← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

مردانية والأديب الكاتب أبا الخطاب عمر بن أحمد بن عبد الله بن غيطون التجيبي الطليطلي وذا الوزارتين الكاتب أبا عبد الله ابن أبي الخصال قال فيه: حامل لواء النباهة بالروية والبداهة مع منظر ووقار وشيم كصفو العقار ومقول أمضى من ذي الفقار وله أدب بحره يزخر ومذهب يباهي ويفخر وهو إن كان خامل المنشأ نازله لم تنزله منازله ولا فرع للعلاء هضاباً ولا ارتشف للسناء رضاباً فقد تميز بنفسه وتخير من جنسه والذي ألحقه بالمجد وأوقعه بالمكان النجد ذكاء طبع عليه طبعه ونجم في سرية النباهة. . . . . ثم ذكر الكاتب أبا عبد الله محمد بن أبي الخصال والوزير أبا محمد بن القاسم والأديب أبا تمام غالب الملقب بالحجام وهنا انتهى الجزء الثالث وهو في ٢٣٣ ورقة وجاء في آخره أنه يتلوه في أول السفر الذي يليه في ذكر الحديث أبو عامر بن الأصيل. وفي هذه الأجزاء من الشعر الغريب والنثر المطرب ما هو ديوان الأدب وناهيك بسجعات ابن بسام التي هي أبهى من سجع الحمام بل وناهيك ما يقع عليه اختياره من نظيم الكلام ونثاره ومن هذه الأجزاء يؤخذ ديوان إنشاء في السلطانيات والأخوانيات والتهنئات والتعزيات والشفاعات والوسائل والجهاد وفي مقاصد شتى. فيا حبذا لو تصدى لطبعه أحد أئمة المشرقيات في الغرب ليخدم بذلك التاريخ والأدب العربي. وفي مكتبة هذه المجلة النصف الأول من هذا الكتاب وهو بخط بمغربي ينفع في المعارضة إذا كتب الطبع للكتاب ونحن نقدمه لمن يتصدى لطبعه مع الشكر وقد اقتبسنا منه عدة تراجم في مجلدات المقتبس الماضية مع بعض الصعوبة لغلبة التحريف عليه. ديوان أحمد نسيم أهدانا هذا الشاعر المصري الجزئين الأولين من ديوانه وفيهما قصائد في أغراض شتى وبعضها اجتماعي وهاك نموذجاً من شعره قال في الشرق ومصر: تداعت رواسي الشرق فانهال جوانبه ... وما همَّ حتى أقعدته نوائبه تحاربه الأعداء من كل جانب ... ولم يكفهم أن الزمان يحاربه تحد على هاماته شفراته ... وترهف فوق الناصيات قواضبه وحسبك أن الشرق في كل أمة ... مآثره مشهورة ومناقبه تخرج منه الفاتحون لأرضه ... فما جاءت بطحاؤه وسباسبه

стр. 3292

وكان عريناً لانضمام ليوثه ... وكان كناساً لاتهان رباربه وكان قديماً مهبط المجد والعلى ... ومصعد غطريف ترجى مواهبه وكان طليقاً أزهر اللون وجهه ... وللغرب وجه أصفر اللون شاحبه له النصر والتأييد في كل غارة ... إذا زحفت يوم الصدام كتائبه وكم بات مختالاً بكل مملك ... تسير على هام العباد مواكبه وكم صال والهيجاء قان نجيعها ... بكل صقيل لا تفل مضاربه إذا ما جرى وثباً إلى مطلع النهى ... فلا من يجاريه ولا من يواثبه فيا شرق تأساءً إذا ناخ كلكل ... من الغرب إذ مدت إليك مخالبه تقدمك الغرب المجد فلم يدع ... مكاناً تدانيه العلى وتقاربه هرمت فلم تقدر على الدأب فانثنى ... يشاطرك الدنيا وما طر شاربه ومنة عجب طفل على الثدي مرضع ... يطاول شيخاً حنكته تجاربه جنحت إلى حب الخمول ولم تسر ... على سنن يرجو الهداية جائبه * * * صدقتك ما في الشرق إلا شراذم ... تخور خوار الثور آذاه ضاربه وما فيهم إلا مضل مموّهٌ ... على القوم حتى أخطأت الرأي صائبه وفي كل يوم يبتلي بمناهض ... تغير على عرش الملوك عصائبه * * * أعاتب قومي والعتاب تودد ... إذا لم أجد بين الورى من أعاتبه إلى مَ ضياع العمر في غير عائد ... بجدوى ولم يرجع من العمر ذاهبه يصاب الفتى بالحادثات تحيطه ... وأول من يسعى إليها أقاربه معائب لا تحصى إذا ما عددتها ... ورحم الفتى أن لا تعد معائبه خمول ولهو وانحطاط وذلة ... وعذر ووعد لا يؤنب كاذبه وكم ماكر ينساب أرقم مكره ... وآخر مشاءٍ تدب عقاربه يمينك فانظر نظرة المرءِ خلسة ... تجد بائساً ملقى على الضيم غاربه أرى ناظر الشرقي يرنو من الأسى ... رنو امرئٍ ضاقت عليه مذاهبه

стр. 3293

ومما يزيد النفس بؤساً وحسرةً ... تربصها خطباً تبيت تراقيه وما الشرق إلا موطناً عبثت به ... على غرة أبناؤه وأجانبه أضاعوا حمى يجري النضار بأرضه ... وتهمي عليه باللجين سحائبه كذا الشرق في أطواره طول عمره ... غرائبه ما تنقضي وعجائبه * * * رثيتك يا أرض الفراعنة الاءُلى ... قضوا في بلوغ المجد ما ألحق واجبه ورثت بفضل العلم عزاً ممتعاً ... فما بات إلا وابن غيرك غاصبه ولا خير في عرش من الغرب ربه ... ولا خير في مال من الغرب كاسبه أفيقي فما في الجهل إلا مذلة ... ولا العلم إلا سؤدد عزَّ صاحبه أنيري ظلام الشرق بعد انسداله ... فعند طلوع الشمس تجلي غياهبه ولا تقنطي من رحمة الله مرة ... إذا شيم من برق انخذالك خالبه امثلي ترين الغرب ياقظاً شاخصاً ... إلى الشرق يرجو أن تسوء عواقبه وددت بلادي أن تسود بنفسها ... لأكتب فيها خير ما أنا كاتبه وقال من قصيدة: بعض الشيوخ ولا أقول جميعهم ... تخذوا التعنت والعناد لزاما رثت عواطفهم وبات ضميرهم ... خلقاً وحبل العلم صار رماماً ألفوا الجمود وكل شيخ همه ... أن يلبسوه عمامة ووساماً يمشون فوق الأرض أعرض أهلها ... جبباً وأطول خلقها أكماماً فروا من العلم الحديث وحسبهم ... جهلاً بأن عدوا العلوم حراماً حب الجبان النفس خلقه لقي ... خلف المعامع يؤثر الإحجاما وهم الذين إذا تضافر جمعهم ... هزوا العروش وأسقطوا الأعلاما والله لو شهروا سلاح علومهم ... قهروا الأسود وحاصروا الآجاما ولربما غلب الضعيف بعلمه ... جيشاً تموج كالخصم لهاما قد حرموا علم الحساب وساءهم ... أن يعرفوا الأعداد والأرقاما قنعوا بتجويد القراءة واكتفوا ... مذ أتقنوا التنوين والإدغاما

стр. 3294

سلهم عن الأهرام تسمع قولهم ... سيف بن ذي يزن بنى الأهراما سلهم عن اليابان تعرف أنها ... جبل خصيب ينبت الأقزاما سلهم عن الميكاد تعرف أنهم ... ملك غزا كسرى وحارب حاما سلهم عن الأمزون تعرف أنه ... جزراً تحيط مراكشاً وسياما إلى أن قال: يا نصف أميين كيف قرأتم ... ونسيتم أن تعلموا الأقلاما هل في اللغات نقيصة إن شئتم ... أن تفحموا أربابها الأعجاما وهم الذين كما نراهم أتقنوا ... لغة النبي كتابة وكلاما مستشرق حفظ الكتاب وآخر ... أخذ الشرائع عنه والأحكاما يكفي رجال الغرب كل عجيبة ... تعيي الظنون وتعجز الأوهاما بلغوا المطار وسوف تسمع أنهم ... جازوا الهواء وخاطبوا الأجراما عابوا جمود المسلمين وصرحوا ... أن لا نعد مع الأنام أناما عشقوا الحياة وما عشقنا بعدهم ... إلا جموداً يشبه الإعداما نمنا وباتوا ساهدين وفاتنا ... حب الجمود على الضلال نياما متعنتين على الدخيل فإن يضيئ ... نخرج إليه من الضياء ظلاما حتى يظن الدين دين تعنت ... أو دين قوم أشبهوا الأنعاما تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٧ ١٩٠٧ //// من أهم الجمعيات العلمية في أميركا الشمالية هذه الجمعية التي جعلت مقرها في واشنطون وأمامنا الآن تقريرها السنوي عن سنة ١٩٠٧ وقد وقع في ٧٢٦ صفحة وفيه عدة مقالات وأبحاث مفيدة بالإنكليزية في الفلك وطبقات الأرض والظواهر الجوية والطبيعيات والكيمياء والمعادن أو التعدين والنبات والحيوان وعلم البشر حوت ٢٧ مبحثاً في الأغراض المشار إليها مع بعض الصور والرسوم الأنيقة فمقالة في آلة التوربين البخارية على اليابسة والماء ومقالة في ارتقاء التركيب الميكانيكي في الطباعة وفي بعض حقائق عن الكهرباء وأبحاث جديدة في التلغراف اللاسلكي وخاصيات الأنوار الكهربائية المنوعة

стр. 3295

وتقدم صناعة التعدين الكهربائية وتقدم جديد في التصوير الشمسي الملون والبربر في أفريقية الجنوبية قبل نزول الأوربيين فيها وآلة رخيصة الثمن لتحصيل علم الفلك وعلم الطبقات داخل الأرض وبحر سلطون والطرق المائية في البلاد وارتقاء علم الظواهر الجوية مثال لارتقاء العلم العام ومنزلة علم النبات القديم في وقتنا الحاضر وحدائق الحيوانات في بريطانيا والبلجيك وهولاندة وعلم الحيوان الأصلي تقدمه وغايته والتاريخ العام لذوات الثدي البحرية وشعوب إقليم البحر المتوسط واليابان قبل التاريخ وأصل الحضارة المصرية والمضخة النارية وأصل أبجدية الكنعانيين ومسألة تعمية الألوان ومقالة في الدرن وأخرى في ترجمة مارسلن بيرثيلون وغير ذلك. والتقرير كالتقارير السابقة في الغاية من حيث الطبع والوضع فمتى يكون للشرق العربي مثل هذه الجمعية التي تحيي العلوم المادية ونخلص من دور الأدبيات والخيالات. تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٨ ١٩٠٨ هذا التقرير من أكبر التقارير السالف حجماً وأغزر مادة ويبدو عليه النمو الغريب وتتبين منه ارتقاء هذه الجمعية الراقية ومباحثه تدور كطريدة على العلوم المادية والطبيعية فمن مقالاته الموقعة بتواقيع أهل هذا الشأن مقالة في المناطيد الحربية وأخرى في التلغراف اللاسلكي وفي التصوير الشمسي والحاكي (الفونوغراف) والمادة والأثير وارتقاء الكيمياء العامة والطبيعة في الأربعين سنة الأخيرة وارتقاء القذائف في عشرين سنة ومباحث حديثة في تكوين الكون وتغيرات المناخ وأسبابها وأورانوس علم طبقات الأرض وفي معارفنا الحاضرة عن الأرض ورحلات إلى القطب الجنوبي من سنة ١٨٨٩ وبعض مناظر جيولوجية من النيل وفي الوراثة وفصائل النبات وصبار المكسيك وسمك إنكلر وأنواعه وطيور الهند ونشوء الفيل والحمة الدورية في اليونان وكارل فون ليتني أحد علماء الجيولوجية وترجمة اللورد كلفن وأعمال هنري ركويرل. وجميع هذه الم قالات في الغية من التحقيق ويدخل هذا المجلد في ٨٠٠ صفحة جمعت فأوعت فيه وفيه كمجلدات السنين السابقة قائمة بأعمال الجمعية والغرض منها ودخلها وخرجها لازال التوفيق حليف المجامع العلمية على اختلاف لغاتها وأغراضها.

