Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
وأما القسم الآخر_فهو ينقسم أيضاً أول ما ينقسم قسمين: لأنه إما أن تكون الغاية في العلم تزكية النفس مما يحصل لها من صورة المعلوم فقط وإما أن تكون الغاية ليس ذاك فقط بل وأن يعمل الشيء الذي انتقشت صورته في النفس.
فيكون الأول تتعاطى به الموجودات لا من حيث هي أفعالنا وأحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدروها عنا ووجودها فينا والثاني يلتفت فيه لفت موجودات هي أفعالنا وأحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدورها عنا ووجودها فينا.
والمشهود من أهل الزمان أنهم يسمون الأول (علماً نظرياً) لأن غايته القصوى نظر ويسمون الثاني منهما (عملياً) لأن غايته العمل.
وأقسام (العلم النظري) أربعة: وذلك لأن الأمور إما مخالطة للمادة المعينة حداً وقواماً فلا يصلح وجودها في الطبع في كل مادة ولا يعقل إلا في مادة معينة مثل الإنسانية والعظمية وإن كانت بحيث لا يمتنع الذهن في أول نظره عن أن يحلها كل مادة_فيكون على سبيل من غلط الذهن بل يحتاج الذهن ضرورة في الصواب أن ينصرف عن هذا التجويز ويعلم أن ذلك المعنى لا يحل مادة إلا إذا حصل معنى زائد يهيئها له وهذا كالسواد والبياض فهذا من قبيل الموجودات والأمور.
وإما أمور مخالطة أيضاً كذلك والذهن وإن كان يحوج في صحة تصور كثير منها إلى إلصاقه بما هو مادة أو جار مجرى المادة_فليس يمتنع عنده وعند الوجود أن لا يتعين له مادة وكل مادة تصلح لأن تخالطه ما لم يمتنع مانع وليس يحتاج في الصلوح له إلى ممهد يخصصه به مثل الثلاثية والثنائية من حيث هي مثكونة وتعرض الجمع والتفريق ومثل التدوير والتربيع وجميع ما لا يفتقر وجوده ولا تسوره إلى تغير مادة له وهذا قبيل ثان من الأمور والموجودات.
وأما أمور مباينة للمادة والحركة أصلاً فلا تصلح لأن تخلط بالمادة ولا في التصور العقلي الحق مثل الخالق الأول. الأول تعالى ومثل ضروب من الملائكة وهذا قبيل ثالث من الموجودات.
وأما أمور ومعانٍ قد تخلط المادة وقد لا تخالطها فتكون في جملة ما يخالط وفي جملة ما لا يخالط مثل الوحدة والكثرة والكلي والجزئي والعلة والمعلول.
стр. 3362
كذلك أقسام العلوم النظرية أربعة لكل قبيل علم.
وقد جرت العادة بأن يسمى العلم بالقسم الأول (علماً طبيعياً) وبالقسم الثاني (رياضياً) وبالقسم الثالث (آلهياً) وبالقسم الرابع (كلياً) وإن لم يكن هذا التفصيل متعارفاً فهذا هو العلم النظري.
وأما (العلم العملي) فمنه ما يعلم كيفية ما يجب أن يكون عليه الإنسان في نفسه وأحواله التي تخصه حتى يكون سعيداً في دنياه هذه وفي آخرته وقوم يخصونه هذا باسم علم الأخلاق.
ومنه ما يعلم كيف يجب أن يجري عليه أمر المشاركات الإنسانية لغيره حتى يكون على نظام فاضل_أما في المشاركة الجزئية وأما في المشاركة الكلية والمشاركة الجزئية هي التي يكون في منزل واحد والمشاركة الكلية هي التي تكون في المدينة.
وكل مشاركة فإنما تتم بقانون مشروع وبمثول لذلك القانون المشروع يراعيه ويعمل عليه ويحفظه ولا يجوز أن يكون المتولي لحفظ المقنن في الأمر جميعاً إنسانا واحد فإنه لا يجوز أن يتولى تدبير المنزل من يتولى المدينة بل يكون للمدينة مدبر ولكل منزل مدبر آخر. ولذلك يحسن أن يفرد (تدبير المنزل) بحسب المتولي باباً مفرداً و (تدبير المدينة) بحسب المتولي باباً مفرداً ولا يحسن أن يفرد التقنين للمنزل والتقنين للمدينة كل على حدة بل الأحسن أن يكون المقنن لما يجب أن يراعى في خاصة كل شخص وفي المشاركة الصغرى وفي المشاركة الكبرى شخص واحد بضاعته واحدة وهو (النبي).
وأما المتولي للتدبير وكيف يجب أن يتولى فالأحسن ألا ندخل بعضه في بعض وإن جعلت كل تقنين أيضاً باباً آخر فعلت ولا بأس بذلك لكنك تجد الأحسن أن يفرد العلم بالأخلاق والعلم بتدبير المدينة كل على حدة وأن تجعل الصناعة الشارعة ما ينبغي أن تكون عليه أمراً مفرداً.
وليس قولنا وما ينبغي أن تكون عليه مشيراً إلى أنها صناعة ملفقة مخترعة ليست من عند الله ولكل إنسان ذي عقل أن يتولاها كلا بل هي من عند الله وليس لكل إنسان ذي عقل أن يتولاها ولا حرج علينا إذا نظرنا في أشياء كثيرة مما يكون من عند الله أنها كيف ينبغي أن تكون.
стр. 3363
فلتكن هذه العلوم الأربعة أقسام العلم العملي كما كانت تلك الأربعة أقسام العلم النظري اهـ.
الهيئة والإسلام
لمؤلفه السيد هبة الدين الشهرستاني طبع ببغداد في مطبعة الآداب سنة
١٣٢٨.
ص ٣١٤
ذكر المؤلف أن الإسلام يوافق آراء الفلسفة الحديثة أكثر مما يوافق القديمة خصوصاً في الفلكيات وقد فسر كثيراً من الآيات المشكلة والروايات المعضلة قال: ففي الناس أناس يزعمون الشارع في أبواب الفلكيات مسلك الحكماء وإن الهيئة القديمة هي الموافقة للشريعة القديمة فلأجل ذلك تراهم عند اعتقادهم بطلان الفلسفة الغابرة تزل أقدامهم ويضعف التزامهم بنواميس الشريعة الطاهرة فقصدت من تصنيف هذا الكتاب بيان مخالفة الإسلام لمعظم مباني الهيئة البطليموسية ومواقفه للآراء المكتشفة في الهيئة الجديدة فينبغي أن يكون تصديقهم للعلوم العصرية سبباً لرسوخ العقائد الدينية ومزيد اليقين بصدق باقي مقالات النبي الأمي والأئمة من أهل بيته. والمؤلف مشهور بسعة الإطلاع فنشكره على تحفه.
غرائب الغرب
لصاحب المقتبس طبع بمطبعته ص ٢٠٤
هي بعض ما شاهده وعرفه صاحب هذه المجلة عن ديار الغرب نشر أولاً في بعض أجزاءه هذه السنة والسنة الماضية وجردناه على حدة وهذه مقدمته وهي تنم عن الغرض من نشره:
هذه فصول ومقالات بل آهات وتأوهات كتبتها في وصف معالم الغرب وما لقيته فيه وثقفته عنه وأنا على مثل اليقين بأنها لا تحمل في مطاويها من تلك المدنية الساحرة إلا بقدر ما تصل إليه يد عابر سبيل ويتفطر له فكر التنزيل والدخيل راجياً من كرمه تعالى أن ينفع بها قراء العربية ومنه أستمد العون والتيسير نعم المولى ونعم النصير.
رسائل البابية
стр. 3364
نشر البارون روزن الروسي المتوفى ٦٣ رسالة بالفارسية والعربية كتبها بهاء الله المصلح الثاني في المذهب البابي. والعربية منها كما قال أحد الناظرين في هذه الرسايل وإن كانت تبدو في صورة وحي قرآني لا تخرج عن كونها كتبت لتقوية البابيين على تحمل المصائب في سبيل إيمانهم والعمل بما توحي به الحقيقة الكلية والرسالة العشرون منها المسماة سورة الملوك عبارة عن شكوى صاحب المذهب وأتباعه من بعض ما ينالهم من الموظفين الذين اضطهدوا من انتخبوا مذهب الباب. ولأن كانت البهاءُ ينحو فيها منحى القرآن في الإنشاء فيغتر بها بعضهم لأول وهلة إلا أن من يحسن كتابة لغته لا يلبث أن يرى أغلاطاًُ عربية وأكثرها في التركيب.
معيار الفتاوي
نشر المسيو إميل أمار من علماء المشرقيات في فرنسا ملخص فتاوى فقيه المغرب أب يالعباس أحمد بن يحيى الونشر يسي المتوفى سنة ٩١٤هـ في مجلدين وترجمها إلى الإفرنسية مع تعليق الشروح اللازمة لها. وهذا الكتاب هو فتاوى صدرت عن مفاتي أفريقية أي تونس وولايتا قسنطينة والجزائر وعلماء الأندلس والمغرب الأقصى وهو عبارة عن ولاية وهران وبلاد مراكش وكان طبع هذا الكتاب برمته على تل الحجر في فاس في ١١ مجلداً تدخل في ٤١٢٢ صفحة فنسق الناشر هذه الفتاوى حتى جاءت مثل كتاب دالوز في القانون مرجعاً يسهل الرجوع إليه.
ثلاث مجلدات جديدة
الحقائق_مجلة علمية دينية أخلاقية اجتماعية عمرانية لصاحبها الشيخ عبد القادر الاسكندراني يحررها نخبة من أهل الفضل بدل اشتراكها في دمشق ريال واحد وفي البلاد العثمانية ريال وربع وفي الأقطار الأجنبية ٧ فرنكات وتصدر مرة في الشهر.
النديم_مجلة كاثوليكية سياسية إخبارية تاريخية أدبية علمية لمنشئها شاكر أفندي عون ويعاونه بإنشائها بعض أصحاب الأقلام قيمة اشتراكها في بيروت ريالان وفي البلاد الخارجية عشرة فرنكات وهي تصدر مرتين في الشهر.
تنوير الأفكار_مجلة دينية أدبية سياسية تصدر كل شهر مرة في بغداد لصاحبها عبد الهادي أفندي الأعظمي ومديرها نعمان أفندي الأعظمي قيمة اشتراكها في الممالك العثمانية مجيدي
стр. 3365
وربع وعشرة فرنكات في الخارج.
كتب متفرقة
معنى الحياة_عربه عن الإنكليزية وديع أفندي البستاني وهو تأليف اللورد أفبري المشهور وفيه نصائح للناشئة في قوة الإرادة وصدق العزيمة والثبات والشجاعة والاقتصاد يطلب من مكتبة المعارف في مصر.
تقرير السر ألدن غورست سنة ١٩٠٩_هو التقرير الذي يصدره كل سنة معتمد إنكلترا في مصر عن الحركة الإدارية والسياسية والعلمية فيها صدر بالعربية والإنكليزية والفرنسوية وفيه كلام طويل على المعارف المصرية ونمو الحركة للتعليم وازدياد عدد الشبان والكتاتيب والعناية بتعلم العلوم باللسان العربي المبين ويطلب من مطبعة المقطم بالقاهرة.
القطار السريع في علم البديع_مختصر في علم البديع لحقي بك ناصف من شيوخ الأدب في مصر وهو شرح بديعية تقي الدين.
стр. 3366
سير العلم والاجتماع
الشعرى اليمانية
قرأت في المقتبس رسالة من بغداد تبحث في الشعرى العبور فشكرت عناية الكاتب بهذا البحث النافع وأرجو مواصلة القراء بشذور هذا العلم الساطع بيد أني وجدت فيها هفوة لعلها من النقل أو النشر وهو قوله: إن العلامة شارل نوردمان يقول بأن الشعرى تبعد عنا نحو خمسمائة مرة بعد الشمس عنا والصحيح لأنها تبعد عنا زهاء خمسمائة ألف وثلاثة وعشرين ألف مرة بعد الشمس عنا وتتأتى معرفة ذلك من رصد اختلافها السنوي وهو الزاوية الحاصلة عندها التي يقابلها قطر فلك الأرض وهي اصغر من أن تقاس إلا بأدق الآلات لأن فلك الأرض من ذلك المكان السحيق يرى كنقطةٍ متحدةٍ بنور الشمس المشع لكنها في غاية الضعف وقد عرف لها اختلاف سنوي جزئي وهو بحسب قائمة أورمان ٠. ٣٩ من الثانية فيقتضي لوصول نورها إلينا ثماني سنين وثلث سنة تقريباً وبالتدقيق ٨. ٣ ثم بحسب مادتها وهي ثلاث مرات وربع مثل مادة الشمس فتكون قوة الجذب فيها أشد من قوة الجذب في الشمس وتوابعها معاً (السيارات وأقمارها) فلو وجدت على بعد خمسمائة مرة مثل بعد الشمس عنا لدنت الشمس إليها ثم أسرعت نحوها مضطرة لشد التجاذب (لأن الجاذبية تتغير بالقلب كمربع البعد) أما للدوران حولها أو للاندماج فيها والواقع أن الشعرى اليمانية من النجوم المتباعدة عنا وأن شمسنا (ونظامها) سائرة نحو نقطة بالقرب من الجاثي واستنتج بعض الراصدين أن قرب الكيوني أنور كواكب الثريا قطب دوران حقيقي للكواكب (الشموس) التي تتألف منها عقود البروج كافة وهذا الرأي الأخير لم يجزم بصحته حتى الآن والشعرى اليمانية محسوبة من النجوم المزدوجة وقيل بأنها تدور حول جرم مظلم أعظم منها قليلاً ومدة دورانها حوله ٥٢ سنة تقريباً.
