← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قانون (بيلت) من (بيله) الفرنسوية أي تذكرة و (باشور) من (باسور) أي جواز و (مدال) من ميدال أي نوط ولا تكاد الآن تفتح جريدة مثل ترجمان التي تصدر في بعجه سراي وترقي التي تصدر في باكو وجريدة قازان مخبري إلا وتدهش مما تراه من كثرة الألفاظ الروسية أو المصبوغة بالصبغة الروسية لأن كثيراً منها من أصل فرنسوي أو ألماني أو إيطالي. إذا عرفت من هذا فما هو مستقبل اللغة التركية؟ إنا نشهد الآن لجنة المعارف العمومية في مجلس النواب الروسي تعنى بالكتب المؤلفة باللغة المحلية للمدارس وقد رفضت الاستعاضة عن اللفظ التتري باللفظ التركي وذلك ليحولوا دون الجامعة التركيةز ولكن من أين نشأت هذه المخاوف؟ نشأت من كون جميع العناصر التركية مهما كانت لهجتهم من الآستانة حتى سمرقند يريدون أن يتعارفوا ويتفاهموا وإنا لنجد الصحف العثمانية تقرأ في روسيا كثيراً والصحافة التترية تتخذها نموذجاً تحتذيه حتى ولو كان ما يقتبسونه منها من المولد مأخوذاً من أصل أوربي ولا يجب أن يفوتنا أن كثيراً من الألفاظ الفرنسوية قد سرت إلى اللغة التترية بواسطة اللغة الروسية ولكن ما جاء منها من طريق اللغة العثمانية أوفر عدداً. ولقد أصبح من الظرف في البلاد العثمانية منذ بضع سنين أن تحتقر اللهجات الشرقية وينظر إليها كما ينظر إلى ما يسمونه قبا ترك أي التركي الغليظ وشغف القوم بالرجوع إلى لغة النيفا وسلطان بابر القديمة الغنية التي افتقرت وتبدلت أوضاعها بما دهمها من الألفاظ العربية والفارسية أولاً والألفاظ الإفرنجية ثانياً فالقوم فيها يبحثون في حذف جميع هذه الألفاظ ليستعيضوا عنها بما يقابلها من الألفاظ التركية التي نسيت منذ عهد بعيد وهي أكثر التئاماً مع روح اللغة. وأصبح لهذه الحركة شأن عظيم بما توفر عليه القائمون بطرح الألفاظ الدخيلة عَلَى التركية من الأبحاث اللغوية المهم أكثرها كأبحاث العلماء أمثال القائم مقام نجيب عاصم بك والمقالات الكثيرة التي نشرت في جرائد وتأسيس الجمعيات لهذا الغرض مثل جمعية (ترك درنكي) أي المنتدى التركي وغرضه درس أصول اللغة التركية وإحياء ما عاث فيه البلى من الألفاظ ويقول المسيو هارتمان أحد علماء المشرقيات أنه يرجى أن تكون لهذه الحركة نتائج حسنة.

стр. 3187

وهكذا يرجع العثمانيون الأتراك إلى التركية القديمة والتتر الروسيون يحاولون الجري عَلَى مثال اللغة التركية الشائعة في الآستانة ويطمعون في كل مكان ولاسيما في روسيا أن يوحدوا اللغة. وهذا العمل يلاقي صعوبات مهمة ولاسيما فيما تعلق منه باللغة العامية. فاللغة المحكية في القريم هي اللغة العثمانية إلا قليلاً ولا فرق بين هذه اللغة ولغة القافقاس إلا ببعض التعابير المتعلقة باللهجة وبعض الألفاظ الروسية التي يريد القوم طرحها وبعض الصيغ النحوية عَلَى أن هذا الفرق لا يحول دون العثماني وفيهم لهجة أوزري من أيسر وجه ومن المتعذر إرجاع لهجات بلاد قازان وآسيا الوسطى إلى هذا الأسلوب. ومهما تم في هذا الأمر فالأنظار متجهة لما يحدث من هذا القبيل في البلاد التركية اتجاهها لما يحدث في سائر العالم الإسلامي مما فيه تأييد روح الوطنية باللغة الوطنية.

стр. 3188

المالية العثمانية لا شيء يشغل بال العارفين من العثمانيين مثل إصلاح ميزانية الدولة وبينا النفوس متطلعة إلى ما يجري في مجلسنا النيابي بشأنها وردت مجلة العالمين الباريزية وفيها مقالة بقلم أحد الأخصائيين في هـ١ذا المعنى قال فيها أن واردات السلطان سليم الأول كانت تقدر سنة ١٥٠٨ بـ ٣. ١٣٠. ٠٠٠ دوكا وبلغت سنة ١٥٥٣ ١٥ مليون دوكا وبعد ذلك عاد ارتقاؤها انحطاطاً وقوتها ضعفاً مشهوداً بالاقتراض فأصبحت المملكة في قبضة أرباب المصارف من الماليين ولا تزال حتى يوم الناس هذا. فليت شعري هل ينهض أحرار الأمة العثمانية المجددون لإنهاض ماليتهم من كبوتها؟ فالجواب عَلَى ذلك اقتصدوا عَلَى وجه حسن تحسن ماليتكم لأن هذه لا تستمد إلا من الاقتصاد عَلَى أن الحالة الزراعية والصناعية والتجارية في السلطنة العثمانية ليست عَلَى ما يرام بالنظر لمثل هذه المملكة الواسعة الرباع والأصقاع. فقد خرجت المملكة سنة ١٩٠٥ ١٨ مليون قنطار من الحنطة و٣٤ مليون قنطار من الشعير والجاودار (الحنطة السوداء) والقرطمان والذرة. ويستخرج من اليمن قهوة حسنة معروفة منزلتها. وتبلغ مساحة الغابات التي خربتها المواشي عشرة ملايين هكتار. ويصدر من ولاية بورصة ولواء أزميد نحو ألف طن من الفيالج (الشرانق) وكثير من المواد الطبيعية عَلَى ظاهر الأرض وباطنها لم تستثمر إلى الآن لقلة رؤوس الأموال والمهندسين. وتقدر صادرات المملكة ووارداتها بنحو ١١٥٠ مليون فرنك تكاد تنقسم نصفين وطول سككها الحديدية ٦٦٠٠ كيلومتر. هذا ما قاله صاحب هذا المبحث وقال إن إصلاح المالية العثمانية ليس بالأمر المتعذر فإنها إذا لم تحدث للدولة مشاكل خارجية تستطيع أن تلم شعثها بعد بضع سنين إذا أحسن الأحرار السياسة والإدارة. وهو قول يشبه ما يردده ناظر ماليتنا عَلَى أنه مثل بعض الماليين لا يرى عَلَى الدولة حرجاً في الاقتراض لسد العجز من ميزانيتها لأن الدولة تقترض من جهة وتوفي ديونها من جهة أخرى. ولما كانت الدولة العثمانية دولة حربية منذ أن قامت في الوجود إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم تحتم عليها أن تنفق عَلَى جيشها شطراً عظيماً من دخلها وبذلك كانت العسكرية أو إدارة دخلها الإصلاح في الدولة بعد إعلان الحرية وهذا الإصلاح يستدعي نفقات طائلة فقد جعل ما يطلب للحربية في ميزانية ١٣٢٦ ٨. ٢٨٠. ٤٥٢ ليرة عثمانية أو نحو ٤٠ في المئة

стр. 3189

من الواردات والدولة تحاول أن تجعل لها بحرية تضاهي قوتها البرية وهيهات أن يتم لها ذلك وقد جعلت المخصص لهذه الغاية مليون ليرة وأخذت تجمع إعانة لإنشاء أسطول من رواتب الموظفين عَلَى اختلاف درجاتهم وتهز أكف المحسنين من الأهلين فجمع حتى الآن اثنان وأربعون مليون قرش أوصت بأكثرها عَلَى مدمرات ونسافات. وتدفع الدلوة زهاء ثمانية ملايين وربع للديون العمومية العثمانية مما يبلغ مع اللازم للجيش البري والبحري زهاء ثلثي الدخل والباقي يصرف رواتب لرجال الإدارة والدرك والمعارف والنافعة. أما إصلاح المالية فموقوف كما يقول العارفون عَلَى إصلاح طرق الجباية وتعديل قيم الأملاك وتضمين الأعشار بحيث يتعادل ما يجبى منها من الفلاحين ومن كبار الأغنياء المالكين وأن تطبق من خطط الإصلاح ما لا يكلفها النفقات الطائلة ويكون مأمون المغبة مثل إصلاح ري العراق واستثمار القرب فالأقرب من مناجمها وإنشاء الأهم فالأهم من خطوطها الحديدية ومرافئها البحرية. والاضطلاع بجباية رسوم الأغنام وفرض ضريبة التمتع عَلَى التجار الوطنيين والأجانب عَلَى صورة عادلة وإذا قبلت الدولة بزيادة الرسوم الجمركية أربعة في المئة تصبح ١٥ في المئة فتبلغ الزيادة فيها ٣٤ في المئة وإذا أضفنا إليها إصلاح إدارة الجمارك بتكثير رواتب الموظفين والاقتصار عَلَى المقتدرين منهم تزيد الواردات نحو ٣٥ في المئة. وبيت قصيد كل هذا الاقتصاد في النفقات فقد رأينا الحكومة اقتصدت في الظاهر من أمور طفيفة وأسرفت في أمور كبيرة وما ندري عَلَى أي قاعدة من قواعد الاقتصاد طبقت فانون التقاعد في موظفيها فبعد أن كان العامل من الموظفين يقبض ألف قرش مثلاً أجرة تقاعده وأخذت تدفع له ألفاً ومئة قرش أي أنها زادته في رزقه وبذلك خسرت من وجهين الأول أنه دخل في زمرة المتقاعدين أنا كان يرجى أن ينفعوها بمعارفهم وتجاربهم لو داموا عَلَى عملهم مع مراقبتهم واستعاضت عنهم بإغمار لا يحسنون كيف يسيرون إلا قليلاً وتكبدت الخزانة من الوجه الثاني زيادة رواتب المتقاعدين. ولو كانت الحكومة تقت رض المال اللازم لسد هذا العجز لهان الأمر وقلنا لها لا بأس من إقدامها الآن عَلَى تحسين ما تريد تحسينه والتوسعة في النفقة ولكنها تنفق بالاستدانة من مصارف أوربا وعليها الآن نحو ١٣٠ مليون ليرة عثمانية دين للمصارف وقد استلفت في

стр. 3190

العام الفائت لسد عجز الميزانية أربعة ملايين وهي تحتاج هذه السنة لعشرة ملايين ليرة أخرى. ويقول المسيو لوران المستشار المالي ومع إنه لا يعرف مقدار الديون العثمانية معرفة صحيحة فالمظنون أنه لا يقل عن ٢٩٥٠ مليون فرنك فإذا ضم هذا المبلغ إلى القروض التي عقدت منذ سنة ١٨٨٢ أي منذ إنشاء إدارة الديون العمومية وهي ١. ٣٩٥. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك منها ١. ١٧٥. ٠٠٠. ٠٠٠ للديون العمومية ١٥٥. ٠٠٠. ٠٠٠ مليون سلفه و٦٥. ٠٠٠. ٠٠٠ للمصرف الزراعي وأخذنا التعديل المتوسط لا نجد العجز يقل عن أربعة وستين مليون فرنك سانهة وقد تراكمت عليها هذه الديون لأنها سعت في استهلاك الديون المنتظمة. وكيف يتأتى للدولة أن تكثر وارداتها فتصبح كما قال ناظر المالية ثلاثين مليوناً بعد ثلاث سنين ونحن نراها لم تضع في ميزانية الزراعة والمعادن سوى جزءٍ من مئة جزءٍ وأقل من ثلثمائة جزءٍ في المئة للتجارة النافعة ومعظم هذا القدر يصرف رواتب لموظفي هاتين الإدارتين فأين اترك لينفق عَلَى إصلاح ري العراق وفتح المناجم وإنشاء الخطوط الحديدة والطرق والمرافئ ولم يزد المخصص للمعارف سوى ٣٥٠ ألف ليرة وهو قدر زهيد بالنسبة لاتساع المملكة وأكثر مما يصرف عَلَى تتريك العناصر العثمانية لا عَلَى تعليمها علماً ينفع الأمة والوطن. ومن الغريب أنه ورد عَلَى الخزينة السنة الماضية خمسة وعشرون مليون ليرة من الضرائب المنوعة ومليونان ونصف عن ولايتي البوسنة والهرسك وأربعة ملايين بدل التخلي عن بلغاريا وخمسة ملايين صودرت من أموال المخلوع عبد الحميد وأموال أعوانه ونحو مليون من واردات الأراضي السنية ما عدا القرض الذي عقدناه وهو زهاء أربعة ملايين وأنفق كل هذا في سنة واحدة ولعل هذه السنة لا تكون أقل من طريدتها لأتن الدولة لا تأمن كل ساعة أن يفتح عليها باب فتنة داخلية أو خارجية تضطر إلى الإنفاق فيها ما لم تدخله في ميزانيتها. أهم الواردات المخمنة في الميزانية ٦. ٢٣٣. ٢٥٩ ليرة من الأعشار و٣. ٩٨٠. ٣٩٥ من الجمارك و١. ٢٢٢٠٦٠ ليرة خراج الأراضي ١. ٣٧٧. ٣٦٠ خراج العقارات و١.

