Полный текст (6 802 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أشغال الفينيقيين - عاش الفينيقيون بالتجارة لازدحام أقدامهم في بقعة ضيقة من الأرض. ولم يكن لسائر شعوب الشرق من مصريين وكلدانيين وآشوريين ولا قبائل الغرب البربرية (الأسبان والغاليين والطليان) عهد بركوب البحار وشق العباب والفينيقيون وحدهم جرأوا في تلك الأيام على تجشم البحر فصح أن يدعوا من أجل هذا عملاء تجارة العالم القديم وقادة البيع والشراء يبتاعون من كل شعب سلعه ويتقايضون معه على غلات البلاد الأخرى تجارة كانت مستحكمة الصلات مع الشرق براً والغرب بحراً.
القوافل - اعتاد الفينيقيون أن يرسلوا في البر قوافل تتجه وجهات ثلاث إحداها إلى بلاد العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر وعطور بلاد العرب واللؤلؤ والأباريز والعاج والأبنوس وريش النعام وقرود الهند. والقافلة الثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء المعطر وحرير الصين. وتقصد القافلة الثالثة أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال قافقاسيا القوقاز.
بحريتهم - بنى الفينيقيون بخشب أرز لبنان المتين قوارب بأشرعة ومجاذيف حملوا عليها متاجرهم البحرية وما مست حاجتهم أن يكونوا أبداً على مقربة من الشواطئ في ركوبهم البحر إذ كانوا يتجهون حيثما أرادوا بجعل نجمة القطب قيد نواظرهم وكانوا يستدلون بها على الشمال. ولقد فطر الفينيقيون على الاستخفاف بركوب اليم فألفوا بأنفسهم في مراكب صغيرة تغدو بهم وتروح في أطراف البحر الرومي بل جرأوا على اجتياز مضيق جبل طارق أو كما دعاه القدماء أعمدة هيركول فيجتازون البحر المحيط إلى شواطئ إنكلترا وربما بلغوا بلاد النروج. سافرت عصابة منهم في خدمة أحد ملوك مصر في القرن السابع وجازت البحر الرومي لتطوف حوالي إفريقية ثم رجعت على ما قيل بعد ثلاث سنين من البحر الأحمر وغادرت قرطاجنة حملة ضربت نحو شاطئ إفريقية إلى خليج غينة. وقد كتب القائد حانون قصة في هذه الرحلة.
البضائع - كان الفينيقيون يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة ويبحثون في البلاد المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل. يصطادون الصدف من شاطئ بلاد اليونان ومنه يستخرجون صباغاً أحمر وهو الأرجوان. وكانت الأنسجة
стр. 317
الأرجوانية تستعمل عند الأقدمين كافة ملابس للملوك والأمراء ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردينا من مناجمهم وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر وهو مركب من نحاس وقصدير لا أثر له في بلاد الشرق ولذا كان الفينيقيون يرحلون في طلبه وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير المعروفة بجزائر كاسيتريد. وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النحاس العبيد في ساحل إفريقية. إذ الشعوب القديمة كلها كانت تتجر بالرقيق. وينزلون طوراً في إحدى السواحل فجأة فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى بلادهم أو يبيعونهم في القاصية. وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصاناً ولا يتحامون إطالة يد التعدي على الأغيار.
سر اختص به الفينيقيون - لم يقلق الفينيقيون إلا من قيام بحارة الأمم الأخرى إلى منازعتهم السلطة على البحار ومجاراتهم في الملاحة والاتجار فمن ثم كانوا يكتمون الطريق التي يسلكونها إبان عودتهم من الأقطار النائية ولذا لم يعرف أحد في القديم جهة جزائر الكاسيتريد المشهورة التي جلبوا منها القصدير. وقد رأت إحدى المراكب بلاد إسبانيا التي كانت لها صلات تجارية مع فينيقية منذ قرون عرضاً بدون تعمل. وكانت قرطاجنة تغرق من تصادفهم من التجار الأجانب في سردينيا أو في ناحية جبل طارق. حتى أن ربان إحدى المراكب أغرق سفينته ذات يوم عندما رأى سفينة غريبة تطارده مخافة أن تطلع على خطة سيره.
