Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
ليست على خير وإن كان لا ينبغي إعظامها والمبالغة فيها لأن وجود الطبقات المتخالفات في درجات الاجتماع واختلاف الأجناس والأديان يحول دون ثورة عامة على الإنكليز. وإنكلترا لا تخشى إلا من أن تثور الهند مدفوعة من إحدى الدول العظمى أو مستندة عليها. خطر الثورة في الهند قليل جداً بالنسبة للثورة التي حدثت قبل اثنتي عشرة سنة ولكتن المركز حرج على كل حال.
عن نهر الذهب:
عبد الوهاب.
стр. 3397
آفة الأخبار
مسألة تصحيح السند في الأخبار من المسائل المعول عليها كثيراً في الإسلام حتى عد ذلك من خصائصه وبه حفظت السنة بحالها وطرحت منها الزوائد ولم يبق مجال للوضاعين والقصاصين على شدة احتيالهم في بث ما اخترعوه ووضعوه ولأجل هذا الغرض ألفت المصنفات الكثيرة في الطبقات ليعرف كل امرئٍ بترجمته فلا يغترر إنسان بقوله مهما بلغ من زخرفه: فمن طبقات للمفسرين وأخرى للمحدثين وأخرى للفقهاء وغيرها للمؤرخين وغيرها للنحويين والحكماء والأدباء والفلاسفة والأطباء لتظهر على الدهر صفات من انتسب لعلم أو ضرب في العارف بسهم.
ولذلك كان من السهل التمييز بين أقوال المؤلفين على عهد رواج بضاعة العلوم في هذه الديار أيام كانت ملكة النقد ترجع إلى قواعد مقررة وضوابط محررة فلا يغتر الخاصة بنقل نقله مؤلف هو في الحقيقة من العامة بمجرد ما يرونه٨ مكتوباً على الورق منشوراً في سفر مجلد.
ولقد كان ولا يزال بعض من يعانون صناعة التأليف يسقطون الحين بعد الآخر في مسائل فيخلطون فيها على الأغلب ومنشأ ذلك على ما يعرف المحققون عدم تصحيح السند والنقل وأخذ القول على عواهته بدون تمحيص حتى لم تكد تخلو كتابة المكثرين من المغامز يتبين منها عوارها ويتجلى ضعفها.
مثال ذلك اختلاف بعضهم في أمر الخلفاء وما كانوا عليه من النازع والأخلاق فكان بعضهم يقدح في سيرتهم حتى يسقطوهم كل الإسقاط وبعضهم يرفعونهم حتى يبلغوا بهم مراتب الملائكة وكلا الأمرين إفراط وتفريط. فقد رأينا بعض الوضاعين وأرباب المجون اتهموا بعض بني العباس كالرشيد والمأمون مثلاً بالتبذل والاسترسال في الخلاعة ولم نر مؤرخاً واحداً من ثقات المؤرخين صحح هذه الأخبار فكأن مدون تلك الهنات يحاول إلصاقها بخصمه لغرض سياسي أو أن ينقلها بعض أرباب المقالات والأهواء_وأكثرها أيضاً من نزعات سياسية_ويقصد منها غرضاً من الأغراض أو يغتر بها الأبله وما أكثر البله في المؤلفين. ومن الحكايات المدخولة للأغراض المنوه بها ما رواه بعض لم يصححوا النقل في السبب الذي حمل الرشيد على نكبة البرامكة من قصة العباسة اخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته وإياهما الخمر إذن لهما في عقد النكاح دون
стр. 3398
الخلوة وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة لما شغفها من حبه فحملت ووشي بذلك للرشيد فغضب ونكب البرامكة.
وقد رد ابن خلدون على هذه التهمة الشنعاء أحسن رد معقول فدفع هذه الفرية عن ابنة خليفة وأخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول قريبة من عهد البداوة وسذاجة الدين وما هذه التهمة إلا مما وضعه الوضاعون يقصدون التوصل منه إلى النيل من أولئك الخلفاء بهذه الطريقة السافلة وإغراء الناس على إتيان المنكرات ليقول العامة إذا كان مثل الرشيد يعاقر الخمر ويقدح في مروءته في مسألة تزويج أخته فأولى بنا أن لا نشدد في قيود الدين والآداب ونحن يسعنا ما يسعهم وقد قال الطبري وهو من ثقات المؤرخين والمحدثين أن الرشيد كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاماً ويحج عاماً. أما الشراب الذي يرمي بنو العباس بتناوله فكان عصير التمر وقد أفتى بحله الفقهاء.
وإنا إذا تمدنا في أخبارنا على مثل كتاب أعلام الناس ونزهة المجالس وشمس المعارف وغيرها من كتب الموضوعات واعتقدنا صحة أقوال بعض أرباب الأهواء من المؤرخين لا يكاد يبقى لنا بقية يعتد بها من الخلفاء والأئمة ما كانت الأمة تبقى إلى اليوم محافظة بعض الشيء على آدابها وأخلاقها. ومن ذلك ما وقع مؤخراً لصاحب مقالة تعليم النساء فنقل ما قاله الأدباء وأكثرهم من المخالفين لبني العباس في مذهبهم الديني والسياسي_في علية حفيدة المنصور وبنت المهدي وأخت موسى الهادي وإبراهيم ابن المهدي والرشيد والعباسة وأسماء وعمة الأمين والمأمون والمعتصم وإنها كانت تشبب بغلامين طل ورشا وإن الرشيد لما آنس منها ميلاً إلى طل وهبها إياها وقبل رأسها وقال لها لست أمنعك بعد اليوم من شيءٍ تريدينه!
ولئن رجح الكاتب الرواية الثانية لما عرف من أنفة الرشيد وغيرته ولكنه كان عليه طرح هذه الرواية المدخولة لأدنى نظرٍ قياساً على نظائرها مما روي عن أرباب الخلاعة من الماجنين من الشعراء والوضاعين من أهل الأهواء ممن يريدون الاعتذار عن سيئاتهم باتهام العظماء بهذه التهم الشنعاء ليكون الناس في الخزي والبذاء كأسنان لمشط في الاستواء ولطالما ودَّ صاحب الكبائر لو كان الناس كلهم شركاءهم فيما يقترفون.
стр. 3399
وإنا إذا وضعنا هذه الرواية على محك الروية لتجلى لنا لأول نظرة بأنها لا تصدر عن عامة الناس في عصر الرشيد والمأمون وناهيك به من عصر بلغ الغاية في الآداب والعلم والصيانة فكيف يعقل صدور ذلك من خليفة وابنة خليفة وأخت خليفة ولو وجد عقلاء عصره ورجال دولته أقل نقد عليه لما سكتوا عنه ولو أغمضوا عيونهم لما خفي أمره على الطالبين القائمين بالدعوة إلى أهل البيت وهل أحسن لهم ذريعة في إسقاط الرشيد والمأمون من نسبتهما إلى أمور لو ثبت أقلها لكانت تقصيهما عن منصب الخلافة ولو كان أهل الأرض ظهراءهما.
إن أخلاق السوقة تأبى لعمز الحق الرضى بما نقله أهل المجون عن الرشيد وسماحه لأخته بمعشوقها وقوله لها أنه لا يصدفها عن إتيان ما تريد إذا كان فيه هوى نفسها! وإن نسبة تلك الأشعار في النسيب والتشبيب إلى امرأة كعلية من فضيلة النساء لا يرضى به السوقة دع عنك الخلفاء بعد الذي علمناه من أن العرب كانوا يقتلون من بناتهم من تشبب وتفحش في غزلها فكيف بعد هذا نثق برواية القيرواني في علية وهو أموي والأصفهاني وهو علوي. ومعاداة العلويين والأمويين لبني العباس معلومة مشهورة وميل الأدباء والموسيقيين للأغراب لإدهاش الناس معروف موصوف ومتى كانت تؤخذ حقيقة علمية من أديب أو فضيلة أخلاقية من شاعر.
وعندنا أن كل ما اتهم به الوضاعون وأهل الخلاعة بعض الخلفاء الأول من بني العباس إنما أتى من تكتم العباسيين في أسرار دولتهم ولأنهم أعطوا الأمة حرية أمنت فيها فلم ير بعض أردياء الفطرة أقرب إلى العبث بعقول العامة بنشر تلك الموضوعات والمجونيات بين العامة والخاصة كما أشاعوا سوء القالة عن العباسة وعلية والناس أميل إلى الشر منهم إلى الخير وإلى كسر القيود أكثر من الاحتفاظ بها وإلى أقاصيص الهزل وأساطير اللهو أكثر من روايات الجد وتلقف الحقائق. وكل شيءٍ يحتاج إلى تمحيص وحاجتنا إليه في التآليف والمؤلفين أكثر حتى لا نتغرر بكل قول ولا نصحح كل نقل.
стр. 3400
قانون حق التأليف
المادة الأولى_لكل نوع من النتاج الفكرية والقلمية حتى لصاحبها يسمى حق التأليف.
المادة الثانية_النتائج الفكرية والقلمية هي جميع أنواع الكتب والمؤلفات والرسوم والألواح والخطوط والمحكوكات والهياكل والخطط والخرائط والمسطحات والمجسمات المعمارية والجغرافية والطبوغرافية وكل المسطحات والمجسمات الفنية والترانيم والتواقيع (نوطه) الموسيقية.
المادة الثالثة_إن حق التأليف يتضمن طبع ونشر هذه الآثار والاتجار بها وترجمتها للسان آخر أو إفراغها لرواية تمثيلية ويشمل الدروس والمواعظ والخطب والمسامرات التي تلقى لأجل التعليم والتربية أو الفكاهة. أما الخطب التي تلقى في مجلس المبعوثان والأعيان والمحاكم والاجتماعات العمومية فلكل إنسان أن يضبطها وينشرها. وإنما جمع خطب خطيب أو دروس أستاذ وتدوينها وطبعها هو حق من حقوق صاحبها.
المادة الرابعة_المقالات والرسوم التي تنشر في الجرائد اليومية والموقتة إذا كانت مقيدة بعبارة حقها محفوظ ونشرها وترجمتها ممنوع لغير صاحبها فحقها محفوظ.
ولكن المقالات والرسوم والأخبار اليومية غير المقيدة بمثل هذا القيد لا يعتبر فيها حق التأليف على شرط أن يبين مأخذها.
المادة الخامسة_لا يجوز استعمال أسماء الجرائد والمجموعات والرسائل والكتب الموجودة من قبل أحد وإنما لكل إنسان أن يضع لمؤلفاته أسماء وعنوانات عمومية.
المادة السادسة_يعود حق التأليف للمؤلف في حياته وبعد وفاته يعود أولاً لأولاده وأزواجه لمدة ثلاثين سنة من تاريخ وفاته. ثانياً لآبائه وأمهاته. ثالثاً لأحفاده بالتساوي. وعليه لا يجوز طبع ونشر هذه المؤلفات أو ترجمتها للسان آخر في هذه المدة من قبل أحد غير مؤلفها أو ورثته.
المادة السابعة_إن حق التأليف في الألواح والخطوط والنقوش والرسوم والأشكال والخرائط وجميع المسطحات والمجسمات المعمارية أو الجغرافية والطبوغرافية بعد الوفاة هو ثماني عشرة سنة أما حق التأليف في الترانيم والتواقيع الموسيقية فهو كالكتب والمؤلفات (ثلاثون سنة).
المادة الثامنة_ليس في القوانين والنظامات والأوامر والتعليمات الرسمية والإعلانات
стр. 3401
التجارية والصناعية حق للتأليف ولكن للذين يعلقون ويشرحونها حق محفوظ في هذه التعاليق والشروح.
المادة التاسعة_إن مدة حق التأليف للآثار التي لم تنشر في حياة المحرر تبتدئ من اعتبار تاريخ نشرها.
المادة العاشرة_لا يجوز تمثيل رواية منثورة أو منظومة أو تمثيل قسم منها من غير إذن المؤلف ولا يتضمن حق طبع هذه الآثار ونشرها حق تمثيلها.
المادة الحادية عشرة_إن تمثيل الروايات المنثورة والمنظومة في المسامرات التي ترتبها المكاتب والجمعيات الخصوصية لا لمقصد الانتفاع غير تابعة لحق التأليف.
المادة الثانية عشرة_يجوز أخذ بعض القطع من أي أثر كان لضرورة أو لفائدة من الآثار الأدبية والعلمية والكتب المخصوصة بالمدارس وفي الانتقادات على شرط أن يذكر اسم المؤلف.
المادة الثالثة عشرة_لا تنشر المكاتيب إلا برخصة من صاحب تلك الآثار إذا كان حياً أو من عائلته إذا كان متوفى.
المادة الرابعة عشرة_يمكن ترجمة أثر من الآثار من قبل واحد أو أكثر ضمن أحكام هذا القانون وحق كل مترجم من ترجمته كحق التأليف اعتباراً من وفاة المترجم.