стр. 3296

الريحانيات طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٠ (ص٢٢٨). قليل في كتابنا من خلصوا من ربقة التقليد وقليل فيهم من يكتب ليفيد. وأمين أفندي الريحاني صاحب كتاب الريحانيات هو من أمثل كتابنا وشعرائنا نجا من التقليد ووقف نفسه على نشر ما يفيد واشتهر بأنه العربي الذي فاق الإنكليز في البيان الإنكليزي فيكتب وينظم كأفضل أدبائهم ومصنفه رباعيات أبي العلاء الذي ترجمه شعراً إلى الإنكليزية ومقالاته في المجالات الأميركية والإنكليزية أدل دليل على تبريزه ولكنه على هذه المزية الممدوحة في منافسة أفاضل الإنكليز لم تفته منافسة كتاب العربية فكتب ونشر عدة أبحاث ومقالات في الجرائد العربية في أميركا ومصر والشام كما طبع من قلمه كتابين أحدهما المحالفة الثلاثية والآخر المكاري والكاهن وجميع ما كتبه كتبه لا ليقال أنه كتب بل لنفع قراء العربية وقد طبع هذه الآونة الجزء الأول من مقالاته التي نشرها في الجرائد من قلمه. صدر كتابه بشذرة من خطه جاء فيها وهو ما ينم عن الغرض من نشر الكتاب جرد نفسك ولو بضع ساعات من أطمار الأجيال وتعال نحج معاً. ومتى وصلت إلى كع بة الحقيقة وأنت في مئزر الحج تجد هناك أثوابك الموروثة وأثواباً أخرى جديدة إلى جانبها فأما أنك تعود إلى ما كنت عليه فتلبس ما ألفته وتسير في سبيلك وإما أن تعتاض عنه بثوب ليس بفخيم ولكن من الرقع والفتوق سليم. وفي كل حال لا أنسى أنك أكلت من جفنتي وشربت من أبريقي ونمت في خيمتي. . . . . في الكتاب عدة مقالات أكثرها ما كتبه تحت سماء أميركا فرشحت الكتابة من أفكار محيطها وصدرت كأنها غربية لا شرقية وأكثرها من نمط الشعر المنثور كمقالة وادي الفريكة التي وصف فيها الكاتب قريته وما فيها من مظاهر الطبيعة البهيجة فأجاد من وراء الغاية ومقالات الكتاب وأنوار الأفكار مناهج الحياة الصلوة جهل الإنسان لحكمة الخالق عظمة رأس السنة من على جسر بروكلن فوق سطوح نويورك الفقر وبنوه التمدن الحديث الضجيج والضوضاء روح هذا الزمان شهداء العلم الحرب التي تهمني الخيانة والخناس خطاب المسيح بين اللاهوتيين والعلماء ما هي السعادة بيتان للمتنبي مكروب السعادة

стр. 3297

المصيبة في التعزية والتعزية في المصيبة الرداء الأسود فلتر جان جاك روسو وليم غارسون تولستوي ابن سهل الأندلسي الثورة الإفرنسية بذور للزراعين وغيرها. والكتاب تتدفق حرية الفكر من أطرافه ورقة الإحساس من سطوره وبعد النظر في مراميه وكله معان فلسفية في قوالب عصرية وروح شفافة في شعور جديد وقد قرأنا مرات بعض المقالات ونحن الآن نحب أن نعيد تلاوتها إذا قل في أرباب الأقلام مثل هذا النفس في إصلاح الأفكار والتلطف في إبلاغ العقول الجامدة محاسن الحضارة المدهشة والتجديد المفيد. وما أحلى قول الكاتب من مقالة في جسر بروكلين وهو جسر نويورك يخاطب تمثال الحرية قائلاً: متى يا ترى تصير الحرية مثل هذا القمر فتوقد مصباحها لا في الغرب فقط بل في الشرق وفي الجنوب وفي الشمال_في العالم بأسره. متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ متى يمتزج نورك بنور هذا البدر الباهر فيدور معه حول الأرض ويضيء ظلمات كل شعب مظلوم؟ أيتأتى أن يرى المستقبل تمثالاً للحرية بجانب الأهرام؟ أيمكن أن نرى لك في بحر الروم مثيلاً؟ أيمكن أن يولد لك أخوات في الدردنيل وفي بحر الهند وفي خليج الصين؟ ايتها الحرية متى تدورين مع البدر لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة وأنت أيتها البواخر المقلة إلى أوربا ومصر وعدن والهند منسوجات نواكلند وقطن فرجينا وحديد بنسلفانيا وقمح تكساس وخشب فرمنت خذي معك إلى بحر الروم وبحر الهند والبحر المتوسط بعض موجات من هذه الأمواج التي تغسل أبداً تمثال الحرية. خذي معك ولو زجاجة صغير من الماء المقدس. ورشي منها سواحل مصر وسورية وفلسطين وأرمينية والأناضول وكل جزيرة تمرين بها وكل بلاد تقصدينها وكل شعب تحيي سواريك قباب كنائسه ومآذن جوامعه. احملي سلام هذه الآلهة التي تنير الآن طريقك في الخروج من العالم الجديد وتوكل بها مالها في السماء من شقيقات باهرات. احملي إلى الشرق شيئاً من نشاط الغرب وعودي إلى الغرب بشيء من تقاعد الشرق. احملي إلى الهند بالة من حكمة الأميركان العملية وعودي إلى نويرك ببضعة أكياس من بذور الفلسفة الهندية اقذفي على مصر وسورية بفيض من

стр. 3298

ثمار العلوم الهندسية واقفلي إلى هذه البلاد بفيض من المكارم العربية. أيتها البواخر الآيبة حيي عن جسر بروكلن خراب تدمر وقلع بعلبك واقرأي أهرام مصر سلام هذه المعالم الشاهقة المشعشعة بالكهرباء. سيري أيتها السفن بسلام وارجعي بسلام. وقد شاهدت الآن ثلاثة مناظر عظيمة لا أقدر أن أنساها حياتي. لا أتناساها لأنها عندي أشبه برموز جميلة لدعائم الحياة الروحية الثلاث وهي مراحل في رحلتي الفكرية التي باشرتها منذ خمس سنين_أو من حين ولدت. نعم إني طفل في العالم الروحي إني سائح في مروج النفس وأوديتها أمامي مسافة طويلة يجب أن اجتازها وتحتي هوة هائلة يجب أن أسبر أغوارها وفوقي فضاء غير متناه فينبغي لي أن أتمتع بجماله وحولي من المروج والجبال والأنهر والبحار ما يشغل معظم وقتي لو عشت ألف عام. أما المناظر الثلاثة التي تمتع بها طرفي حتى الآن فقد تركت أثراً عظيماً في نفسي فهي لبنان وسواحله من ذروة جبل صنين وباريز من على برج إيفل ونويرك من الليل في منتصف جسر بركلين فالأول إنما هو رمز الطبيعة والثاني رمز الفنون الجميلة والثالث رمز الكد والاجتهاد وهذي هي دعائم الحياة الروحية الثلاث فالمنظر الأول صنعه الله والمنظران الآخران صنعة الإنسان المنظر الأول أو الطبيعة هو منبع النفحات الإلهية والإلهامات الروحية والمنظر الثاني أو باريز هو منبع التفنن في الصناعة على الإطلاق والمنظر الثالث المنبسط أمامي الآن إنما هو عنوان الجهاد والجلد والثبات والنجاح. فإذا كنت أيها القارئ شاعراً أو مصوراً أو كاتباً بل لو كنت صباغاً أو دباغاً أو إسكافاً وجه نظرك إلى الطبيعة أولاً تستمد منها الإلهام الإلهي وعنها تقتبس الألوان البديعة والمناظر الجميلة والأشكال الأنيقة والنفحات السماوية وعرج على باريز ثانياً تتعلم فيها دقة الصناعة ولطافة الأسلوب وجمال الفنون وغرابة الإبداع وسر الابتكار وانزل على نويرك ثالثاً تأخذ منها الاجتهاد والجلادة وتتعلم من أهلها الاستقلال في العمل والثبات بعد الفشل. الطبيعة_التفنن_الاجتهاد هذي هي أساس الأعمال الفكرية هذي هي دعائم الحياة الروحية. لبنان_باريز_نويرك_في الأولى روحي في الثانية قلبي وفي الثالثة جسدي. والكاتب ليس من الملاحدة كما يتهمه أعداؤه بل هو ملحد بأكثر ما يتخرص به المتخرصون من الشروح على المنون ومن قرأ مقالته في فلتر الفيلسوف الفرنسوي يتجلي له من أي

стр. 3299

نحلة كان أن الحرية أن لا تراعي أخاك ولا أباك فيما تعتقد صحته قال: الإلحاد مضر بالصحة فهو لا شك ينفخ الصدر ولكنه يضعف القلب ويصغر الرئتين. أقول هذا عن اختبار ولا أقول أكثر من ذلك ليعلم القارئ فكره. إذاً الإلحاد مضر بالصحة ومهما قلتم لا أوضح. اختبروا لأنفسكم إن شئتم ولكن إياكم والتطوح وإذا كنتم لا تعرفون الحدود فالأجدر بكم ألا تجربوا لئلا تتملك فيكم جراثيم المرض وإذا كانت معدتكم ضعيفة فإياكم فلتر. وبعد أن أفاض في مزايا هذا الفيلسوف ومآتيه ومنازعه وآخذه على روايته التعصب التي طعن فيها على الإسلام وأهداها إلى البابا فقبلها هذا بكل سرور وبعث إلى فلتر كتاباً لطيفاً أثنى فيه على غيرته (بخ بخ) وانتقد بعض أبيات الرواية الشعرية فأجابه فلتر متجاملاً على عادته في مثل هذه الأمور أنك لا شك معصوم عن الغلط في المسائل الأدبية أيضاً (زه ثم زه) هكذا تبادل الاثنان عواطف الولاء الكاذب وانتصر فلتر على أعدائه اليسوعيين وأنصارهم ولا يخفى على القارئ اللبيب ما في هذا العمل من السياسة والحيلة والمر ناهيك بأن الكاتب أخطأ في انتقاده الدين الإسلامي وفي تحامله المنكر على مؤسسه العظيم. . . . وهذه النموذجات كافية في بيان فضل هذا التأليف النفيس ومنزلة أبي عذره من سلامة الفطرة وبعد الغور والنظر فله منا الشكر على ما أتحف به عالم الآداب من هذا السفر الجديد في وضعه وطبعه. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الحموي نشر الأستاذ مرجيلوث أستاذ اللغة العربية في كلية أكسفورد القسم الأول من الجزء الثالث من هذا السفر الذي يطبع على نفقة أسرة جيب الإنكليزية وفي هذا الجزء ٤٤ ترجمة من حرف الحاء وفيه من الأعلام ترجمة السيرافي وابن رشيق وأبي هلال العسكري والإسكافي وابن مقلة وغيرهم وطرف من أخبارهم ومنثورهم ومنظومهم وأكثر مما لم ينشر بالطبع حتى الآن فسد بذلك فراغاً مهماً في آداب العربية. وإنا لنكرر الشكر للأستاذ مرجيلوث لغيرته على آدابنا أكثر من غيرتنا أنفسنا ونرجو أن يوفق إلى إتمامه على ما يحب ويحب عشاق العلم المولعون بإحياءِ آثار السلف.

стр. 3300

كتب متفرقة مبادئ العلوم السياسية والتاريخ الدستوري_ألفه مصطفى صبري أفندي فيه كلام مفيد في المجالس النيابية ونظام الحكومات ولاسيما العثمانية والمصرية والانقلابات السياسية والاقطاعات يطلب من مؤلفه في مصر. غرائب الاغتراب ونزهة الألباب_وهو رحلة للسيد محمود الآلوسي صاحب التآليف المهمة وفيه وصف رحلته من بغداد إلى الآستانة ومن لقيهم في عهده من المشاهير والبلاد التي حلها طبع في بغداد في مطبعة الشابندر. الخلاصة العراقية في تاريخ أدب اللغة العربية_هو كتاب في تاريخ العربية وتراجم الكتاب والشعراء الأقدمين من أهلها تأليف أحمد أفندي حسن الزيات في القاهرة. فهرس مقتنيات الآثار العربية_تأليف مكس هرتس بك رئيس مهندسي دار الآثار العربية بمصر وتعريب علي بك بهجت وكيلها وفيه تاريخ هذه الدار والغاية من إنشائها. المجموعة العلمية_مجموعة رسائل في الرياضيات والطبيعيات وضعها عبد الواحد أفندي حمدي في مصر. فلسفة النشوء والارتقاء_أو مجموعة الدكتور شبلي شميل وفيها كثير من كتابات هذا المفكر الكبير في مجلدين ظهرا منهما حتى الآن وتطلب من القاهرة. مشاهد الممالك_فيه وصف مسهب لبلاد أوربا وأميركا وكثير من أفريقية وآسيا وكلها مما ساح فيه المؤلف إدوارد بك إلياس في القاهرة. نصائح للأمهات_عربه الدكتور فريد عبد الله في مصر وهو نصائح لربات البيوت للعناية بأطفالهن عند غيبة الطبيب.

