← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رسالة في تشطير الهمزية والبردة وبانت سعاد للشاعر الأديب الشيخ عبد القادر سعيد الرافعي علق عليها شرحاً يفسر كلماتها اللغوية فجاءت لطيفة الأسلوب مقبولة عند طلاب هذا الفن وهي تطلب من مكتبة نجل المؤلف في السكة الحديدية. تبيان التعليم لحضرة العالم الأصولي ذي المعزة السيد أحمد بك الحسيني من رجال الفضل والنبل في هذه العاصمة يد طولي في وضع المصنفات الأصولية والفقهية النافعة فبالأمس نشر كتاب دليل المسافر ونهاية الأحكام والقول الوضاح والقول الفصل واليوم نشر رسالة سماها تبيان التعليم في حكم غير المبدوء بسم الله الرحمن الرحيم وما أصدق ما قاله في مقدمتها: والمسؤول ممن وقف على ما كتبته أن يدع الهوى والتقليد ولا يسترسل في مدح القديم وذم الجديد بل ينظر إلى المقال بعين الإنصاف والاعتدال ولا ينظر إلى من قال فالرجال يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال. الدليل إلى البرازيل كتاب أدبي اجتماعي انتقادي لمؤلفه الأديب جرجي أفندي توما الخوري ضمنه وصف المشاهد والآثار التي رآها منذ غادر سورية إلى أن وصل برازيل وذكر ما يلقاه المسافر والمهاجر مازجاً الجد بالهزل أحياناً. وقد قدر عدد السوريين في برازيل وحدها بخمسين ألفاً وامتدح من صحفهم العربية وأربابها إلا أنه تمنى لو أبطلت عادة نشر الرسائل المأجورة في الجرائد وفي الكتاب فوائد لا يستغني عنها المقيم والمسافر. الدين في نظر العقل الصحيح هي مقالات كان نشرها في مجلة المنار الغراء الدكتور النطاسي الفاضل محمد توفيق صدقي في العقيدة الإسلامية وإثبات صدق النبوة المحمدية على وجه أقرب إلى عقول المتعلمين وقبول المدنيين وفي آخرها مقالة في حكمة نجاسة الكلب والخنزير وتحريم لحمهما فجاءت في ١٦٠ صحيفة صغيرة وافية بالغرض تدل على بعد غور كاتبها. وثمن النسخة قرشان ونصف تطلب من مكتبة المنار بشارع درب الجماميز. الأجوبة المسكتة

стр. 352

تأليف الأديب الأريب أحمد أفندي صابر جمع فيه ما شاق وراق من الأجوبة اللطيفة التي فتح بها على كبار العرب والفلاسفة قديماً على نمط توخى فيه الإيجاز والاقتضاب فجاء كتابه في ١٨٠ صحيفة صغيرة مطبوعة طبعاً نظيفاً على ورق جيد. وعساه يضيف إليه في الطبعة الثانية ما أخره بالقصد من المواد التي لها علاقة بالكتاب ويردفه بما هو شائع اليوم على ألسن القوم من هذه الأجوبة الأدبية اللطيفة التي قد تقع لأحد العامة فيستفيد منها الخاصة والعامة معاً. والكتاب يطلب من مؤلفه بديوان الأوقاف وثمنه خمسة قروش. الحقيقة الباهرة في أسرار الشريعة الطاهرة من تأليف سماحة الأستاذ الشيخ محمد أبو الهدى أفندي الصيادي الرفاعي بنى أبوابه على عدد شعب حديث الإيمان بضعة وسبعون شعبة وقد طبع في القاهرة على ورق جيد وطبع نقي. ذكرى فريد نشرت جمعية تهذيب الشبيبة السورية في بيروت المراثي وأقوال الجرائد وبعض آثار فريد عوض وترجمته وكان من أذكياء الشبان في المدرسة الكلية الأميركية فتوفي منذ ثلاث سنين فرأى أصحابه أن ينشروا له كراسة يخلدون بها ذكره مخافة أن يضيع كما ضاع كبار رجالنا بإهمال فنثني على غيرة من تولوا ذلك. روايات جديدة رواية البعث - معربة عن الإنكليزية بقلم الأديب رشيد أفندي حداد وهي من وضع الفيلسوف الروسي ليون تولستوي تطلب من المكتبة الشرقية. عشيقات الملك - تعريب الكاتب الأديب إبراهيم أفندي سليم نجار تطلب من صاحبها وقيمتها فرنك واحد. رواية سرولاسر - للعقيلة استير مويال تطلب من مسامرات الشعب. الساحر الخالد - معربة عن الإنكليزية بقلم الكاتب الأديب محمد لطفي أفندي جمعة وهي إحدى روايات مسامرات الشعب. هدية الابن

стр. 353

كراسة كتبها الأديب بشارة أفندي الياس عيد الحاج بطرس من جالية السوريين في البرازيل أهداها إلى ولده ووصف له فيها حال البرازيل ومن رأيه أن البرتغاليين لما اكتشفوا البرازيل سنة ١٥٠٠م كان في جملة من بعثتهم الحكومة البرتغالية إليها عال كثيرة من بقايا السلالة العربية في الأندلس لتطهير بلادها من النسل العربي ولذلك كان في الأمة البرازيلية نقطة دم عربي. فلكاتبها منا الثناء. الاقتصاد لبلوغ المراد رسالة في النحو لمؤلفها الشيخ أحمد مصطفى بن محمود أبي النصر من طلبة الأزهر.

стр. 354

تدبير الصحة الخبز الأبيض مازال علماء الصحة يوصون بالاعتماد على الخبز الأسمر الأبيض وقد أنذر أحد رجال الأمريكان الآن أن من يعتمد في طعامه على الخبز الناصع البياض يصاب بالهزال وفقر الدم إذ أن البياض لا يكون إلا بوسائط صناعية تستلب من الخبز صفاته المغذية. اللحوم والبقول أثبت أحدهم أن الإنسان خلق ليتغذى باللحوم - خلافاً لرأي القائلين بأن البقول هي خير ما يعتمد عليه المرء في تغذيته - قال ومما لا ينكر ما يحدث تناولها من اضطراب في المعد عند كثير من الناس لكن ذلك ينشأ من طريقة الأكل لا من الطعام نفسه وقلة المضغ في الغالب تضر الهضم وتجعل فيه عسراً. جمع الحواس طلبت إحدى المجلات اليابانية من الكتاب أن يوافوها بما يرونه من أنجع الأسباب وأحسن الطرق وأبرك الساعات لجودة التصور فقال بعضهم أن الفكر لا يجري بدون تأمل وهو محتاج لجمع الحواس. وقال بعضهم أن أحسن الساعات للافتكار هي عند الانتباه من النوم صباحاً إذ يكون الدماغ مستريحاً ولذلك كان من أحسن الأمور إلقاء الدروس على التلامذة صباحاً. وآثر آخر أن يبدأ المرء بعمله بعد التنزه ومن ذلك تعظم فوائد الدروس التي يتلقاها الطالب في صفوف تقام بعد الرياضة البدينة. وارتأى آخر أن البدء بالعمل العقلي ينبغي أن يستعد لها بالقراءة وأوصى الأساتذة أن يعمدوا إلى هذه الطريقة. القيلولة هي نوم الظهر والراحة فيه لا غنية لسكان البلاد الحارة عنها وقد يستغني عنها في البلاد الباردة. وقد أخذ أهل العلم في إنكلترا يتناقشون هذه الأيام في فائدتها وخصوصاً لطلبة المدارس لأن هؤلاء يصرفون من دقائق الدماغ كل يوم جانباً كبيراً في استخدام القوى المفكرة والباحثة والمدققة والمشبهة والحاكمة فحالتهم والأمر على ما ذكر تستدعي راحة أعظم بالنظر لما يبذلونه من الإجهاد العقلي والقيلولة تنفعهم في صحتهم أكثر من الرياضات المألوفة في المدارس وما هي إلا عناءٌ آخر عضلي بعد ذاك العناء العقلي وخير

стр. 355

للتلميذ أن ينام في فراشه ويريح عقله وجسمه من أن يسير في الهواء الطلق ويصرف وقت راحته في ترويض جسمه رياضة طبيعية مستمرة عنيفة. وارتأى القائلون باستعمال هذه الطريقة أن يفحص التلامذة كل يوم فحصاً طبياً بمعرفة أطباء من أهل الأخصاء يعهد إليهم فحص تراكيب التلامذة الفسيولوجية وينظرون في قواهم العقلية.

стр. 356

سير العلم التعليم في مصر والسودان لا تزال مصر في مؤخرة الأمم بعدد متعلميها وكثرة أمييها والسودان في مؤخرة المؤخرة. فحيا الله يوماً نرى أهل هذين القطرين يقبلون على تعليم أولادهم إقبال الممالك الصغرى في الغرب على تعليم بنيهم. فترى سويسرا والبلجيك وهولندا والدنمرك والسويد ونروج واليونان ورومانيا وبلغاريا والصرب وكل منها هي دون مصر والسودان بعدد سكانها وغناها الطبيعي أرقى من هذين القطرين في التعليم بل الفرق بين التعليم وعدد المتعلمين هنا وبين التعليم والمتعلمين هناك كالفرق بين الشرق والغرب. ويؤخذ من تقرير اللورد كرومر عن مصر سنة ١٩٠٥م أن عدد التلامذة الذين حضروا مدارس الحكومة سنة ١٩٠٥ هم ٧٤١٠ في الكتاتيب و١٤٧٨ في دار تخريج المعلمين للكتاتيب و٧١٧٥ في المدارس الابتدائية العالية و٥٦١ في المدارس الصناعية و١٣٤٥ في المدارس الثانوية و٧٤٣ في المدارس الفنية ومجموعهم ١٨١٨٢ أنفقت معارف مصر عليهم ٢٧٦ ألف جنيه مصري. أما في السودان فكان عدد المتعلمين في مدارس الحكومة آخر السنة الماضية ١٥٣٣ صبياً منهم ٣٩٢ في كلية غوردون و٢٩٩ في المدارس الابتدائية العليا و٢٩ في كليتي المعلمين في أم درمان وسواكن و٧٢٣ في المدارس الابتدائية الأهلية. وقال في كلامه على التعليم الثانوي بمصر أن عدد الناجحين ١٧٧ تلميذاً أو ٤٠ في المائة ممن تقدموا للامتحان - والامتحان بالإنكليزية أو الفرنسية - منهم ١١٧ من المسلمين و٦٠ من المسيحيين فيظهر من ذلك أن ٦٦ في المائة كانوا مسلمين أي اقل قليلاً مما كانوا عليه سنة ١٩٠٤ وقل عدد الناجحين من المسلمين في امتحان الشهادة الابتدائية فإن عدد الناجحين في هذا الامتحان بلغ ١١٧٣ تلميذاً منهم ٧١٧ أو ٦١ في المائة من المسلمين يقابلهم ٦٦ في المائة سنة ١٩٠٤ قال وهذه النسبة ليست مما يوجب الرضى والسرور لاسيما إذا تذكرنا أن المسلمين ٩٣ في المائة من مجموع سكان القطر. وكان عدد المدارس الخصوصية التي تقدم منها تلامذة للامتحان ٩٩ مدرسة منها ٥٠ يديرها المسلمون و٢٧ الأقباط و٢١ يديرها المرسلون و١ اليهود. قال فلوان ما يبذل من