المادة الخامسة عشرة_إن حق التأليف في الآثار التي تنشرها الدوائر الرسمية والجمعيات المعروفة لدى الحكومة بصورة رسمية عائد لتلك الدوائر والجمعيات.
المادة السادسة عشرة_إذا ألف أو ترجم اثر من قبل أشخاص متعددين من غير مقاولة فحق التأليف أو الترجمة عائد إليهم كافة على التساوي وإذا توفي أحد الشركاء فحق استفادته من الأقسام التي نشرت لتاريخ وفاته والمسودات التي أعدت للنشر ينتقل لورثته وتعتبر مدة الثلاثين سنة في حق التأليف ومدة الخمس عشرة سنة في حق الترجمة اعتباراً من وفاة آخر شريك في التحرير وإذا كان يوجد مقاولة مخصوصة بين الشركاء فيجري حكم المقاولة تماماً وإذا حدث خلاف ما يرجع إلى المحكمة.
المادة السابعة عشرة_إذا لم يبق لصاحب الكتاب صاحب ما كأن توفي مؤلفه بلا وارث أو انقطعت الوراثة أو حدثت أسباب أخرى فكل إنسان له الحق بطبع ذلك التأليف وترجمته.
стр. 3402
المادة الثامنة عشرة_يمكن لكل أحد أن يطبع المؤلفات المطبوعة قبلاً والتي لا صاحب لها وفقاً للمادة السابقة وأما الذين يودون طبع مصنف لم يطبع حتى الآن فيعطى لهم بناء على استدعائهم امتياز من قبل نظارة المعارف لمدة عشر سنوات إلى خمسة عشرة سنة وحينئذ لا يجوز لغير صاحب الامتياز أو ورثته طبع هذا الكتاب في خلال هذه المدة وإنما إذا لم يباشر طبع المؤلف في مدة سنة أو عطل سنة بعد مباشرة طبعه فيعد الامتياز كأن لم يكن.
المادة التاسعة عشرة_إذا نفذت بعد وفاة لمؤلف نسخ أثر من الآثار المعتبرة التي يرجى منها الفائدة للناس ولم يتيسر طبعه لسبب من الأسباب كفقر ورثة المؤلف أو إهمالهم أو عدم اتفاقهم فنظارة المعارف تستكمل أسباب طبع هذا الأثر مع مراعاة حقوق الورثة.
المادة العشرون_على مؤلفي الآثار أن يعطوا ثلاث نسخ مطبوعة من أثرهم لنظارة المعارف في الآستانة ولمديرية المعارف في الخارج ويقيدوه ويسجلوه ليحفظوا بذلك حق تأليفهم أما الآثار التي ليس لها إلا صورة واحدة كالألواح والتماثيل والتعاليق (الأنواط أو المداليات) فهي مستثناة من هذه المعاملة.
المادة الحادية والعشرون_يقيد في الدفتر المخصوص الذي ينظم في نظارة المعارف ومديرياتها لحق التأليف ماهية المؤلف واسم كتابه وموضوعه وتاريخه ومحل طبعه وعدد صحائفه ويوضع له رقم بالترتيب وبعدها يوقع عليه من صاحب الكتاب أو وكيله الرسمي.
المادة الثانية والعشرون_يؤخذ في دوائر محاسبات المعارف ربع ليرة عثمانية فقط خرجاً للقيد والتسجيل ويعطى بمقابله من نظارة المعارف أو مديرياتها علم وخبر يعتبر بمقام سند للتصرف يكون معمولاً به إلى أن يثبت عكسه بالمحاكمة.
المادة الثالثة والعشرون_تجري معاملة قيد المطبوعات الموقتة في كل آخر سنة عند إراءة النسخ التي نشرت وتسجيلها.
المادة الرابعة والعشرون_لا تسمح دعوى حق التأليف في المؤلفات غير المسجلة إلى حين تسجيلها. تعلن في آخر السنة الكتب التي قيدت وسجلت في غضون السنة وأسماء مؤلفيها رسمياً بواسطة الجرائد.
المادة الخامسة والعشرون_لصاحب الأثر أو المترجم أو صاحب الامتياز أو ورثتهم أن يبيعوا أو يتركوا في خلال المدة النظامية حق التأليف أو الامتياز تماماً أو موقتاً أو بتعيين
стр. 3403
عدد النسخ لآخر بموجب بمقابل بدل أو بلا بدل ويكون المشتري أو الآخذ قائماً مقام أصحابها ضمن شروطها حتى أنه إذا توفى قبل إكمال المدة تعد ورثته متصرفة في المدة الباقية.
المادة السادسة والعشرون_يجب تسجيل مقاولة البيع أو الترك في نظارة المعارف في الآستانة وفي مديرياتها في الخارج ويؤخذ نصف ليرة عثمانية خرج قيد ولدى إبراز المقاولات التي لم تقيد على هذه الصورة إلى المحاكم يؤخذ ثلاثة أضعاف الخرج المذكور جزاء ويرسل إلى صندوق المعارف.
المادة السابعة والعشرون_المحررون وأصحاب الصناعة الذين يشتغلون لاسم غيرهم يعتبرون بائعين حق تأليفهم إذا لم يوجد مقاولة خصوصية.
المادة الثامنة والعشرون_ليس للطابع أن يحدث تغييراً ما في الكتاب بدون إذن المحرر وإذا جري ذلك منع نشر الكتاب بواسطة المحكمة وتعلن صورة الإعلام بالجرائد وليس للطابع أن يسترد الأجرة التي أعطاها للمحرر.
المادة التاسعة والعشرون_إن طبع كتاب وتمثيله في المدة الحقوقية من غير إذن صاحبه يعد تقليداً وكذلك تمثيل رواية منثورة أو منظومة في المدة الحقوقية من غير رخصة أصحابها وطبع التواقيع (نوطه) الموسيقية أو استنساخ الخرائط والألواح والرسوم وأنواع الخطوط بالفوطوغراف أو بوسائط أخرى وإعمال قوالب للآثار القلمية والموسيقية بالوسائط الصناعية وإعمال ألواح لها (بلاكات) هو بحكم التقليد يجازى المقلدون توفيقاً للمادة الثانية والثلاثين.
المادة الثلاثون_إن نسبة الآثار في التأليف والفنون النفسية لغير أصحابها يعد انتحالاً وكذلك من قدم وآخر عبارات كتاب أو أناشيد موسيقية أو حرف طرز أفادتها كله بصورة يفهم منها الأصل وأسندها لنفسه يعد بحكم المنتحل.
المادة الحادية والثلاثون_الانتقادات والشروح والحواشي لا تعد انتحالاً وكذلك إذا نقل المؤلف بعض جمل وفقرات من كتاب آخر لمصنفه ونوه بأنه أخذه من محل آخر لا يكون منتحلاً.
المادة الثانية والثلاثون_من طبع الكتب التي لها حق التأليف بدون رخصة من أصحابها أو
стр. 3404
توسط بطبعها أو مثل رواية منثورة أو منظومة يغرم بخمسة وعشرين ليرة عثمانية إلى مئة ليرة جزاءً نقدياً وحبس من أسبوع إلى شهرين وتضبط منه الأسفار التي طبعها وتعطى إلى أصحابها وكذلك من طبع مثل هذه المصنفات في الخارج ومن أدخلها إلى الممالك العثمانية يغرم بخمسة وعشرين ليرة عثمانية إلى مئة ليرة جزءً نقدياً والذين يبيعون هذه المطبوعات وهم عارفون بها أو يعرضونها للبيع يغرمون بخمس ليرات عثمانية إلى خمسة وعشرين ليرة جزاء نقدياً.
المادة الثالثة والثلاثون_إذا أقيمت دعوى الضرر والخسارة من قبل صاحب الكتاب المتضرر يعطى بحقها قرار من المحكمة نفسها مع أساس الدعوى.
المادة الرابعة والثلاثون_يعامل الطابعون الذين يطبعون كتباً زيادة عن المقاولة التي عقدوها مع المؤلف معاملة الذين خالفوا الأمانة وتضبط النسخ الزائدة التي طبعوها ويؤخذ منهم بدل ما باعوه ويعطى كل ذلك لصاحب الكتاب.
المادة الخامسة والثلاثون_تطبق أحكام المادة الثانية والثلاثين التي بحق المقلدين على المنتحلين أيضاً.
المادة السادسة والثلاثون_لأصحاب الكتاب المشترك أن يراجعوا المحكمة على الانفراد ويطلبوا الضرر والخسارة التي لحقتهم بسبب التجاوز على حقوقهم التصرفية من قبل الغير.
المادة السابعة والثلاثون_لا يجوز للدائنين حجر كتب المؤلف التي لم تطبع وإذا صدر حكم في بيع الآثار والمؤلفات التي حجز عليها يعتنى كثيراً بعرضها للبيع ووقاية أصحابها من الغدر.
المادة الثامنة والثلاثون_النظام المتعلق بطبع الكتب والمؤرخ في ٨ رجب سنة ٢٨٩ و٣٠ آب سنة ٢٨٨ مفسوخ بهذا القانون مع الفقرات المذيلة عليه.
المادة التاسعة والثلاثون_على من طبعوا أثراً قبل هذا القانون بدون أن يحصلوا على رضى صاحبه أو ورثته مراجعة صاحبه أو ورثته واستحصال رضاهم وإذا استمروا على بيع الآثار المخلدة من غير رضى أصحابها يجازون بمقتضى هذا القانون.
المادة الأربعون_إن تنفيذ الأحكام القانونية على الجرائم المعينة بهذا القانون متوقفة على
стр. 3405
شكايا شخصية.
المادة الواحدة والأربعون_إن حق تأليف للآثار التي نشرت بلا إمضاء أو بإمضاء مستعار راجعة إلى ناشرها إلى أن يظهر محررها نفسه.
المادة الثانية والأربعون_ناظر المعارف والعدلية مأموران بإجراء هذا القانون.
في عشرة جمادى الأولى سنة ١٣٢٨ وفي ٦ آذار سنة ١٣٢٦.
стр. 3406
عبث المشيب
ظلم الرجال نساءهم وتعسفوا ... هل للنساء بمصر من أنصار
يا معشر الكتاب أين بلاؤكم ... أين البيان وصائب الأفكار
أيهمكم عبثٌ وليس يهمكم ... بنيان أخلاقٍ بغير جدار
عندي على ضين الحرائر بينكم ... نبأ يثير ضمائر الأحرار
مما رأيت ومما علمت مسافراً ... والعلم بعض فوائد الأسفار
فيه مجال للكلام ومذهب ... ليراعي (باحثة) (وست الدار)
* * *
كثرت على دار السعادة زمرة ... من مصر أهل مزارع ويسار
يتزوجون على نساء تحتهم ... لا صاحبات بغى ولا بشرار
شاطرنهم نعم الصبى وسقينهم ... دهراً بكأس إلى السرور عقار
الواردات بنيهم وبناتهم ... الحائطات العرض كالأسوار
الصابرات لضرة ومضرة ... المحييات الليل بالأفكار
* * *
من كل ذي سبعين يكتم شيبه ... والشيب في فوديه ضوء نهار
يأبى له في الشيب غير سفاهة ... قلب صغير الهم والأوطار
ما حله عطف ولا رفق ولا ... بر لأهله أو هوى لديار
كم ناهد في اللاعبات صغيرة ... ألهته عن حفد بمصر صغار
مهما غدا أو راح في جولانه ... دفعته خاطبة إلى سمسار
شغل المشايخ بالمتاب وشغله ... بتبدل الأزواج والأصهار
في كل عام همه في طفلة ... كالشمس إن خطبت فللأقمار
يرشو عليها الوالدين ثلاثة ... لم أدر أيهم الغليظ الضار
المال حلل كل غير محلل ... حتى زواج الشيب بالأبكار
سحر القلوب فرب أم قلبها ... من سحره حجر من الأحجار
دفعت بنيتها لشأن مضجع ... ورمت بها في غربة وأسار
وتعللت بالشرع قلت كذبته ... ما كان شرع الله بالجزار
стр. 3407
ما زوجت تلك الفتاة وإنما ... بيع الصبى والحسن بالدينار
بعض الزواج مذمم ما بالزنى ... والرق إن قيس به من عار
فتشت لم أرى في الزواج كفاءة ... ككفاءة الأزواج في الأعمار
* * *
أسفي على تلك المحاسن كلما ... نقلت من (اليالي) إلى الدوار
إن الحجاب على (فروق) جنة ... وحجاب مصر وريفها من نار
وعلى وجوه كالأهلة روعة ... بعد السفور ببرقع وخمار
وعلى الذوائب وهي مسك خولطت ... عند العناق بمثل ذوب القار
وعلى الشفاه المحييات أماتها ... ريح الشيوخ يهب في الأسحار
وعلى المجالس فوق كل خميلة ... بين الجباه وشاطئ محبار
تدنو الزوارق منه تنزل جؤذراً ... بقلادة أو شادناً بسوار
يرفلن في أزر الحرير تنوعت ... ألوانه كالزهر في آذار
الطاهرات اللحظ أمثال المهى ... الناطقات الخرس كالأوتار
الرائعات اللاعبات أوانساً ... بربي (بيوكدرة) وشاطئٍ (صاري)
الدهر فرق شملهن فمر به ... يا رب تجمعه يد المقدار
مصر
أحمد شوقي.