مستعمراتها - أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في البلاد التي اتجروا فيها وهي مراكز للبرد حصينة واقعة على شاطئ بحر على مرفأ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام فيأتي أهل تلك البلاد بغلاتهم فيقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأوربيين زنوج إفريقية. تقام أمثال هذه الأسواق في قبرص ومصر وجميع بلاد البحر الرومي التي كانت على همجيتها مثل اقريطش (كريت) وبلاد اليونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردينيا وشواطئ إسبانيا (مالقة وقادس) وربما أقاموها في بلاد الغول (موناكو) وكان أهل البلاد يبنون أكواخهم حول بنايات الفينيقيين فيصبح السوق مدينة ويقتبس السكان أرباب الفينيقيين وقد دامت عبادة ربة على صورة الحمامة حتى بعد أن
стр. 318
صارت المدينة يونانية كما في سيتير والرب ملخارت كما في كورنت ورب ذو جبهة ثور يفترس الضحايا البشرية كما في اقريطش.
نفوذ الفينيقيين - لم يكن يخطر للفينيقيين شيء على بال لما أسسوا مكاتبهم التجارية إلا الاحتفاظ بمصلحتهم الخاصة ولكن حدث أن نفعت مستعمراتهم التمدن فإن برابرة الغرب أخذوا عن أمم الشرق وكانت أكثر منها تمدناً كيفية صنع الأنسجة والحلي والماعون وتعلموا محاكاتها. مضى حين من الدهر واليونان لم يعرفوا غير الأواني والحلي والأصنام التي يأتيهم بها الفينيقيون وعلى منوال هذه البضائع نسجوا بعد فإن الفينيقيين حملوا من مصر وأشور الصناعة والبضائع معاً.
الأبجدية - حمل الفينيقيون أيضاً إلى البلاد التي نزلوها أبجديتهم وحروف الهجاء ولم يخترعوا الخط إذ كان المصريون يعرفون الكتابة قبلهم بقرون وقد استعملوا حروفاً تدل كل منها على صوت كما هو الحال في حروف الإفرنج. على أن خطهم كان مشوشاً بعلامات قديمة يدل بعضها على مقطع وآخر على كلمة برمتها. لا جرم أنه اقتضى للفينيقيين إذ ذاك طريقة أبسط لكتابة رسائلهم التجارية فاطرحوا العلامات كلها من مقاطع وصور ولم يبقوا سوى اثنين وعشرين حرفاً يدل كل منها على صوت أو على لفظ باللسان فاقتبست الشعوب الأخرى هذه الأبجدية المؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً. فقد كتب اليهود من اليمين إلى الشمال كما كتب الفينيقيون وكتب غيرهم كاليونان من الشمال إلى اليمين وكلهم بدلوا شكل الحروف إلا قليلاً. والخط الفينيقي على التحقيق أصل الأبجديات كلها من يهودي وليسي ويوناني وايتاليكي وابتروسكي وايبيرسكي وربما كان الخط النروجي أيضاً فالفينيقيون هم الذين علموا العالم الكتابة.