стр. 357

المال والهمة على المدارس الخصوصية التي على الطراز الأوربي يوجه إلى التعليم الأهلي باللغة العربية وهو على غاية الانحطاط لنتج عن ذلك فائدة عظيمة للبلاد عموماً. وتكلم على الكتاتيب التي قامت بهمة الأفراد في إحدى عشرة مديرية من مديريات مصر فقال أنها أنشأت حتى الآن ٧٥٨ كتاباً جديداً وهي تبني ١٨٧ كتاباً آخر ورممت ٣٦٦ كتاباً وبلغ عدد الكتاتيب التي هي تحت مراقبة الحكومة ٤٨٥٩ كتاباً منها ٢٥٦٥ كتاباً منحتها الحكومة إعانات قدرها ١٣١٦٤ ج م وقد بلغ عدد المتعلمين فيها ١٣٦٠٨٣ و٩٦١١ بنتاً وعدد المعلمين ٦٢٩٥ والمعلمات ٣٢ وتحت إدارة نظارة المعارف ١٠٩ كتاتيب أخرى يتعلم فيها ٥٧٧٧ صبياً و٨٣٣ بنتاً وبلغ عدد كتاتيب البنات وفي جملتها الكتاتيب التي تحت مراقبة الحكومة ٢٠٥٣ وعدد تلميذاتها ١٢٠٠٦. وفي بولاق مصر مدرسة للصناعة فيها ٤٢٣ تلميذاً منهم ٢٨٥ مسلماً وفي المنصورة مدرسة صناعية فيها ٦٨ تلميذاً. ولا يزال عدد من يدخلون دار المعلمين الناصرية يزداد - وفيها يتعلم المعلمون العلوم باللغة العربية - فقد بلغوا ٢١٠ في السنة الماضية وفي المدرسة السنية لمعلمات المدارس الابتدائية ١٨ معلمة وفي مدرسة بولاق لمعلمات الكتاتيب ٣٩ وفي مدرسة عبد العزيز لمعلمي الكتاتيب ١٠٦ وفي مدرسة الفيوم ٦٢ ودار التعليم في درب الجماميز ٦٩ معلماً. وفي مدرسة الزراعة الآن ٧٠ تلميذاً منهم ٣٩ من المصريين والباقون من أمم مختلفة. قال اللورد ومما يسوءني ذكره أن ٢٢ تلميذاً من التلامذة المصريين مسلمون وفي مدرسة الهندسة ٥٧ تلميذاً ومجموع تلامذة مدرسة الحقوق ٢٧٣ منهم من يدرسها بالفرنسية ومنهم بالإنكليزية وفي مدرسة الطب ١١٦ تلميذاً اثنان منهم في القسم الصيدلي وفي مدرسة البيطرة ٣٢ تلميذاً وعدد تلامذة مدرسة العميان بمصر ٢٧ وتلامذة العميان بالإسكندرية ١٧ وفي كلية فكتوريا في الإسكندرية ١٧٥ تلميذاً المسيحيون منهم ٧٨ واليهود ٦١ والمسلمون ٣٦. الاختراعات في أميركا تكاد تكون الولايات المتحدة مستأثرة بالاختراعات والاكتشافات في الغرب لهذا العهد فإن ما يخترعه أبناؤها ويكتشفونه يدل على أن قوة الإبداع والإيجاد وقف عليهم ومه أن حكومة

стр. 358

تلك البلاد تتصعب كألمانيا في إعطاء البراءات للمخترعين المكتشفين ما لم يثبت لديها ثبوت الشمس أن صاحب البراءة ابتدع ما لم يسبق إليه حقيقة فقد أحصيت البراءات التي منحتها الحكومة الأميركية سنة ١٨٥٥ فكانت ٢٠٠٠ براءة ولم تبرح ترتقي سنة عن سنة حتى كانت سنة ١٩٠٣ - ٣١٧٠٠ براءة. النساء العالمات ألفت في لندن إحدى بنات أحد الماليين مجمعاً للنساء العالمات في العالم ونشرت هذه الآونة تأليفاً سيصبح فيما بعد مجلة تصدر في أوقات تعين لها جاء فيه اثنان وثلاثون خبراً ومبحثاً وقطعة شعرية موقعاً عليها من نساء عالمات من إنكلترا وأميركا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا ورومانيا وكل منهن تكتب بلغتها فكان للإنكليزية الحظ الأوفر وتلتها الفرنسية فالإيطالية ولا يقصر هذا المجمع النسائي أعماله على نشر مقالات الجنس اللطيف في الغرب وأشعارهن بل يتخذ له مركز في عواصم العالم المهمة يكون فيها ما يلزم للمشتركات من أنواع الراحة وضروب المسليات المباحة وخزائن كتب وقاعات اجتماع وقاعات طعام وقد دعون في لندن وبرلين كبار رجال السياسة فلبوا دعوتهم وكان في تلك الاجتماعات غناءٌ ومعارض صناعية من أشغالهن يبعنها بواسطة مكتب تجاري أقمنه لهذا الغرض وكلما تزايدت أعمال هذا المجمع زادت فائدته للمشتغلات بالعلم والصناعة من بنات العقول في الغرب. فمتى يكون للشرق يا ترى مجتمعات كهذه للرجال ثم للنساء. البنات اليابانيات نالت شهادة الطب من الدرجة الأولى من كلية ماربورغ الألمانية الآنسة ايادا ماتا من مدينة كوموتو اليابانية. وليست هذه هي المرة الأولى التي نال فيها اليابانيات أرقى شهادات العلم وأثبتن ذكاءهن وبعد نظرهن في المطالب العالية فإن كليات نيويورك وشيكاغو وسان فرنسيسكو غاصة باليابانيات ممن يدهشن العالم بفهمهن وعلمهن. وإمبراطورة اليابان هارو كوف هي من أشد أنصار النساء وتعليمهن لتحريرهن من رق الجهل فقد بعثت منذ جلست على عرش الإمبراطورية بكثير من البنات على نفقتها إلى كليات أوربا وأميركا. بدأت بذلك سنة ١٨٧١ ولا تزال ترسل كل سنة طائفة من البنات تطلبهن إلى حضرتها قبل ذهابهن وتلقي عليهن المواعظ الحسنة وتحثهن على أن يكتبن لها كل ثلاثة أشهر على

стр. 359

الأقل بما تلقينه من أساتذتهن ويطلعنها على نتائج دروسهن وأبحاثهن ويشرحن لها ما أحدث في نفوسهن اختلاطهن بالحياة الأميركية. وليت شعري متى يكون للشرق الأدنى بعض ما للشرق الأقصى من العناية بتعليم البنات وتهذيبهن. مكتبة نفيسة حزن العلم لضياع مكتبة المثري الأميركي الشهير المستر سوترو في زلزال سان فرنسيسكو الأخير فلم يكن فيها أقل من ٢٢٥ ألف مجلد ومعظمها من كتب العلم والصنائع والأدب القديمة ونسخ مخطوطة بخط مؤلفيها ولاسيما كتب من طبع غوتنبرغ مخترع الطباعة وهذه الخزانة هي أنفس مكتبة في أميركا الشمالية فلا عجب إذا تأسف العلماء لفقدها ولا تأسفهم على ما ضاع في ذلك الزلزال من المكاتب الخاصة والعامة والعروض والأموال. مكاتب فرنسا وضعت إحدى الصحف اليومية الباريسية مقالة افتتاحية في خزائن كتب فرنسا وما تم فيها من الارتقاء في مائة سنة فقالت كان عددها سنة ١٨٧٣، ٧٣٣ مكتبة فيها ٨٣٨٠٠٠ تأليف فصارت في السنين الأخيرة ٢٩١١ مكتبة فيها ٤١٦٦٤١٧ مصنفاً وذلك عدا مكاتب المدارس وعددها أربعون ألف خزانة كتب. قالت أن رغبة الناس انصرفت في العهد الأخير إلى مطالعة الصحف وبعض المجلات حتى عد فريق من أرباب النظر تلك المطبوعات الدورية أعداء الكتب والرسائل. وقال آخر أن المجلات والجرائد تعين على انتشار الكتب والرغبة فيها والصحف أكبر مساعد على خدمة العلم بما امتازت به من الأساليب فإنها تكتب بحسب الأحوال والدواعي فتبعث المطالع على النظر فيها رغم أنفه. ثم ذكرت أن فرنسا متخلفة عن ألمانيا من حيث انتظام مكاتبها ووفرة عددها كما أن هذه متخلفة عن إنكلترا وأوربا كلها متخلفة عن الولايات المتحدة وما مكاتبها إذا نسبت لمكاتب العالم الجديد إلا أكواخ. ومن لأوربا بكريم يشبه كارنجي المثري الشهير الذي يبذل من ماله كل سنة خمسة أو ستة ملايين ريال أميركي لإصلاح خزائن الكتب في بلاده وهو يقول أن المكتبة مدرسة في الحقيقة وقيمتها مؤدب ومرشد. نفقات الجيوش

стр. 360

قدر أحد الصحافيين في أميركا ما أنفقته الدول منذ خمس وثلاثين سنة على تسليح جيوشها فكان معدله السنوي ثمانية عشر ملياراً منت الفرنكات ذهب أكثرها هباءً منثوراً وأن ميزانية الدول جمعاء تضاعفت منذ ذاك العهد. اعتصابات العملة كثر إضراب العملة عن العمل في السنين الأخيرة فقدرت إحدى المجلات الاشتراكية ما حدث من الاعتصابات منذ ست سنين فكانت ٤٢٧٠ اعتصاباً والمعتصبون ١١١٩٠٥٠ عاملاً منهم من نالوا مطالبهم ومنهم لم ينالوا سوى جزءٍ منها ومنهم من أخفقوا. السخاء الأميركي رأى أحد علماء الألمان أن ما لفت أنظاره في أميركا هو سخاء أفرادها فهم ينفقون الملايين على إنشاء الكتاتيب والمدارس والكليات حتى أن أحدهم وهب أربعة ملايين ريال لإنشاء كلية شيكاغو وحدها. نقل الأبنية في أميركا ينقلون البناء الهائل من أساسه ويجعلونه في مكان آخر دون أن يطرأ عليه ما يخربه ويكون ذلك في الأبنية غير الشامخة وقد نقل الألمان هذه الآونة منارة مدينة ويتمبرغ بالقرب من همبورغ وكان وزنها نحو ستين طناً وعلوها ٣٨ متراً ودامت النقلة ٣٢ دقيقة وكلفت عدا ثمن الأخشاب ٨٣٥٠ فرنكاً فتأخرت المنارة عن محلها عشرة أمتار وكبر بذلك مدخل السفن في الميناء.

стр. 361

مقالات المجلات سقوط الكتب تكلم أحدهم في إحدى المجلات الفرنسية عن سقوط الكتب فقال أن طريقة الإعلانات قد أحدثت تدجيلاً تجارياً هائلاً فإن بعض المؤلفين ينشرون عن مصنفاتهم إعلانات ويبذلون في هذا السبيل من الأموال ما لا يوفي ما ينفقونه إلا طبع عشرين إلى ثلاثين ألف نسخة فتراهم يبتاعون العمود الأول في بعض الجرائد ينشرون فيها صورهم وشيئاً من تراجمهم ويودعونها مفاوضات العلماء بشأنهم ويشغلون الصحف بمناقبهم كل هذا لترويج سلعتهم. الآلام البشرية رأى المستر ستيد صاحب مجلة المجلات الإنكليزية أن يأسو جراحات الإنسانية بخمس مواد وضعها وأيقن أن فيها خلاص البشر في هذه الدار فدعا الأغنياء والفقراء وأرباب السلطة والضعفاء أن يعملوا وإياه يداً واحدة في تحقيق هذه المشروعات الخمسة الخيالية. وهي (١) إخاءٌ عام أساه العدل والحرية مع بث روح الوئام بين النام واتفاق كلمة الإنكليز والأمريكان وألفة الدول والعطف على الأجناس المحكوم عليها وتحكيم دولي (٢) اجتماع الأديان كلها وأهل المباحث العلمية الشرعية في عالمي المادة والروح (٣) الاعتراف بحقوق المرأة في المجتمع وإعطاؤها حقها من الامتيازات الوطنية (٤) إصلاح حال الشعوب (٥) تحسين قوى الشعوب طبيعية كانت أو عقلية وذلك ببعثها على المطالعة واللعب في الهواء الطلق والموسيقى والتمثيل. اتحاد أوربا كتب أحد نبلاء الإنكليز في مجلة القرن التاسع عشر رسالة قال فيها أنه موقن بأن الدول لا يعملن بإخلاص على الوفاق الودي الإجماعي بينهن وانه لابد من نشوب ثورة يكون شؤمها مما لم يره الراءون ولا رواه الراوون ولكنه رجا أن يتم بفضل رئيس الوزارة الإنكليزية الحالية تأليف اتحاد عظيم يرمي إلى السلم ويقي العالم هذا الخطر المحدق وقال أن كثرة المعدات الحربية اضطرت الحكومات إلى إنفاق نفقات طائلة ولا غاية منها إلا تقوية عددها وعديدها استعداداً لما عساه يطرأ من التعادي فهن يتحملن نفقات فاحشة في ميزانياتهن وكان عليهن أن يعرفن مصالحهن المشتركة ويفضضنها على أهون الأسباب. وقد أراد