стр. 3408
الإبر
كثيراً ما فتشنا في كتاب دائرة المعرف العربية للبستاني عن أهم أمم الشرق وأديانهم فلم نعد بطائل. ومن جملة هذه الأجيال الأبر فلا تجد لهم ذكراً في هذا الكتاب. مع أن جغرافيي العرب ذكروهم في مؤلفاتهم وإن لم يذكروا لنا التفاصيل التي نتطال إلى معرفتها. فقد جاء في كتاب ابن الفقيه المسمى بكتاب البلدان ص٨٣ من طبعة دي كوي ما نصه: وبرجان وبلدان الصقالب والأبر شمالي الأندلس وقد نقل هذه العبارة بعينها وحروفها ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك. وقال ابن رسته في الأعلاق النفيسة ص٩٨ عن بلاد هؤلاء القوم ما نصه: وأما ما وراء هذه الأقاليم (الأقاليم السبعة) إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد ياجوج ثم يمر على بلاد التغزغز وأرض الترك ثم على بلاد اللان ثم على الأبر ثم على برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب اهـ بحرفه وقال المسعودي في كتاب التنبيه والإشراف ص٣٢: وحد الأقاليم الخمسة بحر الشام إلى أقصى أرض الروم مما يلي البحر إلى تراقية وبلال برجان والصقالبة والأبر إلى حد أرض ياجوج وماجوج إلى حد الإقليم الرابع مما يلي نصيبين أطول ساعات نهاره خمسة عشرة ساعة. اهـ.
وفي موضع آخر ص١٨٤ من كتاب المسعودي المذكور ذكر الأبر من سكان بلاد تجاور جبل القبق (قوقاس أو قفقاسية) قال: وقرب من هذا الجبل من الأمم كاللان والسرير والخزر. . . والأبر وبرجان والروس والبرغر. . . وذكرهم مرة ثالثة في ص١٩١ قال: ومن جاورهم (أي الروم) من الممالك من برجان والأبر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم. .
ولم نجد لهم ذكراً في سائر كتب مؤرخي العرب وواصفي البلدان فلا الطبري ذكرهم ولا ابن الأثير ولا ابن خلدون ولا غيرهم من كبار المؤلفين. ومن بعد أن بحثنا عنهم وجدناهم أنهم الذين يسميهم الإفرنج وهنا نلخص عنهم ما كتبوه تماماً للفائدة وسداً للثلمة الموجودة في كتبنا التاريخية والجغرافية.
الأبر جيل من الناس منشأوه في بلاد التتر وهم فروع من فرع قبيلة الهونة. وكانوا قد ضربوا خيامهم بعد أن هجروا بلادهم الصلية في نواحي جبل الألطائي. ثم طرأت عليهم طارئة من الصينيين سنة ٥٥٢ فطردتهم من مقرهم وأفنت جماعات منهم. ومن نجا منهم
стр. 3409
فرغوا إلى جهات بلاد أوربا فقطعوا نهر الأثل والدون سنة ٥٥٧ ثم خيموا بعد برهة على شطوط الطونة. وما عتموا أن ناوأوا ملوك الروم وقياصرتهم ونشلوا منهم سنة ٥٨٢داقية وفنونية ومن هناك انتشروا ولا انتشار الجراد في بلاد جرمانية في شمالي الطونة حتى بلغو إيطاليا. وأول ما خضدت شوكتهم كان سنة ٦٢٦ تحت أسوار القسطنطينية فإن هرقل الملك كسر شيخهم بيان وكان حليفاً لكسرى. ثم دوخهم كل التدويخ شرلمان من سنة ٧٩١ إلى سنة ٧٩٩ وحينئذ دانوا بالنصرانية. وكان البر طويلي النجاد محبين للحروب وقد اشتهروا بالمكر والنكر والخدعة في الفر والكر.
وأما مساكنهم فإنهم لم يأووا إلى غير الخيم والمضارب. ولم يعرفوا من المدن إلا الأحوية جمع حواء وهي جماعة من بيوت الوبر المتدانية وكانوا يقيمون على هيئة دوائر عظيمة وتسمى عندهم رنك أي حلق جمع حلقة لاستدارتها. وكان يسمى شيخهم باسم الخان أو الخاقان.
أما حدود بلاد الأبر فقد اختلفت باختلاف العصور ففي عهد معظم انتشارها أي من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٦٣٠ كانت مملكتهم تشمل فلوات شمالي الطونة من لوزاقة إلى ما وراء الدون. وعند أفول شمس القرن السابع للمسيح تقلصت حواشيها حتى كان في شمالي بلادهم وغربيها ديار اللاه والوند والجيك (أي بلاد بولونية وسيلسية وبرندبرج وبوهيمية على التسمية الحديثة في عهدنا هذا) وفي شرقيها كان الخزر وكان موطنهم يومئذ بين البوك ودنيبر.
وبعد أن خرب شرلمان ديارهم سنة ٧٩٩ لم يبق منها إلا الصقع الغربي بين نهري الثيس وألان وهذا أيضاً جعله مقاطعة لدولة الإفنك باسم أبرية وأما ما بقي من تلك الربوع فقد احتلها المجر أي الهنكاريون. وفي بلاد الجركس في عهدنا هذا بقية من الأبر تقيم على منحدر كوه قاف الشمالي بين الإكسائي وشرداغ ويبلغ عدد بيوتهم اليوم ١٢٠٠٠ وكلهم يدينون لخان كبير خاص بهم. ومعيشهم من الصيد والغزو والنهب والسلب. وهم يرجعون في الحكم إلى قيصر روسية._هذا ما أردنا إيضاحه وفوق كل ذي علم عليم.
بغداد:
تاتسنا.
стр. 3410
نظرة في النظرات
أخرج هذا الكتاب للناس في هذا العهد والأمة في برازٍ دائم بين القديم والحديث يريدها الأول على البقاء على الرثيث من تالدها مما ورثته بحكم الطبع أو التطبع ويضطرها الثاني إلى التجرد عما يأخذ بخناقها من العادات والتقاليد العتيقة التي أخنى عليها الدهر والأخذ بالجديد المفيد المنطبق على حاجات العصر اليوم.
وها نحن أولاً نرى بين علماء الدين في مصر والشام والحجاز واليمن من يتساءلون عما إذا كان تعليم العلوم المادية الطبيعية والتوفر على دراستها حراماً أو حلالاً بينا نرى بعض المفكرين من الباحثين العالمين يشهرون على أولئك حرباً عواناً تدير رحاها الأقلام مصرحين أنهم لا يدينون بسوى القوة والمادة اللتين هما من مظاهر الطبيعة ويضربون بكل علم عرض الحائط إذا لم يكن من العوم المادية الطبيعية أو منطبقاً على نواميسها الصحيحة أو موصلاً إليها متمماً لها ففريق يبالغ في إعظام رجال الخيال ويغالي في البحث فيما وراء المادة وفريق لا يعرف غير الحقيقة المادية مذهباً.
إلا وأن هذا البراز الحيوي لم يكن مقصوراً على العلم فقط بل تناول عامة شؤون الحياة وفروع الفنون الأخرى فكان للأدب النصيب الأوفر منه فإنا ما زلنا ولا نزال نرى بعضهم لا يرى للشعر من المكانة العالية إلا إذا كان قائله كالبها زهير وابن معتوق والشاب الظريف ويحسبون أن الكلام الطريف هو ما جاء في ريحانة الأدب وأشباهها غير معتدين بما عداها من الكتب الممتعة مثل نهج البلاغة والدرة اليتيمة وكليلة ودمنة وما جرى على أسلاك ألسنة الشعراء المتقدمين كالشريف الرضي والمتنبي والمعري وغيرهم من المتأخرين ممن جمعوا إلى التراكيب العربية الفصيحة الأفكار الغربية الصحيحة كما أنهم لا يعدونها شيئاً مذكوراً.
في كل حركة تقوم بين ظهراني هذه الأمة المنبسطة ظلالها في هذه المملكة المتنائية الأطراف نشهد مثالاً مجسماً من مبلغ تأثير تنازع البقاء ونقرأ فيه التجدد نقياً لا يشوبه شوب القديم فنستدل منه على تقدم الأمة في أفكارها وآ رائها وأن ما يناله القائمون بالتجدد من خصومهم الأعداء الألداء المكابرين لا بد من وقوعه ما دامت الأمة جاهلة خاملة وما دام من كتب لهم العلم والنباهة أفذاذ لا يزال تأثيرهم من الضؤول والحؤول بحيث يتراجع لأقل ريح تعصف.
стр. 3411
وبعد فللإبداع إذا بوديء الأستاذ المنفلوطي صاحب هذا الكتاب لأول وهلة بما ناله من معارضيه من بذاءة اللسان والتسفيه في القول ما نجله عنه لأنه سنة من المجددين منذ القديم. فهذا غستاف فلوبر الكاتب الفرنسوي المعروف كان يحتقره معاصروه ويهزؤون بكتاباته وآرائه حتى يحمله على ذلك البكاء كالأطفال الصغار ويشرع يخاطب زملاءه زولا وكونكور ودوده بقوله: بربكم أنبئوني لمَ لمْ تنل هذه المؤلفات الاستحسان الذي أتطلبه فتأخذهم رعدة الكآبة والحزن فيبكون جميعاً_هذا الرجل الذي كان في عصره بهذه المثابة ولم يكتب لآثاره أن يرتاح لها الرأي العام أصبح القوم اليوم يعبدونها ويمجدونها ويسبحون بحمدها.
أمامي الآن هذا الكتاب أنظر إلى الصفحة الأخيرة منه بعد أن كنت قرأت معظم فصوله في الصحف وكانت نظرتي إليه في المرة الثانية ومقالاته مجموعة في سفر خاص غيرها في الأولى. إذ كنت أطالعه وأنا أعلق عليه في مفكرتي بعض ما آخذت به منشئه ورأيته مما يجدر أن ينبه عليه مثله على أني قرأت ما كتبت عليه في الجرائد والمجلات فإذا به لا يبل غليلاً ولا يغني فتيلاً مما دل على أن باب التقريظ والانتقاد لم يفتح عندنا كل الفتح ونخشى أن طال علينا الأمد أن يصيبه ما أصاب باب الاجتهاد.
وقد أفردت لكل من أسلوبه وموضوعه وآرائه ولغته ووصفه بحثاً خاصاً سأتكلم على كل واحدة منه على حدة وأقفيه بالألماع إلى شذرة من روح المؤلف، وذلك بقدر ما مكنتني الفرصة من القيام وهداني إليه البحث والنظر.
١
أسلوبه
مما كتبه المنفلوطي في مؤلفه هذا قصص جمة كانت هي الباعثة لي على الخوض في غمار هذا الموضوع ولذا فأنا أنظر إليه في هذا المبحث نظري إلى قصصي أريد أن أبين طريقته في الإنشاء وأحاول أن أردها إلى مذهب خاص مما أنشأه أدباء المغاربة في تاريخ آدابهم. إذ لكل كاتب أدبي قصصي أسلوب خاص ينهج فيه مؤلفه المنهج الذي يراه أنه أمتع وأنفع ووافق طبعه في الغالب أو يتبع في ذلك سنة الارتقاء:
قامت في أوربا مذاهب شتى في الأدب القصصي منذ القرن السابع عشر حتى اليوم وكلها
стр. 3412
حلقات من سلسلة تاريخ الآداب عند المغربيين. فمن هذه المذاهب مذهب يرى زعماؤه أن الغاية من الصناعة هو إصلاح الإنسان وتعزيته لتخفيف آلامه عند حلول المصائب والنوائب. فتجدهم يضعون قلوبهم وأفكارهم في كتبهم بدعوى أنهم بتأثراتهم هذه تثور ثائرة القارئ. وإن ذوق كاتب القصة الشخصي ليتمثل في تضاعيف كتابه فتراه يختلق أشخاص الوقائع ليصف شعوره الذاتي وشوقه المبرح به نابذاً العناية يبث العواطف في أبطال الرواية ظهرياً. منة أجل هذا ندر من استفاد التاريخ وعلم الاجتماع من أمثال هذه المؤلفات.
وما يحملهم على ذلك إلا مشيهم مع شعور القراء وتنزلهم من عقول العامة لأن هؤلاء اعتادوا أن يعيشوا مجردين عن الحقائق العادية وأنهم ليتذمرون من مطالعة صفحات حياة الإنسان كما هي. ولذا كانت خطتهم في الروايات وكانت القصص السامية والأشعار الرقيقة الحافلة بالشعور ليس لها كلمة عالية. وقد سمي هذا المذهب.