стр. 3191

٧٩٠. ٧٢٠ رسوم الأغنام و١. ٢٨٩. ٦١٢ البدلات النقدية إلى غير ذلك من رسوم التمتع والمرتب عَلَى الغابات والمناجم مما لا يتجاوز الستة العشرين مليوناً. وقد ألغي منذ ابتداء سنة ١٣٢٦ من البلاد التي لم تحرر نفوسها وأملاكها جميع الرسوم التي كانت تؤخذ باسم الدكاكين والخيم وما شاء كل ذلك عدا عن رسم الاحتساب أو الدخولية الذي كان وضعه من أهم عوامل فتنة الأرناؤد الأخيرة كما ألغيت الرسوم التي تؤخذ من الصيارف وأصحاب المعامل المنشأة حديثاً وجميع القوانين المتعلقة بالعملة المكلفة وتذاكر المرور أي الجوازات وتحصيل بدلات الطرق نقداً لا بدناً وتلغى الرسوم التي أحدثت في الكمارك بدون استناد عَلَى قانون أو نظام وألغيت الرسوم التي كانت تستوفيها الحكومة تحت أسماء الدلالية الزورق والرحى والحطب والفحم والباج والصياغ ومعمل القرميد والقصب والمضيق ومرور الحيوانات وميزان الفضة وتمغته وغيرها كما ألغيت رسوم الجسور والمعابر في ولايات بغداد والبصرة والموصل والقدس وبعد جهات أدرنة فإنها تركت للبلدية. وقد كتب شفيق بك المؤيد نائب دمشق في مجلس الأمة العثمانية وهو ثقة في الشؤُون المالية مبحثاً قال فيه: إن ديون الدولة يوم تألفت إدارة الديون العمومية محررة بالضبط في تأليف قانون هذه الإدارة وكانت يومئذ عبارة عن ١١٦. ٨١٥. ١٧٢ ليرة عثمانية غير أنا إذا دققنا نجد أن قيمة هذه الديون الحقيقية لا تتجاوز ثلاثين مليون ليرة لأن القمة المحررة في القانون هي قيمة اعتبارية لا حقيقية وقد قسمت الديون المذكورة وقتئذ إلى أربعة أقسام أعظمها وكان يتناول أمثر من ثلاثة أرباعها ما كان معروفاً عند أصحاب الدين باسم (ترتيب د). وهكذا كانت المئة منه تختلف أبداً بين ١٧ و٢٠ وإنا عَلَى ما ذكر ما تجاوزت قط قبل أن تظهر مسألة توحيد الديون ٢١ و٢٢ كما أن مجلس الديون العمومية لم يدفع قط في مشتراه لاستهلاك الدين قيمة فوق ذلك. وإني لآت ببرهان جلي عَلَى أن قيمة الحقيقية أعني قيمتها في البورص لم تتجاوز قط ثلاثين مليوناً. وذلك أن مجلس الديون العمومية كان ولم يزل ينشر كل سنة خلاصة أعماله في رسالة مخصوصة يطبعها ويوزعها عَلَى أصحاب الدين. وقد وقعت يدي الآن اتفاقاً عَلَى رسالته عن عام ٣١٤ فوجدت أن الفائدة التي أداها المجلس تلك السنة عن الأقسام الأربعة المذكورة بلغت ١. ٠١٤. ٤٨٣ ليرة عثمانية فإذا أضفنا إلى

стр. 3192

هذا المبلغ ما بعود من صافي الواردات لأسهم السكة الحديدية الروملية وهو ١٥٦٣٣٥ ليرة بلغ المجموع ١. ١٧٨. ٠٨٠ ليرة وإذا أخذنا رأس مال هذا المبلغ بحساب قيمة الديون الموحدة وجدنا ذلك لا يبلغ ثمانية وعشرين مليوناً غير أنه يجب لأجل تعيين ومقدار الديون الخارجية وقتئذ أن نضيف إلى هذا المبلغ قيمة الديون المضمونة بخراج مصر والدين الذي كان معروفاً بالتحويلات الممتازة فبلغ مجموع ذلك زهاء خمسين مليون ليرة وهذا يكاد لا يتجاوز مقدار الدين الموحد الآن فأين هذا من ١٥٠ مليوناً. أما ديوننا الخارجية الآن فهي كما يأتي وهي أرقام حقيقية راهنة لا اعتبارية: ١٨. ٦٠٦. ٦٩٨ الديون المضمونة بخراج مصر. ٥٢. ٣٩٤. ٦٥٩ الدين الموحد. ٣١. ٣٣٢. ٥٥٤ ديون أخرى مودعة لمجلس الدين. ٢. ٣٩٩. ٦٠٦ ديون لبعض البيوت المالية. ١٥. ٢٦٢. ٧٦٤ ديون منوط أمر تأديتها بنظارة المالية (منها القرضان الأخيران). ١١٩٩٩٦٢٨١ المجموع. فإذا أضفنا إلى هذا المبلغ قيمة القرض الذي تنوي الحكومة عقده وأضفنا عشرين مليوناً رأس مال ما ندفعه كل سنة ضماناً لشركات السكك الحديدية نجد أن مجموع ديون الأمة ستتجاوز في منتهى هذه السنة المالية مائة وخمسين مليوناً فتزيد عنها يوم تأسست الديون العمومية ما يقرب من مائة مليون. قال عَلَى أني لست من الذين يستعظمون هذا المبلغ ويرون أن أحوالنا المالية وخيمة العاقبة لمجرد تراكم هذه الديون علينا. كلا وإنما الخطر كله في سياسة الحكومة المالية وانحرافها عن طريق الاقتصاد متبعة خط التبذير والإسراف في جميع شؤونها وأمورها مما لا يقف بنا عند هذا الحد بل يجرنا إلى عقد القروض الجديدة فنحمل عاتق أخلافنا ما لا يقدرون عَلَى القيام بأعبائه ونبيع آجل القمة بعاجل لقمة نحن في غنى عنها. وإن في ميزانية السنة الحالية أجلى برهان وأعظم دليل عَلَى ما قدمت. تقررت ميزانية الدولة العثمانية عن سنة ٣٢٦ بعجز يتجاوز عشرة ملايين ونصفاً من الليرات العثمانية ومهما قال القائلون فهذا العجز لا ينقص عندي عن ثمانية عندي عن

стр. 3193

ثمانية ملايين فتحتاج الحكومة لسده أن تعد قرضاً يقرب عشرة ملايين بزيادة نحو ثلاثة ملايين عن العام الماضي. ولا يخفى أن ديوننا الخارجية وضمانات السكك الحديدية مع الواردات المخصصة لها مفوضة إدارتها جميعها إلى دائرة أجنبية لا تأثير للحكومة في أعمالها وهذه الواردات مع النفقات وفائدة الديون المخصصة لها يجب في الحقيقة تنزيلها عن الميزانية إيراداً ومصروفاً فإذا فعلنا ذلك رأينا أن صافي الواردات التي للحكومة حق التصرف بها يبقى عبارة عن ثمانية عشر مليوناً فإذا استقرضت الحكومة عشرة ملايين لسد عجز الميزانية تكون قد استقرضت ما يقرب من ستين بالمائة من مجموع وارداتها فما ظن القراء بتاجر لا يكتفي أن يصرف سنوياً عَلَى خاصته وأسرته جميع كسبه وإيراده بل يقترض فوق ذلك ستين في المئة من مجموع هذا الكسب والإيراد اهـ.

стр. 3194

حكم إفرنجية التألم عَلَى ما يرغب فيه أكثر من الاستمتاع بما تملكه اليد هذا ليس من السعادة في شيءٍ بل هو من شأن الطامع. إن ما تشمئز منه نفوس أرباب الأفكار الصالحة من المناقشات هو أنها تنتهي بالخصام. كثيراً ما يكون الاستهزاء إفلاساً في الفكر. ما من شيء أدل عَلَى الحذق أكثر من حسن السلوك. الجليل عَلَى ثلاثة ضروب: جهل بكل شيء ومعرفة ناقصة فيما تعلمه ومعرفة غير ما يجب عليك معرفته. يتوهم الأولاد والمجانين أن عشرين فرنكاً وعشرين سنة لا يتأتى أن تنتهي. شارك الناس في أفراحك تعظم وشارك الناس في أتراحهم فإن الترحة المجزأة يقل تأثيرها. يسأل الحكيم نفسه عن سبب أغلاطه والأحمق يسأل عنها غيره. سران يضمنان احترام الشيخوخة وصفاء الحياة: حب العمل والشعور بالواجب. النظام يسعف الذاكرة ويوفر الوقت ويحفظ الأشياء. يقرأ الإنسان ليمهر فلو كان الناس يقرؤن ليكونوا أحسن حالاً يصبحون عما قريب أمهر وأحذق. نشكو قليلاً في الأحيان من أحبابنا لنبرر سلفاً خفثنا (لاروشفو كولد). إن تعلم النظر هو أطول الفنون وأصعبها (كونكور). إننا نحب من يعجب بنا ولكننا لا نحب أبداً من نعجب بهم (لاروشفو كولد). يجد المرء في السياحة رأس مال للبطالة لا يخلو منه زاوية من زوايا قلب كل منا (بانفيل). علينا وحدنا أن نحرس أفكارنا ففي البيوت نسهر عَلَى أخلاقنا وفي المجتمعات نحرس ألسنتنا (العقيلة دي ساتيل). لا يحدث في الحياة أمر لا كما يخشى منه ولا كما يؤمل فيه. أشبه بمن يقول الكذب من يورد قولاً في معرض الحق وهو لم يفكر فيه. في القراءة أجمل سلوى عن الحياة وعن النفس. استمع مئة مرة ولا تتكلم إلا مرة واحدة.

стр. 3195

من العار الحذر من الأصحاب أكثر من الانخداع بهم. أحق أنواع الإسراف باللوم الإسراف في الوقت. الاغتياب نذالة ولا قوة له إلا عَلَى المتغيب. العفو طيب الفضيلة. إن لك من الحاضر دواء وما دمت تتعذب منه فاعقد الرجاء بالخلاص.

стр. 3196

التربية الأوربية سادتي الأخوان الأعزاء: أوعز إليّ بعض أصدقاء هذا المنتدى الكريم أن أحدثكم بما رأيت في رحلتي الأخيرة إلى أوربا فلم تسعني مخالفتهم لأن الطلاب أعزة وتبادل الأفكار مهم مع أشرف المطالب ولكن الموضوع كبير لا يتسع وقتي الآن للإحاطة بأطرافه كله ولا أوقات الحضور الكرام إلى وعيه وسماعه ولذلك أقتصر منه في هذه الليلة عَلَى الإشارة إلى طرف مما تأثرت به نفسي في درس معالم الحضارة الأوربية في أماكنها واستطلاع طلعها بالعمل بعد الاشتغال بدراستها بالنظر مدة. ولذا أستميح عذركم إذا لحظتم في أقوالي شيئاً مما لم يعتد بعضكم سماعه فأنا أقص عليكم شعوري ولا حرج عَلَى الشاعرين كما لا حرج عَلَى الشعراء. أول ما يقع عليه نظر الداخل إلى أرض أوربية ذاك الانتظام الغريب في مرافق الحياة فيسقط لأول وهلة عَلَى نموذج صالح من استبحار العمران هناك بل يتجسم في عينه وذهنه ما سعت إليه ولا تزال تسعى تلك الأمم الراقية من الأخذ بأسباب الراحة والبسطة من طريق التكمل العلمي والنشوء الاجتماعي والعملي. ولا يزال هذا النموذج من العمران يعظم في نظر السائح كلما طاف المعاهد وزار المشاهد وجال في القربى والدساكر والحواضر والقواعد. وكل فرع من فروع هذا الارتقاء العجيب يحتاج الناظر في وصفه إلى مجلد برأسه حتى يتجلى للسامع بعض التجلي وما راءٍ كمن سمعا. مإذا أذكر لكم أيها الأخوان من حال أوربا ومدنية الغرب الراقية التي بلغها بقوة العقل وتطبيق العلم عَلَى العمل؟ أأحدثكم بصناعاتها التي تبهر النفس؟ أو باتساع متاجرها التي لا يحصيها العد؟ أو بارتقاء زراعتها التي تنادي بلسان حالها ومقالها بأنه لم يبق بعد ما بلغته غاية؟ أم أذكر لكم حال المجامع العلمية والسياسية والجمعيات الاجتماعية والنقابات التجارية والصناعة أم المدارس الجامعة والكلية والثانوية والابتدائية أم المتاحف والمعارض والمكاتب والمجالس والمصارف ودور التمثيل ومحال الطرب والأنس؟ كل هذه المشاهد كنت أختلف إليها في أوقاتها وأجتمع برجال العلم والأدب والسياسة منذ الصباح إلى ما بعد منتصف الليل ونفسي تتأثر بتغير المشاهد بحيث تملك عليّ مشاعري فلا استطيع التفريق في الحسنات كأني ابتليت بداء الاستحسان لا تقع عيني عَلَى شيء ولا

стр. 3197

تسمع أذني بشيء ولا يتصور ذهني أقل شيء إلا وأخذ به جملة وتغرق النفس في استحسانه وتحار في وصفه. ولقد عزمت أن أدون في مفكرتي ما يعرض لي من المناظر والمظاهر ويتردد في صدري من الأفكار والخواطر وأحضره من المحاضرات والخطب والدروس النوادر ولما كثرت عليّ الموضوعات كلّ القلم من التقييد وقلت إنك يا هذا تكتفي متى عدت لتحدث قومك بما رأيت من تسجيل ما يعلق في ذهنك وبعض مما فيه الغناء والكفاية. نعم تركت التقييد عَلَى خلاف عادتي فصدق فيَّ قول الشاعر: تكاثرت الظباءُ عَلَى خراشٍ ... فما يدري خراشُ ما يصيد لولا أن اليأس من أعظم الأمراض في الأفراد والجامعات لطاوعت النفس وفطنت من نهضة هذا الشرق لمجارات الغرب ولولا أنني أعتقد بأن النجاح مقدور لكل مخلوق يعمل وأن الأجسام تتكون من الذرات وأن من الجزئيات تنشأ الكليات لسجلت بأن قيام الشرق العثماني وهو عَلَى نهضته المتثاقلة البطيئة التي نشهدها أمر متعذر إلا بعد قرون أن كتبت له الحياة. ولكن أمامي مثال الدولة اليابانية مملكة الشمس المشرقة رأيتها جارت أكبر الدول الأوربية في ثلاثين سنة وفاقت من كانت تعمل منذ ثلثمائة سنة من الدول الغربية فبلغت درجة عالية من الحضارة. نعم إن اليأس يجب أن لا يتطرق إلينا وإن كنا ويا للأسف تحت وصاية الغرب اليوم في كل شأن من شؤون حياتنا السياسية والاجتماعية والعلمية والتجارية يصرفون علينا ما يريدون من ضروب المعارف ويربحون بعقولهم منا أنواع الأرباح والمكاسب ويستثمرون شرقنا بكل ما لديهم من ذرائع العلوم والفنون ونحن معهم باهتون شاخصون شأن عبد مع سيده أو جاهل مع عالم. حضرت دروساً كثيرة في الكوليج دي فرانس وهي المدرسة العظمى التي تضم في صدرها زهاء أربعين عالماً من كبار علماء فرنسا يقرأ كل واحد منهم درسين اثنين في كل أسبوع في العلم الذي أخصى فيه وتفرد به طوال عمره وتكون دروسهم عامة يحضرها كل من أراد فتدل عَلَى كرم الفرنسويين في العلم. وحضرت دروساً في مدارس أخرى ووقفت إلى سماع خطب ومحاضرات كثيرة فلم أر في

