← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

واستنبات غلاته وتعدين مناجمه والعلم لاستبحار عمرانه ولا يقل عدد المهاجرين من هذا الوادي عن خمسمائة من أصل نحو عشرين ألف نسمة وكل يوم يزيد نازحهم وقلما يعود أحد منهم. يذهب الشبان الأقوياء ويبقى في الأكثر الأطفال والكهول والشيوخ حتى كادت تسوء الظنون في مستقبل هذه البلاد وهي إذا لم توفق إلى النهوض بنشاط شبانها هيهات أن تعمر بتكاسل شيوخها وكهولها وخمولهم. قلنا تعدين مناجمها لأن جبالاً من مثل هذه لا تخلو من مناجم فإذا كانت بقعة واحدة هي جيرود وما إليها تحتوي في جملة ما تحتوي من الغلات والثمرات على أربعة أصناف من العناصر التي تقل أو لا توجد في غيرها فما بالك لو بحث في قرى هذا الجبل وحده عما يكنه صدره من الخيرات الطبيعية. نعم في جوار جيرود على مسافة ساعة منها المملحة التي يصدر منها الملح الجيد للطعام وتكفي ألوف القناطير التي يمكن استخراجها من سورية بأجمعها ولذلك يكتفى باستخراج كمية قليلة منه لأن في جوار تدمر وحماة وصفد مملحات أخرى ينتفع بملحها دع عنك ما في سائر الأقطار العثمانية من هذا الجزء المفيد. وبالقرب من المملحة معدن الجبس أو الجبصين ينبشونه من الأرض قطعاً مستطيلة بطول شبر أو شبرين وعرض ثلاثة أصابع وثخن إصبعين يستخرج العامل القنطار الشامي منه بسبعة قروش وقد لا يستخرج قنطاراً منه في اليوم الواحد فيأخذه ضامته من إدارة الغابات أو المعادن ويجعله في تنور كبير يحرقه وعندها يستحيل إلى جبس يدخل في الأبنية والتبليط والنوافذ وغير ذلك. هذان هما المعدنان أما النباتان فهما نبات القلي أو الإشنان يقطعونه ويجعلونه في حفر يوقدون فيها النار فيستحيل إلى قلي. ومن شواطئ المملحة التي لا يقل طولها عن ساعتين وعرضها عن ساعة ينبت السل أو قش الحصر وهذا القش يخرج في بقاع أخرى ولكن أحسن القش ما خرج من جيرود ولذلك ترى كل حصري في دمشق يحرص على أن ينسج حصره من قش جيرود لمتانته وروائه. فبلاد هذا بعض مغلها الطبيعي خصت بزكاء المنبت وجمال الطبيعة تخرج منها الحبوب على أنواعها والثمار على اختلاف أشكالها ثم يظل أهلها في جهالة على قربهم من دمشق أم

стр. 3502

المدن السورية بل عاصمة هذه البلاد العربية وذلك لقلة المواصلات بينهم وبينها ولأن الحكومة لا يهمها إلا أن تأخذ من أهلها حقوقها ولا تقوم بما يجب عليها من حقوق. ولو كان الهالي في قلمون والمرج والغوطة يفكرون في مستقبل بلادهم حتى التفكير ويحبون أن يبقى أولادهم لهم لا أن يبروهم لينزحوا إلى أميركا ويتشتتوا في البلاد لطلبوا من الحكومة امتياز سكة حديدية ضيقة كالمعروفة في مصر بالسكك الحديدية الزراعية وبذلك تصدر الصادرات على أيسر وجه وتتساوى في الأبعاد القرى القاصية والدانية. بالسكك الزراعية أحيي موات مصر وقربت مسافاتها والتحمت أجزاؤها وإذا كان يتعذر الآن ربط دمشق ببغداد بسكة حديدية تجتاز الغوطة والمرج وقلمون والقريتين وتدمر إلى العراق لاختلاف المصالح السياسية فلا اقل من أن يقوم أغنياء دمشق وهذه الأقاليم ينشئون سكة ضيقة تصل بين هذه القصبات بوصلة العمران ففي الغوطة من أمهات القرى مثل دومة وعربيل وجوبر وسقبا وفي المرج مصل ضمير وعتيبة وعذراء وفي قلمون مثل يبرود ودير عطية وقارة والنبك وجيرود والرحيبة والقطيفة وغيرها ما يجدر بأرباب الأموال أن يتدبروه ويضموا أشتات هذه الأجزاء المتفرقة التي لا تجد بينها طريقاً معبداً ولا بريداً ولا سلكاً برقياً ولا طبيباً ولا صيدلياً ولا كاتباً ولا حاسباً بل تجد فيها الناس يعيشون بعيدين عن محيطهم لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف ابن السودان عن سكان مراكش في حين ترى المسافات قريبة وأبعد قرية عن الفيحاء لا تبعد مائة كيلومتر أو يوماً وبعض يوم على ظهور المطايا. مثال ذلك أننا قصدنا إلى هذا الجبل يوم وقفة عيد الصغير فكان الفلاحون يسألوننا كلما وقفنا لنريح مركباتنا فيما إذا كان ذاك اليوم من رمضان أو أنه رؤي هلال العيد وثبت في دمشق أما من كنا نسألهم عن فتنة جبل الدروز فكانوا لا يعرفون من أمرها إلا أن الحكومة جيشت جيشاً عليهم ولا يعرفون ما تبع ذلك من تأديب الدروز على حين هم أحق الناس بالفرح بهزيمة الأشقياء لانتشار ظل الأمن في تلك الربوع ولأنهم طالما تأذوا بهم ونهبت مواشيهم وقتل رعاتهم وزراعهم. ولا سبيل إلى عمران هذه البلاد إلا بالأمن والعم فمن جملة أسباب الأمن مد الخطوط الحديدية الزراعية التي تقل نفقاتها وتكثر فوائدها المادية والمعنوية فتتضاعف أثمان

стр. 3503

الأراضي هنا كما يتضاعف دخلها وتكثر أشجارها ومواشيها والعلم لا ينتشر إلا إذا هب أعيان البلاد وعقلاؤها إلى إنشاء مدارس لأبنائهم خاصة تجري على غير الخطة التي يسير عليها ديوان المعارف. تسير في التعليم على طريقة يتعلم بها الفلاحون لغتهم فقط بحيث يقرؤون ويكتبون فيها في الجملة ويعرفون المبادئ الأولى من الحساب والطبيعة والنبات والحيوان وشيئاً من تربية المواشي وحفظ الصحة والرياضة البدنية وأصول الدين. يعلمون كل ذلك بالعمل أكثر من النظر. فلو قامت في كل قرية من قرى قلمون مدرسة ابتدائية كالتي أنشأها في جيرود محمد باشا الجيرودي ووقف عليها بستاناً فيه صنوف الثمار لا يقل ريعه السنوي عن عشرة آلاف قرش لأصبح قلمون بعد عشرين سنة أرقى جبال سورية لما فطر عليه أهله من الذكاء والنشاط. نعم استحق الزعيم المنوه به كل شكر لأنه جرى على غير سنة كبرائنا في السخاء فكان فيما نظن ثاني رجل في هذا القرن الرابع عشر وقف على العلم في سورية مثل هذا الملك الذي لا يقل ثمنه الآن عن ثلاثة آلاف ليرة. والرجل الأول فيما نذكر محمد باشا المحمد من أمراء عكار وقف على مدرسة دينية هناك ما يكفيها. أما سائر أعياننا وأغنياءنا فلم يوفقوا إلا قليلاً إلى وقف ما يوليهم في دنياهم وآخرهم فخراً وذخراً ولعل أعيان هذه البلاد من الأسر العريقة في المجد تقدم بعد الآن بين يدي نجواها من البذل للعلم ما تقر به العين فيحذون بذلك حذو أغنياء الأقاليم في مصر الذين نهضوا بها وما أنشئوه لفلاحيهم من الكتاتيب في بضع سنين ما لا تنهض به أمة تنتظر من حكومتها أن تعلمها في قرن أو قرنين. وليت شعري متى تنبعث من دمشق نفحة من تلك الروح التي انبعثت في القاهرة ففاضت على أقاليم مصر فأحيتها حتى يكون حظ المصرين واحداً في النهوض اليوم كما كان كذلك في القرون الوسطى.

стр. 3504

مخطوطات ومطبوعات كتاب المثنى قال ابن ساعد: إن علم اللغة هو نقل الألفاظ الدالة على المعاني المفردة وضبطها وتمييز الخاص بذلك اللسان من الدخيل فيه وتفصيل ما يدل على الذوات مما يدل على الأحداث وما يدل على الأدوات وبيان ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها وأصنافها مما يدل على الأشخاص وبيان الألفاظ المتباينة والمترادفة والمشتركة والمتشابهة. ومنفعة الإحاطة بهذه المعلومات خبراً طلاقة العبارة والتمكن من التفنن في الكلام وإيضاح المعاني بالألفاظ الفصيحة والأقوال البليغة. ولقد طبعت كتب كثيرة في اللغة ولا يزال يظفر بأشياء لم يكتب لها الظهور ومما وقع إلينا من مكتبة أحد علماء هذه الحاضرة نسخة من كتاب المثنى تأليف حجة العرب أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي الحلبي الذي ذكره السيوطي في بغية الوعاة فقال أنه عبد الواحد علي أبو الطيب اللغوي الحلبي الإمام الأوحد. قال في البلغة له التصانيف الجليلة منها مراتب النحويين، أطياف الإتباع، الإبدال، شجر الدر، وقد ضاع أكثر مؤلفاته وكان بينه وابن خالويه مناقشة مات بعد الخمسين وثلثمائة، وقال الصفدي: أحد العلماء المبرزين المتقنين لعلمي اللغة والعربية أخذ عن أبي عمر الزاهد ومحمد بن يحيى الصولي وأصله من عسكر مكرم قد حلب وأقام بها إلى أن قتل في دخوله الدمستق حلب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. وكتابه هذا في ١٣٠ ورقة أكبر من الربع عليه حواش وتعليقات مفيدة كتب على الحاشية أن أكثرها بقلم ابن الشحنة وابن مكتوم القيسي تلميذ أبي حيان وفيه نقص من وسطه ونقص قليل من آخره إلا أنه لا يحول دون الانتفاع منه لأن النسخة القديمة على ما يظهر وهي حسنة الخط بالشكل الكامل والصحة غالبة عليها بحيث يسهل تمثيلها بالطبع دون الرجوع إلى الأمهات لتصحيح ألفاظها وإثبات الروايات المعتمدة في ضبطها وليس في الكتاب تاريخ نسخه ويرجح أنها مما كتب في القرن السابع أو الثامن. جاء في مقدمته ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد النبي وعلى آل محمد. قال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي: أنه ليس شيء من كتبنا وإن قصرت

стр. 3505

أبوابه وقلت أوراقه وضمر حجمه وصغر جسمه بأقل فائدة في معناه للمتعلم ولا أنر عائدة في مغزاه على المتفهم من غيره وإن أسهبنا فيه وأغرقنا في معانيه حتى طارت أصوله وانشرحت فصوله بل كان كل واحد بحمد الله على غاية ما يمكننا من الكمال فيما اقتصرنا به عليه ونهاية التمام فيما انتهينا به إليه وما من شيء توخيناه من ذلك ولا تعمدناه إلا لغرض الإفهام تحريناه وحرصنا على الإعلام الذي أردناه وكل من الله سبحانه وبه. فإذا كانت بغيتنا فيما نعانيه وإرادتنا فيما نعيده ونبديه معونة اللقن المستفيد والتقريب على ذي الفهم البعيد وإلحاق الكهام البليد بالذكي الحديد وكان ذلك لوجه الله خالصاً موفوراً لا نريد به جزاءاً ولا شكوراً فإنا غير قانطين من تفضله جل اسمه علينا بالإرشاد وتوفيقه إيانا للسداد والله عند الظن عبده وكافل لمن استرشده برشده ولا قوة إلا بالله. ونحن قاصدون في كتابنا هذا قصد ما ورد من كلام العرب مثنى في الاستعمال تثنية لازمة ومبتدئون بشرح وجوهه وتقصيها وذكر ضروب توسعهم فيها فنقول أن جميع ما ورد على ذلك من الأسماء عشرة اصناف الاثنان غلب إحداهما عليهما لقب واحد منهما يجمعهما لقب واحد الاثنان ثنيا باسم أب أو جد أو إحداهما ابن الآخر فغلب اسم الأب الاثنان اللذان لا يفردان من لفظهما الاثنان في اللفظ يراد بهما واحد الاثنان يثنيان وإن اكتفي بأحدهما لم ينقص المعنى وأما ما ورد من ذلك من الأفعال من الأفعال فصنفان من الفعل المبني على صيغة التثنية والمراد به تكرير الفعل. الفعل يجيء لفظه لاثنين ومعناه واحد ونحن نبوب هذه الأبواب ونأتي على ما فيها أو جمهوره إن شاء الله. هذا باب الاثنين غلب اسم أحدهما على اسم صاحبه قال الأصمعي وأبو عبيدة قولهم سار في الناس سيرة العمرين إنما يريدون أبا بكر ﵄ وقال الفراء محو ذلك وسمع معاذاً الهراء يقول لقد قيل سنة العمر ين قبل عمر بن عبد العزيز وجاء في حديث أنهم قالوا لعثمان ﵁ نطلب منك سيرة العمرين فهذا يدلك على صحة ما قلنا. وهنا أخذ المؤلف يورد الأمثلة في هذا الباب مثل الحنتفان والزهدمان والبجيران والعتبان والعبدان والحيدان والعقامان والنافعان والشريفان والعشاءآن والأمقسان والقربان والقمران والمربدان والطلحيتان وأبانان والنيران والمشرقان والضمران والدحرضان والكيران والموصلان والصباحان والبصرتان والغدوان والمطران. وشرحها شرحاً موجزاً واستشهد