مذهب المفكرين).
وهناك مذهب آخر في الإنشاء يدعى الخياليين وهو كما عرفه ستاندال هوب: عبارة عن صناعة تمثل نتائجها الأدبية ما يلائم معتقدات الأقوام وأطوارهم وعاداتهم في الحال الحاضرة مما يبعث في نفوسهم سروراً ونشاطاً بل هو كما يقول الناقد الشهير بروتير: هو أن لا يعرف الصانع سوى ذوقه وتهوساته وخيالاته قاعدة وأصلاً بل كما قال إميل فاكي: إن روح الرومانتيزم الحقيقية هو الحذر من الحقيقة وإن لم يكن لها الصانع في صدره موجدة ونفوراً. قالوا: وهذا الحذريتم باستسلام الفكرة للمخيلة كل الاستسلام وليس في هذا المذهب مشاهدة ولا تحقيق ولا ترصد كما أنه ليس ثمة معقول ولا محاكمة ولا منطق لأن هؤلاء كلها أمور تدين للحقيقة المادية_هذا هو أصل الرومانتيزم.
ومن المذاهب التي نشأت وشاعت المذهب التاريخي الذي كان زعماؤه يعنون بوضعه في الروايات التاريخية فيحرفون الحقائق التاريخية عن مواضعها وهم من التزوير والافتئات بحيث كانوا يطبقون قواهم المخيلة وعامة ما يخترعونه من الأفكار على الوقائع والحادثات. فالتاريخ عندهم كما قال اسكندر دومافيس مسمار يستعينون به على تنضيد ألواحهم فليس لديهم من ثم فكرة سوى أنهم يعملون على إدخال البشر والارتياح في نفس
стр. 3413
القارئ. بيد أن لجمال الأسلوب ورقة الوصف عندهم مكاناً من العناية. وأمثل نموذج لهذه المؤلفات التاريخية وأحفلها هم كتاب خمسة آذار لألفريد دوفيني ونوتردام دوباري لفيكتور هوغو.
وقد نشأ مذهب جديد دعي بمذهب الطبيعيين ومن أخص ميزاته هو أن زعماءه وسعوا دائرة القصص وأخذوا يبحثون عن ملجأ تلوذ به أشخاص القصة خشية أن تخوض عباب الوقائع الغريبة التي يتعلمها بعض الكتاب لتكون النتيجة إما الانتحار أو الزواج وأصحاب هذا المذهب ينظرون إلى ذلك الضرب من القصص نظرهم إلى ألعوبة يتلهى بها الفتيان والفتيات. والذي يعنون به اليوم هو صفحات التتبع فشأن القصص عندهم بنسبة ما تعيه من صحيح الوصف وحديث الوقائع.
ومن أنصار هذا المذهب من القصصيين ممن جردوا الروايات من شوائب الكذب والاختلاق بعد فلوبر إميل زولا وموباسان الكاتبان الفرنسويان المعروفان ونشأ عن هذا مذهب آخر دعي مذهب إمبرسيونيزم. والفرق بين هذا ومذهب الطبيعيين هو أن زعماء المذهب الأول يعنون بإبلاغ العواطف وآثار ما ولدته فيهم الحقيقة وهم يرون أن الحقيقة واسطة. أما أنصار الثاني فإنهم مستقلون عن الذاتية وما همهم إلا تتبع الحقيقة كما هي على حين يترجم زعماء الأمبرسيونيزم الطبيعة أكثر من أن يعيدوها مرة أخرى. وعلى هذا كان ولا جرم مذهب الطبيعيين أمتن وأرصن وقصصهم أعظم مهابة ووقاراً.
وهناك مذهب جديد وضعه الكاتب الفرنسوي الشهير بالزاك وانضوى تحت لوائه كبار المتأدبين ممن أثروا أثراً محموداً في نهضة الآداب الفرنسوية ألا وهو مذهب الحقيقيين وقد أتم وضعه فلوبر بمصنف له سماه مدام بوفاري وقد سبق هذا الرجل بلزاك وستاندال ومريمي فأذاقوا الفرنسويين بمصنفاتهم طعم الحقيقة ولكنهم لم يكسروا سورة شهوتهم بأسرها ولم يتعد تأثيرهم في نفوس القراء إيقاظ الحقيقة فيهم. ولكن مصنف مدام بوفاري علم الناس أجمع ما هو مذهب الحقيقيين بما تري في تضاعيفه من وصف الحياة بما فيها من اضطراب وضوضاء بأجلى تعبير وأوضح بيان.
وطريقة بلزاك في قصصه هو أنه يبدأ أولاً في تعريف الأشخاص ويأتي على تصوير المكان الذي يعيشون فيه والبيئة (المحيط) التي في أرجائها يجولون وما يحوي المكان من
стр. 3414
أثاث ورياش ثم يذكر الخلق وأجسامهم وما يلبسون ويكتسون من أردية حتى أنه يرسم خطوطهم الجبهية وأخيراً ينفخ فيهم من روح الحقيقة فينطقون ويتحركون.
هذه هي الطريقة العلمية التي ينحو منحاها العلماء والعقلاء من كتاب أوربا في التاريخ والأدب ولا يهمهم ما يكتبون سوى أنهم يمثلون الحقيقة للقراء عارية بأبشع وأشنع مظاهرها غير هيابين ولا وجلين. وثمة من المذاهب ما كنت أود أن آتي علي ذكره هنا لولا أني توخيت في هذه النظرة الايجاز مثل المذهب الرمزي (سنبوليزم) والمذهب الفني (كلاسيسيزم) وغيره من المذاهب.
وبعد فلم تقدم بين يدي القارئ هذه المقدمة التي نرجو أن نكون ألممنا فيها بطرف من مذاهب الكتاب إلا لنستطيع أن نحكم على بعض فصول النظرات القصصية ونضعها في المحل الذي يجب أن تحل فيه بين هذه المذاهب كلها.
لا جرم في أن الناظر في هذا السفر والمطلع على هذه المذاهب يعلم أن المنفلوطي جرى في كتابه مجرى الخياليين وأنه يجمع بين هؤلاء ومذهب المفكرين في الأحايين. فهذه مقالته الكأس الأولى وعبرة الدهر يتجلى فيها الخيال بأحفل مظاهره. فقد سمع صوت المؤلف في الأولى عند قوله: وما كان له وهو يهيم الخ. . . وكذلك عند قوله فيها: والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن. وقد أورد على لسان الشخص المريض الشاخص ببصره إلى السماء_ذلك الرجل الذي لم يبق منه إلا إهابٍ ممزق_حديثاً لا قدرة لأصحاب الأجسام على إيراده في مثل تلك الحال وقصد المنفلوطي أن يبين سبب الإدمان على الخمر فجعل ذلك بلسان المريض ذاكراً أن كل كأس شربها جرتها عليه الكأس الأولى وأن ليس الباعث على ذلك غير قصور عقله عن إدراك خداع الخلطاء وبين أن الخونة الكاذبين خدعوه عن نفسه خداعاً ليستكملوا بانضمامه إليهم لذاتهم التي لا تتم إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع ثم عاد المنفلوطي وأظهر شخصيته فقال: ولو علمت كيف خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه وأي ذريعة تذرعوا بها إلى ذلك لتحقق أنه أبله إلى النهاية من البلاهة وضعيف إلى الغاية من الضعف وقد حكم عليه بالبلاهة ولم يذكر عن تربيته ما يفهم منه أنه على غرارة وسذاجة بل الذي تبين أنه كان صديق المؤلف وارتباطه بالصداقة يقضي بأن يكون فيما أحسب على غير ما ذكر.
стр. 3415
وفي مقالة عبرة الدهر دليل آخر على مذهب الخياليين وهو ذكره (صاحب القصر) بأنه فاسد الأخلاق وإغفاله البحث في أن يذكر عن نشأته الأولى شيئاً نتبين منه أن بين جنبيه نفساً ملؤها الرذائل. وكان عليه أن يصف (بلالاً) الخادم الذي جعله في موقف الحكم الحكيم وأنه من المبادئ العالية ما هو كيت وكيت وأن يذكر طرفاً من حنق زوجته وتلهفها على زوجها الذي كان يقضي الليالي الطوال وهو يداعب أزواج المحارم بمثل ما يداعب غيره زوجته. وهذا نقص كبير وخطأ فادح في الأسلوب. ولكن المنفلوطي كما أسلفنا لم يهتم في الحقيقة اهتمامه الزائد في أن تكون قصته جامعة لجمال الأسلوب الخيالي الذي ضمنه حكماً بالغة وعواطف شريفة بدون أن يتبين المواقف التي يقف فيها الرجل الغر الغمر موقف المرشد الحكيم.
ومما يستدل فيه أيضاً على تنكبه جانب الحقيقة سؤال (صاحب القصر) (بلالاً) في أي ساعة نحن من ساعات الليل فأجابه في الساعة الأولى ثم ذكر المؤلف أن الخادم لم يصل من الحديث إلى حد معين حتى نصل خضاب الليل واشتعل المبيض في مسوده على أن ذلك الحديث يذكر في بضع دقائق لي إلا. . .
هذا نموذج مما ذكره المنفلوطي من الفصول القصصية ومن تشريح أسلوبه يعلم أنه احتذى مثال (الخياليين) في إنشائه. وكل من تتبع الحركة الأدبية في المشرق يعلم أنها مسوقة نحو الكمال بحكم ناموس النشوء والارتقاء وإن كتاب المنفلوطي هذا هي إحدى الحلقات من سلاسل الآداب التي لا يتم البحث بدونها.
وإنا نودع باستقباله ما ضمنه من أسلوب جديد وتشبيه رائق واستعارات فخمة ذلك الأسلوب الخيالي المحض في كتاب كليلة ودمنة وهو من تاريخ آداب المشرق بمثابة لافونتين من آداب المغرب كما أن غيرنا ودع بما عربه عبد الله بن المقفع كتاب ألف ليلة وليلة وأقاصيص عنترة الممزوجة بالأبطال الخياليين مما كان بها وبأمثالها بدءُ نهضتنا الأدبية القصصية كما كانت الإلياذة باكورة نهضة الغرب في الآداب وفاتحة رقيهم وتقدمهم.
وجدير بكبار أدبائنا العاملين وهم يبرون الغرب كل يوم يخطو خطوات واسعة نحو الحقائق أن يقتفوا آثار مذهب الحقيقيين بإطراحهم مهب الخياليين جانباً وأن يطيلوا الفكر والتنقيب فيستبدلوا الأحياء بالأموات ويستعيضوا بالأرواح عن الأشباح وكفى.
стр. 3416
٢
موضوعه
قسم المنفلوطي كتابه إلى عشرة فصول: (١) الرسائل العلمية (٢) الرسائل الأدبية (٣) الرسائل الأخلاقية (٤) الرسائل الاجتماعية (٥) الرسائل السياسية (٦) الرسائل الدينية (٧) الدهريات (٨) النسائيات (٩) الروايات (١٠) المراسلات. ويجب أن نذكر هنا قبل كل شيء أن المنفلوطي لم يحسن تبويب الكتاب فقد ذكر مقالة أفسدك قومك في الرسائل الأخلاقية وكان الأولى أن تكون في الرسائل الاجتماعية كما أنه ذكر مقالة مدرسة الغراموفي سبيل الإحسان في الثانية في حين يقتضي أن تكون من الموضوعات الأولى. وأنت إذا أردت أن تنزل هذا الكتاب المنزلة الخليق بها من حيث علاقته بالعلم والاجتماع والسياسة والأخلاق رأيته يضرب في الأخير منها بسهم وافر ويجري منه على عرق.
تقرأ روح الأخلاق في مقالة الكأس الأولى وأين الفضيلة والغني والفقير وعبرة الدهر ومدينة السعادة والرحمة والصدق والكذب والإنصاف وتراه أيضاً يتعرض للموضوعات الاجتماعية فلا يلم بالبحث فيها من عامة أطرافها على حين تستدعي درساً يسلب المرء فيه قراراه ليسقط الناظر فيها على حقيقة ناصعة أو علم جم أو فكر جديد.
يدلك على هذا بحثه عن المجرم في مقالة أفسدك قومك فإنا لا ننكر عليه أنه ذكر فيه ما يفهم منه أنه يحمل الذنب على المجتمع البشري وعلى التربية الأولى وعلى القانون وعلى غير ذلك شأن كثيرين ممن قاموا اليوم في أوربا يحامون على المجرمين ويعدونهم كالبائسين يستحقون الرحمة ويطلبون تعديل القانون الجائر لتخفيف ما ينزل بهم من الويل والثبور. ولو كان المنفلوطي من كتاب الحقائق لتوسع في هذا المبحث وقرأ ما كتبه الأطباء في هذه المسألة لتتم الفائدة.