стр. 3301

العدد ٥١ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٠

стр. 3302

درس على كتاب الدارس في المدارس أيها السادة: إن تاريخ كل أمة سواء كان مجيداً أو غير مجيد لا يخلو مستقبله من ارتباط بماضيه لا من حيث التشابه بين طرفيه بل من حيث النتائج التي ترتب عليها نهضة الأمم أحياناً وتغير مجرى الحياة الاجتماعية بأن تسرع بخطا الشعوب إلى مراقي الصعود. ومعناه أنه إذا كان ماضي الأمة عظيماً محترماً في التاريخ تحرص على أن يكون أعظم احتراماً في حاضرها أو على تسترد ذلك الاحترام إذا فقدت شيئاً منه. وإذا كان ماضيها سيئاً غير محترم في التاريخ تدأب على التخلص منه وتطلب لنفسها حاضراً أسعد منه. فالنتيجة واحدة في الحالتين ولكن لمن؟ ومن يحصل على مثل هذه النتيجة من الأمم؟ تحصل عليه أمة تعلم أن لها تاريخاً فتدرسه وماضياً تبحث فيه وترجع إليه لاسيما إذا كان تاريخاً مجيداً له آثار معروفة في الوجود وأثر محقق في الاجتماع. والأمة كالفرد فخورة بالماضي الجميل إذا تمثل لها نفح فيها من روحه فملأها نشاطها ودفعها إلى الأمام أشواطاً. وإن أمة لا تعرف تاريخها أحر بها أن يتنكر لها الزمان وتزدري بها الشعوب لجهلها بماضي التاريخ وتنكرها الإنسانية وتنكرها السماء والأرض. إن المنارة الإسلامية التي رفع منارها أسلافنا الطاهرون وغيرت شكل الأرض ومجرى الاجتماع كان لمدنيتكم هذه حظ وفير منها ولاسيما في التوفر على إنشاء معاهد العلم ودور التربية والتهذيب. هذا أيها السادة ما دعاني لأن أقف بينكم خطيباً افتح صحيفة ماضي التاريخ فيما يتعلق بأسلافكم الغابرين ومدينتكم الفيحاء وفيها ذكرى للذاكرين وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. إن هذه الذكرى ما ترونه في هذا الكتاب الضخم المشتمل على ألف وثلاثمائة وستين صفحة وهو كتاب (الدارس في المدارس) تأليف العلامة المؤرخ محمد بن محي الدين النعيمي وهو خاص بما أنشئ من معاهد العلم والمساجد ودور العجزة (التكايا) في دمشق وقد بلغ عدد ذلك مائتين وبضعاً وثمانين لو وزعت المدارس منها على السنين منذ إنشاء أول مدرسة في القرن الخامس إلى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى عهد المؤلف في أواخر القرن التاسع لأصاب دمشق كل سنتين مدرسة تنشأ أو دار للعجزة والمرضى تشاد هذا فضلاً عما أنشئ من المدارس بعد ذلك التاريخ ولم يدركه المؤلف المذكور وهذا

стр. 3303

فهرست الكتاب نتلو عليكم بعضاً من أسماء المدارس التي جاءت فيه ولا أطيل خوفاً من ضيق الوقت. أنا تواريخ إنشاء هذه المدارس بالضبط والأوقاف التي حسبت على الطلبة فيها والعلماء الذين نبغوا منها ودرسوا فيها كل هذا مذكور في صلب الكتاب وليس في الوقت متسع لتلاوته عليكم كما ترون من حجم الكتاب وحسبكم أن من درسوا في هذه المدارس وتولوا رياستها أو نبغوا فيها من علماء الشريعة مثل الحافظ الذهبي صاحب التاريخ المشهور والإمام ابن تيمية صاحب التآليف الكثيرة وقاضي القضاة صدر الدين الأزرعي صاحب الجامع الصغير والعماد ابن كثير والنووي وابن الصلاح والحافظ جمال الدين المزي وأشباههم من العلماء الكبار ومن علماء الطب مثل ابن أبي أصيبعة صاحب تاريخ الأطباء ومهذب الدين بن الحاجب ونجم الدين اللبودي وموفق الدين بن المطران ومهذب الدين الداخواز وعماد الدين الدنيسري وأضرابهم. ومن علماء العقليات والرياضيات والموسيقى مثل محمد بن أبي الحكم الباهلي وعز الدين السويدي وأبي الفضل الحارثي المهندس الذي كان باب البيمارستان النوري القائم إلى اليوم من عمل يده وأضرابهم. وها أنا أقرأ لكم مثالاً واحداً من ترجمة هؤلاء الرجال فاسمعوا ما قال تاريخ الدارس هذا في ترجمة أفضل الدين بن أبي الحكم نقلاً عن الصفدي: (محمد بن عبد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي) هو أفضل الدين أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين كان طبيباً حاذقاً وله يد طولى في الهندسة والنجوم (أي علم الفلك) وله في سائر الآلات المطربة يد عمالة وعمل أورغناً وبالغ في إتقانه وقرأ على والده وغير في الطب وكان في دولة نور الدين بن الشهيد ولما عمر البيمارستان والمستشفى النوري بدمشق جعل أمر الطب إليه إلى آخر ما قال: هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم لكم وهذا الفضل الكبير منهم وعدد كثير مثلهم من أهل الشهرة بالعلم والفضل ودرسوا في هذه المدارس أو تخرجوا على رؤسائها ومشايخها ثم ملأوا المكتبة العربية بالمؤلفات النافعة في كل فن ومن راجع منكم كتاب الكواكب لابن عروة الحنبلي في أكثر من مائة مجلد وتاريخ الحافظ ابن عساكر في أكثر من عشرين مجلداً وهما

стр. 3304

موجودان اليوم في المكتبة العمومية في مدرسة الملك الظاهر بدمشق وقاس عليهما ما ألفه علماء تلك القرون الأفاضل وما قبلها في علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ والتراجم والفلك والطب والرياضيات كالهندسة والحساب وغير ذلك من العلوم علم مقدار ما لهذه المدارس ومؤسسيها من الفضل على الأمة وما للنابغين فيها من الأثر العظيم في الوجود بما سهروه من الليالي الطوال في الحرير والتحبير وما عانوه من النصب في وضع كتب العلم لإفادة الناس حتى ملأوا بها المكاتب ونشروا العلم: وما قولكم في أن عالماً واحداً من علماء الطب وهو موفق الدين بن المطران المتوفى سنة سبع وثمانين وخمسمائة ترك في مكتبته عشرة آلاف مجلد في الطب والعلوم الحكمية كما ذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة الموما إليه. وملا يظنن بعضكم أن هذه المدارس كانت مدارس دينية فقط وأن أكثر علمائها وطلبتها من طلبة العلوم الشرعية وآلاتها كلا فإن فيها مدارس لغير العلوم الشرعية كالطب مثلاً ومن هذه المدارس المدرسة الدخوازية والدنيسرية واللبودية كما سترون ذلك في ما يأتي من الكلام إن شاء الله. ولقد أخبرنا التاريخ أن معاهد العلم كانت مشاعة بين طلابه من كل فن وأن الطبيب أو الفلكي مثلاً كان يلقي دروسه في أي مدرسة كانت من مدارس العلم له فيها وظيفة بل في الجوامع والمساجد أيضاً لأنها كانت قبل أن توجد المدارس على شكلها المعهود أي قبل القرن الرابع أشبه بمدارس العلم بل هي المدارس بعينها وما زالت كذلك معاهداً للعلم والعبادة معاً إلى اليوم كما تعلمون. وأذكر لكم مثالاً واحداً على أن المدارس كانت مشاعة لطلاب كل علم ما نقله ابن أبي أصيبعة في ترجمة رفيع الدين الجيلي قال: وكان مقيماً في دمشق وهو فقيه في المدرسة العذراوية داخل باب النصر وله مجلس للمشتغلين عليه في أنواع العلوم والطب وقرأت عليه شيئاً من العلوم الحكمية. واعلموا أيها السادة أن كثيراً من علماء الشريعة مثل الجيلي جمعوا بين العلوم الشرعية والعقلية والطب والفلك والرياضيات وكلهم من خريجي هذه المدارس بالضرورة وممن جاء ذكرهم من هؤلاء في هذا التاريخ واذكره مثالاً للباقين أحمد بن الحسين الدمشقي وإليكم ما

стр. 3305

جاء في ترجمته من هذا الكتاب نقلاً عن ابن كثير: (الجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي) اشتغل على مذهب الشافعي وبرع فيه وأفتى وأعاد وكان فاضلاً في الطب وقد ولي مشيخة الدخوازية (مدرسة طبية) لتقدمه في صناعة الطب على غيره وعاد المرضي بالبيمارستان النوري على قاعدة الأطباء وكان مدرساً بالشافعية بالمدرسة الفروخشاهية ومعيداً بعدة مدارس إلى آخر ما قال: هذا يدلكم على أن العلوم كانت مشاعة بين العلماء وأن العالم بالشرع قد يكون عالماً بعلوم أخرى من العلوم النظرية والعملية كالفلسفة والطب والموسيقى والرياضيات وغيرها من العلوم التي قامت على دعامتها المدنية الإسلامية وكانت الحلقة الوسطى بين المدنية القديمة والمدنية الحديثة حتى اعترف بفضلها على التمدن الغربي كثير من علماء التاريخ والاجتماع في أوربا كدربي ومونتسكيو لوبون وأفردوا للمدنية الإسلامية كتباً خاصةً أتوا فيها على ذكر ما تركته هذه الحضارة من آثار الترقي والعلم التي يجهلها أهله لهذا العهد بالأسف والعار. نحن الآن أيها السادة بصدد علماء دمشق في القرون الوسطى وإنما هم حلقة من سلسلة تلك المدنية الإسلامية التي أخنى عليها الزمان وإذا سمحتم لي فأني أختم كلامي بنبذة من تاريخ تلك السلسة بعد استيفاء الكلام على كتاب الدارس هذا إن شاء الله. علمنا مما سبق أن عدد المدارس ودور العجزة التي أنشئت في دمشق ولكن من الذي أنشأ هذه المدارس ورفع بنيانها وأدر الخيرات عليها وأنفق على طلابها من ماله أهي الحكومة أو الأفراد أو الجماعات؟ بلغ بنا الضعف أن صرنا كالأطفال نطلب كل شيء من الحكومة كما يطلب الطفل كل شيءٍ من والديه أما أسلافنا فلم يكونوا كذلك بل كانوا استقلاليين أكثر منهم اتكاليين يعرفون قيمة الاعتماد على النفس فكان الفرد الواحد يقوم بما تقوم به الجماعة أو يطلب من الحكومة اليوم. ولهذا فإن كل ما جاء ذكره في هذا الكتاب من المساجد والتكايا والمدارس إنما أنشأه الأفراد وقام بمال أهل السخاء من أسلافكم الطيبين لمحض الخير وإرادة نشر العلم وخدمة الوطن والدين.

стр. 3306

لم يختص بهذا العمل الجليل والشرف الرفيع الملوك والأمراء وذوو السلطة كما قد يتوهم بعضهم كلا بل كان الأفراد من كل الطبقات من أهل اليسار يتسابقون إلى إقامة المعاهد العلمية حسبة لله وحباً بعمل الخير واسبقاءً للذكر الصالح في الوجود. فالتجار والعلماء والسيدات هم الذين أسسوا هذه المدارس كل مدرسة يؤسسها شخص بمفرده ويحبس عليها من ملكه ما يكفي ريعها بل أقول لكم والخجل يكاد يمنعني من التكلم والحزن يوشك أن يعقد لساني أن العبدان_عبدان أسلافكم أيها السادة_شيدوا بأموالهم بعض هذه المدارس أيها السادة ورفعوا منار العلم للفضيلة كم ترفع العبدان إلى منزلة السادة في حين تنحط السادة إلى منزلة العبدان. إن العبدان كانوا أرفع نفوساً وأسخى كفوفاً منا الآن يا للخجل والخسران. إن الكلام وحده لا يغني عن البرهان وإنكم تنتظرون مني الدليل بعد هذا البيان وإليكم أمثلة من عمل العلماء. التجار. والسيدات. والعبدان. قال المؤرخ في فصل عقده لمدراس الطب: (المدرسة الطبية الدخوازية الدخوارية) المدرسة الدخوازية بالصاغة العتيقة بقرب الخضراء قبلي الجامع الأموي أنشأها مهذب الدين عبد المنعم بن علي بن حامد المعروف بالداخوز في سنة إحدى وعشرين وستمائة بالصاغة العتيقة كما تقدم وأول من درس فيها واقفها ثم من بعده بدر الدين محمد بن قاضي بعلبك ثم عماد الدين الدنيسري وهو بها الآن. (المدرسة الدنيسرية) غربي البيمارستان النوري والصلاحية بآخر الطريق من قبلة قال الذهبي في العبر في أخبار سنة ست وثمانين وستمائة: عماد الدين أبو عبد الله محمد بن عباس الربعي الرئيس الطبيب ولبد بدنيسر سنة ست وسمع بمصر من علي بن مختار وجماعة وتفقه للشافعي وصحب البهاء الزهير وتأدب به وصنف إلى أن قال نقلاً عن الأسدي: العماد محمد بن عباس الحكيم البارع في الطب صاحب المدرسة للأطباء بالقرب من بيمارستان نور الدين الشهيد الخ. (المدرسة اللبودية) اللبودية النجمية مدرسة خارج البلد ملاصقة لبستان الفلك المشيري أنشأها نجم الدين يحيى بن محمد بن اللبودي في سنة أربع وستين وستمائة: إلى أن قال نقلاً عن ابن أبي أصيبعة. كان علامة وقته وأفضل أهل زمانه في العلوم الحكمية الخ.