стр. 362

إلغاء الجمارك كلها لأن مبدأ حماية التجارة برأيه لا يتأتى عنه إلا خراب البلاد الاقتصادي. التعليم الابتدائي ارتأى أحدهم في إحدى المجلات البريطانية أنه ينبغي أن تصرف عناية كل أمة إلى تقليل عدد التلامذة في جميع الصفوف وأن تجزأ هذه وتقسم إلى أقسام وأن يلقن الأولاد كيفية التعليم بأنفسهم إذ قد دلت التجارب على أن الدروس التي يتعلمها المرء من تلقاء ذاته هي أحسن ما يتلقنه من ضروب العلم في حياته. عدد الصينيين ظهر لأحد الباحثين من الإنكليز أن في سكان الصين وهم أربعمائة مليون ٣٧٨ مليوناً ينتحلون ديانة كونفوشيوس وبوذا وتاواست و٢٠ مليوناً يدينون بالإسلام ومليونين يدينون بالنصرانية. السل البقري جاء في مقالة لأحد علماء الألمان أن السل البقري يزداد في أوربا فتكاً فإن فرنسا تخسر به ثلاثين مليون فرنك وألمانيا خمسة وعشرين مليون مارك وأن لبن الأمهات ينقص كلما أكثر عدد سكان المدن كما هو المشاهد في ألمانيا فإن ثلث أطفال برلين محرومون من ثدي أمهاتهم لنضوب درهم وارتأى أن أحسن طريقة للبقر أن تحقن حتى يكثر نوعها ودرها ولا تصاب بالسل. رسوم اللغات المحيط - في الأرض نحو ثلاثة آلاف لغة مختلفة لهجتها كلها بعضها عن بعض ولكن بينها لغات كثيرة متشابهة كالتركية والعربية أو الفرنسية والإنكليزية وبينها ما يكثر فيه الاختلاف رسماً وكتابة ومطالعة فبعضها يقرأ ويكتب من اليمين إلى اليسار وبعضها من اليسار إلى اليمين والبعض من أعلى إلى أسفل كلغات الصين واليابان وما جاورها. اطلع على كتيب جمعت فيه أمثلة من ٢٩٦ لغة وقد كانت الجمعيات الدينية السبب الأكبر في رسم لغات كثيرة منها لم تكن من اللغات المكتوبة من قبل وذلك توصلاً إلى إتمام ما قصدته من نشر التوراة والإنجيل بين جميع الشعوب.

стр. 363

ديانة الكالا المشرق - كالا بكاف ثقيلة تركية وإن شئت فبجيم مصرية ولام مشددة كلمة ينعت بها الأحباش النصارى الأمحريون من سكان الحبشة الأميين الذين لا يدينون بإحدى الديانتين الشائعتين في شرق إفريقية وهما الإسلام والنصرانية. ومعنى اللفظة من لا كتاب له ثم عم استعمال هذه الكلمة فاشتهر بها اسم هذه الأمة التي تدعو نفسها أورومو والكلمتان اليوم مشهورتان ودونهما شهرة كلمتا أركتا وكوتو اللتان يعرف بهما هذا الشعب. فالكالا اسم لأمة كبيرة تعد من أكبر شعوب إفريقية عدداً تقطن في شرق هذه القارة بلاداً فسيحة متسعة تعم بلاد منليك كلها وسهولاً معظمها مجهول تمتد بين المملكة الحبشية وما وراء بحر الغزال غرباً وبلاد الكنغو جنوباً. ويقدر عدد الكالا الخاضعين فقط لسلطة النجاشي بضعف عدد الأمحريين أي باثني عشر مليوناً ويقسمون من حيث أديانهم إلى ثلاث طوائف أولها الكالا المسلمون وهم طائفة لا يتجاوز عددها الثمانين ألفاً تقطن في المقاطعة الهررية فقط وقد دانت بالإسلام على يد الهرريين ومن يجاورهم من المسلمين. وثانيها الكالا النصارى وهم طائفة قليلة لا يتجاوز عددها مائة ألف نفس تسكن بين الأمحريين نصفهم كاثوليك والنصف الآخر يعاقبة. وثالثها الكالا الأمم وهم الطائفة العظيمة وهي ليست وثنية بل تعبد إلهاً واحداً وتحرم السرقة والقتل وكل ما يدل العقل على أنه منكر وتأمر باحترام الشيوخ والوالدين وبالتضرع إلى واكا وهو الله ﷻ وتنهى عن أكل اللحم البشري. تطور الأمم المنار - أفاض في أطوار الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً من حيث سياستها وأخلاقها وعلمها ومما قاله: ثبت بالتجربة والاختبار أن المتعلمين للعلوم الكونية هم الذين يسودون أمتهم كما أن الأمم السابقة في مضمار هذه العلوم تسود المتخلفة فيه فالناس تبع لهؤلاء المتعلمين صلحوا أم فسدوا فهم التيار الجديد الذي يحول الأمة من حال إلى حال وعقول هؤلاء المتعلمين وقلوبهم بين أيدي الأجانب فهم الذين يودعون فيها وينقشون في ألواحها المستعدة ما يريدون على علم منهم بغايته وأثره. ومما نشاهد من أثره أن أكثر المتعلمين لا قيمة للدين الذي هو الرابطة العامة للمسلمين في نفوس أكثرهم فهم لا يصلون ولا يصومون ولا يحللون ولا يحرمون وإنما همُّ أكثرهم التمتع باللذات الحسية ولو بذلوا في سبيلها جميع

стр. 364

المصالح العامة. ثم هم مع هذا مغرورون بأنفسهم يحسبون أنهم أرقى من سلفهم الصالح عقولاً وأرجح أحلاماً وأوسع علوماً وأفضل آداباً وأقدر على الأعمال الاجتماعية فلا الدين عرفوا ولا حب الأمة أشربوا وكيف وهم على جهلهم بشريعتها يجهلون تاريخها الذي لم يتفضل عليهم ساداتهم الأجانب بشيءٍ حقيقي منه إلا بعض المسائل المنتقدة التي صوروها بغير صورتها. الأطباء ومدارس الطب الحكمة - كان من يتعاطون الطب في عهد الفراعنة ثلاثة أقسام وهم الحكيم العادي والراقي والمشعوذ الساحر كما وجد في رسالة مكتوبة في عدة صفحات من ورق البردي. كتب هيرودتس أن الطب كان موزعاً في مصر توزيعاً علمياً دقيقاً بحيث كان الحكيم يشتغل بفرع واحد لا بعدة فروع منه. بعضهم يطب الرمد وبعضهم أوجاع الرأس وآخرون المعدة وغيرهم الأمراض الباطنية. وكان الرمديون أكثرهم عدداً ومهارة حتى اشتهروا خارج مصر لأن المصريين كانوا عرضة لرمد موضعي لم يزل شائعاً. ومن الأطباء عدد ليس بقليل كان مشتغلاً بمرض الأسنان لأن المصريين كانوا أيضاً عرضة لهذا المرض لرطوبة البلاد ولحسن سمعتهم في البلاد وخارجها استحضر قورش ودار (من ملوك الفرس) أطباء منهم لمعالجة الأمراض التي كانا مصابين بها وكذلك نجد في مراسلات دارت بين بلين وتراجان (وكلاهما روماني) يهنئ فيها الأول نفسه لنجاته على يد طبيب مصري يدعى أبو قراط وكان أطباء مصر يسيرون في المعالجة حسب قواعد وأصول مكتوبة ويصفها عدد كبير من قدماء الأطباء وكذلك المهندسون المعماريون كانوا يتبعون تصميماً واحداً في بناء معابدهم والنقاشون يرسمون العظماء من الرجال على طريقة واحدة ثابتة.

стр. 365

نفاضة الجراب منام الوهراني للوهراني صورة منام رآه أو تخيله أتى فيه بكل حلاوة اعتذر ابن خلكان بطوله عن ذكره في ترجمة الرجل. رأى كأن القيامة قامت والناس يعرضون على الديان بأعمالهم فوصف حال فريق الجنة وفريق السعير بألفاظ لو عرت عن البذيء لساغ نشرها على رؤوس الملأ فسأل عن بعض من يدعون التصوف وهم بعيدون منه فقيل له هؤلاء قوم غلب عليهم العجز والكسل في الدنيا فهربوا من كد الصنائع والأعمال إلى زوايا المساجد والمشاهد بحجة العبادة والانقطاع فلا يزال أحدهم يأكل وينام حتى يموت. قال: فبأي شيءٍ كانوا ينفعون الناس ويعينون بني آدم فقيل له: والله بلا شيءٍ البتة ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان يشربون الماء ويضيقون الطريق وليس لهم ثمرة. ثم قال: ومشينا معه (في المحشر) مقدار أربعة فراسخ وإذا بجمع عظيم يحتوي على مشايخ وشبان وكهول قد حف مجلسهم السكينة والوقار وجلالة الملك والرياسة تلوح على وجوههم فسألنا عنهم فقيل هؤلاء السادة والقادة من بني شمس فدخل قسيم الأعور حتى وقف بين يدي عظيمهم فقال: يا خال (كذا) المؤمنين يا كاتب وحي رب العالمين نحن قوم من محبيكم وقد طردنا عن الحوض لأجلكم ونحن هالكون من شدة العطش بسببكم فقال: لك بينة تشهد بما تقول فقال: نعم جماعة من شيعتكم ومحبيكم الأكراد فقال: أحضرهم فقال: ابعث معي رجلاً شامياً فتخلل الناس ونادى بأعلى صوته: يا عبد الملك بن درياش (؟) قاضي قضاة مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين فلم يجبه أحد. فوقع ابن بدر مغشياً عليه من شدة الأوام فقعدنا عند رأسه وسألنا هل عندكم قطرة ماء نبل بها حلقه. فقالوا: لا والله لو تقدمتم قليلاً لما احتجتم إلى هذا كله. فقلنا له: وكيف ذلك. فقال: لأن أم حبيبة زوجة النبي (ص) تبعث إلى أخيها معاوية كل يوم خمس ثلجيات مزملات كل ثلجية مثل جبل الثلج عشرين كرة فيها الماء الخاص من عين التسنيم. يدفع واحدة منها إلى عمرو بن العاص والأخرى إلى زياد بن أبي سفيان وذويه والأخرى إلى مروان بن الحكم وذويه والأخرى إلى سعيد ابن العاص وذويه ويقسم الواحدة في آل أبي سفيان. وما كان أسرع من أن حضرة القاضي في جماعة من الأكراد فتقدموا إلى معاوية فسلموا

стр. 366

عليه ثم التفتوا إلى ابنه يزيد فقالوا: السلام عليك يا إمام العدل السلام عليك يا خليفة الله في الأرض السلام عليك يا ابن عم رسول الله السلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته نفعنا الله بطاعتك وأدخلنا في شفاعتك ورفع درجتك في الجنة كما رفعها في الدنيا فرداً عليهم رداً خفيفاً وقال للقاضي صدر الدين: الحمد لله الذي جعل في أصحابي وشيعتي من يصلح أن يكون قاضي قضاة المسلمين. فقال له القاضي: كل ذلك ببركة الفقيه عيسى ضياء الدين. فقال له أوصيك بأصحابك الأكراد خيراً فإنهم أولى بحسن تدبيرك من سائر الناس فقال: نعم يا أمير المؤمنين ما أحتاج فيهم وصية هذا أنا قد وليت القضاء لجماعة منهم أنا أعرفهم في بلادنا لا يعيشون إلا من لصوصية البقر في الليل وسرقة الحمير بالنهار ولم أفعل ذلك إلا لأني ألزمت باستقضاء قوم أنحس منهم بكثير.