стр. 3198

أكثرها إلا تعصباً عَلَى الشرق وغمطاً لحقوقه. أذكر لكم عَلَى سبيل المثال محاضرتين دعيت إليهما لتعلموا منهما مقدار ما يعده الغرب للشرق ومبلغ حكم أبنائه علينا ولكم بعدها أن تقيسوا حاضركم بحاضرنا وغابرهم بغابرنا وتضحكون بعدها أو تبكون. فالمحاضرة الأولى كانت في قاعة السوربون الأولى أي كلية باريز وهي المكان الذي جرت العادة أن يكون معهد العاملين للعلم من الفرنسويين فأقامت جمعية آسيا الفرنسوية والجمعية الجغرافية حفلة للاحتفاءِ بأعضاءِ بعثة بليو إلى التركستان الصينية وكنشو بحضور جماعة من أعضاء المجمع الفرنسوي ولم يقل الحضور أقل من ألف وخمسمائة مستمع ومستمعة والمسيو بليو هو في الثامنة والعشرين من عمره طلق اللسان في آية البيان وهو أستاذ اللغة الصينية في المدرسة الفرنسوية في الشرق الأقصى. شرح في محاضرته ما لاقاه في رحلته التي بدأت في ١٥ حزيران سنة ١٩٠٦ وانتهت في الصيف الماضي وأتى عَلَى ما وفق إليه من الاكتشافات الثرية والكتابية وغيرها في آسيا الوسطى مما حفظ لفرنسا شهرتها القديمة في البحث عن الآثار وقال أن التعصب هناك انتشر بانتشار الإسلام في القرن الحادي عشر للمسيح فكان من ذاك التعصب أن أتى عَلَى الآثار بجملتها. وقد قرَّع الشرقيين عامة والمسلمين منهم خاصة أنواع التقريع. أما رحلته فهي كسائر الرحلات العلمية التي يرحلها الغربيون إلى آسيا وافريقية فيكونون مقدمة للفتح والاستعمار وقديماً كان الشاعر يقول السيف أصدق أنباءً من الكتب فإذا أرادت الأمة أن تفتح بلد أخرى ترسل غليها السيوف والبنادق ثم تمهد البلاد بالمعارف أما اليوم فيرسل الغرب رجال العلم يرتادون البلاد أولاً ثم يرسلون مدافعهم وبنادقهم وآلات تدميرهم والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة. وقد ادعى بليو صاحب البعثة والغالب أنه عَلَى حق فيما ادعاه أن ما وفق إلى جلبه من الآثار قد أغنى مكتبة الأمة في باريز بألوف من المخطوطات الصينية ومنها شيءٌ في تاريخ الصين كما أغنى متحف اللوفر الشهير بتماثيل ورسوم ونقوش فأصبحت باريز بذلك عاصمة الدروس الصينية في أوربا ويحق لها أن تفاخر بأن مجموعة ما عندها الآن من الآثار الصينية ليس لها مثيل في الغرب حتى ولا في الصين نفسها قال وغاية البعثة في التركستان الصينية ولاسيما في مقاطعات قاشار وأرومشي البحث عن بقايا التمدن البوذي

стр. 3199

الذي سبق التمدن الإسلامي إلى هناك وأنه رأى جميع أهل التركستان من أهل الإسلام وإذ كان دينهم يحرم التماثيل والصور لم يظفر بكثير منها في الأماكن المطروقة إذ كانت تعبث بها أيدي المتعصبين منهم. وقال أنه رأى لسوء الحظ أن قد سبقه إلى ارتياد تلك الأصقاع أناس من الألمان والإنكليز واليابان والروس وللغاية نفسها ولكنه وفق إلى أنه اكتشف بين قاشار وكوتشار في نصف الطريق في طومشونك تمثالاً بوذياً صغيراً بين الصناعة اليونانية والبوذية حريٌّ بأن يكون صلة بين الصناعة الشرقية القديمة والغربية وظفر في قاشار تحت أنقاض أحد المعابد في طبقة كثيفة بمخطوطات هندية فأحرز ثلثها بواسطة راهب انقطع في تلك المغاور ووصف تلك البقاع بأنه لا شجر فيها ولا عشب مع أنك تمشي ألوفاً من الكيلومترات اللهم إلا في بعض الواحات. وأكثر تلك الأصقاع جبال شامخة ومنحدرات كثيرة ورمال محرقة فكانت الحرارة في الصيف تصل إلى الأربعين درجة وفي الشتاء إلى الخمس والثلاثين تحت الصفر حتى كان الحبر يجمد في أيدي أعضاء البعثة متى أرادوا أن يقيدوا آثار بعثتهم وقد أخذ أحد أعضاء البعثة صورة طوبوغرافية من خط هذه الرحلة وفوائد فلكية في عدة نقاط وآب بمجموعة من الحشرات والحيوانات تغني المتحف الطبيعي وبصور كثيرة عرضت بالفانوس السحري عَلَى الحضور تلك الليلة حتى لكأنهم ذهبوا بأنفسهم إلى تلك الأصقاع النائية. هذه المحاضرة الأولى التي تكهرب بها جسمي وتأثرت عواطفي وسمعت بها مهانة أمتي بأذني. والمحاضرة الثانية التي ألقاها المسيو تارديو من كبار السياسيين الفرنسويين وصاحب المقالات الافتتاحية في جريدة الطان في الدولة العثمانية فهو أول أخصائي في سياسة الشرق ولاسيما دولتنا يقلب القلم بين أصابعه كما تشاء حكومته. حضرت خطبة له في مدرسة اللغات الشرقية الحية ألقاها عَلَى طلبة تلك المدرسة العالية ممن يتخرجون الآن ليذهبوا إلى الشرق فيما بعد لخدمة حكومتهم ويكون منهم التراجمة والقناصل والسفراءُ ببيان لم أسمع من العرب ولا من العجم أبلغ منه لم يتمتم ولم يعطس ولم يكرر وقلما رأيت إنساناً درس موضوعه وأعد له المواد التاريخية والمستندات أكثر من ذلك ولكن سياسة المنافع والمصالح كانت تلوح صراحة من خلال كلام الخطيب فكان عجبي بتحامله عَلَى

стр. 3200

الدولة أكثر من عجبي بذلاقة لسان فقد تكلم عَلَى علاقة فرنسا بالشرق ولاسيما الدولة العلية فقال أن فرنسا صاحبة الفكر الأول في الحروب الصليبية قد أتى عليها زمن حالفت فيه الدولة العلية أيام قوتها لتستخدمها لأغراضها وقد جنى الفرنسيس ثمار هذا الوفاق ثم لما مضت سنون والدولة لم تر خيراً لها من تلك المحالفة نزعت يدها من يد حليفتها ثم عادت فرنسا فبعثت أبناءها إلى القريم ليحابوا مع الإنكليز والعثمانيين جيوش الروس لأن مصلحتها اقتضت إذ ذاك وأفاض في نشأة الامتيازات الأجنبية في البلاد المصرية والعثمانية وقال أن فرنسا في كل دور من أدوارها استخدمت الدولة العلية لمقاصدها وأن لها اليد الطولى في المسألة الشرقية أي استقلال بلاد البلقان واليونان وأنها لا تقصر كل حين في بتر عضو من أعضاء هذه الدولة حتى تموت وتفنى. فيا أخواني وسادتي أيسمع عثماني هذا الكلام ولا يجهش نفسه بالبكاء ولا تذوب كمداً وحسرة وتسود الدنيا في عينيه؟ هذا بعض ما يعده الغرب للشرق فمإذا يعد الشرق للغرب؟ نحن يا قوم لا نحفظ كياننا ولا نحتفظ بلغتنا وديننا وآدابنا إلا إذا قاتلنا من يريدون قتالنا بالسيف الذي يقاتلونا به. وأعني به سيف العلم. نحن يقضى علينا أن نأخذ من تلك المدنية الغربية التي تدهشنا مكل ما ينفعنا لقيام مجتمعنا نأخذ عن رجال العلم منهم ونحتك بهم زمناً لنستفيد ونعرف الطرق التي يجب علينا سلوكها. رأيت الدولة بعد انقلابنا الأخير بعثت بزمرة من الطلبة العثمانيين ليدرسوا في مدارس أوربا ولاسيما في مدارس باريز فقدرت عددهم قليلاً جداً بالنسبة لمجموع هذه الأمة. وإني لأخجل أن أقول لكم أن عدد الطلبة البلغاريين في روسيا وألمانيا والنمسا وفرنسا والبلجيك وإنكلترا أكثر من عدد الطلبة العثمانيين وإياكم أن تظنوا أن جميع طلبة الأجانب تبعث بهم حكوماتهم ليدرسوا عَلَى نفقتها بل إن لهمم الأفراد شأناً عظيماً في هذا الباب وكثيراً ما ينفق الطالب من مال أبيه عن سعة حتى لا يتم دروسه إلا وقد أتى عَلَى آخر فلس مما عنده وهو مغتبط بما صنع لأنه أحرز رأس مال ثمين لا يقدر بالملايين والكرات وعاد وهو يعرف كيف يخدم أمته وبلاده. نحن مقصون كل القصور في إرسال أبنائنا إلى ديار الغربة يلتقطون درر العلم من بحار

стр. 3201

كليتها ومدارسها والعرب في هذا المعنى أكثر العثمانيين قصوراً. ولقد أحصيت جميع من يدرسون من أبناء سورية في أوربا عَلَى نفقة الحكومة أو عَلَى نفقاتهم فلم أقدر أن أوصلهم إلى ثلاثين طالباً أكثرهم يدرسون عَلَى نفقتهم فليت شعري أليس هذا العدد بقليل عَلَى قطر يناهز سكانه الثلاثة ملايين. هذا من سورية أرقى البلاد العربية وما أظن أحداً من أبناء العراق والجزيرة والحجاز واليمن وطرابلس وبرقة وغيرهم من الأقاليم العربية يدرس في مدارس أوربا فيكون هؤلاء الثلاثون طالباً لخمسة عشر مليوناً من العرب العثمانيين يصيب كل مليون نسمة طالبان وما أعظم ذلك من قصور وتقصير. نعم هو تقصير وليس وراؤه وراء وخمود همم كاد يصدق به علينا حكم الغريب. وإني لأرجو أن لا تكون أقوالنا أكثر من أفعالنا فإن الكلام لا أثر له بقدر الفعل. نريد معاشر العرب أن نجاري الأمم الراقية بل سائر العناصر من أخواننا العثمانيين ولا نجاريهم عَلَى الأقل في مضمار التعلم؟ نتناغى بالوطنية ونندب حظ اللغة العربية ونحن أبناءها الذي نعقها ولا نتعلمها. أليس مما يزعج أن يخطب العربي أباه وأمه وأخاه وصديقه بغير لغته الأصلية؟ يعمل ذلك لا ليتمرن عَلَى تلقف غير لغته بل لأنه لا يعرف أن يتكلم ويكتب بلسان أبيه وأمه وقد يكون في الأكثر ممن يفرض عليهم فرض عين تعلمها ليفهم بها كتابه وشريعته. أنا إن كنت عربياً وأحب العرب وأريد نهوضهم أيتيسر لي كل ما أريد إذا لم أخاطبهم وأخطبهم وأكتب لهم بلغتهم التي يفهمونها. أنا إن كنت أريد الاطلاع عَلَى مجد آبائي وأجدادي أأتمكن من ذلك بدون دراسة ما خلفوه من آثارهم وهل يتيسر لي إلا باللغة التي كتبوا بها؟ أقول هذا وأنا آسف كل الأسف عَلَى قصور العرب عَلَى تعلم لغتهم قصوراً لا أبالي إذا قلت أن فيه العار والشنار. أيزهد سلالة العرب الأكارم في لغتهم ويتعلمها المستشرقون أكثر من علماء العرب أنفسهم؟ أيزهد العربي ابن العشرين في العربية ويتعلمها رجل أعجمي في الستين من عمره. وأعني به الكنت دي سارديج الفرنسوي. هذا الرجل من أهل الطبقة العالية في غناه كان والده سفيراً في طهران عن الملك لويز فيليب ملك فرنسا وقد كان هو موظفاً في السفارات وأخر وظيفة له رئاسة تراجمة سفارة فرنسا في مدريد ثم استقال وهو يسكن في الصيف في