стр. 3307

هذه أمثلة من عمل العلماء: واسمعوا مثالاً من عمل التجار في سبيل الخير والعلم والمنفعة العامة لم يعمل مثله أحد من أغنياء هذا الزمان: (المدرسة المزلقية) بطريق مقابر باب الصغير الآخذ إلى الصابونية أنشأها تاجر الخاص الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي بكر المعروف بابن المزلق ميلاده سنة أربع وخمسين وسبعمائة وكان أبوه لباناً أدركه جماعة وهو يباشر ملبنة عند جامع يلبغا فنشأ ولده هذا ودخل في البحر وحكى عن نفسه أن أول سفرة سافرها كسب فيها مائة ألف دينار وثمانمائة ألف درهم وانفتحت عليه الدنيا وعمر أملاكاً كثيرة وأنشأ على درب الشام إلى مصر خانات عظيمة بالقنيطرة وجسر يعقوب والمنية وعيون التجار وأنفق على عمارها ما يزيد على مائة ألف دينار وكل هذه الخانات فيها الماء وجاءت في غاية الحسن لم يسبق أحد من الملوك والخلفاء إلى مثل ذلك وهو صاحب المآثر الحسنة بدرب الحجاز ووقف على سكان الحرمين الشريفين الأوقاف الكثيرة الحسنة وعين للحجرة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام الشمع والزيت في كل عام إلى آخر ما قال: وهذا مثال لتاجر غيره أيضاً: (المدرسة الرواحية) شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه شمالي جيرون وغربي الدويلعة وقبلي السيفية الحنبلية: قال ابن شداد بانيها زكي الدين أبو القاسم المعروف بابن رواحة وقال الذهبي في تاريخه العبر في من مات سنة اثنتين وعشرين وستمائة والزكي بن رواحة هبة الله بن محمد الأنصاري التاجر المعدل وأوقف المدرسة بدمشق وأخرى بحلب الخ. ومن أمثلة عمل النساء: (المدرسة العالمية) العالمية شرقي الرباط الناصري غربي سفح قاسيون تحت جامع الأفرم واقفتها الشيخة الصالحة العالمة اللطيفة بنت الشيخ الناصح الحنبلي المتقدم ذكره في المدرسة التي قبل هذه (وهي المدرسة الشيخية بانيها أبو عمر الكبير) وكانت فاضلة لها تصانيف وهي التي أرشدت ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب أخت الملك صلاح الدين إلى وقف المدرسة الصاحبية بقاسيون على الحنابلة الخ. ومن أمثلة عمل العبدان والطواشية (المدرسة الصارمية) الصارمية داخل بأبي النصر والجانبية قبلي العذرواية بشرق قال القاضي عز الدين بانيها صارم الديك أزبك مملوك قايماز النجيبي ورأيت مرسوماً بعتبتها ما صورته:

стр. 3308

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا المكان المبارك إنشاء الطوشي الأجل الصارم الدين جوهر بن عبد الله الحر عتيق الست الكبيرة الجليلة عصمة الدين عذرى ابنة شاهنشاه رحمها الله تعالى الخ. أرأيتم أيها السادة بمإذا قامت هذه المدارس وبمن وكيف أن الأفراد من أسلافكم كانوا يعملون ما لا يعمله الجماعات منكم اليوم. إن الأفراد هم الذين ينهضون بالأمم وأن المدنية الإسلامية التي تلوت عليكم حلقة من سلسلتها العظيمة كان للأفراد شأن عظيم في وضع دعامتها وتشييد بنيانها. تعلمون أيها السادة ما كان لترجمة كتب أهل التمدن القديم كاليونان والفرس إلى العربية من الأثر الكبير في تأسيس المدنية الإسلامية في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين وقد يتوهم بعضهم أن الذي عني بترجمة هذه الكتب إنما هم الخلفاء وحدهم وأخصهم أمير المؤمنين المأمون والحال أن لكثير من الأفراد ورجال الفضل والنبل من الأمة يداً لا تنكر في هذا السبيل. وهذا يدلكم على أن عمل الأشخاص منفردين لا يقل تأثيراً في الهيئة الاجتماعية عن عملهم مجتمعين. ولذا فلا أبالغ إذا قلت أن نوابغ الأمة الذين خدموا بذكائهم وعملهم المدنية وشيدوا أركانها الرفيعة إنما قاموا بهذه الخدمة وقامت تلك المدنية بفضل أهل السخاء والجود من محبي العلم والترقي وأنصار النجاح الذين كانوا ينفقون من مالهم على المترجمين للكتب العلمية إلى اللغة العربية. ومن هؤلاء الأفاضل الأجواد الذين رصدوا جزءاً كبيراً من أموالهم على المترجمين لكتب العلم في تلك العصور: علي بن عيسى العباسي: ومحمد بن موسى بن شاكر الرياضي الشهير: وعلي بن يحيى الكاتب: وابن المدير الكاتب: وثاوري الأسقف: ومحمد بن عبد الملك الزيات الوزير: وبختيشوع الطبيب: ويوحنا بن ماسويه الطبيب: والعدد الكثير من أمثالهم المولعين بالترقي والعلم والذين كان ينفق كل واحد منهم أموالاً طائلة على نقله العلوم إلى اللغة العربية حتى لقد نقل ابن أبي أصيبعة عن محمد بن عبد الملك الزيات أنه كان ينفق في الشهر الواحد على المترجمين ألف دينار. قال هذا فضلاً عما كان ينفقه

стр. 3309

الخلفاء من بني العباس لهذا القصد. إنا والله نتمنى أن تجمع هذه الألف دينار في كل شهر من كل غني من أغنيائنا اليوم لتنفق في سبيل نشر العلم وتربية الناشئة من أبناء الأوطان ولو فعلوا ذلك اليوم لعوضها أبناؤهم أضعافاً مضاعفة في الغد. بل لو فعل ذلك أهل كل ولاية عثمانية لأصبحت المملكة العثمانية بعد عشر سنين جنة قطوفها العلم وسياجها القوة والحياة. ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول: بمثل هذا البذل على نقل كتب العلم ونشرها بين الكافة والاستفادة منها ظهر أركان النهضة في الشرق الذين ارتفع بهم شأن التمدن الإسلامي وذلك مثل بني موسى بن شاكر المهندسين الرياضيين في عصرهم وبختيشوع وبني سهل وبني ماسويه وبني حنين وبني ثابت بن قرة وبني زهرون وأبي عثمان الدمشقي وابن كرنيب ويحيى بن عدي المنطقي وأبي الفرج الطبيب وأبي الريحان البيروني والشيخ الرئيس ابن سينا وأبي النصر الفارابي والفخر الرازي وابن الشاطر وأضرابهم من العلماء الذين ظهروا في الشرق في عصور متفاوتة إبان الحضارة الإسلامية. ومثل بني زهر ويحيى بن السمينة وأبي القاسم المرحيطي إمام الرياضيين والفلكيين في عصره وابن السمح الغرناطي المهندس وسعيد بن عبد ربه وأبي جعفر الترحالي وأبي الوليد ابن رشد وابنيه محمد وأضرابهم ممن ظهروا كذلك في الغرب. ومثل ابن الهيثم البصري صاحب التآليف الغزيرة في الرياضيات والفلك والمبشر ابن فاتك وعلي بن رضوان وتلميذه أفرائيم بن الزفان والشيخ السديد رئيس الأطباء وشمس الرياسة بن جميع الإسرائيلي ورشيد الدين أبي حليقة وأمثالهم ممن ظهروا في مصر. كل هؤلاء من علماء الفلسفة والرياضيات والحكمة الطبيعية وغيرها من العلوم ونسبتهم كنسبة واحد في المائة ممن ظهروا في عصرهم وبعده في الشام وبغداد ومصر وفارس والمغرب والروم أي آسيا الصغر وغيرها من الأمصار ونهضوا بالأمة وأعلو ذكر المدنية الإسلامية في الشرف والغرب وإنما وضع لهم الأساس أفراد من الأمة قدروا قدر العلم فشيدوا معاهده وترجموا كتبه وأكرموا أهله فتكون من عمل أولئك وهؤلاء وتعاونهم جيلاً بعد جيل بناء تلك المدنية العظيمة التي فقدناها بعد ولم نستطع اللحاق بأبناء التمدن الحديث

стр. 3310

لإعراضنا عن العلم وغفلتنا عن تحدي الأمم الراقية وقبض أكفنا عن إمداد معاهد العلوم وإنشاء دورها مع إنا قد يطلب منا الآن ونحن جماعات فلا نجيب ما كان يعمله الأفراد من أسلافنا من تلقاء أنفسهم وبمحض رغبتهم بالعلم والمعارف وحبهم للارتقاء فما هذا الفرق العظيم. وبالجملة أيها السادة إنا أمة ذات ماضٍ مجيد وتاريخ جميل وقد ترك لنا أسلافنا درساً لا يمحوه الزمان ونقشاً في كل زاوية من المشرق ومكان فلن يبلغ بنا ضعف النظر أو ضعف القلوب والهمم أو فساد الأخلاق واستحالة الدم إلى أن نتناساه ولا نقرأ صحفه الزاهية التي يدعونا كل سطر منها إلى التذكر والتفكر والسعي الحثيث إلى الترقي الذي مناطه العلم والعلم يحتاج إلى المال. فالمالَ المالَ الكرمَ الكرم الانتباه الانتباه وإلا قضي علينا بالدمار وألحق بنا العار وتبرأ منا أسلافنا الطاهرون ولا يكون ذلك إنشاء الله ما دام فينا الكرام الغيورون والرجال المفكرون والسلام عليكم.

стр. 3311

أغنياؤنا قال لنا منذ مدة أحد أعيان دمشق أنني اضطررت لضائقة أصابتني أن أبيع عقارين من عقاراتي أفتدري من كان يزيد فيهما؟ قلنا لا ندري. قال كان يزيد فيهما لا يتصور العقل أن عندهم قوت شهر واحد أناس يلبسون خلق الثياب ولا تعدهم من كبار السوقة بل من صغار المرتزقة أما من كان يظن أنهم سيتلقفون ذينك العقارين فلم يساومونا عليهما بفلس واحد لأنهم لا نقد عندهم وربما كان تقدير الناس لأموالهم هم دون الحقيقة بمراحل. واجتمعا في المساء بمجلس غاص بالمفكرين وأربابا التجار فقص علينا أحدهم. أن المزرعة الفلانية التي يراد بيعها في الغوطة قد انتهى ثمنها إلى عشرين ألف لبيرة على يد رجل لم يكن يظن أنه يملك معشارها من الثروة حتى قال أنه يدفع قيمتها حوالة على المصرف دفعة واحدة ثم اجتمعت آراء الحضور على أن ثروة دمشق قد زادت في العشر سنين الأخيرة زيادة محمودة بداعي الأموال الطائلة التي بذرتها فيها إدارة السكة الحجازية وهي لا تقل عن مليوني ليرة وإدارة الترمواي الكهربائي الذي أنفق نحو مائتي ألف ليرة وما أعقب قرب المواصلات من ورود السائحين والحاجبين إلى دمشق ذاهبين منها وجائين وما نقلته السكك الحديدية من غلات البلاد القاصية فقدر ما حم لته سكة حوران وحدها من الغلات في العام الفائت بثمانين ألف طن والطن أربعة قناطير دمشقية وثمنها يناهز المليون ليرة وما نقلته سكة حديد حماة بخمسة وأربعين ألف طن هذا عدا ما نقلته الخطوط الأخرى وحمل على متون الدواب والجمال من الغلات والثمرات حتى عمرت بذلك قرى حوران وكانت خراباً يباباً منذ بضع سنين وغدا الحوراني اليوم يلعب بالليرات كما يلعب جاره الفلاح المصري بالجنيهات هذا في إقليم واحد من أقاليم بلاد الشام وفلسطين وولاية بيروت وحلب وسورية مقاطعات لا تقل في خصبها وأمراعها عن حوران ولكنها لم تشتهر شهرتها وأصبح أهلها بفضل المواصلات والحركة التجارية الجديدة في سعة من العيش تزيدهم كما زادتهم الحكومة أمناً ووفرت لهم مرافق الحياة. قالوا وهذه النهضة الاقتصادية في دمشق خاصة لأنها قاعدة هذه البلاد والنقطة الوسطى منها وباب الكعبة ومقر الفيلق ومركز الولاية قد استمتع بخيراتها المقاولون والنجارون والحدادون والبناؤن والحجارون والجمالون والعملة والتجار وأرباب الفنادق والمطاعم والعربات فتسربت الدراهم والدنانير إلى جيوب أرباب الطبقة الوسطى فمن دونها واغتنى