ثم ذكر أن الشعرى اليماني هي إلينا أقرب هذه الكواكب المنتشرة على بساط المجرة والمعلوم عنها حتى الآن أنها الرابعة في البعد عنا بين الثوابت لأنه عرف لثلاثة كواكب اختلافها سنوي أكثر وأقربهم إلينا قنطوروس اختلافه السنوي ٠. ٧٥ أي ثلاثة أرباع الثانية فيكون بعده عنا قرابة ٢٥٢ ألف مرة بعد الشمس عنا ويقتضي لوصول نوره إلينا أربع سنين ويظن بعض علماء الهيئة أن بين النجوم الضئيلة التي تعد بالملايين عدد قليل
стр. 3367
منها أقرب إلينا من قنطوروس.
لنفرض للاستعانة على تصور قدر الشمس الهائل وبعدها عنا ولأجل مقابلة المسافات الشاسعة المذكورة أن كرة قطرها قدمان تمثل الشمس فتكون الأرض كحبة حمص صغيرة على بعد ٢٢٠ قدماً وتكون اقرب الثوابت إلينا على بعد تقديره بالتقريب ٨٠٠٠ ميل عن مثال الشمس والمسافة الحقيقية التي بيننا وبين الشمس ٩٢ مليون ميل بالتقريب يصل نورها إلى الأرض في ٨ دقائق و١٩ ثانية.
ويلي الشعرى اليمانية في البعد عدد لا يحصى من النجوم بضعة وعشرون منها يعرف لها اختلاف سنوي والملايين الكثيرة الباقية لا يعرف لها اختلاف سنوي لتناهيها في البعد أو لتوغلها في قلب المجرة أو أقاصيها وتراها بإشعاع نورها وليس بذات جرمها لأن زاوية البصر تتلاشى قبل الوصول إلى أقرب الثوابت بمسافات بعيدة وأقوى النظارات في وقتنا الحاضر لا ترينا قرصاً للثوابت وإذا قيل بأن النور يجتاز عرض المجرة بمدة عشرين ألف أو ثلاثين ألف سنة فبعض السدام على رأي بعض الفلكيين يقتضي لوصول تنوره إلينا سبعمائة ألف سنة وأقوى النظارات لم تحله إلى نجوم مفردة أو عناقيد ومن المحتمل أن يكون مجرة البعيد كالمجرة التي نظامنا الشمسي وعامة الكواكب وأنظمتها منها وفيها على أن الرأي القائل بأن وراء هذه المجرة المحيطة بنا مجرات عديدة مؤلفة من عوالم وأنظمة إلى ما لانهاية لما يتأكد والآلات الحاضرة لا تمكنا من كشف شيء من هذا السر العظيم وقد وجدت خطوط في طيوف بعض السدوم أنور من خطوط الهيدروجين لا تدل على عنصر معروف في الأرض أو في الشمس حتى الآن فمن المحتمل أن يكون ذلك دليلاً على وجود عنصر أبسط أو أوطأ رتبة من الهيدروجين.
هذا في ما جال في الخاطر حداني إليه كوكب نظرائه كاتب تلك الرسالة لاقتفاء أثره واقتباس منار لمه في هذا المسلك الذي قد لا أنجو بسلوكه من العثور فالرجوع إلى ما يدونه علماء العصر أحق والبحث في أنواع العلوم الطبيعية أنور للبصيرة فتكسب المرء قدرة التصرف بالأعمال العظيمة المفيدة فإن أكثر الناس تجهل حقيقة هذا العلم وتتخيل في السماء أموراً سخيفة أشركتها في معتقدها وتسكعت في باطلها وظلت عليها القرون والأحقاب حتى رسخت تلك الأوهام الفاسدة في العقول وانطبعت مزاعم زعمائهم الباطلة
стр. 3368
في القلوب فتأصل فيهم الميل للشعوذات والإيمان بالخرافات فحقت عليهم كلمة الشر والجهالة فصارت ذريعة إلى المجادلات حتى الحروب والغارات وفاتهم أن الأرض دار قراع وتنازع في البقاء وأن عصرنا هذا عصر جد واجتهاد وأنهم على سطح جرم حقير (الأرض) اعتباره كذرةٍ من جميع المادة نسبته إليها كنسبة حبة رمل إلى طود عظيم خليط من التراب والرمل والحجارة تناثرت أجزاؤه في هذا الفضاء وعلم الهيئة الحقيقي هو علم أثبته الفحص وقام عليه البرهان يعرفنا بحقيقة هذا الوجود ويزيل أو يقلل من تفاخر الإنسان الكاذب وغلوائه وعند التعمق بأصوله وتعميم انتشاره في مستأنف الزمان يدركنا التغيير الكلي في جميع أمورنا وأحوالنا ونخرج من مأزق التعصب ومضيق الأفكار فتبدو علاءات اليمن وإمارات الخير ويكون لهذا العلم المزية الكبرى على سائر العلوم فهو رائد الإصلاح الأكبر.
دمشق:
أحد القراء
وقف للعلم
وقف أحمد بك زكي من علماء مصر خزانة كتبه وفيها مئات من الأمهات المهمة المخطوطة والمطبوعة وأكثر مطبوعات أوربا العربية وكثير من نفائس الكتب الإفرنجية على المطالعة لأهل القاهرة وذلك على شرط أن تجعل في مكان خاص بها من دار الكتب المصرية وهي غيرة على العلم لا تستكثر ممن خدمه طوال حياته.
مسألة قلة النفوس
وضعت مجلة الاقتصاد بين مقالة قالت فيها أنه يكاد لا يعرف كبير أمر عن مسألة النفوس لأن الأمم القديمة قد دثرت كلها تقريباً ونوشك أن لا نعرف إلا أموراً طفيفة عن حالة الآشوريين كما نحن كذلك في تصور اليونان والرومان فإن الرجال الممتازين قواداً كانوا أو فلاسفة ممن اشتهروا قديماً لم يتركوا عقباً فلا يمكن أن يقال أنهم هلكوا في حروب أهلية أو خارجية وأن قد خلفتهم شعوب أخرى مثل البورغونيين والفانداليين والغوتيين الذين نشئوا من جرمانيا والهونسيين والمجريين الذين جاؤوا من آسيا فالماضي يمثل لأعيننا تعاقب الأمم التي تناقلت حسنات المدنية خلفاً عن سلف.
стр. 3369
ومسألة قلة النفوس اليوم ينظر فيها في كل مكان ولاسيما في فرنسا فالشعب الفرنسوي اليوم ٣٩ مليوناً ويجب أن يزيد كل سنة مليون نسمة ولذلك رأى أحدهم أن يعطي كل أب وأم فرنسويتين ما شاءا من الوظائف لأن لهم ميلاً خاصاً إليها على شرطك أن يكون لهما ثلاثة أولاد أحياء أو أكثر بدون النظر إلى كفاءتهما وأن تخصص الحكومة مكافأة مالية قدرها خمسمائة فرنك تدفع دفعتين إذا ولد للأبوين الولد الثالث وهو حي وبذلك تنفق الحكومة في السنة من ١٥٠ إلى ١٧٥ مليون فرنك.
فردت المجلة على هذا الفكر وقالت أن الأولاد والعجزة الذين يولدون على تلك الصفة مدة عشر سنين يزيد عددهم ملايين وهم لا يعملون عملاً ويفتقر السكان من جباية هذه الضريبة منهم أي مبلغ ١٧٥ مليوناً كل سنة الذي يقضي عليه أداؤه وما قط كانت زيادة الضرائب مغنية لأمة ومن ذلك ينشأ فقر متتابع لأن مائتي مليون فرنك لا تكفي للقيام بتعليم العلم العالي الذي يستلزمه إعداد رجال للصناعات الحرة مثل الطب والمحاماة والهندسة وغيرها وسلك الوظائف أيضاً وربما كان في المستقبل معوض عن هذا العمل ولكن الحال في فرنسا ليست كأميركا وروسيا لأن باطن أرضها قليل الخصب ولا يرجى رواج التجارة أكثر من الآن فالنفوس فيها محدودون وكل دواء يقترح للشفاء من قلتها لا يزيد الحال إلا إعضالاً.
فهذه الضريبة لا تأثير لها في الأغنياء والحكومة الآن هي السبب في تقليل السكان فخير لها فيما نرى أن تسهل التعليم العالي فلا تحتم على طالب الطب والمحاماة تعلم اللاتينية بل اليونانية ومجموعة العلوم في حين يكفيهما معرفة علومهما معرفة عملية ويحذف حباً بالاقتصاد من خطة الدروس درس بقية العلوم لأمثال هؤلاء وبذلك يتوفر مبالغ من المال تصرف على تعلميهم إياها. قال وأنجع الأسباب في ذلك تقليل الضرائب على وجه عام فبتقليلها تزيد النفوس إلى الحد المطلوب الذي تسمح به حالة البلاد ونشاط أهلها.
دار الترجمة
صدر الأمر الخديوي بإعادة ديوان الترجمة في مصر. كما كان في أيام الخديويين السالفين وسيعرب هذا الديوان كل ما تحتاج إليه اللغة العربية من أنواع العلوم الفنون المستحدثة.
التربية اليابانية
стр. 3370
تقضي الحكومة اليابانية على الوالدين أن يرسلوا أبناءهم إلى المدرسة ست سنوات يخصص منها ساعتان في اليوم لدرس الآداب. ولناظر المعارف أن ينتخب الكتب المدرسية. وأهم الموضوعات في مدارسهم واجب الحب الوالدي واحترام السلف والإخلاص للإمبراطور والإمبراطورة والصفح والاحتشام وعرفان الجميل والاقتصاد والرقة نحو الشيوخ والخدم والمجاملة والواجبات نحو الجار والخير العام واحترام الآلهة والوطنية واستعمال الوقت والشجاعة. وقد أضافوا في السنين الأخيرة دروساً عديدة في واجبات الوطني الاجتماعية وواجبات الجندي وانتخاب النواب للبرلمان والبلدية واحترام الشرائع وأفضلية الرجل وواجبات الرجل والمرأة وهلم جرا.
اكتشاف نافع
اكتشف الدكتور أهرليخ الروسي تركيباً كيماوياً من الزرنيخ فدلت التجارب على نجاح هذا الدواء في معالجة الحمى الملارية والحمى المتقطعة ومرض النوام. ويعتقد بعض الأطباء أنه بات في حيز الإمكان الآن التغلب على مرض النوام المتفشي في بلاد الكونغو وغيرها من البلاد الأميركية. وفي رواية أخرى أن هذا التركيب يشفي من المرض الزهري.
ميكروب الخصب
أعلن الدكتور رسل والدكتور هتشنصن في المجمع الطبي البريطاني اكتشاف ميكروب يقتل البكتيريا اللازمة لخصب الأرض وهو أعظم اكتشاف زراعي منذ ٥٠ سنة وكانا قد اكتشفا علاجاً بالحرارة أو مضادات الفساد يقتل جراثيم كثيرة من التي تأكل البكتيريا المفيدة للأرض فتزيد بذلك خصب التربة وقد كان في أثناء أبحاثهما في هذا الموضوع أن اكتشف الميكروب المتقدم ذكره.
