← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

كدرة سفلية شريرة وهي المسماة بالشياطين (ثم قال) واعلم أن قوماً من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية: وهذا باطل لوجهين (الأول) أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس ويلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس (الثاني) هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال أن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم أنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا أن الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان لأعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض، والأشياء المختلفة بالماهية لا يمنع اشتراكها في بعض اللوازم فلما لا يجوز أن يقال الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار وإذ ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يقال أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابلة للتفرق والتمزق وإذا كان الأمر كذلك فإن تلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم أن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر فلم لا يفعل مثله في هذه الصورة، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وأن تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعين، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها. (ثم قال الرازي) اع لم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتاً خفية وحروفاً خفية فكأن متكلماً يتكلم

стр. 3257

معه ومخاطباً يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه. ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة أن تلك الأشياء ليست حروفاً ولا أصواتاً وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور اسمه ومثاله في الخيال وهذا كما إنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها. وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أولاً فإن حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء_وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد في أنفسنا هذه الكلمة أو العبارة وجداناً لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة. أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقية. واعلم بأن القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيءٌ آخر روحاني مباين يمكن إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل أن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك وأما أن يقال خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى (أما القسم الأول) وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان قادر على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد فعلها أو تركها لقدر

стр. 3258

عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره. (وأما القسم الثاني) وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد. ولما بطل هذا القسمان بقي (الثالث) وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى (أما الذين قالوا) أن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا أن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين، وأما الذي قالوا أنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى) اهـ. المارودي قال في كتابه أعلام النبوة: الجن من العالم الناطق المميز يتناسلون ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، إلا أن يخص الله برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية، وما تخيلوه من آثارهم الخفية، (ثم قال): واختلفوا في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون وزعم آخرون أنهم غير الجن وإنهم من ولد إبليس واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق منهم إلى أنهم يتناسلون ويموتون وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلا معه وإن تناسلهم انقطع بأنظار إبليس إلى يوم يبعثون، فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس (ثم أسهب في ذلك ﵀. القاشاني قال في تفسير آية وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن في سورة الأحقاف ما مثاله: الجن نفوس أرضية تجسدت في أبدان لطيفة مركبة من لطائف العناصر سماها الحكمة الفرس (الصورة المعلقة) ولكونها أرضية متجسدة في ابدان عنصرية ومشاركتها الأنس في ذلك سميا ثقلين وكما أمكن الناس التهدي بالقرآن أمكنهم وحكاياتهم من المحققين وغيرهم أكثر من أن يمكن رد الجميع وأوضح من أن يقبل التأويل: وقال في تفسير سورة الجن: قد مر أن في الوجود نفوساً رضية قوية لا في غلط النفوس

стр. 3259

السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة إدراكها ولا على هيآت النفوس الإنسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة الغالب عليها الأرضية_وملا في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي وتتجرد أو تتعلق ببعض الأجرام السماوية متعلقة بأجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية أو النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها سماها بعض الحكماء (الصور المعلقة) ولها علوم وإدركات من جنس علومنا وإدراكاتنا، ولما كانت قريبة بالطبع من الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقى عالمها بعض الغيب فلا تستبعد أن ترتقي إلى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة أي النفوس المجردة_ولما كانت أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت بتأثير تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وإدراك مداها من العلوم، ولا تنكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك أو تنزجر من الارتقاء إلى الأفق السماوي فتتسفل فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان اهـ. القاضي أبو يعلي بن الفراء نقل عن السفاريني أنه قال: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ويجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافاً للمعتزلة في قولهم أنها أجسام رقيقة ولرقتها لا نراها (قال): ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلم الله ضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله نقله الله من صورة إلى صورة فيقال أنه قادر على التصوير والتخييل على معنى أنه قادر على أمر إذا فعل نقله الله عن صورة إلى صورة أخرى لجري العادة وإما أن يصور نفسه فذلك محال لأن انتقالها عن صورة إلى صورة إنما يكون بنقص البنية وتفريق الأجزاء وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة وكيف تنقل نفسها (قال) والقول في تشكيل الملائكة مثل ذلك (وسيأتي أول الخاتمة مبحث تمثل الروحاني مفصلاً). شيخ الإسلام ابن تيمية نقل عنه السفاريني أنه قال: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن وكذا جمهور الكفار لأن وجودهم تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار يعرفه

стр. 3260

الخاصة والعامة (قال) ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة ونحوهم، (وقال) ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً لما على الأنس في الحد والحقيقة لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء: (وقال في تفسير سورة الإخلاص) إن الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية قاصر جداً وفيه تخليط كثير وإنما يتكلمون جيداً في الأمور الحسية الطبيعية وفي كلياتها فكلامهم فيها في الغالب جيد، وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها وتقسم الموجودات قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة فإن هذا لا يكون إلا ممن أحاط بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون إلا قليلاً من الموجودات وما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدراً وصفة مما يشهدونه بكثير، ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه هم والفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وإن كان هذا لا دليل عليه وليس لهم بهذا النفي علم فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم وامتاز به على العامة الذي لا يعرفونه فيبقى بجهله نافياً لما لا يعلمه، وبنو آدم ضلالهم فيما حددوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به قال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لما يأتيهم تأويله اهـ. وقد أسهب ﵀ في كتابه الفرقان_المطبوع_فيما يتعلق بالجن الشياطين فليراجع. ابن القيم قال ﵀ في زاد المعاد في علاج الصرع ما مثله: الصرع صرعان صرع من الرواح الخبيثة الأرضية_وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون بأن علاجه بمقابلة الرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا

стр. 3261

العلاج: وأما جهلة الأطباء فينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط وهو صادق في بعض أقسامه لا في كلها، وقدماء الأطباء يسمون هذا الصرع المرض الإلهي وقالوا: إنه من الأرواح، أما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ: وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم. (ثم قال ابن القيم) هذا ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الرواح الخبيثة وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق إن كان هو المصروع حقيقة. وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل ﵈. الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده قال في تفسير قوله تعالى الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس الموسوسون قسمان قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم وإنما نجدهم في أنفسنا أثراً ينسب إليهم، ولكل واحد من الناس شيطان وهي قوة نازعة إلى الشر يحدث منها في نفسه خواطر السوء: وقال في موضع آخر: إن إلهام الخير والوسوسة مما جاء في لسان صاحب الوحي ﷺ وقد أسند إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهاماً وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس. فلا يصح أن نمثل الملائكة بالتماثيل الجسمانية المعروفة لنا لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ونحن لا نحس بشيءٍ يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان

стр. 3262

قطعاً. (ثم قال) يشعر مكل من فكر في نفسه، ووازن بين خواطره عند ما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعاً كان الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى فهذا يورد وذاك يدفع، وواحد يقول افعل وآخر يقول لا تفعل حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء قد أودع في نفسنا ونسميه قوة وفكراً_وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه وروح لا تكتنه حقيقتها_لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكاً ويسمي أسبابه ملائكة أو ما شابه من السماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع اهـ وسبق في كلام الغزالي نحوه وسيأتي في الخاتمة عن الراغب الأصفهاني ما يؤيده. خاتمة في فوائد متفرقات من شوارد هذه المسالة (أ) للباحثين في تمثل الرواح آراء عديدة وأنظار متنوعة نذكر منها طرفاً قال في الخلاصة: اعتقاد قدماء اليهود بماهية الرواح المغيبة إنها إما هواء خالص أو لهيب نار (ثم قال) فعلى هذا فللملائكة أجسام هوائية لطيفة لا ترى ما لم تمثل كالهواء الذي نتنفسه فإنه جسم لكنه غير مبصر لنا (ثم قال) واقرب شاهد للتمثل هو الهواء فإنه وإن لم يقبل في حال تخلخله شكلاً ولا لوناً إلا أنه متى تكاثف أمكن تشكله وتلونه كما يتضح في السحاب وعلى هذا النمط يجوز أن تتكثف أجسام الملائكة بالقدرة الربانية على قدر ما يلزم لتموين الجسم المراد اتخاذه وبقدرون التجسد بعد أن يفعلوا أفاعيل حيوية اهـ. وقدمنا عن القاضي أبي يعلي أنه قال: لا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلمهم الله ضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله نقله الله من صورة إلى صورة الخ: ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن إمام الحرمين أن تمثل جبريل معناه أن الله أفتى الزائد من خلاقه وأزاله عنه ثم يعيده إليه بعد. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجباً لموته بل يجوز أن يبقى الجسد حياً لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلاً بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر تسرح في الجنة،

стр. 3263

وقال شيخنا شيخ الإسلام_زكريا الأنصاري_ما ذكر إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل وإذ ترك ذلك عاد إلى هيئته ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشاً فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب والحق إن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه والظاهر أيضاً أن القدر الزائل لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط والله أعلم اهـ كلام الحافظ كله مبني على حمل الإطلاق في موارده على الحقيقة فليتأمل وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ في رسالة التوحيد: أما وجود بعض الأرواح العالية_وهم الملائكة المكرمون_وظهورها لأهل تلك المرتبة السامية (الأنبياء ﵈ فمما لا استحالة فيما بعد ما عرفناه من أنفسنا وأرشدنا إليه العلم قديمه وحديثه من اشتمال الوجود على ما هو ألطف من المادة وإن غيب عنا فأي مانع من أن يكون بعض هذا الوجود اللطيف مشرقاً لشيء من العلم الإلهي وأن يكون لنفوس الأنبياء أشراف عليه فإذا جاء به الخبر الصادق حملنا على الإذعان بصحته، أما تمثل الصوت وأشباح لتلك الأرواح في حس من اختصه الله بتلك المنزلة فقد عهد عند أعداء الأنبياء ما لا يبعد عنه في بعض المصابين بأمراض خاصة على زعمهم فقد سلموا أن بعض معقولاتهم يتمثل في خيالهم ويصل إلى درجة المحسوس فيصدق المريض في قوله أن يرى ويسمع بل ويجالد ويصارع ولا شيء من ذلك في الحقيقة بواقع فإن جاز التمثيل في الصورة المعقولة ولا منشأ لها إلا في النفس وغن ذلك يكون عند عروض عارض على المخ فلم لا يجوز تمثل الحقائق المعقولة في النفس العالية وأن يكون ذلك لها عندما تنزع عن عالم الحس، وتتصل بحظائر القدس، وتكون تلك الحال من لواحق صحة العقل في أهل تلك الدرجة لاختصاص مزاجهم بما لا يوجد في مزاج غيرهم؟ وغاية ما يلزم عنه أن يكون لعلاقة أرواحهم بأبدانهم شأن غير معروف في تلك العلاقة من سواهم وهو ما يسهل قبوله بل يتحتم لأن شأنهم في الناس أيضاً غير الشؤون المألوفة وهذه المغايرة من أهم ما امتازوا به وقام منها الدليل على رسالتهم، والدليل على صحة شهودهم وصحة ما يحدثون عنه أن أمراض القلوب تشفى بدوائهم وأن ضعف العزائم والعقول يتبدل بالقوة في أممهم التي تأخذ بمقالهم، ومن المنكر