стр. 3312

كثيرون وارتاشوا حتى أن كثيرين من بائعي الفول المدمس لا يرضون من الربح في يومهم أقل من ليرة. كل هذا قالوه وهو صحيح ولكن الواجب علينا أن لا يمر بنا دون أن نتدبر سره الاقتصادي والاجتماعي والسر فيه أن كثيرين من الأعيان اكتفوا بما حازوه من الثروة إرثاً عن آبائهم أو بفضل سعيهم ولا تقول كيف حازوها والطرق التي سلكوها فمنهم من كانت ثروته ثمرة الكدح المشروع من تجارة وزراعة وهم قلائل يعدون على الأصابع. ومنهم من اغتنوا بالاتفاق فابتاعوا مثلاً أرضاً أو عقاراً قضت الأحوال بارتفاع أسعاره فأصبح ما ابتيع يساوي عشرة آلام وعددهم محدود أيضاً ومنهم من أثروا بما كان لهم أو لأجدادهم من النفوذ في الدولة الاستبدادية فكان الفلاحون يأتونهم باكين شاكين طالبين إليهم أن يرفعوا عنهم ظلم الحكومة أو الملتزمين أو عرب البادية ويأخذوا قريتهم حلالاً زلالاً وهم يكتفون منهم بالحماية ويدفعون لهم الخمس كل سنة من مجموعه ما تنبت الأرض. ومنهم من تيسر لهم أن يحرزوا وقفاً عظيماً لمدرسة أو لمدارس فعمروا أرضه ورباعه فأخصب وعلا ثمنه مع الزمن فاغتنوا هم وأولادهم ومنهم من وسدت إليهم الوظائف فباعوا ذممهم وفتحوا بطونهم لأكل الرشى وأضاعوا حقوق العباد والدولة حتى جمعوا لهم مقداراً من المال أنشوا به الحوانيت وعمروا الدور واستثمروا المزارع والدساكر. ومنهم من جرأوا على استحلال الربا أيام كان ابن حوران مثلاً لفقره يضطر في أكثر سنيه أن يقترض القرش بقرشين للمرابين والصيارف قحة وعرامة فجمعوا من رأس مالٍ صغير رأس مال صغير كنوزاً كبيرة في برهة وجيزة ومنهم من لم يستنكفوا من ظلم الفلاح فأكلوا لحمه وعرقه وعظمه حتى تم لهم والناس في غفلة والحكومة في إخفاء الذ من إغفاء الصبح نائمة على رعاياها إن جمعوا ما جمعوا سحتاً بحتاً وحراماً لا يجوزه عقل من عقول البشر ولا شريعة من الشرائع السماوية والأرضية. هكذا قام أكثر ما نشاهده من الثروات وعلى هذه الأسس قامت أبنية الأمجاد والتقتير رائد أصحابها والإمساك طريقهم إلى الجمع. ومن أتاه قرش فصرف بعضه وأحسن استخدام ما جمع لا بد أن يأتي عليه يوم يحوز الغنى وكيف لا ننسب بعض الأغنياء إلى كزازة الأيدي ونحن نراهم لا يسمحون حتى بتعليم أولادهم مع أن تعليمهم باتفاق آراء العقلاء يعادل

стр. 3313

إطعامهم لقوام أجسامهم وتغذية الأرواح مفضلة عند الكثيرين على تغذية الأشباح. لو تعلم أولاد الأغنياء أن التعليم العصري المطلوب وربوا على الأخلاق الفاضلة أخلاق العمل والحساب لما خيف على ثروات آبائهم من التبدد ولتوارثوا النسب كما يتوارث النشب كابراً عن كابر فتتسلسل الوجاهة في بيوتهم الجيل بعد الجيل والعصر بعد العصر فلا يخافون عيلة ولا يشكون سقوط منزلة. وأصدق مثال يصح الاستشهاد به كل حين ما يراه كل إنسان من الفروق في حالة المسيحيين والمسلمين وهم أبناء وطن واحد لا يختلفون في طبائعهم ولا في عاداتهم وهم قد فاقوا المسلمين بمبادئ يتعلمونها من اللغات والعلوم وطاب العيش فقيرهم منهم أكثر من عيش الغني في المسلمين وذلك بفضل ما تعلموه من حسن التربية والحساب للمستقبل وعدم الاتكال على الحكومة وأعمالها بل على الكفاءة واستخراج الثروة من المذاهب الطبيعية في المعاش. وعقد ابن خلدون عقداً في نهاية الفصل في أن نهاية الحسب في العقد الواحد أربعة آباء فقال: إن باني المجد عالم في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه وابنه بعده مباشر لأبيه قد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلال لما يرى من التجلة بين الناس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها ويتوهم أن النسب فقط فيربأ عن نفسه عن أهل عصبيته ويرى الفضل له عليهم وثوقاً بما ربي فيه من استتباعهم وجهلاً بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم والأخذ بمجامعهم وقلوبهم فيحتقرهم بذلك فيغنضون عليه ويحتقرونه ويدبلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب للإذعان لعصبيتهم بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا وتذوي فرع الأول وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل الصبية أجمع ثم في بيوت أهل الأمصار إذا انحطت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النسب يشأ يذهبكم

стр. 3314

ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز. واشترط الأربعة في الإحساب إنما هو في الغالب وإلا فقد يدثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم أمرها وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس إلا أنه في انحطاط وذهاب واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بأنه مباشر له ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثناء قال ﷺ إنما كريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد وفي التوراة ما معناه أن الله طائق غير غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوابت وعلى الروابع وهذا يدل على أن الأربعة إلا عقاب غاية في الأنساب والحسب اهـ. وبعد فإن من سنن الكون أن لا يظل الغني غنياً ولا الفقير فقيراً وأن من رأيناهم اغتنوا في العهد الأخير بالنسبة لمجموع ثروة الأمم هم الذين سعوا إلى الرزق من أبوابه ومعظمهم يؤثرون حتى بعد أن اغتنوا أن يعيشوا عيش البساطة فدخل أحدهم فائض كثيراً عن خرجه ولا يبعد أن يجيء يوم يتولى أولئك الذين لا نعرفهم أو لا نريد أن نعرفهم أزمة الأمور ويصبحون هم أعيان البلاد خصوصاً إذا داووا أرواحهم وأرواح ذراريهم بتر ياق التعليم وبسلم التربية الحديثة وطبعوا أسراتهم بطابع الاستقلال لا بطابع الاتكال في الأعمال. ربوهم ليكونوا أعضاءً عاملة في المجتمع البشري لا ليكونوا فقط آمرين ومأمورين. ربوهم ليعرفوا المال وطرق كسبه من الوجوه المشروعة المعقولة لا بالاحتيال والنصب خبث الطعمة وسوء القالة. ربوهم كما يربي الإنكليزي ولده فيعلمه حتى إذا بلغ أشده يلقيه برضاه في معترك الحياة مانعاً عنه كل معونة مالية لا كما يربي الفرنسوي ولده فيعلمه ما أراد فإذا شب لا ينفك عنه فيزوجه ويعطيه وربما حرم بناته حتى يخلف قدراً أكثر لبنيه.

стр. 3315

التعليم الوطني من أهم المسائل الاجتماعية في العالم مسألة التعليم فهو الذي تحرص عليه الأمم حرصها على حياتها. والتعليم الوطني هو أرقى أنواع التعليم به تحفظ الجنسيات واللغات ويبقي على العادات والقوميات ولذلك تجد العراك في هذا الشأن على اشد ما يكون بين الأمم الغالبة والأمم المغلوبة فالبولونيون لا يشمئزون من الألمان والنمسويين والروسيين إلا لأن كلاً من ألمانيا والنمسا وروسيا تحاول أن تصبغ البولونيين بصبغتها. والجزائريون لا يتأففون من فرنسا إلا لأنها تنوي القضاء على جنسيتهم ولغتهم ودينهم بتلقينهم المبادئ الإفرنسية واللغة الفرنسية. والكوريون لا يغضبون على اليابانيين إلا لأن هؤلاء يحبون أن يصبغوا أهل كوريا بصبغتهم ويطبعونهم على مناحيهم. وأهل الإلزاس واللورين لا يبكون من الألمان إلا لأنهم يرمون إلى تربيتهم على الأسلوب الألماني وتلقينهم اللسان الألماني لينسوا مع الزمن لسانهم وقوميتهم كما نسي أهل شلزويك هولستاين الدانيمركيون لغتهم بانضمامهم إلى بروسيا. والجاويون لا يتأوهون من هولاندة إلا لسعيها في تنشئتهم على مناحيها. والهنديون أعظم ما يسقمونه على الإنكليز تلقين الناس حب إنكلترا وعظمتها ولغتها وإن كان الإنكليز أكثر الأمم مراعاة لعواطف المغلوبين على أمرهم. وهكذا لو استقرينا تاريخ الإنسان إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم نجده عبارة عن سلسلة ظلامات منشؤها سوء التفاهم بين الناس يريد القوي أن يسخر الضعيف ويطبعه على منازعه لاعتقاده بأنه أعلى منه كعباً وأكثر علماً وأدباً وأرجح عقلاً وأنجح سعياً شأن العالم مع الجاهل لا يود أن تمر به ساعة إلا يعلمه به شيئاً ليقربه منه ويحسن الانتفاع به ولكن ما كل قوي يكون أعلم من ضعيف ولا غالب أعقل من مغلوب وندر بين الناس والأمم من يقرر بأرجحية غيره عليه ولو كان الحق في ذلك أوضح من فلق الصبح. نقول هذا ونحن نرى التعليم الوطني في مصر والشام وهما من أعرق البلاد في الحضارة والتعلم على أضعف ما يكون وإن كانت مصر سيدة البقاع في هذا لأن انتباه الناس منذ سنين لجعل طبقات التعليم بالعربية بعد أن كاد يصبح كله بالإنكليزية لا بد أن يحفظ على المصريين لغتهم وأخلاقهم وتقاليدهم أكثر مما يحفظها على السوريين مثلاً. فقد عبثت في السوريين دواعي التفريق في الوطنية وضعفت ملكتهم فيهم بقوة المدارس الغير وطنية في ديارهم. فإذا كانت هذه المدارس قد نفعت سورية بما أدخلته إليها من النور القليل فقد

стр. 3316

أضرتها بانحلال عقدة الوطنية فمدارس الأميركان والروس واليونان والفرنسيس والإنكليز والألمان قد أصلحت وأفسدت. أصلحت بتلقين من تخرجوا فيها شيئاً من معارف الغرب وأضعفت في نفوسهم حب الوطن بتحبيبها إليهم أوطاناً غير أوطانهم وتعريفهم إلى رجال غير رجالهم ومساواتها فيس أعينهم الأمم. والعاقل منة حرص على نفع أمته قبل كل نفع وانتفع بما عنده قبل أن يتطال إلى ما عند غيره. رأينا أفاضل الطبقة التي نشأت في مدراس الفرنسيس والأميركان والروس في أدوار مختلفة فلم نشهد فيهم إلا النادر من يغار على وطنه كما يغار على حرمه فكنا إذا حدثناهم بما تصير إليهم حالة لغتهم ووطنيتهم بتخليهم عنها قالوا وأي نفع يرتجى لمن يتعلم اللغة العربية وهل هي إلا لغة قومٍ بادوا وانقضت أيام سعدهم ومن يضمن لنا أن نعيش إذا تعلمنا اللغة العربية ولذلك كانت أقل لغة من لغات العالم المتمدن أكثر فائدة. أما حالتهم في انحلال عقدة الوطنية فأدهى وأمرُّ. ومن زهد في لغة آبائه وجدوده كان حرياً بالزهد في وطنه ووطنيته. واللغة والوطن يصح أن يكونان اسمين لمسمى واحد. شهدنا ناساً قيل عنهم أنهم حملة للشهادات العالية من مدارس الأجانب فكنا نسألهم بعض الأسئلة البسيطة في تاريخ أمتهم وبلادهم فما كانت أجوبتهم إلا استهزاء بما يترتب على معرفتهم ذلك من الفوائد وكان أيسر ما يحجنا به أحدهم أنه يعرف تاريخ روسيا وأميركا وإنكلترا أو فرنسا جيدة ويوردون لنا أيام تلك الأمم وأسماء رجال الحرب والسياسة والعلم فيهم ويعجزون عن ذكر شيء من تاريخ بلادهم إلا القليل الذي تلقفوه بالسماع من العامة. هذا في ناشئة المدارس الأجنبية الذين هان عليهم أن يغادروا بلادهم وأكثرهم نزحوا إلى مصر وأميركا وغيرهم اختاروها موطناً لهم وربما حدثتهم أنفسهم أن يتجنسوا بالجنسية الأجنبية لأنه لا ترجى عودة لهم إلى بلادهم وقد ملئت نفوسهم بحب من تخرجوا بهم. وهناك طبقة ومعظمها من المسلمين تخرجت من مدارس الحكومة فخرجت أقرب إلى المجمعة منها إلى العربية لأن المدارس الأميرية ما برحت إلى اليوم وقبل اليوم تعلم اللغة العربية تعليماً صورياً وتوفر عنايتها بالتركية لغة البلاد الرسمية وإنا لنخجل أن نقول أن سورية قد نشأ منها زهاء خمسمائة ضابط ونحوهم أو أكثر من الموظفين لا يعرفوا من اللغة العربية إلا أن يتكلموا الكلام العادي البسيط وأكثرهم يمزجونه بألفاظ تركية لا يفهمها