стр. 3371
العدد ٥٢ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٠
стр. 3372
صناعة النظم والإنشاء
كان الوليد أبو عبادة البحتري معاصراً لحبيب بن أوس المعروف بأبي تمام وهما من أعيان أمراء الكلام وكلاهما طائي غير أن البحتري ولد بعد ذلك بأربعة عشر عاماً فما ترعرع وبدت فيه علائم النبوغ حتى كان أبو تمام في أوج مجده وبحبوحة اشتهاره فلصق به وتخرج عليه حتى إذا نبل شعره وسار ذكره قال أبو تمام إن شعر هذا الغلام قد نعى إليَّ نفسي فما اجتمع في طي شاعران مشهوران إلا مات أكبرهما وقد صدقت نبوءته هذه فإن أبا تمام لم يعش بعد قوله هذا أكثر من عام واحد ولقد مات عبطةً وهو دون الأربعين ولو عمر حتى اكتهل كالمتنبي أو شاخ كالبحتري لأتى بالآيات المعجزات ولأطبق الناس على كونه أمير الشعراء قديماً وحديثاً.
وكان البحتري قد سأل يوماً أبا تمام أن يبين له الوجهة التي ينتحيها في نظمه والوتيرة التي يجري عليها توصلاً إلى الإجادة والإبداع فقال له:
يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيءٍ أو حفظه وقت السحر إذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم. وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقاً والمعنى رشيقاً وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وتوجع الأشواق ولوعة الفراق فإذا أخذت في مديح سيد ذي إياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقامه ونضد المعاني واحذر المجهول منها وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة. وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل شعرك إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقوك الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين وجملة الحال أن تقيس شعرك وتعتبره بما سلف من شعر الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما نبذوه فاجتنبه ترشده إن شاء الله.
قال البحتري فأعلمت نفسي فيما قال فجاد شعري وطار ذكري ووقفت إلى ما أروم.
أما الحاتمي فقد اختار الليل للنظم وحوك الكلام ذاهباً مذهب (جورج ساند) الكاتبة الفرنساوية التي كانت تبدأ بكتابتها عند منتصف الليل وتنتهي منها الساعة السادسة ثم تنام إلى الحادية عشرة على ما وصفه المترجمون لها. وحجة الحاتمي في ذلك أن في الليل تجم الأذهان وتنقطع الأشغال ويصح النظر وتؤلف الحكمة ويتسع مجال الفكر وتنبعث
стр. 3373
الخواطر. وعندنا أنه مصيب وأكثر رجال السياسة والتدبير وأهل العلم والخيال وأرباب الاختراع والفنون يفضلون الليل على النهار ويختصونه للمهم من أعمالهم والصعب من شؤونهم والتفكير فيما يصلح من أمورهم وينبه من أقدارهم وفيه غالباً أنشأ المؤلفون الكتب وحبروا الرسائل وولدوا المعاني الحسان وأودعوها أسلاك كلامهم تباهي النجوم ضياء والدر نظاماً والروض زخرفاً وجمالاً_وإن كان ذلك مدعاة لإضناء أجسامهم واخترام أعمارهم فإن السهر ولا جرم مدعاة للسقم ومدرجة للألم وقد طالما عبث بالعقول قبل الأجساد فأوصل إليها الفساد_فالشاعر الماهر والكاتب المتأنق من إذا خلا إلى حجرته وقد سدل الليل ستاره وسكنت ضوضاء الناس واستولت سنة النوم على أجفانهم نشط إلى ما هو ميسر له من الأمر وباشر عمله بعد إمعان الفكرة وإطالة الروية واستيحاء السليقة فيستمد من القريحة عفوها وفيضها غير مستند إلى معنى لغيره يتلاعب به أو قول لبعض السلف ينتحله موقناً أن الناس كافة قيمون له منتقدون لأقواله تفرغون لتزييف كلامه وتفنيد نظامه ووزن معانيه وألفاظه بميزان المتعنت عليه المتبرم به الطالب حجة يتذرع بها إلى تنقيصه وتسوئته والحط من فضله ثم يكتب وهذا التحوط نصب عينيه مائل لديه فلا يجود إلا من مائه ولا يسبك إلا من معدنه بلا اغتصاب ولا استكراه حتى إذا فرغ مما حبر تربص إلى أن تهدأ سؤرة إعجابه فيما راق له من مبتكرات معانيه ومسبوكات قوافيه_وقد يجمل أن يكون ترصه هذا يوماً أو أياماً_ثم يعود بعد ذلك_وقد سكنت القريحة وخلا الذهن وصح التأمل_فيراجع ما كتب مراجعة منتقد ذاته قيم على نفسه رقيب على عمله فإن وجد محلاً للإصلاح أتاه أو وجهاً للتهذيب والتنقيح مارسه وعاناه متخيراً اشرف الألفاظ وأخفها وأكثرها قرباً إلى الفهم وتداولاً على الألسنة يدمجها في تضاعيف سطوره على منوال خاص وأسلوب غريب يعرف به وتظهر ملكته في أنفاس كلامه بحيث ينسبه القارئ العارف به إليه بمجرد تلاوته ولو لم يكن معنوناً باسمه ثم يعرضه على من يثق به من جهابذة الأقلام لعله يرى فيه عورةً فيسترها أو ثلماً فيسده فمن سلك هذا المسلك الجدد من مجيدي الشعراء والكتاب أمن في غالب منشآته العثار وحق له الاشتهار.
تلك نصيحتنا نوصي بها ونحرص على الجري بمقتضاها وإن كنا خالفناها في كل منظوماتنا حتى اليوم على ما يعلمه المقتطف ونبه إليه فإننا كنا ننظم في ليلتنا القصائد
стр. 3374
لمطولات ثم بعث بها في الصبح إلى عالم النشر دون معاودة نظر أو تثبت وما ذلك إلا أثر من آثار ضيق الطعن المنبعث عن هزال الجسم وسوء الهضم أعاذ الله منهما كل ناظم وناثر فإنهما آفة الإتقان ومجلبة التعس والمرارة والشقاء لبني الإنسان وما مصدرهما فيمن قدر له أن يعيش بعقله وعلمه إلا الإمعان في السهر وعدم الاعتدال في الدراسة منذ الصغر فيلتق الله الكاتبون في أجسامهم أن لهم فيما نعالنهم به عظة وعبرة وإن كانوا ممن يتدبرون.
وهنا_والشيء بالشيء يذكر_نأتي على كلام لأبي عثمان الجاحظ مما لا يخرج عما نحن في شأنه وتتوفر فيه الفائدة لمن رزقوا حظ الكتابة ولم يهتدوا إلى قانون يقوي فيهم ملكة الإنشاء ويبعثهم على الإجادة في الصناعة فإن ذلك أهم ما يحتاجه المنشئون هذه الأيام بعد أن قوضت فوضى الأقلام أركان البلاغة وشوهت ديباجة البيان وأضاعت سر التأنق في الترسل حتى زالت عنه مسحة الجمال إلا في عدد نزر ممن أوتوا نصيبهم من سلامة الذوق والعلم وألهموا الهداية في صناعتهم هذه الشريفة إلى محجة الكلام فرسخت في أذهانهم قواعد التحرير والتحبير واستحكمت في صدورهم أساليب التفنن بصوغ المعنى الصحيح في قالب اللفظ الفصيح حتى استقامت لهجتهم ووضح منهاجهم وعذب بيانهم فنسجوا على منوال خاص بهم تشربه القلوب وتستحسنه الأذواق وتعشقه النفوس على ما فيه من السهولة والانسجام ومتانة التراكيب: قال الجاحظ:
يقول جهابذة اللفظ ونقاد المعاني وأساطين البيان. المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم المختلجة في نفوسهم المتصلة بخواطرهم والحادثة عن أفكارهم مستورة خفية وبعيدة وحشية ومحجوبة مكنونة وموجودة في معنى معدومة لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه ولا حاجة أخيه وخليطه ولا معنى شريكه والمعاون على أمره وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها وأخبارهم عنها واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تدنيها إلى الفهم وتجليها للعقل وتجعل الخفي منها ظاهراً والغائب شاهداً والبعيد قريباً. وهي التي تلخص الملتبس وتحل المنعقد وتجعل المهمل مفيداً والمقيد مطلقاً والوحشي مألوفاً وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ورقة المدخل يكون ظهور المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح
стр. 3375
وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كانت أنجع وأنفع في البيان والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله يمدحه بكتابه ويدعو إليه ويحث عليه:
بذلك نطق القرآن وبذلك تفاخرت العرب وتفاضلت أصناف العجم.
فالبيان اسم كل شيء كشف لك عن قناع المعنى وهتك لك حجب الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائناً ما كان ومن أي جنس كان. والألفاظ هي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة وعن حقائقها في التفسير وعما يكون منها لغواً وبهرجاً وساقطاً مطرحاً فإن صح التناسب وتم التآلف بين تلك المعاني وما تستخدمه لإبرازها من الألفاظ سهل إشرابها للعقول وتجليها على المخيلات وخولها إلى صميم القلب والعكس بالعكس. فمن شاء أن يكون حديثاً تقرع الآذان نبراته أو منشئاً تسحر الألباب نفثاته فليلبس المعنى الدقيق اللفظ الرشيق الذي لا ينقص عن معناها ولا يزيد وليمتن الأصول ويحذف الفصول ويجتنب الحشو ويطنب حيث يستحب الأطناب ويوجز حيث لا يستكره الإيجاز: كل ذلك يفتقر إلى رأي حصيف وفكر نقاد وخاطر جرئ وذهن ذكي وذوق يحسن الاختيار وبديهة لا تعرف التلكؤ وحافظة تكنز من المواد ما يستعان به على ركوب هذا المركب الوعر تقرن إلى ضلاعة في العلوم وتبحر في الأدب ومطالعة في آثار أئمة أهل البيان ممن نبغوا فدرجوا من قبل واشتمل عليهم الزمان ولقد قال أبو داود رأس الإنشاء الطبع وعموده الدربة وجناحاه رواية الكلام وحليه الإعراب وبهاؤه تخير اللفظ وقال ابن المعتز العاقل يكسو المعاني وشي الكلام في قلبه ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة والجاهل يستعجل بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها واستكمال محاسنها.
ولما سئل جعفر البرمكي وزير الرشيد المشهور عن البيان قال هو أن يحيط كلامك بمعناك ويكشف عن مغزاك ويخرجه عن الشركة ولا يستعان عليه بالفكرة ويكون سليماً من التكليف بعيداً من الضعة بريئاً من التعقيد غنياً عن التأويل مع نزاهته عن الركة وترفعه عن اللغو وأبلغ الكلام ما بخته مراجل العلم وصفاه راووق الفهم وضمته دنان الحكمة فتمشت في المفاصل عذوبته وفي الأفكار رقته وفي العقول حدته وما أحسن ما قال حائك أديب الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه فخرج مفوفاً منيراً وموشى محبراً وإن من البيان لسحراً.
стр. 3376
ولقد قال غيره البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني ويخيط الألفاظ على قدود المعاني ومن أجلى ما وصفت به البلاغة قول أحد العلويين البلاغة إيصال المعنى إلى القلب بحسن صورة من اللفظ وهو يضارع قول بعض الأعراب البلاغة إيجاز في غير عجز وأطناب في غير سفسفة.
هذه هي الصناعة التي يحسبها الناس لعقة من عصيد أو لقمة من ثريد فلا يكاد الصبي منهم يقرأ الأجرومية أو شيئاً من شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ويتلقف بعض ما أوجده الخليل بن أحمد في دائرة البحور من الأعاريض وقيده إسماعيل الجوهري على بعض صفحات الصحاح من حوشي الألفاظ حتى يتربع في دست التصنيف والتأليف أو يقف على منبر الإمام الخطيب أو يسمي نفسه بالشاعر الساحر فيملأ الدنيا صناناً وهو يظنه عطراً وملاباً أو رنداً أو أقحواناً ولله الأمر من قبل ومن بعد وما هو بغافل عما يهذرون.