стр. 319
حسنات القرن الماضي وسيئاته
لقد تناول الانقلاب الذي طرأ على الأخلاق العامة أسلوب الطعام أيضاً فإن سرعة المواصلات وسهولتها وميل الحواس الظاهرة وارتقاءها قد أبدل ضرورة الطعام بضرورة الحس الظاهر بمعنى أن الإنسان رجاء إرضاء شهواته الذوقية قد تعدى حدود القناعة بأن آثار الشهوات الصناعية بالتوابل الخاصة والمنبهات الداعية إلى النهم حباً بالإكثار من ضروب الأطعمة والملاذ فقد انتشر فن الطبخ وإجادة الألوان في الأقطار على اختلافها من حيث الحرارة والبرودة وما اختلفت كمياته وكيفياته. كل ذلك لتحقيق شهوات النفوس وأذواق السكان في أنواع الطعام دون النظر إلى ما يحول دون ذلك من عدم الملاءمات الشخصية والمكانية مع هذه الطريقة في التغذية المختلفة الألوان والأشكال. وما أصدق ما قاله أحدهم من أن ما نتناوله اليوم من الأطعمة ينقسم إلى ثلاث درجات أحدها لضرورة الغذاء وثانيها لضرورة الذوق وثالثها توقعاً للأمراض التي تصيبنا في المستقبل. وقال شيشرون الخطيب الروماني: لقد أحدث الشره من المصائب أكثر مما أحدث الحرب فإنه مصدر كثير من الأوصاب والأدواء. فأرباب الشره مستسلمون لعاداتهم في طعامهم وشرابهم بحكم الذوق لا بحكم الضرورة ولذلك تراهم عرضة لكثير من الأمراض ومنهم من يغتر بما يكرعه من المياه المعدنية في فرنسا والنمسا (في فيشي وكارلسباد) وسائر البلاد التي تنبجس فيها أمثال تلك المياه فترى في كل سنة يزور كلاً من تينك البلادين زهاء خمسين ألف زائر ويغرهم تسهيلها الهضم معهم حتى إذا رجعوا إلى أهلهم قريرة أعينهم بما شاهدوه من التحسين في صحتهم يعودون إلى سالف عاداتهم من النهم والبطنة والبطنة كما قيل تأفن الفطنة فيندمون على ما فرطوا في جنب معدهم ولكن بعد أن يسبق السيف العذل.
وإن السواد الأعظم من العاملين الذين يتألف منهم جيش المجاهدين في الحياة ليقضون النهار في أماكن محصورة بعضهم في مصنع وآخر في غرفة عمله وفريق في مكتب وغيره في مخزن وكلهم يعملون بلا انقطاع بأيديهم أو بعقولهم فيصرفون جميعاً جزءاً عظيماً من قواهم الطبيعية والعقلية ولا يتناولون أطعمتهم في أوقاتها ولا يرتاحون بعد غذائهم راحة كافية لتعمل الأعضاء الهاضمة عملها ولا يألفون من أنواع المسليات غير أماكن القهوة ودور التمثيل فيستنشقون هواءً ملوثاً بأكسيد الكربون وحامض الكربون وغيره
стр. 320
من الهواء المنبعث من تضايق مئات من الأنفاس المجتمعة في أماكن مغلقة يعوزها الترويح والهواء النقي المستنشق مما يؤدي بمن يختلفون إلى تلك المحال إلى اختلال أحوال الهضم والبنية والقوة وتكون أبدانهم مرتعاً خصيباً لجراثيم الأمراض وفي مقدمتها السل.
وما جاء به هذا القرن من الأعمال العلمية والعقلية والطبيعية قد أثر في محيط الناس كل التأثير وخصوصاً في الغذاء والمجموع العصبي. وما أحلى ما قاله أرسطو من أن الإنسان يريد إمتاع حواسه ويبحث عن أسبابه إذ من الملذ للباصرة أن تنظر وللسامعة أن تسمع وللجلد أن يمس وللسان أن يذوق وللشامة أن تستنشق.
وجملة الأمر أن نشوء المجتمع الإنساني في القرن التاسع عشر قد جرى بقوة الجهاد المتواصل الذي أودى بحياة مئات الألوف من الضحايا البشرية وقد نبه في المجاهدين وفي أخلافهم حب الارتقاء والتهذيب العقلي بحيث دخل الفكر الإنساني في دائرة من الحركة المعجلة تسير أبداً إلى غاية لا حد لها وأهلها أبداً في قلق حرصاً على كشف أسرار الطبيعة والانتفاع بقواها المكنونة والوقوف على القوانين القائمة بها. ولئن عني الإنسان بقمع جماح الطبيعة وفتح الترع وحفر القنوات وابتناء الطرق الحديدية في القفار والسهول الواسعة المتجمدة حباً بربط القارات بعضها ببعض فإنه لم يعمل كل هذا رغبة في توسيع ميدان جهاده وزيادة في مصادر