стр. 3317

ابن العرب ويعتذرون عن قصورهم بأنهم لم يتعلموا في المدارس لغة آبائهم وأجدادهم ومن يقدرون منهم على الكتابة الصحيحة بلغتهم فأفراد يعدون على الأصابع تعلموها في الغالب بعد أن أنجزوا دروسهم. والمتخرجون في مدارس الحكومة لا يحسنون في الأكثر تاريخ الدولة العثمانية فضلاً عن تاريخ العرب وأمجاد أسلافهم. جنت مدارس الأجانب والحكومة على هذه البلاد أعظم جباية لأن المتخرجين فيها ومعظمهم من الذكاء على جانب عظيم لم ينفعوا الدولة حق النفع ولم ينفعوا البلاد التي ولدوا فيها فتراهم ضعافاً في حبهم أوطانهم فإما أن يتنقلوا في الوظائف وإما أن ينتقلوا من البلاد جملة فتحرم منهم الأمة التي أولدتهم والسماء التي أظلتهم والأرض التي أقلتهم والبلاد لا تعمر إلا بأيدي أبنائها بعد أن قيل في الأمثال قتل أرضاً عالمها وهل أعلم بها من أبنائها. ابحث عمن تخرج في هاتيك المدارس منذ ثلاثين سنة تجدهم إلا قليلاً وقفوا أنفسهم على نفع غيرهم واحتقروا جنسيتهم ولغتهم وربما كان عدد المحتقرين لهما في ناشئة المدارس الأميرية أكثر من متخرجي المدارس الأجنبية لأن هؤلاء يرون باحتكاكهم بالأجانب مبلغ تفاني هؤلاء في إنهاض أممهم وحبهم لغتها وتقاليدها ولمدارسهم عناية بالعربية أكثر من المدارس الأميرية فإذا كان الطالب حصيف الرأي لا ينطلي عليه محال من يعلمونه ولكن من أين له وطنية كوطنيتهم وغيرة كغيرتهم وهو لا يعرف من أسباب وطنيته حتى ولا لغتها ولا من مجد أجداده إلا قشوراً ولا من حاجات بلاده وقانونها إلا تافهاً. وهل غير القوي يدافع عن حوزته وغير العاقل يحتفظ بعاداته ولغته والقوة لا تنشأ إلا بالعلم والتربية الوطنية. إن المدارس غير العربية في سورية أشبه بالسارق الذي يسرق الأعلاق ونفائس المتاع. استغفر الله بل من يسرق فلذات الأكباد ليخرجها على ما أراد أشق على النفس وطأة وأعظم في المغبة أثراً وهل يقاس سارق الأموال بسارق الأطفال والرجال أوليست الأرواح أثمن من كل بضاعة وهل أعز من الولد على قلب والديه. وليس معنى هذه الدعوة إلى مقاطعة المدارس الغير العربية فإن أهل هذه البلاد لا غنى لأفراد منهم على تعلم اللغة التركية لغة السياسة الجامعة ولا عن تلقف بعض اللغات الأوربية الراقية كالإنكليزية والفرنساوية والألمانية والإيطالية ولكن الواجب أن يتعلموا ما

стр. 3318

شاؤا من اللغات والعلوم ولكن بعد أن يحكموا لغتهم كتابة وخطابة حتى لا يسرق أبناء سورية بتساهل آبائهم ويبيعونهم من أقوام أخر بالمجان على أمل التوظف في وظائف الحكومة أو الاحتكاك بالأجانب احتكاكاً يؤدي في الأكثر إلى ارتحال المتخرج بهم عن بلده وزهده في وطنه زهداً أبدياً. إن المدارس التي تعلم غير الأسلوب الوطني هي التي تسلب من سورية اليوم بعد اليوم روحها وناهب الروح ماذا يدعى في الشرع والعقل؟ إن لأهل كل قطر منازع خاصة بهم وعادات وأخلاقاً ومميزات إذا فقدوها هلكوا وانحل أمرهم وآضوا عبئاً ثقيلاً على البلاد لا ينتفعون بها ولا هي تنتفع منهم. فالواجب إذاً إنشاء مدارس لإحياء التعلم الوطني لتحيا بحياته البلاد لأن مئة رجل يعرفون الزراعة باللغة الفرنسية أقل نفعاً من واحد يشرحها للعرب بالعربية وقد يكون تعلمها بالعمل لا بالنظر. وهكذا الحال في مئة كاتب متعلم قرأ العلوم والآداب بغير لغته لا يستفيد منه قوم إلا معشار كاتب واحد يعرف كيف يعلم عامة قومه قبل خاصتهم وجاهلهم قبل عالمهم أصول المعاش والمعاد بلغة أبيه وأمه. إن ما عاق الأتراك عن فهم أسرار الشريعة قلة عنايتهم بالعربية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها والذي عاق العرب عن فهم قوانين البلاد جهلهم بالتركية لغة الجامعة العثمانية التي توجب السياسة تعلمها فظلت أكثر قوانيننا مكتوبة باللغة التركية ولم يستفد منها إلا قلائل من الأتراك وبعض من تعلموا ليتوظفوا من العرب والروم والأرمن والأرناوءد والأكراد واللاز والفلاخيين والبوشناقيين والبلغاريين. ولو تخرج في مدارس الحكومة أناس من العرب يحسنون الكتابة والخطابة كما يحسنونها باللغة الطارئة عليهم لتمكنوا على الأقل من نقل هذه القوانين إلى العربية وعرف العثمانيون ما لهم وما عليهم وأفادوا بلادهم وقوميتهم فائدة كبرى. إن مما يبكي أن يسن ابن الآستانة قانوناً يحاول تطبيقه على ابن حوران وهلا كان الاختلاف في الحاجيات طبيعياً بين تركي وعربي وأوربي وآسياوي. ولذلك جاءت قوائم الدروس الجديدة في المدارس الابتدائية والثانوية في الولايات العربية مثل دروس الولايات التركية لا أثر فيها لتعليم العربية إلا أن يكون قراءة القرآن في الصفوف الابتدائية يتلى فيها بلا فهم ولا علم.

стр. 3319

وأكبر دليل على أن نظارة المعارف العثمانية جاهلة بطبائع البلاد أنها أسست مدرسة لتخريج المعلمين في دمشق ولم تذكر اسماً فيه للعلوم العربية لغة الدين والبلاد وجعلت الجهد كله مصروفاً إلى تلقين التركية حتى لا يعلم الأساتذة الجدد إلا ما تعلموه ويكثر عدد العارفين بالتركية والمنحلين من لغتهم فلا يأتي زمن خصوصاً متى أصبح التعليم الابتدائي إجبارياً إلا وقد أهمل العرب لغتهم بتاتاً. صرحنا بهذا وإن كان فيه غضاضة كبرى على العرب الذين لم يستفيدوا من حرية الدستور حتى الآن وينشئوا على الأقل كتاتيب منظمة لتلقين لغتهم من أيسر الطرق حتى ينتفعوا بعد الآن بأولادهم حق النفع ولا يفقدوا عدداً كبيراً ممن يدخلون مدارس الأجانب فتنحل وطنيتهم تضعف لغتهم. أما مؤسسو تلك المدارس أجنبية كانت أو أميرية فإنهم يعذرون للسبب الذي أوردناه آنفاً وهو أن القوي يريد أن يستغرق الضعيف سنة من سنن الكون. ولم يبلغ البشر درجة راقية من التمدن حتى تتساوى في عيونهم اللغات والعناصر كلها وتتجرد أمة فتفنى لإحياء غيرها وتقلل من جنسها لتزيد سواد الآخر ولا تهمها دارها وتريد هدمها لتعمر بأنقاضها دار جارها والسلام.

стр. 3320

جبل الدروز وفتنتهم إلى الجنوب من دمشق على نحو عشرين ميلاً منها كورة واسعة مخصبة اسمها حوران فيها نحو ستمائة قرية وفي شرقي تلك الكورة إقليم ممرع فيه السهل والجبل إلا أنه أطلق عليه اسم جبل حورانكما يقال له جبل الدروز الآن لأن معظم سكانه منهم وهو يمتد من شمالي حوران إلى جنوبيه ويحده من الشمال اللجاة وهي أرض بركانية ذات حرار وعرة للغاية ومن الشرق البادية ومن الجنوب قفر مترامي الأطراف يتصل بوادي الحجاز ومن الغرب الجنوبي النقرة والنقرة سهل جيد التربة في وسط حوران. وطول هذا الجبل نحو ١٥ ساعة على راكب المطايا و٨ ساعات وهو من الجهة الجنوبية والجهة الغربية أي نحو ثلاثة أرباعه سهل خصيب تضاهي تربته تربة السهل من بلاد حوران وغوطة دمشق والبقاع العزيز وربما كانت أسحن منها وفيه ١٠٨ قرى يقدر نفوسها عل التخمين بخمسين ألف نسمة وربما استطاع حمل السلاح منهم نحو ثمانية آلاف ومنهم الذين يشنون الغارات ويقتلون الأبرياء ويسلبون المارة وإقليمهم هو الإقليم الوحيد في سورية بأسرها الذي أزمنت فيه الفوضى وأحب أهله على قربهم من الحواضر ووفرة غناهم بزراعتهم أن يعيشوا عيش السلب والنهب والقتل يؤذون من خالفهم من مجاوريهم ويطيلون أيدي اعتدائهم على أبناء السبيل ويناوئون الحكومة ويعصون قوانينها فلا يؤدون الضرائب الأميرية والخراج ولا يخدمون الجندية وإذا لم يجدوا من يقتلونه ويمثلون به يقتتلون بينهم كأنهم يتعبدون بإهلاك العباد والعيث بالفساد في البلاد. وآخر عمل فظيع قاموا به أنهم غزوا جيرانهم من أهل قريتي معربة وغصم وسكانهما مسلمون مسيحيون فقتلوا ٥٩ رجلاً وجرحوا ثلاثة بين القتلى أربع نساء بينهن والدة الشيخ معربة وزوجته وأخته ونهبوا القسم الأعظم من السهوة وجيزة وسماقية وطيسة من بلا السهل فطفح كأس الصبر منهم ولم تر الدولة بداً من إرسال حملة عليهم تؤدب عصاتهم وتضرب على أيدي الفوضويين والعدميين نهم وتؤلف شاردهم وتؤمن خائفهم وتخضعهم للقوانين كسائر الأفراد العثمانيين. ولعل كثيرين يتساءلون عن تاريخ عمران هذا الجبل ونزول الدروز فيه فالمعروف من حاله أنه كان في الدولة القديمة تابعاً لحوران تشهد بذلك الآثار القليلة الباقية إلى اليوم في بعض أمهات قراه مثل السويداء قاعدته القديمة وصرخد وقنوات فإن الكتابات اليونانية