стр. 3506

لها بكلام العرب وأورد في باب التثنية لاتفاق اسميهما السعدان لسعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن زيد مناة ين تميم والمروان لمرو الشاهجان ومرو الروذ. والفرقدان والقطبان والناظران والوريدان والأجدلان والذراعان والمسجدان قال بعد الأمثلة الكثيرة في هذا الباب يفوت الإحصاء ويدخل فيه الأذنان والعينان والجبينان والحاجبان والخدان والوجنتان واللحيان والعارضان وما أشبه ذلك. وقال في بابا الاثنين غالب نعت أحدهما على نعت صاحبه مثل الأسمران الخبز والماء والأسودان التمر والماء والأخضران البحر والليل والأبيضان الخبز والماء والباكران الصبح والمساء ويقال لهما الرائحان والأبيضان الشحم والشباب. وقال في باب الاثنين جمعاً في التثنية وأورد لفظاً الأقهبان الفيل والجاموس الأحمران الخمر واللحم والأصفران والأسودان والأزهران والأيهمان والأعميان والأطيبان والأخبثان الخ. وأتى على هذا النحو في تفصيل الأبواب تفصيلاً حسناً وشرحها شرحاً أحسن. وقال في الإتباع الذي في أوله الألف: قال أبو ملك تقول العرب في صفة الشيء بالشدة أنه لشديد أديد وهو من الأد وألأد القوة إلا أن الأديد لا يفر قال الراجز: نضوت عني شرة وادا ... من بعد ما كنت حملا نهدا ويقال جيء به من عيصك وآيصك أين من حيث كان ولم يكن فالعيص الأصل والأيص إتباع الخ. وقال في الإتباع الذي في أوله الباء يقال أنه لحسن بسن وأنه لكثير بثير وأنه قليل بليل الخ وقال في التوكيد الذي في أوله الباء: يقال فر وله بصيص وأصيص وبصيص من الفزع وكله بمعنى الصوت الضعيف ويقال أنه لغض بض وغاض باض وهي الغضاضة والبضاضة قال أبو زيد والبضاضة رقة البشرة وقال الأصمعي هي رقة البشرة والبياض وقال أبو زيد قد يكون الاسم بضاً ويقال أن لسر بر وسار بار وأنهم لسارون بارون وسرون برون قال الشاعر: أخوة ما علمت سرون برون ... فإن غبت فالذئاب جياع وهكذا أتى بباب الإتباع على حروف المعجم فاستوفاه ولم نعثر في شيء من كتب اللغة المطبوعة على أكثر استيفاء لهذا المبحث من هنا. وفي آخر هذا الفصل البديع انتهى

стр. 3507

بحسب الظاهر الكتاب. وجاءت بعده قطعة أخرى في اللغة على تلك الشاكلة ولكنها تكاد تتجاوز ثلاثة أرباع الكتاب فمن أمثلته: الباء والشين يقال أرب على القوم وأرش عليهم إذا حمل عليهم ووشى بهم وهو يؤرب على القوم تأريباً ويؤرش تأريشاً ويقال غلام بلبل وش لشل إذا كان خفيفاً ظريفاً. وقال في الباء والفاء: أبو زيد يقال خذه بابانه وخذه بافانه أي بزمانه وحينه وأنشد: فهلا بافان وفي الدهر غرة ... تزور وفي الأيام عنك عقول وعلى هذه الصورة كانت سياقة هذه الأبواب المفيدة ولها نظائر من كتب اللغة المطبوعة. وهاك نموذجاً آخر: الجيم والقاف قال الأصمعي: يقال لكل ذي حانوت كربج وكربق والكربج والكربق أيضاً اسم الحانوت وهو فارسي معرب وسئل عن كثير فقال كربجاً قال أبو حاتم يعني صاحب حانوت ويقال هو الفالوذج والفالوذق وأعطاني من الشعير أو الحنطة كيلجة وكيلقة. أبو عمرو يقال أنه لحسن الجسم وحسن القسم بمعنى واحد والقسم هو الجسم بعينه وأنشد: طبيخ نحاز أو طبيخ أمهية ... دقيق العظام سيء القسم أملط ويقال انباجت عليهم بايجة الدهر وانباقت عليهم بايقة وهي البوايج والبوايق أي الشدائد والدواهي قال الشاعر وهو الشماخ يرثي عمر ﵁: قضيت أموراً غادرت بعدها ... بوايج في أكمامها لم تفتق وفي الحديث لن يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوايقه أي دواهيه قال ابن ألأحمر: أخاف بوايقاً تسري إلينا ... من الأشياع سراً أو جهارا ومن الأمثلة الكثيرة ما ورد في العين والنون الأصمعي يقول أعطيته إعطاء وانطيته إنطاء بمعنى واحد ومنه قول الأعشى: جيادك في القيظ في نعمة ... تصان الجلال وتنطا الشعيرا والدعفص والدنفص من الرجال الزري المنظر القميء ويقال عسل الذئب يعسل عسلانا وينسل نسلانا وهو ضرب من المشي تضطرب فيه متناه وفي التنزيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون وشكا عمرو بن معدي كرب إلى عمر بن الخطاب رحمة الله عليه المعص فقال: كذب عليك العسل أي عليك بالعدو قال الشاعر:

стр. 3508

عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل وهكذا تجد الكتاب من أوله إلى آخره سلسلة فوائد لغوية حرية بالتدبر والاستظهار ولو اتسع المجال لأكثرنا من الأمثلة وفيما أوردناه مقنع فعسى أن تصح عزيمة بعض الطابعين والمؤلفين على نشره ليضاف إلى المجموعة اللطيفة التي طبعت مؤخراً من كتاب اللغة مثل كتاب فقه اللغة للثعالبي والألفاظ الكتابية للهمذاني وتهذيب الألفاظ لابن السكيت والنوادر لأبي زيد والأضداد لابن بشار الأنباري والفصيح لثعلب وذيله للبغدادي وفصيح اللغة للهروي وفعلت وأفعلت للزجاج ومبادئ اللغة للإسكافي وأساس البلاغة للزمخشري والمقصور والممدود لابن ولاد وغير ذلك من المختصرات والمطولات كرسائل الدارات للأصمعي ورأس تلك الكتب الممتعة المخصص لابن سيدة المطبوع والمحكم له الذي يرجى طبعه عما قريب. أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يجر ذلك من شجون الكلام تأليف. لسان الدين ابن الخطيب طبع في بلرم صقلية سنة ١٩١٠ ص٦٨. احتفل علماء الطليان في المشرقيات بمرور مئة سنة على مولد ميشيل آماري المستشرق الإيطالي الذي صرف حياته كلها في درس التاريخ الإسلامي ولاسيما ما كان متعلقاً منه بجزيرة صقلية التي دانت للمسلمين زمناً طويلاً فوضعوا لذلك كتاباً أتى كل واحدة بنبذة تاريخية أو اجتماعية نشرها. ومن جملة ما نشر هذا الجزء من تاريخ ابن الخطيب. تشره حسن حسني أفندي عبد الوهاب أستاذ التاريخ في المدرسة الخلدونية بتونس بدعوة مكن صديقنا الأستاذ نالينو الإيطالي ومكافأة لذكرى من خدم الإسلام والمسلمين في أوربا طيلة حياته وقد علق الناشر بالفرنسية شروحاً وحواشي على هذا الجزء تدل على بعد غوره وتدقيقه على أسلوب الأوربيين. وللكتاب مناسبة كبرى بتاريخ شمالي أفريقية وصقلية والأندلس وفيه ذكر من ولي الملك بصقلية قال لسان الدين في وصفها: قال أبو محمد الرشاطي: صقلية جزيرة كبيرة وصقلية اسم لإحدى مدنها الكثيرة وقلاعها الأثيرة وطولها مسيرة خمسة أيام وهي في البحر الشامي موازية لبعض بلاد أفريقية واق رب المواضع إليها من بلاد أفريقية رأس أدار بينهما اثنتي عشرة ومائتين وكانوا قبل ذلك معاهدين

стр. 3509

ولافتتاحها خبر شهير. وقال أبو الحسن ابن جبير في رحلته يصف مدينة مسنة وأخبار ملوكها: هذه المدينة موسم تحار الكفار ومقصد جواري البحر من جميع الأقطار كثيرة الإرفاق برخاء الأسعار مظلمة بالكفر لا يقر فيها للمسلمين قرار أسواقها دافقة حفيلة وأرزاقها واسعة بأرغاد العيش كفيلة لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان وذكر بعد مدينة مسينة المدينة المعروفة ببلارمة فقال فيها سكنى الحضر من المسلمين ولهم فيها المساجد والأسواق المختصة بهم والأرباض وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها ومدنها كسر قوسة وغيرها بهذه المدينة سكنى ملكها غليام وش أنه عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين وهو كثير الثقة بهم وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله وزمنهم وزراؤه وحجابه وهم أهل دولته والمرتسمون بخاصته وعليهم يلوح رونق مملكته لأنهم في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة وهو كثير الاتخاذ للقيان والجواري وليس في جميع ملوك الرومية أشرف منه في الملك ولا أنم ولا أرفع وهو يتشبه في تنعمه بالملك وترتيب قوانينه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهته وإظهار زينته بملوك المسلمين. وملكه عظيم جداً وله الأطباء والمنجمون وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم. ومن عجيب شأنه أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكراً لأنعمه. وجواريه وحظاياه في قصره مسلمات كلهن. وذكر لنا أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة يعيدها الجواري المسلمات. وذكر مدينة شيلفود فقال هي مدينة ساحلية كثيرة الخصب واسعة المرفق منتظمة الأشجار والأعناب مرتبة الأسواق يسكنها طائفة من المسلمين وذكر مدينة ثرمة فقال هي أحسن وضعاً من التي تقدم ذكرها وهي حصينة تركب البحر وتشرف عليه وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيها مساجد وهذه المدينة من الخصب واسع الرزق على غاية وذكر المدينة التي هي حاضرة صقلية فقال هي أم الحضارة والجامعة بين الحسنيين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر وموارد عيش أخضر عتيقة أنيقة مشرقة مونقة تتطلع بمرأة فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن موضعها البارع عجيبة الشأن قرطبية البنيان قد زخرفت فيها لملكها دنياه تنتظم بلبتها قصوره انتظام