стр. 3202

قصر له في لوزان في سويسرا وفي الشتاء في باريز وقد أقام في ذهنه منذ أشهر أن يدرس اللغة العربية للاطلاع عَلَى حضارة العرب ومدنيتهم الباهرة فاتخذ له أستاذاً صديقنا ووطنينا ميشيل أفندي بيطار وأنشأ يتخرج به فقطع شوطاً في التعلم وإذ كانت الدواعي تضره إلى المقام في قصره في سويسرا أكثر من باريز وكان أستاذه لا يستطيع أن يلحق به إلى سويسرا كتب إليه يلتمس منه التماس التلميذ من أستاذه أن يبعث إليه بدروس عشرين يوماً حتى لا يضيع وقته مدة مقامه في سويسرا ويحرم من الاستفادة والتحصيل فإذا آب إلى العاصمة يعاود من بدأ به. هذا الرجل عَلَى أبواب الشيخوخة وهو في هذه السن يحاول أن يتعلم لغة شرقية لا عهد له بمعرفتها. أو أن يتعلم لغة القرآن ليدرس بها مدنية أهله وشبان العرب أنفسهم يترفعون عن أن يقضوا ولو بعض أوقات فراغهم في إحكام لغتهم. هذا هو مثال صغير من أمثلة الهمم في الشرق وأمثلتها في الغرب فهل فيكم يا شباب المستقبل وقرة عيون العثمانية العربية من يمشي عَلَى أقدام هذا الشيخ الفرنسوي حتى لا يجيء علينا وقت نضطر فيه أن نأخذ لغتنا بل ديننا عن أوربا ونكون تحت وصايتها حتى في أمس الأمور بتاً وأعقلها بقلوبنا؟ كل ما نراه من همم الغربيين ومتنانتهم هو محصول الكتاب والمدرسة فأنتم وأمثالكم شباب هذه الأمة في أيدي اقتداركم أن تجددوا لها شبابها إذا وضع كل منكم نصب عينيه الذهاب إلى الغرب وقضاء سنين في الدرس والبحث ليرى بعينيه ويحكم بنفسه عَلَى قصورنا عن الغربيين وفقرنا وغناهم وشقائنا وسعادتهم ليعلم أنني لا أغالي فيما أوردته لكم بل إنني عاجز عن الوصف والتعريف. ولا يقعن في أذهانكم أن الذهاب إلى أوربا بعيد المنال وأنه لا يتيسر إلا لكبار الأغنياء فالعيش في معظم البلاد الأوربية أرخص من الآستانة ومصر ودمشق وبيروت والمدارس رخيصة أجورها ولا يكاد لها أجور ومنها ما أجرة الطالب فيه مع الأكل والنوم والدرس ستون فرنكاً في الشهر ومثل هذا القدر من المال لا يصعب عَلَى أحد فيما أحسب أن يعده أو يستلفه عَلَى المستقبل مهما بلغ من ضيق ذات يده. يا أبناء قومي ويا زهرات أمتي! أليس من العار أن تكون بلادنا التي لا تعيش إلا بالزراعة ولا تحيا إلا بالزراعة خالية من عارفين بها عَلَى الأصول الحديثة فلا يكون الذين يتعلمون منا هذا الفن في أوربا سوى طالبين اثنين أحدهما في المدرسة الزراعية في لوفان من

стр. 3203

أعمال البلجيك وهو رفيق بك بيضون من بيروت والآخر في كرنيون من أعمال باريز في مدرسة كرنيون الزراعية واسمه مصطفى أفندي الكيلاني من حماة. كلاهما من أبناء الأعيان ولهما أراض ومزارع فنعماً عملا بالاختصاص بهذا الفن الشريف المفيد ولكن أليس في أبناء سورية بل البلاد العربية أحد من أبناء الأعيان يملك أراضي وقرى غير هذين الشابين؟ بلى إن المالكين كثار ولكن محبي الدرس قلائل! هذا في فن الزراعة فمتى يقوم أناس لتعلم الكهربائية ومد الخطوط الحديدية والهندسة العملية والصناعات الحديدية واليدوية والتجارة وغير ذلك مما نحن فيه عيال عَلَى الأوربيين. زرت مدرسة كريون الزراعية وهي عَلَى مسافة ساعة من باريز فرأيت شعارها مكتوباً بقلم غليظ في مكتبتها بما معناه: الأرض هي الوطن ومن توفر عَلَى تحسينها يخدم وطنه ولكن قومي غفر اتلله لهم يحتقرون هذا الفن فيما أرى. فإن كنا نختلف في البديهيات فمتى نتفق في غيرها؟ زرت كرنيون ورأيت فيها عبد القادر الكيلاني يلبس مشلح الزراع ويدرس كما يدرس أبناء الأعيان في فرنسا ويجاريهم في ذكائه وأطلعني عَلَى عَلَى ما في مدرسته من متاحف ومعارض واصطبلات وحظائر لتربية الماشية وحدائق لغرس النبات والبقول وغابات للنزهة والانتفاع وأدوات للعمل وحرث الأرض وكرثها. رأيت كل هذا وأكبرته وقلت في نفسي لو حذا السوريون في الزراعة وتربية الماشية حذو الفرنسيس فيها وتربتهم تلاءم تربتنا وأقاليمهم أشبه بأقاليمنا لاغتنينا غنى يغنينا عن الهجرة وتطلب الوظائف الاتكالية فقد ذكروا لي أن خروفاً علفته إدارة المدرسة سنتين عَلَى الطريقة العلمية فبيع في أحد المعارض بسبعين ليرة. فأين خرفاننا التي يباع الواحد منها بسبع ليرات. مهما علفناها بجهلنا وبساطتنا وأطعمناها السمسم المقشر أو الشيح والقيصوم والعرار والعرعر. ولكن الآمال معقودة بأن نعلف خرافنا عَلَى طريقتهم ونستثمر تربتنا عَلَى أصولهم نربي عقولنا عَلَى مناحيهم ونطبع دوابنا وماشيتنا بحسب سنتهم فيكون إذ ذاك أبناء عبد القادر في التوفر عَلَى زكاء التربة في نفعهم لهذه الأمة عَلَى مستوى جدهم الذي زكى النفوس في عصره. وتزكية التربة لا تقل عن تزكية التربية والمآل واحد.

стр. 3204

مدرسة كرنيون الزراعية هي التي أوصى أبناء الأعيان وغيرهم التخرج فيها لتخصب بهم تربتنا بعد إجدابها وتملأ جيوبنا بعد فراغها والمال مبدأ كل عمل وفاتحة كل ارتقاءٍ مادي وأدبي. نحن لا نرقى الرقي المطلوب إلا إذا تعلمنا العلم العملي وزهدنا قليلاً في شقشقة الألسن والنظريات المجردة. ومن جملة المدارس التي زرتها في فرنسا وتأثرت أيضاً بنظامها مدرسة جزيرة فرنسا في مقاطعة الواز. زرتها بدعوة من صديقي مرسي أفندي محمود أحد كتاب مصر فكانت زيارتها وزيارة مدرسة كرنيون من اسعد الأيام التي قضيتها في أرض الفرنسيس وإني أحب أن أقص عليكم قصة هذه المدرسة لتعرفوا الغرض منها فأقول: قام منذ عشر سنين في فرنسا رجل من رجال الصحافة اسمه أديمون ديمولانس درس طرق الحضارة والتعليم والتربية عند الألمان والإنكليز والأميركان وقابل بين طرائقهم وأخلاقهم وعاداتهم وبين ما عند الفرنسيس منها ووضع لذلك الكتب وكتب المقالات وأنشأ مجلة العلم الاجتماعي التي تدور عَلَى هذا الغرض ومن جملة كتبه سر تقدم الإنكليز السكسونيين الذي نقل إلى العربية فعمت فائدته العرب كما عمت الإفرنج. وقد وفق ديمولانس صاحب تلك الدعوة بأنه التف حوله أناس من أرباب الغيرة عَلَى ارتقاء بلادهم والاهتمام بمستقبلها فكانوا يعطونه بالمئات لقيان الغرض الذي حاول بلوغه وتربية أبناء الفرنسيس عَلَى الطريقة الأنكلو سكسونية العملية فأسست لذلك ثلاث مدارس كبرى عقيب دعوته الأولى مدرسة بروش أسست سنة ١٨٩٩ باسم جماعة من المساهمين وأخرى في إقليم نورمانديا لجماعة من كبار الصناع منها وأخرى في ليانكور أسست سنة ١٩٠١ وهي التي أريد أن أحدثكم عنها. ليانكور قرية سكانها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة وهي عَلَى نحو ساعة من باريز إلى الشمال من مقاطعة ألواز وفيها ما في سائر بلاد فرنسا من أنواع المرافق والرفاهية والمعامل الكبرى الصناعية والزراعة الراقية الغنية بل فيها من دور التمثيل فقط ثلاث دور وقصر الدوك دي لاروشفو كول الواعظ المشهور صاحب الكلمة المأثورة الذي أسس بنك التوفير في فرنسا في أواسط القرن التاسع عشر قامت هذه المدرسة العملية. وقصره هذا في أرض مساحتها مائتا هكتار أي نحو ثلثمائة فدان لم يبق منها إلا دائرة حشمه أما دائرة

стр. 3205

قصره فقد أتى عليها رجال الثورة الأخير فدكوها وجعلوا عاليها سافلها وقد جعلت تلك المدرسة في تلك الدائرة فوسعت كل صفوفها ومرافقها ومعاملها. في هذه البقعة الجميلة الواسعة بل الأبعدية الكبيرة والحانوت الفخم التي حوت الغابات والمروج والحدائق والغدران والآكام والسهول يتربى رجال المستقبل عَلَى الطريقة الإنكليزية وفيهم الفرنسويون وأكثرهم من أبناء الباريزيين وعدد قليل من الأميركان والإنكليز والبرتقاليين والأميركيين والمصريين. ويعيشون في هذا البيت كأنهم في أسرة لا في مدرسة وقد رفعت عنهم أكثر القيود التي تقيد طلبة المدارس الداخلية واختصر منها عَلَى ما يحفظ به النظام والآداب مثل الحظر عَلَى أحدهم أن يركض ويرفع صوته في المدرسة أو في حجر الدروس وأن يلعب في الأماكن التي هي مرر لإخوانه وأن لا يخرج من المدرسة ولا يركب في قارب في الغدير بدون رخصة أولاً وأن لا يبتاع أي شيء كان من المدينة بدون استئذان وأن لا يدخل جرائد ولا كتباً إلا إذا وقع عليها المدير ولا يدخن ولا يلبس ثياب اللعب عندما يخرج من غرفة المائدة وقت الظهر ولا يركب دراجته إلا يومي الخميس والأحد وأن لا يعبث بما حوت حديقة المدرسة ومكتبتها وأن لا يتكلم بعد أن يطفئ النور في غرفة النوم مساء ولا قبل أن يستيقظ رفاقه صباحاً وما عدا ذلك فهو حر أن يلعب اللعب الذي يختاره في الأوقات التي خصصت لذلك منذ الظهر إلى حوالي الساعة الرابعة بعده. وكل هذه القيود لا تكبر عَلَى التلميذ لأنه يعرف أنه لا بد منها لكل عائلة كبرى وما هذه المدرسة إلا كذلك. والمدرسة تقسم إلى ثمانية صفوف أسسها الأستاذان الإنكليزيان هو كنسن وسكوت ومديرها اليوم المسيو لبلا وهو فرنسوي لأن قانون فرنسا يحظر عَلَى الأجانب إنشاء مدارس باسمهم في البلاد. وفي المدرسة نحو عشرين معلماً ومعلمة وناظرة. ورئيسة المدرسة الآنسة باري من أقرباء أدمون ديمولانس صاحب الدعوة إلى الأخذ بطريقة الإنكليز السكسونيين في التربية ومن أولئك المعلمين معلمان إنكليزيان واثنان ألمانيان. ويقسم تلامذتها بحس أسنانهم واستعدادهم ولا يختلط الكبار بالصغار إلا في بعض ساعات النهار وهذه المدرسة تعد التلامذة لنيل شهادة البكلوريا أو العالمية ولكن عَلَى غير الطريقة

стр. 3206

التي يحشى بها رأس التلميذ بالمواد النظرية وهي عن العلم العملي بمعزل. فالمدرسة تربي الإرادة والعين والذوق واليد والجسم أكثر مما تربي الذهن والذاكرة. وأسماء الصفوف كصفوف سائر المدارس ويشترك جميع المعلمين في التعليم ويلاحظون الدروس أيضاً ولا يراجعون التلامذة فيما تعلموه خارج الصفوف النظامية لأن النهار يكفي لذلك ويتولى الأولاد بأنفسهم أمور لعبهم وحفظ النظام العام وسائر شؤون الحياة وربما لا تروق أكثر الأولاد هذه الطريقة خصوصاً وأكثر من فيها من أبناء الأغنياء والأمراء اعتادوا أن يخلقوا وحواليهم الخدم والحشم ويتولوا من أمورهم ما يتقاعسون هم عن عمله ويصغرون خدودهم كبراً من القيام به. ويقسم التلامذة بعد الصفوف والفرق إلى بيوت وكل بيت يديره أستاذ ويعهد إلى النساء بالإدارة البيتية والعناية بالمرضى وتعليم الموسيقى وتعليم الأحداث من الطلبة وهن يعشن في المدرسة نفسها وعلى الطلبة أن يحضروا ثلاث جلسات في الأسبوع لتعلم لعب الكوكي والكريكة بنظارة أساتذة فيف هذه الألعاب. وفي المدرسة دار للتمثيل كما فيها ميدان للعب السيف ومحل لتعلم الرقص والموسيقى ومحال دروسهم أشبه بمكتب منه بقمطر تلميذ لكل واحد منضدة عليها عليها دواة وورق نشاف يتصرف فيها كما يشاء ويرى فيها الدروس التي يدرسها بطريقة عملية أكثر منها نظرية. فيتعلم مع العلم صناعة من الصناعات التي هي أحب إلى قلبه كالزراعة والنجارة والحدادة والتصوير والتجليد وصنع المقوى والفخار والجلد وغيرها وذلك بنظارة أساتذة هذا الشأن يدلونه عَلَى الطرق التي يسلكونها ولا يعملون بعده بل يدلونه عَلَى غيوب عم له ويده وعينه هما اللتان تعملان ليتعمد بذلك عَلَى نفسه فإذا عاد إلى أهله يستطيع أن يصنع بذاته عملاً من مثل ذلك فلا يكون لا فرق بين ما عمله في المدرسة ويعمله بعد الخروج منها ويتولى أكثر شؤونه كما قلنا بنفسه حتى يسهل عليه كل جهاد في حياته فإن الرياضيات التي يقومون بها في البستان والحقول والرحلات في الخلاء سواء كانوا مشاة أم ركاباً عَلَى الدراجات تزيد في قواهم وقابليتهم للرياضات البدنية ولا يقل النوم عندهم عن عشر ساعات للصغار إلى تسع للكبار ليستريحوا من أتعاب النهار. وتمتاز هذه المدرسة بأن يرحل تلامذتها بمراقبة أساتذتهم إلى بعض البلاد المجاورة