стр. 3321

واللاتينية والنبطية والعربية المكتوبة بخط سباءٍ تدل على أنه كان عامراً للغاية. وفي السويداء بل في أكثر قرى الجبل على ما انتابها من الخرب والتدمير بعض الآثار اليونانية والرومانية مثل القناة والمعبد والمسلة يظن أنها ممن القرن الرابع والخامس للميلاد والجامع الخرب المزبور عليه بعض كتابات يونانية والخزان الكبير لجمع الماء الذي أنشئ على أكمة تشرف على السويداء وعلى طريق قرية القنوات جسر مهم للغاية جعل على عمد هائلة يظن أنه من القرن الأول وإنه كان ناووساً. والظاهر من عاديات قنوات أنها كانت أهم من بصرى قاعدة بلاد حوران كلها وكان فيها أبرشية للروم ولا تزال بعض الطرق هناك مبلطة ببلاط كبير من عوادي الأيام ومعظم الدور محفوظة كما كانت بنوافذها وأبوابها الحجرية. ومن الآثار التي تجلب الأنظار ذلك المسرح التياترو الجميل الذي قام على يمين الوادي وأكثر منحوت في الصخر وقطره نحو ١٩ متراً وفيه تسعة صفوف أسفله على متر ونصف تحت الملعب وفي وسطه حوض ماءٍ وهو مطل على الوادي ومصانع المدينة وجبل حرمون (الشيخ) وفي مكان شاهق آثار معبد ذي أدراج في الصخر تؤدي إلى برج أصم ربما كان جزءاً من حصن مشرف على المضيق ويستدل من ألبنية السفلى أن تاريخها يردُّ إلى ما قبل عهد الرومان وعلى ميلة قليلة نحو الشرق برج عظيم مدور دائرته ٢٥ متراً وربما كان برجاً لدفن الموتى وهناك بعض خرائب كنائس وجادات وأروقة وأرتجة وبعض قطع من هياكل وتماثيل وملاعب. وعلى ثلاثة أرباع الساعة من قنوات في الجنوب الشرقي قرية ساله وفيها معبد من أهم معابد حوران تشبه هندسته معبد هيرود في القدس وفيه من رسوم الأسود والغزلان والخيول المسرجة وغيرها ما يأخذ بمجامع القلوب. وهناك أيضاً مذبح في سفح درجات المعبد وكان هذا المعبد خاصاً بعبادة إله السماء ومن الآثار المهمة آثار شهبا وطرقها معبدة واسعة تكاد تكون أوسع طرق حوران وقد يبلغ عرض الشارع فيها سبعة أمتار وستين سنتيماً. وليس في الأيدي ما يستدل منه على منزلة تلك البلاد من العمران على عهد العرب وكانت قبيل الإسلام منازل قبائل بني غسان كما كانت البلاد المجاورة لها فقد بنى النعمان ابن

стр. 3322

المنذر الغساني من ملوك القرن الرابع للميلاد قصراً في السويداء بقى منه في بعض جهاته ووجدت في صرخد صخرة اللات التي عبدها الأنباط والعرب كما ذكر هيرودوتس وعليها كتابة تدل على أنها نصبت لذي الشرى وهو معبود نبطي له آثار في بصرى وبتره (وادي موسى). والغالب أن صرخد حازت في الإسلام مكانة أعظم من مكانة السويداء فبالغ الملوك بتحصين قلعتها ليدافعوا عوادي البدو عن القرى العامرة وقد كثر ذكرها في كتب التاريخ على عهد الدولة الصالحية ومن بعدها من دول الجراكسة خصوصاً بعد أن استولى على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون المجاورة الملك الناصر السلطان صرح الدين بن أيوب وولى أخاه الملك العادل أبا بكر بن أيوب عليها فأصبح لتينك المدينتين شأن عظيم حتى عدت الكرك من الممالك مثل مملكة بعلبك ومماكة حماة ومملكة شيزر وغيرها ومعظم هذه الممالك أصبحت فيما بعد قرى حقيرة في القرون الأخيرة لغلبة الجهل على الحكومات التي تعاورتها ولقلة الأمن وانتياب الغارات والزلازل والأوبئة التي اجتاحت سكانها. ويؤخذ مما رواه أبو الفداء صاحب حماة أن بلاد صرخد وما والاها وبعبارة أخرى جبل الدروز كانت تدعى في عهده أي في القرن الثامن بجبل بني هلال قال: صرخد بلدة ذات قلعة مرتفعة وليس لها سوى ماء المطر في الصهاريخ والبرك وهي قاعدة جبل بني هلال وليس وراء عملها من جهة الجنوب والشرق إلا البرية ومن شرقيها تسلك طريق يعرف بالرصيف إلى العراق وهذا الرصيف بين صرخد وبغداد عشرة أيام. وقلعة صرخد شاهد أبد الدهر بعظمة تلك البلاد وهي كما قال الثقات أضخم وأهم من قلعة حلب اهـ. وقد جدد الملك الظاهر بيبرس فيما جدد من المصانع في بلاده ما تهدم من قلعة صرخد وجامعها ومساجدها وكذلك فعل ببصرى وعجلون والصلت وكانت قلعتا كوكب وعجلون لعز الدين بن أسامة وكان هذا ملك صرخد سنة ثمان وستمائة للهجرة وقال ابن خلكان: إنه ملك صرخد سنة إحدى عشرة وستمائة وقال لأن أستاذه الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب حج في السنة المذكورة وأخذ صرخد من صاحبها ابن قردجة وأعطاه مملوكه أيبك والظاهر أن الأول أصح واستمرت في يد أيبك إلى سنة أربع

стр. 3323

وأربعين وستمائة فأخذها الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل من أيبك المذكور. وممن تملك صرخد أقوش الأفرم أحد أمراء بني أيوب. ومكن الأدلة على استبحار العمران في الجبل أنه نشأ بعض أمهات مدنه أعلام ومشاهير ومنهم عز الدين السويدي من أهل القرن السابع كان عالماً عاملاً ويونس بن إبراهيم ابن سليمان الصرخدي النحوي اللغوي ٦٩٨ وإبراهيم بن سليمان التميمي الصرخدي الفقيه خطيب صرخد مات فيها سنة ٦١٨ وبدر الدين السلختي قاضي غزة نس نسبة إلى صرخد أيضاً وبعضهم يقول صلخد وسلخة والأصح صرخد فيما نرى والروايات الثانية تحريف طرأ مثله على بلدان كثيرة في سورية مثل عربيل فيقولون عربين وجماعين لاستسهالهم النطق بالنون أكثر من اللام. قال ابن أبي أصيبعة: حدثني نجم الدين حمزة بن عبد الصرخدي أن نجم الدين القمراوي وشرف الدين المتاني وقمرا ومتان هما قريتان من قرى صرخد قال كانا اشتغلا بالعلوم الشرعية والحكمية وتميزا واشتهر فضلهما وكانا قد سافرا البلاد في طلب العلم ولما جاآ إلى الموصل قصدا الشيخ كمال الدين بن يوسف (الفيلسوف العلامة) وهو في المدرسة يلقي الدرس فسلما وقعدا مع الفقهاء ولما جرت مسائل فقهية تكلما في ذلك وبحثا في الأصول وبان فضلهما على أكثر الجماعة فأكرمهما الشيخ وأدناهما ولما كان آخر النهار سألاه أن يريهما كتاباً له كان قد ألفه في الحكمة وفيه لغز فامتنع وقال: هذا كتاب لم أجد أحداً يقدر على حله وأنا ضنين به فقالا له: نحن قوم غرباء وقد قصدناك ليحصل لنا الفوز بنظرك والوقوف على هذا الكتاب ونحن بائتون عندك في المدرسة وما نريد نطالعه هذه الليلة بالغداة يأخذه مولانا وتلطفاً له حتى أنعم لهما وأخرج الكتاب فقدا في بيت من بيوت المدرسة ولم يناما أصلاً في تلك الليلة بل كان كل واحد منهما يملي على الآخر وهو يكتب حتى فرغا من كتابته وقابلاه ثم كررا النظر فيه مرات ولم يتبين لهما حلة إلى آخر وقت وقد طلع النهار فظهر لهما شيء منه من آخره واتضح أولاً فأولاً حتى انحل لهما اللغز وعرفاه فحملا الكتاب إلى الشيخ وهو في الدرس فجلسات وقالا: يا مولانا ما طلبنا إلا كتابك الكبير الذي فيه اللغز الذي يعسر حله وأما هذا الكتاب فنحن نعرف معانيه من زمان واللغز الذي فيه علمه عندنا قديم وإن شئت أوردناه فقال قولا حتى أسمع فتقدم النجم

стр. 3324

القمرواي وتبعه الآخر وأود جميع معانيه من أول الكتاب إلى آخره وذكرا حل اللغز بعبارة حسنة فصيحة فعجب منهما وقال: من أين تكونان قالا: من الشام قال: من أي موضع منه قالا: من حوران وقال: لا أشك أن أحدكما النجم القمراوي والآخر الشرف المتاني قالا: نعم فقام لهما الشيخ وأضافهما عنده وأكرمهما غاية الإكرام واشتغلا عليه مدة ثم سافرا. وهذه الرواية تدل كل الدلالة على انتشار العلم في هذه المزارع في القرون الوسطى وأمتان بلد شرف الدين المتاني قرية موجودة إلى ال يوم أما قمرا فهي قميرة خربة واقعة إلى الجنوب من صرخد على مسافة ساعتين ومنها الفقيه موسى القمراوي أديب مناظر حاذق توفي سنة ٦٢٥ ومن شعره: لما تبدى بالسواد حسبته ... بدراً بدا في ليلة ظلماءِ لولا خلافته على أهل الهوى ... لم يشتهر بملابس الخلفاء ومن قرى صرخد العرَّمان بتشديد الراء وفتحها والعامة اليوم تخففها قال ياقوت: أنشدني أبو الفضل محمد بن مياس العرَّماني من ناحية صرخد من عمل حوران من أعمال دمشق لنفسه. يعادي فلان الدين (؟) قوم لو أنهم ... لأخمصه ترب لكان لهم فخر ولكنهم لم يذكروا فتعمدوا ... عدواته حتى يكون لهم ذكر وأنشدني أيضاً لنفسه: ولما اكتسى بالشعر توريد خده ... وما حاله إلا نزول إلى حال وقفت عليه ثم قلت مسلماً ... ألا نعم صباحاً أيها الطلل البالي وأنشدني أيضاً لنفسه يمدح صديقه موسى القمرواي وقمرى قرية من قرى حوران أيضاً قريبة من قرية العرَّمان: أصبحت علامة الدنيا بأجمعها ... تشدُّ نحوك من أقطارها النجب بأن على كبد الجوزاء منزلة ... تحفها من جلال حولها الشهب ما نال من نالت من فضل ومن شرف ... سراة قوم إن جدوا وإن طلبوا وفي الجبل إلى اليوم قريتان باسم نجران قال ياقوت أن نجران موضع بحوران من نواحي دمشق وهي بيعة عظيمة عامرة حسنة مبنية على العمد الرخام منمقة بالفسيفساء وهو

стр. 3325

موضع مبارك ينذر له المسلمون والنصارى ولنذور هذا الموضع قوم يزورون في البلدان ينادون من نذرَ نذر نجران المبارك وهم ركاب الخيل وللسلطان عليهم قطيعة وافرة يؤدونها إليه في كل عام. وقال مثل ذلك في دير نجران أيضاً وما ندري إن كانت نجران هذه هي نجران جبل حوران أم هي واقعة في السهل من قرى بصر الحرير. وتبين مما تقدم أن العمران قديم في هذا الجبل وليس في الأيدي نصوص يركن إليها اللهم إلا إذا كان شيء في بطون التاريخ والجغرافيا جاء بالعرض ولم نهتد إلى معرفته وقد كان سكانه على ما مر بك آنفاً مسلمين ومسيحيين ولم ينزل الدروز إلا في القرون المتأخرة ويقول أحدهم أنهم رحلوا إلى جبل حوران منذ نحو مائتين وعشرين سنة أيام ابتدأ قوم من دروز لبنان يهاجرون وأولهم أسرة بني حمدان التي بطش بها التنوخيون أمراء لبنان ومنذ ذلك الحين أصبح كل من يغلب في الحروب القيسية واليمنية في لبنان ومن عضه الدهر بنابه أو غضب عليه الحاكم يرحل إلى ذلك الجبل ثم انضم إليهم أناس من دروز وادي التيم وصفد وجبل الأعلى والقنيطرة وجوار دمشق. نزل الدروز هنا وهم مستضعفون وفقراء وما زالوا يطردون المخالفين من سكان البلاد الأصليين بالقوة ويستصفون أملاكهم ومنها ما هو إلى اليوم من أرباب البيوتات في دمشق وبأيديهم صكوك بملكيتهم لها حتى كاد الجبل إلا قليلاً جداً يكون لطائفة الدروز وزعمائهم بنو الأطرش وبنو الحلبي والمغوش وعامر وناصر والعزام توزعوا على القرى ومن أكبر زعمائهم بنو الأطرش وبينهم وبين بني مقداد المسلمين سكان بصرى وما جاورها طوائل قديمة يتربص كل منها لجاره الدوائر منذ نحو قرن ويعتقد الطرشان أن بني مقداد هم الحائل دون تعديهم حدود جبلهم ولولاهم لامتد سلطانهم على سهول حوران فاستأثروا بها كما استأثروا بهذا الجبل. وأول الوقائع التي قام بها الدروز في الجبل وتمت لهم الغلبة وقعت بينهم وبين إبراهيم باشا المصري سنة ١٨٣٠ في جنوبي اللجاة كتبت فيها الهزيمة للمصريين وقتل منهم الفريق محمد باشا وغيرهم من قوادهم وفي سنة ١٨٣٨ أنفذ إبراهيم باشا أحد رجاله شريف باشا في أربعمائة فارس إلى قرية أم الزيتون في محل يعرف بوادي اللواء على نحو خمس ساعات عن السويداء لتجنيد الدروز فقتلهم الشيخ حمدان الدرزي عن آخرهم ولم يبق إلا