الثروة العامة والخاصة بإيجاد مصارف لمصنوعاته بل هناك شيءٌ من سائق الفطرة دعاه أن ينقل بذور التمدن إلى البلاد الشاسعة في آسيا وإفريقية لأنها ظلت مباينة لأفكار الارتقاء والشعور الإنساني وهما من خير ما أنتجه القرن من صالح الأعمال ولكن هذا الجهاد العظيم الذي اضطرت الإنسانية أن تتحمله مدة قرن كامل قد أحدث أمراضاً مختلفة كما أنه زاد الشقاء الاجتماعي واشتدت حرب الحياة بما لم يعهد له نظير. نعم وقف ولاة الأمر على فساد النظام الاجتماعي الحاضر وأيقنوا بالحاجة الماسة إلى مداواته بيد أنهم تضاءلوا عن الإقدام عليه بداعي قلة ما لديهم من الأسباب في تخفيف نتائج حركة الارتقاء وضعف الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع الحديث. على أن الفطرة هدتهم إلى الأخذ من معارف حملة العلم في فروع المعارف الاجتماعية المختلفة والاهتداء بهديهم وخصوصاً فيما من شأنه أن يكون فيه النظافة العامة وإصلاح حال الطبقة
стр. 321
النازلة من العملة وكانت البلجيك أول الدولات التي دعت الدول إلى مؤتمر صحي دولي سنة١٨٥١ و١٨٥٢ ثم حذت فرنسا حذوها ومذ ذاك أصبحت المؤتمرات الصحية الدولية تجتمع كل سنتين في عواصم أوربا. وتنقسم هذه المؤتمرات بحسب معارف من تتألف منهم فيعنى بعضها بالمباحث المتعلقة بالأمم وبإحصاء حركة الشعوب العامة في كل قطر وبأسباب موت الأولاد في سن الطفولية وبحفر القنوات في المدن وإروائها بماء طاهر عذب. ويعنى البعض الآخر بالأمراض السارية وطرق الوقاية منها. ويدرس بعضها الإنسان من حيث صنعته أو حفظ صحته في صناعته من تغيير هواء المعامل والمصانع حيث يقيم العامل ويمس بيده مواد مضرة أو تركيبات كيماوية تفعل فعل السموم أو مواد نباتية أو معدنية تخرج منها غبرة تسبب أمراضاً رئوية. ويعنى بعضهم ببناء بيوت للعملة ومساكن رخيصة. ويبسط بعضهم جناح حمايته على الأطفال في المد الكبرى ويقوم على حفظ الصحة في المدارس. ويهتم بعضهم بوقاية الناس من السل والأمراض الزهرية. ويبحث بعضهم في الطرق التي تحول دون انتشار تعاطي الكحول. وبالجملة فكلهم يد واحدة يسيرون نحو غاية واحدة ألا وهي درس كثير من المشكلات الصحية وتدبير الصحة العامة ليوفروا لكل مملكة سكانها ويكثروا سوادها ولينقبوا عن أسباب من شأنها أن تؤدي بالجنس البشري إلى الكمال بإصلاح ملكات الطبقة النازلة وتحسين غذائهم وتطهير الأرض والهواء والماء استبقاءً لصحة سكان المدن العظمى وتقوية للمقاومات الحيوية في الأفراد ومقاومة لغارة جراثيم الأمراض السارية.
وبالنظر لارتفاع كلمة الاشتراكية في أوربا اضطرت حكوماتها والطبقة العالية من علماء الاقتصاد فيها إلى القيام بأعمال تضمن سلامة العملة ومستقبلهم وبعنايتهم تألفت عدة جمعيات تتوخى بذل الإحسان للبائس والفقير وجمعيات متعاضدة على حب الخير. ووافقت دور الندوة والأندية السياسية في ممالك كثيرة على قوانين تقي الشيوخ والزمنى مصارع السوء وموارد الهلكة وتقوم بأودهم في أوقات مرضهم ومصائبهم. ومتى عرف الناس كافة قيمة الهواء النقي والماء الجيد السائغ وما يفعلانه في الصحة والخطر الذي تتعرض له الحياة البشرية من فساد الأرض بالمواد الأولية العفنة متى عرف الناس هذا يقدرون الانطباع على الاعتدال حق قدره في إطالة الأعمار. ولا مندوحة للبشر إذا توفروا على
стр. 322
أسباب النظافة والاعتدال أن يعنوا بتطهير الأخلاق العامة والخاصة من الشوائب وترقية الشعور الأدبي في الأفراد ومن مجموع هذه الصفات تتحقق نيات زعماء التمدن الحديث والداعين إلى البلوغ به أوج الكمال. وإذا لقيت رائد الطرف على ما تم في الأعوام الأخيرة أدركت أن ما انبعث في النفوس من المضاء يقوي الملك في أن يتمم القرن العشرون ما فات شقيقه الأكبر.