стр. 3207

كالبلجيك وهولاندة أو غيرهما من مقاطعات فرنسا البعيدة ليعتادوا الاستغناء عن الرفاهية ويحسنوا التخلص عند الحاجة من مشاكل الأحوال التي كثيراً ما تصادف الإنسان في حياته وذلك أيضاً ليتحملوا بصبر وحسن خلق معاكسات الوقت ونكد الأيام وتنوثق عرى المحبة بينهم ففي عيد الفصح تنقسم المدرسة ثلاث فرق بحسب سن التلامذة المؤلفة منهم فتذهب كل واحدة في جهة خمسة أيام وكل من حسنت أخلاقه ودروسه يرحل به أيضاً كل ثلاثة أشهر مرة أو مرتين يوماً أو بعض يوم إلى مكان بعيد وللمدرسة في فصل الصيف شهران أيضاً عطلة فتكون عطلتها السنوية من حيث المجموع ثمانين يوماً وتستوفي المدرسة أجرة من كل طالب إلى سن الحادية عشرة ٢٥٠٠ فرنك فإذا تجاوز هذا السن تأخذ منه ثلاثة آلاف يدخل في ذلك أكثر حاجاته ما عدا بعض الدروس كالرقص والموسيقى والرسم فإنه يدفع أجرتها عَلَى حدة. وهو مبلغ كبير بالنسبة لأهل بلادنا ولكنه لا يستكثر في مدرسة مثل هذه النفقات الطائلة عَلَى الأساتذة والعيشة والرحلات ويطبق فيها العلم عَلَى العمل وتربى الحواس بالعمل أكثر من تربية الذاكرة. حدثني أحد أساتذة المدرسة قال كان فكر مؤسسيها ديمولانس أن تكون عَلَى الطريقة الإنكليزية المحضة ولكن لم تمض حتى انقلبت أوضاع الدروس والرياضات إلى ما يشبه الطريقة الفرنسوية لأن ما توهمه ديمولانس من أنه يمكن تطبيقه في بلاد قد غإلى فيه كثيراً ولو كان حياً_مات منذ نحو سنتين_لرجع عن كثير مما نعاه عَلَى قومه وعد عدمه نقصاً في تربيتها وسبباً في ضعفها. وهو قول حق سديد لأن ما يوافق أمة لا يطبق بالحرف عَلَى أخرى وللعادة والمحيط والتقاليد دخل كبير في أوضاع الأمة عَلَى أن هذه النغمة قد أفادت فرنسا وغيرها بلا شك وأطلعت الشرق عَلَى التربية الفرنسوية مع ما هي عليه من الحسن هي في رقيها دون التربية الإنكليزية السكسونية من وجوه وإن كانت هذه دونها من وجوه ولعل بلادنا تستفيد من كل ذلك عبرة. تقدم أن تلامذة مدرسة لياكنور هم من الفرنسيس وخليط من البرتقاليين والأميركان والإنكليز والمصريين وهكذا شأن معظم المدارس في فرنسا ولاسيما في كلياتها الجامعة فلا يتعلم فيها الطلبة من الذكور فقط بل يتعلم فيها الطالبات من الإناث وإني لا أذكر أنني حضرت خطبة أو درساً أو مجلساً علمياً ولا زرت متحفاً ولا مطبعة ولا إدارة جريدة إلا

стр. 3208

ورأيت الفتيات سبقنني إلى تلك الأمكنة ومعظمهن روسيات وإنكليزيات وألمانيات وبلقانيا وبولونيات. والبولونيات أكثر الفتيات الأجنبيات في فرنسا وأكثرهن عناية بتعلم اللغات الأجنبية حتى أن الواحدة منهن لتكلمك فلا تحسبها إلا فرنسوية لكثرة إتقانها للغة الفرنسوية وإجادتها النطق بها مما لا يكاد يتيسر مثله لغريبة ولا لغريب عن اللغة وهن مع هذا أكثر النساء الأوربيات تفانياً في أحكام ملكة لغتهن وحرصاً عَلَى آدابها وتلقينها. ولقد كانت المرأة البولونية تعلم أولادها لغتهم في الغابات والحقول عندما كانت الحكومة الروسية تحظر عليه إلى قبل بضع سنين تعلم لغتهم لتجعلهم روساً مع الزمن فلما دالت دولة الجهل ونال البولونيون كسائر العناصر السلافية بعض حريتهم عقيب إنشاء الدوما الأولى كان من البولونيون أن فتحوا في شهر واحد في البلاد التي وقعت منذ قرن ونصف تحت سلطة الروس زهاء أربعة آلاف مدرسة يعلمون فيها العلوم العالية والدروس المنوعة بلغتهم ولم ينقصهم أساتذة ولا أعوزهم بالطبع التلامذة. فالمرأة البولونية وإن عنيت بتعليم اللغات الأجنبية عنها تحتفظ بلغتها ووطنيتها احتفاظاً أسأل الله أن يرزقنا نحن بعضه حتى أنها إذا تزوجت من أجنبي لا تلبث أن تصبغ أولادها بصبغتها بحيث اضطر بسمارك أن يسن في عهده قانوناً يحظر فيه عَلَى الضباط الألمان أن يتزوجوا من البولونيات إذ ثبت له أن الوطنية الألمانية كادت تضعف ويعروها الانحلال في القسم الذي أصاب مملكة بروسيا من إرث صاحب بولونيا. فيا ليت شعري متى يكون نساؤنا بل رجالنا في هذه المنزلة من صحة الوطنية مع الحرص عَلَى الجامعة العثمانية التي هي عدتنا في شدتنا وبدون هذه الجامعة السياسية لا يرجى لنا بقاء بعد الذي رأيناه من تكالب الغرب عَلَى الشرق فنحن إن أنصفنا لا ننزع من يدنا من الجماعة لأن يد الله مع الجماعة ومن رأى كيف كانت حالة سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة قبل الوحدة السويسرية والألمانية والأميركية يدرك سر الاجتماع والتعاضد ويعرف أن المركب الكبير يستحيل أن تأتي عليه الأنواء بقدر ما تضر بالصغير فقد يغرق هذا أو يستغرق في غيره ولا من يسمع به. تعلمنا أوروبا وأمريكا كل يوم معنى من معاني الوطنية والجامعات الجنسية فإن كان بعض الاجتماعيين يدعون اليوم إلى إنشاء جامعة أوروبية واحدة وبعضهم إلى إنشاء جامعة

стр. 3209

أمريكية واحدة وبعضهم إلى إنشاء جامعة صفراء من اليابان والصين واحدة أفلسنا نحن أبناء العثمانية أحرياء بأن نزيد في تكاتفنا وتكافلنا ونرفع من بيننا سوء التفهم بسعي العقلاء منا. طال المقال وبت أخشى عليكم الملال فهل تأذنون بأن أختمه بجملة واحدة للمقارنة بين أخلاقنا وأخلاق الغربيين وهي الأخلاق التي كانت من أعظم الوسائط في ارتقائهم كما كان لنقيضها واسطة في بانحطاطنا وذلك أنني تبنيت بالاختبار أن الإفرنج أكثر تفكراً منا في مصادر الأحوال ومواردها فهم لا يقدمون مثلنا عَلَى أمر قبل لأن يوقنوا من أنفسهم الغناء فيه فالصانع في الغالب لا يتطال إلى أن يكون سياسياً والمحامي لا يعمل في الزراعة وهكذا اختص أهل كل طبقة بطبقتهم وتفرد كل عالم بما بعلم ولم يتعده فالاختصاص أو الاخصاء هو الذي كان واسطة نجاح الغرب ودعوى معرفة كل شيء هي التي كانت واسطة انحطاط الشرق. الغربي يفتخر بأنه لا يعرف غير ما تعلمه في مدرسته وحصله من حرفته ولكنه تعلمه فبرز فيه وأحاط بأطرافه وصبر حتى نضج فتناول ثمار جنية. أما نحن فنسارع إلى الرقود فنهب دفعة واحدة كما نخمد كذلك. الغربي يهمه نجاح العمل من حيث هو عمل نافع لأمته ولنفسه ولذلك جاءت مصانعهم ومعاهدهم بل وجميع شؤون حضارتهم فخمة خالدة وكانت مصانعنا ومعاهدنا وسائر أعمالنا مختلة معتلة لا تدوم إلا بدوام من عمل لها أول مرة فإذا ما ذهب تذهب بذهابه. الغربي استفاد ويستفيد بتجارب غيره لأن من عادته أن يحسن الانتفاع بكل شيء ونحن من عادتنا أن نهزأ في الأكثر بكل شيء. الغربي يدخل الإصلاح إلى داره وبيته وأمته بالتدريج ونحن نحب أن نطفر طفرة في إصلاحنا والطفرة محال لأن سنن الفطرة لا تغالب ولا تعاند. الغربي يحب النظام حتى صار ذلك طبيعة ثانية له ونحن لا يهمنا النظام ولا التنظيم. الغربي معتدل عَلَى الأكثر في عامة أحواله ونحن أميل إلى الإفراط أو التفريط الغربي عبد الواجب ونحن قلما نقوم بفرض أو واجب فالغربي كما أحسن تقسيم الأعمال والاخصاء فيها أحسن استخدام الوقت إحسانه لاستخدام عناصر الطبيعة فنجده جد ولكن في أوقات الجد وهزله هزل ولكن في

стр. 3210

أوقات الهزل ونزهته نزهة ولكن في أوقات النزهة وعمله عمل ولكن في زمن العمل والشرقي ويا للأسف ليس بذلك. أحسن الطبائع في الغربي خلق الاعتماد عَلَى النفس وإنكار النفي فهو يعتمد عَلَى كفاءته أولاً ثم عَلَى محيطه أمته وقد يهتم عَلَى الأكثر بمصلحة أته اهتمامه أو أعظم بمصلحة نسه ولذلك جاء كل غربي راقٍ أمةً برأسه وأمة تتألف من أفراد هذا حال وادهم الأعظم ينبسط ظل عمرانها ويمتد عَلَى الأرض سلطانها. فالله أسأل أن يهب هذا الشرق المحبوب نفثة من تلك الروح العالية وهذا لا يرجى لنا إلا بكثير سواد أمثالكم يا طلاب المدارس العالية فطلاب المدارس العالية هم ولا جرم أهل المطالب العالية فاعرفوا مقدار أنفسكم ومقدار الآمال التي تعلقها عليكم أمتكم نصر الله وجوهكم وبيض بكم وجوهنا.

стр. 3211

سير العلم والاجتماع الدرس في النزهة اعتادت بعض المدارس في الغرب أن تخرج بتلامذتها في أيام معينة من الأسبوع إلى الضواحي تدرسهم في كتاب الطبيعة بعيدين عن الدفاتر والكتب وجدران صفوفهم ما يحرر حواسهم من رقها وينزه عقولهم من أتعابها ويعلمهم معالم بلادهم ومجاهلها وهذا ما سماه أحد علماء التربية بمدارس النزهة وليست هذه المدارس عبارة عن نزهة بسيطة يهيم فيها التلامذة والأساتذة عَلَى وجوههم كما في نزهات المدارس بل إنها نزهات هي إلى الجد أكثر منها إلى الهزل وخطتها واسعة لأنها تجمع بين الولد والأرض والحياة وتعلمه النظر والتبصر والتفكر والشعور بالحقيقة وجمال الموجودات حيوانات كانت أو جمادات وتوقفه عَلَى مناظر الطبيعة وأعمال أبنائها فيجمع فيها الولد شعوراً ومشاهدات وملاحظات وأحكاماً وتذكارات وصوراً عَلَى اختلاف ضروبها يستمد منها معرفة وحكمة. ويخرجون إلى هذه المدارس في مساء يوم الأربعاء الثالث من شهر نيسان وأيار وحزيران وتموز وآب وتشرين الأول أي في شهور الربيع والخريف أما في الصيف فيخرجون إليها صباحاً خوف الحرارة وفي الشتاء يخرجون في أوقات الصحو والفرق بين هذه النزهات وغيرها أن الأساتذة يكونون عارفين بالخطة التي يجرون عليها وما فيها من مظاهر الكون المفيدة وظواهر الأشياء ليلفتوا إليها أنظار تلامذتهم وإذا كان في الطريق شيءٌ يغيب عن أذهان المعلمين فيتخلصوا من مأزقه في الحال. فباستعداد المعلمين لمثل هذه النزهات ينجو التلميذ من هوى النظام المدرسي وخلل العادات ويتعود التنظيم المدقق بما يسبق نزهاته من تدقيق المعلم بما يلزم لكمال هذه النزهات من الفوائد التي تناسب مدرسته ومحيطه فيذهب التلامذة مجتمعين حول معلمهم أكثر مما هم في صفوف المدرسة يسايرونه في البراري وينظرون ويتأملون ويستمعون ويسألون ثم يعودون إلى المدرسة ببذرة من التذكارات فيكتبون مشاهداتهم ويجعلونها في جريدة مذكراتهم وربما أضافوا صور المناظر والأشياء التي وقعت عَلَى أنظارهم. والسبب في هذه المدارس البرية هو أن بعضهم قالوا أن المدارس لا تعطي سوى جزءٍ معين من المعارف وهذه المعارف منتخبة بحيث لا تضمن للولد كل المعرفة العملية التي

