينالد محتذاة من جنرال وموندا من موني أي المعاملة. ولم يثبت بأن الأدوات أو الحروف دي وديال الكثيرة الاستعمال قد أتت من دي ودل ولكن اللغة العربية المراكشية أخذت عن الإسبانية حرف ب. وقد لاحظ المسيو مرسيه وحقت له هذه الملاحظة بأن قلة التناسب في هذه اللغة وتأثيرها باللغة البربرية والإسبانية ناشئة من أسباب كثيرة والحقيقة أن اللغة البربرية ليست لغة مكتوبة هو من أهم الأسباب عَلَى أن العربية كانت في كل زمن محو اللغة البربرية وعاملة عَلَى تمدنها وتحضيرها. من الصعب تعيين اللغات الدخيلة عَلَى لغات فارس الوطنية قبل الفتح العربي فللغة البهلوية كتابة آرامية وأكثر ألفاظها آرامية ولكن أي تأثير كان في اللغة من هذه الألفاظ السامية المشتركة؟ والواقع أن هذه الألفاظ الدخيلة لم تكن أسماء مجردة بل أسماء كثيرة الاستعمال وضعت لما يقابلها من الألفاظ الإيرانية التي كانت ولا تزال موجودة وهذا يقرب من

стр. 3181

الحقيقة من يدعون أن البهلوية لا تختلف إلا في الخط. وقد تبدل كل شيء في الفتح الإسلامي فدخ لت عَلَى اللغة الفارسية ألفاظ سامية جديدة ومنها العربي التي هي تعابير دينية وألفاظ مجردة وأخذوا يكتبونها بألف باء العرب وهذا هو أصل الفارسي الحديث. ولكن هذا التحول طال أمره حتى أن الفردوسي كتب في القرن العاشر كتابه الشاهنامة وهي قصة أبطال فارس بدون أن يستعمل الألفاظ العربية وهذا يدل عَلَى مقدرة يصعب تقليدها اليوم وإن كان بعض العلماء يقدرون عَلَى كتابة مكاتيب مطولة ومقالات جرائد مقتصرين فقط عَلَى الألفاظ الإيرانية ولكن من إدغام اللغة الفارسية بالألفاظ العربية نشأت اللهجة الفارسية الحالية. ولقد كان الفرس والأتراك أو التتار في القرون الوسطى الكثير من العلائق التي أبقت أثراً منها في اللغة وسرت بعض الألفاظ التركية إلى الفارسية منذ قرون ومن جملها ما ذكر أرمينوس فمبرى من الألفاظ المستعملة في الفارسية وهي من أصل تركي مثل سالار قائد وخواجه معلم أو أستاذ. وسرى إليها بعض الألقاب وأسماء الوظائف مثل آغا وبك وخان وباشي (زعيم) التي كثيراً ما نراها متصلة بألفاظ فارسية مثل متولي باشي وهو اسم لقب ديني وده باشي زعيم عشرة (أون باشي) أما سائر اللهجات المحكية في فارس كالآرامية ولغات الشعوب القافقاسية الخاضعة للحكم الفارسي فلم تتأثر حتى أوائل القرن التاسع عشر بالمؤثرات الفارسية وهكذا في اللغة الهندستانية عَلَى كثرة الصلات الموجودة بين فارس والهند فالواجب مع هذا أن لا نغفل عن لفظة لك مئة ألف وكورور خمسمائة ألف وتشاب طبع أو مطبوعات وتنوب هذه عن لفظة طبع العربية وهي لفظة حديثة العهد. هذا ما يقال في الدور الذي سبق الدور الذي صار لفارس صلات مع أوربا في أوائل القرن الماضي. وبعد ذاك الدور هاجمت الألفاظ الأجنبية اللغة ولم تكن هذه الألفاظ مأخوذة عن أقرب الأمم من فارس كما كان المنتظر ولا من أكثرهن نفوذاً فيها من حيث السياسة والاقتصاد بل إن اللغة الفرنسوية هي التي دخلت عَلَى أهل الجيل الحاضر بأفكارها ومصطلحاتها اللازمة للتعبير عن الألفاظ الحديثة في الشرق. بحث في هذا الموضوع أحد كبار رجال فارس المرزا علي خان ذكاء الملك مدير مدرسة السياسة في طهران في محاضرة له ألقاها في مدرسة الاتحاد الإسرائيلي في عاصمة إيران