стр. 3264

في البديهة أن يصدر الصحيح من معتل، ويستقيم النظام بمختل اهـ وقدمنا عن الغزالي كلمة في تمثيل الملك فتذكره. (ب) شاع وصف الجن بالأرواح في المأثور وفي كلام الحكماء قال ابن الأثير في حديث: إني أعالج من هذه الأرواح: الأرواح ههنا كناية عن الجن سموا أرواحاً كونهم لا يرون فهم بمنزلة الرواح: إلا أنه غلب لفظ روح مفرداً في التنزيل الحكيم على الملك قال في الخلاصة: أن كلمة روح التي وصف بها الملائكة تتضمن معنى يدل على ماهيتهم وهوانهم مجردون عن كثافة الأجسام فليسوا مثلنا (قال) لأن أصل معنى الروح في العبراني واليوناني كما في العربي ريح أي هراء متحرك وكأن لغة البشر تقصر عن التعبير بكمال الكنه والحقيقة فاكتفى بتوضيح بلفظ يوضح الحقيقة وإن لم يجهلها تمام الجهلاء اهـ وقال ابن الأثير في حديث (الملائكة الروحانيون) يروى بضم الراء وفتحها كأنه نسبة إلى الرُّوح والرَّوح وهو نسيم الريح والألف والنون من زيادات النسب ويريد بهم أنهم أجسا لطيفة لا يدركها البصر اهـ. وفي كليات أبي البقاء: الروح بالضم هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه واسم الروح الخ وفي التاج عن الفراء قال: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النفس الذي يتنفسه الإنسان وهو جار في جميع الجسد فإذا خرج لم يتنفس بعض خروجه: وفي نقد المحصل للطوسي: الفلاسفة يفرقون بين النفوس والأرواح فإن النفوس عندهم جواهر بسيطة مجردة متعلقة الأبدان، والأرواح أجسام مركبة من الأبخرة والأدخنة المرتفعة من الدم المحتبس في العروق: وروى ابن جرير عن قتادة في تفسير آية ويسئلونك عن الروح قال الروح هو جبريل قال قتادة: وكان ابن العباس يكتمه ثم اسند إلى ابن العباس أن الروح ملك وكذا عن علي ﵁ أنه قال: هو ملك من الملائكة: (ج) جاء في معجم لاروس: أن سقراط كان يزعم أن له شيطاناً خاصاً يوحي إليه مقاصده وجميع مبادئ فلسفته وحكمته. فادعى بعضهم أن ذلك كان روحاً أو عاملاً فوق قوة البشر وأطلق آخرون هذا الاسم على معنى أدبي لطيف وحاسة طبيعية رائقة سريعة الإدراك أنمتها تجارب طويلة وهم على ما يرون أن شيطان سقراط لم يكن إلا إلهامات باطنة تعرض لعقله وقلبه مؤقتة عند تصور أعلى مطالب الفلسفة فمعنى استشارة سقراط لشيطانه

стр. 3265

الخاص هو أن يستشير إلهامه الداخلي وعقله وحكمه التي لا يراها نفحة ونعمة بل هي منبعثة عن الألوهية وجزء منها. ورأى آخرون أن هذا الزعم كان من سقراط حيلة يريد أن يتوصل بها إلى تحقيق إصلاح سياسي كبير. والظاهر أن سقراط اقتنع بصحة ما وقع في نفسه فلم يخامره ولا تلامذته أدنى شك في مدعاه وكان ذلك من آكد الأسباب في الحكم عليه بالموت. وجاء فيه أيضاً في مادة جني: أن الجن في الأساطير الرومانية إشارة إلى الشيطان عند اليونان وهي عبارة عن الروح أو المبدأ الحيوي فكانوا يذهبون إلى أن كل عمل يعمله الإنسان يمليه عليه شيطانه الخاص. فالظاهر أنه كان من تأثيرات الزندقة الطبيعية أن توهم عامة اللاتين بأن للمرء شيطانين وذلك ليحلوا كما يشاؤون مسألة الخير والشر فشيطان الخير يوحي الأفكار الصالحة النافعة وشيطان الشر يلهم الأعمال الشريرة والحوادث المكدرة وهكذا رأى أن القائد بروتوس وكاسيوس عندما كتبت الهزيمة على أعلامهما شيطانهما الشريرين. وكان القوم في رومية يعبدون الشياطين الخاصة والشياطين المحلية فإذا ولد لهم ولد يقومون باحتفال إكراماً لشيطانه وكثيراً ما تقدم فاكهة وثمار لشياطين المكان وعلى عده الإمبراطورية كان شيطان الإمبراطور يعبد عبادةً خاصة إكراماً واحتراماً اهـ. (د) جاء في دائرة المعارف البريطانية ما تعريبه: إن كلمة الشيطان هي اسم وضع في الإنجيل والمذهب النصراني على شرير كبير يظن أنه يرأس مملكة من الأرواح الخبيثة وهو الملك فيها وأنه عدو الله دائماً واللفظة العبرية وهي الشيطان الدالة على معنى المعاكسة أيضاً تستعمل لهذا الشرير الكبير أو ملك مملكة الشر ومما لا شك فيه أن روحاً خبيثة كهذه كثيراً ما استعملت في العهد الجديد وقد سمي بأسماء متعددة غير ما ذكر مثل كلمة الممتحن، بعل زبوب، ملك الشياطين، القوى، الشرير الخاطئ، العدو الألد، وهذه السماء استعملت مترادفة في الإنجيل وحيثما استعملت تدل على نفس القوة المتحركة الشريرة الخارجة عن الإنسان والمؤثرة فيه أو التي لها سلطة عليه ومن المسائل ما هو مبلغ اعتقاد المسيح نفسه في وجود مثل هذه القوة الخبيثة إلا أنه مما لا شك فيه أن قوة كهذه كان معترفاً فيها في معتقدات اليهود في أيامه ومن المحقق أيضاً أن

стр. 3266

هذا الاعتقاد بين اليهود لم ينم دفعة واحدة بل نشأ على مهل ويتأثره المطالع في العهد القديم بوضوح كما نجده واضحاً في العهد الجديد وفي الحقيقة أن كلمة الشيطان لا توجد في التوراة إلا في خمس مواضع وفي آثار الأنبياء العبريين الأولى لا يوجد اعتراف بروح شريرة تقاوم إرادة الله والصورة التي صورت بها هذه الروح الشريرة في آثار متأخريهم تختلف كثيراً عن الصورة التي صورها متأخرو علماء اللاهوت. إذاً ما هو أصل الاعتقاد بالشيطان من حيث أنه روح خبيثة مطرودة فالجواب الذي يذكره المنقحون من المعاصرين أن هذا الاعتقاد نشأ من اختلاط اليهود بالفرس لما كانوا منفيين في بلاد فارس فالاعتقاد الفارسي يقسم الدنيا بين إلهين موجودين مختلفين الواحد خير والآخر شر إلا أن كليهما له حصة في الخلق والإنسان. فأهر مزده كان مقدساً صادقاً تجب له العبادة والاحترام وأما أهر من روح الظلام ذو العقل الشرير فلم يكن اقل قدرة وكان يدعي الحق بمساواة أهل مزده من حيث إطاعة الإنسان له وفي القرون الوسطى كان الاعتقاد بالشيطان عظيماً فالقديسون كانوا يحبسون أنفسهم وغيرهم بخصام دائم معه ومن الصعب علينا الآن أن نتصور مقدار التأثير لهذا الاعتقاد في معيشة الناس حينئذ فإنه كان الفكر الثابت في رأس كل إنسان خصوصاً من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر وهي مدة يمكننا أن نعد هذه الخرافة بلغت فيها منتهاها ومن المحقق أن هذه العقيدة لم تنقص إلا قليلاً في القرن الخامس عشر بل حتى في القرن السادس عشر أو السابع عشر، ولوثيروس كان يشعر دائماً بتماس الروح الشريرة ومعاكستها ففي مكتبته وفي فراشه وحجرته كان الشيطان يتداخل في أشغاله أو راحته ولما كان يباشر درسه سمع صوتاً عرفه حالاً أنه صادر من عدوه الشيطان قال فلما وجدت أنه يريد أن يعود مرة ثانية إلى عمله جمعت كتبي وذهبت إلى فراشي وسمعته مرة ثانية في الليل ماشياً في الرواق لكنني لما كنت أعلم أنه الشيطان لم أهتم به بل غرقت في نومي وكذلك يقول لوثيروس ولما أفقت في هذا الصباح باكراً جاءني الشرير وابتدأ يجادلني فقال لي أنت مذنب عظيم فأجبته ألا يمكنك أن تأتيني بنبأ جديد يا شيطان. ولما تقدم المعقول في القرن الثامن عشر تناقص هذا الاعتقاد بانتشار التأثرات الشيطانية والشعور بما فوق الطبيعة تضاءل من جميع جهاته ولاسيما الاعتقاد القديم بسلطة الشيطان المطلقة على مصير الإنسان ومع أن الشعور الديني ازداد كثيراً منذ

стр. 3267

ذلك الحين فلا يمكن أن يقال بأن الاعتقاد القديم بالشيطان وأعماله تجدد ومن الممكن أن يكون اعتقاد النصرانية اليوم أن هنالك قوة شريرة في العالم تعاكس إرادة الله ولكن هل هذه القوة هي شخص وما هي علاقة هذه المملكة الشيطانية بمصير الإنسان؟ كل ذلك مسائل لم تقرر بعد أو مشكوك بها في أي مذهب من مذاهب الكنيسة. ووظيفتنا أن نلاحظ هذا التغير في اعتقاد النصارى من غير أن نبين منافعه أو غير ذلك ومن المحقق أن الاعتقاد بالشيطان لا يشغل مكاناً عظيماً في تصورات النصارى اليوم كما كان من ذي قبل وأنه ليس لسلطته الآن الذي كان له في الإنسان واختباره اهـ كلام دائرة المعارف البريطانية ولم نورده مع كلام المعجم قبلها إلا ليتم للواقف على هذه المسألة الاطلاع على آراء بقية المفكرين من الملل الأخرى فيها. (هـ) تزعم الفرس أنه الجن يسكنون في بلاد تسمى جنستان ويسميها شعرائهم أرض العفاريت والجنيات ويقولون أنها واقعة في الطرف الغربي من أفريقية ومنهم من يقول أن مقرهم في جزيرة الحيات في بحر الهند ويصورونهم بهيئات مخيفة بقرون طويلة وأذناب وعيون مشقوقة طولاً وشعر واقف كذا في دائرة المعارف. (و) قال وليّ الدين: يدعي بعض شيوخ الضلالة ورسل البهتان أن لهم تعازيم يستحضرون بها الجن ويجعلونهم تحت تصرفهم ولا يزال لهذا الأضاليل أثر يذكر يتناقله الناس ويعتقدون بصحته اهـ. (ز) قال الرازي في مقدمة تفسيره في بحث الاستعاذة: هؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثراً من هذا الجن قال الرازي وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء قال وسمعت واحداً ممن تاب عن تلك الصنعة قال: إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم أني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثراً ولا خبراً اهـ. (ح) ذكر بعض المحققين أن إبليس علم جنس للشيطان معرب ذياقوليس باليونانية ومعناه موقع الخلاف أو مطغي أو مبعد الإنسان عن سبيله، ويتضمن اسمه معنى آخر في كتب الوحي وهو رئيس الأرواح الشريرة قال وكان شعراء الفرس الذين ينظمون في الخرافات يصفونه بلون أسود وعينين تقذفان ناراً ورائحة كبريتية وقرون وذنب وأظافر معوجة

стр. 3268

وحافرين مشقوقين اهـ. (ط) لفظ شيطان عبراني بمعنى مخاصم أو مضاد ثم أطلق على روح شريرة غير مرئية تدعو إلى المعاصي والآثام كذا في المرشد قال الراغب عن أبي عبيدة: الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات قال وقد يسمى كل خلق ذميم للإنسان شيطاناً لهـ ونقله السيد الزبيدي عنه في تاج العروس شرح القاموس. (ي) قال بعض الأفاضل: من الاعتقادات الشائعة أن الجن تسكن بعض الأماكن ولاسيما الخرابات والقبور والعيون والآبار والبيوت المهجورة حتى العامرة أيضاً فيحتاج أهلها إلى الخروج منها وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا سكنى دار ذبحوا للجن ذبيحة حتى لا تضرهم وهذا الاعتقاد المتقادم العهد لم يزل باقياً إلى الآن في أماكن كثيرة وربما روى بعض العامة مرائي وأساطير من هذا القبيل، وما ذلك إلا أوهام وتصورات تنتج من المتخيلة المنطبعة فيها من جري أكثر الأخبار، آثار لا تمحى إلا بكرور الأيام، وانتشار ألوية العلم في كل القطار بحيث تتمزق حجب الأوهام، وتأخذ الحقائق مكانها في أفكار الأنام، سهل الله سلوك سبيل العلم والعرفان إنه الكريم العلام. جمال الدين القاسمي