стр. 3510

العقود في نحور الكواعب وتنقلب في بساتينها ويادنيها بين نزهة وم لاعب فكم له فيها لأعمرت من مقاصر ومصانع ومناظر ومطالع وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها وديارات قد زخرف بنيانها وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإسلام يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع ولهم أرباض قد انفردوا بها بأسمائهم وبكنائسهم ولهم فيها قاضٍ وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتفلون في وقوده وأما المساجد فكثيرة ولا تحصر وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن وأطنب في شبهها في مدينة قرطبة. وذكر مدينة طرابنش وأطنب في ذكر الجميع بما لا مرغب في إطالته إذ يجر التفجع ويثير التوجع أعاد الله دار إيمان بقدرته اهـ. وذكر من ولي على هذه الجزيرة من الملوك إلى أن تغلب عليها الروم واستولى عليها رجار ملك النصارى في زمن المرابطين على عهد الأموي المستعلي من ملوك الشيعة بمصر عندما استولت الروم على بيت المقدس والجزائر أو قبل ذلك بيسر وتداول هذه الجزيرة أمراء إلى أن انقطع عنهم إمداد المسلمين لاشتغال كل جهة بما يخصها من الفتن فكان استخلاص العدو لها في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وذكر المؤلف من خرج من هذه الجزيرة من المحدثين والعلماء والفقهاء والشعراء والكتاب مثل ابن حمديس الصقلي قدم على المعتمد بن عباد عند الجلاء لحادثتها فكان أثيراً لديه وهو القائل مما ألمَّ فيه بذكر صقلية: قضت للصبا النفس أوطارها ... وابلغها الشيب إنذارها نعم وأجالت قداح الهوى ... عليها فقسمن أعشارها وما غرس الدهر في تربة ... غراساً ولم يجن أثمارها فأفنيت في الحرب آلاتها ... وأعددت للسلم أوزارها كميتاً لها مرح بالفتى ... إذا حث باللهو أدوارها تناولها الكوب من دنها ... فتحسبه كان مضمارها وساقية زررت كفها ... على عنق الظبي أزرارها تدير بياقوتة درة ... فتغمس في مائها نارها وفتيان صدق كزهر النجوم ... كرام النجائر أحرارها

стр. 3511

يديرون راحاً تفيض الكؤوس ... على ظلم الليل أنوارها كأن لها من نسيج الحباب ... شباكاً تعقل طيارها وراهبة أغلقت ديرها ... فكنا مع الليل زوارها حدانا غليها شذا قهوة ... تذيع لأنفك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتىً ... يتيم دارين أو دارها كأن نوافجه عندها ... دنان مضمنة قارها طرحت بميزانها درهمي ... فسيل من الكاس دينارها خبنا بنات لها أربعاً ... ليفترعن اللهو أبكارها من اللاء أعصار زهر النجوم ... تكاد تطاول أعمارها تريك عرائسها أيدياً ... طوالاً تصافح أخصارها تفرس في شمسها طيبها ... مجيد الفراسة واختارها فتى دارس الخمر حتى درى ... عصير الخمور وأعصارها يعد لما شئت من قهوة ... سنيها ويعرف خمارها وعدنا إلى هالة أطلعت ... على قضب البان أقمارها يرى ملك اللهو فيها الهموم ... تثور فيقتل ثوارها وقد سكنت حركات الأسى ... قيان تحرك أوتارها فهذي تعانق عوداً لها ... وتلك تقيل مزمارها وراقصة لقطت رجلها ... حساب يد نقرت طارها وقضب من الشمع مصفرة ... تريك من النار نوارها كأن لها عنداً صفقت ... وقد وزن العدل أقطارها تقل الدياجي على هامها ... فتهنك بالنور أستارها كأنا نسلط آجالها ... عليها فتمحق أعمارها ذكرت صقلية والأسى ... يهيج للنفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارا

стр. 3512

ضحكت ابن عشرين من صبوتي ... بكيت ابن ستين أوزارها فلا تعمن عليك الذنوب ... إذا كان ربك غفارها وقد أجاد الناشر في التعليق على الرسالة بعض ما فات المؤلف من رجال صقلية أو هاجروا منها إلى أفريقية وذكر أناساً منهم فنشكره على تحفته. درس التاريخ الإسلامي تأليف الشيخ محي الدين الخياط. القسم الثاني طبع على نفقة المكتبة الأهلية ي المطبعة العصرية ببيروت ص٨٧. أجاد مؤلف هذا التاريخ بتسهيل مطالبه وتنسيق عباراته بحيث يتناول التلميذ على أيسر وجه بعبارة لطيفة وهذا الجزء يشتمل على تاريخ دولة الخلفاء الراشدين وما حدث من الأحداث الأولى في الإسلام. وكنا نود لو صحت عزيمة المؤلف على شكل مواضع الأشكال من عباراته حتى تقوى ملكته الفصيحة أو التلاوة المعربة في التلميذ وأن يعلق شرحاً خفيفاً في الهامش على بعض الأعلام ولاسيما الجغرافية فيكون التلميذ على بصيرة من مواقع البلاد التي تعرض له ويجتمع له منها مجموعة معجم صغير للبلدان التي فتحت للصدر الأول. وذلك مثل الجابية والبلقاء وبصرى والعربة واليرموك وقيسارية وعمواس وسبطية والرها وبرقة والقادسية والأهواز والجزيرة وكذلك بعض أعلام فارسية مثل مكران وطخارستان وماسبذان وابيبرود وطوس فإن التلميذ لا يقنعه أن تقول مكران من بلاد فارس خصوصاً وأن كثيراً من أسماء هذه البلاد قد تغير الآن عن أصله أو دثر برمتها. ثم إنا لاحظنا إيجازاً في العبارات كان يكون مخلاً في بعض المحال مثل اقتضاب الجملة التي قالها هرقل من الشام إلى القسطنطينية بائساً أنه إلى الشام وقال: السلام عليك يا سوريا سلاماً لا اجتماع بعده وقد كتب التاريخ أنه قال هكذا: السلام يا سورية سلامٌ لا اجتماع بعده ولا يعود رومي إليك أبداً إلا خائفاً حتى يولد المولود المشئوم ويا ليته لا يولد فما أحلى فعله وأمر فتنة على الروم. المهاجر السوري تأليف جميل أفندي بطرس حلوة في مطبعة جريدة الهدى اليومية في.

стр. 3513

نيويورك ص١٥٤. من أنفع الكتب الاجتماعية والاقتصادية التي نشرت بالعربية هذه الآونة هذا الكتاب الذي وضعه مؤلفه من مهاجرة السوريين في أميركا الشمالية لفائدة المهاجر السوري إلى أرض خريستوف كولمبس فقد بحث بثاً مستوفي فيما ينبغي للمهاجر عمله حتى ينجح بدأه بلمحة من تاريخ مهاجرة السوريين ونشوئها ومؤسسيها وعدد السوريين في الولايات المتحدة وأعمالهم وقد قال في ذلك أن الأحوال قد تحولت في الشئون وتبدلت وأميركا اليوم غير ما كانت عليه منذ خمس عشرة سنة وذلك ليكون المتخلفون في الوطن على ببصيرة وانتباه ولاسيما أن السياسة قد بشرت بالترقي والتحسن والحرية بالتقوى وسورية غنية بمناجمها وآكامها وريافها ومائها وهوائها ولا ينقصها إلا بذل الأموال عليها وتوجيه العزائم إليها حتى يفيض منها اللبن والعسل. وذكر أن الهجرة لا ترجع إلى أبعد من خمسين عاماً كان الباعث عليها اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية. وقد أنكرنا عليه قوله أن الصواعق في عهد الحكومة الحميدية كانت تقع على رؤوس نصارى الشرق دون سواهم وعلى فلوسهم يعيش الجاسوس والمنافق لما ثبت لدى العارفين أن المسيحيين إن لم يكونوا سواء وإخوانهم المسلمين في المعاملة فقد كانت حقوقهم مرعية أكثر وقولنا في مسيحيي سورية لا في غيرها خصوصاً وأن أكثر المهاجرين من لبنان ولبنان باستقلال إدارته كان أكثر دعة من غيره من الولايات. وقال أنه هاجر إلى الولايات المتحدة فقط من سنة ١٩٠٥ إلى ١٩٠٨ خمسة آلاف نسمة وكلما نجح أفراد زادت الهجرة وفي الولايات المتحدة من السوريين الآن عدد يبلغ الثلثمائة ألف إذا حسبنا تكاثرهم على سبيل التوالد. وقد تكلم المؤلف بحرية فقال أن البعض من المتجولين على تقدير أنهم في بلاد غربة وعلى رغم أن لا رقابة عليهم ولا معاينة خلعوا عنهم تبعة الاستقامة والصدق والأمانة جارين بذلك على أنفسهم نقمة الوطنيين ولعنة المواطنين. وأجاد في كلامه على المرأة السورية المهاجرة وأشار إلى ما تتعرض له من الهوان وثلم الشرف بإتجارها وأشار بأن تعفى من هذه المذلة فالمال لا يكون شريفاً تحصيله من هذا

стр. 3514

السبيل. وعقد فصولاً كثيرة في المهاجرة والدولة ومقتضياتها واستئصال النخاسة وحماية العمال والخطر الأصفر وتفريق المهاجرين في الولايات عوضاً عن تجمعهم وضريبة الدخول على النفوس والفحص ومراقبة الحكومة وما ينبغي للمهاجر أن يكون له من المال ويكون عليه من الصحة والهندام. وتكلم على عمران الولايات المتحدة وأجاد فقال يكفي أن يقال عن مساحة الولايات المتحدة أن ولاية تكساس فقط منها تسع إنكلترا وجرمانيا وفرنسا وإيطاليا مجموعات! وأورد دستور الولايات المتحدة وحقوق الرعوية فيها ورئاسة جمهوريتها وتذاكر التجنس بالجنسية الأميركية وغير ذلك من القوانين النافعة لتصور حالة تلك البلاد وهو مما ينفع المهاجرين وغيرهم فنشكر للمؤلف تحفته التي نفع بها أبناء وطنه. كتب متفرقة نقد النصائح الكافية_تأليف الشيخ جمال الدين القاسمي وفيه تعديل معاوية وقبول مرويه ومروي الصحابة الذي كانوا معه وبيان الاعتدال والإنصاف كما هو مذهب الأئمة وفلاسفة الإسلام وهو في ٤٤ صفحة طبع في مطبعة الفيحاء بدمشق ومن أحسن ما راقنا فيه الفصل المعنون ببيان أن كتب الحديث مشتركة بين الأمة يرويها الشيعي عن السني وبالعكس وإن عادة السلف الرواية عن المخالفين في المذهب وإن كتب الحديث هي إيمانية محمدية لا شافعية ولا غيرها والكتاب جيد كسائر ما خطته يراعة الأستاذ. الأخلاق_وهو كتاب عربه عن الإنكليزية محمد أفندي الصادق حسين صدر الجزءان الأولان منه ومؤلفه صموئيل سميلز من مشاهير الإنكليز ويطلب من مكاتب القاهرة. الصحة من السعادة_تأليف الطبيب مصطفى السعادة صدر الجزء الأول منه في ١٦٦ صفحة وفيه الكثير من القوانين الصحية والتدابير الأهلية يطلب من مؤلفه في بيروت. ديوان الإنشاء_هو مختصر في المراسلات العصرية تأليف محمد عمر أفندي نجا في بيروت في ٢٤٤ صفحة وفيه كثير من الفوائد والرسائل التجارية يطلب من مؤلفه ومن مكاتب بيروت. الإسلام حافظ الذمم في ما بين الأمم_تأليف عبد الوهاب أفندي سليم التنير من أفاضل بيروت وفيه رد على بعض قسس البروتستانت الذين تناولوا الإسلام بأحط من شأنه آخذاً

стр. 3515

من كتب الإفرنج ومنشوراتهم وتواريخهم غير مغفل ما ورد في الإسلام نفسه وهو في ٤١ صفحة. الدرر_أعادت المطبعة الأدبية في بيروت طبع الدرر لأديب بك إسحق من كتاب الطبقة الأولى من الصحافيين في القرن الماضي وفيه مقالاته وقصصه وخطبه وآثاره مراثيه وكل ما يتعلق بذلك وهو من جمع شقيقه عوني أفندي إسحق وقد وقع في ٦١٦ صفحة. مجلتان جديدتان مجلة الاقتصاد_هي زراعية صناعية تجارية مصورة لمنشئها أنيبال أفندي أبيلا تصدر في بيروت مرتين في الشهر في ٣٢ صفحة وقيمة اشتراكها في العام خمسة بشالك ما عدا أجرة البريد وفيها عدة مقالات نافعة منها مقالة في بلجيكا واقتصادياتها جاء فيها أن مساحة إنكلترا ٣١٥ ألف كيلومتر مربع وسكانها ٤٠ مليوناً ومعدل السكان في كل كيلومتر مربع ١٢٦ والديون العمومية ١٧ ملياراً والتجارة ١٧ ملياراً وطول سككها الحديدية ٣٥ ألف كيلومتر ومساحة البلجيك ٢٩. ٤٥٠ وسكانها ٧ ملايين ومعدل سكانها ٢٢٤ وديونها ٢. ٢ مليار وتجارتها ٣ مليار وتجارتها ٣ مليار وطول سككها ٤٥٠٠ ومساحة النمسا والمجر ٦٢٥ ألف كيلومتر وسكانها ٤٤ مليوناً ومعدل الساكن في كل كيلومتر ٦٩ وديونها ١٦ ملياراً وتجارتها ٤٢ مليون وسككها ٢٥ ألف كيلومتر ومساحة ألمانيا ٥٤٠ ألف كيلومتر مربع وسكانها ٥٣ مليوناً ومعدل السكان في كل كيلومتر ٩٧ وديونها ١٥٦ ملياراً وتجارتها ١٠ ملايين وسككها الحديدية ٤٩ ألف كيلومتر ومساحة روسيا ٥. ٤٣٠. ٠٠٠ وسكانها ١٠٦ ملايين ومعدل السكان ١٩ وديونها ١٦ ملياراً وتجارتها ٤ مليارات وطول سككها ٤٠ ألف كيلومتر ومساحة إيطاليا ٢٩٠ ألف كيلومتر وسكانها ٣٢ مليوناً ومعدل سكانها في كل كيلومتر ١٠٩ وتجارتها ٣ مليارات وسككها ١٦ ألف كيلومتر ومساحة فرنسا ٥٣٦ ألف كيلومتر وسكانها ٣٨ ومعدل السكان ٧٢ ساكناً في كل كيلومتر وديونها ٣٥ ملياراً وتجارتها ٧ وسككها الحديدية ٤٢ ألف كيلومتر أما البلاد العثمانية فمساحتها ٤ ملايين كيلومتر مربع وسكانها ٣٨ مليوناً ومعدل السكان في كل كيلومتر ١٠ أشخاص وديونها ٥ مليارات وتجارتها ١٢ مليار وسككها الحديدية ٥٠٠٠ كيلومتر بما فيه طريق الحجاز. العالم الجديد_مجلة شهرية تصدر باللغة العربية في نيويورك وتبحث في شؤون اجتماعية

стр. 3516

واقتصادية ولغوية وفكاهية وتاريخية اطلعنا على العددين السابع والثامن فرأيناهما حافلين بالموضوعات والمباحث النافعة لمنشئها سلوم أفندي مكرزل وقيمة اشتراكها دولاران ونصف وهي في عشرين صفحة كبيرة.

