Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
والمسموع أمثال وقوله في السنة العامة والصواب على السنة العامة واستعماله الأعوج بدل الاعوجاج وتعرج عوضاً عن تعوج واحتجز بمعنى منع وقوله لا تسلم إلا الحياة وهي عامية والأفصح ولا تفادي إلا بالحياة وإدخاله واو الحال على الماضي بعد إلا كما أنها لا تدخل على المضارع المثبت في قوله: فما رايت سطوراً مقطوعة الأواسط إلا متشابهة الأطراف إلا وقرأتها وقوله نهشه في إصبعه والصواب نهش إصبعه واستعماله الأعراض بمعنى العلامات وقوله يودعه الله في فطرة الإنسان والصواب يودعه الله فطرة الخ. . . .
هذا ما رأينا أن ننبه على ما ورد في كتاب النظرات من الألفاظ والجمل مما لا عهد للعرب به كما أن ثمة ألفاظاً أغفلناها ذكرها كاستعماله لفظة (المراسح) بدل (المسارح) و (البالونات) عوضاً عن (المناطيد) و (المكروبات) بدلاً من (الجراثيم) و (الطاولة) بدل (المنضدة).
والعاقل يغتفر له هذه الهنات اليسيرة إذا عرف أن الكاتب بين ظهراني أمة معظم صحافييها وأدبائها وكتابها يرون أن في هذه اللغة التي يكتبون بها الغناء والكفاء عن أن يتحدوا العرب العرباء في مناحي أساليبهم وأقوالهم ولله في خلقه شؤون.
٥ ـ
وصفه
وهب السيد المنفلوطي ملكة خارقة في الوصف تكاد تكون فيه طبعاً وسليقة. وإني لأقرأ له القطعة الأدبية فيخيل إلي أنها من سحرها أن نفحة من قلم هيكو تهب عليَّ فلا أكاد أتم قراءتها حتى أهم بإعادتها المرة بعد الأخرى وأحمد الله على أن وجد في هذا العصر من ينفح هذا الهيكل البالي من الأدب روحاً جديدة ليحيا حياة رغد وهناء.
قال في مقالة الغد: الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه وتصطخب أمواجه فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر أو الموت الأحمر.
ولقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأبصار حتى لو أن إنساناً رفع قدمه ليضعها لا يدري أيضعها على عتبة القصر أو على حافة القبر.
الغد صدر مملوء بالأسرار الغرار تحوم حوله البصائر، وتتسقطه العقول، وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال.
стр. 3467
يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الولد أن يلد للموت ما جمع الجامع ولا بني الباني ولا ولد الولد.
إلى أن قال: أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلاً لنرى لمحة واحدة من لمحات وجهك. أولاً فاقترب منا علناً نستطيع أن نستشف خيالك من وراء هذا اللثام المسدول فقد طارت قلوبنا شوقاً إليك، وذابت أكبادنا وجداً عليك.
أيها الغد، إن لنا آمالاً كباراً وصغاراً، وأماني حساناً وغير حسان. فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها أأذللتها وأهنتها. أم كنت لها من المكرمين. لا لا، صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجوهك ولا تحدثنا حديثاً واحداً عن آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة.
وحسنا هذه القطعة الذهبية التي أوردناها هنا دلالة على مكانة الكاتب من ملكة الوصف ومبلغ ما وهب من القوة الطبيعية في النثر الشعري أو الشعر المنثور.
وللمنفلوطي في بعض فصول كتابه تشابيه جميلة واستعارات جديدة ربما غمضت على عقول من اعتادوا تمجيد القديم من المتأدبين أو تعامى عنها بعض من يرى المعاصرة حرمان فلم يرفعوا لها شأناً ولم يقيموا لها وزناً كقوله: فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحاً أو متلافاً أما الأول فلو كان جاراً لبيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه (المتحجر) لا تنفذ إليه عاطفة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان وربما أنكروا عليه وصفه القلب المتحجر وعد جعله للإحسان بسمات إغراقاً منه في المجاز ومبالغة في الاستعارة ولكن الحقيقة في غير ما يزعمون.
ومثل قوله: فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجماً لامعاً ولا كوكباً ساطعاً وقوله درع منسوجة من نجيع وقوله: بهذه الصواعق التي يمطرنها علينا من سماء الصحف ومن جمله الجميلة قوله: وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى رأيتني أحير من دمعه وجد في مقلة عاشق يدفعها الحب ويمنعها الحياء. لا أعلم هل أنا سر كامن في باطن الظلماء، أو حوت مضطرب في أعماق
стр. 3468
الماء وقوله أيضاً: وهناك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع غلته ويطفئ لوعته وقوله في مقالة يخاطب بها المحزون: أنت حزين لأن نجماً زاهراً من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينك نوراً وقلبك سروراً، وما هي الأكر الطرف إن افتقدته فما وجدته وقوله: ابتسامة هادئة الخ. . .
وقد أجاد الشيخ في مقالة غرفة الأحزان أيما إجادة حتى أن قارئ القصة ليجد أثرها في نفسه بعد قراءته لها في دمعة تترقرق في جفنه فتنم عن عواطفه وشعوره. وما هي لو علمت إلا جائزة القلب إلى البراع الذي خط تلك السطور بأسلوب يتدفق شعراً وشعوراً. ولا يسعه إلا أن يكبر ذلك الوصف الذي ألم بعامة أطراف الحادثة إكباراً فكان جائعاً لما تشعر به النفس من دبيب الآلام واعياً لما يصدر عن النفس السامية من شريف العواطف.
٦ ـ
روح المؤلف
إذا صحت النظرية القائلة الكتابة صورة الكاتب جاز لنا أن نحكم على المنفلوطي أنه من جماعة المتشائمين ولكن لا في مذهب من المذاهب الفلسفية أو التاريخية أو السياسية بل هو من يرون أن لا سعادة في الحياة ولا هناء وإن من العبث أن يلقي المرء بنفسه إلى التهلكة في معترك الحياة ما دامت الرذائل آخذة من النفوس مآخذها وإن ما نسميه فضيلة ليس إلا خداعاً ورياءً ونفاقاً دعيت بالفضيلة وهي ليس لها ظل في هذا الوجود.
هو ينظر إلى المجتمع نظر الحانق الناقم لأنه يعتقد أنه مصاب بالسقم في فهمه والاضطراب في تصوره فلا عبرة بحكمه ولا ثقة بوزنه وتقديره إذ هو يسمي الفقير سافلاً وطيب القلب مغفلاً وطاهر السريرة بليداً والحليم عاجزاً.
وإنك لترى في مقالته أين الفضيلة روح اليأس مجسمة وما يتخيله أو يفكر به هو قد مر بخاطر كثيرين من أدباء المشارقة والمغاربة وكثيراً ما أجهد الكاتب من هؤلاء نفسه ليضع قصة يأتي بها على شرور العالم ومفاسده وكنت كلما مررت بسطر من سطوره تصب اللعنات على هذه الحياة التي تراها مثل الشقاء وتتمثل آنئذ بقول الشاعر العربي الحكيم:
إنما نحن بين ظفر ونابٍ ... من خطوب أسودهن ضراء
نتمنى وفي المنى قصر العمر ... فنغدو بما نسر نساء
стр. 3469
صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتدي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء
من فساد يحويه للعالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء
قاتل الله لذة لأذانا ... نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فإيجادنا علينا بلاء_الخ. . .
يدلك على هذا أيضاً ما تقرأه له أيضاً في مقالة الشعر البيضاء ويعني بها شعرة المشيب التي رآها تلوح في فوده فخاطبها مؤنباً إياها بأنها تدني له الموت وبالغ في تأنيبها وتعنيفها، وأغرق في عتبها ولومها ثم رجع بعد ذلك لنفسه وكأنه ندم على ما فرط منه بجنبها وأخذ يخاطبها قائلاً: ما الذي يحمله في صدرك لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة فيجزع لمرارة الممات ولم يستنشق نسمات السعادة غضاً رطباً فيأسى عليها عوداً يابساً.
ما الذي ينقمه عليك من الشؤون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لمحات قليلة يكدرها ما يحيط بها من الهموم والأكدار كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة.
أليس كل ما أعده إليك من الذنوب أنك طليعة الموت الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر صديقه وأخ يخون أخاه وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته وفقير يقترح على الدهر حتى بلغة الموت فلا يظفر بأمنيته وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته ونفوس تتفانى قتلاً على لون حائل، وظل زائل، وغرض سافل، وعيش باطل وعقول تتهالك وجداً على نار تحرقها، وأنياب تمزقها وعيون حائرة في رؤوس طائرة تنظر ولا ترى شيئاً مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها.
هكذا رأينا المنفلوطي يرمي هذا العالم بنظرات كلها شؤم كما هو شأن جماعة المتشائمين في عامة شؤونهم وأطوارهم وأحوالهم. ولولا أنه لا يقول إلا ما يعتقده ولا يعتقد إلا ما
стр. 3470
يسمع صداه من جوانب نفسه لقلنا أنها خاطرات شاعر وجدت لها من سماء مخيلته مطلقاً ثم ما لبثت أن أدركها الغروب. أم وأن هذا الكلام هو صورة من صور نفسه فلا جرم أنها حالة نفسية كثيراً ما تعرو من يميلون إلى التجرد عن المادة ويرون في سكوت الموت وظلمته حياة مفعمة بالحركة والنور والرغد والسرور.
دمشق:
صلاح الدين القاسمي.
стр. 3471
إلى العرب
يا معشر العرب الكرام تحية ... شغف النسيم بها فبات عليلا
رقت فلولا الشعر يحيا ذوبها ... وجدت لها بين السطور مسيلا
من شاعر لولا هواه يقومه ... ما كان برضى اليراع خليلا
باتوا يلوموني وبات القلب عن ... لوم الوشاة بحبهم مشغولا
زادوا ولوعاً بالملام وأسرفوا ... فيه فزدت ثغورهم تقبيلا
حلت الثغور بذكر من أحببتهم ... فرشفت من برد اللمى معسولا
إني لأهفو إن أردت حديثهم ... حتى أنك قد أدرت شمولا
ماذا علي إذا عددت هواهم ... ديناً وغيري عده تضليلا
والناس مختلفون في أهوائهم ... متباينون مشارباً وميولاً
ولرب محسوس ترى آثارهم ... ليس على كل النفوس شكولا
سجع الحمائم يستفز أخو الهوى ... طرباً ويحسبه الحزين عويلا
* * *
قومي وأنتم خير من فوق الثرى ... واجلهم يوم الفخار أصولا
ردوا على الشرق القديم شبابه ... فالأمر بات لعزمكم موكولا
شخصت لواحظه إليكم يبتغي ... نيل الرجاء فحققوا المأمولا
وانضوا العزائم للرقي وحسبكم ... يوم الطلاب تواكلاً وخمولا
لا تيأسوا فاليأس كم جرَّ الردى ... وغدا على صغر النفوس دليلا
وأخو العلى من لا يزال طلابه ... أبداً بأسباب الرجى موصولا
فالروض يزهو بالنضارة بعدما ... نهكته عادية الهجير ذبولا
وإذا المنى امتنعت وعز منالها ... كان الثبات بنيلهن كفيلا
* * *
فامشوا إلى كبد العلاء بهمة ... تذر الجبال الشامخات سهولا
وتقحموا الغمرات واصطبروا لها ... فالمرء أن يجبن يعش مرذولا
المجد مطلبه الشديد فأخلقوا ... عزماً يذلل صعبه تذليلاً
* * *
стр. 3472
واستشهدوا التاريخ أصدق منبئ ... بالغابرات من العصور الأولى
أيام تبتدر الجياد شوازباً ... يضربن عرضاً في البلاد وطولا
يحملن أبطال الجزيرة طلعاً ... كالأسد أبرحها الحفاظ الغيلا
من كان أروع مثلما تهوى العلا ... كالسيف عضب الشفرتين صقيلا
تلقاه يؤثر إن يموت مكرماً ... عن أن يمتع بالحياة ذليلاً
فتحوا البلاد وغادرت أسيافهم ... في كل أرض ونة وصليلاً
بيض إذا انتضيت ليوم كريهة ... وردت ظباهن الدم المطولا
كتبوا بها في الدهر آية سؤدد ... لا تقبل التحريف والتأويلا
* * *
ذودوا عن اللغة التي وردت بها ... آي الكتاب ونزلت تنزيلا
هي روح نهضتكم ومعقد مجدكم ... فتعدوهما بكرة وأصيلا
وحياتكم يا قوم احتفظوا بها ... أو ترتضون عن الحياة بديلاً
* * *
لا تحسبوا الدستور يسعدكم إذا ... لم تسلكوه للرقي سبيلاً
وإذا الصبح بدا ولم نجف الكرى ... لم يجدنا فلق الصباح فتيلا
فاسترشدوا بالعلم وانصرفوا له ... وتدارسوا المعقول والمنقولا
وابنوا المدارس في البلاد كأنها ... زهر تزيج من الظلام سدولا
وهي الكفيلة حين يعمر ربعها ... إنا ننال من الزمان السولا
تكاتفوا في السعي لا تتخاذلوا ... فيبيت ممردة الصروح طلولا
وتعهدوا الأخلاق فهي إذا التوت ... تركت ممردة الصروح طلولا
ما كان تحرير الرقاب بنافع ... إن لم نحرر أنفساً وعقولاً
دمشق: جرجي الحداد.