стр. 3182

يوم ١٣ نيسان ١٩٠٧ ونشرت محاضراته في المجلة الزرقاء تكلم فيها بعد أن أورد بعض الملاحظات عَلَى الألفاظ العربية والتركية والهندية التي أخذتها الفارسية عَلَى نشوء لغته الحديث فقال أن اللغة الروسية واللغة الإنكليزية لم يسر منهما إلى الفارسية إلا ألفاظ قليلة جداً. وربما وجد الناظر في لغة أهل طوريس ورشت بعض ألفاظ روسية في اللغة الدارجة ولكنها قليلة للغاية وهذا مما يدل عَلَى أن الروس قد أخذوا ألفاظاً كثيرة من لغتهم عن الأجانب مثل الفرنسويين والألمان والإنكليز والطليان فلم تستعر الفارسية من الروسية إلا لفظ سماور واستكان طاس ودروخكا عربة وكاليسكه كاليش (وهي عربة ذات أربعة دواليب) وتارنتاس وباراخود للسفينة البخارية وأسكنات معاملة الورق وهي من أصل فرنسوي أسنيا. والألفاظ الإنكليزية عبارة عن عشر وهي فاغون وترمواي ونوت من بانكنوت وشيك وجيلاس (قدح للشرب) وجلاس وسار لا سهم الشركات الخ. أما الألفاظ الفرنسوية في الفارسية فكثيرة جداً وهي تنقسم عَلَى الوجه الآتي: الألفاظ العلمية وأسماء العقاقير وأسماء الأطعمة مثل سوب حساءٌ وجيكو فخذ وكوتلت ضلع وأسماء الألبسة مثل كلوش حذاء الرجل وبلوز مشلح وبالتو معطف وباردسو شعار وأسماء للتعبير عن المخترعات الحديثة: مثل تلغراف وتلفون وأتوموبيل وبالون وغاز للاستصباح وألفاظ للجندية مثل أسكادرون كتيبة وباتري (بطارية) عدة مدافع ومارش سير هالت وقوف ودفليه مضيق وموسيك موسيقى وإن وجود معلمين من الفرنسيس في الجيش الفارسي في أزمان مختلفة قد انتهي باستعمالهم الألفاظ الإفرنجية وأسماء الأثاث مثل بيانو ولانترن مصباح وأسماء مدرسية مثل كلاس صف وبروغرام خطة وديكته إملاء ونمرة واستعمالهم لفظتي برلمان وكونستيتوسيون اللتين نقلوهما بألفاظ شوالي مري ومشروطيت أو سياسية فيقولون عنها سياست وتعابير دولية مثل قنصل وتمبر طابع وبودجه ميزانية وهنور شرف التي تقابل لفظة هنر الموجودة في الأصل الفارسي وقد استخرجها مونتسكيو وقبلت بين الفارسيين كما قبلت لفظتا مرسي الشكر وباردون العفو. واستنتج ذكاء الملك أنه لا فائدة من اختراع ألفاظ جديدة متى أريد التعبير عن أفكار حديثة