стр. 367

الانتقاد على المقتبس تفضل كثير من رجال العلم والأدب بنقد هذه المجلة فقال حافظ أفندي إبراهيم أن المقتبس مصبوغ بصبغة شرقية قديمة فينبغي له نبذ القديم من الموضوعات واتخاذ لباس قشيب ينضيه كلما جد غيره. وقال إبراهيم أفندي الجمال كلاماً يقرب من هذا وأن للتفنن في إيراد الأبحاث الجديدة الحاضرة طلاوة ووقعاً في النفوس وقال محمد لطفي أفندي جمعة كلما عمدت إلى النظر في المقتبس تعاظمت أبحاثه وتجافت نفسي عن عباراته لأني أجدني بين مادة صرفة وجد بحت ولاشك أن معظم القراء يشعرون شعوري فلابد لمن أراد أن يعلم غيره أن يتنزل في عباراته وموضوعاته ويحتال عليه ليطالع شاء أم أبى. وقال أحمد بك زكي أرى في بعض الأبحاث اقتضاباً يكاد يكون مخلاً فعليك بإشباعها وعندي أن الأجدر أن تترك قال أحدهم وروى بعض العلماء أو أحد الأساتذة وتنسب القول إلى قائله مباشرة فإن هذا الباب فتح قديماً باب التلاعب في كثير من العلوم وكذلك اليوم. فلا غنية لمن يريد أن يخدم العلم عن التصريح بأسماء المنقول عنهم. وكتب من بغداد الأب انستاس ماري الكرملي يقول: عربتم فصلاً عن إحدى المجلات العلمية ص٩ ولم تذكروا اسم المجلة وهو أمر مهم في مثل هذا المقام. وكذلك لم تنوهوا باسم الكاتب الأصلي. وقد تكرر فعل ذلك عدة مرات فأظن أن الأحسن ذكر كل جريدة باسمها وكل مؤلف باسمه. ثم حاولتم بعض الأحيان ذكر لفظة بلفظة أخرى طلباً للجلاء من ذلك ذكرتم في ص٥٦ العكرش فقلتم. . . وبزر كالجاورس - وهو حب يؤكل مثل الدهن (وهو من خطأ الطبع وتريدون الدخن) ولعله الدخن. قلنا ليس العكرش بالدخن بل هو نبات آخر مشهور عند جميع أعراب البادية في العراق ولا يشبه الدخن إلا في الحب فقط. وقلتم ص١٠٨ التوابل (السلطات) والصحيح أن هذه غير تلك. وذكرتم ص١٣٦ اسم الفنطبيل بمعنى البرميل. ولا مشابهة بين الاثنين وكلاهما معروف عندنا باسمه وبمميزاته. وذكرتم النيرات (ولعلها النيترات) باسم (البورق) وليس الأمر كذلك وبينهما بونٌ بين. وقد وقع في أجزاء المقتبس أغلاط طبع كثيرة فالأمل أنها تصلح في ما يلي أو يمنع وقوعها. وحسناً عملتم وتعملون عند خفاء معنى لفظة أن تكتبوها على علاتها ثم تضعون وراءها علامة الاستفهام أو كلمة (كذا). فإن ما لا يفهمه ذاك. مثلاً كلمة ويبة فهي مستعملة في العراق وقد جاءت في ص٣١ وهي من المكاييل سعتها ٢٤ مدّاً.

стр. 368

وأما المقالات العلمية فإنها لا تخلو من المغامز ولعل السبب أنكم أردتم أن تجمعوا فوائد جزيلة في حجم صغير. فجاءت الفوائد مبتورة غير مشبعة بالتحقيق. وقد ذكرتم في مستهل المقتبس أن مجلتكم تتمحض للعلم المحض فلا يتحرج من تلاوتها الموافق والمخالف والحال قد ورد في العدد الثالث مقالة عن حرق مكتبة الإسكندرية يستشف من خلال سطورها أن المقتبس لم يتمسك بما وعد فقول الكاتب التركي أن نسبة الحريق لعمر أو لعمرو أكذوبة لفقها أبو الفرج. . . إلى آخر ما هناك واستحسانكم إياه يخالف الحق. فقد ذكر كتبة المسلمين ومؤرخوهم ما يزل الشبهة في هذا الصدد منهم ابن القفطي في تاريخه وموفق الدين عبد اللطيف البغدادي في الفصل الرابع من كتاب الإفادة والاعتبار ومنهم المقريزي الخ الخ فيجدر بالإنسان أن يذكر الأمور التاريخية على صورتها بدون أن يوقع الإهانة بقوم أو بجماعة ولاسيما في مسألة كثر فيها الخلاف والنزاع. حبوتك ألقاب العلا فادعني باسمي ... فما تخفض الألقاب حراً ولا تسمي يقولون محمود ويا ليت أنني ... كما زعموا يا ليت لي طالعاً كاسمي محمود سامي البارودي

стр. 369

العدد ٨ - بتاريخ: ١٩ - ٩ - ١٩٠٦

стр. 370

صدور المشارقة والمغاربة كيتي ١٧٤٩_١٨٣٢ ليس الغنى أبداً مفسدة لصاحبه معواناً على الشر والأشر كما أن الفقر لا يهذب النفوس ويربي الملكات. فابن الغني إذا حسنت تربيته وجاد تعليمه يجيء منه رجل قلما يجيء مثله من أبناء الزعانف والسوقة. وليست هذه القاعدة على إطلاقها في البلاد الراقية والبلاد المنحطة ففي الشرق اليوم لا يتعلم ويتهذب سوى ابن الفقير ويندر أن يشيع العلم والتهذيب بين أبناء الأغنياء كما تشيع الفاحشة وسوء السلوك. والحال في الغرب على العكس من ذلك إذ ترى هناك لأولاد الأغنياء حظاً من العلم وسهماً من التهذيب. شاع ذلك بين أهله منذ نهضوا نهضة الشمير الخبير لتلمس أسباب الحضارة وكثر ذلك بين أظهرهم في هذا القرن والذي قبله فبات الغني موقناً بأنه لا يستوفي الظرف ويذهب بفضل الشهرة وتنهال عليه ضروب المحمدة إلا إذا تهذب التهذيب الحقيقي وتعلم التعليم العالي وهما داعية مجده وفخاره لا واسع عقاره ووافر نضاره. وكيفما تقلبت الدنيا بأهلها فإن الموسر خير من المعسر على نحو ما سيرد عليك في ترجمة كيتي أحد أعاظم شعراء ألمانيا ورجال نهضتها العلمية والأدبية. فقد قيل في ترجمته أنه كان من أسعد السعداء خدمه الحظ وهيأ له عامة الأسباب وتمكن من الانتفاع بالمواهب العالية التي وهبته الطبيعة إياها. ولم يكن كصاحبه شيلر مضطراً معوزاً بل كان السعد يبسم له والرفاهية طوع أمره وهو من أسرة شريفة كان والده مستشاراً للمملكة وفقيهاً مشهوراً ورجلاً فاضلاً مهذباً أما والدته فكانت سليمة الصدر جيدة الفطرة توفرت على تربيته وتثقيف عقله ولطالما كانت تلقنه في طفوليته قصصاً ثم تقطع عليه سلسلتها ليتصور ماذا يكون تاليها. ولقد استحكم الجمال من شعور هذا الشاعر حتى لم يكن يطيق أن يرى ولداً بشع الصورة أمامه فكيتي والحالة هذه جمع إلى الغنى مالاً مثل اللورد ليتلتون الإنكليزي وفيكتور دروي الفرنسي وهو من بيت غني ومجد يضاف إليهما حسن تربية والدته فقد كانت والدته تدربه على الأخلاق الفاضلة وتسوقه إلى المنازع الشريفة أما والده فكان يعلمه ويلقي عليه ويكلمه

стр. 371

منذ صغره بالطليانية والفرنسية وكان يحسنهما ولاسيما الطليانية لأن طول مقامه في إيطاليا حبب إليه لغتها وفنونها فشغف بها. ولما ترعرع كيتي أحكم هاتين اللغتين مع لغته وظهرت عليه إمارات الميل إلى الشعر كما عرف بحب النقد والولوع بالعلوم فمال بادئ بدء وهو في الحادية عشرة إلى شعر راسين من شعراء الفرنسيين ثم أنشأ يرتاح إلى شعراء الرومان واليونان. وفي سنة ١٧٦٣ دخل مدرسة الحقوق في ليبزيك وكان يأوي إلى دار عجوز لها فتاة فشغفته حباً فنظم فيها رواية هزلية واعتاد مذ ذاك العهد على نحو ما قال عن نفسه أن يصيغ في قوالب الشعر كل ما كان في الواقع يوليه فرحاً أو ألماً ويروض العقل ويربي النفس وعاد إلى بيت أبيه من المدرسة سنة ١٧٦٨ بعد أن فارقه ثلاث سنين وقد أيقن أن الآداب الألمانية ضعيفة متأخرة ثم رجع بعد مرض اعتراه إلى ستراسبورغ سنة ١٧٧٠ وأقام فيها حولاً كاملاً كان نافعاً له في تهذيب عقله وتخطيط خطة يجري عليها في حياته. قالت الدائرة تعلم كيتي في ليبزيك ما ينبغي اجتنابه وعرف في ستراسبورغ ما ينبغي عمله. وفي سنة ١٧٧١ أتم دروس الحقوق. وكان في خلال الدراسة يضرب في فنون الشعر ويهيم في أوديته وشجونه. وبينما كان شاعرنا ينشر طرف أقواله أو يعدها للنشر كان يتقرب من كبار رجال عصره ويستميل قلوبهم إليه ويحرص على عقد الصلات الأدبية معهم فطاف كثيراً من بلاد ألمانيا وسويسرا وإيطاليا وتعرف إلى رجالها وفلاسفتها وعظمائها ثم تولى منصباً سياسياً في الحكومة. ولم تكن مشاغله لتحول دون أعماله العلمية. فكنت إذا رأيته حسبته منقطعاً عن كل عمل ليس لقلمه في ميدان التأليف جولة وأن المتاعب العالمية صرفته عن وجهته العلمية على حين كان عقله يفكر ولسانه يحبر ويعبر. ولقد ثبت أن وظيفته ما كانت إلا باعثة له على الاستزادة من المعارف. ولو كان يريد أن ينحو منحى قدماء الشعراء لانقطع في غرفته واعتزل الناس ومخالطتهم ولكن كان يطمح إلى أن يجمع في شعره مثال القدماء إلى ما يتأثر به ويتعرف به بذاته من أحوال المجتمع. وفي سنة ١٧٨٨ تزوج الشاعر بفتاة اسمها كرستيان فولبيوس شقيقة أحد الكتاب فنظم في التقائه معها قصيدة من الشعر قال فيها ما ترجمته: كنت أتنزه في الغابة سائراً في طريقي ولا شيء يعنيني ولا فكر ينازعني