стр. 3517

سير العلم والاجتماع مدارس الصحافة حاول الغربيون أن يعلموا فن الصحافة في المدارس فأنشئت في باريس سنة ١٨٩٩ مدرسة للصحافة فلم تلبث أن أصبحت منتدى تقرأ فيه محاضرات ومسامرات وخطب في موضوعات لها علاقة بالصحافة. وفي ليل قام أوجين تافرنيه سنة ١٨٩٦ فألقى عدة محاضرات في وظائف الصحافي وفي لندن أنشأ ويليام روث مدرسة للصحافة يدرس فيها علاوة على كيفية كتابة المقالات أصول طبع الجريدة في أميركا ولاسيما في الولايات المتحدة أنشوا عدة صفوف في المدارس الكلية لتعليم الصحافة ولاسيما في فيلادلفيا وشيكاغو وأضافوا في ولاية كنساس إلى دروس التحرير والإنشاء درساً في كيفية جلب الأخبار وامتازت سويسرا وألمانيا في هذا الشأن فاشتركت برن وزوريخ وجنيف وهايدلبرغ وبرلين في تعليم فن الصحافة. قالت إحدى المجلات الإفرنجية بعد إيراد ما تقدم: ويا ليت شعري هل أثمرت هذه الأعمال ما كان يتوقع منها وهل دخل الإصلاح في الصحافة من هذا التعليم؟ فالجواب بالإيجاب صعب. فينبغي للصحافي مع ما يجب لصناعته من المعارف الفنية كفاءات منوعة ومزايا طبيعية وصفات في الثبات والإدارة ويصعب تعليمه هذه المهنة بدونها مهما أجلسناه على دكات المدارس على أنه لا ينكر أن التعليم العالي يجب أن يعنى بعد الآن بالمسائل المهمة التي تخوض الصحافة عبابها وأن مدارس الصحافة التي هي متممة للدروس العالية تخدم خدمة نافعة في هذا الشأن. الساحات للصحة قال الفيلسوف جان جاك روسو: إن نفس الإنسان مضر بالصحة. ولكن هذه القاعدة لم تطبق في المدن ولذلك كثرت فيها الأمراض فقد تبين بالاستقراء أن المدن التي تكون ساحاتها العامة أكثر والهواء والشمس يتخللها تق فيها الوفيات بالسل في لندن يقل عدد الموتى بالسل إلى ثلث عدد من يهلكون في باريس لأن ساحات لندن أكبر من ساحات باريس بثلاث مرات تصرف عليها الملايين لاعتقادها النفع منها للناس. قلنا فأين ساحاتنا في المدن الكبرى وحدائق النزهة. مكاتب الشعب

стр. 3518

قدم قيم مكتبة بلفنا الروسية إلى مؤتمر الكتب والمستندات في بروكسل تقريراً في خزائن كتب الشعب في بلغاريا فقال أنه يعضدها جمعيات مؤلفة أعضاؤها من أرباب الحرف المختلفة فلكل مكتبة محل فيه خزانة الكتب وغرفة المطالعة التي تعرض فيها المجلات والجرائد السياسية والمصورة. وقال أن مدينة بلفنا كان فيها سنة ١٨٨٨_٨٠ مجلداً فأصبح فيها الآن ١١ ألفاً وأنه عول أن يجري على طريقة مجمع الكتب الدولي الذي عقد في بروكسل وهو أن تصف الكتب بحسب موادها وتجعل لها فهارس بذلك. يابان الاقتصادية نشرت يابان إحصاء بالحالة الاقتصادية في بلادها خلال سنة ١٩١٠ فبلغت مساحتها السطحية ٤٤٨٢٤٣ كيلومتراً مربعاً يدخل في ذلك جزائر فرموز وبسكادور وصقالين وكان سكانها سنة ١٩٠٩_٥٣. ٢٧٤. ٩٨٠ منهم ٥١. ١٦٩. ٥٨١ في البلاد الأصلية وقد زاد السكان منذ سنة ١٨٩١ عشرة ملايين فيكون بذلك ١٣٣ ساكناً في كل كيلومتر مربع. وقد نظمت يابان ماليتها بعد الحرب الروسية اليابانية وسنت قواعد في الميزانية مملوءة بالحكمة وحددت الخرج والدخل السنوي بحيث تتحامى عقدة قروض جديدة وأن تسارع إلى وفاء ما عليها من الديون فلا تميل إلى أن تطلب أموالاً جديدة بل قللت ما أمكن ما كانت وضعته من الاعتمادات لبعض المشاريع وأرجأت دفع النفقات اللازمة لبعض الأعمال العامة وضربت لها مدداً متطاولة لتخف السنة بعد السنة. وعزمت هذه الحكومة أن تدفع كل سنة خمسين مليون يان أو ١٢٩. ١٥٠. ٠٠٠ فرنك كل سنة لوفاء الديون العمومية وأزمعت أن تزيد هذا القدر حتى تستهلك جميع الديون التي عليها ومع كل هذا فهي تزيد في ميزانيتها العادية وميزانيتها فوق العادة فكانت هذه السنة ٤٠٢. ٨٦٠. ٠٠٠ يان للأولى ١١٤٦١٩٩٧٨ ياناً للثانية وأهم النفقات التي زادوا فيها مخصصات الإمبراطور وزيادة رواتب الموظفين والضباط توسعة عل الجند وأكثر النفقات فوق العادة بذلت في استهلاك دين الإمبراطورية. وبداعي النظام الجديد في الجباية نزلت الضرائب على العقارات والسكر أحد عشر مليوناً ونصف مليون يان وزادت من جهة أخرى واردات الحكومة العادية بتحسن بعض الضرائب الأخرى واصلات الطوابع والبريد واحتكار الملح والكافور والتبغ. وقلت النفقات الغير عادية مليون يان فارتقت على حين

стр. 3519

فجأة إبان الحرب الروسية اليابانية إلى ٤٢٠ مليوناً. وبلغت تجارة اليابان الخارجية سنة ١٩٠٩_٨٠٧. ٣١١. ٣٥٤ ياناً منها ٤١٣١١٣. ٠٠٠ من الصادرات و٣٩٤. ١٩٩. ٠٠٠ في الواردات وأكثر صلات اليابان التجارية مع الصين والولايات المتحدة ثم تجيء فرنسا فألمانيا فإنكلترا. وطول خطوطها الحديدية ٥٠٢٠ ميلاً منها ٤٥٤٢ م لك الحكومة و٤٧٧ تستثمرها شركات كلفت ٥٣٥ مليون يان ومع أن معدل دخل سكك الحكومة أكثر من دخل سكك الشركات فالحكومة تريد أن تجعل محاسبة خطوطها على صورة تجارية. فوائد التلفون نشر أحد الألمانيين كتاباً في الفوائد التي نجمت في التجارة من التلفون جاء فيه أن ما أنفقته ألمانيا إلى آخر سنة ١٩٠٤ ١٥٢٠٠ مليون مارك لإنشاء السكك الحديدية و٢٦٤ مليون مارك لإنشاء الأسلاك التلفونية. وكانت الولايات المتحدة أنفقت إلى سنة ١٩٠٢_١٨٢٣ مليون مارك وأن النظام الاقتصادي الحديث قائم اليوم على أساس نقل الأخبار بسرعة ففي الأسلاك التلفونية مبادلة للمفاوضات الشفاهية في بقعة واسعة من الأرض ولا تزال المسافات بين الأسلاك تبعد كلما كمل الفن وتم العلم والتلفون أفضل من التلغراف لكنه لا يقوم مقامه واستعمال التلفون يستلزم اقتصاداً عظيماً في الوقت وبه سهل تكاثر الصلات التجارية وكان يتعذر بدونها دوامها وساعد على اعتدال الأسعار وتحكم التجار فيها والتلفون أداة نافعة في تقسيم العمل وتوزيعه فالواجب تنزيل أسعاره حتى يشترك في منافعه الفقير والغني على السواء. النجاح الألماني كان من نتيجة آخر إحصاء قامت به ألمانيا منذ ثلاث سنين أن كان عدد سكان ألمانيا ٦٢. ٠٣٦. ٠٠٠ أخذت إفادات كافية عن ٦١. ٧٢١. ٠٠٠ ساكن وقد صرفت ألمانيا هذا الإحصاء الأخير وحده زهاء ستة ملايين مارك فكان عدد العاملين في الصناعات الرئيسية ومنهم الخدمة ومن لا موطن لهم والأشخاص المستقلون بلا عمل ٣٠ مليون وفي ألمانيا ٢. ٣ مليون أرباب الأملاك وموظفين فإذا حذف مجموع الأشخاص المستقلين وهم بلا صناعة تجد عدد العاملين ٢٦. ٨ مليون أي زهاء ٤٣ في المئة من مجموع السكان وكان سنة

стр. 3520

١٨٨٢ ١٧ في المئة فقط. وتقسم هذه الصناعات والحرف إلى ثلاث أقسام رئيسية وهي الزراعة ويدخل فيها البستنة وتربية المواشي والغابات والصيد. والصناعات الصغرى والكبرى والتجارة والنقل وقد زاد عدد العاملين في كل فرع من فروعها وقل عدد المشتغلين بالزراعة على نسبة معتدلة فكان عدد العاملين في الزراعة سنة ١٩٠٧ ٣٢ مليوناً على حين بلغ هذا العدد ٤٣ مليوناً سنة ١٨٨٢ وبلغ عدد من يتعاطون الزراعة مباشرة في سنة ١٩٠٧_١٧ مليوناً وعدد المشتغلون بالصناعات ١١ مليوناً وزاد عدد السكان سنة ١٨٩٥ إلى ١٩٠٧ نحو عشرة ملايين التهمت الصناعة منهم ثلاثة أخماسهم وربعهم انصرف إلى التجارة والنقل وهكذا كان بحسب الإحصاء الأخير ٢. ٥٠١. ٠٠٠ شخص من مديري الزراعات و٧. ٢٨٣. ٠٠٠ من العملة و٩٩. ٠٠٠ من المستخدمين و١. ٩٧٧. ٠٠٠ مدير في الصناعة و٦٨٦. ٠٠٠ مستخدم و٨. ٥٩٣. ٠٠٠ عامل و١. ٠١٢. ٠٠٠ مدير في التجارة و٥٠٠. ٠٠٠ مستخدم و١. ٩٦٠. ٠٠٠ عامل. وزاد عدد الأشخاص العاملين بأكثر سرعة من عدد المعامل وكثر انضمام المعامل بعضها إلى بعض واحتفظت الزراعة بالقسم اللازم لها من السكان ونبذت الآخر بالعمل في التجارة والصناعة. مطالعات قال أبو العلاء المعري وأجاد في ما شاء: مثل الفتى عند التغرب والنوى ... مثل السرارة أن تفارق نارها إن صادفت أرضاً أرتك خمودها ... أو وافقت أكلاً أرتك منارها وقال الآخر وقد أبدع: وكم قائل ما لي رأيتك راجلاً ... فقلت له من أجل أنك فارس وقال البحتري ولم يبق مجالاً لقائل: الجاهلان اثنان من دون الورى ... فأفطن أخيَّ وإن هما لم يفطنا من قال ما بالناس عني من غني ... من جهله أو قال بي عنهم غني فضائل الهند ثلاثة وضع كتاب كليلة ودمنة المشهور والشطرنج والأرقام التسعة الهندية. قال يونس النحوي: الأيدي ثلاث يدٌ بيضاء ويد خضراء ويد سوداء فاليد البيضاء في