سليم عنجوري
стр. 3377
هل اللغة العربي حية
وضع المسيو قطان أحد أعضاء المجمع العلمي القرطاجني في تونس محاضرة رد فيها على من قال أن اللغة العربي ليست من اللغات الحية وأنها كانت كذلك وقد أصبحت اليوم من اللغات الميتة فأحدث كلام من أصدر هذا الحكم تأثيراً في نفوس المسلمين لأن له علاقة بأعز الأوضاع عندهم وأقدسها في نظرهم ونعني بها اللغة وقد ردت بعض الصحف الإسلامية على بعض من رموا اللغة العربية بالعقم رداً لم تورد فيه برهاناً بل جعلته خيالياً وتجاوزت فيه حد المناقشة العلمية ورمت القائل وهو أوربي بالطبع بأنه لا يعرف ما في العربي من الميزات والخصائص وقالت أنى يتأتى لغريب عنها أن يفهمها حق فهمها بيد أن صاحب هذه المحاضرة دافع عن العربية دفاعاً علمياً ورد مزاعم من يرمونها بالموت بالبرهان السديد وأثبت لها الحياة مع من يثبتها لها من أبنائها الذين يكتبون بها ويتكلمون فقال:
إن دعوى المسيو نويل بأن اللغة العربية لغة مقدسة جامدة لا تتحرك وإن أدنى تغيير يدخل عليها يعد خرقاً لحدودها وعبثاً بقانونها هو من الدعاوي التي يخالفها الواقع ولا ينهض عليها دليل. وأني أرى علماء المشرقيات الذين يتعلمون اللغة العربية والكتاب المسيحيين في سورية ومصر ممن عنوا بها وبرزوا في آدابها منذ سنين بل والمستنيرين من المسلمين أنفسهم يوافقوني على قولي على أن اللغة العربية لغة سامية انتشرت أولاً في شبه جزيرة العرب ووصلت إلى درجة التهذيب قبل الإسلام ببضعة قرون وكملت على يد النبي وأصحابه وأنه مضت عليها قرون طويلة وهي زاهرة بين شعوب انتشرت بينهم الحضارة الإسلامية فنشأ لهم في العربية كتاب كثيرون من النصارى واليهود والمسلمين وإنها اليوم شائعة بين الشرقيين من أهل الإسلام وغيرهم ويتفهم بها بضعة مئات الألوف من البشر بينهم كثير ممن لم يدينوا بالإسلام ينزلون شمالي أفريقية وأواسطها وجزءاً من قارة آسيا.
نعم لا أآخذ إذا قلت إذا كانت العربية عند معظم المسلمين لغة مقدسة لأنها لغة الدين والعبادة وهي لم تبرح لأرباب العقول السامية الذين ازدان بهم الإسلام والمسيحيين والإسرائيليين الذين عنوا بها حق العناية منذ عهد الخلفاء إلى هذا اليوم أداة بديعة للإفصاح عن الفكر والعواطف العالمية في مظاهرها المتخلفة وهي من أجمل لغات البشر.
أرى أنه متى أريد البحث في لغة بحثاً علمياً أن لا توصف بما يصفها به أرباب التقاليد من
стр. 3378
النحاة ولا المتعصبة من المتفقهة بأنها لغة مقدسة غير قابلة للزيادة والنقص بل الواجب النظر إلى تاريخ هذه اللغة والبحث فيما إذا كانت بقيت جامدة على صورتها الأولى حقيقة أو أنها نشأت ونمت كما ينمو كل تركيب نام حي.
لا جرم أن كل امرئٍ يدرك أن اللغات لا تحيا على يد أساتذة الكليات ولا بتقارير النحاة ولا بأحكام المحاكم وأوامر الحكومات فاللغة الإفرنسية لم تنم منذ عهد كوبلر إلى زمن بريان بهذه الطريقة بل إن العربية على ما فيها من الكتب والنحو والعروض التي شرحها معلمو الجوامع لا تعد لغة أدب فكما أن الإفرنسية تحيا بكتابها المبدعين المجددين أكثر من حياتها برجالها اللغويين والباحثين في أصولها هكذا اللغة العربية عاشت طول عمرها خارج الكيات الإسلامية بفضل أعمال المجددين والمترجمين والعلماء والفلاسفة والشعراء الذين كانوا في عصور مختلفة مع تمسكهم بقواعد النحو العربي الذي كانت الكليات مهيمنة عليها فهم يقفون ما أمكن موقف التوفيق بين ما يكتبون وبين اللغة التي يعجبون بها وحق لهم العجب من كمالها وغناها وجمالها. ومع هذا لم يقفوا ساعة عن تقويتها بما يحملونه إليها من الأفكار الطارئة ولغات الشعوب الأخرى.
وإذا أبى المسيو نويل الخروج عن هذا القياس وادعى بأن اللغة المصرية اليوم هي لغة حديثة نشأت من قطع ملفقة من التقارير وليست من التقديس في شيءٍ أي ليست اللغة العربية في معناها الحقيقي بل هي لغة صناعية وإن اللغة المقدسة هي التي استعملها القرآن فقط وفيها الغريب_إذا قال بهذا فهو يحذف بقياسه من الآداب العربية كتب المؤرخين والعلماء والفلاسفة وغزل الشعراء لأنها مملوءة بالمولد أو أنه يعتبرها من الكلام الوحشي الغير المأنوس ويقتصر بأن لا يعد من الآداب العربية إلا القرآن وتفاسيره وربما كانت هذه التفاسير بحسب زعم المسيو نويل من غريب الكلام أيضاً.
أما أنا فلا أفرط في التدقيق أكثر من عالم من علماء المسلمين بعد أن رأيت في دور المكتب أناساً من صلحائهم ينظرون في كتب القرآن والفقه وبجانبها تآليف كتبت باللغة العربية الحديثة بل مترجمات لفلاسفة يونان. ولذلك أسمي باللغة والآداب العربية تلك اللغة وتلك الآداب التي اتفق جمهور المسلمين وأمثال سلفستر دي ساسي ودارمبورغ وغولدسير وغيرهم من العلماء على تسميته بهذا الاسم.
стр. 3379
قال المسيو نويل أن اللغة الحية هي التي تخضع لنواميس الحياة أي أنها تدخل فيها الجديد وتنبذ ما لا تراه نافعاً لها وهو تجديد يعد من شروط الحياة كالتغذية لكل تركيب نام نباتياً كان أم حيوانياً.
وإني لأكتفي بدحض هذه الحجة بأنه أورد تاريخ العربية ولكم أن تحكموا بأنفسكم بأن هذه اللغة لم تبرح خاضعة قبل الإسلام وبعده لنواميس الحياة. أما تاريخ اللغة العربي فيقسم إلى أدوار أربعة: دور التكون ودور المدنية الإسلامية الزاهر ودور الانحطاط والدور الحالي.
فدور التكون يبدأ بالزمن الذي انفصلت فيه هذه اللغة عن سائر اللغات السامية وأصبحت لغة خاصة بعد أن كانت عبارة عن لهجات كثيرة قلما تجد بينها اختلافاً كثيراً وهي وافرة بقدر ما كان من القبائل في شبه جزيرة العرب. وتعدد اللهجات كان من أسباب غنى العربية بمفرداتها وانتهت الحال بعد ذلك بأن اندمجت هذه اللهجات بعضها في بعض ونسيت كلها ما عدا ثلاث لهجات كبرى ذكرها التاريخ وهي لغة اليمن والحجاز والحبشة.
جاء محمد ﵇ وبدأ بتوحيد جزيرة العرب في سياستها ووفق أخلافه إلى تتميم هذا المقصد فتوحدت بذلك اللغة وكانت الغلبة للغة الحجاز موطن النبي فأصبحت لغة القرآن بعد واغتنت بما دخل إليها من المفردات المستعملة عند شعوب كثيرة ممن كانوا يقصدون مكة حاجين كالهند والفرس والنبط والحبشة والمصريين والإسرائيليين وغيرهم. فكانت مكة أشبه ببرج بابل ولا عجب أن سرى إلى اللغة الأدبية على ذلك العهد مزيج من لغات الأمم الأخرى.
فالألفاظ الدخيلة التي اغتنت بها اللغة العربية إذ ذاك هي أسماء العقاقير الطبية وما تنتج بطون الأرض من المعادن وما يصنع في فارس والمملكة الرومانية والهند الشرقية من المصنوعات ويحمل إلى جزيرة العرب. واقتبست العربية قبل الإسلام ألفاظاً كثيرة من اللغة البهلوية كما اقتبست من العبرانية بعض ألفاظ العبادة مثل الحج الكاهن عاشوراء وكانت الصلات التجارية بين الهند وبلاد العرب سبباً في تعريب كثير من الألفاظ السنسكريتية ولاسيما ما كان منها خاصاً بالعطور والأحجار الثمينة. وبعد أن فتحت فارس أخذ العرب يلبسون الثياب الفارسية وأدخلوا إلى لغتهم الألفاظ الدالة عليها في جملتها فدخلها من الألفاظ السروال الجبة القفطان الطربوش على نحو ما استعمل المسلمون الذين يكتسون
стр. 3380
الثياب الأوربية اليوم من الألفاظ الجاكت البنطلون اللستيك وأُخذ عن الفرس معظم الألفاظ التي تدل على الأطعمة المختلفة والأسلحة والآنية وغيرها.
وابتدأ الدور الثاني للغة العربية وهو دور الفتوح والمدنية الإسلامية باقتباس الألفاظ الدينية والقانونية والإدارية والعلمية وغير ذلك ثم بتعريب كتب اليونان والفرس والهنود فدخل اللغة من الألفاظ مثل الكحالة والصيدلية ثم توسعت في استعمال بعض الألفاظ لأكثر من المعنى الذي وضعت للدلالة عليه مثل مؤمن مسلم صلاة زكاة الحضانة.
حتى إذا تمت الفتوح وأنشأ المسلمون ينظمون البلاد التي خضعت لسلطانهم أخذوا من الفرس والبيزنطيين أصول أوضاعهم السياسية والإدارية والقانونية والعسكرية والمالية فاقتضى لهم تعابير جديدة للدلالة على هذه الوظائف الجديدة فاقتبسوا أكثرها عن الفرس والبيزنطيين مثل الديوان الجامكية البريد نيشان من الفارسية الأسطول الكردوس البطاقة من الرومية واخذوا مفردات عبرية وسريانية عندما ترجمت التوراة والأناجيل مثل قربان جهنم توراة توبة تلميذ يغوث آمين بل أن قواعد النحو نفسها قد دخلها التعديل فأخذت العرب تستعمل الضمائر المستترة للتفنن في التعبير تكثر من استعمال صيغة المجهول وتنسب إلى الروح روحاني وإلى النفس نفساني وتستعمل بعض الصفات في صورة أسماء مثل المائية العامة الخاصة وعلى ذلك العهد سقطت من الاستعمال بعض الألفاظ التي أتى الإسلام على مدلولاتها مثل المربع النشيطة الأتاوة الصرورة.
ولقد ظلت العربية تغتني بمفرداتها الجديدة وتراكيبها الحديثة وتنمو مفرداتها وقواعدها حتى جاء عصر انحطاط المملكة الإسلامية وأخذت تنقسم إلى ممالك مستقلة يحكمها أناس من أصول غير عربية كالمغول والأكراد والأتراك وغيرهم. ففي تلك العصور أصيبت اللغة بما ذهب برونقها الأصلي وأصبحت من التكلف واستعمال الألفاظ الضخمة على جانب من الغلظة والجفاء حتى أن ما كتب من المصنفات على ذاك العهد تصعب قراءته لخلوه من كل فائدة. فهو عهد الألفاظ الرنانة المفخمة والسجع المرصع الذي أعجب به بعضهم وحمل عليه كثيرون وذلك لأن البيان كثيراً ما يضيع لضرورة السجع وإذا ارتضت الأسماع الأسجاع فالفكر ينبو عنها كل النبو.
وفي ذاك العهد دخلت اللغة تلك الاستعارات المفخمة والمبالغات الغريبة حتى أن معظم
стр. 3381
الألفاظ التي عربت تلك الأيام كانت ألفاظاً إدارية أو أسماء رتب في الجيش مثل سنجقدار الجاشنكير اليوزباشي الباشا دفتردار خزندار المابين الآغا دفتر خانه. وفي ذاك العهد أيضاً أخذت بعض الألفاظ العربية توضع لمسميات جديدة مثل المتصرف الصدر الأعظم القائم مقام المسئولية التابعية ثم أتى دور تركت اللغة إلا ما كان له منها علاقة بالنحو واللغة والتصوف والفقه وفي هذه الموضوعات صدرت كتب لا تحصى بكثرتها.
والدور الرابع دور النهضة ويرد تاريخه إلى نحو قرن وقد نزل الأوربيون في الشرق يلتمسون لهم في شواطئ البحر الأبيض بلاداً يظهر فيها نشاطهم فاختلط المشارقة بالمغاربة اختلاطاً دائماً نشأ منه تبادل في الأفكار بينهم وبفضل ذلك اغتنت لغاتهم بمفردات استعارها بعضهم من بعض. وإذا كانت بضاعة الشرقيين في العلم قليلة اضطروا في دراسة العلوم الحديثة أن يأخذوا ألفاظاً عن اللغات الغربية أو أن يتوسعوا في معاني بعض ما لديهم من الألفاظ العربية ليضعوها لأفكار ومعارف جديدة. وذلك دليل على أن اللغة ظلت على حالها على النشوء.