стр. 3183

فإن اللفظ الجديد عَلَى ما يرى هو غريب كاللفظة الأجنبية التي يراد اتقاؤها. ومن رأيه ألا يؤخذ من اللغات الأجنبية لفظ ما دام في أصل اللغة الفارسية ما يقوم مقامه. ولذا عبروا عن السكة الحديدة بلفظ راه آهينومتولي الأشغال بلفظ مه لمحتكذار ولفظ مرسل فوق العادة بلفظ مأمور فوق العادة وغرفة التجارة بلفظ أنجمن تجارتي ومهندس بلفظ فني مأمور. ويغلب عَلَى الظن أن عدد الألفاظ الأجنبية سيقل بعد حين فإنا نرى الجدال قائماً منذ بضع سنين في الصحافة لإعادة اللغة الفارسية إلى نضرتها الأولى والقوم يريدون الرجوع بلغتهم إلى لغة الفردوسي بحذف الألفاظ العربية التي كثرت سرايتها إلى الفارسية وألفنا استعمالها عَلَى ما تراه من الأمثلة التي أوردناها. ويدعي القائلون بهذا الرأي أن حذف الألفاظ العربية لا يفهم منه مخالفة للدين فما من شيء في القرآن يقضي علينا بأن تستعمل في لغتنا ألفاظ عربية. وإن تناغي الفرس بوطنيتهم ما فطر عليه القائمون بهذا الرأي من الغيرة والاقتدار ومن جملتهم اللغوي العالم مؤلف الدولة ليدعوا إلى عقد الرجاءِ بنجاح هذا المشروع. كان الأتراك قبل أن يدينوا بالإسلام يستعملون ألف باء من أصل سامي أما الألف باء اليونانية أو الرومانية القديمة والويغور فالظاهر أنها لم تكن تقتبس شيئاً من اللغات السامية. واقتبسوا عدداً قليلاً من الألفاظ الفارسية والصينية وعدداً غير قليل من الألفاظ المغولية التي كان الاشتراك في الأصول بينها وبين التركية يسهل احتذاء مثالها بالنظر لكثرة الصلات بين الشعبين. ومن هذه جملة ما أخذه الأتراك قبل الإسلام من جيرانهم حتى إذا انتحلوا الدين الإسلامي تغير كل ذلك. فكانت العربية هي لغة الدين والعلم مصدراً للأتراك يتناولون منها الألفاظ الدينية والعلمية التي تمس حاجتهم إليها وكانت اللغة الفارسية عَلَى أتم نشوؤها ولها آداب رائقة هي لغة الأتراك الأدبية في عامة الأقطار وما الشعر التركي إلا عَلَى مثال الشعر الفارسي وانتشر التهذيب الفارسي من آسيا الوسطى إلى البحر الرومي وكانت له المكانة العليا في كل مكان يتكلم به باللغة التركية التي كانت مفرداتها كثيرة في القديم بفضل طرق الاشتقاق الكثيرة الهينة ولكنها لم تلبث أن افتقرت بما دهمها من الألفاظ العربية الفارسية. وإنك لترى في النصوص القديمة من لغة الويغور ألفاظاً مثل كوتادغو بيليك وهي من القرن الحادي عشر وهي تكثر في لغة الجغتاي نحو القرن السادس عشر وقد تركت لغة

стр. 3184

الويغور بالمرة واستقر أمر التركية بأنها لغة إسلامية. أما اللهجات الشرقية التي هي أكثر عراقة في تراكيبها القديمة فقد احتفظت بتراثها الوطني من المفردات أما في اللغة العثمانية ولاسيما في اللغة العثمانية الأدبية فإنك لا تكاد تجد لفظة تركية مقابل ثلاثة ألفاظ عربية أو فارسية الأصل ففي آذربيجان والقافقاس تجد تأثيرات اللغة الفارسية ظاهرة في لهجة القوم كل الظهور وفي آسيا الصغرى ترى اللغة العربية مؤثرة في لغة السكان ولاسيما في اللفظ. وليست هذه الألفاظ المشتركة الإسلامية هي الوحيدة في بابها فإنك تجد في لغة سكان التركستان الصينية ألفاظاً سرت غليها من اللغات الصينية ولكن ما أُخذ من اللغات الأوربية كثير للغاية. في أي عصر دخلت إلى التركية الألفاظ الأولى التي هي من أصل غربي؟ إنه من الصعب أن يحكم بذلك حكماً صريحاً عَلَى أن الأخذ عن الرومية نشاهده قد حدث منذ القرن الثالث عشر. وفي المعجم اللغوي الذي نشره المسيو هوتسما وكتاب نحو التركية لأبي حيان بعض ألفاظ من هذا القبيل مثل لفظة (أوغور) سعادة (أرغات) صانع وهذه الألفاظ عَلَى ندرتها في اللهجات الشرقية تكثر بسرعة عجيبة في اللغة التركية العثمانية بعد فتح الآستانة حتى أن لفظة (أفندي) الذي كتب المسيو بسيشاري تاريخها الغريب والتي تنقلت بها الحالات صورة ومعنى كانت مستعملة منذ القرن الخامس عشر. وإذا كانت الإيطالية هي اللغة البحرية والتجارية في البحر المتوسط فقد اكتسبت في كل زمان كمية عظيمة من الألفاظ للغة العثمانية فإننا نجد فيها تعابير بحرية وتجارية وهي من لهجة البندقية خاصة. وقد اقتبس اللسان العثماني عدة تعابير بحرية ورياضية من اللغة الإنكليزية كما اقتبس قديماً من اللغة المجرية واللغات السلافية في البلقان عدة ألفاظ عسكرية أما سائر اللغات المحكية في المملكة العثمانية فاللغة التركية العثمانية تكاد لم تأخذ عنها شيئاً وقد سرت إليها بعض الألفاظ الألمانية وبعض الألفاظ من اللغات الأخرى ولكن الألفاظ الإفرنسية كانت ولا تزال أكثر وجوداً في اللسان العثماني من جميع اللغات الأجنبية. بدأ دخولها عَلَى يد السلطان محمد مبيد الجيش الإنكشارية ويجب اعتبار هذا التأثير عَلَى الأقل نتيجة لازمة للإصلاحات التي جعلت المملكة العثمانية تشابه اليوم بعد اليوم سائر ممالك أوربا بحكومتها