стр. 3521

الابتداء بالمعروف واليد الخضراء هي المكافأة على المعروف واليد السوداء هي المن بالمعروف. كتب رجل من العلماء إلى يزيد بن حاتم يستوصله فبعث إليه ثلاثين ألف درهم وكتب إليه (أما بعد فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً لا أكثرها امتناناً ولا أقللها تجبراً ولا أستثنيك عليها ثناء ولا أقطع لك بها رجاءً والسلام). عيسى اسكندر معلوف. إحصاء الحيوانات قدم الأستاذ سيبلي إلى مجمع ترقية العلوم البريطانية إحصاء أنواع الحيوانات قال فيه لقد كثرت منذ نحو نصف قرن الحيوانات ذوات الثدييات كثرة زائدة فبعد أن كانت ١٢٠٠ نوع أصبحت ٢٣٠٠ وبعد أن كانت أجناس الطيور ٣٦٠٠ ارتفعت إلى ١١٠٠٠ وكان عدد الدبابات ٣٤٣ فصارت ٣٤٠٠ وعدد الأسماك ٣٥٠٠ فأصبحت ١١٠٠٠ والحيوانات التي لا فقار لها كذات الصدف ١١٠٠٠ فعد منها ٣٣٠٠٠ والحيوانات ذوات القشر من ١٢٩٠ إلى ٧٥٠٠ والعناكب من ١٠٤٨ إلى ٣٠٧٠ والهوام من ٤٩١٠٠ إلى ٢٢٠. ١٥٠ وأجراء البحر ونجومها من ٢٣٠ إلى ١٨٠٤٣ والديدان من ٣٧٢ إلى ٦٠٧٠ وكان مجموع الأنواع المعروفة سنة ١٨٤٠_٧٣. ٥٨٨ فأصبحت سنة ١٨٨١ ٣١١٦٥٣ وما زالت في ازدياد سنة عن سنة. إنكلترا والاقتصاديات نشرت الحكومة الإنكليزية إحصاءاً مهماً في الوفيات والولادات قالت فيه أن عدد الوفيات سنة ١٩٠٨ كان ١٥ في الألف في إنكلترا و١٦ في الألف في البلجيك و١٨ في بروسيا و٢٠ في فرنسا وأن من يموتون من الأطفال في روسيا فاحش جداً فقد بلغ ٢٦٨ في الألف وقد تبين من هذا الإحصاء نجاح إنكلترا كثيراً في الأمور الاجتماعية منذ خمسين سنة وقلة المواليد فيها فقد كان معدل الولادات فيها سنة ١٨٥٠_٣٣ في الألف فنزل سنة ١٩٠٥_إلى ٢٧ في الألف وأن الفقراء يكثرون عن ذي قبل وكذلك يكثر إيداع الناس أموالهم في صناديق التوفير وتتسع دور العملة بفضل المجالس البلدية وتقل الأمراض المعدية وتزيد مسافة الانفراج بين غلاء المعيشة والمياومات وإن ما يشغل بال إنكلترا هو في الحقيقة

стр. 3522

مسألة العطلة الأسبوعية. حماية الأطفال في أميركا أنشئت أول جمعية لحماية الأولاد سنة ١٨٧٦ وفيها اليوم ٣٥٠ جمعية تتوخى هذا الغرض وأهم هذه الجمعيات هي في مدينة نيويورك في بناية عظيمة ذات ثماني طبقات خدمت الإنسانية خدمة تذكر فبمساعيها أبطل إكراه الأولاد على الشحاذة أو بيع الزهر في الليل ومنع الموسيقيون السيارون والباعة وغيرهم أن يستخدموا صغار الأطفال فإذا وصل إليها طفل تفحصه فحصاً طبياً فإن رأت فيه تشويهاً في بعض أجزاء جسمه تختار له عمل يوافق مزاجه وبذلك أنقذت منذ تاريخ تأسيسها ١٦٠. ٩٧٧ طفلاً. الهواء الطلق وضع أحد علماء كوبنهاغن عاصمة الدنمرك طريقة جديدة في الاستشفاء فارتأى أن يسير المرء مكشوف الرأس حافي القدمين ويتجرد أبداً من الثياب فلا يكثر منها إذا أمكن وينام بدون قميص ويفضل السير راجلاً على ركوب المركبات والتراموايات والدراجات وقد اخترع نوع من القبقاب ليلبس في الأرجل بدل الأحذية المتعارفة حتى يتخلل الهواء الرجل على نحو الطريقة التي اخترعها الخوري كنيب في الاستحمام للاستشفاء بالماء البارد. أما الجوارب فقد حظر لبسها في الأرجل قال ولا بأس بوضع قماش مسرد على الساقين وقال أن النزلة الصدرية كادت تسطو عليه منذ بضع سنين فرأى أن يداويها في الحال بالمشي السريع فتصبب جسمه عرقاً ونجا من الإصابة بها. وقد أحدثت هذه الطريقة الجديدة في الصحة أخذاً ورداً بين الباحثين والعاملين في الغرب فكأن واضعها يريد أن يعود بالإنسان إلى العيش الطبيعي. الخط المائل والمستقيم اتفق جمهور من الأطباء في جلسة لهم في باريس على أن الخط المستقيم لا يتأتى معه للولد أن يجلس جلسة طبيعية بسبب التنقل الدائم في يده اليمنى فإن حركة ذراعه تحدث تعباً في الأعصاب فيكون هذا الخط متعباً جداً وبطيئاً جداً وتنشأ عنه أخطار الأولاد المستعدين لتشويه الجسم والكزاز (الشنج) الذي يصيب الكتاب أما الخط المائل فإنه يكتب على صورة أسهل من المستقيم ولذلك يقل إتعابه للولد وتكون به جلسته أكثر انضباطاً وهذه

стр. 3523

الطريقة هي التي يفضل تعليمها في المدارس وأن الخط المستقيم لا يحول دون حسر البصر كالخط المائل أو المنحني. نصائح للمعلمين والمتعلمين كتب أحد المشتغلين بتربية العقول أن التربية المدرسية يجب أن لا تختلف عن التربية البيتية فيفرض على التلامذة أن يعنوا بأسباب الحشمة والحرية والإرادة والنظر والتعقل وهكذا يتعلمون ما يجب بأنفسهم ولأنفسهم قال وإياك أيها التلميذ أن تحاول الرجم بالغيب فالتكهن هو صورة من صور الكذب. والتفت الكاتب إلى الأساتذة فنصح لهم أن يحترموا شخصية تلامذتهم كل الاحترام وأن يدركوا معنى التبعة التي تنوء عليهم ويقولوا في أنفسهم أن المدرسة إذا لم تسر سيراً حسناً فذلك ناشئ من المعلمين لا المتعلمين فعلى الأستاذ أن يحذر الغفلة والتوسع في الرحمة كالتوسع في الشدة وأن تكون مطالبهم من المتعلمين بحسب سنهم فيجب أن لا يخافهم التلميذ ولكن لا يبغضهم أن تكون تربيتهم استقلالية لا اتكالية أي لا كحالة الموظف مع سيده. وهنا وجه كلامه إلى المديرين فقال عليكم ألا تنسوا أن الواجب أن يعامل الناس بأكثر مما يستحقون.

стр. 3524

العدد ٥٤ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١٠

стр. 3525

الجن عند غير العرب من أمم الشرق والغرب. طالعنا في مجلة المقتبس الغراء ما حاكت بروده وطرزت بوده يراعة صديقنا الأبر الفاضل الشيخ جمال الدين القاسمي بقية أعلام دمشق عن اعتقاد العرب في الجن وما ورد في أسفار الدين وأشعار النابغين وأقاصيص السلف من الأحكام والنوادر والآثار الحاكية عنهم على وصفهم وأحوالهم فراقنا منها حسن التبويب ودقة النقل وبراعة اللهجة ووضوح المنهاج وسعة الاستيعاب إلى غير ذلك مما لا يستثكر في جانب ما هو مشهود من فضل الشيخ أعزه الله وحدانا الإعجاب بما هنالك إلى تحبير مقالة موجزة تكون لها كالتكملة تأتي على ما عند غير العرب من أمم الشرق والغرب من أمثال هذا الاعتقاد. وهو موضوع بكر لم يتسور جداره فيما نظن مفترع قبل ولم يحو حوله قلم شرقي على ما اتصلت إليه مطالعاتنا حتى اليوم. ولقد بذلنا جهد المستطيع تنقيباً عن مواده المستترة في ثنايا الصحف والمبعثرة في زوايا المطولات وتخيراً للأصح من المصادر والأصدق من الروايات فجاءت مقالتنا_على ما نعهده بذاتنا من الضعف_طرفة يرغب فيها وأمنية يسعى إليها وما أحراها أن تكون مع رسالة الشيخ سفراً مستقلاًَ يرجع إليها عشاق الدراسة والاستبصار من ناشئة الوطن وأدبائه فإن أتيتم على هذه البغية كنتم من المحسنين. تمهيد. كثر عداد من يزعمون أن العرب هم المتفردون دون سائر الناس في الاعتقاد بالجن اعتقاداً دينياً سنداً إلى ما ورد في كتابهم الموحى من صريح النصوص القائلة بوجودهم_كما في سورة الرحمن والأحقاف والجن_وتوارثاً لما ورد في أقاصيص الجاهلية مما دونه الثقات وأثبته المؤرخون وأتى على بيانه الشيخ بحيث لم يبق مجال لتفصيل وتعليل. وفي ذلك الزعم من الخطأ والوهم وا لا يحتاج إلى دليل فإنك لو رجعت إلى كتب الأمم القديمة من كل بيئة وجنس ومذهب لرأيت في تضاعيفها ما يؤيد كون الاعتقاد بالجن كان منتشراً بين البشر مستفيضاً في كل قبيلة وفصيلة وشعب ممن أهل بهم المعمور من الأرض شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً باديةً وحضراً لا يستثنى منه قوم ولا تبرأ منه أمة ولكن على تباين

стр. 3526

في الآراء واختلاف ببعض الفروع. فالظاهر أن الاعتراف بوجود أرواح يتوقع شرها كالإقرار بوجود آلهة يرجى خيرها إنما هو من مقتضيات هذا الكيان الإنساني لا محيد عنه لكل ذي لسان ناطق يرشده العقل إلى أنه من أهل الخلود وأنه ضيف مجتاز في حكم هذا الوجود وإلا فما بال الأمم على تباعد أنحائها واختلاف آرائها وتغاير مذاهبها وتناقض مشاربها تجمع على هذا الأمر اجتماعاً باتاً كأن أفرادها متواطئون عليه_منذ كانوا في عالم الغيب_فكلهم يقول بإله يثيب وشيطان يكيد وجن تخيف ونفس بين ذلك تتنازعها عوامل اليأس والرجاء ويبدو لها أنها بنت البقاء دون سائر ذوات الأرواح التي تقلها الغبراء وتظللها السماء وينعشها الهواء وإن كانت محاطة مثلهن بأسباب الزوال محكوماً على هيولاها المراكب بالانحلال وشخوصها المتحركة بالجمود ثم الفناء. على هذا نشأت الناس وعلى هذا اجتازت عالمهم برزخي الحياة والموت ألوفاً مؤلفة من السنين قال بعضهم أنها عشرات الألوف وقال آخرون أنها ملايين حتى جاءنا الطبيعيون من متفلسفي هذا العصر_عصر الاكتشاف والاختراع_يجلسون على منصات القهارمة والأساطين وينشدون مع أبي نواس شاعر العباسيين: ما جاءنا أحد يخبر أنه ... في جنة من مات أو في نار ويقولون مع أبي العلاء: ومهما عشت في دنياي هذي ... فما تخليك من قمر وشمس * * * تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعادله سبكُ وأتنه لا شيء في هذا الكون غير هذه المادة التي يتعاورها التركيب والتحليل ويتداولها الدثور والتمثيل_مع بقاءٍ في الكم وتغيير في الكيف_وأن القول بما وراء المادة من قوة تدير الحركات وهي علة الموجودات منها استمد الناس أرواحاً سرمدية إنما هو من أوهام الواهيمن وتخليط فما نحن وسائر من يتحرك بالإرادة إلا من ماءٍ وطين ولا يحيينا ويميتنا إلا الدهر!! فأين هذا من ذاك؟ وما هذا الانقلاب العجيب والانعكاس الغريب؟ وأية منفعة من قول جعل