ومن العبث أن نورد هنا بعض الألفاظ الإفرنسية التي اندمجت في سلك اللسان العربي مثل بوليس بارلمان سيركولير أو الألفاظ الإيطالية مثل بوسطة دبكربتو بروتستو دع عنك التعابير العلمية التي سرت إلى العربية من اللاتينية أو اليونانية وهي شائعة في لغات أوربا. ومن الألفاظ الكثيرة التي حولت عن معناها الأصلي للدلالة على أفكار جديدة لم تكن مألوفة للشرقيين الميزانية المؤتمر المحرر المحافظون الأحرار الاشتراكيون أهل الفوضى.
وقد نشأ للغة في سورية ومصر لعهدنا كتاب بالعربية من الطبقة الأولى خلصوا اللغة من قيودها وأعادوا إليها نضرتها الأولى وأنقذوها من المترادفات المملة حتى صارت بإنشائها إلى الوضوح والسلاسة معبرة أحسن تعبير عن الأفكار الحديثة وبفضلهم أخذت روح اللغات الأوربية تدخل في العربية وسهلوا نحوها وصرفها وبيانها.
يقولون أن لغة الكتابة تخالف لغة التكلم ومثل هذا موجود في اللغة الإفرنسية نفسها فإن أهل الطبقة الوسطى يتكلمون بلغة لا تناسب بينها وبين لغة أديب أو شاعر على أن الشعب في البلاد التي يتكلم فيها بالعربية أقرب إلى فهم ما يتعلمون من الألفاظ بالذوق من الشعوب الأوربية إلى فهم الغريب من لغاتهم الرسمية. والدليل على ذلك أنك تجد الطبقة النازلة من
стр. 3382
الأمة تستمع للحكواتي (الأدباتي) في محال القهوة وتنصت لقصص ألف ليلة وليلة وقصة عنتر وتتفهمها كلها على بلاغتها بفطرة فيها وشعور طبيعي.
ومهما يقال فإن التمثيل باللغة العربية الأدبية يفهمه العامة ولئن فاتهم فهم بعض أبياتها فعامة باريز ليسوا في مسارحهم أكثر فهماً لما يتلى عليهم من قصائد كورنيل ومولير.
واللغة العربية ليست كما يقال لغة صناعية أجنبية وليست غريبة إلا عن كثير من الطلبة الهنود والمراكشيين وغيرهم ممن يقصدون من البادية جامع الزيتونة في تونس والأزهر في مصر ليتعلموها بل هي لغة حية لمن يدرسها ويتعلم بها بذوق مثل كتاب الشام ومصر الذين يتولون الصحافة وينشرون المعارف البشرية بواسطة الصحف والكتب بل هي حية أيضاً بالنسبة إلى أولئك الذين تراهم في محال القهوة العامة يهتزون لما يسمعون من أناشيد الغزل ووقائع الحروب على أن اللغة الإفرنسية أيضاً هي أحق بأن تكون لغة صناعية أجنبية إذا رأينا كيف يتوارى شبان الطلبة من قرى أقاليم البروفانس وبرتانيا وغاسكونيا (فرنسا) عن الأنظار ساعات اللعب في المدارس يتكلمون بلهجتهم الخاصة بهم.
فإن قيل أن اللغة العربية تحتاج إلى عشر سنين لتعلم نحوها قلنا أن الشرقيين يتعلمونها في أقل من هذه المدة ويتقنون معها عدة لغات أجنبية فعلينا أن نعقد أملنا بإصلاح طرق التعليم في المدارس الإسلامية على الأسلوب الحديث وذلك بأن يحصل الطلبة لغتهم في قليل من الزمن فاللغة يجب أن تكون آلة لا غاية.
وقال المسيو نويل أن حاجة العربية ماسة إلى أن تستمد من اللغة العامية لتحيا أما أنا فأقول بأن أعظم نقص في اللغة العربية أن تكون غنية وهي لا حاجة بها إلى الأخذ من العامية في حين تجد لديها ٢١ لفظاً مختلفاً للدلالة على الظلام و٥٢ للشمس و١٠٠ للخمر و٢٥٥ للناقة و٣٥٠ للأسد. وقد أصيبت اللغة الإفرنسية بكثرة مفرداتها على عهد رونسارد فما قدح ذلك فيها بل عد من الزيادات التي تحذف. فالعربية لا تشبه اللغات الأوربية بل هي بالنسبة إلى الإفرنسية كالمرأة الباريزية الممشوقة القوام الجميلة الهندام مع المرأة السمينة الشرقية التي تحرص على هندامها القديم وهي حية جميلة قوية. نعم إن عنى العربية بمفرداتها يضر بمرونتها وسرعة فهمها ولكن الفتى الحار لا يكثر منها كثيراً في عروقه فإنا نجد كتاب هذا العهد يسقطون عدداً كبيراً من المترادفات وينشقونها الروح الغربية فهم
стр. 3383
قوام على صحتها وحياتها. واللغة التي تأخذ عن العامية تصبح إلى الابتذال الممقوت أقرب.
وبالجملة فإن العامة في الشرق ليسوا أقل من عامة الغرب فهماً للغتهم ولكنهم يزيدون فهماً يوم تصرف بينهم كل سنة الملايين لنشر التعليم العام على نحو ما يجري في الغرب. وإن قيل أن اللغة العربية لغة أدبية جميلة ولكنها ليست إلا أداة مشوشة لتعليم العلوم فالجواب بأن النتيجة التي وصل إليها أصدقائي المسلمين في المدرسة الخلدونية من تعليم العلوم باللغة العربية هي تكذيب صريح لمن يقول هذا القول. ويمكن أن يقال أن شعوب الشرق هم من عناصر أدب وتفنن فهم أميل إلى تلقف الشعر منهم إلى تعلم العلوم المادية كما يفعل اليوم أهل القاصية من بلاد أوربا فيتخلون عن الجميل من العلوم لتعلم ما هو نافع منها حتى كادوا يفقدون بذلك حضارتهم. فأنا أقول لهم في هذا المجال ما قاله نابليون: إذا كانت العلوم من أحسن ما اهتدت عقول البشر إلى تطبيقه فالآداب (الأدبيات) هي روح الإنسانية بذاتها.
стр. 3384
السجل المعلق
نقلنا في الجزء الماضي نموذجاً من كتاب السجل لحمزة بن علي مثبت ألوهية الحاكم بأمر الله وصاحب مذهب الدروز الأول وها نحن أولاء نتبعه بنتف منه تكشف الغطاء عن معتقدهم وللقارئ أن يعلق عليها ما شاء:
جاء في الرسالة الموسومة ويد (؟) التوحيد لدعوة الحق: توكلت على مولانا البار العلام العلي الأعلى حاكم الحكام من لا يدخل في الخواطر والأوهام جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام حروف بسم الله الرحمن الرحيم حدود عبد مولانا الإمام: كتابي إليكم معاشر الأخوان المستجيبين إلى دعوة مولانا الحاكم الأحد الفرد الصمد جل ذكره عن الصاحبة والولد العابدين له لا لغيره الناجين من شبكة إبليس اللعين والضد المهين وجواسيسه الملاعين وأنصاره الغاوين وحزبه الشياطين ليس لإبليس عليكم سلطان ولا لجنوده لديكم مكان ولا لزخرفة عندكم شأن بل أنتم الملائكة المقربون الذين ملكوا أنفسهم عن أفعال المشركين وأنتم حملة عرش مولانا جل ذكره والعرش ها هنا علمه الحقيقي الذي هو صعب مستصعب لا يحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو مؤمن امتحن المولى قلبه بالإيمان له وجده سبحانه تعالى عما يصفون.
أما بعد فإني أحمد إليكم مولانا الذي لا مولى لنا سواه وآمركم وإياي بالشكر لنعمه وآلائه حمد من استوجب الزيادة في أولاه وأخراه وأوصيكم بما أيدني به مولانا جل ذكره وأمرني به من إسقاط ما لا يلزمكم اعتقاده وترك ما يضركم افتقاده من الأدوار الماضية الخامدة والشرائع الدارسة الجامدة وما منهم ناطق إلا وقد نسخ شريعة من كان قبله من المتقدمين ومحمد بن عبد الله الناطق السادس لما ظهر بالنطق نسخ الشرائع كلها وسد الطرق وقال فمن لم يترك ما كان عليه قديماً من دين آبائه وأجداده قتل وسمي كافراً ومن ترك الشريعة التي بيده ولم يلتفت إليها وقع عليه اسم الإسلام وكان في سلمه غير ملام وضمن لهم محمد الجنة على الدوام فبان للعاقل الشافي والمخلص الكافي أن الإشارة والمراد ها هنا في عبادة الموجود لا المعدم المفقود والإنسان ابن يومه وساعته وفي الوجود راحته وله عبادته وبه حياته وإليه إشارته ومولانا الحاكم البار العلام قد نسخ شريعة محمد بالكمال ظاهراً للمؤمنين ذوي الأفضال وباطناً للموحدين أولي الألباب وأما من نوره في قلبه زاهر وفي معاني أموره للخلق قاهر وغير منافق بالكفر شاهر لا يلتفت إلى اشتعال الناموس وعلوه
стр. 3385
وزخرف القول وسموه ويعلم أنه استدراجاً للكافرين وتمييزاً للمؤمنين الموحدين كما قال وليميز الله الخبيث من الطيب وإن كان لا يخفى عن مولانا جل ذكره الخبيث من الطيب يعني المشرك من الموحد لكنه أراد أن يبين للموحدين من يرجع منهم على عقبيه ومولانا جل ذكره عالم بما في الصدور وما هو كائن والدليل على ذلك زوال الشريعة على الاختصار في شيءٍ واحد إذ لم تحتمل هذه الرسالة طول الشرح.
وقد بينت لكم في الكتاب المعروف بالنقض الخفي نسخ السبع دعائم ظاهرها وباطنها وذلك بقوة مولانا جل ذكره وتأييده ولا حول ولا قوة إلا به وكيف وفي رفع الزكاة وإسقاطها مقنع المسائلين عن غيرها وهي مقرونة بالصلاة وقد غزا عبد اللات بن عثمان المكنى بأبي بكر إلى بني حنيف ومعه جميع المهاجرين والأنصار فقتل رجال بني حنيف ونهب أموالهم وسبى حريمهم. وقد اشترى علي ابن أبي طالب وهو أساس الناطق من جملة السبي امرأة تعرف بالحنفية واسمها تحفة وهي أم ولده محمد فقيل له يا علي كيف تستحل نفسك أن تشتري امرأة تعرف مسلمة تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمداً رسول الله وتصلي الخمس وتصوم شهر رمضان فقال علي ما ينفعها ولا لقومها الشهادتين ولا سائر أعمال الشريعتين إذا لم يؤدوا الزكاة وإن الزكاة هي الشريعة بكمالها فمن لم يؤدها وجب عليه القتل وأحل لنا ماله وأهله لقوله فويل لمشركين الذين لا يؤدون الزكاة فقد أخرجهم الله من الإسلام وجعلهم من المشركين. وأنتم معاشر الموحدين قد علمتم وسمعتم السجل الذي أمر مولانا جل ذكره بقراءته عليكم وأسقط عنكم الزكاة والأعشار والأخماس وسائر الصدقات إلى أبد الآبدين ولم يسقط عنكم محافظة بعضكم بعضاً. . . .
وقال في رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد: فنعوذ بمولانا من ذلك سبوح قدوس مبدع الإبداع وجامع الأشتات والأضياع الذي هو على السماوات عالٍ وفي الأرض متعال وعن قريب يظهر مولانا جل ذكره سيفه بيدي ويهلك المارقين ويشهر المرتدين ويجعلهم فضيحة وشهرة لعيون العالمين والذي يبقى من فضله السيف تؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون ويلبسون الغيار وهم كارهون ويكونون في الغيار والجالية على ثلثة أصناف فغيار النواصب علاقتان من الرصاص في أذني كل واحد منهم وزنهما عشرون درهماً وطرف كمه الأيسر مصبوغ فاختياً وجاليته ديناران ونصف وهم يهود أمة محمد ويكون غيار أهل
стр. 3386
التأويل الواقفين عند العدم علاقتين من الحديد في أذني كل واحد منهم وزنهما ثلثون درهماً وطرف كمه الأيمن مصبوغ بالسواد وجاليته ثلاثة دنانير ونصف وهم المشركون نصارى أمة محمد ويكون غيار المرتدين من توحيد مولانا جل ذكره علاقتين من الزجاج الأسود في أذني كل واحد منهم وزنهما أربعون درهماً ويكون على رأسه طرطور من جلد ثعلب وصدر ثوبه مصبوغ رصاصياً أغبر وجاليته خمسة دنانير في كل سنة وهم المنافقون مجوس أمة محمد وتؤخذ هذه الجالية من الشيوخ والشباب والنساء والصبيان والأطفال في المهد وتغير عليهم العلائق في كل سنة فمن خالف منهم ضرب عنقه. . . . .