وإن ما ساعد الإنسان على بلوغ درجة من الترقي فاق بها أسلافه في القرون الماضية هو التعاضد والتكافؤ فهو العمل الذي كلل هامة التمدن في هذا القرن. ورمز هذا النظام: أن من الاتحاد قوة وغاية هذا التكافؤ تقوية صلات الأسرات بالمعارف الاجتماعية ومساعدة المرء العاجز عن العمل من مرض وحادث أو عطلة أو شيخوخة أو هرم فتألفت جمعيات حديثة غايتها أن تعطي رواتب ضماناً للحياة أو في حال الوفاة وقامت بعضها بأعمال خيرية وتهذيبية صناعية وبذل بعضها مجهود لنشر المعارف العلمية في مدارس عملية وتأسيس خزائن كتب وحدائق العملة وبعضها أخذت على نفسها القيام بالأعمال الصحية وتطهير المساكن وتحسين الشروط الحيوية في العملة وتعاهد بعضهم على مقاومة السل وذلك أولاً بالبحث عن أسباب الشقاء الاجتماعي ثم بإحداث ملاجئ ومصاح. وتألفت بعض جمعيات للقيام بحماية الأمومة والطفولة. ناهيك بأن مبدأ التكافل الاجتماعي قد أشربت النفوس حبه في البلاد الإفرنجية حتى أن فرنسا بعد أن كان فيها عام ١٨٩١، ٩١٤٤ جمعية وأعضاؤها ١. ٤٧٢. ٢٨٥ ورأس مالها ١٨٣. ٥٨٧. ٤٥٠ فرنكاً قد صارت سنة ١٩٠٤ ١٨٥٠٠ جمعية وأعضاؤها ٣. ٧٠٠. ٠٠٠ ورأس مالها ٣٨٠ مليوناً ودخلها ٥٤ مليوناً. وكفى بأنه تألف في شهر أبريل فقط سنة ١٩٠٤ في فرنسا ١١٧ جمعية جديدة.
هذا ولا ريب أنه ستعظم صلات التكافؤ بين صالح الأفراد ومصالح الأسرة البشرية العظمى بكثرة تلك الجمعيات الراقية وتأصل ملكة التكافل الإنساني فتزيد تلك الصلات في كل يوم عن امسه توطيداً. وكيفما دارت الحال فإن هذا يعد من الارتقاء العظيم في السلم الاجتماعي على حين كان معدوداً من قبل من الخيالات الباطلة ولابد أن يأتي يوم يعد فيه من الضرورات للسلامة العامة. فإن افتخر القرن التاسع عشر بأن بسط المشاكل الاجتماعية ومثلها على بساط الوجود فمن الفروض المحتمة على القرن العشرين أن يأتي
стр. 323
على حلها إلى عالم الشهود.
стр. 324
تعليم العميان
اهتم العالم المتمدن في الأيام الأخيرة بتعليم العميان إذ رأى علماء الاجتماع أنهم يصلحون لأعمال كثيرة لا يصلح لها أغلب المبصرين وذلك مثل التوقيع على آلات الموسيقى والغناء وغيرهما من الفنون الجميلة. وليس تعليم العميان في الغرب بعيد العهد كثيراً بل يرد عهده إلى النصف الأخير من القرن الثامن عشر. فقد أسست سنة ١٧٨٤ في باريس أول مدرسة للعميان وكانت قراءة التلامذة في هذه المدرسة باستعمال الحروف البارزة. وفي سنة ١٧٨٦ عرض فالانتين هاي الذي اشتهر بحب الإنسانية في خدمة بني جنسه تلامذته على الملك لويس السادس عشر وحاشيته في بلاط فرسايل. وفي تلك السنة نفسها نشر مقالة في تعليم العميان شرح فيها طريقته. ولكن هاي لم يكن غنياً وحدث أن نضب نبع عطاء الكرام فعجز هاي عن إتمام عمله فقررت الحكومة الفرنسية أن تأخذ المدرسة تحت حمايتها لتنفق عليها من ماليتها وكان ذلك في سنة ١٧٩١.