стр. 3473
الكتابة والكتب ودورها
أفرأيتم المصريين الأقدمين وقد تركوا لنا كتبهم منقوشة على صفحات الجبال وفي بطون المغارات وعلى أحجار البرابي والأهرام والمسلات؟
أم هل أتاكم حديث الآشوريين؟ فقد اكتشف النقابون في هذه الأيام مصافحهم مرقومة على اللبن، وهو الطوب المشوي أو المطبوخ. وذلك لأن أرض ما بين النهرين مكونة من طمي جبلة والفرات وليس فيها جبل ولا حجر. ولكن ذلك لم يقف عثرة في سبيل الغرام بالكتب. فصاروا يرقمون بالمسمار على الطين وهو نيئ ثم يطبخونه في النار، استباقاً لكتابتهم على مر الأدهار والأعصار.
ثم انتشر هذا الغرام في مصر وعم ومط، فاحتاج القوم لزيادة الكتابة، وأسوا بما في النقش على الأحجار من صعوبة، فعادوا إلى الطبيعة، وهي الهادي الأكبر إلى البشر، أخذوا البردي وعالجوه بما جعله صالحاً للكتابة، وها هي آثاره في دار العاديات المصرية بقصر النيل في القاهرة، وأكثرها في متاحف أوربا، وأما الصين والهند، فقد كفتهم دودة القز هذه المئونة، في القيام بما يدعون إليه الولوع بالكتب والكتابة، وإذا نظرت إلى بني الأصفر وأعني بهم اليونان والرومان تجدهم قد استعانوا بالحيوان، فعالجوا الجلود وصنعوا منه ما نسميه بالرقوق.
وأول من استنبط ذلك الأغارقة من أهل فرغانة، وهي مدينة بآسيا الصغرى تسمى عندهم برجامة فصار اسمها على اسم هذا المصنوع من الرقوق، ولا يزال باقياً عند جميع الإفرنج إلى الآن، فإن أهل إيطاليا يسمون الرق (بفتح الراء) بزجامينو أي الفرغاني لأن العرب تقلب الباء الفارسية إلى فاء لقرب المخرج كما قالوا في أفلاطون وهكذا. وأما الاسم العربي فهو مأخوذ من ترقيق الجلد بعد دبغه.
أما العرب فبلادهم جرداء قحلاء فلم ينقشوا على الأحجار، ولم يطبخوا الطين على النار، ولم يهتدوا إلى صناعة الترقيق. ولكن ذلك لم يكن حائلاً دون غرامهم بالكتابة والكتب. فكانوا قبل الإسلام في عصر النبوة يكتبون على عسيب النخل أي قحوف الجريدة لكثرة هذه الشجرة المباركة في بلادهم. ويكتبون على ألواح العظام (وكثرتها ناشئة عن ذبح الأضاحي) ويكتبون على نوع من الأشجار المصقولة التي يلتقطونها من فيافيهم وبواديهم.
ونقف بالكلام على العرب دون سواهم من الأمم الأخرى. فإنهم ما لبثوا في خلافة الصديق
стр. 3474
ومن جاء بعده من الخلفاء، أن انتشروا في الأرض فأخذوا على جعلها أسليب الحضارة. ثم احتاجوا إلى التبسط في الكتابة، لاتساع الملك واستبحار العمران فكتبوا في العراق على الحرير وسموه بالمهراق. وكتبوا في مصر على البردي ولا تزال آثاره باقية في أوربا وبعضها في القاهرة في دار الكتب الخديوية. وكانوا يكتبون على هذا البردي باللغة العربية وحدها تارة، ومصحوبة بالترجمة الرومية أو القبطية تارة أخرى. ولا تزال هذه سنة مطردة في ديارنا، أعني بها سنة الاحتياج إلى لغتين مثال ذلك: الأحجار وأوراق البردي في عهد اليونان، نراها مكتوبة بلغتهم وباللسان المصري القديم، وفي عهد الرومان حل اللسان اللاتيني محل اليوناني. حتى جاء العرب فكان من شأنهم ما ذكرنا. ثم انقضت مدة طويلة من أيام المأمون إلى آخر الدولة الأيوبية استقل فيها اللسان العربي. حتى جاءت دولتا المماليك البحرية والجركسية فاندمجت في اللغة العربية بعض ألفاظ واصطلاحات دخيلة من التركية. ثم جاءت دولة العثمانيين فكانت السيادة في مصر للمماليك الأتراك حينئذ طما بحر اللغة التركية وصارت تزاحم لغة البلاد. واستمر الحال على ذلك بعد جلوس الفرد الفذ الأعظم محمد علي نابغة العصر الجديد إلى أيام سعيد وبعد ذلك بدأت الفرنساوية تحل قليلاً محل التركية. وها هي الآن تتأخر في الميدان أمام الإنكليزية. والحق يقال أن لغة البلاد أخذت في الانتعاش كثيراً بفضل خديوينا المحبوب عباس الثاني وبفضل حكومته الرشيدة السعيدة. وبفضل المحاكم والجرائد سترون عما قليل حسنة جليلة من أكبر محاسن الحكومة الحاضرة يرفع بها منار هذا اللسان وتتجدد معها آداب العرب وعلومهم.
نرجع إلى الكتابة والكتب ونقول أن العرب ما عتموا أن استخدموا الجلود بعد ترقيقها وكان من مزاياها عندهم أنهم كانوا يغسلونها ويجددون الكتابة عليها. فرأوا أن ذلك إن كان صالحاً في بعض المعاملات الوقتية ففيه ضرر كبير على العلم كما رأوا من جهة أخرى أن الحرير يدعو إلى مئونة كبيرة مع أن الحاجة ماسة إلى الإكثار منه ومن الرق بل رأوا في أيام هارون الرشيد أنهم مقلدين لغيرهم من الأمم وإن ما وصلوا إليه من الحضارة والرجحان يوجب عليهم الأخذ بأسباب الاختراع والاستنباط. فكانوا أول من اصطنع الورق على هذا الشكل الباقي إلى أيامنا هذه وحسبهم ذلك فخاراً. وقد سموه بالكاغد ثم بالقرطاس ثم شاع اسم الورق وانتشرت معامل الورق من الخرقة أي من الكهنة في سمرقند وبغداد
стр. 3475
والقاهرة ودمياط ثم انتقل إلى بلاد الغرب فكان لهذه الصناعة شأن كبير في بلاد الأندلس واشتهرت مدينة شاطبة بمعاملها ومصانعها التي فاقت في الجودة والإحسان والإتقان واربت على ما بلغه أهل المشرق من هذا الباب ومن شاطبة كان الكاغد يحمل إلى سائر بلاد الأندلس. ومن هناك انتقل إلى أفرنجة (فرنسا) ثم إلى بقية ديار أوربا وقد ابلغه القوم في هذه الأيام إلى نهايات ما يخطر بالأحلام وأتوا في ذلك بالعجب العجاب حتى صاروا يصنعونه من الأخشاب وانعدمت هذه الصناعة من ديار المشرق كلها فصار عالة على غيره فيها وفي غيرها.
حينئذ توفرت عند العرب الأسباب المادية والعقلية فأبدعوا في التصنيف وأغربوا في التأليف وتهافتوا على جمع الكتب وتطلبها وتساوى في ذلك السلطان والسوقة والخاصة والعامة والرجال والنساء وجميع الطبقات حتى كثرت دور الكتب في القاهرة وأمهات المدائن المصرية بدرجة لا تتصورها الآن لأن بلادنا أصبحت خلواً منها بالمرة لولا تلك الصمامة القليلة الباقية في دار الكتب الخديوية وفي الأزهر الشريف تتلوها المكتبة الحديثة التي أنشأتها البلدية في الإسكندرية. أما البيوتات فقد أصبح عددها أقل من أصابع اليد الواحدة وأولها بيت السادات يتلوها بيت البكري فبيت المرحوم رفعة وعبد الله فكري. وأما الأفراد فقد قلب النظر فلم أر غير المرحوم لطيف باشا سليم وبعده الفاضل أحمد بك تيمور.
وقد أردت أن أجري على هذا المنوال وإن كانت خطواتي صغيرة ويدي قصيرة ولكني خشيت أن تذهب مجموعتي من بعد للعطار والزيات والبقال أو تتفرق شذر مذر كما حصل للمجموعة النفيسة التي كانت تزدان بها دار المرحوم علي مبارك باشا في حياته. لذلك جعلتها من الآن خاصة بالأمة ولا أزال دائباً إلى آخر ساعة من حياتي على توسيع نطاقها والزيادة فيها.
إذا رجعنا ببصرنا إلى التاريخ رأيناه يحدثنا عن دور الكتب في القاهرة فتأخذنا لوعة لمجرد هذا الوصف وتبكي على ذهاب العين والأثر.
فدور الكتب التي أسسها الفواطم يحدثنا المقريزي عنها بما يثير الأشجان ويستمطر الدموع من الآماق. فقد كان في قصر الخلافة وحده أربعون خزانة كانت فيها النوادر والذخائر فأخذ معظمها بعض الموظفين وبعض الأجناد الأتراك بدل مرتباتهم في أيام الشدة التي وقعت
стр. 3476
للخليفة المستنصر.
وقد نهبت عرب لواتة شيئاً فشيئاً منها أغرب المقريزي في وصفه ثم قال: إن عبيدهم وإماءهم أخذوا جلوها برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم وأحرقوا ورقها تاولاً منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره وإن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق سفت عليه الرياح التراب فصار تلالاً باقية إلى اليوم بناحية آثار تعرف بتلال الكتب.
هذا عدا خزائن القصر الداخلة التي لا يتوصل إليها أحد وعدا خزائن دار العلم بالقاهرةوهي مماثلة لما نسميه اليوم أكاديميا أو كما يقول صاحب كشف الظنون وابن أبي أصيبعة قبله: (أقاذيميا) وسوى خزانة المارستان العتيق وقد بقيت إلى أن بيعت في أيم صلاح الدين فاشترى القاضي الفاضل وحده منها مائة ألف كتاب مجلد وأودعها في المدرسة التي أنشأها بالقاهرة. وفضل القاضي الفاضل ومكانته في الدولة الأيوبية يدلان على أنه اختار أفضل الكتب وأحسنها ولكنها ذهبت بها الأيام أيضاً فإن الغلاء لما وقع بأرض مصر سنة ٦٩٤ صار طلبة هذه المدارس يبيعون كل مجلد برغيف من الخبز. وبقيت منها بقية تداولتها أيدي الفقهاء بالعارية وكان فيها مصحف اشتراه القاضي الفاضل بنيف وثلاثين ألف دينار على أنه مصف الخليفة عثمان وكان في خزانة مفردة له غربي المحراب. وهذا القاضي الفاضل كان يقتني الكتب ومن كل فن ويجتلبها من كل جهة وله نساخ لا يفترون ومجلدون لا يبطلون. وقد بلغ مجموع كتبه قبل موته بعشرين سنة ١٢٤٠٠٠ مجلد طلب ابنه مرة أن يقرأ ديوان الحماسة وتوسل إلى ذلك ببعض المقربين لديه فأمر القاضي الفاضل فأحضر له خازنه ٣٥ نسخة فصار ينفضها واحدةً واحدة ويقول هذا بخط فلان وهذه بخط فلان حتى أتى على الجميع ثم قال: ليس عندي ما يصلح للصبيان وأمر بشراء نسخة بدينار لولده وقد أحضرت مجموعة رسائله في جملة ما أحضرته من الكتب.
وقد بقي بعض الكتب من آثار الفاطميين في مصر وزاد عليها المماليك وجعلوا لها خزانة عمومية ولكنها احترقت في سنة ٦٩١ فتلف بها من الكتب الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم شيءٌ كثير جداً كان من ذخائر الملوك. والذي نجا من النار انتهبه الغلمان وباعوه
стр. 3477
بأبخس الأثمان فظفر الناس منها بصحائف محرقة فيها نفائس غريب.
ولم تكن هذه المدرسة الوحيدة في القاهرة فقد كانت خزائن الكتب في المساجد والجوامع والمدارس فضلاً عن القصور والمنازل. وحسبي الإشارة إلى بعض المدارس التي امتازت بجمع الكتب النادرة فمنها المدرسة التي أنشأها بمصر القديمة في سنة ٦٥٤ الوزير الصاحب بهاء الدين علي محمد بن سليم بن حنا (بكسر الحاء المهملة وتشديد النون المفتوحة كما ضبط الثقات من المؤرخين) فقد كانت فيها خزانة جليلة من الكتب النادرة ثم نقلها فبقيت عنده حتى مات فتفرقت بين الناس وكذلك الملك الظاهر بيبرس البندقداري جعل في مدرسته الظاهرية خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب في عامة العلوم.