стр. 3185

وعاداتها وقوانينها فقضت الحال للتعبير عن أفكار جديدة لإيجاد ألفاظ جديدة وكان معجم اللغة التركية الفارسية العربية يكفي في أحوال كثيرة لسد هذه الثلمة ولكن الأتراك رأوا من النسب قبول التعابير الأجنبية ولاسيما الإفرنسية منها عَلَى ما هي عليه. وإذا غيروها أحياناً فإنما يغيرونها لتكون موافقة للفظ التركي. وزاد هذا الاقتباس من الإفرنسية إنشاءُ صحافة تركية وطنية نسجوا فيها عَلَى مثال الصحافة الوربية وكثر شعف أدباء العثمانيين بتلاوة مصنفات الفرنسويين حتى حلت محل مصنفات الفرس نحو سنة ١٨٥٠ فأصبحت المثال الذي يحتذيه كتاب الأتراك ولاسيما ترجمة القصص الفرنسوية التي هي في الأكثر من أسلوب الإنشاء الطبيعية. ثم عاد القوم منذ خمسة عشر سنة يريدون وضع حاجز دون هجوم الدخيل عَلَى لغتهم وطرح ما دخلها منه وأرادوا أن يعبروا عما يريدون بالألفاظ التركية وإذا لم يكن فيها ما يقابل اللفظ الإفرنجي يعمدون إلى الفارسية أو العربية. وكاد هذا الإصلاح يأتي بالنتائج المنتظرة منه خصوصاً وأن له علاقة بالحركة لتوحيد اللغة العثمانية وهي الحركة التي أشير عليها وسنعود إلى الكلام عليها. وعلى أي حال فإنا نرى الآن في الصحافة التركية ألفاظاً مولدة مثل تحت البحر سفينة سي أي غواصة وآثار عتيقة أي العاديات أو الآثار العتيقة وبيطر فلك الحياد بين الملل دولي وغيرها. وقد نقلوا إلى التركية كما نقل كتاب العرب ألفاظاً إفرنجية وضعوا لها مسميات فترجموا دراعة بلفظ زرخلي ولكن الطراد أبقوه عَلَى أصله الفرنسوي فقالوا (كروازور) وقالوا عن النسافة (توربيدو) وهي من الإيطالية وبالإفرنسية (توربل) و (غانيوط) أي سفينة مدفعية وهي من الإنكليزية (كونبوت). أما المصطلحات العلمية فتكاد تكون تقريباً بأجمعها تركية أو فارسية أو عربية ويعمد إلى الفرنسوية واللاتينية في النادر ولا تستعمل الإنكليزية ولا الألمانية. أما سائر اللهجات الشرقية التي تأثرت من اللغات العثمانية باللغات الأوربية فإن اللغة الروسية تكاد تكون وحدها منفردة بهذا الامتياز ولا يشاهد ذلك إلا في اللغة التتارية خاصة والظاهر أن ذلك بدأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر فإنك تجد في القصص الهزلية التي ألفها أليرزا فتح العلي آخوان زاده التي كتبت بين سنتي ١٨٥٠ و١٨٦٠ بعض الألفاظ لم تكن روسية فتكون قد سرت إلى التتارية من اللغة الروسية مثل (زاكون)