وقد أخذت بلاد الإنكليز من فرنسا تلك الطريقة الشريفة فأسست في إنكلترا مدرسة العميان بليفربول وملجأ العميان في ادنبرج ومدرسة العميان في لندن وغير هذه في بلفاست ودوبلين ويورك. وفي سنة ١٨٦٨ أسس الدكتور ارمتياج جمعية معاونة العميان وكان غرض هذه الجمعية ترقية تعليمهم فأسست المدرسة الملوكية لتعليم الموسيقى وكان الغرض من تأسيس هذه المدرسة ترقية تعليم فن الموسيقى لأنه كان الفن الوحيد الذي برع فيه العميان لسهولة تعليمهم إياه وقد نجح في هذه المدرسة ٨٩ في المائة وكلهم اليوم في مكنة من الكسب والتعيش بصنعتهم. وقد رأى القائمون أمر هذه المدرسة أن أهم شيءٍ في تعليم العميان هو تقوية أجسامهم وتربيتهم تربية بدنية عقلية وذهب بعضهم إلى أن العمى ليس هو السبب الوحيد في خيبة المصابين به بل السبب في خيبتهم إنما هو خمولهم وضعف الإرادة والعزم فيهم فأدخل في هذه المدرسة كثيراً من الألعاب الرياضية كالمشي والعدو والطعن والسباق وركوب الدراجة والتجديف والانزلاج على الثلج. وكان التهذيب العقلي يشمل تقوية الفكر وتنمية قوة الملاحظة والذاكرة وتنبيه الميل إلى الدرس والمطالعة والتمرين على النطق بالتأني مع قلة الكلام. وفرض على كل طفل أعمى أن يتعلم فن الكتابة على آلة الكتابة المسماة تيبرايتر ويختص البنات بتعلم الخياطة والحياكة وصنع الحلل.
стр. 325
وأول من اخترع حروفاً لقراءة العميان إسباني اسمه فرنسيسكو لوكاس اخترع طريقة حفر الحروف على ألواح الخشب وقدم هذه الطريقة إلى الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا ثم اخترعت طريقة للقراءة غريبة وهي استعمال الدبابيس والوسائد بدل الحروف والطروس. واخترع ألماني طريقة القراءة بتجويف الورق الغليظ. وعلم بهذه الطريقة الآنسة بارديس التي نبغت في فن الموسيقى نبوغاً عظيماً.
وتدل الإحصائيات العلمية على أن عدد العميان قد أخذ ينقص شيئاً فشيئاً فقد كان في إنكلترا وويلس في سنة ١٨٥١ أعمى واحد من كل ٩٧٩ وفي ١٨٦١ كان فيهما أعمى في كل ١١٣٨ وفي ١٨٩١ كان فيهما أعمى واحد في ١٢٣٥ وينسب هذا النقص إلى ترقي فن الجراحة البصرية واهتمام الأطباء بدرس أمراض العين واعتناء الأهلين بعيون أبنائهم عند ولادتهم. وفي إنكلترا وويلس ٢٥ مدرسة للعمي و٣٣ معملاً لتعليم الحرف و٤٦ جمعية تختص بفحص أحوال العمي وتدبير أمورهم. والصنائع الشائعة التي تعلم في هذه المدارس هي عمل السلال والفرش والحصر والأكياس والحبال والمكابس والبسط والسلك والكراسي للذكور والخياطة والغزل والنسيج للإناث وقد أفاض الأغنياء على هذه المدارس وهاتيك الجمعيات والمعامل ضروب العطاء وجاد كثير منهم بأرزاق واسعة بعد موتهم وقفوها على تعليم العميان وإصلاح حالهم.