стр. 3527

العامة من الناس_وهم تسعة أعشارهم بل يزيدون_في أودية من الحيرة يهيمون وفي ظلمات من التردد والشك يخبطون لا يرون لأنفسهم مما ألقوهم في مهاوية مخرجاً ولا هم يهتدون. رويدك أيها العصر عصر الحضارة والنور. وعلى رسلكم يا معاشر العلماء. أرباب الحصافة والذكاء. وحنانيكم يا من أكثروا من العمق والتبحر. واسترسلوا في الاستقراء والاستنتاج. وبحثوا في الجراثيم والذرات. وتكلموا عن الحويصلات والنقاعيات. وبرهنوا على كون السديم أصل الكائنات. والإنسان سليل من نوع القردة أو ما يشاكلها من ذوات الفقرات. ورحماكم يا أصحاب دارون وأولياء سبنسر وأشياع بخنر وتلامذة هكل وإن كان فيكم فيلسوف كفرشيما وحكيم وادي الفريكة ومتهوسو وادي النيل إننا أيم الله لسنا من يقف في سبيلكم فيما تستوحون أسراره من الأحكام والنواميس وتحاولون إجلاءه من الغوامض والمشكلات أخذاً عما تلقيه عليكم الطبيعة أمكم وأمنا من الدروس والأمثولات طبقاً لما تبعثكم إليه ميولكم وأهواؤكم. ولكن لنا كلمة نقولها الآن لكم بعد إذ كنا نتداولها بيننا همساً ونهجس بها سراً فإن أصختم إليها سمعاً واستوعيتم لها قلوباً وجربتم بمقتضاها بعد اليوم عددناكم كراماً وقلنا سلاماً وإلا فما على من استحكمت الأيبوخاندريا في معدته واستولت السوداء على دماغه من سبيل. ليس من ينكر أن المصلح العاقل من هدى بعلمه لا من ضل. ومن أراح لا من أتعب فيا حبذا_يا أصحابنا_الجهالة أنها خير من هذه المعرفة الناقصة التي تعجلتم بها إلى نقض الأديان وتقويض أركان العقائد وتمتين دعائم التعطيل والجحود قبل أن تنضج آراؤكم وتجمعوا على ما إليه ترمون وعليه تتهافتون من بث بذور الكفر في القلوب وتعبدكم للطبيعة التي أصبحتم لكثرة دراستكم لها ومزاولتكم علومها أعلق بها من جنود بونابرت بمدافعهم أولئك الذين كانوا لكثرة اصطحابهم لها وتهوسهم باستعمالها والاحتفاظ بها يسمونها بأحب السماء إليهم ويعانقونها ويقبلونها كأنها من الغانيات الفاتنات وكذلك أنتم الآن فإن توفركم على تلك الدراسة وانصرافكم إلى استحياء دقائق الهيولى مستحكين الصامت من قواها وعناصرها غير منكفين عن مناغاتها ومباغمتها أناء الليل وأطراف النهار وقد استهواكم واستدرجا بكم إلى تأليه هذه المادة الجامدة حتى صرتم تحسبونها كل شيء أو

стр. 3528

قبلها شيء بحيث لو أمكنكم أن تحذفوا مذ الآن من كل معاجم الأرض ما حوته من الألفاظ الدالة على الخلق والإبداع والصمدانية والقدرة والبعث والخلود لفعلتم. فيا أسفاً على الهمجية إذا كان مأتاكم هذا من نتاج المدنية ويا حسرة على الجهالة إن كان ذلك من مستلزمات العلم. أفتتركون ألفاً وستمائة مليون من الناس حائرين بائرين لا يدرون بم يعتقدون وأي جهة ينتحون فلا رأيكم تثبتون ولا عن قولكم ترجعون!!؟؟. تالله إننا معكم لفي صفقة مغبون وما أنتم إلا غادرون وإلا فما هذا التغرير الذي يجعل كلاً من أفراد هذا المجتمع القومي يحيا بلا ضمير يسرق مستتراً ويثلب متخفياً ويقتل متوارياً وينتحر قانطاً وما عليه من وجدانه قيم ولا من دينه زاجر ولا في الآخرة على زعمه من نكير!!! لعمرك أن العامي الذي لا يتوقع في الآخرة عن عمله حسابا ولا يرجو عن حسناته ثواباً ولا يخشى مهما تعددت سيئاته وتعاظمت كبائره عقاباً إلا إذا كانت مشهودة من الأنام مثبتة لدى الحكام ثم يحسب ذاته في هذه الحياة الدنيا كالنبات الفطري حتى إذا مات لم يعد شيئاً مذكوراً. لا يلبث أن يكون لعنة على الأرض وسخطاً من السماء لا يحفل بالمحظور والمباح ولا يبالي بالحلال والحرام بل يقضم الأخضر واليابس ويجتاح العامر والغامر وهو يقول على الدنيا السلام. فالعالم حريص على منفعة بني نوعه الدائب على خير قومه وبلاده من اشتغل بما يريد من أنواع العلم ما يشاء على ما يشاء وأن يعتقد لنفسه بنفسه ما أحب كيفما يحب لكن على شريطة أن ينشط لتمتين أوتاد العقائد وتأليف شوارد المذاهب مع تنزيهها عما لحقها من الزوائد ولصق ببعضها من الخرافات تاركاً للجاهل وازعاً من دينه يجنبه الموبقات ورادعاً من ضميره ينكبه المنكرات وما ضر العاقل أن يكون ذا دين مثله مادام الدين لا يكلفه الشطط ولا يعنته بكثرة التكاليف وقد أباحه من طريق الحلال كل ما منعه عن طريق الحرام فلا يقفل في وجوه ملاذه وأمانيه الأبواب ولا يطالبه بأكثر مما يتقاضاه العقل ويرضى به الصواب. إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالوبال عليكما أو على الأقل يترك الأديان وشأنها والعقائد وحالها يتحارسها زعماؤها ويصونها أئمتها

стр. 3529

وعلماؤها_فلا يتعرض لها ولهم في أقواله ومنشوراته بما يعبث باليقين ويولد الشكوك ويبعث على الحيرة أو المروق من نزعات ومعارض وترهات وأدلة وبراهين وأقاصيص لا قوام لها حتى اليوم إلا النزق والسفسطة ولا ركن إلا الخيال والهوس يراد بها التفرد بالشهرة فيما يخالف فيما أجمع عليه الناس وإن كان حقاً تواطأت على وجوبه العقول وإن كان صحيحاً غير مفكر بما ينجم عن أضاليله وسفاسفه من تشويه النظام وضياع الأحكام وانتشار الفوضى والعود بالعالم الإنساني إلى الزمن الذي كان آباؤنا يضارعون برابرة الأوقيانوس الهندي وأواسط أفريقية حالاً وقالاً وخلقاً وأوضاعاً. متصيداً بأحاييله الإبليسية وبهتانه المزخرف ما حقائب بعض من أوتوا مالاً ولم يرزقوا عقلاً من دينار مكنوز ثم ينفقه على تمثيل أسفار ورسائل يطبع منها الآلاف من النسخ ثم توزع على الناس_ولاسيما الناشئة الأدبية منهم_مجاناً قصد إشراب قلوبهم تلك المبادئ الفاسدة وإيداع نفوسهم تلك الحماقات السخيفة التماساً للشهرة على ما ألمعنا من طرق التعميم في الإذاعة والتوسع في الإبلاغ كما فعل بعض هؤلاء المفتونين_بحب الطبيعة_هذه الأيام ففعلت نفثاته السامة في أدمغة البعض ما لا يتوقع العاقل قيامه إلا قيام دولة الشهوات وانثلال عروش الآداب وتقويض أركان الديانات وانتشار الإباحية والعدمية إلى غير ذلك من بواعث الهلكة والانقراض والبوار لولا أن يأبى الله إلى أن يعيد كيده إلى نحره بأن قيض له من أهل التبصر والاعتبار والعلم الصحيح من يكشف بصائر أهل الغرور بما يريهم عياناً زيف درهمه وزغل ديناره فإن ألحق أبلج وضاح. والباطل لجلج فضاح وإن كره الماكرون. يقول المتعنتون من هؤلاء الملاحدة المتحذلقون_سنداً على ما سجله التاريخ من أنباء حروب وفتن واضطهادات كان منشئها الظاهري التباين في المذاهب والاختلاف في الدين. إن الديانات ألقت بيننا إحناً ... وعلمتنا أفانين العداوات فالدين إذن عدو النظام لا نصيره بغيض السلام لا ظهيره!!! نحن لا ننكر أن كثيراً من المشاغبات والفتن والثورات والحروب والغارات أثيرت باسم الدين ونشبت على حساب الدين ولكن من سبر غور الحقيقة بمسبار النزاهة والإخلاص وتوفرت له سلامة الذوق وصحة الاستنتاج وأصالة الرأي وعدالة الحكم علم_بعد الاستقراء_علم اليقين أن الدين لم يكن المصدر الحقيقي لتلك الموبقات بل أن الباعث عليها

стр. 3530

في الأصل والمؤدي إليها بالفعل_ما خلا الشاذ_إنما هو شهوات الملوك ولبانات أولي الحكومات ونزوات أرباب السلطات والزعامات الذين من دأبهم_ولاسيما في تلك العصور المظلمات_التذرع بأي وسيلة كانت_حتى التغاير الديني أو المذهبي_لإثارة الفتن وإصلاء الحروب إرادة أن يتهيأ لهم من جرائها تمتين السلطة والتوسع في البسطة والاستفحال في الملك لدواعي أطماعهم اللانهائية وإشباعاً لنهمات أميالهم النفسانية. فالمرء لا تنقضي آرابه أبداً ... إذا انقضى أرب يصبو إلى أرب ومن ذا الذي يتجرأ أن يقول ما ينشأ عن سوء استعمال الدين إنما هو الدين؟؟؟ لا جرم أن للحروب والفتن أسباباً جمة قد يكون سوء استعمال الدين أو التذرع بالدين إحداها وقد لا يكون وما أرباب السيادة من خدمة الدين وغيرهم إلا بشر مثلنا قد يسيئون في أمورهم المعاشية وسياستهم الإدارية وقد يحسنون: فما بالنا نلصق بالدين_الذي هو من الله_ما ينجم به وعلى حسابه من مساوئ الناس؟ أفلا تفقهون!! أجل: إن مطامع أصحاب العروش وتخالف العناصر وتباين الأجناس وطموح المم التي توفرت لها القوى إلى التغلب على المستضعفين ونزوعها إلى التكاثر والاستزادة سواء كان عن طريق الفتوح أو الاستعمار أو الدين هي هي لعمر الحق_في كل آن وزمان_مصدر الفتن ومبعث الإحن وعلة العدوان ومنشأ الحروب التي ما برحت مرافقة حيوة بني الإنسان منذ أصبحوا دولاً وأمماً وجماعات حتى الآن وهي لا تبرح ولن تبرح ملازمة لهم_ولكن على تباين بالكم والكيف_عملاً بناموس تنازع البقاء إلى منتهى الدوران. ومن ماراني في ذلك أتيته من أقوال قهارمة التاريخ وأقطاب العمران وفلاسفة طبائع البشر بما شاء من دليل وحجة وبرهان. لنسلم جدلاً_ولو بالباطل_أن في عصور التعصب والغباوة والجهل كانت الديانات جرثومة العداوات وأرومة الحروب والثورات ولولاها كان الناس في نعيم مقيم وأمن مكين!! لا بأس عليهم ولا هم يحزنون!!! ثم تعالوا بنا إلى هذا العصر الحديث عصر التساهل والكياسة والعلم عصر الحضارة والتمدن والنور وعصر الحرية والمساواة والإخاء ولنقف متسائلين هل خلت أممه الأعرق حضارة والأعلى في مدنية كعباً من فتن تثار وحروب تصلى وأطماع تسود وأشرار