فلما تولى السلطان قلاوون جعل في قبته البديعة خزانة الكتب في جميع أنواع العلوم ولكن معظمها تفرق في أيدي الناس واقتدى به ابنه محمد فأنشأ خزانة كتب في مدرسته التي شادها بجوار هذه القبة في الجهة المعروفة الآن بالنحاسين.
وأما أسماء الأمراء والأفراد فهي كثيرة جداً مثل الأمير متكوتمر سيف الدين الحسامي والحاج سيف الدين آل ملك والأمير سيف الدين الجاي والطواشي سابق الدين مثقال والطواشي سعد الدين بشير الحمدار. وأهم الكل الأمير جمال الدين الأستادار.
ولا أنتقل من هذا الموضوع قبل أن أذكر لكم أن نساء مصر كانت لهن مشاركة في هذه المأثرة وحصة كبيرة في الغرام بالكتب وأكتفي الآن باسم الست عاشوراء بنت ساروج الأسدي وكانت عائشة في أيام صلاح الدين والست الجليلة الكبرى عصمة الدين مؤنسة خاتون بنت الملك العادل الأيوبي وكانت من فضليات أهل العلم واشتهرت بالبراعة والفصاحة وفنون الأدب والسيدة الجليلة الكبرى خوندتتر الحجازية بنت السلطان الناصر محمد بن قلاوون والست بركة أم السلطان الملك الأشرف شعبان والست أيديكين زوجة الأمير سيف الدين بكجا الناصري.
وقد بدد الزمن آثار تلكم السيدات الكريمات فلم أقف على كتاب من تلك الخزائن الكثيرة وغاية الأمر أن في دار الكتب الأهلية بباريس تحت نمرة ٢٧٥١ كتاباً في علم تعبير الرؤيا وهو مرتب على حروف الهجاء بشكل معجم ومكتوب وفي سنة ٨٣٣ هجرية برسم خزانة أميرة من أميرات مصر (إحدى البرنسات) وهي بنت السلطان الملك الظاهر جقمق.
стр. 3478
كان هذا الغرام عاماً في مصر وفي جميع بلاد المشرق. وخصوصاً في الممالك الخاضعة لصولجان صاحب التاج في القاهرة. التي كانت عاصمة للإمبراطورية المصرية. والشواهد كثيرة على هذا الولوع وحسبي أن أذكر لكم اسماً واحداً من باب التدليل. وهو أبو الفدا سلطان حماة وصاحب التاريخ المشهور بالمختصر في أخبار البشر وصاحب الجغرافيا المسماة بتقويم البلدان الذي طبع وترجم في باريس قد مع في خزانته من الكتب ما لا يزيد عليه في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة.
ولو أردت أن أستقصي ما أعرفه عن الكتب وغرام المولعين بها أيام كانت الحضارة الإسلامية زاهية زاهرة لطال المقام ولم تكفني الأيام تتلوها الأيام.
وقبل الختام أذكر لكم قضية وقعت بمصر وهي من أغرب ما سطرته سجلات القضاء.
وقفت على كتاب اسمه كنز الدرر وجامع العبر لأبي بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادار وهو في تسعة أجزاء ثلثاها بمكتبة آيا صوفيا والثلث الباقي بمكتبة طوب قبو بالقسطنطينية وهو في تاريخ مصر وفيه تفصيل غريب وبيان واف لا نراه في التواريخ التي وقعت إلينا. وليس هذا محل الشرح عن هذا السفر الجامع النافع. وقد كان هذا الكتاب موقوفاً على إحدى المدارس بالقاهرة فاغتصبه بعض الأكابر وأوقفه على مدرسته وقفاً صحيحاً شرعياً مرعياً فأقيمت عليه قضية بمجلس الحكم وحصلت المرافعة والمدافعة ثم اصدر القضاة حكمهم ببطلان الوقف الثاني وإعادة الكتاب إلى مقره الأول باسم واقفه الأول. وقد قضت الأيام ببطلان هذين الوقفين وبانقسام الكتاب إلى شطرين وفي خزانتين ولكن في غير مصر.
إن العرب في اجتماع أهل الفضل في دور الكتب كانوا مقلدين لليونانيين في أثينة وللرومانيين في رومية وكل منهما قد نهج على سنة أجدادنا المصريين.
أول من مدح الكتب على ما أنبأ به التاريخ الصحيح هو أول من أسس لها داراً خصوصية بديار مصر وجعل منفعتها عمومية.
أنا لا أجاري بعض الغلاة من العرب ومن أربى عليهم من المتهوسين الألمانيين الذين قالوا بوجود دور الكتب قبل حدوث الطوفان وأخذوا يتصيدون الأقاويل من هنا ومن هناك
стр. 3479
ويقيمون الدلائل على غي طائل محتجين على ذلك بتعليم آدم الأسماء وبالأعمدة التي نقشها شيث وبالصحف التي نزلت على إدريس ويكفينا أن نقنع بما هو وراء ذلك وهو قديم بل قدموس حتى لا نخوض بحور الخيال ونهيم في أودية الأوهام. حسبنا أن نرجع إلى ما هو قبل اليوم بأكثر من ٣٢٠٠ سنة فهنالك نصل إلى التاريخ الثابت المنقوش على الأحجار وهو مما لا جدال فيه ولا مراء. فتلك الأطلال الماثلة إلى الآن في صعيد مصر تنطق بلسان هيروغليفي مبين وتقول أن أوسيماندياس فرعون مصر الذي سماه اليونان سيزوستريس ورمسيس الثاني هو أول من أسس دار الكتب في مدينة طيبة بالصعيد وهو أول من مدح الكتب بعبارة وصلت إلينا. وذلك أنه نقش على باب تلك الدار كلمتين اثنتين جعلهما رمزاً عليها وتلخيصاً لكل ما فيها وهما:
(شفاء الأرواح).
ولعمري أن هاتين الكلمتين هما أبلغ من كل ما جادت به القرائح بعده في شرق البلاد وغربها وما هو مأثور عن عجم الأمم وعربها.
وعن المصريين اقتبس اليونان علومهم ومعارفهم ونظامهم ولكنهم لما جاء الدور لهم لم يتيسر لهم إنشاء مكتبة عمومية إلا بعد الفرعون المصري بربوات من السنين لا تقل عن الخمسة قرون وذلك أن طاغية بيسترات هو أول من أحدث بمدينة أثينس (أي أثينا) داراً من هذا القبيل لاستفادة الخاص والعام وكان ذلك قبل القرن السادس للميلاد وجمع فيها أشعار أوميروس بعد أن تلقفها من أفواه الرواة كما كان شأن العرب من بعده باثني عشر قرناً في أيام بني أمية وبني العباس. وما لبثت هذه الدور أن انتشرت بأرض اليونان كما يشهد بذلك بيت قال شاعرهم ارسطوفان:
وفي يد كل إنسان كتاب ... يلقنه أفانين العلوم
وتولع اليونان بجمع الكتب والحث عليها لدرجة لا تكاد تكون محمودة: دخل حاكم إلى مدرسة النحو بأثينا فطلب من الأستاذ نسخة من ديوان أوميروس. فأعلمه المعلم بعدم وجودها فما كان من الحاكم في هذا الإهمال إلا أن صفعه وخرج.
ثم تهوس القوم بجمع الكتب من غير استفادة أو إفادة حتى رأى أديبهم لوسيان الشميشاطي أن يكتب رسالة بليغة في هجو رجل جمع من الكتب طائفة وفيرة لمجرد الاشتهار بأنه
стр. 3480
جماع للكتب. قال ذلك الأديب يخاطب ذلك المذموم بما ترجمته:
في وسعك أن تعير الكتب لغيرك فتكسب أجراً وفيراً ولكن ليس في طاقتك أن تستفيد منها فتيلاً ولا قمطيراً. على أنك ما أعرت منها أحداً شيئاً مذكوراً فكان مثلك كالكلاب التي تنام في إسطبل الدواب فهي لا تقدر على أكل ما فيه من الشعير ولكنها تمنع منها الخيال وهي قديرة على الانتفاع بأكله.
ولو تأخر هذا الأديب المجيد لخر ساجداً إذا سمع قول الكتاب المجيد مثلهم كالحمار يحمل أسفاراً فانظروا يرعاكم الله إلى حسن الديباجة وإلى هاتيك الإجادة: وأما قول لوسيان فما أشبهه بقول الجاحظ ولكن في ذم الخصيان ولا ازيد على هذا البيان بغير الإشارة عليكم بمراجعة كتاب الحيوان وإليكم مثالاً مما قاله العرب في ذم من يجمع الكتب وهو لا يدري بما فيها:
زوامل للأخبار لا علم عندهم ... بحيد إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأحماله أو راح ما في الغرائر
فلما جاء دور الرومان أنشأ الإمبراطور يوليان المنبوز بالمرتد وفي كتب العرب بالمارق دار كتب في القسطنطينية وأراد أن يتشبه بفرعون مصر ولكنه لم يبلغ شأوه فكتب على بابها هذه العبارة:
لبعض الناس صبابة بالخيل ولبعضهم ولع بالطير ولآخرين غرام بالوحش وأما أنا فقد تدلهت منذ نعومة أظفاري بشراء الكتب واقتنائها.
ومما امتازت به مدينة القسطنطينية أنها في ايم النصراني حفت في كنائسها علوم الأقدمين حتى جاء العرب فاستفادوا منها ونشروها من قبورها وكان لهم بهذه الوسيلة القدح المعلى في ترقية الحضارة وبني الإنسان وكذلك امتازت في أيام الإسلام بحفظ ما جادت به قرائح العرب الكرام في مساجدها وما علينا سوى اقتفاء أثرهم وإتباع سنتهم. وقد فتحت لكم الباب وحسبي ذلك فخراً.
جاء العرب في أيام العباسيين فانتهت إليهم كلمة عن سقراط فكانت محركة لعزائمهم وجعلتهم أئمة العلم وقادة الأفكار.
قيل لهذا الفيلسوف: أما تخشى على عينيك من إدامة النظر في الكتب فقال: إذا سلمت
стр. 3481
البصير لم أحفل بسقام البصر.
وفي هذا المقام لا يصح إغفال ذكر المأمون فهو أول من أسس دار كتب عامة في الإسلام وسماها بيت الحكمة كما أنه أول من أسس مجمعاً للعلوم (أقاذيميا) وسماه دار العلم. هذا فضلاً عن خزانة كتبه الخصوصية التي يروي لنا عنها ابن النديم كل معجب ومطرب.
كان بمدينة الإسكندرية حاكم يسمى خليل ابن شاهين الظاهري اشتهر بتأليفين أحدهما في عالم اليقظة والآخر في عالم المنام فأما الأول فهو كتاب زبدة كشف الممالك في بيان الطرق والمسالك ثم اختصره وسماه زبدة كشف الممالك وهو كتاب مفيد في وصف بلادنا وأعمالها ودواوينها ووظائفها ونظاماتها وغير ذلك من محاسن هذه المملكة مع سرد أبيات مما نظمه بعض ملوكها وسلاطينها إلى غير ذلك من النوادر والفوائد ولا حاجة لي بأن أقول لكم أنه لا يوجد من هذا الأثر النفيس ولا نسخة واحدة مخطوطة بديار مصر كلها وهي وطنه ووطن مؤلفه بل هي موضوعه ومدار بحثه.
أما لكتاب الثاني فقد سماه الإشارات في عالم العبارات والعبارة هي تعبير الرؤيا وتفسير الأحلام واسم العلم بالفرنسوية مأخوذ عن اليونانية.
قال صاحب كشف الظنون: إن كانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيءٍ من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها وبالطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجة الناس طراً إليها. وذلك منهم صوناً لقواعد الإسلام وعقائد أهله عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والأحكام وأقول أن الشارع هو الذي دعاهم إلى تقييد العلم على إطلاقه فقد جاء في الحديث الشريف:
العلم صيد والكتبة قيد. قيدوا رحمكم الله علومكم بالكتابة.
أخذ الشاعر قول الشارع فصاغه في بيت سائر ونظم بارع:
العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الواثقة
ثم مدحوا الكتب كما مدحها فرعون مصر وقياصرة الروم من قبلهم فقال العتابي وهو من أجلاء عصر الأمين والمأمون:
لنا ندماء لا نمل حديثهم ... أمينون مأمونون غيباً ومشهداً
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأياً وتأديباً وأمراً مسددا
стр. 3482
بلا علة تخشى ولا خوف ريبة ... ولا نتقي منهم بناناً ولا يداً
فإن قلت هم أحياء لست بكاذب ... وإن قلت هم موتى فلست مفندا
ومدحها ابن طباطبا العلوي:
لله أخوان أفادوا مفخراً ... فبوصلهم ووفائهم أتكثر
هم ناطقون بغير السنة ترى ... هم فاحصون عن السرائر تضمر
إن ابلغ من عرب ومن عجم معاً ... علماً مضى فيه الدفاتر تخبر
حتى كأني شاهد لزمانها ... ولقد مضت من دون ذلك أعصر
خطباء إن أبغ الخطابة يرتقوا ... كفي كفي للدفاتر منبر
كم قد بلوت بها الرجال وإنما ... عقل الفتى بكتاب علم يسبر
كم قد هزمت بها جليساً مبرماً ... لا يستطيع له كالهزيمة عسكر
وهو ينظر بقوله الأخير إلى جواب جالينوس فقد قيل له: لم كان الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل فقال لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب بالجوارح عليه.