وبعد فلا يسعني بعد أن أتيت على ما أتيت عليه من أخبار العمي وتعليمهم إلا أن أحيي الغرب وبنيه الذين أحسنوا الانتفاع بكل شيء وعلموا حتى العميان وأؤنب الشرق وأهله الذين أساؤوا استعمال كل شيءٍ وأهملوا حتى تعليم المبصرين. فلله در أرض يبصر فيها المكفوفون ولا در أرض يعمى فيها الناظرون وسقيا لجدث شاعرنا الذي قال:
أن يأخذ الله من عينيَّ نورهما ... ففي فؤادي وقلبي منهما نور
القاهرة
محمد لطفي جمعة
стр. 326
جيوش المستقبل
جاء في العدد الأخير من مجلة البابيروس التي ينشئها صديقي ميخائيل مونان الكاتب الأمريكي البليغ مقالة من قلمه تحت عنوان صورتان يقابل فيها بين كلام لكاريل في الحرب وكلام لكارل مركس فاستحسنت نقلها إلى المقتبس لإرجاء نشر محاسن مجلة صديقي الصغيرة النفيسة التي لا تنفعها الشهرة العربية بل حرصاً على بث رأي الفيلسوف الألماني الجميل وحباً بالسلم العام الذي لا يستتب كل الاستتباب إلا إذا تأصلت جرثومة بغض الحرب في قلب كل إنسان. لكاريل فصل مشهور يصف فيه جيشين متعاديين واقفين في ساحة القتال ينتظران أوامر قوادهما على حين ليس من عداوة بين رجال الجيشين ولا ثأر ولا تراث ولا يحملهم على القتال شيء من الضغائن الشخصية ولا دعاهم إلى ساحة الحرب داع من دواعي الأمة والوطنية التي يحسبها بعضهم شريفة جليلة فهم هناك امتثالاً لإرادة حكامهم المطلقة وطوعاً لأوامرهم العالية. هم ثمت لا لأسباب لها مساس بشؤونهم العالمية ولا لدواع تستلزمها مصالحهم الخصوصية ولا لأغراض ينفعهم تعزيزها وتنفيذها ولا لمبادئ يهمهم نشرها ومعرفتها وتراهم مع هذا هجروا نساءهم وأولادهم وبيوتهم وآباءهم وأمهاتهم وكل ما يرغبهم في الحياة ليريقوا دماءهم الطاهرة ودماء غيرهم من الأبرياء من أجل أهواء حكامهم الخبيثة أو مطامعهم الباطلة. وفي كلا الجيشين كهنة يحرضون الرجال على القتال ويزينون لهم الجهاد في سبيل الأمة والوطن. يزينون لهم سفك الدماء الذي يؤهلهم إلى الخلاص بالمسيح كما يزعمون. ويبرهنون لهم أحسن برهان بأن عملهم هذا مطابق للإرادة الإلهية التي يمثلها في حكامه المختارين المباركين ولما كان الكهنة يعزون مثل هذا الجهاد إلى إرادة إلهية شأنهم في كل حرب منذ بدأت القبائل والشعوب تغزو بعضها بعضاً للقتل والسلب والنهب فينتج عن ذلك أن الله هو المسؤول وحده عن الحرب وأهواله. وهكذا يهجم المتحاربون بعضهم على بعض هجوم الوحوش الضارية وقد فعلت هذه المنبهات الدينية في الرؤوس فيذبحون إخوانهم ويفادون بأنفسهم للذبح راضين قانعين لأن حكامهم أمروا بذلك وكهنتهم آذنوا به بل حرضوا عليه. على أنهم يسيرون إلى ساحة الحرب بادئ بدءٍ بفتور همة وتردد حتى إذا تقابل الجيشان تتغير الوجوه وتلعب في القلوب روح الهمجية ونهمة القتال. فينقلبون سريعاً وأي انقلاب. ولم يكونوا من قبل ليفكروا في غير بيوتهم وعيالهم المهجورة وفي النول والمحراث
стр. 327
والمعمل وأدوات الصنائع المتروكة. وأما الآن فلا يهزهم سوى نهمة وحشية واحدة فتراهم قد فقدوا كل عاطفة بشرية تراهم يفرحون ويتهللون بسفك الدماء فيصرخون وقد ملأت رائحة الدم خياشيمهم اقتلوا اقتلوا اقتلوا. هذه هي الصورة الهائلة التي صورها كارليل.