стр. 3531

تتفاقم؟؟ أم هل علاقة للأديان بحرب بروسيا مع النمسا (سنة ١٨٦٦) أو حرب ألمانيا مع فرنسا (سنة ١٨٧٠) أو حرب الإنكليز مع الترنسفال واليابان مع الصين وروسيا مع اليابان والبلغار مع الصرب في خواتم القرن التاسع عشر وفواتح القرن العشرين؟؟ كلا ثم كلا. فليصمت إذن أولئك الذين يتظلمون بتلك السفاسف والترهات تغريراً بالسذج وتمويهاً على الأغبياء وليعلموا أن الاعتقاد بمبدع حكيم يجزي ويثيب مع الاحتفاظ بقاعدة صن دينك واحترم دين سواك هو عماد السلام وركن التهذيب ومصدر الآداب ومصدر الوئام والتحاب: فكيف لا يتقي الله أولوا الألباب!!! أجل إن في تسود العقائد المبنية على التنزيل والوحي وسلامتها من الشوائب والحشو وتنزهها عن الخرافيات واللغو وترفع أولياءها عن التشيع الشائن والتعصب الضار والتحامل الذميم يستتب الظلام ويسود السلام وتسعد الأنام لا بقول المعري: أأترك ها هنا الصهباء عمداً ... لما وعدوه من عسل وخمر فموت ثم بعث ثم حشر ... حديث خرافة يا أم عمرو وقوله: اثنان من أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخرٌ دين لا عقل له فإن هذا الفيلسوف الشاعر الضرير رهين الحبسين_حبس العمى وحبس البيت_بعد أن أوحى إليه خياله الواسع ما أوحى فباح بما هذر وجاهر بأنه كفر مطاوعة لما يستولي على أمثاله من أعراض السوداء عاد إليه بض رشده فاستحوذ عليه الشك وخامره التردد والريب فقال متوجساً لعقباه حاسباً حساب أخراه. في القدس قامت ضجةٌ ... ما بين أحمد والمسيح هذا بناقوس يدق ... وذا بمأذنة يصيح كل يؤيد دينه ... يا ليت شعري ما الصحيح ثم لم يمت إلا على دين آبائه كما حقق الثقات من معاصريه خلافاً لمن يتخذون أقواله حجة يؤيدون بها مذاهب التعطيل ويذيعونها بين الناطقين بالضاد هداهم الله. ذلك ما رأينا إثباته استطراداً في هذا التمهيد كبحاً لجماح من ملئوا الدنيا زياطلاً تشيعاً لأصحاب تلك الأضاليل ممن يتوهمون السراب شراباً والحبة قبة وما أهون ما تخدعهم

стр. 3532

الزخارف والأباطيل إن ربك بالمرصاد وهيهات أن يفلح حزب الفساد مادام للصلاح فئة من أعلام يعملون هم في الظلمات مشكاة وفي المجاهل والمعاثر هداة وما على منفق جهده من جناح ولا إلى تأنيبه من سبيل. عود على بدءٍ. قلنا أن الاعتقاد بالجان قلما خلت منه أمة في غابر الأزمان ومصداقاً لذلك نقول الآن. ورد في ميثولوجيا الهنود أن أرواحاً شريرة اسمها رقشاشة ومعنى هذا الاسم الجبابرة خلقت قبل الجو والحيوانات وهي ترصد الآجام والمقابر وتتلهى بإثارة الموتى من أجداثهم والتحرش بهم. تأكل لحوم الأحياء من البشر وتشرب دماءهم وتتخذ لها صوراً مختلفة وأشكالاً متباينة ثم هي لا تزال حاضرة عند تقدمة القرابين وذبح الضحايا للآلهة لكي تفسد على الناس شعائرهم وتغري المعبودات على تلك القرابين ورذل مدميها: من أجل ذلك يعد الهنود أشد ضرراً على البشر من سائر الجن. وقد ذكر في الكتب السانسكريتية القديمة المحفوظة في هياكل الصين وكوريا وسيلان وسائر أمهات المدن المنتشرة في الشرق الأقصى الغاصة بأتباع برهما وبوذة من ذوي الجنس الأصفر أن النساك وخدمة الدين طالما استنجدوا القوى العلوية للنجاة من شرور هذا الصنف الغادر من الجن الكثير العدد وهو مع ذلك لا يزال يزيد نمواً وانتشاراً بزيادة عداد من يموتون من الأثمة أصحاب الكبائر لأن أرواح هؤلاء تكون إلى زمن من نوع الرقشاشة وأشهر هذه الفئة الباغية المنقسمة إلى فرق ومراتب إنما هي رافانا. وليتك تدري ما رافانا إنما هي روج شرير زائد القحة والجرأة كثير المطامع والشهوات حتى أنه زين له في بعض الأزمنة أن يخضع الأرض وما عليها والهاوية ومن فيها والسماوات ومن فوقها إلى حكمه وسلطانه ويجعل الكيان المطلق عبداً خادماً لرغائبه ومآربه ونزعاته فتمادى جوراً وعسفاً وزاد بغياً وطغياناً حتى أنت من حيفه الأرض وشكت ظلمه الأفلاك واستولى الرعب على قلوب المعبودات في أخدارها والملوك في عروشهم وكان موطن هذا الجني الخبيث في ذلك الزمان لافكا عاصمة جزيرة سيلان. فساء وشنو العظيم هذا الأمر الجلل ورأى أن يتجسد ثانية لينقذ الأكوان ومعبوداتها من شر هذا الطاغية ويرد إلى المخلوقات طمأنينتها وسلامها فتجسد في الجهة المقابلة في الهند في

стр. 3533

صورة راما تشندر ابن داسرتا ملك أبوذيا من امرأته كالسيا وبعد أن اتحد مع سوغريفا ملك طائفة القرود على الإيقاع برافانا مضيا إلى الأرخبيل الفاصل بين جزيرة سيلان والبر والتقيا هناك جسراً من الصخر اجتازاه إلى الجزيرة ثم باشرا القتال مع رافانا فلم يلبث الخبيث أمام المعبود المتجسد وحليفه!!! فسقط بين أيديهما هالكاً غير مأسوف عليه. والرومانيون يقولون أنه يوجد عذراء من الجن كانت تقيم في غابة اسمها أريسيا على مقربة من رومية عاصمة الرومان وتدعى تلك العذراء إيجيريا وأن أحد ملوكهم توما بومبيليوس اتخذها له زوجة فكانت تساعده على قهر الأمم المتوحشة وإدخالها في ربقة الطاعة له والانضواء على عرشه وتشاركه في حل ما أعضل عليه من المشكلات. فلما مات زوجها جزعت عليه أشد الجزع ولجأت إلى تلك الغابة معتزلة حيث كانت تجلس في حضيض جبل ذارفة دموعاً سخية بلا انقطاع فأحزن حالها ديانا إلهة الصيد فرأت أن تحولها إلى عين ماء نضاخة لا ينضب ينبوعها فسميت عندئذ عذراء العيون وشيد بجوارها هياكل للعبادة كانت النساء الرومانيات يقصدونها بنذورهن الثمينة في مواسم معلومة متخذات لها أعياداً يحتفلن بها احتفالاً كبيراً لأنها كانت تحفظهن عند الولادات ويصون مواليدهن من سائر الجن. ولمدينة رومية جني خاص أقام له قدماء الرومانيين تمثالاً من ذهب. والجرمانيون ومنهم البروسيون وسائر الألمان وكثيرون من التابعين للعرش النمساوي يزعمون أن للمياه جناً يطلق عليه اسم اليفنة ويدعوها الإنكليز مرميده وأهل شمالي أوربا نكسن. قال سكان سواحل البلطيك أنها تظهر على شكل الخيل على مقربة من ثغور البحار وتداعب من يخرجون القمراء للنزهة والسمر في تلك الشواطئ وكثيراً ما أخافتهم. أما الألمانيون فيقولون أنها تقيم في نهر البي وأنها أظرف من جن بحر البلطيق وقد تخرج أحياناً من الماء في ليالي الشتاء وتقصد النار التي يتركها رعاة المواشي لتستدفئ بها. وقد طالما نظرت هناك بهيئة نساء جميلات مستترات بشبه براقع لهن وجوه زهر وشعور شقر تسترسل على أكتافهن. وقد يعشق بعضهن الرجال فيخلصن الحب لمن كان وفياً منهم ويساعدنه في ميادين الحرب ويقين شخصه بنفوسهن من سهام العدو ولا تنفك إحداهن

стр. 3534

مولعة بمن تهوى مرافقة له ساهرة على مصلحته وراحته متحملة معه ما يكابده من برحائه وضرائه حتى الموت. ولكن إذا خانها ولو مرة ذهبت به إلى شاطئ البحر أو إلى ضفة النهر وجذبته بمنتهى قوتها إلى اللجة فتميته غرقاً!!! وهي على ما يقولون ذات صوت غريد مطرب هو_في زعمهم_مصدر حفيف الغابات وخرير الأنهار الذي يؤنس الحزين ويسلي الغريب وكان القدماء من أهالي أوربا الشمالية إذا أرادوا استمالة تلك الجن طرحوا في البحار والأنهار ثماراً وأزهاراً وذهباً ولؤلؤاً وعطراً وطيباً استعطافاً لها وقد وجدوا في بحيرة تولوز أشياء كثيرة مما كان يستعطف بها سكان فرنسا القديمة تلك الجنيات الحسان اللواتي يشبهن في بعض أمورهن بنات الماء اللواتي ذكرهن الدميري في كتابه حيوة الحيوان. ومن أغرب ما رواه المؤرخون أن سيبيون الروماني لما فتح مدينة تولوز وجد في بحيرتها من الذهب ما وزنه مئة ألف ليبرة ومن الفضة مثله فاستأثر بها. وقد تحقق أن الغاليين القدماء أجداد سكان جنوبي فرنسا الآن كانوا يرفعون تلك الجنيات الحسان إلى مصاف الآلهة ولذلك اشتد حنق التولوزيين على من خرق حرمة بحيرتهم سالباً حليهن وكنوزهن كما ألمعنا وربما كان لهن في بلادهن غير الأسماء الثلاثة التي ذكرناها قبل. أما السكندنافيون وهم أهل أسوج أو السويد ونروج وهولاندة أو الفلمنك والدنيمرك فيعتقدون بوجود جن اسمها ألفة أو الفر وهي حاذقة لبيبة ذكية عالمة وتقسم عندهم إلى فئتين. إحداهما تعرف بالجن الصالحة ويقال لها جن النار أو جن النور تقيم في بلاد الغيم التي يتولاها صاحب الشمس لها وجوه تلمع كالصبح وعيون أجمل من الكواكب وشعر ذهبي يروق مرآه للناظرين والثانية تعرف بالجن الهائلة وتسمى عندهم سفورت الفار وهي عدوة للنور وأشد سواداً من الزفت ذات منظر كريه وتقاطيع شنيعة وأعضاء مشوهة ولا تسكن إلا في باطن الأرض. وأهل القرون المتوسطة من سكان هذه الممالك السكندنافية كانوا يزعمون أن هذه الجن الأرضية تختطف أطفالاً من أسرتها وإذا أحبت إحداهما رجلاً ذهبت به إلى موطنها تتلذذ

стр. 3535

بمداعبته ولا تدع له سبيلاً إلى تركها والعودة إلى بلاده: وهم يوقنون كل اليقين أن ملكتهم خطفت السيد توماس السيدون الملقب بالشاعر إلى حماها وحجرت عليه في صرح لها سبع سنين كان فيه تمثال غرامها وكعبة هيامها وهي على ما يرتأون لطيفة المعاني حسنة الطلعة تنسج لها أقمصة وحللاً من نور القمر وتعتم بعمامة في أعلاها جرس وتحتذي برجليها الكافور بتين زجاجاً رقيقاً نقياً شفافاً فإذا عثر إنسان عند انفلاق الصبح على حذاءٍ أو جرس مما تلبسه تلك الجنيات الرائعات المحاسن ملقى على العشب نال من التي فقدته كل ما يتمناه. وهي تشتو غالباً في كهوف الجبال تعيش فيهات كسائر الناس وتصرف الوقت بمطالعة الأشعار وأناشيد الآلهة وكتب التاريخ وبتطريق الذهب والفضة والأخبار عن مستقبلات الشؤون متخذة لها حلياً من الياقوت والزمرد وكبار اللآلئ. ومتى بدت تباشير الربيع تزايل تلك الكهوف والمغاور متجولة في جوانب الجبال استنشاقاً للهواء العطر والنسيم البليل. وقد تتسلق الشجار لتقطف منها الأزهار والثمار أو لتراقب من يمر على مقربة منها حتى إذا أقبل الليل تجتمع في الحقول متماسكات الأيدي كالحلقة التي تؤلفها نساؤنا ليجلون العروس ثم تأخذ في الرقص والغناء في ضوء القمر. وقد ترعى ماشيتها على ضفاف الأنهر ولا تزال تلك حالها حتى يعاودها الشتاء. ومع أن الألفة غير منظورة فالمولودون أيام الآحاد يمكنهم أن يروها. وهي على نحافتها وجمالها ولطف بنيتها لها من القوة ما يمكنها حمل أثقل الصخور وأكبرها حجماً ماشية به مسافات طويلة وإذا لمست بيتاً هزته وزعزعته من أسسه ولو شاءت لحملت بيدها رجلاً وسارت به ركضاً ولا تبالي. وهي تحب غالباً شجر البلسان والزيزفون والحور الرومي فمن أحب أن يراها من مواليد يوم الأحد يقصد من تلك الأشجار ما كان منها في سفوح الجبال يجدها تغني على قيثارها العازف تحت رواق ظلها الوارف. وكان لها في بلاد الإنكليز وسكوتلاندة ملك وملكة وكانت جزيرتا سترن وروجن في بحر البلطيك تحت سلطانهما وقد شوهد هذا الملك يوماً في مركبة يجرها أربعة أفراس ويستدلون على تجوله في مملكته المترامية الأطراف بصهيل الخيل وسواد الماء والضوضاء التي يحدثها أعوانه في طبقات الهواء.