стр. 3186

قانون (بيلت) من (بيله) الفرنسوية أي تذكرة و (باشور) من (باسور) أي جواز و (مدال) من ميدال أي نوط ولا تكاد الآن تفتح جريدة مثل ترجمان التي تصدر في بعجه سراي وترقي التي تصدر في باكو وجريدة قازان مخبري إلا وتدهش مما تراه من كثرة الألفاظ الروسية أو المصبوغة بالصبغة الروسية لأن كثيراً منها من أصل فرنسوي أو ألماني أو إيطالي. إذا عرفت من هذا فما هو مستقبل اللغة التركية؟ إنا نشهد الآن لجنة المعارف العمومية في مجلس النواب الروسي تعنى بالكتب المؤلفة باللغة المحلية للمدارس وقد رفضت الاستعاضة عن اللفظ التتري باللفظ التركي وذلك ليحولوا دون الجامعة التركيةز ولكن من أين نشأت هذه المخاوف؟ نشأت من كون جميع العناصر التركية مهما كانت لهجتهم من الآستانة حتى سمرقند يريدون أن يتعارفوا ويتفاهموا وإنا لنجد الصحف العثمانية تقرأ في روسيا كثيراً والصحافة التترية تتخذها نموذجاً تحتذيه حتى ولو كان ما يقتبسونه منها من المولد مأخوذاً من أصل أوربي ولا يجب أن يفوتنا أن كثيراً من الألفاظ الفرنسوية قد سرت إلى اللغة التترية بواسطة اللغة الروسية ولكن ما جاء منها من طريق اللغة العثمانية أوفر عدداً. ولقد أصبح من الظرف في البلاد العثمانية منذ بضع سنين أن تحتقر اللهجات الشرقية وينظر إليها كما ينظر إلى ما يسمونه قبا ترك أي التركي الغليظ وشغف القوم بالرجوع إلى لغة النيفا وسلطان بابر القديمة الغنية التي افتقرت وتبدلت أوضاعها بما دهمها من الألفاظ العربية والفارسية أولاً والألفاظ الإفرنجية ثانياً فالقوم فيها يبحثون في حذف جميع هذه الألفاظ ليستعيضوا عنها بما يقابلها من الألفاظ التركية التي نسيت منذ عهد بعيد وهي أكثر التئاماً مع روح اللغة. وأصبح لهذه الحركة شأن عظيم بما توفر عليه القائمون بطرح الألفاظ الدخيلة عَلَى التركية من الأبحاث اللغوية المهم أكثرها كأبحاث العلماء أمثال القائم مقام نجيب عاصم بك والمقالات الكثيرة التي نشرت في جرائد وتأسيس الجمعيات لهذا الغرض مثل جمعية (ترك درنكي) أي المنتدى التركي وغرضه درس أصول اللغة التركية وإحياء ما عاث فيه البلى من الألفاظ ويقول المسيو هارتمان أحد علماء المشرقيات أنه يرجى أن تكون لهذه الحركة نتائج حسنة.

стр. 3187

وهكذا يرجع العثمانيون الأتراك إلى التركية القديمة والتتر الروسيون يحاولون الجري عَلَى مثال اللغة التركية الشائعة في الآستانة ويطمعون في كل مكان ولاسيما في روسيا أن يوحدوا اللغة. وهذا العمل يلاقي صعوبات مهمة ولاسيما فيما تعلق منه باللغة العامية. فاللغة المحكية في القريم هي اللغة العثمانية إلا قليلاً ولا فرق بين هذه اللغة ولغة القافقاس إلا ببعض التعابير المتعلقة باللهجة وبعض الألفاظ الروسية التي يريد القوم طرحها وبعض الصيغ النحوية عَلَى أن هذا الفرق لا يحول دون العثماني وفيهم لهجة أوزري من أيسر وجه ومن المتعذر إرجاع لهجات بلاد قازان وآسيا الوسطى إلى هذا الأسلوب. ومهما تم في هذا الأمر فالأنظار متجهة لما يحدث من هذا القبيل في البلاد التركية اتجاهها لما يحدث في سائر العالم الإسلامي مما فيه تأييد روح الوطنية باللغة الوطنية.