стр. 3269

الاتكال الشرقي نصيحة غربي قليل في القارئين من لم يسمعوا باسم المستر روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحدة السابق الذي خدم بلاده أجل خدمة فعد العالم الاجتماعي الاقتصادي والقائد العظيم والسياسي الإنساني وأعظم ملوك عصره ورؤساء الجمهوريات بلا منازع. أصل هذا الرجل هولاندي نزل أجداده الولايات لمتحدة منذ مائتي سنة وتخرج هو في كلية هارفرد الجامعة وكان قبيل الحرب الأميركية الإسبانية مساعد أمين سر وزارة البحرية فلما نشبت الحرب استقال وتطوع في الجيش حتى إذا عاد ظافراً عينته الحكومة والياً على نيويورك ثم معاوناً للرئيس ماكنلي فلما قتل هذا انتخبته هذا رئيساً عليها على الرغم مما كان يكيد له بعض منافسيه في السياسة ثم أعيد انتخابه بعد أربع سنين وهي المدة النظامية لكل رئيس جمهورية. ضرب روزفلت على أيدي رجال الاحتكار في الغرب وطأطأت لأقواله رؤوس ملوك الفولاذ والبترول وغيرهم من الأميركان ونصر المستضعفين والفقراء وهاله اجتماع الثروة في أيدي أفراد وحرمان سائر الأمة منها فقام يضرب على المحتكرين الرسوم الفاحشة ويداوي الأجسام والجيوب بأفعاله كما يداوي الأرواح والعقول بأقواله وله عدة تآليف اجتماعية سياسية ومقالات كثيرة في المجلات والجرائد وهو الذي ألف بين جمهوريات الجنوب وجمهوريات الشمال وجعل لبلاده مقاماً سامياً في السياسة الخارجية وحل المعضلة التي كانت استحكمت بين روسيا واليابان فاستحق على عمله جائزة السلام لنوبل وعينه مجمع العلوم السياسية والأخلاقية في باريز عضواً مراسلاً له دلالة على اعتبار أوربا لأعماله. ولما لم يرض المستر روزفلت أن يعاد انتخابه لرئاسة الجمهورية للمرة الثالثة عملاً بالتقليد المأثور عن الرئيس واشنطون وجفرسون رأى أن يهجر البلاد مدة ليخلو الجو للرئيس تافت الجديد فرحل إلى أفريقية الشرقية ليكمل نفسه في العلم والتجارب ويفيد أمته من رحلته حتى إذا عاد إلى نيويورك يوسد إليه تحرير مجلة الأوتلوك الأسبوعية وهكذا يرجع الرئيس من زعامة خمسة وثمانين مليوناً من البشر الراقي إلى رئاسة تحرير مجلة. وناهيك بمنتصب العلم من منصب.

стр. 3270

خطب المستر روزفلت في الخرطوم قاعدة السودان جماعة من طلبة المصريين والسوريين في دار أحد مراسلي الأميركان في شهر ربيع الأول ١٣٢٨_١٩١٠ وانتقد ما يرمي إليه كثير من الشبان في أوربا وأميركا وأفريقية من الرغبة في التولف وخدمة الحكومة فأرادهم على ترك الاتكال والعمل في أعمال المعاش على طريق الاستقلال قال: فمتى قلت لكم أنه يجب عليكم أن تؤيدوا الحكومة لا أريد أن يخطر لكم أنني أريد من قولي هذا أنكم مضطرون إلى السعي وراء أحرز الوظائف فيها (ضحك) بل إن الأمر على عكس ذلك. وأرجو يا حضرة الدكتور جفن (رئيس الإرسالية الأميركية في السودان) أن الأعمال التي قمتم بها هنا والتي تقوم بها سائر المعاهد العلمية التي لكم صلة بها سترمي إلى تلك الغاية. فتذكرون دائماً أن أعظم الناس خدمة ونفعاً للحكومة هو الرجل الذي يأبى على كل حال أن يشغل وظائفها. أما أنا فلا أريد أن أرى كلية من كليات الإرسالية موجهة سعيها الأول وجاعلة غايتها الرئيسة من التعلم مجرد تخريج طلبة لإحراز الوظائف في مناصب الحكومة. بل أريد أن أرى المتخرج مستعداً للعمل باستقلال وبدون أقل اهتمام بأية مساعدة ينالها من راتب يتقاضاه من الحكومة. فإن أفضل الوطنيين شأناً هو من برع في الهندسة والصناعة والزراعة ومن سوء الحظ أن يقع في الأذهان سواء في أميركا وأوربا وأفريقية أن الرجل المتعلم يجب أن يجعل غايته الوحيدة اتخاذ وظيفة في خدمة الحكومة. إنني أرجو أن يتخرج من هذا المعهد العلمي وأمثاله عدد من أفضل الموظفين لخدمة الحكومة في أعمالها العسكرية والملكية ولكن إذا وافقت الأحوال فإن موظفي الحكومة بين ملكيين وعسكريين يكونون دائماً العدد الأقل من المتخرجين. لأن الغاية العظمى التي يجب أن ترمي إليها المعاهد العلمية هي تخريج رجال يستطيعون العمل بدون مساعدة ويستطيعون أيضاً مساعدة أنفسهم وغيرهم وهم على استقلال تام بدون أن تكون لهم أقل علاقة بالحكومة. وهذه مسألة أهتم بها كثيراً هنا اهتمامي بها في أميركا بالذات. . . . وفي الختام أقول لا تقعوا في الخطأ الذي يقع فيه الشبان منكم فتظنوا أن علمكم قد انتهى بخروجكم من المدرسة أو الكلية. بل اعلموا أنكم إنما أنجزتم نصف العلم فأنا الآن في الخمسين من عمري ولو أني توقفت عن تحسين حالي وزيادة معارفي لشعرت أن قد أوشك

стр. 3271

أن ينتهي نفعي للجمهور. فعلى كل واحد منكم تخرج من مدرسته أن لا يقول الآن قد انتهى تعلمي فيف وسعي أن أكسل بل أريد أن تقولوا قد سهلوا لي وضع أساس قوي للتعليم الناضج وفيما أنا أقوم بأعمالي سأواصل تمرين نفسي وتعليمها فبدلاً من أن تمر بي الأعوام وأنا واقف في مكاني أراني أتقدم وأصير أكثر كفاءة للعمل وأوفر مقدرة على إنجاز الأعمال الحسنة. هذا ما قاله في هذه الخطبة وهو كما نراه يدعو إلى الاستقلال في التربية وقال في خطبة له في القاهرة ألقاها في الجامعة المصرية ابتدأها بالأسف لأنه ليس من أهل العلم ليتكلم بالعربية ولو كان منهم لما تكلم إلا بها: اجتنبوا الباطل والادعاء الفارغ كما تجتنبون التعصب الديني والجنسي والسياسي. إن في كليات أوربا وكليات بلادنا أموراً كثيرة تستفيدون منها ولكن فيها أموراً كثيرة يجب اجتنابها. فاقتبسوا عنها ما كان حسناً ولكن انتقدوه قبل اقتباسه حتى تثقوا بأنكم إنما تقتبسون ما هو الفضل والأصلح لكم. وأهم اجتناب من التقصيرات التعليمية اجتناب التقصيرات الأدبية. فإنكم ترسلون الطلبة إلى أوربا لكي يدرسوا فيها ويستعدوا لأتن يصيروا أساتذة. وهذا الاستعداد لازم إذ من الأمور الجوهرية أن تكون الجامعة مطلعة على أحسن ما يجري في معاهد أوربا وأمريكا العلمية ولكن ليعتن الشبان الذين يرسلون باقتباس كل ما هو حسن وجميل وواجب لأرقى أنواع التقدم الحديث وليجتنبوا كل ما كان غير ضروري في تمدن هذا العصر ولاسيما رذائل الأمم المتمدنة الحديثة ولتكن أذهانهم مفتوحة إذ من الخطأ العظيم إن تأبوا اقتباس ما رقي به الغرب في مرقاة القوة والعدول والعيشة الطاهرة وأن تقضوا به حاجاتكم ولكن من الخطأ العظيم أيضاً أن تقتبسوا ما كان رخيصاً أو مبتذلاً أو رديئاً. ليعلم الذين يرسلون إلى أوربا أن فيها أشياء كثيرة يجب أن يتعلموها وأخرى يجب أن يجتنبوها ويرفضوها فليأخذوا الحسن ولينبذوا القبيح. واعلموا أيها الخلان أنه إن كان عندي شيء أقوله لكم فذلك الشيء هو أن الأخلاق أهم من العقول بكثير وأنه يجب على كل جامعة عظيمة بالفعل أن تسعى في تربية الصفات التي تكون منها الأخلاق أكثر من تربية الصفات التي تقوم بها العقول المثقفة. نعم إنه ما من

стр. 3272

رجل يبلغ الطبقة العليا بين الرجال إذا لم يكن ذكياً عاقلاً بنفسه ولم يكن مثقفاً بعقل وذكاءٍ إذ التثقيف لازم كالذكاء ولكن الذكاء وحده لا يجدي ما لم يسترشد بقلب مستقيم وما لم تكن وراءه قوة وشجاعة. فالآداب والحشمة والعيشة الطاهرة والشجاعة والمروءة واحترام الإنسان لنفسه كلها صفات أهم في تربية الأمم من ذكاء العقول فاجعلوا هذه الجامعة بحيث تساعد أمتكم على الارتقاء دوماً. واحذروا خصوصاً من نقص واحد في التربية الغربية فقد كثر الميل في مدارس الغرب العالية إلى تعليم الشبان حتى يكونوا رجال علم وأدب ورجال صناعات وموظفين في وظائف رسمية كأن لا تربية حقيقية إلا التربية العلمية ولذلك سررت غاية السرور بأنكم شرعتم في بناء المدارس الصناعية والزراعية في مصر إذ التربية العلمية نوع واحد من أنواع التربية المختلفة وليس من الحكمة أن يقتصر عليها وحدها سوى جزءٍ قليل من أهل كل البلاد. أما بقية الأمة فيجب أن تستبدلها بغيرها وتتمرن على أعمال أخرى. إن سمو الخديوي في أعماله الكثيرة التي تتناول جميع وجوه العيشة المصرية أظهر حكمة عالية بعد أن نظر وأدرك حاجات بلاده بما يظهره من الاهتمام بترقية زراعتها وتحسين الزرع والضرع. فهذه البلاد كسائر البلدان تحتاج إلى عدد معين من الرجال تؤهلهم تربيتهم الانقطاع إلى العلم والتعليم في المدارس أو تقلد مناصب الحكومة. ولكن ليس من مصلحة بلاد ما أن ينصرف إلى هذه الأمور سوى جزء صغير من ذوي العقول الكبيرة فيها. ويجب أيضاً ترقية الميل إلى الصنائع وتمرين الأهالي حتى يحسنوا الزراعة وينبغوا فيها كما ينبغ أمهر المحامين والموظفين وحتى يخرج منهم التجار والمهندسون وأصحاب الأعمال الأخرى التي لا غنى عنها في بلاد عظيمة متمدنة. إن وجود سياسي شعبي مستقيم بعيد النظر مفيد في كل بلاد ولكن فائدته تتوقف خصوصاً على استطاعته التعبير عن مشيئة أمته وللسياسي النصيب الأكبر في قيادتها وللتاجر والزارع والمهندس وأهل الفنون الأخرى النصيب الأوفر. كل أمة لا يكون لها من القادة والساسة والمحامون لم تدرك شأواً يستحق الذكر. فأساس الحياة الصحيحة في كل بلاد واجتماع إنما هو الرجال الذين يعملون الأعمال المختلفة من حراثة وصناعة وتجارة ولا