وفي ذلك المعنى الذي أشار إليه ابن طباطبا وهو في مصر قول لمونتسكيو (ابن خلدون فرنسا) وهو في باريس قال ما ترجمته: ما حل بي جيش الهموم إلا بددته بساعة واحدة من القراءة.
ومدح الكتب للعرب كثيراً جداً اكتفى منه بكلمة واحدة منثورة: أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب إليه: هديتي هذه أعزك الله تزكو على الإنفاق وتربو على الكد. لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب. وهي أنس في الليل والنهار والسفر والحضرة وتصلح للدنيا والآخرة. وتؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة. مسامرة مطواع ونديم صديق.
وقال آخر: الكتب بساتين العلماء.
ولكن كل هذه الأقوال وما شابهها مما نرويه عن المتقدمين والمتأخرين لا تعادل الكلمتين اللتين قالهما فرعون مصر عن الكتب.
شفاء الأرواح.
ولقد قام رجل من مشاهير الإنكليز في أوائل القرن التاسع عشر وهو بلور لينون فأشار
стр. 3483
بمطالعة الكتب لإزالة أنواع لأمراض قال ما خلاصته: لقد اختلج في ضميري أن أنظم دور الكتب على نسق جديد مفيد فبدلاً من أن يكون مكتوباً على الخزائن والدواليب والرفوف هذه الكلمات. لغة. علوم طبيعية. فن التقريظ ونحو ذلك أشير باستبدال هذه الكلمات بأسماء الأمراض التي تنتاب الجسم والروح مما يمكن مداواته بالمؤلفات الموجودة فيها من داء النقطة إلى أخف النزلات فهذا النوع الأخير من الأسقام يصلح له قراءة الكتب الهزلية مع منقوع الشعير في قليل من اللبن الحليب فإذا غشي النفس هم من الهموم التي يمكن إزالتها مثل عدم تحقيق الأماني أو معاكسة الأخوان أو معاندة الزمان ففي هذه الحال يحسن بالمصاب أن يتلو تراجم العيان والأفراد فيتسلى بما أصابهم من البلايا ويزول مرضه بإذن الله. فإذا ما طم الهم وعم الغم فالروايات أنجع دواءٍ لهذا السقم. ولكن إذا حلت بالإنسان مصيبة فادحة وجب عليه أن يستغرق كل عقله ولبه وقلبه في عمل من الأعمال العقلية التي تجعله ينسى نفسه وما حل به من الأرزاءِ.
واستشهد المستنبط لهذا الطب الجديد الغريب بما حل بشاعر الألمان (جيته) فإنه حينما مات ولده تفرغ لدراسة علم جديد وقيل أنه أكمل فصول بعض رواياته البديعة فجاءت في نهاية البلاغة والإعجاز.
فانظروا إلى ما صنعه الإسكندر الأكبر عندما هزم دارا ملك الفرس فإنه ظفر في جملة الغنائم الملوكية بصندوق بديع الصنعة فقال للمقربين إليه: لأي شيءٍ يصلح هذا الصندوق؟ فأجاب كل منهم بما رآه. ولكن سيد الفاتحين لم يعجبه قولهم وقال إنما يليق هذا الصندوق لحفظ إلياذة أوميروس.
وفي أيام الإسلام ظفر الحجاج بن يوسف عامل بني مروان بصندوق عجيب من ذخائر الفرس فأمر بفتحه فوجد صندوقاً آخر ففتحوا فوجدوا صندوقاً آخر ثم رابعاً وخامساً وسادساً وسابعاً فقال الأمير: لعل فيه حماقة من حماقات الفرس. ففتحوا وإذا فيه بطاقة مكتوب عليها هذه العبارة: من مشط لحيته في كل يوم طالت: ونحن لم نخرج عن هذا الموضوع لأن هذه الوصية كانت مكتوبة على قطعة من الحرير وإنني أقلب الطرف يميناً وشمالاً فلا أجد من أوصيه بها ليخبرنا بصحتها بعد العمل بها.
ولا يخفى عليكم أن عرب الشرق هم الذين أحيوا علوم العرب ونشروها وها هم عجم
стр. 3484
الغرب يعملون على هذه السنة الآن في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا وهولاندة وإسبانيا والروسيا وسائر بلاد أوربا وأميركا ولا أمل لي إلا أن أرى أهل مصر يشاركونهم فهم أحق بتراث أجدادهم ولا يكون ذلك ولن يكون إلا بالعناية بالكتب.
هل أتاكم حديث فرنسا وناهيكم بها في العلم والحضارة والعرفان؟
إنها مدينة لمصر الإسلامية بدينين عظيمين في إنشاء دور الكتب العمومية.
أولهما يرجع إلى أيام الحروب الصليبية. فإن الملك القديس لويس وهو التاسع بهذا الاسم شن الغارة على مصر في أول دولة المماليك البحرية ثم عاد أدراجه مهزوماً ولكنه رجع ظافراً بفكرة حميدة ومأثرة جميلة. وهي أن اقتبس عن أجدادنا فكرة جمع الكتب بعضها مع بعض في دار واحدة وفتحها في وجه الجمهور لينتفع بها الخاصة والعامة.
اترك الكلام لكاتب سيرته وإمامه في صلواته فقد قال ما خلاصته:
إن الملك الورع التقي لويس وصل إلى سمعه وهو فيما وراء البحار أن سلطاناً من سلاطين الشرقيين يبذل عنايته في البحث عن الكتب المختلفة الأنواع وفي استنساخها على نفقته ثم يضعها في دار عمومية ليستفيد من مراجعتها علماء بلاده فإنه كان يجعل هذه المجاميع تحت تصرف جميع الطالبين. فأراد القديس لويس أن يتشبه بهذا السلطان وعزم على بذل المال بمجرد عودته إلى فرنسة لنسخ الأسفار النافعة وصحاح الكتب المقدس التي يتأنى له العثور عليها في الأديار ليتمكن هو ورعاياه العاكفون على علوم الأدب من درسها وحرثها للانتفاع بها وأفاد الجار والقريب بمعارفهم وقد أنجز هذا القصد فأمر بإعداد مكان لائق أمين في باريس جمع فيه كثيراً من تصانيف القديس أغسطينوس وأمبرواز وجيروم وغريغوار وبقية أئمة المذهب الأرثوذكسي. وكان يذهب في أوقات الفراغ للقراءة في هذا المكان ويسمح لغيره عن طيبة خاطر بمشاركته في مناجاة المؤلفين. وكان يؤثر استنساخ الكتب على شراء أصولها لأن ذلك في رأيه من شأنه أن يزيد في عدد الكتب المقدسة ويجعلها أكثر فائدة. وكان حينما يقرأ في تلك الكتب بمحضر من خدمه وحشمه الذين لا يفهمون اللاتينية يترجم لهم بالإفرنسية ما لا يدركونه من العبارات.
غير أنه في آخر عمره أصابه دخل في عقله فبدد شمل تلك المجموعة وأمر في وصيته بتوزيع الباقي على الأديار.
стр. 3485
وأما الدين الثاني الذي لنا على فرنسا فيرجع إلى عهد قريب منا وبيان ذلك أن القائد بونابرت عند هجمته على مصر في فجر القرن الماضي على التاريخ الميلادي نهب كثيراً من بقايا الكتب النفيسة التي كان أجدادنا أخفوها أو وجدوها بعد الفتح العثماني. وكل من ذهب إلى باريس واطلع على فهرس دار الكتب الأهلية فيها يأخذه العجب والعجاب إن لم تساوره الأشجان والأحزان. فلقد أصبحنا إذا احتجنا إلى شيء من مؤلفات المصريين الخاصة بمصر لا نرى منها شيئاً في بلادنا ولا بد لنا من الرحلة والتغرب لتطلبها في بلاد الغرب.
ولقد أدرك محمد علي ذلك عندما أراد أن يجدد العلم في ربوع مصر فأرسل نفراً من نابغي الأزهر الشريف فعادوا وأفادوا جدد الله عهدهم. ورافع رايتهم هو المرحوم رفاعة بك فطالما أنشأ وأنشد وصنف وألف وترجم وعرب وكلنا عيال عليه وعلى أولاده.
اعلموا أن للعرب والإسلام سراً عجيباً في تاريخ الحضارة والعمران. فالعرب أينما حلو انتشرت لغتهم قليلاً قليلا ثم سادت رويداً رويدا ثم انتهى أمرها بالانفراد والاستقلال. كذلك الإسلام أينما انتشرت رايته استهوى العقول والألباب. ولكن الغريب أن العجم هم الذين ينشرون علوم العرب ودين العرب حتى لقد قال الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك: عجبت لهذه الأعاجم ملكت الدهر فلم تحتج إلى العرب وملكت العرب فلم تستغن عنهم. وماذا كان يقول هذا الخليفة ودولته أموية عربية محضة: وماذا كان يقول لو عاش حتى رأى عصر العباسيين أو لو بعثت من قبره هذه الأيام ورأى حاجة العرب إلى الأعاجم في كل شيء من مرافق الحياة وحاجتهم إليهم حتى في إحياء آثارهم والتهافت على اقتناء مآثرهم.
ماذا كان يقول لو علم بالقصة الآتية؟
تعلمون أن التتار هم الذين خربوا دولة العرب ودكوا معالم الإسلام ومع ذلك فمن أغرب الغرائب وأعجب العجائب أنهم ما لبثوا أن دانوا بدين العرب المغلوبين وتشبهوا بملوكهم البائدين في إحياء العلوم وتوسيع نطاق العمران. سر من أسرار الطبيعة لا نراه إلا في شؤون العرب ومعارفهم. فبعد أن هلك هولاكو وبعد أن مارت الأرض تيمور فأدخلته في تامورها جاء أحفادهما فدخلوا في دين الله أفواجاً وأقوامهم وارتفع بهم مناره في بلاد آسيا
стр. 3486
الوسطى وفي بلاد الهند إلى أوائل الجيل الماضي ومن أشهرهم في العلم والعلماء الغ بك واسمه محمد بن شاهر روخ اعتنى هذا الرجل بعلم الفلك وألف فيه زيجاً باللغة الفارسية ترجمه إلى العربية بعض أفاضل المصريين والترجمة في خزينتي مصر وجمع هذا الرجل خزانة من الكتب النفيسة رأيت بعض بقاياها كتاب الصور السمائية لعبد الرحمن بن عمر بن محمد بن ابن سهل الصوفي ويسمى بأبي الحسين ويعرف بكتاب صور الكواكب وبكتاب الكواكب الثابتة وهو الذي أريد أن أحدثكم عنه في هذه الساعة.
هذا الكتاب لا أبالغ في فضله ولا اذكر شيئاً من محاسنه وإنما أقول لكم أن الروس عرفوا قدره فطبعوه في بلادهم ثم أوعزوا إلى أحد علما الفرنسيين فترجمه إلى اللغة الفرنسية وطبعوا هذه الترجمة أيضاً في بطرسبرج. وهذا الصنيع المزدوج يدلكم على فضل الكتاب وفائدته. وإذا بحثتم في ارض مصر من الشلالات إلى الأشاتيم ومن بادية العرب إلى صحراء لوبيا لا تجدون سوى الترجمة الفرنسية وسوى الترجمة الفارسية في دار الكتب الخديوية أما الأصل العربي فقد لبس طاقية الاختفاء وتطاير في الفضاء وهجر ديارنا وواصل غيرنا فيما وراء البحاتر ورحل عن أرض أهين بها إلى بلاد ظهرت قيمته بين أهلها بحيث أن العرب الذين صدر الكتاب بلغتهم إذا احتاجوا الآن لمراجعته وجب عليهم أن يتلقنوا إحدى الفرنسية أو الفارسية أو أن يذهبوا إلى بطرسبرج وأن استبعدوها فإلى باريس وهنالك تجدون منه خمس نسخ استغفر الله بل ستاً لأن السادسة هي التي سأتكلم عليها. ففي سنة ١٨٩١ عثر يوسف بك خلاط على نسخة ملوكية من هذا الكتاب مكتوبة على ورق الحرير بألوان مختلفة بالنسخ والثلث وقد بلغ الكتاب فيهما نهاية الإجادة والإتقان وازدانت بصور ملونة باهية زاهية يتدفق فيها الذهب واللازورد على أحسن شكل وأجمل مثال.