стр. 372

فرأيت في الظل وهرة مطلة تلمع كالنجم الثاقب وهي كالنظرة جمالاً أردت أن أقطفها فتقدمت إليَّ بلطف تقول هل يكون ذلك منك ليقضي عليَّ أن أذبل وأنت تجنيني وتقطفني فعندها أخذتها من أصولها وحملتها إلى الحديقة التي هي زينة داري وما هو إلا أن أعدت غرسها في مكان ساكن وها هي الآن مخضرة مخضلة تزهر على الدوام. ولقد عيب على زوجته أنها لم تكن في الدرجة المطلوبة من العلم تساوي بها درجة بعلها بيد أنها كانت كما وصفها الشاعر تعني بمصالح زوجها وبنتها وأولادها وهذا مما كان يزيد اغتباط كيتي بها لأنها كانت امرأة حقيقية تنظر في شؤونها البيتية. وفي سنة ١٧٩٤ بدأت صلات الحب بين كيتي وشيلر وما كان اجتماع الشاعرين بادئ بدء دالاً على الصدقة التي تتأكد بينهما بعد بل كان اجتماعهما لأول وهلة اجتماع تكلف وكره. فتعارفا سنة ١٧٨٨ ولم يتأت تآلفهما حقيقة إلا سنة ١٧٠٤ عندما أسس شيلر مجلة سماها الساعات وكان يطمع أن تشترك الطبقة العالية من كتاب ألمانيا بها فأبى أكثرهم أن يؤازروه فوعده كيتي بالمساعدة وكتبا سوية كتاباً فيه قصائد هجائية كان كيتي هو الذي اقترح موضوعه فألفاه معاً. وكان ذلك واسطة لاتحادهما فتناولا فيه التنديد بالتقاليد القديمة والنقد على أرباب الأذواق السمجة التي كانت تحول دون تقدم الأدب فكان ذلك منهما بمثابة إعلان للطريقة الجديدة التي أسساها في القريض وأخذ خيال الشعر والأدب من ذاك العهد يوحي إليهما كل طريف وتليد فيتطارحان الأفكار ويتناشدان الأشعار وكل منهما محب لصاحبه يبوح له بذات نفسه ويراقب أعمال صديقه مراقبة الود. دامت هذه الصداقة محكمة العرى إلى أن توفي شيلر سنة ١٨٠٥. ولقد حاول كيتي في تآليفه - وكانت أولاً منضمة غير منتشرة كتآليفه بعد - أن يعرف القارئ حال المتفنن وما يشغله في العالم من الأعمال. وبعد أن فقد كيتي صديقه شيلر كما تقدم لم يبق في حياته ما يستحق الذكر وامتاز بنقد من كانوا يستحسنون الثورة الفرنسية الأولى وأبان عن أفكاره قائلاً: إني أكرر بأنني أكره كل ما فيه شدة وتهور لأنه مخالف للطبيعة. وفي سنة ١٨١٣ تنحى الشاعر في خلال الحركة الوطنية وترك المجال لشعراء

стр. 373

أصغر منه سناً يؤلفون الأغاني الحربية ويحثون الجمهور. وحاول وهو في السبعين أن ينسج على منوال ديوان حافظ الشيرازي شعراً ألمانياً في أفكار شرقية وأناس شرقيين فنظم ديواناً سماه ديوان الشرق والغرب. وهو سفر أغان وإن تكن ألمانية الصبغة فإن تنوع أوزانها واختلاف أسمائها واستبدال الأسماء الشرقية بالغربية جعلها غريبة في بابها تصدر من شيخ شاب. وبعد أن فقد والدته وولده وصديقه الحميم بعد شيلر ضعف سنة ١٨٣٢ فوافاه أجله وقضى عند الظهر جالساً على كرسيه وكان آخر كلامه ليدخل النور بكمية أكثر. وقد كتب كيتي كثيراً من الأسفار في كل موضوع وكان كثيراً ما يعاشر أهل الأخصاء في كل فن فيوحون إليه بأفكارهم ويبوحون له بأسرارهم وأن المرء ليعجب بما خلفه كيتي من التآليف الممتعة المنوعة التي يستغرق وصفها صفحات من مثل هذه. جاز كيتي كسائر الكتاب ثلاثة أدوار وهي دور التكون ودور النضوج ودور الانحطاط إلا أن دور نضوجه كان طويلاً ودور انحطاطه لم يخل من قوة. وقسم بعض مترجميه أدوار حياته الشعرية إلى ثلاثة أدوار الدور الأول الحبي والطبيعي الثاني المدرسي الثالث التعليمي. ولم يستنكف كيتي من الأخذ عن كبار شعراء الأرض كشكسبير وروسو وهوميروس وكتاب الفاجعات من اليونان والأماديح من اللاتين. وقال في بعض تآليفه: وهل أحسن فينا من القوة وحسن الذوق في امتلاك عناصر العالم الخارجي واستعمالها في مقصد سام. ولذلك امتاز بقوته التقليدية في الشعر والأدب وقوته في التحويل وقوته في التجديد مع مزج ذلك بالنقد وقوته على الإبداع ولم يشغله الأدب والشعر عن معاطاة العلوم الأخرى كعلم النبات والحيوان والجيولوجيا والمنيرولوجيا والطبيعيات ووفق إلى اكتشافات مهمة في التشريح والفسيولوجيا النباتية. هذا هو الرجل العظيم الذي ربي في قصور النعيم وما أفسده الترف والرفاهية جمع في شخصه مزايا كثيرة وعلوماً كبيرة قلما يكتب نيلها إلا لكبار العقول في الأمم والقرون العديدة ولا غرو فإن قيام أمثاله في القرن الماضي والذي قبله هو الذي فتح على ألمانيا أن تكون اليوم في مقدمة الخليقة بعلومها وأعمالها. فسبحان من أسعدها برجالها وأسعدهم بها وأشقى رجالاً في الشرق وأشقى الشرق بهم.

стр. 374

المكاءُ (١ تمهيد) كل من زاول الكتابة في بحث عربي موضوعه علم المواليد يلاقي من العناء ما لا يعرف مقداره إلا من يجاريه في هذا الموضوع من أبناء نفس هذه اللغة الشريفة. وعندي أن ليس من خدمة مجردة الغاية تضاهي خدمة من يأخذ على نفسه تخليص اللغة من مثل هذه الألفاظ المبهمة المعاني التي لم يحكم تعريفها أصحاب المتون اللغوية أو أصحاب الفنون الخصوصية فبقيت في دواوينهم وأسفارهم مثل الطلسمات يعاني فكها من لا غاية له إلا الغيرة على لسانه إذ ربما يطوي عدة ليال في جانب حلها وهو مع ذلك لا يرجع إلا بما رجع به حنين وإذ قد كنت ممن عني بمثل هذا الفرع من العلم وتفرغت له أحببت أن أطرف قراء المقتبس بما وفقت إلى معرفته من حقيقة أمر الطائر المعروف باسم المكاء. (٢ تعريفه على ما جاء به كتاب العرب) إذا استشرنا كتبة العرب لمعرفة هذا الطائر فلا نسمع منهم إلا تحديدات وتعريفات مجملة لا يتحصل منها ما يصور لنا الطائر بصورته التي يتميز بها بل يوردون لنا ما ربما يصدق أو ينطبق على عدة طيور. فقد قالوا في تعريف المكاء ما هذا حرفه: المكاء بالضم والتشديد: طائر في طرف القنبرة إلا أن في جناحيه بلقاً سمي بذلك لأنه يجمع يديه (كذا) ثم يصفر فيهما صفيراً حسناً قال: إذا غرَّد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات التهذيب: والمكاء طائر يألف الريف وجمعه المكاكي. وهو فعال من مكا إذا صفر. اه (عن اللسان) وقال السيد المرتضى: المكاء: كزنار طائر صغير يزقو في الرياض. قال الأزهري: يألف الريف وقيل: سمي بذلك لأنه يجمع يديه (كذا) ثم يصفر. . . الخ كما في اللسان وقال في حياة الحيوان الكبرى: طائر يصوت في الرياض يسمى مكاء لأنه يمكو أي يصفر كثيراً ووزنه فعال كخطاف. اه. وقال القزويني: المكاء من طير البادية يتخذ أفحوصاً عجيباً وبينه وبين الحية عداوة. فإن الحية تأكل بيضه وفراخه. وحدث هشام ابن سالم أن حية أكلت بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر أي يرفرف على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها ألقى في فيها حسكة فأخذت بحلق الحية فماتت اه. هذا مجمل ما جاء في كتب العرب. ويتحصل منها: أن هذا الطائر يصفر وأن أغلب وجوده في الرياض بين الشاء والحمير وأن في جناحيه بلقاً. قلت ولذا سماه العرب

стр. 375

بالأخرج أيضاً. فإذا تأملنا حق التأمل هذه الإفادات لا يمكننا أن نسلم لحضرة الدكتور جورج بوست (في كتابه نظام الحلقات في سلسلة ذوات الفقرات. الجزء الثاني. الطيور ص٢٧) إن المكاء هو نوع من الببغاء ولاسيما أنه يقول: أما المكاكي فأكثرها تستوطن أميركا الجنوبية وهي أكبر من سائر هذه العائلة (عائلة الببغاءات) وأذنابها طويلة جداً وألوانها بهجة جداً وتمتاز بكبر منسرها والحيز الخالي من الريش حول العينين وهي تطير إلى علو شاهق فهذا كله لا ينطبق على ما نطق به العرب حتى ولا على بعض منه فضلاً عن قوله أن وطن المكاكي هو أميركا الجنوبية فكيف ساغ للعرب أن يسموا طيوراً لم يروها ولم يعرفوها ولم تكن بلادها معروفة في أيامهم. فلا جرم أن الدكتور واهم في زعمه هذا. (٣ حقيقة المكاء) أما المكاء فعندنا هو ما سماه صاحب الأوقيانوس باللغة التركية جوبان الدانقجي أي المحتال على الرعاة وسماه صاحب كتاب فرانسز جه دن تركجه يه جيب لغتي وهو وزنظال أفندي: مكاء وخاطف الرياح وجوبان الدادن وهو أحسن المؤلفين الذين ضموا إلى حقائق الألفاظ صحيح المصطلحات. (٤ اسمه عند الإفرنج والعرب ومعناه في لسانهم ولساننا) يسمى الإفرنج المكاء ومعناه بالع الريح أو خاطف الريح وبعضهم يطلق عليه اسم أي الضفدع السام الطيار وآخرون يسمونه أي مصاص المعز وبمعنى هذا اللفظ يسميه العلماء أي وكذلك الإنكليز وكذلك أيضاً في لغات سائر الأعاجم ولا غرو فإن هناك سبباً حمل الناس على تسميته بهذا الاسم وهو وجود هذا الطائر في المواطن التي يكثر فيها الماعز والغنم والبقر توهماً بأن هذا الطائر يأتي الدواب ليمتص لبنها وهذا وهم قديم نظنه هو الذي حمل العرب أيضاً على تسميته بالمكاء فإن اللغويين قالوا في سبب تسميته بذلك أنه مأخوذ من المكواو المكاء بمعنى الصفير. وهو محتمل. على أنه قد يكون مأخوذاً من المك وهو المص وأصله المكاك أي المصاص إشارة إلى مصه اللبن. ثم قيل في مك: مكا كما كان ذلك معروفاً عند قوم من العرب أي جعل المضاعف ناقصاً كالمسبي في المسبب (التاج في مستدرك س ب ب) وتقضي في تقضض والتمطي في التمطط. قال أبو عبيدة: العرب تقلب حروف المضاعف إلى الياء ومنه قوله تعالى: وقد خاب من دساها وزهو من دسست. وقوله. ولم يتسنه من