стр. 3273

فرق أن يشتغلوا بأيديهم أو بعقولهم. وخير للإنسان أن يشتغل برأسه ويديه معاً فهؤلاء الذين يعملون الأعمال الكبرى في حياة المجموع وما المشتغلون بالعلوم والمعارف والسياسة والقانون وموظفو الحكومة سوى مكملين لهم. على أن الأمر المهم أن يقوم العمل على الأمانة والكفاءة مهما يكن مركز العامل من أكبر كبير إلى أحقر حقير. وما أقوله هنا على ضفاف النيل هو نفسه ما قلته على ضفاف أنهر الهدسون والميسيسيبي وكولومبيا. واذكروا دائماً أنه لا الفرد ولا الشعب يتربيان التربية الجوهرية بمجرد فعل يفعلانه وإنما يتربيان بطريقة تتعاقب فيها الأفعال كطريقة النمو فإنك لا تجعل الإنسان متربياً ومتعلماً تعلماً حقيقياً بمجرد إعطائه دروساً معينة وكذلك لا تجعل أمة صالحة لأن تحكم نفسها بنفسها بمجرد إعطائها دستوراً على الورق. بل تربية الفرد وتعليمه حتى يصير صالحاً للعمل في العالم تستغرقان أعواماً طويلةً وهكذا تربية الأمة وإعدادها حتى تنجح في قضاء واجبات الحكومة الذاتية لا يتمان في عشر سنوات أو عشرين بل يلزم لهما أجيال متعاقبة. وخطب أيضاً تلميذات كليات البنات الأميركية في القاهرة فقال: لا تقوم أمة في العالم أبداً إذا لم تكن فيها المرأة قادرة على القيام بعملها بجدارة وأهلية مثل الرجل وأنه من العدل أن تفهم وهي في حداثة السن في مدرستها وتعلم كيف تؤدي أعمالها وأشغالها. إني أفتخر بكل مدرسة لا تقتصر على تلقين العلوم بل تعلم العمل ولا أشك في أن تلميذات هذه المدرسة متى صرن صاحبات بيوت يبرهن على اقتدارهن على أن يقمن فغي بيوتهن كما تقوم نساء الإرسالية في بيوت رجالهن. يسرني جداً في هذه المدرسة أنها تعمل على قاعدة التسامح الديني. يسرني جداً أن ما علمته من أن ثلث تلميذات هذه المدرسة مسلمات والثلثين مسيحيات وإسرائيليات ومن طوائف أخرى. أود الآن أن أتكلم عن المدارس عامة لما جئت إلى مصر من زمن بعيد لم تكن الحالة كما هي الآن إنني لا أقدر أن أصفها تماماً ولكن أتذكر منها ما يجعلني مع المقابلة أرى الآن النجاح والتقدم العظيم. إنني شاهدت الآن بيوتاً وترتيباً ومعيشة لم أشاهدها حينئذ. رأيت

стр. 3274

في بيوت عديدة ما دلني على أن الزوجات والأمهات اللواتي فيها قد كن تلميذات في هذه المدرسة أو أنهن عاشرن معلماتها والمتعلمات فيها. إنني في كلامي عن المدارس لا أخصص جنساً منها بل أمتدح كل المدارس على اختلاف نزعاتها وصفاتها والقائمين بالعمل فيها ولا أقول أنه توجد مناظرة بين هذه المدارس أو أنني أكره المناظرة في هذا السبيل بل أقول أنني أرجو الخير لجميعها إذا كانت تعمل وهي ولا شك تعمل لخير المصريين. هذا ما قالع العلامة المشار إليه وهو كما تراه يرمي إلى الاستقلال وينفر الناس عن الاتكال إذ قد عز عليه أن يرى شبان الشرق يقلدون بعض شبان الغرب في مكاسبهم ومعايشهم فيصبحون عالة على الحكومات يرزقون من خزائنها مختارين في عملهم الراحة على السعي والكسل على المضاء والتضييق على الانطلاق والاتكال على الاستقلال فتخرب البلاد بإهمال أبنائها لها ويفتحون بأيديهم أبواب بيوتهم للدخلاء والغرباء وتترك خيرات الأرض لمن يقوم على تعهدها واستثمارها واستنباتها. ومن طبيعة المرء أن يحب العيش المضمون المريح وليس أحسن من الوظائف في هذا الباب تضمن معاش الإنسان في حياته وبعد مماته فيتدرج في سلسلة المراتب ولاسيما إذا كان على شيء من المعرفة المكتسبة والجربذة والدهاء ومعرفة المدخل والمخرج في نيل رضى رؤسائه بحيث يكون كالآلة في أيدي محركها ولا يطلب من الآلة إلا تنظيم سيرها فإن نطقت هي وسألت عن السبب كان للموظف ولاسيما إذا كان صغيراً أن يسأل عنه. يكفي في مضار التوظيف في الحكومات أنها تسلب الإرادة ومكن سلبت إراداته فنيت نفسه ومن فنيت نفسه كان كالميت لا يتحرك إلا إذا حرك. وأن أمة يرضى أرباب نوابغ الذكاء فيها لأنفسهم أن يكون بلا إرادة ولا شخصية ولا استقلال جديرة بالضعة والمقت والفقر والخمول وإذا حاز النبهاء هذه الصفات السيئة فأولى أن يكون حظ الخاملين أتعس. ولا رجاء لعامة ضعف خاصتها عن تعهد أمرها. ومن أكبر الدواعي في ترجع عمران البلاد العثمانية والمصرية أنه وقر في النفوس مع الزمن أن من لم يخدم الحكومة لا يعد من الأشراف ولا من أرباب المكانة والرأي والوجاهة. وإن كل مروءة وحكمة وعقل وعلم ورفعة وقف على الموظفين ومن لم يحتك

стр. 3275

بالحكومة كان وضيعاً مهما رفعه مقامه وشرف آبائه وأجداده وجده ومضاؤه وحنكته ودربته ومعرفته وثروته. هذا الخلق من طبيعة الحكم الاستبدادي وكم رأينا بيوتاً خربت لأن أربابها عز عليهم ألا يجاوروا بيوتاً أخرى كانت منافسة لهم في التسابق إلى دواوين الحكومة فغفلوا عن تجارتهم وزراعتهم المعقولة المشروعة وتعلقوا بالتافهات من خدمة أرباب الحكم فما استفادوا بقديمهم ولا أحسنوا يلقف حديثهم. وأكثر ما يكون هذا الخلق ظهوراً الآن في سكان العواصم مثل الآستانة والقاهرة ودمشق وحلب فترى كثيرين من أهلها كالحلمة الطفيلية ينتظرون نقل أحدهم أو استقالته أو موته حتى يخلفوه في مكانه. إن أقوال المستر روزفلت حرية بأن يجعلها أهل هذه البلاد رائداً بين أيدي أعمالهم ومهمازاً لهم في أقولهم وأفعالهم. إن انصراف وجوه الناس كلهم نحو التوظف قد عطل في بلادنا القوى المعنوية والمادية وغادر القوم كإعجاز نخل خاوية تركوا موارد الثروة الحقيقية وراحوا زرافات يطرقون أبواب الحكومة وما هي بمغنية رعاياها كلهم وهم هم مادة حياتها وبغناها تغنى وبشقائهم تشقى. لا يتعلم المتعلم منا من أهل الطبقة العالية والمتوسطة والدنيا إلا ليكون ضابطاً أو قائمقاماً أو موظفاً في الأقلام أو من رجال القضاء وقليل جداً من يريدون أن يتعلموا ليستعدوا لإنجاح تجارتهم وزراعتهم وصناعتهم ولاسيما من أهل الإسلام الذين حصروا آمالهم في الحكومة في كل دور من أدوارهم ولذلك قلما رأينا ابن تاجر منا علمه أبوه على الأسلوب الجديد حتى يكون كتجار الإفرنج بتعليمه وتجاربه ويعود عليه القرش قرشين بدل أن يعود قرشه ببارة. طف مخازن القاهرة والآستانة وأزمير وسلانيك والإسكندرية وبيروت واسأل عن تراجم أربابها وأجناسها فهل ترى فيهم إلا إفرنجاً وغير مسلمين من أهل البلاد. وإذا وقع لك أن صادفت تاجراً مسلماً فيكون في الأكثر غريباً عن تلك المدينة أو أنه أحوج إلى التعلم في عمله من أصغر تاجر من أولئك التجار أرباب الأموال الطائلة والمعارف الواسعة. تجول في القرى وافحص المزارع هل تجد لمسلم وطني مزرعة نجحت بسعيه كما نجحت

стр. 3276

مستعمرات الألمان في فلسطين والفرنسويين في البقاع ومستعمرات الطليان والرو والأرمن في مصر وإذا رأيت مسلماً أخصبت تربته على سبيل الاتفاق فابحث عن السبب تراه اهتدى إلى استخدام أناس ممن تربوا على غير طريقته وعرفوا في الأمور الدنيوية من أين تؤكل الكتف. وابحث عن صناعات البلاد هل تراها كل يوم إلا ترجع القهقرى لأن أربابها جمدوا على ما تعلموه من آبائهم ولم تحدثهم أنفسهم في تقليد الراقين من صناع الأيدي ولأنك لا تجد في الألف منهم واحداً يعرف ما يقتضي لنجاحه من الأسباب وأي الطرق سلكها الغربيون حتى بزوا بمصنوعاتهم مصنوعاتنا ويوشكوا أن يقضوا عليها قضاءً أبدياً. كل هذا نتيجة الكسل والاعتماد على الحكومة في الرزق والبلاد لا ترتقي إلا بالمسلمين في المملكة العثمانية لأنهم الجمهور الأعظم من السكان ومنهم جلُّ رجال القضاء والإدارة وأرباب الأملاك والأراضي ولا سبيل إلى ارتقائها إلا إذا ارتقوا هم أنفسهم إن لم يكن أكثر من مواطنيهم فلا أقل من أن يكونوا على مستواهم. ونظن هذا التصريح جارحاً ولكن هي الحقيقة لا تدليس فيها ولا دهان. إن كل ما كان الموظفون يجمعونه من دماء الأمة لم يثمر لهم الثمرة الجنية لأنه مال حرام أتاهم من غير طرقه المشروعة من كد واقتصاد فلم نر ثروة تسلسلت في أعقاب الموظفين إلى جيلين إلا نادراً وكثيراً ما كان يفتقر الموظفون في حياتهم لولا رواتب التقاعد رأيت أعظم الموظفين في السنة التي يضطرون فيها إلى ترك وظائفهم الفارغة أيديهم من مال يعتاشون به ولو كانت مشاهراتهم تعد بعشرات الليرات. هذا من حيث المال أما عن سلب حرية الموظفين فحدث ما شئت أن تحدث ولولا أن العادة تسهل الأشياء لقضي على أكثر الموظفين في سن الكهولة لكثرة ما يلقون من عنت رؤسائهم وتضييق وجداناتهم وكم من ذكاء ذهب سدى لأن صاحبه لم يستعمله بل حصره في دائرة ضيقة من عمل أصبح له شيئاً معروفاً في بضعة أشهر وقضى عمره وهو يبيض ويسود أو يحاسب في موضوع لا يكاد يتعداه. إن التوظف عمل من أعمال الناس لا يصح أن يترك وإلا فمن يدير شؤون البلاد ولكن لا يجب التهالك عليه كما نراه يتزايد اليوم بعد اليوم فالأم التي كانت تفرح ابنها فيما غبر

стр. 3277

وتقول له إن شاء الله أراك باشا ينبغي لها أن تربيه مع أبيه على أن يكون بعد اليوم ممتازاً في حرفة من الحرف أو صناعة من الصناعات فقد جربت الأمة ورأت من إفلاسها ما لا ينكره عاقل لأنه لم يتعلم منها أحد إلا ليكون من المستخدمين. كأن خيرات الأرض والسماء لا تغدق إلا على من ينصب نفسه وجسمه للجري على إرادة غيره لينال بزعمه رزقاً هنياً ليناً. إنا والله مع احترامنا لكل موظف أمين يخدم الأمة بصدق ويقبض راتبه بعرق جبينه لنفضل عليه من يتجر السماد لتعمر به الأرض ومن يخرج الحجارة من المقالع ويعتمد على خالقه وعمله في معاشه على فرد ينسى كل شيءٍ ويتجرد عن كل شيءٍ ليقال عنه أنه موظف. نزل مصر بعض المتعلمين من السوريين منذ عهد الخديوي إسمعيل وقبله وأخذوا بما فيهم من النشاط والقوة والمعرفة يتولون الوظائف وينافسون فيها المصريين في بلدهم فبقيت أرزاقهم محدودة ولم يخرجوا عن كونهم مستخدمين يصرفون في آخر شهرهم كل ما قبضوه في أوله. ولما صعبت الحكومة المصرية وصول غير المصري إلى تولي الوظائف بالقانون الذي سنته على عهد الوزارة الرياضية حول السوريون وجلهم مسيحيون وجهتهم إلى التجارة والزراعة فمإذا كان من إثر ذلك عليهم؟ كان منه أن أصبحوا يتكلمون على عملهم وكدهم ويبتاعون الأطيان البائرة في القطر المصري فيعمرونها بنشاط ومعرفة ويتجرون بمصنوعات البلاد ومصنوعات أوربا ويتوفرون على تنمية أموالهم بطرق اقتصادية حتى لم يمض عقد أو عقدان من السنين إلا وقد أصبح أبناء سورية النازلون في مصر أغنياء بعد الحاجة موسعاً عليهم غب الضيق يملكون القصور الباذخة ويتمتعون بالعيش الخضال حتى قدر أحد العارفين ثروة السوريين في مصر بخمسين مليون جنيه أي بعشر مجموع ثروة مصر. ولو ظلوا راضين كلهم بالدون من المعاش لما جمعوا واحداً في المئة من هذه الثروة الطائلة ولا يكون ما يجمعونه إلا من التقتير والشح وكذلك فعل المسيحيون في البلاد العثمانية لما قطعوا آمالهم من الحكومة فباتت أعمال المعاش المهمة كما تقدم بأيديهم ودرت عليهم أخلاف السعادة ولو قلدهم سائر العثمانيين في هذه الخطة الشريفة لخلصنا من الإشكال الذي لم تبلغه أمة من