وفوق هذه المزايا التي تجعل للنسخة قيمة يتنافس فيها المتنافسون ويتعشقها العارفون فإنها حوت أثراً آخر يزيدها قيمة لأهل الدراية. ولكن أين هم في ديارنا. . . وذلك أنها مكتوبة برسم خزانة الملك العالم المؤلف (الغ بك) وعليها اسمه بخطه فصارت بذلك نادرة النوادر وذخيرة الذخائر.
عرضها يوسف بك على دار الكتب الخديوية فقومتها إني لأستحي من ذكر القيمة. . . .
стр. 3487
ولكن أقولها لكم لتعلموا مقدار تفريطنا. قومتها بخمسة عشر جنيهاً مصرياً. وظننت أن ذلك شيء كثير. وكيف لا وهذا المبلغ يساوي اللف ونصف الألف من القروش أو خمسة عشر ألف مليم: توجه صاحب الجوهرة إلى الغزي مختار باشا فزاده الربع. توجه إلى الإرسالية العلمية الفرنسية بالقاهرة القائمة الآن بجوار دار ناظر المعارف الحالي فضاعفت له الثمن أربع مرات ووعدته فوق هذه المساومة بوسام المجمع العلمي الفرنسي. فقبض الثمانين جنيهاً ولا أدري إذا كان أحرز النشان ولكنه اشترط أن يكتب اسمه ببنانه على تلك النسخة فقبل القوم شرطه وأرسل الكتاب إلى باريس تكميلاً لنصف الدستة وأصبحت نسخه ستة.
روى صاحب تاب الفهرست أن أبا زكريا يحيى بن عدي النصراني المتوفى ببغداد سنة ٣٦٤ قال أنه رأى في تركة إبراهيم بن عبد الله الناقل النصراني كتاب السماع الطبيعي كله لأرسطو مشروحاً بقلم الإسكندر الأفروديسي وعندي قطعة وافرة من (كتاب البرهان) وأنهما عرضا عليه بمائة دينار وعشرين ديناراً فمضى يحتال في الدنانير ثم عاد فأصاب القوم قد باعوا الشرحين في جملة الكتب على رجل خرساني (أعجمي من الفرس) بثلاثة آلاف دينار وكانت هذه الكتب مما يحمل في الكم.
قال القاضي الأكرم الوزير القفطي المصري بهذه المناسبة في كتابه المترجم بتراجم الحكماء المطبوع في ليبسك من أعمال ألمانيا ما نصه:
فانظر إلى همة الناس في تحصيل العلوم والاجتهاد في حفظها والله لو حضرت هذه الكتب المشار إليها في زمننا هذا وعرضت علي مدعي علمها ما أدوا فيها عشر معشار ما ذكر وما كان يقول لو سمع الحكاية التي رويتها لكم عن كتاب الصوفي. نعم إن الخرساني اشترى الكتب بثلاثين ضعفاً وأما الفرنسيين اشتروا كتاب الصوفي بأربعة أضعاف لأنهم لم يجدوا في مصر من يزاحمهم كما جرى في بغداد.
وأقول لكم أن يحيى بن عدي النصراني المذكور كان من أكابر المؤلفين والمترجمين ومحققي الفلاسفة وكان من المغرمين بجمع الكتب ونسخها بيده وكان أوحد دهره ومذهبه من مذاهب النصارى اليعقوبية. رآه ابن النديم في سوق الوراقين فعاتبه على كثرة نسخه فقال: من أي تعجب في هذا الوقت. من صبري؟ قد نسخت بخطي نسختين من التفسير للطبري وحملتهما إلى ملوك الأطراف وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يحصى ولعهدي
стр. 3488
بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة. .
ونحن نعلم أن النويري المصري صاحب كتاب نهاية الرب في فنون الأدب كان من يكتب في اليوم والليلة ثلاثة كراريس أي ستين ورقة. فلم يبلغ شأو هذا المتقدم مع أن جميع المؤرخين يعجبون بابن وطننا الذين سترون أثره الجامع لكل العلوم والمعارف في السنة المقبلة إن شاء الله.
كل هذه الأعمال وهي قطرة من بحر تدلكم على مقدار الغرام بالكتب وأنه إذا استولى على العقل فلا يجد المدنف العاشق لذة في شيء آخر. وهذا الغرام ليبس قاصراً على الشرق أو على الغرب بل هو داء مستحكم في نفوس الناس على اختلاف الأوطان والأديان والأجناس.
نرجع إلى ذكر السرفات في الكتب وأروي لكم حادثتين وقعت إحداهما لرجل من أفاضل الإسكندرية وكان للثانية شأن كبير بالجامع الأزهر في القاهرة.
فمن الرجال الذين يحق للإسكندرية أن تفتخر بأنها أنجبتهم أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري النحوي الجغرافي ألف كتاباً فيما اختلف وائتلف من أسماء البقاع وقد ضبطه وافنى في تحصيله وتحقيقه عمره فأحسن فيه كل الإحسان فجاء أبو بكر زين الدين محمد بن موسى الهمداني المشهور بالحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ فسطا عليه برمته وادعاه واستجهل الرواة فرواه نبه على ذلك ياقوت الحموي في صدر معجم البلدان بقوله: ولقد كنت عند وقوفي على كتابه أرفع قدره من علمه وأرى أن مرماه يقصر على سهمه إلى أن كشف الله من خبيئته وتمحض المحض عن زبدته أقول أنه رغماً عن التنبيه ما زال الكتاب مشهوراً باسم السارق فإن صاحب كشف الظنون لم يذكر غيره وسماه كتاب ما اتفق لفظه واختلف مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط. وعلى كل حال فالكتاب لم يصل إلينا.
وأما الحادثة الثانية فقد وقعت في القاهرة في ختام القرن التاسع للهجرة. وذلك أن الإمام شهاب الدين أبا العباس أحمد بن محمد القسطلاني المصري المتوفى سنة ٩٢٣ ألف في السيرة النبوية كتبه المشهور المتداول بيننا الآن وهو المواهب اللدنية بالمنح المحمدية فما راعه بعد أن فرغ تبييضه في سنة ٨٩٩ إلا وقد رفع جلال الدين السيوطي دعوى عليه
стр. 3489
أمام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري. وهاك بعض ما ورد في صحيفة الدعوى إنه يسرق من كتبه ويستمد منها وينسب النقل إلى نفسه طالبه شيخ الإسلام ببيان ما ادعاه. فقال أنه نثقل عن البيهقي وله عدة مؤلفات فليذكر أنه نقله عنه. ولكنه رأى ذلك في مؤلفاتي فنقله فكان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عنه.
ماذا كانت النتيجة؟ انظروا واعجبوا.
صدر الحكم على القسطلاني بالترضية اللازمة للسيوطي وإزالة ما في خاطره.
كيف كان التنفيذ؟
مشى القسطلاني من القاهرة إلى الروضة (جزيرة النيل) وكان السيوطي معتزلاً عن الناس بها فوصل إلى بابه ودقه فقيل له من أنت؟ فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافياً ليطيب خاطرك. قال له: قد طاب. ولم يفتح له.
فأين أين ذلك الزمان مما نحن فيه الآن؟ أفرأيتم لو رفع المجني عليهم قضاياهم من هذا القبيل على السارقين الذين فاقوا القسطلاني قولوا لي بربكم هل كانت تكفينا المحاكم الشرعية والبطريركية والأهلية ولمختلطة والقنصلية ولجنات النفي الإداري؟
لعمري أن تجار الأحذية كانوا يفلسون كلهم في يوم واحد لو اقتدى السراق بما فعله القسطلاني!! ولكن التبجح وانتهاك الحرمات وص في زماننا إلى درجة لا مزيد ليها خصوصاً وإن انتشار الطباعة ساعد على نمو هذا الطبع.
وتلك الصناعة قد كان لها أصل عند العرب في مصر والأندلس وإن كان الأثر الناطق بذلك قد ذهب من بلادنا ولكن الإفرنج حفظوه لنا أثابهم الله عنا خير الثواب ووقفنا إلى اقتفاء خطواتهم في النافع بدلاً من تهالكنا على تقاليدهم في كل ضار.
أخبرني الأستاذ الفاضل حقي بك ناصف أنه رأى خشبة محفوظة بمكتبة ويانا عاصمة النمسا في جملة ما ازدانت به من آثار العرب وثمرا عقولهم وهذه الخشبة منقوشة عليها بالتجويف كتابة عربية مقلوبة على الطريقة المألوفة في اصطناع الأختام وأنها كانت مستعملة لطبع الأوامر العسكرية وتوزيعها على الجنود كما هو الشأن في أيامنا هذه في الغازته العسكرية وذلك يستفاد من العبارة المنقوشة عليها وهذه الخشبة يرجع عهدها إلى الفواطم وربما نشر صورتها عن قريب بعض علماء المستشرقين فتكون برهاناً على تولد
стр. 3490
هذا الفن بديار مصر.
وأما الأندلس فقد ترقت إلى ما وراء هذه الخطوة الأولى فقد كان للأندلس في هذا الباب ثلاث خطوات.
الأولى أنهم قلدوا مصر في عهد الفواطم ولكن أثرهم لا زال باقياً في ديارهم وها أنا أطرفكم بصورة فتوغرافية منه كهدية للعهد السعيد وهي صورة الطابع الذي كان يستعمله أهل الأندلس في مدينة المرية عثروا عليه في أطلالها وخرائبها وهو مصنوع من الخشب والكتابة التي عليه تدل على أنه كان مستعملاً في قيسارية المرية ولفظة قيسارية تدل على السوق ولا تزال مستعملة بهذا المعنى في القاهرة وفي كثير من مدائن الشرق وأصلها مشتق من اسم قيصر كما أنه اسم موضوع للدلالة على مدائن كثيرة بآسيا الصغرى منسوبة إلى قيصر ورشك أن هذا الطابع كان مستعملاً بصفة الدمغة (التمغة) التي كانت مستعملة في مصر إلى عهد قريب لوضعها على الأقمشة الزعابيط في نظير تأدية الرسوم المطلوبة لخزينة الحكومة.
كذلك كان ذلك الطابع يوضع على الأقمشة والطرود التي يجب دفع الرسوم عليها قبل دخولها إلى السوق أي القيسارية في تلك المدينة مدينة المرية كما يستفاد من الكلمات المكتوبة فيه وهي: طابع قيسارية المرية عام خمسين وسبعمائة.
وأما الخطوة الثانية فهي أن الإشراف على دار الطباعة كان من خطط الدولة. بدلكم على ذلك النص العربي الذي نبه إليه العلامة جايانجوس الإسباني وهذا النص وارد في كتاب (الحلل السيرا) لابن البار الأندلسي المشهور وقدطبع العرمة دوزي الهولاندي قطعة وافرة من هذا الكتاب الثمين في مدينة ليدن من سنة ١٨٤٧ إلى ١٨٥١. وأنتم تعلمون أن الأبار هو الذي أرسله صاحب الأندلس ليستنجد بصاحب تونس. وهو ذلك الرسول الذي وقف بحضرة ملك تونس وأنشده تلك القصيدة الطنانة الرنانة التي تستفز الجبان ويلين لها قلب الجماد. قال في مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى مناجاتها درسا
وحل الشاهد أن ابن الأبار يقول في كتابه المذكور أن عبد الرحمن الناصر الخليفة الأكبر (ولى بدر بن أحمد الوزارة الحجابة والقيادة والخيل والبردوكان ينفرد (أي بدر) بالولايات
стр. 3491
فتكتب السجلات في داره ثم يبعثها للطابع فتطبع وتخرج إليه فتبعث العمال وينفذون على يديه. نعم إن هذا النص سقيم ويحتاج إلى تقويم ولا بد من مراجعة الأصل وتقويته بنصوص أخرى. وربما كان المراد وضع الطابع عليها. ولكن هذا الغرض بعيد لأن الطابع عل ما نفهم لا يصح وجوده بيد غير الوزير كما هو معهود في الدول الإسلامية حتى إلى الآن في الباب العالي. والأظهر أن ذلك يشير إلى إخراج نسخ متعددة من مطبعة حجرية لتبليغها إلى أهل الولايات ورؤوس الواحات.
أما الخطوة الثالثة النهائية فلنا عليها دليل مما أورد لساد الدين ابن الخطيب في كتابه المترجم بالإحاطة في أخبار غرناطة قال في ترجمة الشيخ أبي بكر القدسي ما نصه:
وألف كتاب الدرة المكنونة في محاسن أسبطبونة وألف تأليفاً حسناً في ترحيل الشمس ومتوسطات البحر ومعرفة الأوقات بالأقدام ونظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دويدار وأرجوزة في شرح كتاب الفصح ورفع الوزير الحكيم كتاباً في الخواص وصنعه الأمدة وآلة طبع الكتاب غريب في معناه).