стр. 3212

يحتاج إليها في الحياة بل إنها تؤثر في قواه وتخلق له فكراً وتنيره وتوسعه وفيها التربية الحقيقية فالواجب أن يحمل الطفل من أبناء الشعب عن معلمي مدرسته الابتدائية عادات حسنة من التفكر وذكاءً نبيهاً وأفكاراً رائقةً وصحة حكم وبعد نظر واستقامة في الفكر واللسان. وليس في هذه الطريقة من التعليم طرائق ميكانيكية تبلد الذهن ولا دروس عالية تحوي في مطاويها معلومات تافهة باردة بل فيها كل ضروب التعاون في الأفكار المختلفة المرنة ولا سبيل إلى إبلاغ العلم إلى العقول إذا كان المتعلم يلقيه عَلَى صورة مجردة ويعلمه كالمتسلط فعلى المعلم أن لا يلقن إلا ما يقرب من إذ أن الطلبة وعليه في كل تعليم أن يستخدم أموراً محسوسة ويري الأشياء بحيث تمسها اليد ويقف بالطلبة أمام حقائق ناصعة ويمرنهم بالتدريج عَلَى استخراج المجردات فهو يربي صحة الحكم في تلميذه بما يقوده إليه من النظر ويربي فكر البحث بكثرة النظر والعقل بمعاونته عَلَى التعقل بذاته من دون قواعد منطقية. التلميذ لا يتعلم دروس الأشياء في كتاب ما لم تضع أمام عينيه صورة الشيء أو عينه وإلا فيكون كالببغاء يسمع المدرس فيتثاءب والأولى أن ينظر إلى الشيء بذاته فإن صورته واسطة وخير للناظر أن ينظر مباشرة فينطبع بطابع ما يرى أشكاله ويسمع صداه وينشق رياه ويغتني بأسماءِ الأعيان والأجناس التي تفهمه الأشياء وتمثلها لعينيه بما فيها من زخرف ثم يحسن أن تذكر في كتاب مع صورتها. ولئن أفادت المعارض الطبيعية والمتاحف في المدارس فإن الأفيد منها والأقرب إلى حصول المقصود أن تعرض الأشياء عَلَى أنظار الطفل في أماكنها فالواجب أن يرى الحجر في الجبل والحصاد في الحقل المتموج بأشعة الشمس والنبات والزهر في النور المرتج قبل أن يفهم بل ليفهم مجموعة المعرض من أعشاب وزهور وأحجار. يجب أن يذهب إلى الطبيعة ليلاحظ الأشياء والمخلوقات في مساكنها وأماكنها واكتشاف الصلات بين الأرض والبشر. فيخرج الطفل من المدرسة وهو أقرب إلى العمل والحقائق مسلحاً بسلاح ماض من التعليم لطعن عوائق الحياة وليس معنى هذه التربية إخصاء التلميذ في العلم بل تلقينه مبادئ عامة واستعداداً موسعاً فيه يحبب البلاد التي خلق ليعيش فيها وتلقي في نفسه ذوقاً للبقاء فيها ليعمل بها ويضرب فيها أوتاد مقامه ولذا اقتضى أن ينظر في مظاهرها الطبيعية ويرى

стр. 3213

صناعاتها وفنونها كيف رقيت ويقرأ تاريخ أجداده ويشعر بالصلات والاتحاد المعقود بين الأرض وأجيال الناس الذين راقهم النزول فيها وحولوها منذ قرون إلى الحالة التي وقع استحسانهم عليها. وبهذه التربية تتربى الحواس في التلميذ عَلَى حين تصاب بين جدر المدرسة بإغفاء. والتربية الطبيعية تشد أزر التربية العقلية وهناك القوة والنفاذ فيتيسر للتلامذة أن يقدروا الأبعاد الشاسعة بسيرهم عَلَى الأقدام ثم بالعين من بعيد ولا يبرحون يتصورونه حتى يترسخ في ذاكرتهم فينظرون إلى قامة إنسان وعلو بيت وطول شجرة عَلَى اختلافها في البعد والطول ويميزون بين جمال الأصقاع وما يتخللها من المظاهر والألوان أما صغار الأطفال فلا يستطيعوا أن يسايروا أترابهم الأكبر منهم سناً فيجلسون إلى ناحية ويقطفون زهوراً وأوراقاً ويعدونها وبذلك يكون لهم درس في الحساب ثم يجمعونها بحسب أشكالها وحجمها وبذلك تتمرن ألسنتهم عَلَى الكلام وأذهانهم عَلَى النظام. فحاستا الذوق والشم تتمرنان باستنشاق الزهور وجنيها ورائحة المرج والأرض وغابة الصنوبر والسمع يتعود الإنصات إلى خرير المياه وتقدير المساوف التي تبلغ بها الآذان وتتمرن الأيدي كما تتمرن العيون عَلَى المساحة وتكعيب الخشب فتقرب التلميذ من الأرض ومن أعمال البيوت. نعم بهذه الواسطة يتعلم الطفل عَلَى الحساب والمساحة والعلوم الطبيعية بما يعده ويحسبه ويحوله ويجمعه من النبات والحيوان والمعادن والأحجار والمسافات وهكذا ينتقل نظر التلميذ في الخلاء من حقل يعمل صاحبه بيد وكرم يعزقه مالكه ومعمل يشتغل فيه الفتيان والفتيات وترتفع الكلفة بين المعلم وتلاميذه فيسيرون معه أو يسير معهم كما يسير أب مع بنيه ويدرك التلامذة باحتكاكهم بأرباب الصناعات وعملة الحقول أن العمل شريف في ذاته وأنه خير ما يعد له نفسه. العالم في الصور كتبت الآنسة برس في مجلة التربية مقالة قالت فيها: إن أول من رأس تسهيل الدرس عَلَى الأطفال بوضع صور في الكتب المدرسية هو أحد قدماء العلماء آموس كومينوس (١٥٩٢_١٦٧١) وما برحت طريقته تنتشر ولكن عَلَى ضعف حتى العهد الأخير وقد غدت الكتب المدرسية وغيرها مصورة كلها بل أفرطوا في بعضها حتى قال بعضهم أن كثرة

стр. 3214

الصور توشك أن تأتي عَلَى كل اجتهاد للفهم وتفكر الإنسان بنفسه في موضوع بمجرد وصفه وصفاً بسيطاً. ولكن الذاهبين إلى أن الصور تضعف قوة التصور هم عَلَى خطأ في دعواهم فإن الصورة تقوي الجهاد للفهم وذلك بأن تجعل الحواس والذهن تتحرك بنفسها منذ الصغر ويتسع أمام الطفل عالم العلم المنوع وتعلق بواسطته مبادئ من العلم غير قليلة وبذلك يكون الفكر في سعة من الوقت والقوة اللازمة للبحث في أمور أخرى لا يتأتى التمكن منها بالنظر. نعم إن الصور توضح كل شيءٍ بحيث تكتفي أرباب أرباب العقول العادية بما فيها وهي مفيدة تفتح لأرباب الأفكار العالية أموراً جديدة أخرى. ولعمري أليس التصوير من حيث الجملة هو سبب ونتيجة لاتساع الانتباه العقلي في السنين الأخيرة. فالواجب أن تري الجغرافيا عيوننا صوراً من بلاد العالم لم نراها ولن نراها. وأن يكون التاريخ معرضاً صور لكل عصر أو لكل القصص التي تعظم قيمتها لقلة صحتها لأنها تعبر عن حالة الأفكار العامة لزمن أو لشعب أهم من فكر الأبطال الذين تنتسب إليهم. وأن يكون التاريخ الطبيعية عبارة عن نزهة في حدائق حيوانات أو حيوانات تتمثل حية ونباتات تبدو بجمالها وقوة أصولها وصخور تبدو عَلَى أجمل مظهر لتنبه النظر إلى التأمل. نعم فلتكن عجائب المعامل والأدوات وما وصلت إليه بعض الصناعات والأعمال الاجتماعية من الارتقاء من مألوف عقل الولد بوساطة التصوير وبذلك يربح الطفل لنفسه وللمستقبل لأن ما يتمثل لعينيه يقيمه وسط التمدن العصري محفوفاً باكتشاف العلم وتبدل الأخلاق السريعة في تحولها اليوم وكم من عادة كانت بالأمس غريبة فأصبحت اليوم من المألوف وكذلك سيكون الحال غداً في الطيران في الهواء فلكي يستعد الطفل لتلقي ما يحدث غداً من الارتقاء يجب عليه بعد الآن أن ينظر بلا انقطاع بكل ما فيه من قوة نظر إلى ارتقاء اليوم. والصور مفيدة في تعليم الحساب وتصور الحياة العملية وفي دراسة النحو والصرف فإن كتاب علم مصور تصويراً جيداً هو درس في الذوق ولطف في الصناعة والواجب أن ينبه المعلم تلميذه إلى ما حوت الصورة التي تمر في الدرس من المعاني وإن كان من الصور ما ينطبق بنفسه فالأولى أن ينطقه. فالطفل لأول حركته يعطى لعباً وصوراً منقوشة محسمة فإذا تقدم في السن تعرض عليه صور عَلَى الورق ليتعلم منها ما يحدث في الحياة البيتية

стр. 3215

فيشرح المعلم لتلميذه كل الأدوات والآنية والخرثي والماعون والثياب لينبه ذهنه إلى كيفية استعمالها وإذا شرحت الصور للولد شرحاً كافياً لا يلبث متى أدرك أن يقلدها بيده ويتعلم ما هو بعيد عنه كأن يدرس ابن المدينة ما يجري في القرية وابن القرية ما يتم في المدينة فبالتصوير يدخل الطفل في عالم جديد والتصوير يمثل لعينيه العالم في مظاهر لم يكن يتوقعها فيرى حواليه الأشياء والمناظر التي رآها في كتابه وربما كان يمر بها وهو ساه لاهٍ عنها وبذلك يعلم جمال الحقيقة فالإكثار من مجاميع الصور في المدارس والبيوت من أقوى أسباب التعليم. صحة العين نشر الدكتور دوفور في مجلة التربية مقالة في صحة العين في البيوت المدارس قال فيها: إن الواجب تنظيف عيون الأولاد والعمل لما فيه وقايتها لا أن يمدوا أيديهم إليها وهي وسخة فلا تستعمل لها اسفنجة ولا خرقة استعملت في سائر أجزاء الجسد ولا أن تغل عيون الأولاد بما استحموا به. لأن الاسفنجة حتى ما يستعمل منتها لفرك الوجه لا تخلو من وسخ ولكي يثق المرء بنظافتها يجب أن تجعل في ماء غالٍ كل مرة يراد استعمالها وكث يراً ما تكون الفوط قاسية القماش فالأحسن استعمال شيء من القطن للعيون ثم ترمى بعد الاستعمال وأحسن سائل لغسيل العين الماء الطاهر وإذا أريد مزيد العناية فالواجب استعمال ماءٍ أغلي ثم فتر وتجعل فيه قطعة من القطن المعروف ثم تمسح بها العين ولاسيما وراء الجفون والحدقتين من جهة الأنف والواجب تنشيف العيون بعد غسلها حتى لا يبقى فيها اثر للنداوة. وأن يفهم الطفل متى وعى عَلَى نفسه أن لا يقرب يديه وهما موسختان من عينيه كما لا يقرب منها شيئاً يؤذيها مثل قلم أو مقص أو شنكل أو موسى فإذا كبر وتعاطى بعض الصناعات تجعل عَلَى عينيه نظارات تقيها الذرات الضارة. ويقضى أن تكون غرفة المدرسة منورة بالنور الأبيض وبنور النهار ما أمكن وما دام النور الطبيعية كافياً يجب تفضيله عَلَى النور الصناعي. ومما يضر العين بل مجموع حالة الإنسان أن يبقى المرء في غرفة منورة بنور أحمر مثل غرف التصوير الشمسي فإن للألوان الملونة تأثيراً في النظر. يجب أن يكون النور غزيراً فإن مضرة النور القليل تضطر التلميذ إلى الاقتراب من دفتره أو كتابه فيشغل قواه النظرية بإفراط فإذا عني

стр. 3216

بصحة عينيه منذ صغره يجود نظره في كبره ولتدارك ذلك يجب أن يكون النور كافياً بحيث يستطيع التلميذ أن يقرأ عن بعد الثلاثين سنتيمتراً عَلَى الأقل براحة. ويقضى أن تكون غرفة الدرس بحيث يرى منها التلميذ شعاعاً من نور الشمس أو ضوءِ النهار وأسوأ المدارس ما جعل خالياً من النور في الطبقة السفلى من البناء لا ترى منها إلا الفناء أو شوارع ضيقة. والأصلح أن يدخل النور عن شمال الولد فإنه إذا قابله يبهر نظره فيضره وإذا استدبره يظلل جسم الطفل ما تحت يده من الورق والكتاب وإذا جاءه عن يمينه يغطي السطر الذي يخطه. ويمكن تنوير الغرف العالية من سقوفها وإذا أريد التوقي من نور الشمس في غرف المدارس فالأحسن اختيار ستور رمادية فاتحة كما تجعل الجدر كذلك حتى لا تبهر عيونهم ويجب أن يكون النور الصناعي شديداً ما أمكن فالغاز دون الكهرباء ضوءاً وخيره ما جعلت له زجاجة ولذلك تفضل مصابيح البترول والغاز والكهرباء عَلَى الشموع وغيرها مما لا زجاج يمنع الهواء عن العبث بنوره. ويقتضي للغرف المنورة بمصابيح البترول والغاز أن تهوي لأنه ينبعث من تلك المصابيح بخار وحامض كربونيك تستدعي الهواء أك ثر من الغرف المنورة بالكهرباء. أما كيفية الجلوس فينبغي ألا تكون عَلَى كراسي لا تليق إلا للجلوس عليها بضع دقائق في إحدى القهوات بل تكون بحيث لا يقترب التلميذ مما بين يديه من الكتاب وغيره أقل من ٣٢ إلى ٣٣ سنتمتراً ويكون جسمه وذرعاه ورأسه عَلَى وضع يستريح به فإذا جلس بعيداً عن الكتاب أو الدفتر لا يصير أحس قصير النظر أو أنه إذا كان مصاباً بالحسر لا يزيده إعضالاً. فإذا أحب الكتابة يشتد مقدم ذراعه عَلَى المنضدة ويبقي مرفقه مطلقاً في الهواء وأن تكون المقاعد عالية في الجملة وعلو محل كل تلميذ ٦٥ سنتمتراً عَلَى الأقل ويجب أن يعود الطفل عَلَى الكتابة المستوية لا عَلَى السطور المائلة لأن المائلة تسبب الحسر وأن يعلم العمل بالأدوات الكاتبة التي شاعت بالاستعمال في أميركا. ويختار من الكتب ما تقرأ حروفه مطبوعة عَلَى ورق غليظ في الجملة بحيث لا تبدو الحروف الناتئة من أسفله ويكون الورق أبيضاً خيراً من الرمادي أو الأصفر الذي يمتدحه بعض أطباء العيون فالحروف الجيدة ما لا تلتبس فيه الحروف المتشابهة بالرسم حتى عن بعد. ويجب أن لا