стр. 3188

المالية العثمانية لا شيء يشغل بال العارفين من العثمانيين مثل إصلاح ميزانية الدولة وبينا النفوس متطلعة إلى ما يجري في مجلسنا النيابي بشأنها وردت مجلة العالمين الباريزية وفيها مقالة بقلم أحد الأخصائيين في هـ١ذا المعنى قال فيها أن واردات السلطان سليم الأول كانت تقدر سنة ١٥٠٨ بـ ٣. ١٣٠. ٠٠٠ دوكا وبلغت سنة ١٥٥٣ ١٥ مليون دوكا وبعد ذلك عاد ارتقاؤها انحطاطاً وقوتها ضعفاً مشهوداً بالاقتراض فأصبحت المملكة في قبضة أرباب المصارف من الماليين ولا تزال حتى يوم الناس هذا. فليت شعري هل ينهض أحرار الأمة العثمانية المجددون لإنهاض ماليتهم من كبوتها؟ فالجواب عَلَى ذلك اقتصدوا عَلَى وجه حسن تحسن ماليتكم لأن هذه لا تستمد إلا من الاقتصاد عَلَى أن الحالة الزراعية والصناعية والتجارية في السلطنة العثمانية ليست عَلَى ما يرام بالنظر لمثل هذه المملكة الواسعة الرباع والأصقاع. فقد خرجت المملكة سنة ١٩٠٥ ١٨ مليون قنطار من الحنطة و٣٤ مليون قنطار من الشعير والجاودار (الحنطة السوداء) والقرطمان والذرة. ويستخرج من اليمن قهوة حسنة معروفة منزلتها. وتبلغ مساحة الغابات التي خربتها المواشي عشرة ملايين هكتار. ويصدر من ولاية بورصة ولواء أزميد نحو ألف طن من الفيالج (الشرانق) وكثير من المواد الطبيعية عَلَى ظاهر الأرض وباطنها لم تستثمر إلى الآن لقلة رؤوس الأموال والمهندسين. وتقدر صادرات المملكة ووارداتها بنحو ١١٥٠ مليون فرنك تكاد تنقسم نصفين وطول سككها الحديدية ٦٦٠٠ كيلومتر. هذا ما قاله صاحب هذا المبحث وقال إن إصلاح المالية العثمانية ليس بالأمر المتعذر فإنها إذا لم تحدث للدولة مشاكل خارجية تستطيع أن تلم شعثها بعد بضع سنين إذا أحسن الأحرار السياسة والإدارة. وهو قول يشبه ما يردده ناظر ماليتنا عَلَى أنه مثل بعض الماليين لا يرى عَلَى الدولة حرجاً في الاقتراض لسد العجز من ميزانيتها لأن الدولة تقترض من جهة وتوفي ديونها من جهة أخرى. ولما كانت الدولة العثمانية دولة حربية منذ أن قامت في الوجود إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم تحتم عليها أن تنفق عَلَى جيشها شطراً عظيماً من دخلها وبذلك كانت العسكرية أو إدارة دخلها الإصلاح في الدولة بعد إعلان الحرية وهذا الإصلاح يستدعي نفقات طائلة فقد جعل ما يطلب للحربية في ميزانية ١٣٢٦ ٨. ٢٨٠. ٤٥٢ ليرة عثمانية أو نحو ٤٠ في المئة

стр. 3189

من الواردات والدولة تحاول أن تجعل لها بحرية تضاهي قوتها البرية وهيهات أن يتم لها ذلك وقد جعلت المخصص لهذه الغاية مليون ليرة وأخذت تجمع إعانة لإنشاء أسطول من رواتب الموظفين عَلَى اختلاف درجاتهم وتهز أكف المحسنين من الأهلين فجمع حتى الآن اثنان وأربعون مليون قرش أوصت بأكثرها عَلَى مدمرات ونسافات. وتدفع الدلوة زهاء ثمانية ملايين وربع للديون العمومية العثمانية مما يبلغ مع اللازم للجيش البري والبحري زهاء ثلثي الدخل والباقي يصرف رواتب لرجال الإدارة والدرك والمعارف والنافعة. أما إصلاح المالية فموقوف كما يقول العارفون عَلَى إصلاح طرق الجباية وتعديل قيم الأملاك وتضمين الأعشار بحيث يتعادل ما يجبى منها من الفلاحين ومن كبار الأغنياء المالكين وأن تطبق من خطط الإصلاح ما لا يكلفها النفقات الطائلة ويكون مأمون المغبة مثل إصلاح ري العراق واستثمار القرب فالأقرب من مناجمها وإنشاء الأهم فالأهم من خطوطها الحديدية ومرافئها البحرية. والاضطلاع بجباية رسوم الأغنام وفرض ضريبة التمتع عَلَى التجار الوطنيين والأجانب عَلَى صورة عادلة وإذا قبلت الدولة بزيادة الرسوم الجمركية أربعة في المئة تصبح ١٥ في المئة فتبلغ الزيادة فيها ٣٤ في المئة وإذا أضفنا إليها إصلاح إدارة الجمارك بتكثير رواتب الموظفين والاقتصار عَلَى المقتدرين منهم تزيد الواردات نحو ٣٥ في المئة. وبيت قصيد كل هذا الاقتصاد في النفقات فقد رأينا الحكومة اقتصدت في الظاهر من أمور طفيفة وأسرفت في أمور كبيرة وما ندري عَلَى أي قاعدة من قواعد الاقتصاد طبقت فانون التقاعد في موظفيها فبعد أن كان العامل من الموظفين يقبض ألف قرش مثلاً أجرة تقاعده وأخذت تدفع له ألفاً ومئة قرش أي أنها زادته في رزقه وبذلك خسرت من وجهين الأول أنه دخل في زمرة المتقاعدين أنا كان يرجى أن ينفعوها بمعارفهم وتجاربهم لو داموا عَلَى عملهم مع مراقبتهم واستعاضت عنهم بإغمار لا يحسنون كيف يسيرون إلا قليلاً وتكبدت الخزانة من الوجه الثاني زيادة رواتب المتقاعدين. ولو كانت الحكومة تقت رض المال اللازم لسد هذا العجز لهان الأمر وقلنا لها لا بأس من إقدامها الآن عَلَى تحسين ما تريد تحسينه والتوسعة في النفقة ولكنها تنفق بالاستدانة من مصارف أوربا وعليها الآن نحو ١٣٠ مليون ليرة عثمانية دين للمصارف وقد استلفت في