ثبت مؤخراً بعد الفحص الطبي أن للجناة من نقص ملكاتهم المادية والأدبية استعداداً لما يوقعونه من الجنايات منذ زمن بعيد. وقد فحص بنديكتأحد مشهوري أطباء فينا أدمغة كثيرين ممن يقترفون الجنايات الكبرى فوجدوها بأسرها مأفونة غير تامة التركيب، وهذا الرجل يعد الجنون والجناية صنوان. ويرى رأيه هذا الدكتور بوردي الفرنسوي وقد بحث في أدمغة ستة وثلاثين جانيا حكم عليهم بالإعدام فرأى الناحية الجبهية مصابة والناحية
стр. 3417
الجدارية واسعة جداً. وهذا يدل على نقص القوة العاقلة والشعور والميل إلى الحنق والنزق. وقد نظر غاروفالو أحد مشاهير علماء الجزاء في إيطاليا في الجناة فلم يجد واحداً منهم خلواً من إمارات مادية وأدبية تحكي الإنسان الأول.
وما ظهر من الحقائق الجديدة من أمثال هذا الاستقراء والاستقصاء هو موضوع الرأي العام في أوربا في شأن تنظيم الجزاء حتى نشأ عن هذه التجارب الطبية علم جديد يسمى علم الجرائم البشرية_آنتروبولوجي كريميتل وكان للإيطاليين اليد الطولى في خدمة هذا الفن الجليل.
نال المنفلوطي من المدنية الغربية في كلامه عليها ما لا أرضاه له كل من درسها حق دراستها وبحث فيه بحث العالم المتجرد عن المؤثرات دينية كانت أم قومية لا بحث خطيب أو أديب أو شاعر أو واعظ مرشد داعٍ إلى وطنية أو أخلاق.
وورد في قوله هذا كلام ثلة من حملة أقلام ممن لهم من أخلاقهم عصبية قومية أو نعرة شرقية وسواء عندي كان قولهم هذا بدافع الوطنية أو الدعوى إلى إحياء آثار مجد أو تمازجها لوثة من لوثات الفساد فينشأ ناشئهم وقد انحل من وطنيته كما انحل من دينه وأدخل الفساد أخلاقه كما أصاب عاده ومنازعه.
وإني أشاركه في كل ما جاء في تالك المقالة إلا في قوله: إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب لهم مثلاً بحضارة بغداد وقرطبة وثيبة وفينيقية لا بباريس ورومة وسويسرا ونيويورك، وإن دعوناهم إلى مكرمة فلنسرد عليهم آيات الكتب المنزلة وأقوال أنبياء المشرق وكلماته لا آيات روسو وباكون ونيوتن وسبنسر، وإن دعوناهم إلى حرب ففي تاريخ خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وموسى بن النصير وصلاح الدين ما يغنينا عن تاريخ نابليون وولنجيتون وواشنطون ونلسون وبلوشر (بلوخر)، وفي وقائع القادسية وأفريقية والحروب الصليبية ما يغنينا عن وقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتنز والسبعين.
هذا ما كتبه المنفلوطي إلى ابناء القرن العشرين من المشارقة وهو يريد أن يربو تربية مدنية عملية يصدون بها غارات الجانب التي يشنونها عليهم من كل صوب وأوب وهذا هو السلاح الذي يحمله الشبيبة المصرية على أن يتسلحوا به ليقاتلوا أعداء الوطنية ويخرجوا من ديارهم من ابتزوا أموالهم وغلبوهم على أمرهم وكل يوم يريشونهم بسهام التعصب
стр. 3418
والطيش.
من الحكمة أن يدعو القائم بالإصلاح إلى قومية أو وطنية ولكن بدون أن يزدري مدنية الأمم الأخرى الناهضة ويعمل على الحط منها وهم الذين بها وطدوا دعائم استقلالهم ورفعوا منار مجدهم وسؤددهم.
وما أدري كيف تقوم لنا نحن معشر المشارقة قائمة إذا اقتصرنا على ما ورثناه من المناحي والمنازع وأقبلنا على الأخذ بما أبقاه لنا آباؤنا الأولون من الآثار فقط بدون أن نمعن النظر في آداب رجال الغرب وأخلاقهم وعاداتهم وتاريخهم وبالجملة نقف على سر تقدمهم ولا أعلم لأي غرض نعنى بإرسال البعثات العلمية إلى البلاد الأوربية وننادي على رؤوس الأشهاد أن هذا هو الذي يحقق لنا الأمل في المستقبل إذا لم يكن المقصد منه درس تاريخ نابليون وولنجتون وواشنطون ونيلسون وبلوخر ووقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتنز والسبعين أو لننهل حتى نروى من آداب روسو وباكون وزولا وألفريد دوموسه أو لنتبطن أسرار فلسفة ديكارت ونيوتن وسبنسر غيرهم.
ويجب ألا يغرب على الأذهان أن ما توفر لقواد المغاربة من الأسباب والوسائل في بيئتهم وبين بني جنسهم وما كان يجول في خواطرهم من الأماني التي كانت المص الح تدفعها للانبعاث إلى حيز الوجود غير ما توفر لقواد المشارقة من العرب وغيرهم على اقتحام غمرات الردى في سبيل الدفاع عن الحمى وهذا ما يدعو لاختلال التوازن في الدهاء السياسي في الفريقين بما يتذرع به من الحيل الحربية والدسائس في مثل هذه الأحوال للنظر في كتاب الغيب وقراءة مستقبل الأمم فيه مما ينجم عنه ما نراه من الاختلاف في نتائج الحروب والمعارك نصراً كان أو خذلاناً.
وساء صحت نظرية من زعموا أن من دواعي سقوط الدولة العربية جهل الأمة بتاريخ اليونان والرومان أو لم تصح فإن فيها حقيقة لا أخالها تخفى على مثل الأستاذ المنفلوطي. وإذا اتخذنا هذه النظرية أصلاً جاز لنا أن نبشر مساعينا بالإخفاق والحبوط ونحكم على حياتنا الاجتماعية والسياسية بالانحلال والاختلال في مستقبل الأيام إذا قادنا الجهل أن نحرم على أنفسنا الوقوف على سر استبحار عمرانهم وانبساط ظلال مدنيتهم في طول البلاد وعرضها فنحرم من الاستمتاع بعلومهم وآدابهم.
стр. 3419
ولو كان قوله هذا درساً يلقيه على صغار العقول من الطلبة الأطفال ليطبعهم بطبائع حب الوطن وينشأوا وهم يفادون في سبيله النفس والنفيس لما أخذوا بقدر ما يؤآخذ وهو في موقف ودع فيه_كما قال عن نفسه_الخيال والشعر وداع من يعلم أن الأمر أعظم شأناً وأجل خطراً من أن يعبث به العابث بأمثال هذه الطرائف التي هي بالهزل أشبه منها بالجد والتي إنما يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه لا في مواطن جده وعمله.
ألا فليعلم الكاتب أن في الغربيين من العادات ما هو خليق بنا نحتن الشرقيين أن نغتبط به ونأخذ بالنافع الرافع منه والرجاء أن لا يظن بأننا بما نكتبه الآن نخدع الأمة عن نفسها أو نفسد عليها شرقيتها بتزيننا لها هذه المدنية تزييناً يجمع إلى استقلالها النفسي استقلالها الشخصي فلشد وأيم الحق ما نكون محتفظين بعاداتنا العربية الشرقية وآدابنا ولكن ما نراه من تيار المدنية الغربية يريدنا على مجاراتها شئنا أم أبينا فإن لم نعد لها عدتها ولم نسر معها جنباً إلى جنب دحرتنا وربما وردتنا مورد الهلكة غير حافلة بنا ولا آسفة علينا.
ومما أنكره عليه أيضاً تعرضه في مقالة الحساب لولي عقله وأستاذه رجل الإسلام الشيخ محمد عبده ورجل المرأة قاسم بك أمين. ولو اقتصر على ذكر (المحسن) وذلك الرجل الذي كان في حياته يتخذ في أعماله ما يسمونه (الحيل الشرعية) وذلك (القطب) الذي كان أكبر تاجر من تجار الدين_لو اقتصر على هؤلاء لكان أحسن صنعاً.
وجل ما آخذ به الأول هو أنه فاجأ جهلة المسلمين بما لا يفهمون من المبادئ الدينية الصحيحة والأغراض الشريفة فأرادوا غير ما أراد وفهموا غير ما فهم. وهذا ما دعا إلى إلحادهم (!) ومروقهم من الدين (!) بعد أن كانوا مخرفين وأنه أول لهم بعض آيات الكتاب فاتخذ التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشياطين والجنة وبين لهم حكم العبادات وأسرارها وسفه لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها فتركوها وأنه قال لهم أن الولي آله باطل والله آله حق فأنكروا الإلوهية حقها وباطلها.
يتبع.
دمشق:
صلاح الدين القاسمي.
стр. 3420
أخبار العلماء بأخبار الحكماء
من الكتب الجيدة في التراجم هذا الكتاب للوزير جمال الدين أبي الحسن علي القفطي من أهل القرن السابع طبع أولاً في ليبسيك وأعيد طبعه في القاهرة فتداولته الأيدي وعم الانتفاع منه كما عم من قبل كتاب عيون الآن باء في طبقات الأطباء لموفق الدين أبي العباس أحمد المعروف بابن أبي اصيبعة من أصل ذاك القرن إلا أن كتاب أخبار الحكماء مال فيه صاحبه إلى الاختصار حتى جاء في نحو نصف طبقات الأطباءِ وإن كان زاد عليه بعض التراجم لأن المترجمين في كلا السفرين النفيسين تجاوزوا الأربعمائة.
سرد ابن القفطي أسماء مترجميه على حروف المعجم بحسب تقادم عهدهم بخلاف ابن أبي أصيبعة الذي أتى بالتراجم بحسب الأقطار ثم بحسب سني ولاداتهم ولم يشبع الأول الكلام إلا في بعض الأشخاص وربما أوجز في الأحايين إيجازاً لا يكاد يقع فيه ابن أبي أصيبعة إلا نادراً والغالب أن هذا وقف في جملة ما وقف عليه من الكتب كتاب القفطي فاستعان به وزاد عليه لأن هذا توفي سنة ٦٤٦ في حلب وابن أبي أصيبعة توفي سنة ٦٦٨ في صرخد من بلاد الشام ولا يعقل أن يكون رجلان متعاصرين ولا يطلع أحدهما على ما يكتبه الآخر فقد نرى بعض التراجم في بالحرف الواحد في كلا الكتابين ولعل المصادر التي أخذ عنها المؤلفان كانت واحدة فجاءت بعض تراجم مترجميهم بعبارة واحدة.
ومع أن ابن القفطي اشتهر بأنه من كبار غلاة الكتب وهو ذو ثروة واسعة وفي منصب الوزارة نرى ابن أبي أصيبعة من طبقة الأطباء في عهده يهدي كتابه إلى أحد وزراء دمشق ومع هذا تقرأ فيه سعة المادة المدهشة ولكن المتأخر قد يفوق المتقدم ولا عبرة بتقادم الميلاد كما لا عبرة باختلاف البلاد إذا كان الترقي فيها عاماً.
وهنا لا بأس بإيراد طرف من ترجمة صاحب أخبار الحكماء زيادة في البيان فهو علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى وزير حلب القاضي الأكرم الوزير جمال الدين أبو الحسن بن القفطي أحد الكتاب المشهورين وكان أبوه القاضي الشرف كاتباً أيضاً ولد بقفط من الصعيد الأعلى بالديار المصرية وأقام بحلب وكان بقوم بعلوم من اللغة والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والمنطق والنحو والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل ولد سنة ستين وخمسمائة وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة وكان صدراً محتشماً كامل السؤدد وجمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق وكان لا يحب من الدنيا سواها
стр. 3421
ولم يكن له دار ولا زوجة وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب وكانت تساوي خمسين ألف دينار وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب وهو أخو المؤيد بن القفطي ومن شعره:
ضدان عندي قصرا همتي ... وجه لحبي ولسان وقاح
إن رمت أمراً خانني ذو الحيا ... ومقول يطمعني في النجاح
فأنثني من حيرة منهما ... لي مخلب ماض ومالي جناح
شبه جبان فرَّ من معرك ... خوفاً وفي يمناه غضب الكفاح
وله من التصانيف كتاب الضاد والظاء وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى الخط. كتاب الدر الثمين في أخبار المتيمين. كتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم ألوت عليه فوضعته. كتاب أخبار المصنفين وما صنفوه. كتب أخبار النحويين كبير كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين ست مجلدات كتاب أخبار المغرب كتاب تاريخ اليمن كتاب المحلي في استيعاب وجوه كلا. كتاب إصلاح خلل صحاح الجوهري كتاب كلام علي الموطا لم يتم كتاب الكلام على صحيح البخاري لم يتم تاريخ محمود بن سبكتكين وبقية كتاب تاريخ السلجوقية تاب الاستئناس في أخبار آل مرداس كتاب الرد على النصارى وذكر مجامعهم كتاب مشيخة تاج الدين الكندي كتاب نهزة الخاطر ونزهة الناظر في إحسان من ظهور الكتب اهـ.