стр. 376

مسنون وقولهم: سرية من تسررت. وتلعيت من اللعاعة (عن المزهر ٢٢٥: ١). وقد يحتمل أن يكون أصل المكاء: المكان بتشديد الكاف ونون في الآخر ثم قلبوا النون ياء كما قلبوها في ألفاظ كثيرة مثل قولهم التزييد في التزنيد (الصحاح) والميشار في المنشار (عن التهذيب للتبريزي) والصيدلاني في الصندلاني (الصحاح) وفي ليلة طلمسانة قالوا: ليل طلمساية (التاج في طلمس) ومثل ذلك كثير عندهم. ومعنى المكام المصان أو الملجان: وهو الذي يرضع الغنم من لؤمه ولا يحلب (التاج) فيكون هذا موافقاً للمكاء لما اشتهر عنه من أمر مصه أو رضعه للغنم. وهذا الطائر هو الذي سماه الدكتور جورج بوست (في كتابه المذكور آنفاً ص٥١) ماص المعز وسنذكر عن قريب وصفه وهو مما يوافق كل الموافقة لوصف المكاء من كل وجه. (٥ تعريف الطائر بموجب العلم الحديث) المكاكي جنس من الطير من رتبة العصافير المشقوفة المنقار وهي قريبة من الخطاطيف وتتميز بمنقار كثير التفلطح معقوف الطرف بشعر عند قاعدته كثير الانفتاح عند الحاجة وريشها أغبر أصدأ بخطط سوداء وسيقانها مسرولة. (٦ وصفه) أصل هذا الجنس مكاء الحجاز ويسميه العلماء بمكاء أوربية قال الدكتور جورج بوست في وصفه: ظن القدماء أن هذا الطير (أي الطائر) يمص بزاز المعز (أي أخلافها) إلا أن ذلك وهم لا طائل تحته. وإنما يقتات الفسافس والفراش والعث والناموس والبعوض والزيز وغير ذلك من ذات التفاصيل التي تظهر في الليل. ومما يعين على لقط هذه الحشرات وجود سائل لزج داخل الفم وهلب خارجه. أما ألوان ماص المعز (المكاء) فعير ناصعة إلا أنها جميلة فإن الريش ذو نمش وخطوط ونقط سمر وسود وسنجابية وصدائية والمنقار صغير مسطح معقوف الطرف وعيناه كبيرتان سوداوان وساقاه خشتنان حرشفيتان قصيرتان وعليهما ريش أسفل الركبة والأصابع متحدة بغشاء إلى نهاية المفصل الأول والإصبع الوسطى أطول من غيرها والمخلب مسنن على جانب واحد ولم يتفق الطبيعيون على فائدة هذا العضو فظن بعضهم أن الطائر يستعمله لنزع قطع الفسافس من هلب فيه والبعض الآخر أنه يمسك فريسته بواسطته. ويستوطن هذا الطير المواضع البعيدة من مساكن الناس ولا يعشش بل تبيض على الأرض (أي تتخذ لها أفحوصاً) قيل إذا رأت

стр. 377

عدواً مقبلاً دحرجت بيضها إلى موضع أمان أه كلام الدكتور قلنا: ولهذا الجنس أنواع مختلفة أغلبها غريب عن هذه البلاد لا حاجة إلى ذكرها. بغداد أحد قراء المقتبس

стр. 378

الإسرائيليون (معربة عن كتاب تاريخ الحضارة) العبرانيون التوراة - جمع اليهود أسفارهم المقدسة بأسرها في سفر واحد دعوه التوراة وهو اسم يوناني معناه الكتاب. هذا هو سفر اليهود الجليل وقد صار لأعل النصرانية أيضاً كتاباً مقدساً. وفي التوراة أيضاً تاريخ الأمة اليهودية ولقد استفدنا من كل ما اتصل بنا عن الشعب المقدس من الكتب المقدسة. العبرانيون - لما نزل الساميون من جبال أرمينية إلى سهول الفرات أخذ أحد أسباطهم على عهد مملكة الكلدان الأولى يضرب نحو الغرب فجاز الفرات فالقفر فسورية وبلغ بلاد الأردن وراء فينيقية وتعرف هذه الأسباط بالعبرانيين يعني أهل ما وراء النهر وهم كمعظم الساميين شعب من الرعاة الرحالة لم يحرثوا الأرض ولا سكنوا الدور والمنازل بل كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر في قطعان بقرهم وغنمهم وجمالهم منتجعين المراعي آوين إلى الخيام على نحو ما يعيش العرب في البادية اليوم. وفي سفر التكوين وصف هذه العيشة البدوية. البطاركة - كان السبط منهم أسرة كبيرة مؤلفة من الرئيس ونسائه وأولاده ومواليه وكان للرئيس على الجميع سلطة مطلقة فكان بهذا السبط أباً وكاهناً وقاضياً وملكاً. من أجل هذا دعونا هؤلاء الرؤساء البطاركة وأعظمهم إبراهيم ويعقوب فالأول أب العبرانيين والآخر والد الإسرائيليين أظهرتهما التوراة في مظهر رجلين أرسلهما الله ليرأسا شعباً مقدساً وقد أعطى إبراهيم ربه ميثاقاً ووعده الطاعة هو ومن يأتي بعده من قومه فبشر الله إبراهيم بذرية تفوق نجوم السماء عدداً واطمأنت نفس يعقوب بأن تكون منه أمة عظيمة وشعب جم. الإسرائيليون - سمي يعقوب باسم إسرائيل أي مدافع عن الله لرؤيا رآها ودعي سبطه بني إسرائيل أو الإسرائيليون. وذكرت التوراة أن القحط حدا يعقوب أن يغادر بلاد الأردن ليسكن وأهل بيته صغارهم وكبارهم على التخوم الشرقية من مصر وهي البلاد التي دعاه يوسف أحد أبنائه إلى هبوطها وقد صار وزيراً لعزيزها أحد الفراعنة. وظل بنو إسرائيل

стр. 379

في تلك الأرجاء قروناً كثيرة فجاءوا وعددهم سبعون نسمة ونموا على قول التوراة حتى صار عددهم ستمائة ألف رجل. خل عنك النساء والأولاد. نزول الوحي على موسى - افتتح عزيز مصر يسوم الإسرائيليين ضروب المظالم ويضطرهم إلى صنع الملاط والقرمد لابتناء مدن حصينة فقام من بينهم إذ ذاك موسى أحد أبنائهم وقد أوحى إليه ربه وعهد إليه أن ينقذهم من الجور والعسف. وكان يرعى غنمه ذات يوم على الجبل فظهر له ملك وسط عليقة تتلظى ثم سمع هذه الكلمات: أنا رب إبراهيم واسحق ويعقوب رأيت ما دهم شعبي في مصر من الحزن وسمعت شكواه ممن يظلمونه وعرفت ما يناله من العذاب ولذا نزلت لخلاصه مما ينتابه من المصريين لأنزله بلاداً من أرض كنعان تفيض لبناً وعسلاً فتعال إذاً أرسلك إلى فرعون تخلص شعبي أبناء إسرائيل وتخرج بهم من مصر فقاد موسى الإسرائيليين وهاجروا من مصر وهذا ما يدعى بالخروج أو سفر الخروج واجتازوا بسفح جبل طور سيناء وهناك تلقوا شريعة الرب وأخذوا يتيهون جيلاً كاملاً في القفار جنوبي سورية. إسرائيل في القفر - وكثيراً ما كان الإسرائيليون يودون الرجوع إلى البلاد التي تركوها فيقولون: أنا لنذكر ما كنا نطعمه في مصر من السمك والقثاء والبطيخ والكراث والبصل فخليق بنا أن نؤمر علينا زعيماً يقودنا إلى بلادنا وكان موسى يدعوهم إلى الطاعة ثم بلغوا الأرض التي وعد الله ذراريهم. الأرض الموعودة - دعيت أرض كنعان أو فلسطين فدعاها اليهود بلاد إسرائيل ثم دعيت بعد بلاد اليهودية ودعاها أهل النصرانية الأرض المقدسة وهي بلاد جافة قاحلة في الصيف ولكن فيها جبال وآكام وصفتها التوراة بما يلي: لقد ساقك ربك القيوم إلى بلد طيب ذات أنهار وينابيع في الأرض تنبجس من الوادي وعلى الجبل بلد البر والشعير والكرم والتين والرمان والزيتون والزيت والعسل بلاد تأكل فيها خبزك آمناً من القحط لا ترزأ في مال ولا ينقصك شيء من رفاهية الحال. وبلغ عدد الإسرائيليين بعد الإحصاء عندئذ ٦٠١٧٠٠ رجل يحمل السلاح منقسمين إلى اثني عشر سبطاً عشر منها من نسل يعقوب واثنان من نسل يوسف هذا عدا عن اللاويين أو الكهنة وعددهم ٢٣ ألف رجل. وكانت تسكن البلاد التي نزلوها عدة شعوب صغيرة تدعى الكنعانيين فأبادهم الإسرائيليون واستولوا على

стр. 380

بلادهم. ديانة الإسرائيليين الله الفرد - عبد سائر الشعوب القديمة أرباباً كثيرة أما الإسرائيليون فاعتقدوا بوجود إلهٍ منزه عن الهيولى برأ العالم ودبره. ففي سفر التكوين أن الله خلق في البدء السموات والأرض وقد خلق النبات والحيوان وخلق الإنسان على صورته ومثاله فالبشر كلهم صنعة الله. شعب الله - بيد أن الله أختار من بين الناس جميعاً أبناء بني إسرائيل ليجعلهم شعبه وأمته فدعا إبراهيم وقال له سأجعل بيني وبينك وبين ذريتك عهداً لأكون ربك ورب ذريتك من بعدك. وقد تمثل الله ليعقوب قائلاً له: أنا الله القادر إله آبائك فلا تتحام نزول مصر فسأجعلك فيها أمة عظيمة. ولما سأل موسى ربه عن اسمه أجابه: تقول لأبناء إسرائيل أنني أنا الله السرمد إله إبراهيم واسحق ويعقوب أرسلني ربي إليكم هذا هو اسمي على الدهر. العهد - فبين الإسرائيليين والمولى تعالى إذاً اتحاد أو عهد فالقيوم ﷻ يحب الإسرائيليين ويدفع عنهم البوائق فهم والحالة هذه أمة مقدسة وأعلى الشعوب كافة في نظره وقد وعد أن يجعلهم سعداء أقوياء وتعهد الإسرائيليون أن يقابلوه على ذلك بان يعبدوه ويخدموه ويطيعوه فيما يريدهم عليه كما يطاع المشرع والقاضي والمعلم. الوصايا العشر - أوحى القيوم الصمد عز شأنه مشرع بني إسرائيل بوصاياه إلى موسى على جبل طور سيناء بين البرق والرعد وهي مسطورة في لوحين وهما اللوحان اللذان كتب الله عليهما وصاياه العشر بما نصه: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً اذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في

стр. 381

اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور لا تشته بيت قريبك لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما قريبك. الشريعة - على الإسرائيليين ما خلا هذه الوصايا العشر أن يعملوا بكثير من الأوامر الإلهية مما ذكر في أسفاره التوراة الخمسة الأولى وهي التي تتألف منها شريعة إسرائيل. فالشريعة تنظم عندهم احتفالات العبادة وتعين الأعياد (السبت كل سبعة أيام والفصح ذكرى خروجهم من مصر وجمعة الحصاد وعيد المظال في موسم قطف العنب) والشريعة هي التي ترتب الزواج والأسرة والتملك والحكومة وتعين العقوبات على الجرائم وتحدد الأطعمة والأدوية فالشريعة عندهم والأمر على ما ذكر مجلة الأحكام الدينية والسياسية والمدنية والجزائية ولمولى الإسرائيليين تعالى أن ينظم أعمال حياتهم جميعها. (الديانة ألفت الشعب اليهودي) لم يقبل الإسرائيليون بحكم الله قبول من خضع وخنع فقد قال موسى للاويين وهو على فراش الموت دافعاً إليهم كتاب الشريعة خذوا هذا الكتاب ليكون شهادة عليكم يا إسرائيل لأني عارف بما أنتم عليه من شكاسة الخلق وقساوة القلب ولم تبرحوا طول حياتي تبدون نواجذ العصيان على المولى القيوم فليت شعري ماذا يكون من شأنكم بعد مماتي. وقد حدث أن مرت قرون ومن العبرانيين من يعبد الأصنام وربما كانت هذه الفئة هي السواد الأعظم من الأمة على أنهم أصبحوا أشبه بسائر الساميين في سورية وظل الإسرائيليون وحدهم على قدم الإخلاص للمولى جل شأنه فتألف منهم الشعب اليهودي وخرج الشعب المبارك بدين الله المتعال من قبيلة مجهولة على التدريج. نعم إنها لأمة قليلة الحصا والعدد ولكنها من الأمم التي لها الشأن الأعظم في تاريخ العالم. مملكة القدس القضاة - نزل العبرانيون أرض فلسطين ولكنهم ظلوا منشقين قروناً كثيرة فلم يكن لذاك العهد كما تقول التوراة ملك لإسرائيل بتة بل كان يعمل على شاكلته ويحكم بما يوحي إليه رأيه. وكثيراً ما كان الإسرائيليون ينسون ربهم ويعبدون أرباب القبائل المجاورة فاستشاط ربهم عندئذ غضباً من سيئات أعمالهم وأسلمهم إلى أيدي أعدائهم يفعلون بهم الأفاعيل حتى