وقال في رسالة الغاية والنصيحة: فلو ميزتم معاني الكلام وتدبرتموها لبان لكم نطق الرسول من نطق إبليس وفعل الإمام من فعل غطريس ولعرفتم السبت والخميس وتبرأتم من فرعون وهامان الرجيس ولتصور لكم ارتفاع مكان إدريس وعبدتم مولانا جل ذكره باري الحن والجن والبن والإنس. والرسول هنا هو الإمام المفترض الطاعة وهو دون الإمام المعظم وإبليس هو المشتبه بالمولى سبحانه ويزعم بأنه جنس ويدعي عهد المسلمين والإمام الأعظم ذومعة وسمي ذومعة لأنه دعا توحيد الإمام جل ذكره بلا واسطة وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإمام ويدعي منزلته ويكون له خوار وجولة بلا دولة ثم تنطفئ ناره وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب والثوب هو الداعي والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره وادعى منزلته حسداً له وإعجاباً بروحه وقال قول إبليس وكذلك الدرزي سمى روحه في الأول بسيف الإيمان فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب لأن الإيمان لا يحتاج إلى سيف بعينه بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد في عصيانه وأظهر فعل الضدية في شأنه وتسمى باسم الشرك وقال أنا سيد الهاديين يعني أنا خير من إمامي البادي وغره ما كان يضربه من زغل الدنانير والدراهم وحسب أن أمر التوحيد مثله يحتمل التدليس وأبى أن يسجد لمن نصبه المولى جل ذكره وقلده واختاره وجعله خليفته في دينه وأمينه على سره وهادياً إلى توحيده وعبادته فتغطرس على الدين وأظهر سيف الناطق والأساس
стр. 3387
أجمعين طلباً للرياسة والاسم اللطيف بإظهار الشريعة في عالم البسيط والكثيف.
وفرعون البرذعي وهامان علي ابن الحبال لأن فرعون كان داعي وقته فلما أبطأ الناطق قال أنا ربكم الأعلى يعني إمامكم الأعظم. وهامان الذي فتح له باب المعصية وإدريس هو الذي رفع مكاناً عالياً وهو ارتفاع درجته في العلوم حتى أصبح إماماً دون الإمام الأعظم الذي مص العلم من ذي معة وهو قائم الزمان هادي المستجيبين عبد مولانا جل ذكره وصفيه بلا واسطة جسماني فإذا عرفتم هذا عبدتم مولانا جل ذكره باري الحق وهم الدعاة والجن وهم المأذونون والبن وهم المكاسرة والأنس وهم المستجيبون ها هنا في هذا المعنى والسبت دليل على السابق وهو علي بن عبد الله اللواتي الداعي والخميس دليل على التالي وهو مبارك بن علي الداعي وأهل التأويل يزعمون بأن الكلمة هو السابق والسابق هو الكلمة ولا فرق بينهما ولا يعرفون فوقهما شيئاً إذ كانت الثلة حدود الذين هم ذومعة وذمعة والجناح غائبين عن عيون قلوبهم ينظرون إليهم وهم لا يبصرون.
معاشر المستجيبين لمولانا جل ذكره قد بلغت لكم الهداية ودعوتكم إلى توحيد مولانا جل ذكره في سبعين عصراً ما منها عصر إلا ويظهرني مولانا جل ذكره فيكم بصورة أخرى واسم آخر ولغة أخرى أعرفكم ولا تعرفوني ولا تعرفون نفوسكم. والآن قد استدارت الأدوار وكأنكم بإظهار توحيد مولانا جل ذكره ونور الأنوار وأظهر لكم ما كان مدفوناً تحت الجدار فلمولانا الحمد والشكر وحده فلا تنكروا معجزات مولانا جل ذكره وآياته ولا تلتفتوا إلى أمس فأمس مضى بما فيه وغداً فلا تعلم أنك توافيه واليوم أنت فيه بما يقتضيه وكلما غاب عن العالم أسقطوه فلو كان للعالين عقول لميزوا معجزاتي التي أيدني بها مولانا جل ذكره يوم الجامع. . . . .
وقال في رسالة السيرة المستقيمة بشأن القرامطة ما يأتي: وكان أهل الإحساء_إلى المدينة صرفة_يسافرون إليها بالبيع والشراء فدخل إليها رجل من أهل الإحساء يقال له صرصر فكاسره بعض الدعاة وأخذ عليه العهد من وقته وساعته وأتى به إلى عند آدم وهو شطنيل فأطلقه داعياً بإحساء وأعمالها فخرج الرجل من وقته وساعته إلى الإحساء وأعمالها وأخذ العهد بها على خلق كثير وأوصاهم بتوحيد مولانا جل ذكره وعبادته والإقرار بشطنيل وإمامته والتبرئ من إبليس وصحبته وقال لهم إذا دخلتم هجر فعبسوا وجوهكم وقرمطوا
стр. 3388
آنافكم على أهلها فإن فيها رجلاً يقال له حارث ابن طرماح الأصبهاني وله أصحاب كثيرة وكلهم قد خالفوا مر مولانا البار العلام وجحدوا فضيلة الإمام فلا تخاطبوا أهلها بشيء من العلم إلا لمن يحضر معكم مجلس شطنيل الحكيم فقبلوا من الداعي صرصر وفعلوا ما أمرهم به من العبسة والقرامطة فلقبوهم بالقرامطة إلى وقتنا هذا وصار ذلك اسماً في بلاد الفرس وأرض خراسان إذا عرفوا رجلاً بالتوحيد قالوا هذا قرمطي ويسمون مذهب الإسماعيلية القرامطة لهذا السبب.
وكان أبو طاهر وأبو سعيد وغيرهم من القرامطة دعاة لمولانا البار سبحانه يعبدونه ويوحدونه ويسجدون لهيبته وعظمته وينزهونه عن جميع بريته فلقبهم المولى جلت قدرته بالسادة وعلموا في الكشف ما لم يعمله أحد من الدعاة وقتلوا من المشركين ما لم يقدر عليه أحد من الدعاة ولم يسهل المولى سبحانه ظهور الكشف على أيديهم لما علم جلت قدرته وعزت عظمته ومشيئته ما يكون من الخلف بعدهم من إضاعة التوحيد والضلالات وإتباع بني العباس بالشهوات ووقوعهم في الغي والغمرات وقد آن وقت الكشف وأزف أوان السيف الخسف وقتل المنافقين وهلاكهم بالعنف ولا بد من رجوع أهل الإحساء وهجر وديار الفرس إلى ما كانوا عليه من توحيد مولانا جل ذكره وعبادته ويسجدون له ولهيبته وعظمته وينزهونه عن جميع بريته ويكونوا أنصار التوحيد كما كانت قديماً أسلافهم وأبث فيهم دعاة التوحيد وأجمع شمل الأولياء والعبيد وأقهر بسيف مولانا جل ذكره كل جبار عنيد حتى لا يبقى بالحرمين الشريفين مشرك بمولانا جل ذكره ولا كافر به ولا منافق عليه ويكون الدين واحد (؟) بلا ضد ولا معاند وذلك بقدرة مولانا الحاكم الأحد الفرد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد وشدة سلطانه ولا حول ولا قوة إلا له وبه عليه توكلت وبه أستعين وإليه المصير وهو حسبي ونعم المعين النصير. . . . .
وقال في نفس هذه الرسالة أيضاً في توحيد الحاكم وآياته: فلمولانا الحمد والشكر على ظهور نور الأنوار وخروج ما كان مدفوناً تحت الجدار فقد أنعم علينا وعليكم بمباشرته في البشرية وظهوره لكم في الصورة المرئية كيما تدركون بعض ناسوته الأنسية ولا أقول ذاته أو نفسه أو صورته أو معناه أو صفاته أو حجابه أو مقامه أو وجهه إلا ضرورة على قدر استطاعة المستجيبين وما يفهمه المستمعين (كذا) وتعيه عقولهم ويدخل في خواطرهم ولو
стр. 3389
قلنا غير هذا لما فهموا الكلام ولا تم لهم النظام وإلا فمولانا جل ذكره لا يدخل في الأوهام والخواطر ولا يمتزج بباطن ولا ظاهر بل منه بدأ كل شيء وإليه يعود كل شيء كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن عن إحاطة الدهور به والأزمان ولا يقف أحد من المخلوقين على أفعال مولانا جل ذكره ولا يدرك غاية سلطانه ولا يستطيع الوقوف على كنه عشر عشر معشار سيرته وبرهانه.
ولقد تدبروا العالمين (كذا) ما يرون من آياته وبيان علاماته مشاهدة العيان لكان لهم كفاية عن طلب العدم بالخبر وعن كتبه التواريخ والسير وذلك ما شاهدون منه لا يجوز أن يكون من أفعال أحد من البشر ولا سمع به من التواريخ والسير. ولو جئت أذكر لكم عيان جميع ما أظهر مولانا جل ذكره من أبياته وبيان علاماته لما حواه قرطاس ولا كتبه قلم كما قال في القرآن ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله والله في هذا الموضع ناسوت مولانا سبحانه لكني أذكر لكم في هذه السيرة وجوهاً قليلة العدد كثيرة المنفعة لمن تفكر فيها ووحده وعبد مولانا سبحانه وعز عن حكومة الأوهام سلطانه.
فأول من اختصر هذا القول ما فعله المولى سبحانه مع برجوان وابن عمار وهو يومئذ ظاهر ما يرونه العامة على قدر عقولهم ويقول صبي السن وملك المشارقة كافة مع برجوان وابن عمار ملك المغاربة كافة ما أمر مولانا سبحانه بقتلهم فقتلوا الكلاب ولم يخش من تشويش العساكر والاضطراب وأما أمر ملوك الأرض فما يجرأ أحد منهم على مثل ذلك ثم أمر بقتل ملوك كتامة وجبابرتها بلا خوف من نسلهم وأصحابهم ويمشي أنصاف الليالي في أوساط ذراريهم وأولادهم بلا سيف ولا سكين.
وقد شاهدتموه في وقت أبي ركوة الوليد بن هشام الملعون وقد أضرم ناره وكانت قلوب العساكر تجزع في مضاجعهم مما رأوه من كسر الجيوش وقتل الرجال وكان المولى جلت قدرته يخرج أنصاف الليالي إلى صحراء الجب ويلتقي به حسان بن عليان الكلبي في خمسمائة فارس ويقف معهم بلا سلاح ولا عدة حتى يسأل كل واحد منهم عن حاجته ثم أنه يدخل في ظاهر الأمر إلى صحراء الجب وليس معه غير الركابية والمؤذنين وكذلك في وقت نفاق مفرج بن ذغفل بن جراح وأخوته وأولاده وبدر بن ربيعة وجميع العرب وكانوا
стр. 3390
أهل الحجاز مع سلطانهم حسين بن جعفر الحسيني الذي نافق بمكة ومجيئه إلى الرملة واجتماعه مع ابن جراح وأولاده وما بالحضرة أحد من العسكرية ولا من الرعية إلا وهو يعتقد في كل يوم وليلة بأن حسين بن جعفر الحسيني يحيي مع مفرج بن دغفل وأولاده ويكسبون القاهرة والمولى جل ذكره يركب كل يوم وليلة ويخرج من العتمة من القاهرة ويدخل صحراء الجب ناحية الجبل موضع يزعمون العالم بأن بينه وبين ابن جراح وأراد ابن جراح أن يقتله ثم هلك بعد ذلك مفرج بن دغفل بن جراح وملوك الأرض كافة قد عجزوا عن هذا. . . . اهـ.