هذه العبارة اكتشفها اثنان من علماء الإفرنج تمكنا منها بشرح طويل في جرنال آسيا سنة ١٨٥٢ فأنتم ترون فضل عجم أوربا في البحث والتنقيب عن مآثر العرب. نعم إنهما أرادا تصحيح العبارة العربية من حيث استقامة الكلام وتصورا أن فيها بعض الالتباس والإبهام. فأخذ أحدهما يصحح الجملة الأخيرة بما ليس له محل من الإعراب فقال (كتاب باقي خواس وصنعة آلة طبع الكتب كتاباً غريباً في معناه) ولا يصح لنا أن هزأ بهم بسبب هذا التصحيح العليل السقيم وما فاته من الأعراض أما الجوهر هو أنهما اكتشفا هذا البرهان الدال على أن هذه الصناعة وجدت في أيام العرب ولو من باب النظريات العلمية إذ لم تجد لها للآن أثراً علمياً محسوساً ومن المعلوم أن الأمدة (جمع مداد) تحتاج لتركيب مخصوص لكي تخرج منها نسخ متعددة فلذلك كان المؤلف الأندلسي بين صنعتها وبين طبع الكتاب. ولما كان هذا الاستنباط البديع الغريب لم يسبق له مثال بالأندلس رأى صاحب الإحاطة وجب التنبيه على فضل الكتاب فقال: غريب في معناه.
فأين أين ذلك الكتاب الذي ألفه القدسي ووصفه لسان الدين ابن الخطيب بأنه غريب في معناه.
стр. 3492
لاشك أنه ذهب طعمة للنار حيثما علت كلمة الإسبانيين وطردوا المسلمين من تلك الديار فإنهم كانوا كلما وقع لهم كتاب مكتوب بحروف عربية قالوا هذا قرآن وبادروا لطلب الغفران بإحراقه بالنيران وبهذه الكتابة أحرقوا تسعة أعشار ونصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع الكتب العربية فلم يدك يخلص إلينا منها واحد في الألف وكانوا يتهافتون بارتياح وتقوى إلى ارتكاب هذه الجريمة الكبرى وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً حتى أن أحد كرادلتهم أحرق في يوم واحد بمدينة غرناطة نحو ألفَ ألف كتاب. وكان هذا الصنيع بعمل الإيمان.
стр. 3493
جمهورية البرتقال .
من الانقلابات السياسية الخيرة مناداة الأحرار في مملكة البرتقال بالجمهورية والقضاء على الملكية فأصبحت هذه الجمهورية ثاني جمهورية في أوربا ومنذ سنين لم يبايع بجمهورية مهمة في ممالك الأرض إلا في برازيل فكأن هذه المملكة وكانت في القديم تحت حكم البرتقاليين بدأت بنزع الملكية فحبت أمها الأصلية أن لا تقصر عنها في المطالبة بالحرية.
فعم تغلب الأحرار أو الحزب الجمهوري على المحافظين بعد اضطرابات دامت سنين أدت إلى مقتل الملك كارلوس منذ نحو سنتين وعين ابنه عمانويل خلفاً له وها قد هاجر بلاده في الفتنة إلى جبل طارق مخافة أن تتناوله الأيدي بأذى كما تناولت من قبل أباه.
ولما كانت للبرتقال صلة قديمة بممالك الشرق الإسلامي وحكومات العرب وكان هذا الانقلاب من الانقلابات التي لها علاقة كبرى بالتاريخ والاجتماع رأينا أن نأتي بنبذة قليلة من أحوالها السياسية والطبيعية عسى أن تكون منها بعض فائدة فنقول:
البرتقال مملكة في الجنوب الغربي من أوربا يحدها من الجنوب والغرب البحر المحيط الأتلانتيكي أو بحر الظلمات ومن الشرق ومن الشمال مملكة إسبانيا ومنها ومن هذه المملكة تتألف شبه جزيرة أيبريا وتبلغ مساحتها السطحية ما عدا جزائر آمور ومادير ٨٨٩٥٤ كيلومتراً مربعاً وسكانها نحو ستة ملايين وعاصمتها لشبونة.
ولا تفصلها عن إسبانيا تخوم طبيعية كأكثر الممالك وفيها أنهار جارية وجبال عالية وأعلى قممها الجبل المسمى رياسكا يبلغ ارتفاعه ١٥٧٨ متراً وحرارة البلاد معتدلة تتجاوز في الصيف في مدينة قلمرية قويمبرا ٣١ درجة وأمطارها غزيرة في الشتاء قليلة في الصيف وأنهارها حسنة جارية في الجملة وأعظمها ما ينبع من أرض إسبانيا ومنها ما يجري في أرض البرتقال.
وأصول سكان هذه البلاد مزيج من عناصر وشعوب كثيرة فمنهم سلتيون وإيبيريون ولاتينيون وسويفيون وفزيغوتيون وكثير من المغاربة والإسرائيليين وبعض الزنوج ففي لشبونة والكراف تقرأ إلى الآنفي سحنات البرتقاليين السواد مما يستدل على كثرة من كانوا يحملون من الزنوج إلى لشبونة خلال القرن السادس عشر (١٠ إلى ١٢ ألف زنجي كل سنة) وكثير من أهل البرازيل. والدين الرسمي في البلاد الكثلكة أما سائر الأديان فالظاهر أنها حرة يتسامح مع أهلها.
стр. 3494
وتعد مملكة البرتقال من الممالك الدستورية وهي وراثية يتناوب الملك فيها ذكورها وإناثها وقد نشر دستورها الأول في سنة ١٨٢٦ ثم عدل سنة ١٨٥٢ والقوة التشريعية هي لمجلس الكورتس أو مجلس النواب والشيوخ والملك يصدق على ما يقرره ويتألف مجلس الأمة من مجلس الأعيان ومجلس نواب وعدد الأعيان ٥٢ عضواً وراثياً و١٣ قسيساً و٩٠ عضواً يعينون مدة حياتهم وفي مجلس النواب ١٣٨ منهم سبعة عن المستعمرات ينتخبون من الشعب مباشرة من الأشخاص الذين حصلوا على بعض الرتب والألقاب العلمية أو ممن لهم دخل سنوي يربو على ألفي فرنك. وللملك أن يدعو هذا المجلس أو يحله وهو يعين رئيس الأعيان ويصدق على تعيين رئيس النواب. والأمة تنتخب نوابها مباشرة ولا يسوغ للملك أن يتغيب عن المملكة أكثر من ثلاثة أشهر بدون أن يأذن له المجلس والوزارة مؤلفة من وزير الداخلية ووزير المعارف والفنون الجميلة ووزير المالية والعدلية والمذاهب ولحربية والبحرية والمستعمرات والخارجية والأشغال العمومية والتجارة والصناعة. وتقسم البلد إلى إحدى وعشرين مقاطعة ولكل واحدة عامل يعينه الملك ولكل ولاية مجلس عام انتخابي ولجنة إجرائية.
وهذه البلاد زراعية وأرضها موزعة كثيراً في الشمال وليست كذلك في الجنوب على أن عدم النظام في تقسيم الأراضي وهجرة السكان أضرت بالبلاد ضرراً بالغاً. وأهم غلات البلاد الكرم تكاد تكون زراعته عاماً ومنه يخرج الخمر الجيد والحبوب تكثر في الشمال كما تكثر الغابات والأشجار المثمرة في الجنوب. وتكثر فيل تربية الماشية ودود الحرير والنحل. ولها موارد عظيمة من الصيد.
ومعادن البلاد كثيرة في الجملة ومنها الثمين إلا أن الفحم الحجري لا أثر له فيها ويكثر الملح في شطوطها البحرية وفيها عدة ينابيع معدنية يستفاد منها أكثر مما تستثمر مناجمها. والسواحل هي المراكز الصناعية في البلاد ومنها أعمال الحديد والآلات الحديدية وصنع السكاكين والمدى والنسج والغزل والدباغة والنجارة ومعامل القفافيز (الكفوف) والأحذية والدانتلة والمربيات والتبغ وغيره والخدمة العسكرية فيها إجبارية تكون ٢٥ سنة منها ثلاث سنين في الجيش عاملة وخمس في الرديف الأول ويخدم فيها الجندي شهراً واحداً كل سنة ليتعلم. وقدرت واردات الحكومة في السنة الماضية بنحو ١٥. ٨٥٥. ٠٠٠ جنيه ونفقاتها
стр. 3495
بنحو ١٦. ١٥٧. ٠٠٠ ويبلغ دينها ١٢١. ٦٠٠. ٠٠٠ جنيه ووارداتها زهاء خمسة عشر مليون جنيه وصادراتها نحو نصف ذلك والتعليم الابتدائي إجباري فيها لكنه كما في المملكة العثمانية اسم بلا جسم حتى بلغ عدد الأميين فيها منذ عشرين سنة ٨٧ في المئة وهو مما لا نظير له في مملكة أوربية صغرى وفيها مدارس عالية كثيرة منوعة وعدد جيشها العامل ٣٠ ألفاً وتستطيع أن تجند ٢٥٠ ألفاً أيام الحرب ولها بحرية فيها ٦٠٠٠ ضابط وعسكري.
وللبرتقال مستعمرات عظيمة لكنها جزء من مستعمراتها القديمة وكانت البرازيل من جملتها أيام كان للبرتقال القدح المعلى في استعمار أفريقية وجنوبي آسيا. ويبلغ مجموع مساحة مستعمرات البرتقاليين الآن ٣. ٨٥٠. ٠٠٠ كيلومتر مربع فيها نحو عشرين مليون ساكن. فلها جزائر آسور ومادير في المحيط الآتلانتيكي وجزائر الرأس الأخضر وسنغامبيا البرتقالية وغينة والقديس توما وجزيرة الأمير في أفريقية الغربية ولانكانا وكابندا ثم أنكولا وبنكولا وموساميد. ولها في أفريقية الشرقية مملكة موزنبيق ونصف تيمور وكامبنج مما يدل على أن جزائر السوند كان يملكها الملاحون الأوائل من البرتقاليين وكانت هذه المملكة في القديم جزءاً من لوزيتانيا استعمر الفينيقيون شطوطها ثم استولى عليها الرومان خمسة قرون ونصفاً وتقلبت بها الحال حتى أوائل القرن الثامن للميلاد فاستولى عليها المسلمون وضموها إلى مملكة الخلافة ولم يلبث ملوك النصارى في أستوريا أن توسعوا في فتوحهم إلى جنوبي الجبال وطردوا المغاربة إلى غاليسيا واحتلوا لشبونة سنة ٩٥٣. ومن ذاك العهد نشأ اسم برتقال لمقاطعة بورتو واشترك البرتقاليين في محاربة المسلمين وإجلائهم عن الأندلس وهزموا المسلمين كما يقول لاروس في معجمه في معركة سانتارم (١١٨٤) وساعدوا أهل قشتالة في حرب لاس نافا دي تولوز (١٢١٢) وسالادو (١٣٤٠).
ونشأ للبرتقاليين بفضل عقول أمرائها بحرية عظيمة وقام منها سياح عظام منهم الذين اكتشفوا جزائر مادير والرأس الأخضر والكونغو ورأس الرجاء الصالح كما وصلوا إلى جزائر مالابار والصين والهند واليابان. وتجارة العطور والأباريز والأفاوية أغنت البرتغال قديماً في الزمن الذي أخذت فيه تعتني أيضاً بالآداب والصناعات. وقد كان لديوان التفتيش الديني فيها كما كان في إسبانيا شأن يذكر وأسس فيها سنة ١٥٢٦. وكان من وفاة ملكها الدون سباستيان في وقعة القصر الكبير أن خلت المملكة في يد فيليب الثاني ملك إسبانيا إلا
стр. 3496
أنها حاولت أن تتخلص منه أما هو فجعل بلادهم خديوية قشتالية ومنعهم من الإتجار مع شذاد الآفاق من أهل بلاد القاع (هولاندة) فأخذ هؤلاء يجلبون الأباريز والأفاوية تواً من بلاد الشرق وانكسر الأسطول البرتقالي سنة ١٦٠١ في بانتام من أعمال جاوة واستولى الهولانديون على جزائر السوندوبنوا باتاويا وحلوا في سيام وسيلان واليابان وعلى شواطئ غينية وغويان.
وفي سنة ١٦٤٠ انتفض إقليم كاتالونيا على صاحب إسبانيا فنزعت البرتقال يدها من الحكم الإسباني وبايعت دوك باراكانس ملكاً فلما لمت المملكة البرتقالية شعثها حاربت إسبانيا خمساً وعشرين سنة واستعادت بعض مستعمراتها إلا أنها تركت بومباي للإنكليز سنة ١٦٦١ وفي الربع الأول من القرن التاسع عشر انفصلت برازيل عنها. وإذا مالت برتقال إلى إنكلترا أكثر من فرنسا لم تساعدها هذه أكثر في أزماتها السياسية وقد قامت في القرن الماضي بإصلاحات اقتصادية مهمة منها وضع أصول الكاداسترا على الأراضي وإلغاء الرقيق من المستعمرات وابتياع أملاك الرهبان وتمديد الخطوط الحديدية وإصلاح أصول المالية.