стр. 3278

الأمم في سالف القرون والأجيال. قال الجاحظ في رسالته مدح التجار وذم عمل السلطان: وهذا الكلام لا ينجم من حشوة أباع السلطان فأما عليتهم ومصاصهم وذو البصائر والتمييز منهم ومن فيقة الفطنة وأرهقه التأديب وأرهبه طول التفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب فعرف العواقب وأحكم التفضيل وينطق (؟) غوامض التحصيل فإنهم يعترفون بفضيلة التجار ويتمنون حالهم ويحكمون لهم بسلامة الدين وطيب الطعمة ويعلمون أنهم أورع الناس أبداً وأهنأهم عيشاً وآمنهم سرباً لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم يرغب إليهم أهل الحاجات وينزع إليهم متلمسو البياعات لا تلحقهم الذلة في مكاسبهم ولا تستعبدهم الضرع لمعاملاتهم وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه وقاربه بخدمته فإن أولئك لباسهم الذلة وشعارهم الملق وقلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة قد لبسها الرعب وألفها الذل وصحبها ترقب الاحتياج فهم مع هذا في تكدير وتنغيص خوفاً من سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب وتغيير الدول واعتراض حلول المحن فإن هي حلت بهم وكثيراً ما تحل فناهيك بهم محرومين يرق لهم الأعداء فضلاً عن الأولياء فكيف لا يميز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله وبين ما قد نال الوفاء عنه والدعة وسلم من البوائق مع كثيرة الإثراء وقضاء اللذات من غير منة لأحد ولا منة يعتد بها وكم بين من هو نعم المفضلين خلي وبين من قد استرقه المعروف واستعبده الطمع ولزمه ثقل الصنيعة وطوق عنقه الامتنان واسترهن بتحمل الشكر الخ.

стр. 3279

ملك الإنكليز وإمبراطور الهند إذا كان فراق هذه الدنيا تزداد صعوبته بزيادة إقبال الحظ وسعادة الطالع على المرء فالملك إدوارد السابع أولى الخلق بكراهة الموت وحب البقاء. وإن كان بلوغ الأماني وحصول الرغائب وازعاً عن التشبث بحبال الحياة ومفضياً به إلى القناعة من الدنيا والاكتفاء من لذائذها وحب الرحيل عنها فهذا العاهل الكبير أجدر الناس على الإطلاق بالملل من العمر والازدراء بأطايب الحياة. وذلك لأنه عاش عمراً مفعماً بالحوادث العظيمة ومملوءاً بكل ما اشتهته نفس وطاب به قلبه وتمتع بجميع ما تتطلبه الأميال البشرية وتهنأ به النفوس. فقد كان قبل أن ارتقى إلى العرش البريطاني في ٢٢ كانون الثاني ١٩٠١ منصرفاً إلى ما يلذه من السياحات والمذاكرات والمشاغل الخاصة غير محتمل عناء السياسة ولا متعرض إلى ما لا يعنيه من شؤونها فكان يكثر من مخالطة العلماء ومفاوضتهم في الفنون التي أولع بها ويحضر الحفلات العلمية ويسمع الخطب ويقرأ المقالات في العلوم الطبيعية والجرائد السياسية ويقف على آراء الزعماء ومطالب الأحزاب وأغراضهم ويعي ذلك في صدره لينتفع به عند الحاجة ويتلهى بالخروج إلى الصيد في أوقات الفراغ والسياحة في أوربا وقد كان مولعاً بمدينة باريس وجعلها موضع طربه ومقر صفائه وأكثر من انتيابها واللهو فيها حتى اتهمه الناس بالمجون والطيش وحسبوا انبعاثه في الملذات وقيامه على صفاء العيش وخلو الذهن من المشاكل يجعله ضعيفاً في إدارة الشؤون السياسية قاصراً عن النهوض بأعباء الملك عند انتدابه إليه. درس العلوم العالية في جامعة كامبريدج وجامعة أكسفورد ونال منهما رتبة دكتور في الشرائع ووجهت إليه درجات علمية سامية من المدارس الكبرى في بريطانيا ومستعمراتها وعين قائداً في الجيش البري وأميرالاً في البحرية الإنكليزية وانتخبه الماسون رئيساً أعظم للمحفل الإنكليزي وكان غيوراً على هذه الجمعية مؤيداً لمبادئها حافظاً لقوانينها حتى صار له في العالم الماسوني مقام جليل ومنزلة سامية. وقد زار سورية سنة ١٨٦٢ وجال في مدائنها وتفقد آثارها كما ساح في غيرها من بلاد الشرق والغرب مثل مصر والهند وكندا والولايات المتحدة وغيرها وتعرف بأكثر ملوك الدنيا قبل وصوله إلى العرش واضطلع بالسياسة الخارجية ودرس طبائع الأقاليم والشعوب وكان ينوب عن والدته الملكة فيكتوريا

стр. 3280

في أكثر الاحتفالات الدولية والجمعيات العلمية والخيرية. أقضى إليه صولجان الملك بعد وفاة والدته فطرح اللهو جانباً وانتقل من دور التأهب إلى دور العمل وقد كان عندئذ الاضطراب سائداً والارتباك مستولياً في دوائر إنكلترا السياسية بسبب الحروب الناشئة في جنوبي أفريقية مع الترانسفال وإن كان النصر قد انبلج للإنكليز وتوثفوا من استيساق الأمر في تلك الناحية فعمد إلى سياسة اللين والرفق وغير خطة العنف التي كانت تنويها حكومته مع ذلك الشعب فأباح لهم الأمن والاستقرار في منازلهم ووزع عليهم الأرزاق والحقوق حتى أخلدوا إلى السكينة والهدوء ورتبت الشؤون في بلاد الراس على أسلوب مهد لإنكلترا ثبوت القدم على نصف قارة أفريقية من جهة الجنوب وإقامة دولة إنكليزية في تلك الأقاليم تضارع دولتها في الهند. ثم فكر بوسيلة للاطمئنان من جهة هذه الدولة الضخمة وإيصالها من منابع النيل إلى مصبه وما زال يدبر ويمهد حتى وفق إلى عقد الاتفاق الودي مع فرنسا وأطلق يد إنكلترا في وادي النيل فأصبح البأس الإنكليزي مشتملاً على القسم الأعظم من قارة أفريقية من الإسكندرية إلى رأس الرجاء الصالح. وهذا الاتفاق الذي ألف به إدوارد السابع بين الإنكليز والفرنسيس هو أعظم عمل قام به في حياته وأحسن ما استفادت منه إنكلترا في القرن الماضي خصوصاً وقد كان عقده أثناء الحرب اليابانية في الشرق الأقصى عندما كان يخشى من أن تسعى فرنسا بتأليف حزب كبير في أوربا لمناصرة روسيا وإضاعة انتصارات اليابان. في أيامه شذبت اليابان قتادة الروس في الشرق الأقصى، وكفكفوا غائلهم إلى الوراء في منشوريا وبلغت السياسة الإنكليزية في ذلك أوجها الأعلى بانكسار شوكة روسيا والطمأنينة من تعاظمها وتعاليها في الشرق فأمنت الهند منها وتحققت أن هذا القلق قد خمدت خمرته وبردت ثائرته فلا يتحرك قبل اواسط القرن العشرين. وفوز الساسة الإنكليزية في الشرق أقنع أوربا قاطبة أن إنكلترا هي صاحبة الكعب الأعلى والمقام الأول وهي الخصم الذي لا ينازع والقرن الذي لا يدافع فتزلفوا إليها بالمودة وتلطفوا بخطبة مودتها والتقرب منها حتى أن روسيا التي تحملت الضربة الكبرى اغتفرت لها الذنب وتناست ما للإنكليز من تعزيز شأن اليابان ومعاضدتهم في تلك الحرب ومالت

стр. 3281

إلى مصانعتهم واسترضائهم والفضل الأكبر في هذا النفوذ كان للملك إدوارد الذي أدار دفة السياسة بيده واهتم بتدبير الأمور على هذا المنوال. ومن غرائب الاتفاق في السنوات التسع التي كان فيها هذا العاهل على العرش البريطانية لم يظهر أثنائها رجال بين ساسة الإنكليز مثل الذين ظهروا على عهد والدته بالاقتدار والحنكة والدراية فلم يكن لديه مثل غلادستون وسالسبوري وبيت وبكنسفليد وبلمترسون وغيرهم فكان الحمل عليه ثقيلاً والتبعة عظيمة وأخذ على عاتقه استنباط الأساليب واختراع المذاهب السياسية ومال إلى سياسة العلم والرفق أكثر ملوك أوربا ورؤساء حكوماتها وألف بين القلوب وأصفى الود لأعدائه وعقد معهم عقد المودة والإخلاص وصارت إنكلترا التي كانت بالتقاليد الأوربية القديمة مهتمة بالاعتزال والانفراد والكبرياء ومكروهة من الشعوب أقرب الأقوام مودة وأعلقهم بقلوب الأمم. فهو أول ملك إنكليزي زار قياصرة الروس في عاصمتهم وأول من انتزع سخائم البغض والعداوة الراسخة بين الإنكليز والفرنسيس. وقد تعاصى عليه استجلاب ابن أخته إمبراطور ألمانيا باللين والصداقة فألب عليه جيرانه وكاد يخرج إيطاليا من المحالفة الثلاثية يفرد الدولة الألمانية وحدها بين الممالك الأوربية. أما علاقة الملك إدوارد بدولتنا وسلطاننا فقد كانت في دور الاستبداد أقرب إلى العداء منها إلى الصداقة وقد صرح مراراً في مفاوضاته السياسية أنه يتمنى الخير للدولة العلية غير أنه بائس من إصلاحها ويحسبها عضواً فاسداً في العالم المتمدن لم يكن نصيراً للدولة الحميدية في نكباتها ولا أعانها في ويلاتها الكثيرة بل ربما شد في بعض مآزقها ومهد السبيل إلى ندور بعض الولايات عنها فكانت له اليد الطولى في استقلال كريت ورغب في إخراج مكدونيا من الوحدة العثمانية متبعاً بذلك سياسة غلادستون الذي كان الحزم بتقسيم الدولة العثمانية إلى ممالك صغيرة حرصاً على السلم العام. وصفاء بال العناصر من المشاكل الحميدية. ثم لما تبين الرشد من الغي وانتصر الحق على الباطل بظهور الأحرار على الأشرار وإعلان الدستور في البلاد العثمانية كان الملك إدوارد أشد الأجانب فرحاً بهذا الانقلاب وأكثرهم مظاهرة لحكومتنا الجديدة الحرة فوقف في وجه ألمانيا وعرقل دسائسها في البلقان