стр. 3217

يتجاوز طول السطر عن ثمانية سنتمترات وبين كل سطر مسافة ثلاثة مليمترات وأن لا تطول الصفحات ويكون لها هوامش بيضاء. لا يدخل الطفل المدرسة قبل السادسة من عمره ولا يبدأ بتعليم الكتابة إلا بعد سنة من بداءته بالقراءة ويعلم الكتابة بالورق والقلم لا عَلَى ألواح من الحجر ولا يعلم في النهار أكثر من أربع ساعات وهو جالس بحيث لا تتجاوز كل مدرسة أكثر من ساعة يفصل بين كل واحدة منها ربع ساعة عَلَى الأقل يصرفها التلميذ في اللعب في الهواء الطلق أو تحت رواق بحسب الفصل ولا يقرأ التلامذة ولا يكتبون خلال النزهة وأن تقلل ساعات درسه في بيته ما أمكن لأن شروط الصحة تكون في البيت غير مستوفاة في الجملة وكذلك ينقطع الولد عن الدرس أيام العطلة وكل أسبوع كما تصرف العطلات المدرسية في الهواء الطلق لا في العمل. والأحسن أن لا يملي الأستاذ عَلَى تلامذته ما يقضى عليهم أن ينسخوه بل أن يكتبه ويوزعه عليهم ويلاحظ الأطفال المولعون بالمطالعة فلا يسمح لهم أن يطالعوا في الفراش لأن جلستهم تكون غالباً مختلة ونور الغرفة ضئيل ويجب تعويد الأطفال رؤية الأشياء البعيدة حتى تتمرن عيونهم عَلَى النظر. والحسر من الأسباب الرئيسية إن لم يكن في العمى التام فلنصف عمى يجعل الإنسان عاجزاً ويحول بينه وبين تعاطي أكثر الصناعات وقد فحص كوهن في ألمانيا سنة ١٨٦٥ زهاء عشرة آلاف طفل فقر ربان الحسر في مدارس القرى يكاد لا يوجد لهم أثر ويزيد عددهم بزيادة الدرس ويبلغون الدرجة الكبرى من قصر البصر في المدارس العالية والجامعات وإن الحسر في التلامذة يزيد من الطبقة الواطئة إلى الطبقة العالية وإن كان يكثر في العلماء لكثرة تحديقهم الساعات الطويلة وإن الحسر يزيد في صاحبه كلما تقدم في درسه. وقد أكد كثيرون في بلدان مختلفة هذا الإحصاء فإبان البحث بأن الإفراط في تقريب العين المرئيات يورث الحسر وهذا ناشئ من سوء جلسة التلميذ الذي يحني أعلى جسمه إلى الأمام مستنداً عَلَى مقدم ذراعيه مصعراً رأسه والسبب في الحسر واختلال وجهة العمود الفقري رداءه وضع التلميذ. ولقد كان ولا يزال لمسألة الحسر في المدارس شأن عظيم ولطالما أرسلت الحكومات إلى مدارسها بالتعاليم الواجب عَلَى المعلمين تطبيقها عَلَى التلامذة لوقاية أعينهم من الضعف

стр. 3218

والقصر من أحسن الخطط التي اختطوها (١ً) أن يقسم التعليم عَلَى وجه لا يضطر فيه التلميذ إلى صرف أكثر من ساعة متتابعة (٢ً) أن تمرن العيون عَلَى النظر إلى مسافات متراخية (٣ً) الرياضة المتوالية في الهواء الطلق والرياضات البدنية (٤ً) الامتناع عن القراءة في العتمة أو في الشفق أو ضوءٍ مظلم (٥ً) حسن العناية بوضع التلميذ خلال القراءة والكتابة (٦ً) الحظر عَلَى التلاميذ أن يضعوا عَلَى عيونهم نظارات بدون استشارة طبيب العيون (٧ً) يجعل التلاميذ الذين ضعفت عيونهم في مكان يعينه الطبيب (٨ً) يجب أن ينبعث النور للقارئ والكاتب والمصور من شماله أو من أعلى رأسه (٩ً) يجتنب النور الصناعي وإذا كان لا مناص منه فالإقلال ما أمكن من القراءة والكتابة عَلَى ضوئه ويبتعد عن التصوير فيه (١٠ً) يعلم الأولاد بحروف صغيرة (١١ً) يحظر استعمال الورق (١٢ً) يباعد بين العنق والعمل القريب. تربية بيوت الضاحية اشتهر الدكتور ليز في ألمانيا بإنشاء مدارس سماها بهذا الاسم وشاعت طريقتها في أوربا وأميركا عَلَى نحو ما كانت شاعت منذ بضع سنين كتب إديمون ديمولانس في فرنسا القائل باتخاذ التربية السكسونية. وقد كتبت مجلة التربية الفرنسوية يصف طريقة مدارسه قال: إننا أنشأنا خلال العشر السنين الأخيرة من بيوت التربية ثلاثة وهي في الضواحي بعيدة عن المدن يتربى فيها التلميذ ممتعاً بكل قواه الطبيعية والدينية والأدبية فيعيش في محيط ملائم لتربية شخصيته عَلَى القوة والنشاط عَلَى صورة تعرف فيها قيمة الحياة وأفراحها وتكون جديرة بأن تساعد عَلَى سعادة الخلق فيقوم المعلمون في هذه المدارس بوظيفة المربي الحقيقي يعيشون مع الفتيان الذين عهدت إليهم تربيتهم كما يعيش الأصحاب ويعينونهم ما أمكن عَلَى إتمام تربيتهم الشخصية فيلعبون ويعملون معهم ويقاسمونهم اللذائذ والأعمال الجدية ويؤثرون فيهم بالمثل والقدوة وبما يبثونه في قلوبهم من حب الميل إلى كل الصور الشريفة والنافعة في العمل. وللتربية العملية المقام الأول في هذه التربية فيمكنون الطفل أن يعيش في الهواء الطلق وما يتحتم عليه القيام به من أنواع الرياضات البدنية يكون متناسباً مع نموه ويعمل به بدون إفراط فيوصونه بالمشي والعدو وأعمال الرياضة وركوب الدراجة وهذه الرياضة الأخيرة تكون في السنة الحادية عشرة ومن جملة

стр. 3219

الأعمال التي تقوي جسمه زراعة البقول والزروع والنجارة وهي من الصناعات التي كتبت لها المدرسة فضل التقدم وإذ كان الدكتور وايز يعلق شأناً عظيماً عَلَى تأثير جمال الأقاليم في التلميذ أسس مدارسه الثلاث في ثلاثة أقاليم بهجة من بلاد ألمانيا أما الأشغال العقلية فيجب أن يعلمها الطفل عَلَى صورة مقبولة ويتقبلها بفرح فينبه ما فيه من الميل الفطري وهباته في النظر وقوته في التفكر كما تربي فيه العواطف الدينية والأدبية والوطنية وتفي بما يحفظ نظام الحياة وسذاجتها وإخلاصها المطلق نحو الواجب. قال لقد أنشأنا في ثلاثة أقاليم بهجة من بلاد ألمانيا (في هارز تورنغ ورون) ثلاثة دور للتربية للأطفال والمتوسطين والكبار وذلك ليكون أبناء كل سن مع أبناء سنهم ويخلصوا من حبسهم في مدارس داخلية أشبه بالثكن منها بالمدارس فيعمل أهل كل سن ما يشاؤن لتنمية شخصياتهم ولهم من تنوع الأقاليم التي ينقلون من مدارسها ما يوسع أمامهم أفق العمل في الحياة وليس في كل مدرسة أكثر من ٥٠ إلى ٧٠ تلميذاً يقسم كل ١٠ إلى ١٢ منهم فرقة واحدة يتولى أمرها معلم يعيش معهم كما يعيش الأب مع أولاده وهكذا تتسع دائرة اختبار الطفل وأفكاره بتنقله من فرقة إلى أخرى ومن مدرسة في هذا القطر إلى أخرى في قطر آخر تخالفها بعض الشيء في النظام. والعيش في هذه المدارس منوع الأساليب حسن النظام بحيث يلاءم تنمية القوى العقلية والطبيعية فيستيقظ الأولاد فيها بين الساعة السادسة إلى السابعة صباحاً ليغنموا نشاط البكور فبعد أن يستحموا ويفطروا يبدءون بالدروس وهي خمسة طول كل منها ٤٥ دقيقة وذلك للمتوسطين والكبار أما الصغار فدروسهم أربعة. ودروس الصباح لا تكون إلا فرعين أو ثلاثة ويفصل بين كل درس فرصة للنزهة وفرصتان تدوم كل منهما ثلاثين دقيقة تخصص إحداهما للركض في الغابة إذا كان الوقت صاحياً وفي الشتاء للتزحلق عَلَى الثلج واللوج والنزهة الثانية لتناول الطعام الثاني ويتغذون الساعة الواحدة بعد الظهر والتعليم ينتهي الظهر وللتلميذ ساعة قبل الطعام يتعاطى فيها أعماله الخاصة أما الأكل فإنا نتبع فيه طريقة الدكتور لاهمان وذلك بأننا نكثر من البقول والثمار ونقلل من تناول اللحم ونتحامى الأطعمة ذات التوابل والمشروبات الروحية والجزء الأول من وقت بعد الظهر أي من الساعة الثانية إلى الرابعة نستعمله في الأعمال العملية مثل البستنة والنجارة أو في الفنون

стр. 3220

اللطيفة كالرسم والموسيقى الآلية وبعد الساعة الرابعة يبدأ العمل العقلي عَلَى أنه تقال فيه ما أمكن التمارين المكتوبة والنصوص المستظهرة. والعمل الجوهري في المدرسة يتم في الصباح وتدوم مدة الدرس في المساء ساعة في المدرسة الصغرى وساعة ونصف في المدرسة الوسطى وساعتين ونصفاً في المدارس الكبرى وبعد رياضة طبيعية قصيرة أو درس في الفضاء يذهبون إلى المائدة الساعة السابعة وبعد ذلك يستريح الطفل قليلاً عَلَى نحو ما يشاء ثم ينتقلون إلى قاعة السر فيبدأ أستاذ الموسيقى وجوقة التلامذة في أول الاجتماع وآخره بتلحين قطعة من الشعر ثم يتلو المدير قطعة أدبية تتشربها روح الطفل وتكون الأدبيات متناسبة مع اقتدار القوى العقلية في الطفل فالصغار يرتاحون إلى تلاوة الأقاصيص والحكايات والقطع الشعرية أما الكبار فيحبون أنواع الآداب العالية وينام الصغار في الساعة الثامنة وينام الكبار في الساعة التاسعة. وفي كل أسبوع تقضي كل فرقة أو أسرة السهرة في رفقة أب الأسرة ويخصصون سهرة أخرى لسماع الموسيقى وكثيرا ما تتلى عليهم محاضرات يقوم بها أصدقاء المدرسة أو الأساتذة أنفسهم وهكذا ينتهي اليوم بما يعلي نفس التلميذ ويحدوها إلى المطالب العالية. وإذ كان التلميذ في حاجة إلى الحرية لترتقي مداركه فالمدرسة تطلق سراحه بعد ظهر الأربعاء والسبت ولا يخشى أن يسيء استعمال هذه الحرية لأن انفراد المدرسة في الخلاء والعيشة الاشتراكية بين الأساتذة والتلامذة وكثرة الأعمال الطاهرة والجاذبة تستدعي نشطته وتقود إرادته. وطريقة المدرسة في التعليم طريقة الوصف والاستدلال التي تساعد الطفل أبداً عَلَى مؤازرة المعلم في عمله. ولا تطبق هذه الطريقة إلا عَلَى شرط أن تنظم المواد المدروسة في هذا العمل الابتدائي المشترك وأن تعرض من جديد عَلَى الطفل في صورة علمية. وإذ كانت الفروع التي تدرس في كل صباح قليلة سهلة البحث في المسائل التاريخية والعلمية واللغوية وذلك بدرس تجارب الغير والمستندات الموجودة وعلى هذا يتأتى التوسع في درس تاريخ الأدب بدون أن يجزأ وللطفل من وقته متسع ليعرض أفكاره ويقدم اعتراضاته ويهيئ أجوبته. إن احترام التلميذ لشخصية المربي وطاعته له هي من الشروط الجوهرية في نجاح التربية