وهكذا تجد هذا المخطوط كيف قلبته حاوياً أنواعاً مما تقدم وختم بقصيدة اسمها شعر النفس للشيخ أبي إبراهيم إسمعيل بن محمد التميمي الداعي المكنى بصفوة المستجيبين إلى دين مولانا إلى علم الإمام أرسلها إلى جبل السماق لتقرأ على كل موحد وموحدة قال:
إلى غاية الغايات قصدي وبغيتي ... إلى الحاكم العالي على كل حاكم
إلى الحاكم المنصور عوجوا ويمموا ... فليس فتى التوحيد فيه بنادم
هو الحاكم الفرد الذي جل اسمه ... وليس له شبه يقاس بحاكم
حكيم عليم قادر مالك الورى ... يؤانس بالاسم المشاع بحاكم
غدا السابق السامي إليه وتاله ... مع الجد والفتح الخيال الملاوم
عبيداً لمولانا خضوعاً لأمره ... وكل فتى في الدين عبد لآدم
هو الواحد العالي على كل علة ... وما غيره إلا كعبد وخادم
هو الحاكم المولى بناسوته يرى ... ولاهوته يأتي بكل العظائم
إلى الحاكم المولى فهبوا واقبلوا ... فتوحيدكم صدق على كل حازم
إذا الحاكم العالي تعالى بموكب ... فوحد بين العلم بين العوالم
تسمى إماماً والإمام فعبده ... تيقظ ولا تصغي إلى كل نائم
وقد ظهر المولى فآسى عبيده ... بأفعالهم أنساً بحكمة حاكم
ظهوراً بأفعال العبيد وشكلهم ... ويؤنسهم والخلق شبه البهائم
إذا بثنا التوحيد طاشت عقولهم ... وراموا انتهاشاً مثل نهش الأراقم
سيقطعهم عظم احتجاج مقالنا ... على عظمهم قطعاً كقطع الصوارم
стр. 3391
هو الحق ما قلنا شواهده أتت ... تحز مقال القوم حز الغلاصم
تقوم رجال الحق عند قيامهم ... بقوة عزم في انتهاء العزائم
يفادون رغماً لا يجاب مقالهم ... حفاة سارى في أكف الضراعم
يناديهم الهادي هلموا إلى الذي ... جلتهم من التوحيد من كل عالم
هلموا إلى المعنى الخفي وحسبكم ... شواهد ما أبدي لكم في الدعائم
وقلتم بتأويل المعاني ديانة ... على غيره ما قد قيل من كل قائم
ظننتم بأن الطفل يبقى لصغره ... وأنسيتم حد البلاغ المكاتم
وأشركتم والشرك كنه لنطقكم ... وأمواج بحر الشرك بين التلاطم
سيطلق سيف الحق فيكم لجهلكم ... ويحصدكم كالزرع من غير راحم
وتحويكم أهل الإجابة والتقى ... وتوحيدهم يربو على كل غانم
ويظهر سيف للتميمي مشهراً ... على جمعكم والفعل من غير آثم
وما صفوة للمستجيبين تارك ... جهادكم من غير خوف ولا لم
ونشفي غليلاً في الصدور مكمناً ... ونأتي على أنسابكم والتراجم
وتمشون جهراً بالغيار لخلفكم ... وتلقون كل الذل من غير راحم
سيكظم هذا الشعر كل منافق ... ويزداد كظماً فوق كظم إلا كاظم
стр. 3392
حال الهند الإنكليزية
(معربة عن مجلة الديبا الأسبوعية)
ليست أحوال الهند كما يرام والحكومة الهندية البريطانية في خوف شديد ورعب زائد. لا جرم أنه يستبعد حدوث ثورة عامة مثل ثورة سنة ١٨٥٧. لأن الحكومة تتذرع بوسائل من الحزم والاحتياط تجعل أمثال هذه الثورات من قبيل المحال. خصوصاً وأن أسلاك البرق وخطوط الحديد وسرعة وصول الأخبار وسهولة المواصلات تساعد الحكومة على توطيد دعائم الأمن والراحة وتضمن لها السكون والهدوء. غير أن الهنديين يحاربون الفاتحين بأسلحة أخرى وسيظلون محاربين لهم أبداً بها وهي: الجرائد. الخطب. الدعوة إلى الثورة.
فبهذه الأسلحة الثلاثة يحاول الهنديون نزع الحكم الإنكليزي من أعناقهم. إلا وأن بين سكان آسيا على اختلاف مللهم ونحلهم وتباين عناصرهم وأجناسهم وبين أهل أوربا نفوراً ليس في إمكان البشر محوه ورفعه.
وإليك ما قاله كيبلينك في هذا الصدد: من كتاب الإنكليز ولد في بومباي سنة ١٨٦٥).
الشرق شرق والغرب غرب. ولا شيء يجمع بينهما فهما ضدان لا يأتلفان. ومكن المتعذر كل التعذر أن تنشأ بين ابن الشرق وابن الغرب ألفة حقيقية أو مودة ثابتة أو ثقة تامة. فإنهما يتكلمان بلغتين متباينتين كل التباين ولا يستطيعان أبداً أن يتفاهما. وعدم الألفة وقلة الوئام هو الأصل في علائق الشرقيين والغربيين على مدى الأيام. . . .
تخرج في غضون خمسين سنة من المدارس العليا في الهند وإنكلترا ما يربو على خمسين ألف تلميذ هندي فتسعة أعشار هؤلاء غدوا كتاباً وأدباء ومحامين. أما الأطباء والمهندسون والكيماويون فهم بين ثلاثة إلى أربعة آلاف.
ويتخرج كل سنة من المدارس العالية اثنا عشر ألف هندي وهؤلاء يأتون بلادهم حاملين شهاداتهم فيزداد بهم عدد الدارسين المعلمين زيادة مستمرة.
وإن يكن قد خصص لهؤلاء الشبان بعض المناصب الصغيرة في الإدارة والمحاكم فليس في هذه المناصب ما يكفيهم جميعاً ومن لم يقدر على الدخول أو يرغب في دخول سلك المعلمين بتلك الرواتب الطفيفة التي تكاد تكون سخرية وهزؤاً يضم صوته لأصوات الجرائد ورجال السياسة المهيجين فعدد هؤلاء كبير للغاية وهو ينمو ويقوى على الدوام. .
стр. 3393
فالتربية الأوربية جعلت الهنديين غير راضين وصيرتهم خانقين ناقمين! ينشأ الهندي من المدارس العالية على ذكاءٍ وقاد ونباهة تامة غير ميال للتجارة أو الصناعات فيدخل في برهة وجيزة غمار الساسة وهو حانق على حكومة وإدارة قد غرستا فيه آمالاً كبيرة ومنته بأحلام مذهبة لم يتمكن من تحقيقها ولا طاقة له بالحصول عليها. وإذ كان يرى نفسه على مستوى من يحكمون عليه مساوياً لهم في المعرفة والإدراك ولا فرق بينه وبينهم في شيءٍ لا يلبث أن يتمثل أمام عينه ذلك الظلم المهين الذي سجل عليه حياة بائسة تحت ربقة أناس دخلاء أجانب غرباء مع أن في مكنته أن يقوم مقامهم في تولى الأمور والمصالح والعمل في شؤون الحكمة والإدارة وقد يفضلهم ويمتاز عنهم من حيث أنه ابن البلاد عارف بأخلاقها وطبائعها، خبير بأمزجتها وعاداتها، واقف على معتقداتها وتصوراتها. . .
يتعلم الهندي في بلاد الإنكليز في أيام الدراسة قواعد السياسة وأصول الإدارة وسيقف على آراء علماء الاجتماع على نحو ما يتلقاها شبان الإنكليز فيخرج من المدرسة وعقله متشبع بمبادئ الحكم الذاتي وحكم الأمة نفسها بنفسها وعدم المركزية كما هو الحال في بريطانيا. والتلميذ الهندي يفهم هذه المبادئ كل الفهم ويعلمها حق العلم ولكنه متى جاء ليطبق أحكامها على بلاده وأوطانه يشعر بأن لسان حال الإنكليز يقول له بأجلى إشارة:
ما كان حقاً وصحيحاً على ضفاف التايمس ليس كذلك على ضفاف الغانج!.
وهذا القول يصعب إذا نظر الإنسان إليه بعين إنكليزية أما الهندي فلا يقنعه ذلك ومن هنا ينبعث النفور والحنق.
يريد الهنود إما أن يتركوا وشأنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم وإما أن يحكمهم الإنكليز مراعين مصلحة الثلاثمائة مليون من البشر سكان الهند رعية إمبراطور الممالك الهندية وملك بريطانيا. وبعبارة أخرى يطلبون من حكومة الهند أن توجه عنايتها لحفظ مصالح الهند.
إما الإنكليز وجرائد الإنكليز فيقولون ويجهرون بالقول غير مبالين بأن بقاء الإنكليز وحكمهم عليها هو لأجل مصالح الإنكليز فقط فالهنود محكومون للإنكليز من أجل هذه المصالح وحدها. وما دام الإنكليز في بلاد الهند فمصالحهم ومرافقهم فيها خطيرة فحرصاً على هذه المصالح ورعايةً لهذه المرافق وحباً بالوصول إليها على أكمل وجوهها يحكمون
стр. 3394
هذه المملكة الشاسعة الأطراف الوسيعة الجوانب ويدبرون أمورها.
ربما ساغ للإنكليز أن يقولوا أنهم عمروا البلاد وحسنوا حالها بإنشاء الطرق ومد الخطوط الحديدية وأسلاك البرق وإصلاح الري وسقيا الأرض وفتح أبواب الصناعات وبذل العناية في حفظ الصحة العامة ودرءِ أسباب المجاعات وتخفيف ويلاتها. ولكن هذه المواد النافعة لم تأتِ إلا من طريق العرض وهي منبعثة من المنافع الكبيرة والفوائد العظمى التي خص الإنكليز بها أنفسهم دون سواهم فهي ناشئة من حاجتهم إليها لأجل استثمار البلاد وأخذ نتاجها وغلتها. . .
وقصارى القول: إن الإنكليز لم يحكموا الهند من أجل عيون الهنود الكحلاء ولمنفعة الهنديين بل رغبة في مصلحة الإنكليز وحدها. . .
وما من أحد في الغرب يلوم الإنكليز على صنعها هذا. ولكن أليس من البديهي أن يصلح أهل الهند غير راضين عن هذه الحالة.
يقول الهنود: لا يعمل الإنكليز إلا لأنفسهم.
ويجيبهم الإنكليز: بأنهم يعملون لأنفسهم وفي عملهم هذا ينفعون البلاد الهندية. فهنا فرق دقيق لا يخفى على الناقد البصير.
وإن الهنود الدارسين في أوربا ليعلمون هذا الفرق ويدركونه وهم لا ينفكون من إلفات أنظار أبناء وطنهم إليه مشوباً بالإعظام والمبالغة. رأى الهنود المتعلمون وعرفوا ماذا حدث وجرى في جزيرة إيرلاندا ورأوا وعرفوا ماذا حدث في الممالك الأخرى فاقتدوا بهم ونسجوا على منوالهم وحذوا حذوهم وقلدوا الأيرلنديين والاجتماعيين والعدميين (سوسياليست وآنارشيست) في أعمالهم. .
خذ مثالاً لذلك حاثة عليبور سنة ١٩٠٨ وحادثة لورندا سنة ١٩٠٩ (وهي أن دنكرا الهندي قتل السير كرزون ويلي والدكتور لاتقا سنة ١٩٠٩) وغيرهما. . .
فالمتهيجون والكتاب والصحفيون من الهنود الذين يعرفون قوة الجرائد والمطبوعات وتأثيرها فتحوا باب حرب دائمة على صحائف الجرائد ضد الإنكليز يدعون الناس فيها إلى طلب الاستقلال في الإدارة (أوتونومي وبالهندية سوراجا) ويشوقونهم لمقاطعة البضائع الإنكليزية (بويكوتاج وبالهندية سوادشي) كما صنع الأيرلنديون في جزيرتهم.
стр. 3395
وأضافوا على ذلك عمل الفوضويين أي القتل والفتك الذريع وإلقاء القنابل والأجزاء المفرقعة والمواد النارية المنفجرة.
وهذا هو البلاء! فكيف السبيل للوقوف أمام تياره الهائل؟
لم تعمد الحكومة الإنكليزية حتى الآن إلا إلى طريقتين: الأولى العزم والرصانة. الثانية: إرضاءُ الطبقات العليا التي لها التأثير في الهنود بشيءٍ من المنافع والمناصب وهم البراهمة الذين يلتصق بهم عامة الدارسين من الهنديين الذين نشئوا نشأة إفرنجية.
وربما وجد بين هؤلاء من هو راضٍ عن الإنكليز وحكم الإنكليز. بيد أنهم قليلون جداً لا يتعدون الطبقة التي تولت مناصب الحكومة ونالت رواتب كافية.
أما جيش الكتاب الصحافيين العرمرم، جيش الناقمين الحانقين، جيش المتعلمين الذين لم يحصلوا على مراكز في الحكومة فإنهم يؤثرون في أفكار الناس جميعاً من طريق الكتابة والخطابة.
يصعب الحكم على مبلغ تأثير هؤلاء المتحمسين وإلى أين يصل وماذا حصل منه. ومعلوم أن التأثير عظيم جداً لاسيما في بنجاب وبنغاله وغيرهما من الأقطار. . .
ومما يساعد على امتداد سلطة الإنكليز في الهند انقسام الهنديين إلى طبقات متخالفات (كاست وهذه الطبقات لا رابطة بينها ولا ترغب في أن يكون لها رابطة.