стр. 3282

وصرف نفوذه وقوة دولته العظيمة في استمالة الرأي العام في أوربا لجهتنا وتسكين القلاقل في الروم إيلي وحال دون أمنية الأعداء الذين حاولوا إلحاق جزيرة كريت بحكومة اليونان وقد أثر عنه كلام كثير ومواقف متعددة نشط فيه حركتنا الدستورية وتمنى لنا الخير والإقبال وتوسم فينا التقدم والفلاح وكان أول من قر بين الملوك على خلع عبد الحميد بما هنأ عليه السلطان محمد رشاد من عبادات الود والإخلاص وقد اشتدت عزائم أحرارنا بمظاهراته لهم وتصريحه بالسرور والاستبشار بما قاموا به من النجدة والحمية. هذه أهم الأعمال السياسية التي قام بها الملك إدوارد السابع مدة ملكه القصيرة وجميعها عائدة على أمته بالخير والنجاح وعلى العالم بالفضل والصلاح حتى لقبه الأوربيون بصانع السلام واعترفوا أنه رئيس السلم والداعي إلى الوئام والوفاق وحامي الحرية والعدل ينضوي تحت رايته نحو مائة مليون من المسلمين في الهند وجزائها وأفريقية والسودان والصومال وغيرها وقد كان يحب هؤلاء المسلمين من رعاياه ويعدهم أخلص الشعوب لعرشه وأعلقهم به حباً وقد اسفوا على موته وحفظوا له ذكراً حميداً. لا يجادل أحد في أن الملك إدوارد كان أرحب الملوك صدراً وأوسعهم فضلاً ومن أكثرهم علماً وأعرضهم جاهاً وأسلمهم قلباً وأصفاهم وداً. وقد اشتد حزن شعبه عليه ولم يجد سبيلاً للعزاء سوى ما يؤملونه من أن ابنه وولي عهده ينسج على منواله ويحذوا حذوه في السياسة بهذه الأيام التي يشكو فيها الإنكليز من قحط الرجال في عواصمهم. ولد ابنه الملك جورج في ٣ حزيران سنة ١٨٦٥ فهو اليوم في الخامسة والأربعين من عمره وتبوأ التخت الإنكليزي منذ أسبوع وليس له من الشهرة وسعة الاطلاع ما كان لوالده قبل بلوغ الملك فهو أقرب للعلم منه إلى العروش وأشد ولعاً بالمطالعة والدرس منه بالتمرسات السياسية وقد صرف معظم حياته الماضية بين الكتب وفي الأندية العلمية وملاحظة المعاهد الخيرية. على أن القوم لا يتوقعون منه أعمالاً عظيمةً ويحسبون أن عقله الكبير الذي أجاد في مجال العلم والتفكير لا يقصر في ميدان السياسة والتدبير. فارس الخوري.

стр. 3283

مصطلحات آلات الطرب وأغاني العرب كل من طالع كتاب الأغاني وبعض كتب الأدب القديمة التي تذكر بالغناء وأنواعه وآلات الطرب وملاهيه يقع على ألفاظ علمية اصطلاحية إذ نقر عنها في دواوينه اللغة ومعاجمها المطولة لا يرجع عنها إلا ما رجع بها حنين. ولقد حاول المستشرقون غير مرة البحث عنها في الكتب الأدبية التي ألفت في الصدور في الصدر الأول من زهو اللغة فلم يعثروا على ضالتهم كما لم يعثر عليها أدباء الشرق وعلماؤه. وقد وفق العاجز في هذه الآونة إلى وجود الضالة نبهاً في كتاب مخطوط كنت قد وصفته في المقتبس ٢٨٢٤٢_٣٨٦ وعنوان البحث في كتابنا المذكور هو: العود ومصطلحاته وها نحن أولاء ننقل إلى الأدباء قراء المقتبس الأغر ما جاء من البحث تعميماً للفائدة ونتشاً لشوكة الجهل الناشبة في أذهاننا من هذا القبيل. قال صاحب الكتاب: العود ومصطلحاته في الصفحة ٢٢١ من المخطوط وما يليها: كثيراً ما كنت أطالع في كتاب الأغاني ألفاظاً في مصطلح الغناء وما كنت أتوصل إلى فهمها حتى ظفرت أخيراً برسالة لعبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي المشهور بعلم الألحان فأخذت عنه ما يتعلق بفتح مغلق الكلام الخاص بهذا العلم فأقول: اعلم أن الألفاظ الواردة في كتاب الأغاني تتعلق كلها بالعود العربي فإذا علمت أن تركيب هذه الآلة هان عليك فهم ما أشكل عليك من مصطلحها فهذه الآلة طولها مثل عرضها مرة ونصفاً وغورها كنصف عرضها وعنقها كربع طولها في الراحة وثخن الورقة من خشب خفيف ووجهاً أصلب وتمد عليه أربعة أوتار أغلظها البم بحيث يكون غلظه مثل المثلث الذي يليه مرة وثلثاً. والمثلث إلى المثنى كذلك. والمثلث مثل الزير كذلك وقد ضبطوها بطاقات الحرير فقالوا: يجب أن يكون البم أربعاً وستين طاقةً. والمثلث ثمانية وأربعين والمثنى ستاً وثلاثين. والزير سبعة وعشرين. ويجعل رؤوسها من جهة العنق في ملاوٍ والأخرى كمشط فتتساوى أطوالها. ثم يقسم الورق أربعة أقسام طولاً ويشد على ثلاثة أرباعه مما يلي العنق وهذا دستان الخنصر. ثم ينقسم الآخر تسعة ويشد على تسعة مما يلي العنق وهذا دستان السبابة. ثم يقسم ما تحت دستان السبابة إلى المشط أتساعاً متساوية ويشد على التسع مما يلي المشط ويسمى دستان البنصر فيقع دون دستان الخنصر مما يلي دستان السبابة. ثم يقسم الوتر من

стр. 3284

دستان الخنصر مما يلي المشط ثمانية أقسام وضعف إليها جزءاً مثل أحدها مما بقي من الوتر وشده فهو دستان الوسطى ويكون وقوعه بين السبابة والبنصر. فهذه الاصطلاحات هي المصححة للنسب فإذا جذب وتر منها إلى غاية معلومة سمي الزير فيجذب المثنى على نسبة تليه في الانحطاط وهذا مع الجنس بالخنصر والضرب حتى يقع التساوي. فالزير كعنصر النار في الطبع والتأثير. والمثنى كالهواء والمثلث كالماء والبم كالتراب. فانطبق على الأخلاط والأمزجة أفراداً وتركيباً. ويقوى ما يكون على الأخلاط من سجايا وأمراض وأمكنة وأزمنة حتى قيل أن لطف النار مثل لطف الهواء مرة وثلثاً. وهكذا الهواء بالنسبة الماء والماء إلى التراب كما مر في الأوتار وأما وضعهم هذه الأوتار حتى جعلوها ثمانية فلما مر بك من أنها أول مكعب مجذور لأن الأرض كذلك فشاكلوا بذلك تسعة والقمر اثنا عشر وعطارد ثلاثة عشر والزهرة ستة عشر والشمس ثمانية عشر والمريخ أحد وعشرون ونصف والمشتري أربعة وعشرون وزحل سبعة وعشرون وأربعة أسباع والثوابت ثلاثون ولأن التثمين داخل في أشياء كثيرة تضاعف المزاج والطبائع وبالجملة قد اختلف ميل طوائف العالم إلى مراتب الأعداد كما عشقت الصوفية الواحد فطوت الأشياء فيه والمجوس الاثنين والنصارى الثلاثة وأهل الطبائع الأربعة وأهل الأوفاق الخمسة والهندسة الستة والحكماء الفلكيون السبعة فالذهن من حيث هو يستحسن النسب حتى إذا برزت إلى الخارج زادت النفس بسطاً فإن الكتابة تحسن بمناسبة حروفها استقامة وتدويراً وغلظاً ورقة واستدارة ولو بمجرد الانحناء فقد قيل أن الحروف كلها وإن اختلفت بحسب الأمم لا تخرج عن خط مستقيم ومقوس منها مركب منهما. ثم قوانين الغناء لا تخرج عن ثمانية. (ثقيل أول) ورسمه: تنَّ تنَّ تنَّ. تنَّ تنَّ تنَّ وهو مركب من تسع نقرات هي ثلاث متواليات وواحدة كالسكون فخمس مطوية الأول. (وثقيل ثان) وهذا رسمه: تنَّ تنَّ تنَّ. تنَّ تنَّ تنْ وهو مركب من إحدى عشرة وهي ثلاث متواليات فواحدة ساكنة فثقيلة فأربع مطوية الأول (وخفيف الثقيل الثاني) ويسمى:

стр. 3285

الماخوري وهذا رسمه: تنْ تنْ تنَّ تنْ تنْ تنَّ وهو مركب من ست وثلاث متواليات فسكون على ثلاث. (ورمل) ويسمى ثقيل الرمل وهذا رسمه: تنَّ تنْ تنْ. تنَّ تنْ تنْ وهو مركب من سبع وهي: ثقيلة أولى فمتواليتان فسكون وهكذا إلى الآخر (وخفيفه) وهذا رسمه: تنْ تنْ. تنْ تنْ. تنْ تنْ. تنْ تنْ وهو مركب من ثلاث نقرات متوالية متحركة (وخفيف الخفيف) ورسمه: تنْ تنْ تنْ. تنْ تنْ تنْ وهو مركب من نقرتين بينهما سكون قدر واحدة (وهزج) ورسمه: تنْ تنْ تنْ تنْ. تنْ تنْ تنْ تنْ وهو مركب من نقرة كالسكون ثم سكون قدر نقرة ثم بين كل اثنتين سكون فهذه أصول التراكيب وإنما تكرر بحسب استيفاء الأدوار. (فالمسلي) بالتشديد نسبة إلى المسلة من آلات الخياطة وتسمى هذه وما بعدها (الأجناس المركبة) وهي كثيرة ولكن تعود أصول منها على التاسع ثمانية: أحدها وهو المسلي وسمي بذلك لرقة مدخله وسلطه ويدل على اجتماع الأخلاط في الصدر والشراسيف والقلب وكمال الربو والدبيلات وامتلاء المعدة ويعرف به تحرير الخلط من باقي البسائط وهو سهل. وثانيها المائل وهو عكسه هيئة ودلالة. وثالثها الموجيُّ وهو المختلف الأجزاء تدريجاً بحيث يكون الأعظم الخنصر ويظهر اختلافه عرضاً ينشبه الأمواج ومنه اسمه وهو يدل على فرط الرطوبة والاستقاء الزقي واللحمي وذات الرئة وغلبة الأمراض البلغمية. ورابعها النمليّ سمي بذلك لدقته وضعف حركته ويقع في رابع الحارة فيدل على الموت في الخامس وبعد الموضع في وجود الحمي فيدل على الموت في الحادي عشر ويكون عن الدودي أيضاً فيرد عليه أيضاً فيرد عليه إذا انتعشت القوى بشرب ما يقوي القوى كدواءِ المسك والبادزهر وأنكر قوم انقلابه والصحيح ما قلناه وكل ما دل عليه الدودي دل عليه

стр. 3286

النمليّ لكن أشد رداءةً وضعفاً في القوى. وخامسها الدودي وهو موجيّ ضعفت حركته بإسهال إن طال. وإلا فالمجفف من داخل كأخذ نحو الأفيون وما يكثف المزاج إلى فساد الرطوبات وقد يقع في البحارين لنقص الرطوبات ويكون ابتدؤه عند الموجي كما في النبضة. وسادسها المنشاري وهو ما اختلف أجزاؤه تواتراً وسرعة وصلابته عكسها وكان قرعه للأصابع متفاوت التساوي كأسنان المنشار يدل على فرط اليبس ويختص بذات الجنب والدبيلات والأورام. وسابعها المرتعش ويدل على الرعشة ونحوه من أمراض العصب بحسب مواقع أجزائه كما مر. وثامنها المتشنج ودلالته كالمنشاري مطلقاً في غير ما اختص أي ذات الجنب به. هذا واعلم أن اللحن يسمى مطلقاً إذا لم يكن مقيداً بلفظة تدل على وصفه كالثقيل والخفيف وخفيف الخفيف. ويذكر بعد اللحن موقع الإصبع الذي يبتدأ به ليهتدي إلى قراره فيقال مثلاً ثاني ثقيل مطلق أو ثاني بالوسطى أو بالخنصر في مجرى البنصر أو خفيف رمل بالبنصر أو خفيف ثقيل أول بالبنصر إلى غير ذلك وهو المعروف عند اصحاب هذا الفن بمواقع الأصابع في الدساتين. والله الموفق. اهـ نقله بحرفه. بغداد: ساتسنا.