والدليل على أن المسلمين حكموا تلك البلاد مدة سريان ألفاظ كثيرة إلى لغتهم من العربية وهي أقل مما في لغة أهل قشتالة وقد ألف دوزي المستشرق الهولاندي كتاباً في الألفاظ الذي أخذتها البرتقالية والإسبانية من العربية ويبلغ عدد المتكلمين بالبرتقالية في برتقال وبرازيل وجزائر الرأس الأخضر وغيرها من المستعمرات البرتقالية في المحيطين والهند الصينية نحو عشرين مليوناً.
وكانت هذه البلاد جزءاً من الأندلس ويطلق عليها اسم البرتقال وهذا هو اسمها في كتب العرب لابورتغال أو بغير واو وعاصمتها لسبون التي يذكرها العرب باسم لشبونة وأشبونة والأشبونة ولا تزال في مدينة شنترة حصون العرب على قمم الجبال وبجانب بعضها مسجد باقية آثاره إلى الآن وعلى مقربة منه قبر دفن فيه القوم عظاماً وجدوها ولم يعلموا أنها للمسلمين أو للنصارى فوضعوا على رجام القبر صورة للصليب وصورة للهلال والقسم الذي كانت تسكنه العرب في لشبونة يعرف عندهم باسم الحمة لا بتشديد الميم ويسميه البرتقاليون الآن من باب التحريف الفاما ومنظر هذه المدينة يشبه المدائن الشرقية.
стр. 3497
ومن أمهات مدن البرتقال مدينة كوييمبرا المعروفة في كتب العرب باسم قلمرية وهي الآن دار العلم ومحط المعارف في بلاد البرتقال. ومنها مدينة بورتو واسمها في كتب العرب برتقال وبها يسمى هذا القطر برتقال كما نقول نحن الآن طرابلس وحاضرتها طرابلس وتونس وحاضرتها تونس وكما نقول بني سويف وبندرها بني سويف والفيوم وبندرها الفيوم والمنيا وبندرها المنيا وهكذا في أسيوط وقنا.
وفي مدينة البرتقال هذه آثار كثيرة ولكن العرب لم يخلفوا فيها شيئاً يذكر لأنهم كانوا يجيئونها فاتحين ثم يجوزونها إلى غيرها من البلاد ولم ترسخ فيها قدمهم وقد تألف التجار على إنشاء دار البورصة على الطراز العربي ونقشوا أكبر بهو فيها بحسب الأسلوب العربي وزينوه بالزخارف وكتبوا في ضمن رسومها البديعة أشعاراً عربية وفي جميع الطرازات هذه العبارة (عز لالانا السلطانة مريم ٢) يريدون عز لمولاتنا السلطانة مريم الثانية اهـ.
أما القول بأن العرب كانوا يجيئون البلاد فاتحين ثم يجوزونها إلى غيرها فمسألة فيها نظر بعد أن قال ياقوت أن شنترة ملكها الإفرنج (أي من المسلمين) سنة ٥٤٣ ونسب إليها قوم من أهل العلم. ولا يخرج من دولة علماء إلا إذا رسخت أقدام حكومتها في البلاد. وقال في شنترين أنها مدينة متصلة الأعمال بأعمال باجة في غربي الأندلس ثم غربي قرطبة وعلى نهر تاجه قريب من انصبابه في البحر المحيط وهي حصينة بينها وبين قرطبة وعلى نهر تاجة قريب من انصبابه في البحر المحيط وهي حصينة بينها وبين قرطبة خمسة عشر يوماً وبينها وبين باجة أربعة أيام وهي الآن للإفرنج ملكت سنة ٥٤٣.
وقال في قلمرية: بضم أوله وثانيه وسكون الميم وكسر الراء وتخفيف الياء مدينة بالأندلس وهي اليوم بيد الإفرنج. وفي لشبونة ويقال لها أشبونة بالألف وهي مدينة يتصل عملها بأعمال شنترين وهي مدينة قديمة قريبة من البحر غربي قرطبة وفي جبالها البزاة الخلص ولعسلها فضل على كل عسل الذي بالأندلس يسمى اللاذرني يشبه السكر بحيث أنه يلف في خرقة فلا يلوثها وهي مبنية على نهر تاجه والبحر قريب منها وبها معدن التبر الخالص ويوجد بساحلها العنبر الفائق وقد ملكها الإفرنج في سنة ٥٧٣ وهي فيما أحسب في أيديهم إلى الآن.
стр. 3498
وأصرح من هذا ما قاله المراكشي قال وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والغرب من المدن مدينة طليطلة وكوطنكة وإقليج وطلبيرة ومكادة ومشريط ووبذ وإبلة وشقوبية هذه كلها يملكها الإدفنش وتسمى هذه الجهة قشتالة وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلاً مدن كثيرة أيضاً وهي سمورة وشلمنكة والسبطاط وقلمرية هذه كلها يملكها رجل يعرف بالببوج وتسمى هذه الجهة ليون وفي الحد الغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس مدن أيضاً منها مدينة لشبونة وشنترين وباجة وشنترة وشنياقو ومدينة يابرة ومدن كثيرة ذهبت عني أسماؤها يملكها رجل يعرف بابن الريق.
وذكر في سيرة ابي يعقوب يوسف عبد المؤمن أنه خرج سنة ٥٧٩ قاصداً غزو الأندلس قال: فقصد مدينة شنترين أعادها الله للمسلمين وهذه المدينة أعني شنترين بمغرب الأندلس وهي من أمنع المدائن يملكها وجهاتها مع بقلاد كثيرة هناك ملك من ملوك لنصارى يعرف بابن الريق وقد فصل ما وقع بينهما من الهزائم وكيف خرج أبو يعقوب وحمل في محفة وكيف هرب أبو الحسن المالقي الذي كان سبب هزيمة المسلمين إلى مكة ابن الريق فآواه صاحبه وأكرمه إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتاباً إلى الموحدين يستعطفهم وأدرج في ضمن ذلك فصلاً يذكر فيه ضعف المدينة فأطلع الرجل الموكل به وكان يعرف العربية سراً فقبض عليه فشاور ابن الريق قسيسه في أمره فأشاروا عليه بإحراقه فحرقه.
وذكر المراكشي أنه كان يملك الثغر الذي من الجهة الشمالية من الأندلس (بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها) وبعض المدن لمجاورة للبحر الأعظم ابن الأفطس المتلقب بالمظفر ثم كان له ابن اسمه عمر يكنى أبا محمد تلقب بالمتوكل على الله كان يملك بطليموس وأعمالها وبابرة وشنترين والأشبونة قال: اتصلت مملكته إلى أن قتل المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين ابنه المتوكل في غزة سنة ٤٨٥ وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعياداً ومواسم وكانوا ملجأ لأهل الآداب وفيهم يقول ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد بن عبدون من أهل مدينة يابرة قصيدته المشهورة التي مطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
وبهذا علمت أن العرب استولوا على برتقال مدة لا تقل عن مائة وخمسين سنة فنبغ فيها رجال منهم وخلفوا آثاراً لا تزال شاهدة بفضل تقدمهم في العمران وأن هذه المملكة التي
стр. 3499
انقطعت الآن بينها وبيننا أنواع الصلات كانت من جملة ممالك الشرق وإن كانت غربية وأن لسانها اقتبس من لساننا وأن التعصب الذميم الذي تم على يد القساوسة منذ القديم كان من المعجلات في نزع الملكية وقيام الجمهورية الآن.
وقد كان أول عمل للجمهوريين طرد جماعة اليسوعيين من بلادهم واستصفاء الأديار والقضاء على الرهبان والراهبات لأنهم لم ينسوا بعد مسعى رجال الدين في مقتل فرر رجل الإسبان الحر في العام المنصرم قتلوه بواسطة الحكومة على أبشع صورة عرفت في عصر النور والمدنية فلما ظفر الأحرار بالمحافظين قضوا القضاء المبرم عليهم وعلى تقاليدهم ليعرفوهم ويعرفوا الحكومات التي تعمد إلى الشدة في معاملة أمتها أن الناس لا يحكمون إلا باستمالة القلوب وأن القوة إذا خيف منها زمناً فقد يأتي آخر يستهين بها أهله فيستميتون ويستبسلون.
والضغط لا يزيد النفوس الأبية إلا مضاء. وهكذا أهين رجال الدين ولاسيما اليسوعيين وطردوا أو كادوا من البرتقال كما طردوا من فرنسا قبل وحرم عليهم دخول سويسرا وتوشك سلطتهم أن تنتزع أيضاً في إسبانيا لمتاخمتها أرض البرتقال وإذا صحت عزيمة البلادين المتجاورين على إنشاء مملكة واحدة كما هو فكر بعض الخاصة هناك تصبح جمهورية إسبانيا والبرتقال وأحر بها أن تسمى جمهورية أيبريا من الحكومات القوية ذات الشأن العظيم، وربك يفعل ما يشاء ويختار.
стр. 3500
رحلة إلى قلمون الأسفل
على أربع ساعات من شمالي دمشق واد منبسط بين جبلين متسامتين طوله من سفح ثنية العقاب إلى مزرعة الناصرية لا يقل عن ست ساعات وعرضه ساعتان تربته بيضاء ورباعه مخصبة ومياهه موفورة بحيث لو حفرت عشرة أذرع أو أكثر ينبط الماء غزيراً مع أن الجبلين المتناوحين من شمال الوادي وجنوبه لا شجر فيهما ولا غابة تزينهما.
ولو كانا مغروسين بالسنديان والزان والبلوط والشوح لكان هذا الوادي بأمطاره الغزيرة وريه المتواصل أشبه بأخصب السهول الشندشية ولذا كان جبل قلمون ضعيفاً بريه وإن لم يكن كذلك بزكاء تربته والمعالي والأسفل أو التحتاني منه متشابها وإن كانت سهوله أخصب من آكامه وتلعاته ومياه الأعالي أعذب من مياه الأسفل. وفي قلمون الأسفل من القرى والأمهات ما يطلق على أمثاله في ديار الغرب اسم بلدة وذلك مثل الرحيبة وجيرود والمعظمية والقطيفة وضمير وكلها ذات تاريخ قديم وعمران طبيعي وهي بكثرة نفوسها يزيد عمرانها اليوم كلما انبسط السلام فيها وأمن أهلها على مواشيهم من غارات أشقياء الصفا وجبل الدروز المجاورين لهم من جهة الجنوب والجنوب الشرقي على مسيرة يوم من هذه البلاد.
ولقد كان عرب الصفا واللجاة وجبل حران يغزون من سنين أهل قرى القلمون الأسفل في عقر دارهم ويرعون زروعهم وينهبون ناطقهم وصامتهم ولذلك ضعف عمران تلك الديار حتى على قيد غلوة من القصبات والدساكر فأصبحت إلا قليلاً مزارع حقيرة ومداشر. وقلت الأشجار فيها حتى في ضواحي الثرى وعلى شواطئ الجداول والأنهار لأن الفلاح أصبح لا يفكر إلا في رزق سنته فإذا نجا عامه من شرور النهب فهو سعيد آمن وإلا فيقضى عليه أن يعيش في فقر ليس بعده فقر وذلة هي الموت بعينها أو يهيم على وجهه إلى إقليم آخر يكون أقرب إلى الأمن والأمان يطلب معاشه بالعمل مأجوراً وكان يستطيع أن يعيش أميراً من أرض أورثه إياها آباؤه وأجداده لو كان له حكومة تفكر فيه وتدفع عنه بوائق الدهر وعواديه وتعرف أن ما تتقاضاه إياه من الضرائب والإتاوات ليس إلا لتحميه.
ومن الغريب أن الأمن ما كاد يرفع رواقه في هذه الديار وتنتظم أصول الإدارة بالنسبة لما عليه في القرن الماضي مثلاً حتى سرت إلى الأهلين هنا نغمة الهجرة إلى أميركا فغدا هذا الجبل بمن هجره شقياً وكان يسعد بهم لو توفروا على خدمة أرضه واستثمار شجره
стр. 3501
واستنبات غلاته وتعدين مناجمه والعلم لاستبحار عمرانه ولا يقل عدد المهاجرين من هذا الوادي عن خمسمائة من أصل نحو عشرين ألف نسمة وكل يوم يزيد نازحهم وقلما يعود أحد منهم. يذهب الشبان الأقوياء ويبقى في الأكثر الأطفال والكهول والشيوخ حتى كادت تسوء الظنون في مستقبل هذه البلاد وهي إذا لم توفق إلى النهوض بنشاط شبانها هيهات أن تعمر بتكاسل شيوخها وكهولها وخمولهم.
قلنا تعدين مناجمها لأن جبالاً من مثل هذه لا تخلو من مناجم فإذا كانت بقعة واحدة هي جيرود وما إليها تحتوي في جملة ما تحتوي من الغلات والثمرات على أربعة أصناف من العناصر التي تقل أو لا توجد في غيرها فما بالك لو بحث في قرى هذا الجبل وحده عما يكنه صدره من الخيرات الطبيعية.