وعلى ما توخى ابن القفطي من الاختصار في التراجم تسقط فيه على أمور كثيرة وفوائد غزيرة خصوصاً وإن من الرجال من ترجمهم هو وحده ومنهم من تفرد ابن أبي أصيبعة ومنهم وهم الأكثر من اشتركا معاً في ترجمتها مثل الذي نقله عن الخطيب أمين الدولة أبو الحسن علي الأباني العثماني الأموي القفطي صاحب القاضي الأكرم قال: وكان من أجمل رأيت نباهة وفضلاً وبلاغة ومشاركة قال أدركت جلة المشايخ من إجلاء بلادنا وهم مجموعون على أن الذي أردم أراضي أكثر قرى مصر وأسس الجسورة المتوصل بها من قرية إلى قرية في زمن النيل هو أرشميدس فعل ذلك لبعض ملوكها وسببه أن أكثر القرى بمصر كان أهلها إذا جاء النيل تركوها وصعدوا إلى الجبال المقابلة لها فأقاموا بها إلى أن يذهب النيل خوفاً من الغرق وإذا أخذ النيل في النقص نزل كل قوم إلى أراضيهم وشرعوا في الزرع فكان ما تطامن من الأرض يمنعهم ما انحبس فيه من الماء عن الوصول إلى ما
стр. 3422
علا فلا يوصل إليه إلا بعد جفافه فلا يمكن زرعه فيذهب بذلك فعل كثير ولما علم أرشميدس بذلك في زمنه قاس أراضي أكثر القرى على اعلى ما يكون من النيل وأردم ردوماً وبنى عليها القرى وعمل الجسورة ما بين القرى وفي أواسط الجسورة قناطر ينفذ الماء منها من أرض قرية إلى أخرى فزرع كل واحد منهم الزرع في وقته من غير فوات ووقف من كل ضيعة أرضاً معينة يصرف مغلها في كل سنة إلى إصلاح هذه الجسورة فهي إلى الآن معلومة ولها ديوان مفرد بمصر يعرف بديوان مدن الجسورة وعليها احتراز كثير وعناية كثيرة وأعرف وأنا طفل وقد أضفيت هذه الجهة بالأعمال الشرقية من جوف مصر إلى والدي ﵀ وله نواب وضمان ومشدون كان العمل فيها أتعب من جميع الأعمال اهـ.
ومثل قوله في ترجمة جالينوس الحكيم بأن أنطونيوس قيصر ملك اثنتي عشرة سنة وبنى مدينة إيليوبوليس وهي مدينة بعلبك أي أصلحها وقال في ترجمة سنان بن ثابت بن قرة الحراني ما نصه: وكانت منزلة سنان كبيرة عند الأمراء والوزراء فمن ذلك أن الوزير علي بن عيسى بن الجراح وقع إليه في سنة كثرت فيها الأمراض والأوباء توقيعاً نسخته: فكرت مد الله في عمرك في امر من في الحبوس وأنهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقون من التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء في أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ويحملون معهم الأدوية الأشربة وما يحتاجون إليه من المزورات وتتقدموا إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس يعالجوا من فيها من المرضى ويريحوا عللهم فيما يصنفونه لهم إن شاء الله تعالى. ففعل سنان ذلك ثم وقع إليه توقيعاً آخر: فكرت فيمن بالسواد من أهله وأنه لا يخ لو من أن يكون فيه مرضى ولا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم مد اله في عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون في السواد ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم ويعالجون فيه ثم ينقلون إلى غيره. ففعل سنان ذلك وانتهى أصحابه إلى سورا والغالب على أهلها اليهود فكتب سنان إلى الوزير علي بن عيسى يعرفه ورود كتب أصحابه عليه من السواد بأن أكثر من بسورا ونهر ملك يهود وأنهم استأذنوا في المقام عليهم وعلاجهم أو الانصراف عنهم إلى غيرهم وأنه لا يعلم بما
стр. 3423
يجيبهم به إذا كان لا يعرف رأيه في أهل الذمة وعلمه أن الرسم في بيمارستان الحضرة قد جرى للملي والذمي. فوقع الوزير توقيعاً نسخته: فهمت ما كتبت به أكرمك الله وليس بيننا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب ولكن الذي يجب تقديمه والعمل به معالجة الناس قبل البهائم والمسلمين قبل أهل الذمة فإذا فضل عن المسلمين ما لا يحتاجون إليه صرف في الطبقة التي بعدهم فاعمل أكرمك الله على ذلك واكتب إلى أصحابك به ووصي بالتنقل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة والأمراض الفاشية وإن لم يجدوا بذرقة توقفوا عن المسير حتى يصيح لهم الطريق ويصلح السبيل فإنهم إذا فعلوا هذا وفقوا إن شاء الله تعالى اهـ.
وفي هذه الرسائل الثلاث نموذج مهم من الكتابة الرسمية في أوائل مدة العباسيين ودليل على ما بلغته الحضارة في عهدهم أيام كان الطب في جملة ما يعنى به حتى أن سنان ابن ثابت أحصى الأطباء في بغداد ولم يرخص لأحدهم أن يطبب إلا إذا أخذ شهادة بكفاءته وكذلك فعلوا مع الصيادلة حتى لا تؤتى الأمة من جهة الطب أبدانها كما حاذر الخلفاء أن لا تؤتى من قبل أديانها.
وكما تجد المحاسن ماثلة في أخبار الحكماء ترى المساوئ كذلك كالتي ذكره في ترجمة عبد السلام بن عبد القادر الجيلي المعروف بالركن قال: كان عبد السلام هذا قد قرأ علوم الأوائل وأجادها واقتنى كتباً كثيرةً في هذا النوع واشتهر بهذا الشأن شهرة تامة وله تقدم في الدولة الإمامية الناصرية وحصل له بتقدمه حسد أرباب الشر فثلبه أحدهم بأنه معطل وأنه يرجع إلى أقوال أهل الفلسفة في قواعد هذا الشأن فأوقعت الحفظة عليه وعلى كتبه فوجد فيها الكثير من علوم القوم وبرزت الأوامر الناصرية بإخراجها إلى موضع ببغداد يعرف بالرحبة وأن تحرق بحضور الجمع الجم منها ففعل ذلك وأحضر لها عبيد الله التميمي البكري المعروف بابن المرستانية وجعل له منبر صعد عليه وخطب خطبة لعن فيها الفلاسفة ومن يقول بقولهم وذكر الركن عبد السلام هذا بشر وكان يخرج الكتب التي له كتاباً كتاباً فيتكلم عليه ويبالغ في ذمه وذم مصنفه ثم يلقيه من يده لمن يلقيه في النار اهـ.
ومثلما نقله من الفقرات في ترجمة موسى بن ميمون الإسرائيلي الأندلسي لما نادى عبد المؤمن بن علي الكومي البربري المستولي على المغرب البلاد التي ملكها بإخراج
стр. 3424
النصارى منها وقدر لهم مدة وشرط لمن أسلم منهم بموضعه على أسباب ارتزاقه ما للمسلمين وعليه ما عليهم وبقي على رأي أهل ملته فأما أن يخرج قبل الأجل الذي أجله وأما أن يكون بعد الأجل في حكم السلطان مستهلك النفس والمال.
ومما ذكره وهو يدل على اتساع ثروة العرب في ترجمة بني وسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن من أن محمداً صار بالعلم من وجوه القواد إلى أن غلب الأتراك على الدولة وذهبت دولة أهل خراسان وانتقلت إلى العراق فعلت منزلته واتسع حاله إلى أن كان مدخوله في كل سنة بالحضرة وفارس ودمشق ونحوها نحو أربعمائة ألف دينار ومدخول أحمد أخيه نحو سبعين ألف دينار. فتأمل مبلغ هذه الثروة.
ومما نقتبسه من هذا الكتاب أنموذجاً على درجة الحضارة في القرن الخامس ما نقله من كتاب كتبه المختار بن الحسن بن عبدون الحكيم الطبيب البغدادي المعروف بابن بطلان من نصارى كرخ بغداد إلى الرئيس هلال بن الحسن بن إبراهيم ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا لما اعتقده من خدمة سيدنا السيد الأجل أطال الله بقاءه وكبت أعداءه دانياً وقاصياً وافترضته من طاعته مقيماً وطاعناً وأضمرت عند دواعي حضرته العالية وقد ودعت منها الفضل والسؤدد والمجد والفخر والمحتد أن أتقرب إليها وأجدد ذكرى عندها بالمطالعة مما استطرفه من أخبار البلاد التي أطر قها واستغربه من غرائب الأصقاع التي أسلكها خدمة للكتاب الذي هو تاريخ المحاسن والمفاخر وديوان المعاني والمآثر ليودع أدام الله تمكينه منها ما يراه ويلحق ما يستوقفه ويرضاه وعلى ذكره فما رأيت أحداً بمصر وهذه الأعمال أكثر من الراغب فيه وكل رئيس في هذه الديار متشوق إليه متشوف ولوصوله مترتب متوقع ولو وصلت منه نسخة لبلغ الجانب لها أمنيته في ربحها ونفعها وإلى الله تعالى أرغب في نشر فضيلته الباهرة ومحاسنه الزاهرة بجوده. وكنت خرجت من بغداد وبدأت بلقاء مشايخ البلاد وخواصها واستملاء ما عندهم من آثارها وعجائبها فذكري أخبار مستطرفة وعجائب غريبة واقطاع من الشعر رائقة ولضيق الوقت وسرعةالرسول أضربت عن أكثره واقتصرت على أقله وكنت خرجت على اسم الله تعالى وبركته مستهل شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة مصعداً في نهر عيسى على الأنبار ووصلت إلى الرحبة بعد تسعة عشرة رحلة وهي مدينة طيبة وفيها من أنواع الفواكه ما لا يحصى وبها تسعة
стр. 3425
عشر نوعاً من الأعناب وهي متوسطة بين الأنبار وحلب وتكريت والموصل وسنجار والجزيرة وبينها وبين قصر الرصافة مسيرة أربعة أيام ورحلنا من الرصافة إلى حلب في أربع رحلات وهي بلد مسور بالحجر البيض فيها ستة أبواب وفي جانب السور قلعة أعلاها مسجد وكنيستان وفي إحداهما مكان المذبح الذي كان يقرب عليه إبراهيم ﵇ وفي أسفل القلعة مغارة كان يخبأ فيها غنمه وإذا حلبها أضاف بلبنها الناس فكانوا يقولون حلب أم لا ويسأل بعضهم بعضاً عن ذلك فسميت حلب وفي البلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية وشرب أهل البلد من صهاريج وعلى بابه نهر يعرف بقويق يمد في الشتاء وينضب في الصيف وفي وسط البلد علوة صاحبة البحتري وهو قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من الروم (الأناضول) وما بحلب موضع خراب ومنه خرجنا من حلب طالبين إنطاكية وبين حلب وبينها يوم وليلة فبتنا في بلدة للروم تعرف بعم فيها عين جارية يصاد منها السمك ويدور عليها رحى وفيها من الخنازير والنساء والعواهر والزنا والخمور أمر عظيم وفيها أربع كنائس وجامع يؤذن فيه سراً والمسافة التي بين حلب وإنطاكية لأرض ما فيها خراب أصلاً إلا أرض زرع للحنطة والشعير بجنب شجر الزيتون وقراها متصلة ورياضها مزهرة ممياهها متفجرة وإنطاكية بلد عظيم ذو سور وفيصل ولسوره ثلثمائة وستون برجاً يطوف عليها بنوبة أربعة آلاف حارس ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك فيضمنون حراسة البلد سنة ويستبدل بهم في الثانية وشكل البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل والسور يصعد من الجبل إلى قلته ويستتم دائرة وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها من البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب وفي وسطها قلعة القسياني وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده بطرس رئيس الحواريين وهو هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون وعليه كنيسة على أساطين ودائر الهيكل أروقة يجلس فيها القضاة للحكومة ومعلمو النحو واللغة وعلى أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان الساعات يعمل ليلاً ونهاراً دائماً اثنتي عشرة ساعة وهو من عجائب الدنيا وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين ومقاصير حسنة وتخر مكنها المياه وهناك من الكنائس ما لا يحد كثرة كلها معمولة بالفص
стр. 3426
المذهب والزجاج الملون والبلاط المجزع وفي البلد بيمارستان يراعي البطريك المرضى فه بنفسه وفي المدينة من الحمامات ما لا يوجد مثله في مدينة من اللذاذة والطيبة فإن وقودها من الآس وماؤها سيح وفي ظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب يأخذ من الجنوب إلى الشمال وهو مثل نهر عيسى وخارج البلد دير سمعان وهو مثل نصف دار الخليفة يضاف فيها المجتازون يقال أن دخله في السنة أربعمائة ألف دينار ومنه يصعد إلى جبل اللكام وفي هذا الجبل من الديارات والصوامع والبساتين والمياه المتفجرة والأنهار الجارية والزهاد والسياح وضرب النواقيس في السحار وألحان الصلوات ما يتصور معه الإنسان أنه في الجنة. وفي أنطاكية شيخ يعرف بأبي نصر بن العطار قاضي القضاة فيها له يد في العلوم مليح الحديث والإفهام وخرجت من إنطاكية إلى اللاذقية وهي مدينة يونانية لها ميناء وملعب وميدان للخيل مدور وبها بيت كان للأصنام وهو اليوم كيسة وكان في أول الإسلام مسجداً وهي راكبة البحر وفيها قاض للمسلمين وجامع يصلون فيه وأذان في أوقات الصلوات الخمس وعادة الروم إذا سمعوا الأذان أن يضربوا الناقوس وقاضي المسلمين الذي بها من الروم. ومن عجائب هذا البلد أن المحتسب يجمع القحاب والغرباء المؤثرين للفساد من الروم في حلقة وينادي على كل واحدة منهن ويتزايد الفسقة فيهن لليلتها تلك ويؤخذن إلى الفنادق التي هي الخانات لسكنى الغرباء بعد أن تأخذ كل واحدة منهن خاتماً هو خاتم المطران حجة بيدها من تعب الوالي لها فإنه متى وجد خاطياً مع خاطية بغير ختم المطران ألزمه جناية. وفي البلد من الحبساء والزهاد في الصوامع والجبال كل فاضل يضيق الوقت عن ذكر أحوالهم والألفاظ الصادرة عن صفاءِ عقولهم وأذهانهم اهـ. .