стр. 3287

مخطوطات ومطبوعات الذخيرة لابن بسام في مكتبة الأمة بباريز الجزء الأول من كتاب الذخيرة لابن بسام وهو بخط مغربي ناقص ورقه من أوله وآخر هذا الجزء ترجمة الوزير أبي عامر بن مسلمة وهو في ٢٦٣ ورقة من القطع الكبير حديث الخط فيما يظهر. وفيها السفر الثاني من كتاب الذخيرة منسوخ عن نسخة مكتبة أكسفورد وقدج ذكر فيها أن الخط المنقولة عنه رديء جداً ولذلك جاءت فيها أغلاط قد لا يهتدى إليها وأوله فصل في ذكر الأعيان المشاهير أرباب صناعة المنظوم والمنثور بحضرة اشبيلية ونواحيها وما يصاقبها ويدانيها من بلاد ساحل البحر والمحيط الرومي وهو الجانب الغربي من جزيرة الأندلس وإيراد ما بلغني من غرر أشعارهم ومستظرف أخبارهم مع ما يتعلق بها ويذكر بسببها. قال ابن بسام: وحضرة اشبيلية على قدم الدهر كانت قاعدة هذا الجانب الغربي من الجزيرة وقرارة الريامة (؟) ومركز الدول المتداولة ومنها شهدت البلاد وأبتت الجهاد عليها الفرسان كأنها العقبان وبهذا الأفق نزل جند حمص من المشرق وسميت حمص ولما كانت دار الأعزة والأكابر نابت فيها الخواطر وصارت مجمعاً لصوب العقول ودرب العلوم وميداني فرسان المنثور والمنظوم ولاسيما من أول المائة الخامسة من الهجرة حين فرح كل حزب بما لديه وغلب كل رأس على ما في يديه بعد الدولة الحامدية فأضحت أقطاب الجزيرة يومئذ كبني الأعيان وأهلها كما قال أخو بني عدوان: عذيري الحجي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض بكى بعضهم بعضاً ... فلم تبق على البعض فاشتمل هذا القطر الغربي لأول تلك المدة على بيتي حسب وجمهور في أدب مملكتان من لخم وتجيب حصرتا بلاده وأكثرتا رواده فأتاه العلم من كل فجِّ عميق وتبادره العلماء من بين ساق ومسبوق وكل ما نشأ من هذين البيتين أمير وأن إلى العلم أطلب وفي أهله ازغب والسلطان سوق يجلب إليه ما ينفق لديه حتى اجتمع في الجانب الغربي على ضيق أكنافه وتحيف الحذر قصه الله لأطرافه ما باهى الأقاليم العراقية وأنسى بلغاء الدولة الديلمية فقل ما رأيت فيه شايراً غير ماهر ولا شاعراً غير قاهر دعوا حر الكلام فلبى وأرادوه فما تأبى

стр. 3288

وطريقتهم في الشعر الطريقة المثلى التي هي على طريقة البحتري في السلاسة والمتانة والعذوبة والرصانة وأنا أورد في هذا القسم بعض ما انتهى إليَّ من خير كلامهم في نثرهم ونظامهم مشوباً ذلك كله بفنون ومعارف من أخبار يحسن الوقوف عليها على أن الذي بلغني من شعر قطر ثماد ونقطة من قطر ولقد فاتني كثير من الكتاب من أعيان الشعراء ممن كانوا في ذلك التاريخ منهم من لم أسمع بذكره ومنهم من لم تسمح نفسي بإثبات ما بلغني من شعره وربما أجريت ذكر أحدهم غير مبوب عليه ولا مشيراً إليه إما لشيءٍ أجاد فيه وإما أن يتعلق ذكره بذكر من أجريه وقد أبدى لذكر الرجل لمكانه من الإحسان لا لتقدمه من الزمان أو لبعض ما يدعو إليه القول من نسق خبر أو موجب نظر بأول ما ابتدأت به من أهل حمص آل عباد لثباته ذكرهم مع جودة شعرهم اهـ. وهنا أورد ابن بسام ترجمة القاضي أبي القاسم محمد بن عباد ثم أورد ترجمة المعتضد بالله عباد بن ذي الوزارتين القاضي أبي القاسم محمد بن عباد قال فيه: ثم أفضى الأمر إلى عباد ابنه سنة ٣٣ وتسمى أولاً بفخر الدولة ثم بالمعتضد قطب رحى الفتنة ومنتهى غاية المحنة من رجل لمك يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم عليه قريب ولا بعيد جبار أبرم الأمور وهو متناقض وهو أسد فرس الطلق وهو رابض متهور تتحاماه الدهمات وجهان (؟) لا تأمنه الكماة متأسف اهتدى ومنبت قطع فما أبقى ثأر والناس حرب وكل شيءٍ عليه ألب فكفى أقرانهم وهم غير واحد وضبط شانه بين قائم وقاعد حتى طالت يده واتسعت بلده وكثر عديده وعدده افتتح أمره بقتل وزير أبيه حبيب المذكور طعنه في تغرة الأيام ملك بها كفه وجباراً من جبابرة الأنام شرد به من خلفه فاستمر يفري ويخلق وأخذ يجمع ويفرق له في كل ناحية ميدان وعلى كل رابية خوان ضربه سم لا يبطي وسهم لا يخطي وسلمه شر غير المأمون ومتاع إلى أدنى حين. . . . وقد أطال في ترجمته وما وقع عليه من المحنة وما قاله وقيل فيه من الأشعار ثم أورد باباً يشتمل على طائفة من الوزراء والأعيان ممن كان في دولة المعتضد من أرباب هذا الشأن واجتلاب ملح وطرف لشعراء كانوا بذلك الأوان مع ما يتعلق بها ويذكر بسببها فترجم أبا حفص عمر بن حسن الهوزني. وأبا الوليد الباجي وأبا عمر بن مسلمة وأبا الوليد إسماعيل بن محمد الملقب بحبيب وأبا الحسن علي بن حصن الاشبيلي وأبا عمرو بن الباجي وأتى

стр. 3289

على جملة من شعر أبي الأصبغ بن عبد العزيز وترجم الوزير أبا العلاء زهير بن عبد الملك بن زهير الإيادي. والوزير أبا عبيدة البكري وذا الوزارتين الفقيه الكاتب أبا بكر بن سليمان المعروف بابن القصيرة وقال فيه وهو في وقتنا جمهور البراعة وبقية أئمة الصناعة وعذب اللسان العربي وسويداء قلب هذا الإقليم الغربي بحر علم لا يبرح وجبل حلم لا يزحزح من بعض كور اشبيلية نشأ في دولة المعتضد شهر بالعفاف فلزمه ويسر للعلم فعلمه وعلمه وكانت له نفس تأبى غلا مزاحمة الأعلام والخروج على الأيام وهو دائماً يغض عنانها فتجمح ويطمن من غلوائها فتتطاول وتطمح ممتنعاً من خدمة السلطان قاعداً بنفسه عن مر تبة نظرائه من الأعيان بين عفة تزهده وهيبة من المعتضد تقعده حتى فطن له ذا الوزارتين بن زيدون فلم يزل يصرح قذى العطالة عن مائة ويعلي رماد تلك الهيبة عن نار ذكائه إلى أن نبه عليه المعتضد آخر دولته فتصرف فيها قليلاً على تقية من تلك البقية. وتقشف من ذلك التعفف إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد وأخيه وقد كان في أيام أبيه من بعض يداخله ويصافيه فحياه من علاه بنصيب وسقاه من نداه ببحر لا بذنوب وأنهضه إلى مثنى الوزارة وأكثر ما عول عليه في السفارة فسفر غير ما مرة بينه وبين خلفائه من ملوك الطوائف بافقتى (؟) حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ﵀ فسفر ذو الوزارتين بينهما تكراراً فكثر صوابه اشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه واضطر المعتمد إليه قريباً من آخر دولته فعظمت حاله واتسع مجاله واشتهر على الدولة استيلاء لا قصر عنه إشكاله إلى أن كان من خلعه ما كان فكان ذو الوزارتين أحد من حرب وفي جملة من نكب وأقام على تلك الحال نحواً من ثلثة أحوال حتى تذكره أمير المسلمين بما كان عهد من حسن خليفته وسراءِ طريقته وقد حدثت أن سبب ذلك الذكر كتاب كان ورد من صاحب مصر لم يكن من الجواب عليه والإنصاف منه وتفقد يومئذ أعلام المشاهير فكان ذو الوزارتين أقرب مذكور فاستدعاه لحينه وولاه كتبة دواوينه حتى أنساه زمانه اهـ. ثم ترجم الوزير الفقيه الكاتب أبا القاسم محمد بن عبد الله بن الجد والوزير الكاتب أبا محمد عبد الغفور وذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار والوزير الكاتب أبا الوليد بن المصيصي والوزير الأديب أبا القاسم بن مزرقان والوزير الكاتب أبا الحسين بن محمد ابن الجد

стр. 3290

والأديب أبا الحسن البكري والكاتب صالح الشنتمري والوزير أبا الحاكم عمرو بن مدحج وأبا الوليد بن عمه ابني حزم والأديب أبا بكر بن يحيى بن بقى. ثم أورد فصلاً يشتمل على ذكر الكتاب والوزراء والأعيان والأدباء الشعراء ممن نشأ في الدولة المؤرخة بحضرة بطليموس وسائر بلاد المحيط الرومي والأندلس وذكر منهم المظفر أبا بكر محمد بن عبد الله بن مسامة المعروف بابن الأفطس والوزير الكاتب أبا عبد الله محمد بن أيمن والوزير الكاتب أبا محمد بن عبدون والأديب أبا جعفر محمد عبد الله بن هررة القيسي الأعمى القسطيلي والوزير الكاتب أبا بكر عبد العزيز بن سعيد البطليموسي والوزير الكاتب أبا بكر بن قومان والأديب أبا زيد بن عبد الرحمن بتن مقانا الأشبوني والشيخ أبا الحسن علي بن إسماعيل القوشي الأشبولي والأديب أبا عبد الله محمد بن الفيق وذا الوزارتين أبا محمد بن هود والشيخ الأديب ابن عمر بن فتح بن زلوحنة والأديب أبا عمر يوسف بن كوثر الشرتيني والأديب أبا الوليد المعروف بالنحلي والوزير الكاتب أبا بكر محمد بن سوار الأشبوني والأديب أبا محمد بن عبد الله بن صارة الشنتريني. وهذا الجزء في ٢٦٥ ورقة والجزء الثالث من هذا السفر منقول عن نسخة مغربية محفوظة في مكتبة غوتا وأوله ذكر الجانب الشرقي من جزيرة الأندلس وتسمية من نجم في أفقه من رجال النظم والنثر والرياسة بدأه بترجمة أبا عمر القسطلي ثم ذكر ذا الوزارتين أبي عبد الله الطاهر وذا الوزارتين أبي عامر بن الفرج وذا الوزارتين القائد أبي عيسى ابن لبون وذا الرياستين أبا مروان بن عبد الملك بن رزين والوزير الكاتب أبا محمد عبد الله بن الفقيه أبي عمر بن عبد البر النمري والوزير الكاتب أبا غامر بن التاكرتي والوزير الكاتب أبا المظفر عبد الرحمن بن ساحر المعروف بأبي الدبايج والأديب أبا الربيع سليمان بن مهران السرقسطي والأديب الأستاذ النحوي أبي عبد الله بن خلصة الضرير والأديب أبا مروان بن غصن الحجازي والأديب أبا علي إدريس بن اليملي والوزير الكاتب أبا الإصبع بن أرقم والكاتب أبا المظفر بن مثنى وهو عبد الرحمن بن أحمد بن صيعون والوزير الكاتب أبا عمر بن القلاس والوزير الكاتب أبا جعفر بن جرح والوزير الكاتب أبا الفضل بن حداي الإسلامي والأديب الكاتب أبا الربيع سليمان بن القضاعي والأديب أبا بكر محمد بن عيسى الداني والأديب أبا جعفر أحمد بن الدودين البلنسي والكاتب أبا جعفر بن أحمد