стр. 3190

العام الفائت لسد عجز الميزانية أربعة ملايين وهي تحتاج هذه السنة لعشرة ملايين ليرة أخرى. ويقول المسيو لوران المستشار المالي ومع إنه لا يعرف مقدار الديون العثمانية معرفة صحيحة فالمظنون أنه لا يقل عن ٢٩٥٠ مليون فرنك فإذا ضم هذا المبلغ إلى القروض التي عقدت منذ سنة ١٨٨٢ أي منذ إنشاء إدارة الديون العمومية وهي ١. ٣٩٥. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك منها ١. ١٧٥. ٠٠٠. ٠٠٠ للديون العمومية ١٥٥. ٠٠٠. ٠٠٠ مليون سلفه و٦٥. ٠٠٠. ٠٠٠ للمصرف الزراعي وأخذنا التعديل المتوسط لا نجد العجز يقل عن أربعة وستين مليون فرنك سانهة وقد تراكمت عليها هذه الديون لأنها سعت في استهلاك الديون المنتظمة. وكيف يتأتى للدولة أن تكثر وارداتها فتصبح كما قال ناظر المالية ثلاثين مليوناً بعد ثلاث سنين ونحن نراها لم تضع في ميزانية الزراعة والمعادن سوى جزءٍ من مئة جزءٍ وأقل من ثلثمائة جزءٍ في المئة للتجارة النافعة ومعظم هذا القدر يصرف رواتب لموظفي هاتين الإدارتين فأين اترك لينفق عَلَى إصلاح ري العراق وفتح المناجم وإنشاء الخطوط الحديدة والطرق والمرافئ ولم يزد المخصص للمعارف سوى ٣٥٠ ألف ليرة وهو قدر زهيد بالنسبة لاتساع المملكة وأكثر مما يصرف عَلَى تتريك العناصر العثمانية لا عَلَى تعليمها علماً ينفع الأمة والوطن. ومن الغريب أنه ورد عَلَى الخزينة السنة الماضية خمسة وعشرون مليون ليرة من الضرائب المنوعة ومليونان ونصف عن ولايتي البوسنة والهرسك وأربعة ملايين بدل التخلي عن بلغاريا وخمسة ملايين صودرت من أموال المخلوع عبد الحميد وأموال أعوانه ونحو مليون من واردات الأراضي السنية ما عدا القرض الذي عقدناه وهو زهاء أربعة ملايين وأنفق كل هذا في سنة واحدة ولعل هذه السنة لا تكون أقل من طريدتها لأتن الدولة لا تأمن كل ساعة أن يفتح عليها باب فتنة داخلية أو خارجية تضطر إلى الإنفاق فيها ما لم تدخله في ميزانيتها. أهم الواردات المخمنة في الميزانية ٦. ٢٣٣. ٢٥٩ ليرة من الأعشار و٣. ٩٨٠. ٣٩٥ من الجمارك و١. ٢٢٢٠٦٠ ليرة خراج الأراضي ١. ٣٧٧. ٣٦٠ خراج العقارات و١.
следующие страницы →