نعم في جوار جيرود على مسافة ساعة منها المملحة التي يصدر منها الملح الجيد للطعام وتكفي ألوف القناطير التي يمكن استخراجها من سورية بأجمعها ولذلك يكتفى باستخراج كمية قليلة منه لأن في جوار تدمر وحماة وصفد مملحات أخرى ينتفع بملحها دع عنك ما في سائر الأقطار العثمانية من هذا الجزء المفيد.
وبالقرب من المملحة معدن الجبس أو الجبصين ينبشونه من الأرض قطعاً مستطيلة بطول شبر أو شبرين وعرض ثلاثة أصابع وثخن إصبعين يستخرج العامل القنطار الشامي منه بسبعة قروش وقد لا يستخرج قنطاراً منه في اليوم الواحد فيأخذه ضامته من إدارة الغابات أو المعادن ويجعله في تنور كبير يحرقه وعندها يستحيل إلى جبس يدخل في الأبنية والتبليط والنوافذ وغير ذلك.
هذان هما المعدنان أما النباتان فهما نبات القلي أو الإشنان يقطعونه ويجعلونه في حفر يوقدون فيها النار فيستحيل إلى قلي. ومن شواطئ المملحة التي لا يقل طولها عن ساعتين وعرضها عن ساعة ينبت السل أو قش الحصر وهذا القش يخرج في بقاع أخرى ولكن أحسن القش ما خرج من جيرود ولذلك ترى كل حصري في دمشق يحرص على أن ينسج حصره من قش جيرود لمتانته وروائه.
فبلاد هذا بعض مغلها الطبيعي خصت بزكاء المنبت وجمال الطبيعة تخرج منها الحبوب على أنواعها والثمار على اختلاف أشكالها ثم يظل أهلها في جهالة على قربهم من دمشق أم
стр. 3502
المدن السورية بل عاصمة هذه البلاد العربية وذلك لقلة المواصلات بينهم وبينها ولأن الحكومة لا يهمها إلا أن تأخذ من أهلها حقوقها ولا تقوم بما يجب عليها من حقوق.
ولو كان الهالي في قلمون والمرج والغوطة يفكرون في مستقبل بلادهم حتى التفكير ويحبون أن يبقى أولادهم لهم لا أن يبروهم لينزحوا إلى أميركا ويتشتتوا في البلاد لطلبوا من الحكومة امتياز سكة حديدية ضيقة كالمعروفة في مصر بالسكك الحديدية الزراعية وبذلك تصدر الصادرات على أيسر وجه وتتساوى في الأبعاد القرى القاصية والدانية.
بالسكك الزراعية أحيي موات مصر وقربت مسافاتها والتحمت أجزاؤها وإذا كان يتعذر الآن ربط دمشق ببغداد بسكة حديدية تجتاز الغوطة والمرج وقلمون والقريتين وتدمر إلى العراق لاختلاف المصالح السياسية فلا اقل من أن يقوم أغنياء دمشق وهذه الأقاليم ينشئون سكة ضيقة تصل بين هذه القصبات بوصلة العمران ففي الغوطة من أمهات القرى مثل دومة وعربيل وجوبر وسقبا وفي المرج مصل ضمير وعتيبة وعذراء وفي قلمون مثل يبرود ودير عطية وقارة والنبك وجيرود والرحيبة والقطيفة وغيرها ما يجدر بأرباب الأموال أن يتدبروه ويضموا أشتات هذه الأجزاء المتفرقة التي لا تجد بينها طريقاً معبداً ولا بريداً ولا سلكاً برقياً ولا طبيباً ولا صيدلياً ولا كاتباً ولا حاسباً بل تجد فيها الناس يعيشون بعيدين عن محيطهم لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف ابن السودان عن سكان مراكش في حين ترى المسافات قريبة وأبعد قرية عن الفيحاء لا تبعد مائة كيلومتر أو يوماً وبعض يوم على ظهور المطايا.
مثال ذلك أننا قصدنا إلى هذا الجبل يوم وقفة عيد الصغير فكان الفلاحون يسألوننا كلما وقفنا لنريح مركباتنا فيما إذا كان ذاك اليوم من رمضان أو أنه رؤي هلال العيد وثبت في دمشق أما من كنا نسألهم عن فتنة جبل الدروز فكانوا لا يعرفون من أمرها إلا أن الحكومة جيشت جيشاً عليهم ولا يعرفون ما تبع ذلك من تأديب الدروز على حين هم أحق الناس بالفرح بهزيمة الأشقياء لانتشار ظل الأمن في تلك الربوع ولأنهم طالما تأذوا بهم ونهبت مواشيهم وقتل رعاتهم وزراعهم.
ولا سبيل إلى عمران هذه البلاد إلا بالأمن والعم فمن جملة أسباب الأمن مد الخطوط الحديدية الزراعية التي تقل نفقاتها وتكثر فوائدها المادية والمعنوية فتتضاعف أثمان
стр. 3503
الأراضي هنا كما يتضاعف دخلها وتكثر أشجارها ومواشيها والعلم لا ينتشر إلا إذا هب أعيان البلاد وعقلاؤها إلى إنشاء مدارس لأبنائهم خاصة تجري على غير الخطة التي يسير عليها ديوان المعارف. تسير في التعليم على طريقة يتعلم بها الفلاحون لغتهم فقط بحيث يقرؤون ويكتبون فيها في الجملة ويعرفون المبادئ الأولى من الحساب والطبيعة والنبات والحيوان وشيئاً من تربية المواشي وحفظ الصحة والرياضة البدنية وأصول الدين. يعلمون كل ذلك بالعمل أكثر من النظر.
فلو قامت في كل قرية من قرى قلمون مدرسة ابتدائية كالتي أنشأها في جيرود محمد باشا الجيرودي ووقف عليها بستاناً فيه صنوف الثمار لا يقل ريعه السنوي عن عشرة آلاف قرش لأصبح قلمون بعد عشرين سنة أرقى جبال سورية لما فطر عليه أهله من الذكاء والنشاط.
نعم استحق الزعيم المنوه به كل شكر لأنه جرى على غير سنة كبرائنا في السخاء فكان فيما نظن ثاني رجل في هذا القرن الرابع عشر وقف على العلم في سورية مثل هذا الملك الذي لا يقل ثمنه الآن عن ثلاثة آلاف ليرة. والرجل الأول فيما نذكر محمد باشا المحمد من أمراء عكار وقف على مدرسة دينية هناك ما يكفيها. أما سائر أعياننا وأغنياءنا فلم يوفقوا إلا قليلاً إلى وقف ما يوليهم في دنياهم وآخرهم فخراً وذخراً ولعل أعيان هذه البلاد من الأسر العريقة في المجد تقدم بعد الآن بين يدي نجواها من البذل للعلم ما تقر به العين فيحذون بذلك حذو أغنياء الأقاليم في مصر الذين نهضوا بها وما أنشئوه لفلاحيهم من الكتاتيب في بضع سنين ما لا تنهض به أمة تنتظر من حكومتها أن تعلمها في قرن أو قرنين. وليت شعري متى تنبعث من دمشق نفحة من تلك الروح التي انبعثت في القاهرة ففاضت على أقاليم مصر فأحيتها حتى يكون حظ المصرين واحداً في النهوض اليوم كما كان كذلك في القرون الوسطى.
стр. 3504
مخطوطات ومطبوعات
كتاب المثنى
قال ابن ساعد: إن علم اللغة هو نقل الألفاظ الدالة على المعاني المفردة وضبطها وتمييز الخاص بذلك اللسان من الدخيل فيه وتفصيل ما يدل على الذوات مما يدل على الأحداث وما يدل على الأدوات وبيان ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها وأصنافها مما يدل على الأشخاص وبيان الألفاظ المتباينة والمترادفة والمشتركة والمتشابهة. ومنفعة الإحاطة بهذه المعلومات خبراً طلاقة العبارة والتمكن من التفنن في الكلام وإيضاح المعاني بالألفاظ الفصيحة والأقوال البليغة.
ولقد طبعت كتب كثيرة في اللغة ولا يزال يظفر بأشياء لم يكتب لها الظهور ومما وقع إلينا من مكتبة أحد علماء هذه الحاضرة نسخة من كتاب المثنى تأليف حجة العرب أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي الحلبي الذي ذكره السيوطي في بغية الوعاة فقال أنه عبد الواحد علي أبو الطيب اللغوي الحلبي الإمام الأوحد.
قال في البلغة له التصانيف الجليلة منها مراتب النحويين، أطياف الإتباع، الإبدال، شجر الدر، وقد ضاع أكثر مؤلفاته وكان بينه وابن خالويه مناقشة مات بعد الخمسين وثلثمائة، وقال الصفدي: أحد العلماء المبرزين المتقنين لعلمي اللغة والعربية أخذ عن أبي عمر الزاهد ومحمد بن يحيى الصولي وأصله من عسكر مكرم قد حلب وأقام بها إلى أن قتل في دخوله الدمستق حلب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة.
وكتابه هذا في ١٣٠ ورقة أكبر من الربع عليه حواش وتعليقات مفيدة كتب على الحاشية أن أكثرها بقلم ابن الشحنة وابن مكتوم القيسي تلميذ أبي حيان وفيه نقص من وسطه ونقص قليل من آخره إلا أنه لا يحول دون الانتفاع منه لأن النسخة القديمة على ما يظهر وهي حسنة الخط بالشكل الكامل والصحة غالبة عليها بحيث يسهل تمثيلها بالطبع دون الرجوع إلى الأمهات لتصحيح ألفاظها وإثبات الروايات المعتمدة في ضبطها وليس في الكتاب تاريخ نسخه ويرجح أنها مما كتب في القرن السابع أو الثامن.
جاء في مقدمته ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد النبي وعلى آل محمد. قال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي: أنه ليس شيء من كتبنا وإن قصرت
стр. 3505
أبوابه وقلت أوراقه وضمر حجمه وصغر جسمه بأقل فائدة في معناه للمتعلم ولا أنر عائدة في مغزاه على المتفهم من غيره وإن أسهبنا فيه وأغرقنا في معانيه حتى طارت أصوله وانشرحت فصوله بل كان كل واحد بحمد الله على غاية ما يمكننا من الكمال فيما اقتصرنا به عليه ونهاية التمام فيما انتهينا به إليه وما من شيء توخيناه من ذلك ولا تعمدناه إلا لغرض الإفهام تحريناه وحرصنا على الإعلام الذي أردناه وكل من الله سبحانه وبه. فإذا كانت بغيتنا فيما نعانيه وإرادتنا فيما نعيده ونبديه معونة اللقن المستفيد والتقريب على ذي الفهم البعيد وإلحاق الكهام البليد بالذكي الحديد وكان ذلك لوجه الله خالصاً موفوراً لا نريد به جزاءاً ولا شكوراً فإنا غير قانطين من تفضله جل اسمه علينا بالإرشاد وتوفيقه إيانا للسداد والله عند الظن عبده وكافل لمن استرشده برشده ولا قوة إلا بالله. ونحن قاصدون في كتابنا هذا قصد ما ورد من كلام العرب مثنى في الاستعمال تثنية لازمة ومبتدئون بشرح وجوهه وتقصيها وذكر ضروب توسعهم فيها فنقول أن جميع ما ورد على ذلك من الأسماء عشرة اصناف الاثنان غلب إحداهما عليهما لقب واحد منهما يجمعهما لقب واحد الاثنان ثنيا باسم أب أو جد أو إحداهما ابن الآخر فغلب اسم الأب الاثنان اللذان لا يفردان من لفظهما الاثنان في اللفظ يراد بهما واحد الاثنان يثنيان وإن اكتفي بأحدهما لم ينقص المعنى وأما ما ورد من ذلك من الأفعال من الأفعال فصنفان من الفعل المبني على صيغة التثنية والمراد به تكرير الفعل. الفعل يجيء لفظه لاثنين ومعناه واحد ونحن نبوب هذه الأبواب ونأتي على ما فيها أو جمهوره إن شاء الله.
هذا باب الاثنين غلب اسم أحدهما على اسم صاحبه قال الأصمعي وأبو عبيدة قولهم سار في الناس سيرة العمرين إنما يريدون أبا بكر ﵄ وقال الفراء محو ذلك وسمع معاذاً الهراء يقول لقد قيل سنة العمر ين قبل عمر بن عبد العزيز وجاء في حديث أنهم قالوا لعثمان ﵁ نطلب منك سيرة العمرين فهذا يدلك على صحة ما قلنا.
وهنا أخذ المؤلف يورد الأمثلة في هذا الباب مثل الحنتفان والزهدمان والبجيران والعتبان والعبدان والحيدان والعقامان والنافعان والشريفان والعشاءآن والأمقسان والقربان والقمران والمربدان والطلحيتان وأبانان والنيران والمشرقان والضمران والدحرضان والكيران والموصلان والصباحان والبصرتان والغدوان والمطران. وشرحها شرحاً موجزاً واستشهد
следующие страницы →