стр. 3536

واليونانيون القدماء يقولون أن أغينور ملك فينيقية تزوج بالجنية ميلي فولدت له أوروبا فنشأت ذات جمال فتان وبياض ناصع فشغف بها المشتري وتمثل لها بصورة ثور وتزلف إليها كثيراً حتى ركبته معاً بلين قياده فأسرع وهي على متنه نحو البحر وسبح بها إلى جزيرة كريت وهناك اتخذها زوجة فأولدها خمسة صبيان وثلاث بنات وكلهم ابتنوا مدناً وأنشئوا قبائل وعلى هذا يكون الكريتيون من سلالة الثيران والجن فلا عجب إذا كانت نيران فتنهم لا تنطفئ وحركات ثوراتهم لا تسكن. والروسيون الأقدمون يزعمون أن الفامبيره فريق من الجن يسكنون القبور وهم يثورون ليلاً في المدافن. متفرقين على منازل الأحياء حال نيامهم فيمتصون دماءهم. وإن الديموفوي جني البيوت يتراءى للنساء حال انفرادهن وإن في الأنهار عفاريت تدعى فوريانوي وفي الغابات أبالسة اسمها الياسنك والسلافيون يدعون أن للجن إلهاً خاصاً يسمونه وتشرنو بوغ أي الإله السود وللبشر إلهاً آخر اسمه بباليوغ أي الإله الأبيض. وأهل جبال البريني أو البرانس يعتقدون أن الجن مقيمة في الغيوم التي تغشى ذروات جبالهم وعلى ضفاف الأنهار الحافلة بالأشجار ولهم فيها أقاصيص طويلة وروايات غريبة لا يحتمل المقام سردها أو استيفاءها. وأهالي جزائر ملديف يقولون أنه كان يجيئهم في وقت معلوم من ناحية البحر جني كأنه مركب مملوء بالقناديل فلا ينجو من شره إلا بإعطائه فتاة بكراً يتركونها له في بيت الأصنام ثم يصبحون فيجدونها منهوكة ميتة فاتفق أن زار مدينتهم رجل صالح يدعى أبو البركات البربري فلما حان زمان مجيء الجني أخذت النساء يبكين ويندبن فسألهن عن السبب فقالت له عجوز منهن أن لها بنتاً وحيدة بارعة في الجمال أصابتها القرعة بحسب القاعدة الجارية في المدينة وستكون في الغد ضحية للجني فقال أنا أنوب عنها ثم ذهب إلى بيت الأصنام متخفياً وأخذ يتلو القرآن العزيز فلما سمع الجني تلاوته غاص في البحر ولم يعد بعد. قال ابن بطوطة في رحلته إن هذه الحاد ثة كانت سبباً لدخول أهالي تلك الجزائر في الإسلام وهي يد كبرى تعد لأبي بركات المشهور بصلاحه على أولئك الوثنيين. واليونانيون يثبتون أن عذارى من الجن اعتنين بتربية جوبيتر وهو طفل فأهدى إليهن قرن

стр. 3537

الخصب وهو أحد قرني العنزة التي رضع لبنها عندهن. وهم يقسمون الجن إلى ثلث رتب يرفعون الأولى منها إلى مقام المعبودات وجدها الأعلى عندهم أجينوس باللسان الروماني القديم وهو شخص زفس أو جوبيتر. وهي تقسم إلى فئات أو قبائل منها البانة والفونة والسانيرة والنيمفة الرتبة الثانية توابع كل شعب وكل مدينة وكل محلة وهم يعتقدون أن مؤلفي هذه الرتبة يموتون ويولدون كسائر الأحياء غير أن حياتهم تستغرق ألوفاً من السنين. والرتبة الثالثة توابع كل شخص بمفرده وهم الذين يتولون أمور الأفراد ويؤثرون في جميع أحوالهم من معايشهم وعواطفهم وحوادثهم وأمراضهم. وللنساء توابع خاصة يسمونهن جونون. قال سرفيوس متى ولد الإنسان يسخر له تابعان من الجن أحدهما يرشده إلى ما به الخير والآخر يميل به إلى طرق الشر. وقال أبوليوس إن النفس البشرية ذاتها تتحول بعد نجاتها بالموت من هيولاها إلى الجن فإن كانت حياة صاحبها صالحة دخلت في عداد الجن الأنيس وبقيت في البيت لحماية ساكنيه وإن كانت شريرة سميت لارفه أي عفريتاً أو جنياً خبيثاً فلا تستقر في مكان واحد ويكون دأبها الإخافة والتهويل وإلقاء الرعب بين البشر والوسوسة والنزع في الصدور إمالة بأربابها إلى الإضرار بأوغوسطوس مادام تابعه يحميه ويذود عن حوضه. وكان اليونان والرومان عن بكرة أبيهم يقدمون في أعياد مواليدهم نذوراً للصالحين من تابعيهم زهراً وبخوراً وخمراً يضعونها على ضفاف الجداول وتحت ظلال الأشجار في الغابات تكرمة وزلفى ولو استوفينا كل ما ورد عن هاتين الأمتين في أعصرهما الخرافية مما يتعلق بموضوعنا لطال بنا المطال وضاقت عن استيعابه الرسائل بيد أنا فيما ذكرناه عنهما غنى وكفاية. أما الفرس فيعتقدون أنه يحكم العالم روحان متضادان متخاصمان أحدهما صالح وهو أورمزد والآخر شرير أهرمن وهذان الروحان في خصام دائم ومن غلبة الواحد على الآخر ينتج تداول الخير والشر والنور والظلام والليل والنهار كل يوم. وما الجن إلا لخدمة أهرمن وحاشيته وسيأتي يوم يظهر فيه ثلاثة أنبياء يفلون جيوش

стр. 3538

أهرمن ويتلفون أعماله فلا يبقى جني على الأرض فيعيش الناس في سعادة كاملة وسلام دائم يتكلمون بلسان واحد ويعيشون متحدين على نمط واحد ووتيرة واحدة وهؤلاء الثلاثة أنبياء سيولدون من نطفة محفوظة في ينبوع ماءٍ صغير لم يهتد إلى مكانه بعد. وهاذ الاعتقاد الثنائي مستفيض في الشرق منذ القديم حتى أنه يظهر بالتتبع والاستقراء التقليدي إنه كان على عهد عيلام بن سام بن نوح الذي منه تشعب الفرس وقد سرى إلى عدة شيع ونحل وبدع في القرون الأولى وأصبح ركناً بني عليه مذهب الماني الموسوس الفارسي كما لا يغرب على كل مطلع على تاريخ هذه الأمة. وقد زعم الفرس أيضاً أن للجن مملكة خاصة اسمها عندهم جنستان أي بلاد الجن ويقولون أنها واقعة في الطرف الغربي من أفريقية وقد طالما سماها شعراءهم بأرض المردة والعفاريت: أما العبرانيون والفينيقيون والكلدانيون القدماء فيقولون أن الجن تدخل في البشر فتبليهم بالجنون وهيب تسكن الأرض وتتراءى للناس بهيئات مختلفة حتى أنها تتلبس بأشكال الحيوانات ويستخدمها السحرة والعرافون للأنباء بالمغيبات وكشف المستورات وكل هؤلاء الأمم يعتقدون كالعرب بالقرينة والتابعة والكهانة والسحر ومن يرجع إلى تواريخهم يجدها طافحة بأخبار وأقاصيص تدل على رسوخ هذا الاعتقاد فيهم منذ قرونهم الأولى شأنهم في ذلك شأن سائر الأمم الشرقية سواء. أما المصريون فقد كانوا يهبون جني نهر النيل في كل عام عروساً حسناء من فتياتهم استرضاء له واستمداداً لفيضه ويجعلون الحيات والهررة وغيرها آلهة وأنصاف آلهة متخذين العجل آبيس أعظم معبود لهم بناء على كون الزراعة ركن معايشهم وقوام رزقهم في بلادهم فهم يكرمونه ويخصونه بأفضل أنواع العبادات ليمد الثيران من سائر بني جنسه بقوة من عنده تكفيهم مؤونة الحرث والفلاحة التي لم يجدوا إليها سبيلاً في تلك الأزمنة إلا بتسخير البقر. ومع أن الأقدمين منهم كانوا في طليعة غيرهم من الأمم علماً ومدنية وتهذيباً كانت عقائدهم الخرافية في غاية السخف وقد زادهم فيها استرسالاً اجتياح اليونان ثم الرومان لبلادهم واستيلاؤهم عليها ردحاً من الدهر إذ قد أضيف ما عند هؤلاء من مضحكات العقائد ومبكياتها إلى ما عندهم منها حتى أصبحت مزيجاً جامعاً ما لم تجمعه أمة قبل ولا بعد.

стр. 3539

هذا مجمل ما ورد متفرقاً في أسفار السلف وأساطيرهم_من كل أمة ونحلة_برهاناً على كون الاعتقاد بالأرواح الخفية كالجن والعفاريت والمردة إنما هو مرافق حياة البشر في قرونهم الأولى من كل جيل وجنس ومذهب ولكن على أنحاء متضاربة ووجوه متباينة واختلاف كثير في وصفها وتكييفها وتعيين قواها وطبائعها وتحديد ماهيتها ومراتب تأثيرها في أعمال الخلق وشؤونهم إلى غير ذلك مما لم يقع عليه الإجماع التام بين شعب وشعب وأمة وأمة. ومما يجب التنبيه إليه أنه قام في كل صقع وبين كل قوم رجال أفذاذ من أبناء العصور الغابرة قائلين بما يقوله اليوم أكثر علماء الغربيين وبعض الشرقيين من أن هذه الأرواح_الضارة_لا وجود لها إلا في مخيلات الناس وأوهامهم يبعثهم على تصورها والجزم بوجودها ما يتعاورهم من الأماني والمخاوف والانفعالات المتناقضة فيما يعرض لهم من أحوال هذه الحياة الدنيا الكثيرة الكوارث والشجون مضافاً إلى ذلك ما يتوارثونه من عقائد الآباء ويتناقلونه خلف عن سلف من ترهات وعجائزيات قد أبان على تبجينها في أذهانهم ما أسدله الجهل على بصائرهم من كثيف الحجب في أعصر الظلمات ولاسيما أثناء القرون الوسطى التي استحكمت فيها المنازعات الدينية والأحن المذهبية_مسببة عن أطماع الملوك_حتى ألبست الأرض أرجواناً من الدم. فما بدأ يتفجر في أفق العالم الغربي نور العلم الصحيح المبني على التثبت والاستقراء الحسي حتى أخذ يتقلص في تلك الأصقاع ظل الاعتقاد بوجود أرواح تتأثر بني الإنسان متداخلة في أمورهم ومصايرهم فاعلة في شواعرهم وهواجسهم ضاغطة على حركاتهم وسكناتهم في معايشهم ومرتزقاتهم وكان ذلك في أواسط القرن الثامن عشر حتى إذا أشرف محيا القرن العشرين من نافذة الدهر تلاشى أو كاد مذهب من يرى أن في العالم المحجوب قوة تناوئ إرادة الله وتناهض عباده كما يزعم الثنائيون من الأمم ومعظم المتدينين من الفلاسفة والمفكرين في أيامنا هذه يذهبون إلى أنه قبل انقضاء هذا القرن قد لا يبقى على وجه البسيطة من يصدق بوجود فاعل فوق الطبيعة غير الحق وهو سبحانه أعلم بما يتخرصون. دمشق:

стр. 3540

سليم عنجوري.
следующие страницы →