وبعد فإن تاريخ القفطي من الكتب التي أجاد فيها مصنفها حريٌ بأن يستفيد منه كل متأدب ومتعلم ويرجع إليه كل عالم ومؤرخ سلس العبارة جميل المأتى ينقل الأمور على علاتها في الأكثر بدون تمحيص لها أو إبداء رأي فيها وابن أبي أصيبعة يفوقه في رد كل قول إلى قائله وضبط الأعلام والتدقيق في التواريخ وأخبار الرجال وذكر شذور من شعرهم ونثرهم والكتابان كفرسي رهان أو كالسلسلة المفرغة لا تدري أين طرفاها.
стр. 3427
الصحف والنجاح
للنجاح في الأعمال أسباب كثيرة منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي إذا اختل أحدها تعذر النهوض بالشق الآخر. وإنشاء الجرائد والمجلات لا يخرج عن هذا الحد المقرر وهل في الأرض عمل لا يحتاج إلى علم وتجارب ومال واستعداد. ولطالما رأينا مصر في الثلاثين سنة الأخيرة والشام في عهدها الدستوري الجديد وغيرهما من الأمطار والأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية تتجرأ على إصدار الصحب بدون حساب ولا روية وأدركنا العامة أجرأ من الخاصة على اقتحام هذا المركب الصعب وليس لديهم في الأغلب من وسائط النجاح كبير أمر فلا يلبث ما ينشئون أن يظهر إلى الوجود حتى يختفي اضطراراً لا اختياراً.
وهذا هو السبب في تعداد الجرائد وقصر أعمارها واشمئزاز الناس منها غذ توهموا بما تمثل لهم من حال بعض من أقدموا عليها آلة للتكسب والتدجيل لا أداة للوعظ والإرشاد والتعليم.
ما رأينا صناعة من الصناعات استسهل الناس أمرها كالصحافة فلم يعهد معلم في النجارة أو الحدادة أو البناء أو الهندسة يحترف هذه الحرف بدون سابق ممارسة ويتصدر للاعتياش منها وهو لا يعرف من أسراها سراً ولكن فن الصحافة في هذه الديار الذي يتوقف النجاح فيه على أسباب كثيرة أهمها العلم والتجربة والمال قد رأينا أناساً من الأغمار يدعونه بدون خشية وأكثرهم لا يعرفون قراءة الجرائد والمجلات دع عنك تأليفها وإصدارها.
كان جمهور الناس إلى عهد قريب يشارك الأطباء في طبهم فترى الكبير والصغير إذا عرض لهما مريض من خاصتهما ومعارفهما لا يتوقفان في وصف علاج يشفيه مدعيين أن ذلك من مجرباتهما أو مجربات أصحابهما ولما كثر الأطباء واستنارت الأمة بعض الشيء خفت هذه العادة في التعدي على الأطباء في طبهم إلا عند الطبقة الجاهلة أما الصحافة فيدخل فيها الفعل أناس ليسوا منها وليست منهم ويصفون للأمة أدوية تقيها الأسواء والأرزاء والأدواء ويعترضون على العالمين والحاكمين والسلاطين بلا خشية ولإحياء كأن طب الأرواح أصعب من طب الأشباح أو كأن الصحافة من العلوم اللدنية لا الكسبية يتعلمها المرء بالذوق وتوحى إليه إيحاءً.
من أجل هذا احتقرت الأمة الصحافة لما رأت من ضعف كثير من أدعيائها في أخلاقهم
стр. 3428
معارفهم ممن شانوا شأنها وعبثوا بمالها تذرعاً إلى مطمع ينالونه وصيت بالباطل يحصلونه ومقام عالٍ ينزلونه. نعم لم نشهد العطار بيطاراً ولا الإسكاف نجاراً ولا الحطاب رساماً ولا الفحام نظاماً ولا الجوهري حجاماً ولكن شهدنا الفلاح صحفياً والمتشدق مؤلفاً والثرثار محامياً والمكثار خطيباً كما نشهد الأغبياء قد يحاولوا بلوغ درجات الأذكياء والفقراء يقلدون الأغنياء.
بيد أن سنن الفطرة التي لا تغالب ونظام هذا الكون البديع الذي قلما اختل يعاقبان المعتدي على ما لا يعلم بما جنته يداه كما قيل في الأمثال الإفرنجية كل خطاء يحمل عقوبته فيه. وندر جداً في الناجحين من تيسر لهم الوصول إلى ما وصلوا إليه باتخاذ الذرائع المنجحة ونسج حلل مجدهم بأيديهم.
رأينا كثيراً ولاسيما في بلاد مصر والشام التصقوا بالصحافة وأنفقوا ثرواتهم في سبيلها فلم ينجحوا في مسعاهم ورجعوا بعد العناء الطويل وخسارة المال صفر الأيدي خائبين لأن مائدة العلم لا يجلس إليها طفيلي ولأن التمويه إن صعب في عمل فهو في الأعمال العلمية أصعب.
ومن ذلك رجلان اثنان صرف أحدهما في تأسيس الجرائد بضعة ألوف من الجنيهات والآخر بضعة مئات من الليرات وبعد العمل سنين ومحاولة النجاح ولو بالتلون في المبادئ وقلب الحقائق وتقبيح ما يستحسن واستحسان ما يستهجن والظهور في مظهر المصلحين الغيورين بعد كل هذا اضطرا إلى الرجوع أدرهما ولو كانا صرفا ربع ما بذلاه في هذا السبيل على درس فن الصحافة على أصوله وتلقناه كما تتلقن الصناعات المهمة ويدرب عليها المشتغلون بها لكان النجاح مضموناً لا محالة.
ولقد شاهدنا عياناً أن معظم الصحف التي كتبت لها البقاء في هذين القطرين الشقيقين خاصة هي التي قام بأعبائها أناس متعلمون تخرجوا في الكتابة وتدربوا في السياسة وتذوقوا لماظة من العلوم التي لا يسع صاحب جريدة ومحل جهلها. ومعظم من لم يخاذنهم ما يسمونه بالتوفيق أخفقوا لأسباب ناشئة من ضعفهم وقلة معارفهم في صناعة يلزمها ما يلزم لكل صانع من الأدوات إن لم نقل أنها تتوقف على أدوات أكثر.
وهنا مجال لأن ننصح الشبان المتهوسين في الكتابة الراغبين في الشهرة أن لا يقدموا على
стр. 3429
الدخول في معترك الصحافة والسياسة والآداب قبل أن يستتموا أدواتها ويستعدوا لها ويتخرجوا بها مدة فالإجادة في مقالة يكتبها كاتبها في أيام وربما عاونه غيره في تلقين موضوعها وتقويم أصولها وفروعها لا يتأتى منه الإجادة في كل موضوع ودعوى كل علم. والنشر والطبع مما ترغب فيه النفس والنفس غالباً تميل إلى نيل المحمدة والذهاب بفضل الشهرة والعاقل على أي حال من اتهم نفسه وحاسبها ولو يسيراً حتى لا يكون كل من يخط سطرين مغروراً بهما كمن هو بابنه وبشعره مفتون. وبعد فإن قانون المطبوعات العثمانية الجديد يقضي على من يصدر جريدة أو مجلة أن يحسن الكتابة باللغة التي يصدر بها صحيفته ليعلم ما يكتب فيها ولو كان قومنا يبالغون في انتقاء الرجال للأعمال لوضع في قانوننا بند يلزم كل من تصدر لمعاناة صنع القلم أن يمتحنفي الفن الذي يخوض عبابه كما امتحن المتطببون والصيادلة فإنشاء الصحف إن لم يكن أحق بالعناية بمعرفة الأمراض والعلل والعقاقير فلا أقل على أن يكون بمستواها فكم من جاهل قتل نفساً زكية ومن صحافي جرع قراءه السم الزعاف على حين ينتظر منه الترياق النافع.
стр. 3430
سير العلم والاجتماع
الجرائد في سلانيك
يكي عصر_جريدة تركية يومية تصدر بعد الظهر أسست قبل خمسة عشر سنة وكانت تسمى عصر إلى أن جاءت الحرية فزادت كلمة يكي بمعنى جديد فصارت يكي عصر. تبيع في يومها مقدار ثلاثة آلاف نسخة.
روم إيلي_جريدة تركية يومية أسست هذه السنة ولها من المشتركين مقدار ستمائة وتبيع خمسمائة تقريباً فيكون ما تصرفه مقدار ألف ومائة ولسوف تروج سوقها لأسباب لا نريد ذكرها.
زمان_جريدة تركية يومية أسست بعد إعلان الدستور بقليل ثم عطلت ثم نشرت قبل أيام قلائل ولذلك لا نعلم مقدار ما تصرفه على أني ولو رفته فلا يتخذ مقياساً لأنها بنت عشرة أيام.
سلاح_جريدة تركية تصدر الاثنين والأربعاء والسبت ثلاث مرات في الأسبوع ولا يبعد أن تصير يومية يباع يومياً منها في البلدة مقدار ألف نسخة ويرسل إلى مشتركيها ألف وخمسمائة فيكون مجموع ما تطبعه (٢٥٠٠).
مأمورين_جريدة تركية تصدر في الأسبوع مرتين تخص المأمورين فقط كما يظهر من اسمها.
باغجه (جنينة) _مجلة سياسية أدبية اجتماعية تنشر بالتركية في كل نصف شهر مرة وثمنها قرش واحد. قليلة الفائدة قليلة الراغب تحتوي على ١٦ صفحة.
حسن وشعر_مجلة تركية تصدر كل خمسة عشر يوماً لا طلاولة لآدابها إلا ما قل وثمنها قرش واحد.
وطنداش_جريدة تركية تنشرها جمعية الاتحاد والترقي ترسلها إلى أهل القرى مجاناً وتصدر كلما اقتضى الحال. وهذه الجريدة تبحث عن الاتحاد والترقي خاصة بلسان يفهمه القروي وفيها من المواد ما ينفع القروي في حقله وزرعه.
فاروس تيس ثسالونيكيس (منار سلانيك) _جريدة رومية يومية أسست سنة ١٨٧٤ ميلادية تبيع في سلانيك مقدار ستمائة نسخة ولها من المشتركين مقدار سبعمائة فيكون المجموع
стр. 3431
١٣٠٠.
آستير (النجم) _جريدة رومية يومية أسست هذه السنة تبيع ألفاً في سلانيك وترسل لمشتركها ألفاً فيكون المجموع (٢٠٠٠).
قونوبي (البرغش) _جريدة رومية أسبوعية نصفها منظوم وهو القسم الأول حتى العنوان وشرائط الاشتراك ونصفها منثور وكلها هزل أسست قبل سنة ويباع منها ألف نسخة.
نه آليثيا (الحقيقة الجديدة) _جريدة رومية يومية أسست سنة ١٩٠٣ ميلادية باسم اليثيا (الحقيقة) ثم بعد الدستور ضم لها نه آ (جديد).
به لوس (ب بدل) (سهم) _جريدة رومية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة تبيع مقدار ألف نسخة.