стр. 3291

مردانية والأديب الكاتب أبا الخطاب عمر بن أحمد بن عبد الله بن غيطون التجيبي الطليطلي وذا الوزارتين الكاتب أبا عبد الله ابن أبي الخصال قال فيه: حامل لواء النباهة بالروية والبداهة مع منظر ووقار وشيم كصفو العقار ومقول أمضى من ذي الفقار وله أدب بحره يزخر ومذهب يباهي ويفخر وهو إن كان خامل المنشأ نازله لم تنزله منازله ولا فرع للعلاء هضاباً ولا ارتشف للسناء رضاباً فقد تميز بنفسه وتخير من جنسه والذي ألحقه بالمجد وأوقعه بالمكان النجد ذكاء طبع عليه طبعه ونجم في سرية النباهة. . . . . ثم ذكر الكاتب أبا عبد الله محمد بن أبي الخصال والوزير أبا محمد بن القاسم والأديب أبا تمام غالب الملقب بالحجام وهنا انتهى الجزء الثالث وهو في ٢٣٣ ورقة وجاء في آخره أنه يتلوه في أول السفر الذي يليه في ذكر الحديث أبو عامر بن الأصيل. وفي هذه الأجزاء من الشعر الغريب والنثر المطرب ما هو ديوان الأدب وناهيك بسجعات ابن بسام التي هي أبهى من سجع الحمام بل وناهيك ما يقع عليه اختياره من نظيم الكلام ونثاره ومن هذه الأجزاء يؤخذ ديوان إنشاء في السلطانيات والأخوانيات والتهنئات والتعزيات والشفاعات والوسائل والجهاد وفي مقاصد شتى. فيا حبذا لو تصدى لطبعه أحد أئمة المشرقيات في الغرب ليخدم بذلك التاريخ والأدب العربي. وفي مكتبة هذه المجلة النصف الأول من هذا الكتاب وهو بخط بمغربي ينفع في المعارضة إذا كتب الطبع للكتاب ونحن نقدمه لمن يتصدى لطبعه مع الشكر وقد اقتبسنا منه عدة تراجم في مجلدات المقتبس الماضية مع بعض الصعوبة لغلبة التحريف عليه. ديوان أحمد نسيم أهدانا هذا الشاعر المصري الجزئين الأولين من ديوانه وفيهما قصائد في أغراض شتى وبعضها اجتماعي وهاك نموذجاً من شعره قال في الشرق ومصر: تداعت رواسي الشرق فانهال جوانبه ... وما همَّ حتى أقعدته نوائبه تحاربه الأعداء من كل جانب ... ولم يكفهم أن الزمان يحاربه تحد على هاماته شفراته ... وترهف فوق الناصيات قواضبه وحسبك أن الشرق في كل أمة ... مآثره مشهورة ومناقبه تخرج منه الفاتحون لأرضه ... فما جاءت بطحاؤه وسباسبه

стр. 3292

وكان عريناً لانضمام ليوثه ... وكان كناساً لاتهان رباربه وكان قديماً مهبط المجد والعلى ... ومصعد غطريف ترجى مواهبه وكان طليقاً أزهر اللون وجهه ... وللغرب وجه أصفر اللون شاحبه له النصر والتأييد في كل غارة ... إذا زحفت يوم الصدام كتائبه وكم بات مختالاً بكل مملك ... تسير على هام العباد مواكبه وكم صال والهيجاء قان نجيعها ... بكل صقيل لا تفل مضاربه إذا ما جرى وثباً إلى مطلع النهى ... فلا من يجاريه ولا من يواثبه فيا شرق تأساءً إذا ناخ كلكل ... من الغرب إذ مدت إليك مخالبه تقدمك الغرب المجد فلم يدع ... مكاناً تدانيه العلى وتقاربه هرمت فلم تقدر على الدأب فانثنى ... يشاطرك الدنيا وما طر شاربه ومنة عجب طفل على الثدي مرضع ... يطاول شيخاً حنكته تجاربه جنحت إلى حب الخمول ولم تسر ... على سنن يرجو الهداية جائبه * * * صدقتك ما في الشرق إلا شراذم ... تخور خوار الثور آذاه ضاربه وما فيهم إلا مضل مموّهٌ ... على القوم حتى أخطأت الرأي صائبه وفي كل يوم يبتلي بمناهض ... تغير على عرش الملوك عصائبه * * * أعاتب قومي والعتاب تودد ... إذا لم أجد بين الورى من أعاتبه إلى مَ ضياع العمر في غير عائد ... بجدوى ولم يرجع من العمر ذاهبه يصاب الفتى بالحادثات تحيطه ... وأول من يسعى إليها أقاربه معائب لا تحصى إذا ما عددتها ... ورحم الفتى أن لا تعد معائبه خمول ولهو وانحطاط وذلة ... وعذر ووعد لا يؤنب كاذبه وكم ماكر ينساب أرقم مكره ... وآخر مشاءٍ تدب عقاربه يمينك فانظر نظرة المرءِ خلسة ... تجد بائساً ملقى على الضيم غاربه أرى ناظر الشرقي يرنو من الأسى ... رنو امرئٍ ضاقت عليه مذاهبه

стр. 3293

ومما يزيد النفس بؤساً وحسرةً ... تربصها خطباً تبيت تراقيه وما الشرق إلا موطناً عبثت به ... على غرة أبناؤه وأجانبه أضاعوا حمى يجري النضار بأرضه ... وتهمي عليه باللجين سحائبه كذا الشرق في أطواره طول عمره ... غرائبه ما تنقضي وعجائبه * * * رثيتك يا أرض الفراعنة الاءُلى ... قضوا في بلوغ المجد ما ألحق واجبه ورثت بفضل العلم عزاً ممتعاً ... فما بات إلا وابن غيرك غاصبه ولا خير في عرش من الغرب ربه ... ولا خير في مال من الغرب كاسبه أفيقي فما في الجهل إلا مذلة ... ولا العلم إلا سؤدد عزَّ صاحبه أنيري ظلام الشرق بعد انسداله ... فعند طلوع الشمس تجلي غياهبه ولا تقنطي من رحمة الله مرة ... إذا شيم من برق انخذالك خالبه امثلي ترين الغرب ياقظاً شاخصاً ... إلى الشرق يرجو أن تسوء عواقبه وددت بلادي أن تسود بنفسها ... لأكتب فيها خير ما أنا كاتبه وقال من قصيدة: بعض الشيوخ ولا أقول جميعهم ... تخذوا التعنت والعناد لزاما رثت عواطفهم وبات ضميرهم ... خلقاً وحبل العلم صار رماماً ألفوا الجمود وكل شيخ همه ... أن يلبسوه عمامة ووساماً يمشون فوق الأرض أعرض أهلها ... جبباً وأطول خلقها أكماماً فروا من العلم الحديث وحسبهم ... جهلاً بأن عدوا العلوم حراماً حب الجبان النفس خلقه لقي ... خلف المعامع يؤثر الإحجاما وهم الذين إذا تضافر جمعهم ... هزوا العروش وأسقطوا الأعلاما والله لو شهروا سلاح علومهم ... قهروا الأسود وحاصروا الآجاما ولربما غلب الضعيف بعلمه ... جيشاً تموج كالخصم لهاما قد حرموا علم الحساب وساءهم ... أن يعرفوا الأعداد والأرقاما قنعوا بتجويد القراءة واكتفوا ... مذ أتقنوا التنوين والإدغاما

стр. 3294

سلهم عن الأهرام تسمع قولهم ... سيف بن ذي يزن بنى الأهراما سلهم عن اليابان تعرف أنها ... جبل خصيب ينبت الأقزاما سلهم عن الميكاد تعرف أنهم ... ملك غزا كسرى وحارب حاما سلهم عن الأمزون تعرف أنه ... جزراً تحيط مراكشاً وسياما إلى أن قال: يا نصف أميين كيف قرأتم ... ونسيتم أن تعلموا الأقلاما هل في اللغات نقيصة إن شئتم ... أن تفحموا أربابها الأعجاما وهم الذين كما نراهم أتقنوا ... لغة النبي كتابة وكلاما مستشرق حفظ الكتاب وآخر ... أخذ الشرائع عنه والأحكاما يكفي رجال الغرب كل عجيبة ... تعيي الظنون وتعجز الأوهاما بلغوا المطار وسوف تسمع أنهم ... جازوا الهواء وخاطبوا الأجراما عابوا جمود المسلمين وصرحوا ... أن لا نعد مع الأنام أناما عشقوا الحياة وما عشقنا بعدهم ... إلا جموداً يشبه الإعداما نمنا وباتوا ساهدين وفاتنا ... حب الجمود على الضلال نياما متعنتين على الدخيل فإن يضيئ ... نخرج إليه من الضياء ظلاما حتى يظن الدين دين تعنت ... أو دين قوم أشبهوا الأنعاما تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٧ ١٩٠٧ //// من أهم الجمعيات العلمية في أميركا الشمالية هذه الجمعية التي جعلت مقرها في واشنطون وأمامنا الآن تقريرها السنوي عن سنة ١٩٠٧ وقد وقع في ٧٢٦ صفحة وفيه عدة مقالات وأبحاث مفيدة بالإنكليزية في الفلك وطبقات الأرض والظواهر الجوية والطبيعيات والكيمياء والمعادن أو التعدين والنبات والحيوان وعلم البشر حوت ٢٧ مبحثاً في الأغراض المشار إليها مع بعض الصور والرسوم الأنيقة فمقالة في آلة التوربين البخارية على اليابسة والماء ومقالة في ارتقاء التركيب الميكانيكي في الطباعة وفي بعض حقائق عن الكهرباء وأبحاث جديدة في التلغراف اللاسلكي وخاصيات الأنوار الكهربائية المنوعة

стр. 3295

وتقدم صناعة التعدين الكهربائية وتقدم جديد في التصوير الشمسي الملون والبربر في أفريقية الجنوبية قبل نزول الأوربيين فيها وآلة رخيصة الثمن لتحصيل علم الفلك وعلم الطبقات داخل الأرض وبحر سلطون والطرق المائية في البلاد وارتقاء علم الظواهر الجوية مثال لارتقاء العلم العام ومنزلة علم النبات القديم في وقتنا الحاضر وحدائق الحيوانات في بريطانيا والبلجيك وهولاندة وعلم الحيوان الأصلي تقدمه وغايته والتاريخ العام لذوات الثدي البحرية وشعوب إقليم البحر المتوسط واليابان قبل التاريخ وأصل الحضارة المصرية والمضخة النارية وأصل أبجدية الكنعانيين ومسألة تعمية الألوان ومقالة في الدرن وأخرى في ترجمة مارسلن بيرثيلون وغير ذلك. والتقرير كالتقارير السابقة في الغاية من حيث الطبع والوضع فمتى يكون للشرق العربي مثل هذه الجمعية التي تحيي العلوم المادية ونخلص من دور الأدبيات والخيالات. تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٨ ١٩٠٨ هذا التقرير من أكبر التقارير السالف حجماً وأغزر مادة ويبدو عليه النمو الغريب وتتبين منه ارتقاء هذه الجمعية الراقية ومباحثه تدور كطريدة على العلوم المادية والطبيعية فمن مقالاته الموقعة بتواقيع أهل هذا الشأن مقالة في المناطيد الحربية وأخرى في التلغراف اللاسلكي وفي التصوير الشمسي والحاكي (الفونوغراف) والمادة والأثير وارتقاء الكيمياء العامة والطبيعة في الأربعين سنة الأخيرة وارتقاء القذائف في عشرين سنة ومباحث حديثة في تكوين الكون وتغيرات المناخ وأسبابها وأورانوس علم طبقات الأرض وفي معارفنا الحاضرة عن الأرض ورحلات إلى القطب الجنوبي من سنة ١٨٨٩ وبعض مناظر جيولوجية من النيل وفي الوراثة وفصائل النبات وصبار المكسيك وسمك إنكلر وأنواعه وطيور الهند ونشوء الفيل والحمة الدورية في اليونان وكارل فون ليتني أحد علماء الجيولوجية وترجمة اللورد كلفن وأعمال هنري ركويرل. وجميع هذه الم قالات في الغية من التحقيق ويدخل هذا المجلد في ٨٠٠ صفحة جمعت فأوعت فيه وفيه كمجلدات السنين السابقة قائمة بأعمال الجمعية والغرض منها ودخلها وخرجها لازال التوفيق حليف المجامع العلمية على اختلاف لغاتها وأغراضها.
следующие страницы →