стр. 3326

على مقدمهم. وكذلك جرى لمحمد باشا القبرصي فلم يظفر بهم. ومنذ ذاك العهد اعتصموا بجبالهم ونشأ لهم شيءٌ من الاستقلال عن الحكومة وأيقنوا بأنها تخاف بأسهم وتحسب لهم ألف حساب وزاد سوادهم وقوتهم في حوادث الستين وقد هاجر إليهم من لبنان كثير من أبناء مذهبهم فاعتزوا بهم خصوصاً بعد أن ثبت أن الذين أوقدوا نار فتنة النصارى منذ خمسين سنة وانتهت بقتل وصلب مئات من أهل دمشق المسلمين ولم يكدر للدروز خاطر ولم يسأ لوا عما ارتكبوه في تلك الفتنة الأهلية من الفظائع. وما برحوا يفحشون القتل والسلب والتخريب منذ حادثة الستين لأن الحكومة استعملتهم إذ ذاك واستعملوا لها بواسطة بعض الدول آلة لمقصد تريده على ما يؤكد العارفون. ولقد قتلوا من جند الدولة والأهالي المساكين ما لو أحصي لبلغ مقداره نصف سكان الجبل اليوم. ووقائعهم في قرية أم ولد وقرية الكرك وقرية كحيل والحراك وبصر الحرير وبصرى إسكي شام وجوارها وقرية المليحات ومع عرب المعجل وعرب السرحان وعرب الخريشة وعرب ولد علي وغيرهم مشهورة إلى الآن على الألسن دع عنك نحو عشرين قرية اغتصبها الدروز من الحوارنة في قضاء عاهرة وقضاء السويداء وقضاء صرخد وهي أقضية الجبل اليوم التابعة لمركز اللواء الذي كان أول أمس شيخ سعد فأصبح أمس شيخ مسكين واليوم غدا درعا. تعم لم يكن سكان جبل الدروز كما قال عارف بأحوالهم منذ أربعين سنة إلا أقل القليل من سكانه فالجهة الجنوبية أي قرى صرخد وجوارها كانت بأيدي المسلمين والمسيحيين من أهالي حوران والقرى الغربية كانت بيد حمولة الزعبية من حوران إلى أن اعتاد أشقياء دروز لبنان وحاصبيا وراشيّا أي وادي التيم وعكا وصفد والقرى المجاورة لدمشق والقنيطرة ومن اعتادوا القتل والنهب وقطع الطريق وتعذرت عليهم الإقامة في بلادهم أن يعتصموا في هذا الجبل فضاقت عليهم قراهم الأصلية فجعلوا الحوارنة عن بلادهم وأصبح جبلهم ملجأ الأشقياء. أما وقائعهم المشورة فكان أولها سنة ١٢٩٥ شرقية بينهم وبين أهالي بصر الحرير فساقت الدولة إليهم قوة إلى موقع القراصنة ولما لم تحسن الإدارة زاد الدروز جرأة إلى أن كان سنة ١٢٩٧ شرقية وقد هجموا على قريتي الكرك وأم ولد وذبحوا سكانها عن بكرة أبيها

стр. 3327

حتى الأطفال الرضع فكانوا يفسخونهم قطعتين ثم سيقت عليهم قوة بقيادة المشير حسن فوزي باشا أسفرت عن ربط دية شرعية مسقطة على الدروز وتأسيس قائم مقامية جبل الدروز وجعلها ثمان نواح وتعيين قائم مقام ومديرين للنواحي منهم. وما برحوا يشغلون الحكومة فترسل عليهم الحملات كل مدة ويراوغون ثم يستعطفون رجالها بالكذب والرشى تارة وتارة يتحد أشقياء المقرن القبلي مع عرب السردية فيغزون قرى بني صخر والحويطات والسرحان وقرى حوران الجنوبية وينضم أشقياء المقرن الشرقي إلى عرب الصفا يغزون تجار بغداد والزور وأشقياء المقرن الشمالي يتحدون مع عرب الحسن ويغزون قرى جبل قلمون والنبك وحمص ويتحد بعضهم مع عرب اللجاة يسلبون قرى جبل حوران وتارة يقتلون الموظفين ويمثلون بالعسكر ولا يدفعون الأموال وينهبون التجار حتى أرسلت عليهم الحكومة حملة مهمة سنة ١٣١١ رومية فضربتهم ضربة لو وضعت بعدها الإصلاحات الإدارية المعتبرة ولم تعف بعد قليل عن زعمائهم لاستقام الأمر ولم يعودوا إلى سالف أحوالهم حتى صيف هذه السنة. أحلَّ أشقياء الدروز في حوران قتل من خالفهم والاعتداء على مجاوريهم وعلى القوافل الآتية من العراق ونجد حتى كادت التجارة تنقطع بين أقطار العراق ونجد والشام بسبب غاراتهم على الأقاليم المجاورة وخربوا جانباً عظيماً من القرى والمزارع وأخذوا المواشي وسفكوا الدماء حتى الجأ إليهم كل من عصا الدولة والعسكر الفار من الجندية والأشقياء وخربت بأعمالهم كثير من القرى والمزارع وأصبحوا بفعلاتهم يحولون دون امتداد العمران في أطراف هذه الولاية ولولاها لاستفاض عمرانها ولاسيما من جهة الشرق والجنوب عمراناً تزيد مساحته على ولاية عظمى من الأرض المنبتة ولكفت ملايين من المهاجرين وأهل البادية. أما الفوائد التي ستنجم من إدخالهم حظيرة الطاعة فامتداد العمران ال الجنوب مراحل كثيرة حتى يبلغ من الأزرق إلى بلاد الكرك بل قرى الملح إلى الجوف فينتفع بما فيها من المياه المعطلة ويمتد من جهة الشرق إلى تدمر مسافة عشرة أيام. وتدمر هيب المدينة المعروفة بتاريخها المجيد. ويتصل بجهة الشمال ببلاد حماة وحلب. ولعل هذا المبحث لا يصدر إلا وقد أخلد أولئك العصاة إلى السكون بهمة قائد الحملة العام سامي باشا الفاروقي فيضع لهم

стр. 3328

أساساً راسخاً في الإصلاح لا يتمكن أحدهم من نقض عروته ويعاملون في عهد الدستور بما لم تكن الدولة تعاملهم به في عهد الاستبداد ويشرط هذا الجرح النغار بل الآكلة المزمنة في جسم سورية بمشراط الجراح الماهر الذي أحسنت الحكومة ظنها به في هذه المهمة فيصبح جبلهم منتاب المصطافين كما أصبح جبل لبنان من قبل فجبل حوران ليس دون جبل الشيخ وجبل قلمون جبل اللكام وغيره من الجبال السورية بهوائه ومائه ويزيد عليه خصب تربته وبعده عن الرطوبة هذا ويقل الماء الجاري في جبل حوران وأكثره ينابيع قليلة تكاد تك في لشرب الشفة فقط أما الزروع فلا تنمو بالسقيا بل تنمو بماء السماء كسائر بلاد حوران وحدث ما شئت أن تحدث عن خصب التربة فإن الحبوب تجود فيه كل الجودة وتقل الأشجار فيهم اللهم إلا الكرم والتين وبعض السنديان والزان وأكثر الغابات لم يبق منها إلا جذوع أشجارها تجدها بالقرب من السويداء وسهوة الخضر وسهوة بلاطة ومياماس وابي زريق وساله وقنوات وعتيل في ذروة الجبل أي في طرف قليب حوران ولم يبق إلا شجرات معدودات بين قنوات والجبل والله أعلم.

стр. 3329

أصل الدروز ينسب الدروز إلى رجل يقال له محمد بن إسماعيل الدرزي كان أحد أصحاب دعوة الحكام بأمر الله العبيدي ويسمى في كتب هذه الطائفة نشتكين الدرزي والدرزي بالفتح معناه الخياط فارسي معرب والعامة تضم الدال ويقولون في الجمع الدروز والصواب الدرزة محركة. أما الحاكم هذا فإنه سادس خليفة من خلفاء الدولة العبيدية ويقال لهم الفاطميون ولقبه الحاكم بأمر الله وكنيته أبو علي واسمه المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي. واختلف المؤرخون في صحة نسبهم فبعضهم صححه وجعله متصلاً بفاطمة الزهراء ﵍ ونسب عبيد الله المهدي إلى محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم ابن إسماعيل بن جعفر الصادق. وطعن أكثر العلماء والمؤرخين في هذه النسبة وجعلوا نسبهم متصلاً بالحسين بن محمد بن أحمد القداح وكان مجوسياً وقيل يهودياً فقالوا أن أمهم فاطمة بن عبيد اليهودي واسم المهدي هذا سعيد ولقبه عبيد الله وزوج أمه الحسين ابن محمد بن أحمد بن عبيد الله القداح بن ميمون بن ديصان وقيل هو سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون وميمون هذا هو صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة كان يظهر التشيع لآل البيت ونشأ لميمون عبد الله وكان يعالج العيون التي نزل إليها الماءُ بالقدح (هو إخراج الماء الفاسد منها) وتعلم عبد الله من أبيه ميمون الحيل وأطلعه أبوه على أسرار الدعوة آل البيت ثم سار القداح من نواحي كرج وأصفهان إلى الأهواز والبصرة ثم إلى سلمية من أعمال سورية يدعو إلى آل البيت. ثم توفي القداح وقام ابنه أحمد مقامه وتوفي أحمد وقام مقامه ابنه محمد ثم قام بعده ابنه الحسين وكان ببغداد فسار إلى سلمية حيث كان له بها ودائع وأموال من ودائع جدع عبد الله القداح وكان يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن والجمال فتزوجها الحسين المذكور ولها ولد من اليهودي يماثلها في الجمال فأحبها وأحب ابنها وأدبه وعلمه العلم فتعلم وصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة ومات الحسين ولم يكن له ولد فعهد إلى ابن اليهودي الحداد وهو عبيد الله المهدي وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل وأعطاه الأموال والعلامات فدعا له الدعاة.

стр. 3330

قال ابن خلدون: ولا يلتفت لإنكار هذا النسب لأن إغراء المعتضد لابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة بالقبض على عبيد الله لما سار إلى المغرب وشعر الشريف الرضي في قوله: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمي ألبس الذل في بلادي الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي لفَّ عرقي بعرقه سيد الن ... اس جميعاً محمد وعلي إن ذلي بذلك الجد عز ... وأمي بذلك الربع ري شاتهد بصحة نسبهم وأما المحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر القداح في نسبهم وشهد فيه أعلام الأئمة فهي شهادة على السماع. وبدأت دولة الفاطميين من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة وفي أيامهم كثرت الرافضة واستحكم أمرهم ووضعت المكوس على الناس واقتدى بهم غيرهم وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين في ثغور الشام كالنصيرية والدرزية. والحشيشية من نوعهم. وكانت أحوال الحاكم بأمر الله متناقضة فعنده شجاعة وجبن ومحبة للعلماء وانتقام منهم وميل إلى أهل الصلاح وقتلهم وسخاءٌ وبخل بالقليل. لقب نفسه الحاكم بأمر الله ولما زاد ظلمه عنَّ له أن يدعي الإلوهية اقتداءً بفرعون فأخذ يمهد لذلك المقدمات فلقب نفسه الحاكم بأمره وأمر الخطباءَ بأن يقرءوا بدل البسملة (باسم الحاكم المحيي المميت) وصار يدعي علم المغيبات باتفاق اعتمده من العجائز اللواتي يدخلن بيوت الأمراء وعنده من دعاته رجلان أعجميان من دعاة الباطنية أحدهما يقال له محمد بن إسماعيل الدرزي وثانيهما يقال له حمزة بن علي بن أحمد أما الأول فإنه قدم إلى مصر في أواخر سنة سبع وأربعمائة ودخل في خدمة الحاكم ووافقه على إثبات دعوته بالإلوهية وصنف له كتاباً كتب فيه أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب ومنه إلى أسلاف الحاكم متقمصة من واحد إلى آخر حتى انتهت إلى الحاكم وقرأ هذا الكتاب في الجامع الأزهر بالقاهرة فهجم الناس على مؤلفه ليقتلوه ففر منهم وحدث شغب عظيم في القاهرة ونهبوا بيت الدرزي وقتلوا كثيرين
следующие страницы →