ولا يوجد في الهند ما يقال له أمة هندية. وليس بين سكان الممالك الهندية رابطة مشتركة سوى بعض الإنكليز وهذه الرابطة عبارة عن شعور سلبي لا يفيد في شيءٍ إن لم يكن مشفوعاً بشعور إيجابي كحب الوطن والاشتراك في اللغة وفي الأفكار.
فهذا لا أثر له في الهند. أو لم يوجد بعد. ويختلف الهنود بعضهم عن بعض كما يختلف سكان البلاد المتفرقة في أوربا.
ثم أن العنصر الإسلامي في الهند راضٍ عن حكومة الإنكليز لأنه هو أيضاً أجنبي. ومن المحقق أن المسلمين في الهند ليسوا سوى ستين مليوناً من ثلثمائة مليون والهنود يبغضون المسلمين بقد بغضهم للإفرنج تقريباً وزد على ذلك فإن مسلمي الهند محرومون من الذكاء والميل للتعليم الذي عرف به الهنود.
فينتج من ذلك أن الحالة في الهند أو في بعض أيالاتها (كبنجاب وبنغاله وغيرهما. .)
стр. 3396
ليست على خير وإن كان لا ينبغي إعظامها والمبالغة فيها لأن وجود الطبقات المتخالفات في درجات الاجتماع واختلاف الأجناس والأديان يحول دون ثورة عامة على الإنكليز. وإنكلترا لا تخشى إلا من أن تثور الهند مدفوعة من إحدى الدول العظمى أو مستندة عليها. خطر الثورة في الهند قليل جداً بالنسبة للثورة التي حدثت قبل اثنتي عشرة سنة ولكتن المركز حرج على كل حال.
عن نهر الذهب:
عبد الوهاب.
стр. 3397
آفة الأخبار
مسألة تصحيح السند في الأخبار من المسائل المعول عليها كثيراً في الإسلام حتى عد ذلك من خصائصه وبه حفظت السنة بحالها وطرحت منها الزوائد ولم يبق مجال للوضاعين والقصاصين على شدة احتيالهم في بث ما اخترعوه ووضعوه ولأجل هذا الغرض ألفت المصنفات الكثيرة في الطبقات ليعرف كل امرئٍ بترجمته فلا يغترر إنسان بقوله مهما بلغ من زخرفه: فمن طبقات للمفسرين وأخرى للمحدثين وأخرى للفقهاء وغيرها للمؤرخين وغيرها للنحويين والحكماء والأدباء والفلاسفة والأطباء لتظهر على الدهر صفات من انتسب لعلم أو ضرب في العارف بسهم.
ولذلك كان من السهل التمييز بين أقوال المؤلفين على عهد رواج بضاعة العلوم في هذه الديار أيام كانت ملكة النقد ترجع إلى قواعد مقررة وضوابط محررة فلا يغتر الخاصة بنقل نقله مؤلف هو في الحقيقة من العامة بمجرد ما يرونه٨ مكتوباً على الورق منشوراً في سفر مجلد.
ولقد كان ولا يزال بعض من يعانون صناعة التأليف يسقطون الحين بعد الآخر في مسائل فيخلطون فيها على الأغلب ومنشأ ذلك على ما يعرف المحققون عدم تصحيح السند والنقل وأخذ القول على عواهته بدون تمحيص حتى لم تكد تخلو كتابة المكثرين من المغامز يتبين منها عوارها ويتجلى ضعفها.
مثال ذلك اختلاف بعضهم في أمر الخلفاء وما كانوا عليه من النازع والأخلاق فكان بعضهم يقدح في سيرتهم حتى يسقطوهم كل الإسقاط وبعضهم يرفعونهم حتى يبلغوا بهم مراتب الملائكة وكلا الأمرين إفراط وتفريط. فقد رأينا بعض الوضاعين وأرباب المجون اتهموا بعض بني العباس كالرشيد والمأمون مثلاً بالتبذل والاسترسال في الخلاعة ولم نر مؤرخاً واحداً من ثقات المؤرخين صحح هذه الأخبار فكأن مدون تلك الهنات يحاول إلصاقها بخصمه لغرض سياسي أو أن ينقلها بعض أرباب المقالات والأهواء_وأكثرها أيضاً من نزعات سياسية_ويقصد منها غرضاً من الأغراض أو يغتر بها الأبله وما أكثر البله في المؤلفين. ومن الحكايات المدخولة للأغراض المنوه بها ما رواه بعض لم يصححوا النقل في السبب الذي حمل الرشيد على نكبة البرامكة من قصة العباسة اخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته وإياهما الخمر إذن لهما في عقد النكاح دون
стр. 3398
الخلوة وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة لما شغفها من حبه فحملت ووشي بذلك للرشيد فغضب ونكب البرامكة.
وقد رد ابن خلدون على هذه التهمة الشنعاء أحسن رد معقول فدفع هذه الفرية عن ابنة خليفة وأخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول قريبة من عهد البداوة وسذاجة الدين وما هذه التهمة إلا مما وضعه الوضاعون يقصدون التوصل منه إلى النيل من أولئك الخلفاء بهذه الطريقة السافلة وإغراء الناس على إتيان المنكرات ليقول العامة إذا كان مثل الرشيد يعاقر الخمر ويقدح في مروءته في مسألة تزويج أخته فأولى بنا أن لا نشدد في قيود الدين والآداب ونحن يسعنا ما يسعهم وقد قال الطبري وهو من ثقات المؤرخين والمحدثين أن الرشيد كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاماً ويحج عاماً. أما الشراب الذي يرمي بنو العباس بتناوله فكان عصير التمر وقد أفتى بحله الفقهاء.
وإنا إذا تمدنا في أخبارنا على مثل كتاب أعلام الناس ونزهة المجالس وشمس المعارف وغيرها من كتب الموضوعات واعتقدنا صحة أقوال بعض أرباب الأهواء من المؤرخين لا يكاد يبقى لنا بقية يعتد بها من الخلفاء والأئمة ما كانت الأمة تبقى إلى اليوم محافظة بعض الشيء على آدابها وأخلاقها. ومن ذلك ما وقع مؤخراً لصاحب مقالة تعليم النساء فنقل ما قاله الأدباء وأكثرهم من المخالفين لبني العباس في مذهبهم الديني والسياسي_في علية حفيدة المنصور وبنت المهدي وأخت موسى الهادي وإبراهيم ابن المهدي والرشيد والعباسة وأسماء وعمة الأمين والمأمون والمعتصم وإنها كانت تشبب بغلامين طل ورشا وإن الرشيد لما آنس منها ميلاً إلى طل وهبها إياها وقبل رأسها وقال لها لست أمنعك بعد اليوم من شيءٍ تريدينه!
ولئن رجح الكاتب الرواية الثانية لما عرف من أنفة الرشيد وغيرته ولكنه كان عليه طرح هذه الرواية المدخولة لأدنى نظرٍ قياساً على نظائرها مما روي عن أرباب الخلاعة من الماجنين من الشعراء والوضاعين من أهل الأهواء ممن يريدون الاعتذار عن سيئاتهم باتهام العظماء بهذه التهم الشنعاء ليكون الناس في الخزي والبذاء كأسنان لمشط في الاستواء ولطالما ودَّ صاحب الكبائر لو كان الناس كلهم شركاءهم فيما يقترفون.
стр. 3399
وإنا إذا وضعنا هذه الرواية على محك الروية لتجلى لنا لأول نظرة بأنها لا تصدر عن عامة الناس في عصر الرشيد والمأمون وناهيك به من عصر بلغ الغاية في الآداب والعلم والصيانة فكيف يعقل صدور ذلك من خليفة وابنة خليفة وأخت خليفة ولو وجد عقلاء عصره ورجال دولته أقل نقد عليه لما سكتوا عنه ولو أغمضوا عيونهم لما خفي أمره على الطالبين القائمين بالدعوة إلى أهل البيت وهل أحسن لهم ذريعة في إسقاط الرشيد والمأمون من نسبتهما إلى أمور لو ثبت أقلها لكانت تقصيهما عن منصب الخلافة ولو كان أهل الأرض ظهراءهما.
إن أخلاق السوقة تأبى لعمز الحق الرضى بما نقله أهل المجون عن الرشيد وسماحه لأخته بمعشوقها وقوله لها أنه لا يصدفها عن إتيان ما تريد إذا كان فيه هوى نفسها! وإن نسبة تلك الأشعار في النسيب والتشبيب إلى امرأة كعلية من فضيلة النساء لا يرضى به السوقة دع عنك الخلفاء بعد الذي علمناه من أن العرب كانوا يقتلون من بناتهم من تشبب وتفحش في غزلها فكيف بعد هذا نثق برواية القيرواني في علية وهو أموي والأصفهاني وهو علوي. ومعاداة العلويين والأمويين لبني العباس معلومة مشهورة وميل الأدباء والموسيقيين للأغراب لإدهاش الناس معروف موصوف ومتى كانت تؤخذ حقيقة علمية من أديب أو فضيلة أخلاقية من شاعر.
وعندنا أن كل ما اتهم به الوضاعون وأهل الخلاعة بعض الخلفاء الأول من بني العباس إنما أتى من تكتم العباسيين في أسرار دولتهم ولأنهم أعطوا الأمة حرية أمنت فيها فلم ير بعض أردياء الفطرة أقرب إلى العبث بعقول العامة بنشر تلك الموضوعات والمجونيات بين العامة والخاصة كما أشاعوا سوء القالة عن العباسة وعلية والناس أميل إلى الشر منهم إلى الخير وإلى كسر القيود أكثر من الاحتفاظ بها وإلى أقاصيص الهزل وأساطير اللهو أكثر من روايات الجد وتلقف الحقائق. وكل شيءٍ يحتاج إلى تمحيص وحاجتنا إليه في التآليف والمؤلفين أكثر حتى لا نتغرر بكل قول ولا نصحح كل نقل.
стр. 3400
قانون حق التأليف
المادة الأولى_لكل نوع من النتاج الفكرية والقلمية حتى لصاحبها يسمى حق التأليف.
المادة الثانية_النتائج الفكرية والقلمية هي جميع أنواع الكتب والمؤلفات والرسوم والألواح والخطوط والمحكوكات والهياكل والخطط والخرائط والمسطحات والمجسمات المعمارية والجغرافية والطبوغرافية وكل المسطحات والمجسمات الفنية والترانيم والتواقيع (نوطه) الموسيقية.
المادة الثالثة_إن حق التأليف يتضمن طبع ونشر هذه الآثار والاتجار بها وترجمتها للسان آخر أو إفراغها لرواية تمثيلية ويشمل الدروس والمواعظ والخطب والمسامرات التي تلقى لأجل التعليم والتربية أو الفكاهة. أما الخطب التي تلقى في مجلس المبعوثان والأعيان والمحاكم والاجتماعات العمومية فلكل إنسان أن يضبطها وينشرها. وإنما جمع خطب خطيب أو دروس أستاذ وتدوينها وطبعها هو حق من حقوق صاحبها.
المادة الرابعة_المقالات والرسوم التي تنشر في الجرائد اليومية والموقتة إذا كانت مقيدة بعبارة حقها محفوظ ونشرها وترجمتها ممنوع لغير صاحبها فحقها محفوظ.
ولكن المقالات والرسوم والأخبار اليومية غير المقيدة بمثل هذا القيد لا يعتبر فيها حق التأليف على شرط أن يبين مأخذها.
المادة الخامسة_لا يجوز استعمال أسماء الجرائد والمجموعات والرسائل والكتب الموجودة من قبل أحد وإنما لكل إنسان أن يضع لمؤلفاته أسماء وعنوانات عمومية.
المادة السادسة_يعود حق التأليف للمؤلف في حياته وبعد وفاته يعود أولاً لأولاده وأزواجه لمدة ثلاثين سنة من تاريخ وفاته. ثانياً لآبائه وأمهاته. ثالثاً لأحفاده بالتساوي. وعليه لا يجوز طبع ونشر هذه المؤلفات أو ترجمتها للسان آخر في هذه المدة من قبل أحد غير مؤلفها أو ورثته.
المادة السابعة_إن حق التأليف في الألواح والخطوط والنقوش والرسوم والأشكال والخرائط وجميع المسطحات والمجسمات المعمارية أو الجغرافية والطبوغرافية بعد الوفاة هو ثماني عشرة سنة أما حق التأليف في الترانيم والتواقيع الموسيقية فهو كالكتب والمؤلفات (ثلاثون سنة).
المادة الثامنة_ليس في القوانين والنظامات والأوامر والتعليمات الرسمية والإعلانات
следующие страницы →