стр. 382

إذا ندموا على ما فرطوا في جنب الله وأصبحوا خاضعين خانعين يرسل ربهم إليهم قضاة يسعون في خلاصهم من أعدائهم المباغتين وربما مات القاضي وعاد دبيب الفساد يدب في نفوس الإسرائيليين فيسجدون لمعبودات أخرى. وكان هؤلاء القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون من الغزاة يحررون القبائل باسم القيوم الأبدي ثم لا يلبث الشعب أن يعود إلى عبادة الأوثان والتلطخ بحمأة العبودية. الملوك - سئم الإسرائيليون آخر الأمر وطلبوا إلى شمويل (سمو أل) الكاهن العظيم أن يجعل لهم ملكاً فملك عليهم شاول على رغم إرادته وكان على هذا الملك أن يكون منفذاً خاضعاً لإرادة الرب لكنه حاول الخروج عن الطاعة وشق عصا الجماعة فراح الكاهن العظيم يقول له: لقد نبذت كلام الله ظهرياً فسيبعدك ربك عن الحكومة وينزع السلطة من يدك. ثم أن داود وكان زعيماً جندياً خلفه وحمل على أعداء إسرائيل كافة واسترجع لهم جبل صهيون ونقل إليه عاصمته وهي القدس. بيت المقدس - كانت القدس بالنسبة إلى بابل وثيبة عاصمة بلاد فقيرة. وما كان العبرانيون يتعاطون البناء ويميلون إلى العمران بل كانت ديانتهم تحظر عليهم إقامة المعابد وكان يقضى على مساكن الخاصة أن تشبه تلك المكعبات من الحجر التي لا تزال تشاهد إلى اليوم في شواطئ لبنان وقد غشيتها الكروم والتين ولكن كانت القدس بلد اليهود المقدسة وكان فيها للملك قصر يسكنه ألا وهو قصر سليمان الذي دهش العبرانيون بعرشه المصنوع من العاج وهناك أقيم بيت الرب وهو أول معبد عبراني. المعبد - كان المعبد الذي أقيم على عهد سليمان كبيت القربان المقدس عند النصارى مقسوماً إلى ثلاثة أقسام ففي داخله يقوم قديس القديسين حيث كان تابوت العهد ولم يكن يسمح لغير الكاهن العظيم أن يدخله مرة في السنة وفي وسطه المكان المقدس وكان فيه مذبح البخور ومسرجة ذات أغصان سبعة ومائدة الخبز يدخل إليه الكهنة لحرق الغالية ووضع القرابين وفي المقدمة ساحة البيعة مفتحة أبوابها للناس تنذر فيها الضحايا على المذبح الكبير. وعليه فقد صار معبد القدس بعد واسطة عقد الأمة يقصدونه من أقاصي فلسطين لحضور الاحتفالات وكان الكاهن الكبير الذي يرجع إليه أمر العبادة من أعاظم الرجال ورما كان في الأحايين أكبر سلطة من الملك.

стр. 383

الأنبياء نكبات إسرائيل - إن سليمان آخر ملك عرف بالحول والطول وانفصل بعده عشرة أسباط ألفوا مملكة إسرائيل تلك المملكة التي عبد سكانها عجول الذهب وأرباب الفينيقيين ولم يخلص منها الدين لله وحده أو لملك بيت المقدس سوى سبطين ومنهما قامت مملكة يهوذا (٩٧٧) ولقد انتهكت قوى تينك المملكتين بما اضطرا إلى دخوله من المعارك حتى إذا جاءتهما جيوش الفاتحين من الشرق خربت مملكة إسرائيل بأيدي بختنصر ملك الكلدان (٥٨٦). إحساس الإسرائيليين - رأى المؤمنون من الإسرائيليين هذه المصائب عقوبة لهم وأن الله عذب شعبه لخروجه عن طاعته على نحو ما جرى قديماً على عهد القضاة وأسلمه للفاتحين يمزقونه كل ممزق. وركب أبناء إسرائيل هواهم واجترحوا الآثام في جانب مولاهم فبنوا علالي وقصوراً في المدن كافة وحذوا حذو الأمم المحيطة بهم فخالفوا بذلك أمر ربهم وما حرمه عليهم فصنعوا صوراً مسبوكة وسجدوا للكواكب وعبدوا الصنم بعل ولذا نبذ الله تعالى أصل إسرائيل وعاقبهم فجعلهم طعمة لمن يكتسح بلادهم ويسلب طارفهم وتلادهم. الأنبياء - على ذاك العهد ظهر الأنبياء وهم إلياس وأرميا وأشيعيا وحزقيل وفي العادة أن يخرجوا من القفر بعد أن نقضوا زماناً في الصيام والصلاة والاعتبار والتدبر يأتون باسم الله لا غزاة مثل القضاة بل منذرين ومبشرين يدعون الإسرائيليين إلى الإنابة وقلب الأصنام والتوبة إلى بارئ النسم وينذرونهم بالخطوب التي يبعثها الله عليهم بعد إذا لم ينيبوا إليه فكانوا من ثم يدعون ويتنبأون. التعليم الجديد - رأى هؤلاء الرجال المستمسكون بالأمر الإلهي أن العبادة الرسمية في القدس غثة باردة. وليت شعري لم يذبحون البقر ويحرقون البخور إجلالاً لله على نحو ما يفعل الوثنيون. يقول عيسى: أصيخوا إليَّ بأسماعكم وعوا ما يقوله تعالى: ماذا أعمل بجموع قرابينكم فقد شبعت من ضحايا الغنم ومن دهن الحيوانات السمينة وما عاد يلذ لي دم الثيران ولا الخرفان ولا التيوس فكفوا إذاً عن أن تقدموا لي ضحايا هي من العبث فإن نفسي عزفت عن استنشاق بخوركم ومتى ترفعون أيديكم أحول نظري عنكم لأن أيديكم ملأى بالدم المهراق فقوموا وطهروا أنفسكم عن سيئات أعمالكم عودوا أنفسكم عمل

стр. 384

الصالحات وخذوها بتوخي طريق الرشاد وحماية المظلومين وأقسطوا اليتيم ودافعوا عن الأيم وعندما تصير خطاياكم كالقرمزي حمراء تبيض كالثلج وبهذا رأيت أن الأنبياء أرادوا الاستعاضة عن القيام بالنذور والضحايا بالعدل وصالح الأعمال. المسيح - استحق بنو إسرائيل ما دهمهم من المصائب ولكن لكل قصاص حد ينتهي إليه وغاية يقف عندها فقد قال عيسى باسم الحي القيوم أيها الشعب لا تخشى الآشوري أبداً فإنه سينالك من عصاه مثل ما كان ينالك من المصري في الزمن الغابر ولكن ستفثأ سورة غضبي قريباً ويرفع عن كاهلك ذاك العبء الثقيل. وعليه فقد علم الأنبياء الشعب اليهودي أن ينتظروا بعثة من يخلصهم وهيأوا السبل للمسيح. الشعب اليهودي الرجوع إلى بيت المقدس - جاء أبناء يهوذا من سهل الفرات ولم ينسوا وطنهم ولطالما احتفلوا به وتذكروه في أناشيدهم يقولون جلسنا على شاطئ أنهار بابل وبكينا وقد ذكرنا صهيون. فعيداننا كانت معلقة في أشجار الصفصاف على ضفة النهر وكان يقول لنا من أتوا بنا: تغنوا ببضع أناشيد من جبل صهيون ولكن أنى لنا أن نتغنى بنشيد للرب في أرض غريبةٍ وبعد سبعين سنة في العبودية أذن سيروس فاتح بلاد بابل أن يعودوا إلى فلسطين فجددوا بناء البيت المقدس والمعبد وعادوا إلى أحياء الأعياد والاحتفاظ بالكتب المقدسة وجددوا العهد مع ربهم علامة على أنهم عادوا إلى طاعته وعدوا من شعبه وهذا العهد عبارة عن ميثاق على الأصول كتبه أعيان الشعب ووقعوا عليه. اليهود - دامت مملكة القدس الصغرى مدة سبعة قرون يحكمها ملك تارةً وكاهن كبيرٌ أخرى وفي كلتا الحالتين كانت تؤدي الجزية إلى زعماء سورية فجبى جزاها الفرس أولاً ثم المقدونيون ثم السوريون ثم الرومانيون. وإذ صدق اليهود (دعوا كذلك لدن رجوعهم) مع ربهم ظلوا على عهدهم الأول من العمل بشريعة موسى والاحتفال بالأعياد وتقديم النذور في القدس وكان الكاهن الأكبر يحفظ الشريعة بمظاهرة مجمع الأعيان والكتبة ينقلونها والعلماء يفسرونها للشعب وجمهور المؤمنين يرون من واجباتهم الجري عليها والعمل بدقيقها وجليلها واشتهر الفريسيون خاصة بغيرتهم وتفانيهم في القيام بضروب الأعمال الصالحة.

стр. 385

المدارس (الكنائس) - ومع هذا فقد كان اليهود يرحلون في التجارة وينتشرون خارج بلادهم في مصر وسوريا وآسيا الصغرى وإيطاليا وكانت طائفة من أهل مذهبهم في المدن الكبرى جميعاً كالإسكندرية ودمشق وإنطاكية وأفيس وكورنت ورومية وكانوا أبداً يجتمعون في صعيد واحدٍ ليحفظوا كيانهم ويجمعوا شملهم المشتت بين الوثنيين ولم يقيموا المعابد لأن الشريعة كانت تحظر عليهم ذلك وليس لهم أن يبنوا سوى معبد يهودي واحدٍ ألا وهو معبد القدس حيث كان يحتفل بالأعياد وتقام المواسم والشعائر بيد أنهم كانوا يجتمعون ليشرحوا كلام الله ويتلوه ودعيت هذه الأماكن باسم يوناني (الكنيس) ومعناه المجالس. خراب المعبد - ظهر المسيح في خلال تلك المدة فصلبه اليهود واضطهدوا حوارييه سواءٌ كان في بلادهم أو في المدن الكبرى التي حلَّ فيها الجم الغفير منهم. ولقد شقت القدس عصا الطاعة عام ٧٠ على الرومانيين فأخذت عنوة وذبح سكانها كافة أو بيعوا بيع الإماء والعبيد فألقى الرومانيون النار في المعبد وقد حفل وطابهم بالأعلاق المقدسة. ومن يومئذ لم يعهد لليهود مجمع لدينهم. ما كتب على اليهود بعد تفرقهم - عاشت الأمة اليهودية بعد خراب عاصمتها ولما تشتت شملها تحت كل كوكب في العالم أنشأت تستغني عن المعبد وأبقت كتبها المقدسة مكتوبة بالعبرية. والعبرية لغة بني إسرائيل الأصلية لم يتكلم بها اليهود منذ رجوعهم من بابل بل اقتبسوا لغات الشعوب المجاورة كالسريانية والكلدانية وخصوصاً اليونانية. على أن المنوَّرين في الدين من الربانيين ظلوا يعرفون العبرية وهم يشرحون التوراة ويفسرونها وهكذا حفظت الديانة اليهودية وبفضل اللغة العبرية أيضاً بقي الشعب اليهودي وكثر أشياع هذا الدين في الأغيار فكان في المملكة الرومانية أناس كثيرون ممن يدينون باليهودية وليسوا من العنصر اليهودي في شيءٍ. قويت شوكة الكنيسة المسيحية في القرن الرابع فطفقت تضطهد اليهود اضطهاداً دام إلى يوم الناس هذا في البلاد المسيحية جمعاء. ومن العادة أن يتسامح مع اليهود في إجراء مراسيم ديانتهم لغناهم واستئثارهم بفروع الأعمال المالية ولكنهم ينحونهم عن ممارسة الوظائف الإدارية ولقد أكرهوا في معظم المدن أن يلبسوا ثياباً خاصة وينزلوا في حي خاص مظلم وخيم وبيل وأن يبعثوا أحياناً بأحدهم يصفع في عيد الفصح والناس يرمونهم

стр. 386

بأنهم يسممون الينابيع ويقتلون الأطفال ويدنسون القربان المقدس وربما يثورون بهم في الأحايين فيقتلونهم ويغنمون ما في دورهم ويسقيهم قضاة البلاد السمَّ أو يعذبونهم أو يحرقون لأقل حجة تافهة ولطالما تفتهم الحكومات زرافات من بلادها وصادرت أموالهم ولقد أجتث دابر اليهود من فرنسا وإسبانيا وإنكلترا وإيطاليا ولم تبق منهم بقية إلا في بلاد البرتغال وألمانيا وبولونيا وفي البلاد الإسلامية ومن هذه الممالك رجعوا إلى سائر قارة أوربا منذ انتهت أيام اضطهاداتهم وكفَّ الناس عن إرهاقهم وإعناتهم.