أبوكا (زمان) _جريدة يهودية يومية أسست سنة ١٨٧٣ ميلادية ولها من المشتركين في سلانيك ستمائة وتبيع فيها مقدار ألف وخمسمائة ومشتركوها في الأطراف سبعمائة فيكون مجموع ما تصرفه ٢٨٠٠.
الأمبرسيال ' إسرائيلية يومية. أسست سنة ١٩٠٨ ميلادية تبيع مقدار ألف نسخة.
قرباج (سوط) _جريدة يهودية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة فنالت رغبة الناس جميعهم ولذلك تبيع مقدار ستة آلاف نسخة.
الآونير (المستقبل) _جريدة يومية تصدر يوم الاثنين والأربعاء والجمعة وتبيع مقدار ألف نسخة. أنشئت قبل ثلاث سنوات.
ره وياتا بو بو لار (مجلة العوام) _مجلة يهودية أسبوعية تنشر في إدارة ما قبلها وترسل معها يوم الجمعة.
ويرقوزيكو (شيطان) _جريدة يهودية أسبوعية هزلية لم تنل الرغبة مثل أختها قرباج.
لاتريبوناليبر (المحكمة الحرة) _جريدة يهودية أسبوعية يباع منها مقدار ألف نسخة.
جورنال دوسالونيك (جريدة سلانيك) _جريدة إفرنسية محررها إسرائيلي أسست قبل ١٥ سنة تصدر الأحد والثلاثاء والخميس تبيع في سلانيك مقدار ألف نسخة ولها فيها سبعمائة مشترك ولها في الأطراف أربعمائة مشترك فيكون مجموع ما تصرفه ٢١٠٠ نسخة.
بروغره دوسالونيك (رقي سلانيك) _جريدة إفرنسية يومية محررها من أهل سلانيك أسست
стр. 3432
قبل ١١ سنة يباع منها مقدار ألف نسخة.
كان للبلغار ثلاث جرائد قل مشتروها فخسرت فتعطلت جميعها.
وأما أهل سلانيك فلا يزيدون عن مائة وخمسين ألفاً وقد كنت أحب أن أقايس أهل الشام وجرائدهم بأهل سلانيك وجرائدهم بهم المطالعة ولاسيما ويأتيهم كل يوم من جرائد إستانبول مثل طنين وأقدام وصباح ويكي غزته ما لا يمكن حصره ولكن لا علم لي بمقدار أهل الشام ولا بجرائدهم ولا بمقدار ما يصرف منها فهل لأحد الفضلاء ممن يعرف ذلك أن يتخذ هذه العجالة أساساً ويتحفنا بالمقايسة؟
سلانيك ر. ب
التربية العقلية
وضع أحد أساتذة المدارس الجامعة في فرنسا كتاباً في التربية العقلية قال فيه بشأن تعلم الإنشاء أن أفضل طريقة يتخذها المعلم في تعليم تلامذته ألا يقترح عليهم كتابة موضوع بدون أن يدلهم على الطريق التي يجب عليهم سلوكها لأن الأفضل في نظره أن تتدارك أغلاطهم قبل وقوعها من أن تصلح بعد كتابتها فإن نقد الأغاليط عقيم في الأكثر ولا يخلو دائماً من الضرب على سندان واحد فلأجل الفائدة من التصليح يجب أن يكون في الوظيفة أو الفرض بعض الميزات الابتدائية والأجدر أن تقرأ للمتعلم قطع من أقوال الغير في الموضوع الذي يقضي عليه كتابته. قال أن من الصعب تعليم الأولاد أن يكتبوا أو يحكموا كتابة صحيحة وحكماً صحيحاً ولكن من الممكن تلقينهم كلهم معنى النظام وحسن السياق وذلك يتأتى بدرس ما كتبه الكاتبون حق دراسته وتحليله وبيان مزاياه ومتانة تراكيبه ومتى تم للم رء أن يعرف ما حوت كتابة كبار الكتاب من الحسنات يوشك أن يقبض على سر الإنشاء.
المدرسة والأخلاق
وضع أحد علماء الألمان كتاباً في التربية الأخلاقية قال فيه أن الواجب في تعليم الأطفال أن يدربوا أنفسهم بأنفسهم وأن يعلمهم معلموهم كيفية التوفيق بين شخصيتهم الروحية وشخصيتهم الحسنة فيباحثوهم في موضوعات في الأخلاق الشخصية أو الاجتماعية ذات ارتباط كلي بحياة التلامذة أنفسهم وأن يعودوا في المدارس إلى القول بعدم المركزية أي
стр. 3433
الحكومة المستقلة بحيث يعدون الطفل للديمقراطية العملية ويكلون ذلك للمتقدمين من التلامذة.
غاية التربية
قال أستاذ التربية والعليم في كلية برلين أن غاية التربية تقوية حواس الشخص ما أمكن مع احترام الخلق الطبيعي وشخصية الأفراد فالواجب أن نحكم فيه قوة الانتباه والتفكر والذاكرة ولا نعجل في استثمار عقله. وهو يشدد كثيراً في تربية الإرادة لأنها أهم من كل شرح وتفصيل في تربية أخلاق المرء.
آثار عربية
ظفر البارون ماكس فون أوبنهايم اثناء سياحته في الشرق على عدة كتابات استخرج بعضها ودفعها إلى علماء الآثار ليحلوها ومن جملتها ١٩٦ أثراً عربياً حلها المسيو برشم ونشرها في كتاب خاص ومعظمها لم يعرف وهي مما عثر عليه السائح الألماني من جنوبي بحيرة حمص إلى دمشق ماراً بقلعة الحصن ومصياف وحماة وقنسرين وحلب والرها (أورفة) وماردين وديار بكر والبيرة وعينتاب وآذنة وطرسوس وقره مان وقونية ويرد تاريخ معظمها إلى عهد استيلاء المماليك على مصر ومنها ست كتابات من عهد الخليفة المنصور في ديار بكر تاريخها سنة ٢٩٧ من الهجرة وبعضها من عهد سيف الدولة ابن حمدان في حلب من سنة ٣٥٤ ومنها أثر وجد في دمشق من عهد السلطان طوطش السلجوقي (٤٨٠) وآخر في سلمية من عهد الأمير خلف ٤٨١.
علم نفس الطفل
ألف أحد علماء سويسرا كتاباً في تربية الأطفال وتعليمهم قال فيه: إن الطفولية يجب أن ينظر إليها بأنها باب للاستعداد للحياة وتختلف مدة الطفولية بحسب درجة كمال النوع فكلما اعتبر تاماً أي حافلاً غنياً بالمقاومات يطول طور الطفولية وعبثاً يريد المرء اختصار هذا الطول لأن الفطرة حمت هذا الدور من نقص التركيب بألف واسطة وكلما كانت الطفولية قصيرة يكون ترقي الطفل قاصراً. وتكلم عن لعب الطفل فقال أنه بالنسبة للطفل من أهم المعدات لاستقبال الحياة فإنا نرى اللعب حتى في الحيوانات سارياً بحسب قواهم الطبيعية فالهرة الصغيرة تلعب بكرة من الورق كما تلعب بفأرة والجدي تظاهر بأنه يناطح في حين
стр. 3434
ليس له قرون وكذلك الحال في الطفل فإن الألعاب على اختلاف ضروبها هي استعداد للعمل القانوني الذي يعمله يوم يبلغ أشده فمن كتب له أن يكون صالحاً في طفوليته يكون رجلاً تام الأدوات في رجوليته والطفل الذي رزق السلامة في أعضاءه والعمل لنما يعد جسمه للمشاق أفضل وأقدر في جهاد الحياة ممن يحملون الشهادات العالية التي تنبئ بدرسهم واستظهارهم فاللعب باعث قوي في نمو الحواس يمد كل من نشأ من النشاط وهو يشترك مع الفكر القوي في سن الفتوة فالواجب أن يترك هذا التصور يأخذ مأخذه كما يشاء ويضاف إلى ذلك رغبة الطفل في النظر والسؤال فينبغي أن لا يضن الأبواب بالجواب على أسئلة يسألها الابن هذا في سن الطفولية أما في سن البلوغ فإن التقليد من أكبر أدوات الارتقاء فالبالغ يبلغ عند الاقتضاء ليسهل التوفيق بينه وبين المطالب العالية والطفل يقلد في لعبه وهذا اللعب مما يفيده.
والمهم في ذلك أن يطبق أعماله على محيطه وأن يقوي قواه ويتعلم معلومات جديدة وينمو على الدوام نمواً طبيعياً وأخلاقياً وهو يرتقي هذا الترقي إذا قابل بنفسه المصاعب التي يجب عليه التغلب عليها تناول بنفسه المعارف اللازمة والأسرار التي يقضى عليه كشفها وسبر غورها. وقال أن علم التربية والتعليم (بيداكوجيا) هو علم معرفة درجات النشوء الطبيعي في الطفل واستخدام كفاءاته الفطرية لترقيتها.
سن تعليم القراءة
يبدأ الأولاد بتعليم القراءة في إنكلترا في السنة الثالثة وفي سويسرا بين الخامسة إلى السابعة بحسب المقاطعات وقد بدأ إميل روسو في الخامسة عشرة. وبحث أحدهم بحثاً دقيقاً فتبين له أن الطفل يتعلم القراءة في الأكثر بسرعة بين السابعة والثامنة وتقل السرعة بين السابعة والسادسة وأن الأظهر في هذه الحال أن يبدأ في سن السادسة بتعلم القراءة. وأكدت مديرة مدارس الأمهات في فرنسا أن تعليم الولد قبل السادسة يضر جداً ولكنها سمحت بأن يقرأ الأولاد بين الخامسة والسادسة من أعمارهم نحو عشرين دقيقة فقط وقالت ينبغي أن يدل الطفل على الكلمات التي يقرأها ولا يكتفي بتكرارها فقط إذ تشتغل في تلك الحال ذاكرته فقط وأن يقرأ بصوته العادي بدون أن يرفعه وأن تستعمل له الألفاظ المستعملة نفسها بدون ألفاظ مجهولة.
стр. 3435
انتظام التجارة
ثبت أن التكافل النامي في المصالح المادية بين البشر واضطرار كل بلدة أن تطلب المواد الأولية والمواد التي تفرغ في قالب آخر أو تبحث عن مصرف لبضائعها وحاصلاتها في البلدان الأخرى كان منه كان منه أن عدل النظام التجاري العام تعديلاً كبيراً لاسيما وقد أصبح اليوم طول سكك حديد الأرض مليون كيلومتر وكان سنة ١٨٧٠ مائتي ألف كيلومتر فقط وأصبحت السفن تحمل اليوم ٣٠ مليون طن وكانت سنة ١٨٧٥ لا تحمل غير ٣. ٧٠٠. ٠٠٠ طن وعدد الأسلاك البرقية البحرية ١٤٠٠ ولم يكن سنة ١٨٦٦ سوى سلك واحد فكيف تكون الحال يا ترى عندما تملأ البحور والبرور بالسفن والسكك والأجواء بالطيارات.
التربية المشتركة
كتب أحد العارفين في مجلة الأسبوع الأدبي في جنيف مقالاً في معنى تربية البنين والبنات في مدرسة واحدة فأورد عدة أمثلة تثبت أفضلية هذا النوع من التعليم ولاسيما لما شوهد من نتائجه الحسنة في إنكلترا وقال فيه أن تربية الجنسين معاً ولاسيما في المدارس الداخلية (كذا) اقل خطراً من تربية كل جنس مع أبناء جنسه. ومن شروط النجاح في ذلك أن يؤخذ الأولاد صغار السن جداً ويتركون يعيشون أبداً معاً ويطرحون العناصر التي لا يمكن التوفيق بينها فيربى الأولاد والشبان في مدارس الفلاة حيث تسلم الحياة من الشوائب وأخلاق الجد تكون أحسن أثراً وأن يسلموا إلى مربين تخرجوا على الأصول الحديثة في علم النفس فيربى كل جنس بحسب طبيعته وما ينتظره في حياته من الواجبات.
الولادات والوفيات
كانت الولادات أزيد من الوفيات سنة ١٩٠٨ في أكثر ممالك أوربا فبلغت الولادات في ألمانيا ٨٧٩. ٥٦٢ والوفيات ٧٩٥. ١٠٧ وفي النمسا ٣١٣. ٦١٦ و٣٠١. ٩٣٦ وفي المجر ٢٣٩. ٧٦٠ و٢٢٨. ٣٣٨ وفي البلجيك ٦٤. ٨٣٧ و٦٧٣٠٥ وفي إنكلترا وغاليا ٤١٩. ٩٢١ و٣٤٦. ٨٤٧ وفي بلاد القاع أو هولاندة ٨٤. ٩٢٦ و٧٥. ٩١١ وفي إيطاليا ٣٦٨. ٦٦٧ و٣٨٥. ١٦٥ وفي نروج ٢٧. ٦٠٠ و٣٠. ٤٥٠ وفي السويد ٥٨. ٤٠٧ و٤٤. ٢٠٤.
следующие страницы →