стр. 3221

وهذه المدارس لا تتطلب من تلامذتها بالخوف ولا بالقصاص. فإن التأثير الروحي الناشئ من الشخص المربي الحري بكل تجلة والانقياد للطبيعة أو للعقل وتأثير نوع الحياة والعمل المطلوب هي وحدها حرية بتربية أخلاق حرة. وعلى ذلك يسمح للتلميذ أن يجري مع ميوله ويقوم بما يزيد في نشاطه عَلَى عمله ولا تطلبه المدرسة إلا بما لا غنية عنه بتربيته الطبيعية والعقلية فتعلمه بالقدوة وبما يسود فيها من الأفكار العامة إلى أن يدرك ماهية الواجب بحيث يتضح له بأن نجاحه هو نتيجة لازمة لنظام منطبق عَلَى العقل. أما العقوبات فيستغنى عنها في هذه المدرسة لأن المربي يتنزل إلى تقريب مناهجه من عقل التلميذ ويعامله عَلَى نصاب العدل وإذا اختلت هذه الشروط تصبح الحاجة ماسة إلى العقوبات وعلى التلميذ من ثم أن يتعاطى عمله بابتهاج وهذه هي الطبقة من التلامذة التي تتوخى المدرسة تنشئتها والقيام عليها ولا تطلب منهم الكمال بل تريدهم عَلَى أن يرتقوا تدريجياً متناسباً مع قواهم واستعدادهم. وإذا لم يكف ذكاء التلميذ وإرادته للتوقي من الأغلاط أو لسد مواضع الخلل من تربيته فإن المدرسة تنشطه وتصبر عليه في جهاده عَلَى أنها لا تكلفه ما لا طاقة له به. ويعامل كل تلميذ بالاحترام اللائق بشخصه فإن المربي الحقيقي هو الذي يكتشف في كل تلميذ حتى في المقصرين منهم في المدارك ما هو جدير بالاحترام وقابل للتكمل فإذا تم ذلك فالحياة المدرسية تنقضي في دعة نافعة ونفع شامل. وإذا مست الحاجة إلى إنزال القصاص بالتلميذ فلا يكون إلا عَلَى أقل درجاته فمن أساء استعمال حريته تحجز عليه ومن تراخى في درسه يغيرون له الأسلوب في الإلقاء والمراقبة وطريقة تنشيطه وهكذا تجتهد المدرسة أن تحمل الولد عَلَى الاعتراف بخطائه وتأخذ بيده كل الأخذ لتوقد في نفسه جذوة العمل الصالح. ويحرمون العقوبات البدنية والقصاص الخارجي التي ليس لها علاقة داخلية مع الخطأ الذي ارتكبه كما لا يعمدون إلى مكافأة المحسن من التلامذة بمكافآت مادية. لا جرم أن أعظم العقوبات التي تشاهد في تربية مدارس المدن ناشئة من الخروج عن سنة الفطرة وهذا ساقط من ذاته في مدرستنا بالنظر لموقعها من الخلاء ولطرز معيشتنا.

стр. 3222

ولقد اقتنعنا بأن كل شخص لم يطرأ عَلَى قلبه وذكائه ما يشوههما كل التشويه هو قابل للخير حري بالمعاناة لإصلاح حاله. فالثقة والحب والإخلاص والمعاملة بحسب قانون العقل كلها من العاملات في ضمان النجاح للمرء حتى أن النجاح وإن كان لا يرجى في الحال بهذه الطريقة فإننا عَلَى ثقة بأن البذرة الملقاة لابد عاجلاً أو آجلاً أن تأتي أكلها. نحن نحاول أن نحب تلاميذنا بدون ضعف لنلقنهم معنى الواجب ونحببه إلى نفوسهم وننشطهم عَلَى الرغبة فيه أبداً. هذه هي القواعد التي جرينا عليها منذ عشر سنين وظهرت بعض نتائجها وحذت حذونا بعض المدارس التي أنشئت في البلاد الخارجية فأبانت عن نجاح وستعظم فائدته في المستقبل أكثر. معنى التاريخ كتب الدكتور ماكس نورد كتاباً بالإفرنسية تحت هذا الاسم جاءت فيه بعض الفقرات الآتية: إن ما كان يراه الجيل الماضي في التاريخ لا يراه الحاضر وما يناسب هذا لا يناسب المستقبل وما يناسب الهنود واليابانيين لا يناسب الأوربيين والأميركيين فالتاريخ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فما تنبه به اليوم إلى مصلحة عامة لا يكون له غداً تأثير في العالم. فالتاريخ يسير في ظلمات الماضي كالإنسان الذي يحمل مصباحاً وشخصية المؤرخ تظهر وإن قال ذلك المؤرخ أن الواجب إخفاؤه لإيراد الحقائق مجردة. وقد قال هيرودوتس أبو التاريخ ليس التاريخ إلا لعب ممن يرويه ولا يختلف عن القصائد التي تنظم في تمجيد الأبطال إلا بكونه نثراً وهذه شعر. وهو إلى اليوم لم يبرح على ما يدعيه بعضهم من أنه أصبح علماً عبارة عن قصة ولا يختلف المؤرخ عن القصصي إلا بأن حريته محدودة بحوادث حدثت وعرفت في الجملة وذلك لأنه لا يستطيع أن يناقض ما وقع التسليم به عند السواد الأعظم. ليس التاريخ علماً لأن العلم ليس إلا معرفة الصلات بين النتائج والمقدمات التي تربض الظواهر ببعضها البعض ومعرفة النواميس العامة في الطبيعة التي هي مفصحة عنها. وقد ردَّ المؤلف هربرت سبنسر قول من يطلق لفظ علم على هذا النوع من التقييد والتنسيق في الحوادث. وعبثاً حاولت فلسفة التاريخ أن تحدد الصلة الأصلية في الحوادث وأن تضيع القوانين التي تتسلسل بها الوقائع التاريخية وربما جاء زمن اقتدر الناس فيه على تدوين تاريخهم خالياً من التناقض إذا ارتقى الفونوغراف

стр. 3223

والتصوير الشمسي أكثر من الآن. ولكن لا يتأتى أن يدون بهذه الواسطة إلا جزء صغير من الحوادث وما وراءها وهو الأهم كنحو ما يضمر في روح البشر ويبقى مخفياً عنا فلا سبيل إلى نقشه ونقله. والحقيقة أن لكل مؤرخ رأياً خاصاً في الصور الكبرى من الماضي والحاضر وقلما تتفق صوره على صور رصفائه. التاريخ هو غير تدوين الوقائع بل هو خارج عنه وأرقى منه وما التاريخ إلا مجموع حوادث اعترضت الجهاد الإنساني في سبيل الحياة فهو تابع الأعمال والمحن والميول والحقائق التي يحاول الإنسان بها أن يوفق بينه وبين الشروط الطبيعية والصناعية الكائنة في المحيط الذي ولد فيه ويجب عليه أن يعيش وسطه فلا ترى بين رجل عادي ورجل فاتح فرقاً في الطبيعة وكلاهما خاضعان للقوانين الفطرية فالأول لا علاقة له بغيره قد يعيش ويموت فلا يدري به أحد أما الثاني فيؤثر بأفكاره وأعماله في ألوف وملايين من أبناء جنسه فالفرق بينهما في الكمية لا بالكيفية وكم من أناس كبر مقامهم من دونوا أخبارهم حتى أن كثيرين ليعجبوا من أرباب الرحلات السخفاء عجبهم من كبار الفاتحين المصلحين وكم من أناس هم عظماء في نظر أمة ولا يذكرون عند أخرى وكم من زلازل وحرائق أثرت في الانقلاب البشري أكثر من الحروب والغارات وما سبب ذلك إلا المؤرخون فإنهم غالوا في هذه وسردوا أخبار تلك على وجه عادي. قال ومن المحقق أن معرفة الحوادث التاريخية ليس فيها ضرورة حيوية كما هو الحال في الظواهر الطبيعية ونواميسها بل إنها تسد في المرء حاجة نفسية بل حاجة اجتماعية. وملكة النقد على الجملة غير مرتقية في السواد الأعظم من الخلق فلم يرزقوا استعداداً للتمييز بين الحق والباطل وقلما يهتمون بذلك فكل قول يؤكد قائله صحته يقبلونه مصدقين بدون أن يطلبوا الدليل عليه وأن يبحثوا عن درجته من الصحة والتثبت. فكما أن اللاهوت يوقف الناس عن الأسباب الأخيرة في نظام هذا العالم أو المعجزات تكشف خفايا المستقبل هكذا تدوين الحوادث التاريخية كان يوقفهم على معميات الماضي. ولو اهتم البشر بالاطلاع على الأسباب الأخيرة على نسبة اهتمامهم بالاطلاع على الأسباب القريبة لقضي على عالم اللاهوت منذ عهد طويل على نحو ما جرى ما جروا في التاريخ الطبيعية الذي خلفه بلينوس وعلم الحياة تألف أرسطو وكتاب الطبيعة لبطليموس ولو اهتموا بمعرفة الماضي

стр. 3224

اهتمامهم بالمستقبل لأدركوا منذ عهد بعيد أن تدوين وقائع التاريخ لا يوصل إلى معرفة المستقبل إلا كما يدل علم النجوم والقيافة والعرافة. الصحة المدرسية اجتمعت جمعية الصحة الألمانية في ديسو من بلاد ألمانيا وبحثت في أمور كثيرة في حفظ صحة التلامذة ولاسيما في مسألة العيون فقد رأي أن خير وقاية للعين من الأمراض عناية الأمهات بنظافة عيون أبنائهم وبناتهم ثم عناية المدارس بذلك والتوفر على تقليل النقائض الإرثية وملاحظة مواضع النور في المدارس بحيث لا يقترب الأولاد مما ينظرون فيه وأن تجعل الدروس في الصباح أما وقت العصر فيصرف في الألعاب والرياضات حتى يتيسر للنظر أن يتمرن على النظر إلى المساوف البعيدة. ولا باس حين الحاجة من إنشاء مدارس خاصة بضعاف الأبصار من التلامذة وهذا خير طريق للعناية بنظر حماة الوطن وأبناء المستقبل على أن يعنى أرباب البيوت بصحة عيون أبنائهم عناية المدارس بها بعد. كلية ليبسيك احتفلت كلية لايبسيك الألمانية بمرور خمسمائة سنة على تأسيسها فقد أنشئت سنة ١٤٠٩ على يد أساتذة وتلامذة من الألمان هاجروا من براغ للخلاص من النفوذ السلافي فمد فريديريك المحارب ظل حمايته عليها وكذلك صاحب مسينا فحازت شهرة وقوة لم تزل محتفظة بهما حتى اليوم. وفيها الآن خمسة آلاف تلميذ من أقطار أوربا وانتدبت كليات ألمانيا وغيرها من كليات الغرب مندوبين عنها حتى اضطرت عمدة الاحتفال أن تحدد عدد الخطباء وناب كثير من ملوك الإمارات الألمانية وقد احتفلوا بإقامة موكب تاريخي اشترك فيه ألفا رجل يمثل الأدوار المختلفة في الحياة المدرسية في ليبسيك منذ سنة ١٤١٩ إلى ١٨٣٠ ومما مثلوه فيها مناقشة لوثيروس صاحب الدعوة البرتستانتية مع خصمه إيك وحرب الثلاثين سنة والدور الذي رفض فيه الفيلسوف ليبنز من نيل شهادة الحقوق ودور ليسنج وكيتي وأربعة من قدماء تلامذة لايبسيك. بلجيكا الحديثة نشر فرنسوي أقام في بلاد البلجيك زمناً كتاباً في وصفها جاء أن ليس في بلجيكا روح بلجيكية كما ليس في ألمانيا ولا في فرنسا روح فرنسوية ولا في إنكلترا روح إنكليزية لأنه

стр. 3225

ما من شعب في الأرض يملك روحاً خاصة به بل هو مزيج أرواح مختلفة ففي البلجيك شعبان ألفالون والفلامند وقد انتبه الشعب الفلامندي في السنين الأخيرة فطلب أن تعامل اللغة الإفرنسية واللغة الفلامندية بالمساواة. وفي البلجيك ٢. ٨٢٢. ٠٠٠ نسمة لا يتكلمون بغير الفلامندية و٢. ٥٧٤. ٠٠٠ نسمة لا تتكلم بغير الإفرنسية و٨٠١٦٠٠ يتكلمون بالإفرنسية والفلامندية و٢٨٣٠٠ لا يعرفون أن يتكلوا بغير الألمانية و٧٢٠٠ يتكلمون الفلامندية والألمانية و٤٢٩٠٠ يتكلمون باللغات الثلاث الشائعة في البلاد. والبلجيك متأخرة من حيث التعلم فنجد فيها ١٠١ أمي في كل ١٠٠٠ جندي أي أكثر من عشر أبنائها في حين ليس في هولاندة سوى ٢٣ أمياً في الألف وفي فرنسا ٤٧ وبحث المؤلف في أحزاب البلجيك فردها إلى ثلاثة أحزاب حزب الأحرار وحزب الدين وحزب الاشتراكيين وقال أن الحزب الأول ضعيف بالنسبة للثاني الذي استولى على الأمر فالأحرار يكتفون بأن يخاطبوا الأرواح والأفكار أما سائر الأحزاب فتدعو إلى مذهبها بما تقوم به من الأفعال النافعة العملية فهي تسطو على الفلاح والعامل والطفل أيضاً تتناولهم من المهد ولا تتركهم إلى اللحد. محصول الذهب قال مجلة الاقتصاديين: ما برح محصول الذهب في العالم يزيد سنة عن سنة وليس هو الذي زاد غلاء المعيشة بل إن الغلاء ناشيء بطبيعة الحال من التدابير السياسية والقوانين الاجتماعية وهاك جدولاً بمحصوله سنة ١٩٠٩ ومنه تفهم أن الولية قد فازت بها الترنسفال في هذا الباب. فرنك ٧٧٠. ١٠٠. ٠٠٠ الترنسفال ٤٢٩. ١٥٠. ٠٠٠ الولايات المتحدة ٣٦٧. ١٠١. ٩٧٨ أوستراليا ١٧٤. ٢١٦. ٠٠٠ روسيا ١٣٢. ٦٠٠. ٠٠٠ المكسيك ٦٤. ٢٨٥. ٥٠٠ رودوسيا
следующие страницы →