стр. 387

حكم الإعدام أكثر معاني هذه القصيدة منقول عن فيلسوف فرنسا وشاعرها فيكتور هوكو من مقدمة كتاب له عنوانه أواخر أيام المحكوم عليه بالقتل بين القضاة وآلة الإعدامِ ... حكم يشين عدالة الحكامِ حسب القضاةُ القتل اردعَ رادع ... يثني محللَ أفظعِ الآثامِ وهمَ القضاة فليس يعدلُ حاكمٌ ... إلا بقتل مفاسد الأيامِ هي أوجبت سفكَ الدماءِ ومهدت ... الأشقياءِ سبيلَ كلِّ حرامِ هي خالفت ما بين أخلاق الورى ... فتفرقوا فرقاً بغير نظامِ هي علمتهم كيفَ يفتك بعضهم ... بالبعض فتكَ الذئب بالأغنامِ كم مذنبٍ يأتي الذنوب وجهلهُ ... أو فقرهُ يقتادُهُ بزمامِ يا للقضاءِ أما تهابُ حكومةٌ ... أن تزهق الأرواحَ في الأجسام هلْ قلَّ في الأرضِ الهواءُ فلا غنىً ... عن حكم موتٍ للشقي زؤَام أيضيقُ جوفُ السجنِ عن أمثالهِ ... والقبرُ أضيق منهُ عند زحام لا تستقيمُ حكومةٌ إلا إذا ... قامت معالجةً لكلّ سقام تغني أخا البؤْسِ اليتيمَ بفضلها ... حتى تكون كفيلةَ الأيتام وتزيلُ أسبابَ الخصام فيغتدي ... أبناؤُهُ أعداَء كلّ خصام ما للعقوبة أن تعلم جاهلاً ... لا يذهب الإعدام بالإعدامِ القاهرة نقولا رزق الله

стр. 388

مكتبة الإسكندرية (نشر المقتبس في الجزء الثالث مقالة ملخصة من كتاب تركي في نفي تهمة حريق مكتبة الإسكندرية عن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب بالأدلة التاريخية ولما اطلع عليها العلامة المتفنن الشيخ شبلي النعماني أحد كبار دعاة الإصلاح في البلاد الهندية بعث لنا برسالة له كان كتبها بالإنكليزية في معنى حريق المكتبة الإسكندرية فدفعناها إلى صديقنا محمد لطفي جمعة فعربها ملخصة على ما ننشرها. وفي مأمولنا أن لا يحمل القراء هذا الموضوع إلا على إرادة تصحيح خطاءٍ تاريخي إذ ليس في نسبتها لأحد رجال الإسلام ما يدعو إلى الطعن في الدين نفسه كما أنه ليس في نسبتها لبعض رجال النصرانية طعن عليها بالذات والمجلة علمية أدبية اجتماعية وهذه الأبحاث هي موضوع اهتمامها أبداً). قال العالم الهندي: إن ما يوجهه الغربيون عامة من اللوم إلى المسلمين ويتهمونهم به من إحراق مكتبة الإسكندرية ليس سوى أحد أمور كثيرة ظلم فيها الغرب الشرق ووجه الأغيار إلى المسلمين سهام اللوم بغير حق وقد سرى هذا الاعتقاد إلى جميع المشتغلين بالعلم والأدب من الإفرنج بحيث لا تجد كتاب علم أو قصة أو تاريخاً أو خرافة أو مثلاً سائراً إلا وفيه ذكر لإحراق مكتبة الإسكندرية وتقريع للمسلمين الذين أحرقوها وقد دخلت مكتبة الإسكندرية حتى في القضايا المنطقية وهي من العلم الصراح الذي لا ينبغي أن يشاب بالأغراض والأهواء وهاك سؤالاً منطقياً وضعه الممتحنون في سنة ١٨٨٢ في مدرسة كلكتا الجامعة ورد فيه ذكر المكتبة: بين خطأ القضية الآتية: إن الكتب التي تتفق مع القرآن في شيءٍ لا فائدة منها لوجوده والكتب التي تخالفه يجب إتلافها. لم يكتب تاريخ كبير في حوادث العالم إلا وورد فيه ذكر مكتبة الإسكندرية. وكثيراً ما كان كبار المؤلفين يشفعون الحادثة التاريخية برأيهم الخاص في هذا الموضوع مظهرين خطأ التهمة أو صوابها ويحسن بنا في مثل هذا المقام أن نأتي على الكتب التي استند عليها المؤلف في المراجعة قبل كتابة هذه الرسالة فأول هذه الأسفار تاريخ رومية تأليف العلامة جيبون ونحن نوجه الأنظار إلى ما كتب في هذا الكتاب عن فتوح الإسكندرية وثانيها كتاب اجيبتكا أو ملاحظات فلسفية على بعض الحوادث التاريخية تأليف الأستاذ هويت مدرس

стр. 389

اللغة العربية في مدرسة اكسفورد الجامعة وفي هذا الكتاب ناصر المؤلف القائلين بإنهاء المسلمين بإحراق المكتبة. ثم كتاب الخلفاء الراشدين تأليف وشنجتون ارفنج صحيفة ١١٣ ثم كتاب تاريخ العرب صحيفة ٢٥٤ ثم تاريخ بلاد العرب قديماً وحديثاً تأليف العلامة اندريو كريستون صحيفة ٣٩٣ ثم تاريخ نزاع العلم والدين تأليف العلامة درابر الشهير صحيفتا ١٠٣ و١٠٤ ثم مقالة دائرة المعارف الإنكليزية الكبرى عن الإسكندرية ثم تاريخ العرب العام تأليف العلامة سدليو. ثم شرح العلامة دي ساسي على تاريخ عبد اللطيف البغدادي وفيه كلام مطول وبحث ممل عن إحراق المكتبة ثم رسالة الهير كريل العالم الألماني التي تليت في مؤتمر المشرقيات في جلسته الرابعة في فلورنسا سنة ١٨٧٨. وأغلب كتاب هذه الكتب سيما من يثبتون هذه الإشاعة يبرئون أنفسهم بقولهم أنهم لم يأتوا بها من عند أنفسهم بل هم يستندون في تقرير هذه الحقيقة إلى ما كتبه العرب أنفسهم في كتبهم وما دونوه في تواريخهم. وأول من أشاع هذه الإشاعة في أوربا رجل اسمه أبو الفرج وهو ابن رجل من بني إسرائيل اسمه هرون الطبيب. وقد ولد أبو الفرج هذا في ملاطية سنة ١٢٢٦م. وانتحل أبوه المسيحية فنشأ الولد عليها وتفرغ في صباه لدرس فقهها وتمحيص حقاق تلك العقيدة وكان يحسن العربية والسريانية ولما ظهر علمه وبان فضله عين أسقفاً لجوبا وهو حينئذ في الحادية والعشرين من عمره ومازال يرتقي درجات الكهنوت حتى صار رئيس طائفة اليعاقبة ولم يكن فوقه سوى البطريرك وكتب أبو الفرج تاريخاً جمعه من مصادر شتى عربية وفارسية وسريانية ويونانية واختصره في سفر صغير كتبه بالعربية وسماه مختصر الدول وكان هو أول من ذكر خبر إحراق مكتبة الإسكندرية فلما نقل الكتاب إلى اللاتينية سنة ١٦٦٤ بدأت الإشاعة تتفشى في أوربا بأسرها. وإليك ما ذكره جيبون في تاريخه بالحرف: وقد ذكر ارفنح وكريستون وفلين وغيرهم أن ما أشيع عن الإسلام والمسلمين من المساوئ لم يكن له ذكر قبل نقل هذا الكتاب مختصر الدول إلى اللاتينية ومن ذلك الحين ابتدأ الغربيون يبغضون المسلمين ويحتقرونهم وهاك ما جاء في مختصر الدول بهذا الشأن: ولما أحب عمرو يوحنا فيلوبونوس لعلمه وأدبه وقرَّبه من مجلسه وأدناه من نفسه وصارت

стр. 390

ليوحنا دالة على عمرو لقيه يوماً وقال له: لقد ملكتم كل شيء في هذا البلد (الإسكندرية) بعد فتحه. فنحن لا نعارض في امتلاككم ما ينفعكم كما أنني لا أرى مانعاً من أن ننتفع بما لا تريدون فسأله عمرو عن غرضه فقال أريد ما في المكاتب الملكية من الكتب والمؤلفات الفلسفية. فقال عمرو لابد لي أن أسأل الخليفة في ذلك وكتب إليه يشاوره في الأمر فاتاه من عمر هذا الجواب. إذا كانت الكتب التي تشير إليها تتفق مع كتاب الله فلا حاجة لنا بها وإذا كانت تخالفه فإتلافها خير وأولى. فوزع عمرو الكتب على حمامات الإسكندرية وأمر بإحراقها لإحمائها فاستمرت النار ستة أشهر تأكل الكتب. فاقرأ وتعجب ما جاء في مختصر الدول. وقد انتشرت الإشاعة في أوربا على هذه الصورة وكان العلامة جيبون أول من نبه الناس إلى خطئها فإنه قال في كتابه إنني لا أعتقد بصحة هذه الرواية لأسباب قوية منها أن أبا الفرج بن هرون ولد بعد فتوح الإسكندرية بخمسة قرون وجاء قبله كثيرون من المؤلفين والمؤرخين ونحن لم نجد لهذه الإشاعة فيما كتبوه عن مصر ذكراً فكيف نعتمد على قوله ونحله من الصدق غير محله. وقد نبه جيبون بذلك أذهان علماء الغرب فانقسموا قسمين قسم نهض لمناصرة جيبون وقسم قام لمعارضته ومناهضته ومن هؤلاء المستر كريستون الذي كتب تاريخاً للإسلام فإنه قال: لو فرضنا أن أبا الفرج كاذب فيما قال واستنسينا عن روايته فإننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن غيره من كتاب المسلمين أنفسهم أمثال عبد اللطيف البغدادي والمقريزي وكلاهما ذكر القصة في تاريخه بالتطويل. وكذلك قال الهير كيريل وهو يقول أن عبد اللطيف أول من ذكر هذه الحادثة وهو أيضاً ولد بعدها بخمسة قرون. وإذ أن منبع هذه الإشاعة هو ما كتبه مؤرخو العرب فنحن أعلم بما كتبه هؤلاء من غيرنا والمثل العربي يقول وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. ونحن نعلم أن الإفرنج الذي أيدوا الإشاعة اعتمدوا في كتبهم على ما كتبه عبد اللطيف والمقريزي وحاجي خليفة وقد سرت عدوى التقليد إلى بعض جهال المؤلفين فنقل أحدهم
следующие страницы →