وهناك صورة أخرى تمثل الجيشين المتعاديين صورها كارل مركس بقلمه. وليست الصورة هذه مشهورة كالأولى ولكن ستصبح عزيزة فريدة في المستقبل فتفوق صورة كارليل شهرة وتستمطر على موحيها ومؤلفها رضوان الله وثناء العباد. وليست هي في الحقيقة صورة بل هي نبوة قد يشاهد أحفادنا تحقيقها عياناً. وصف كارل مركس اجتماع الجيشين يقتتلان كما وصفهما كارليل فهما أيضاً مؤلفان من عامة الناس الذين يقدمهم الحكام طعمة للحرب قال: ها قد دعوا الآن إلى ساحة القتال ولا مصلحة تبعثهم عليه ولا غرض ولا ثأر ولا مبدأ ولا داع البتة ولا سبب يتعلق بشؤونهم الخصوصية ولا واجباً حقيقياً نحو الأمة والوطن يوجب عليهم سفك الدماء الزكية ومع هذا كله ترى الكهنة بينهم يحرضون على عادتهم عملاً بتقاليد تجارتهم وبعد أن يبثوا في الجيشين روح الدين - بعد أن يشحذوا في قلوب الرجال نهمة القتال يتقهقرون ساكنين ويتخذون لهم مراكز آمنة في مؤخرة العسكر. وكأنك بالجيشين قد تقابلا وصدرت أوامر القواد ولكن بدل أن يهجم الرجال بعضهم على بعض هذه المرة هجوم الأعداء تراهم قد رموا بسلاحهم إلى الأرض وتصافحوا مصافحة الإخوان. وعندئذ يختفي إلى الأبد شبح الحرب الهائل. ويهجر الكهنة والعقبان ساحة القتال آسفين. ويتنازل الحكام عن عروشهم ويتعزز الإخاء الحقيقي ويبتدئ عصر الإنسانية.
ومن لا يفضل صورة كارل مركس هذه على صورة كارليل: من لا يعمل استطاعته ليقرب اليوم الذي فيه تتحقق هذه النبوة؟ ومن لا يبذل ما في وسعه في سبيل هذه الأمنية الجميلة؟ فسقيا لليوم الذي فيه يبتدئ عصر الإنسانية والمحبة البشرية.
لبنان
أمين ريحاني
стр. 328
النهضة الأميركية
معربة عن الفرنسية
انتشر مذهب مونرو وقوي في نفوس الأميركيين الأدلال بأميركيتهم فتوسعت أحوال الولايات المتحدة وزادت بسطة في الجاه والثروة. وحذا خلفاء مونرو حذوه في التمسك بمبدأ الإكثار من الضرائب على الواردات مع ميل بعضهم إلى حب التوسع وتوفير الصلات مع البلاد الأجنبية وخفف جاكسون أحد رؤسائهم مكوس الجمارك فنقص الدين العام وكان بلغ ١٢٧ مليون دولار بتخفيف الضرائب ووفي كله. ثم جاء بعد هذا من الرؤساء من حافظوا حق المحافظة على مبدأ مونرو ورفعوا سدود الجمارك من وجوه السلع الأجنبية وأنذروا العالم أن مبدئهم السياسي القويم في المستقبل الضرب على يد كل دولة أوربية تطمح إلى أن تنشئ لها مستعمرة أو تستحل لها أرضاً في أميركا الشمالية وأن الولايات المتحدة هي الحاكمة المتحكمة التي لا تسأل عما تفعل في تلك الأصقاع وسعوا السعي الحثيث حتى ضموا إلى بلادهم يوكاتان وأريغون وجزيرة سان دومينيك. وصرح كرانت أحد رؤساء الجمهورية أن الوقت ربما لا يطول وأن مجرى الحوادث الطبيعية والصلات السياسية الأوربية مع أميركا قد انقضت أيامها وأن الولايات المتحدة تعمل يداً واحدة مع الممالك الإسبانية الأميركية على إحراز خصل السبق والذهاب بفضل العمل على الأوربيين للاستمتاع بمبدأ سنه مونرو وأدامس وكلاري. وبعد خمس وعشرين سنة قام الرئيس كليفلند وصرح لإنكلترا بأن لجنة أميركية عهد إليها النظر في مسألة فنزويلا فإذا عبثت بريطانيا بما تقرره تلك اللجنة يكون في ذلك الحرب ويعني بذلك أن الولايات المتحدة اشتد ساعدها بحيث صارت في غنية عن الاستمداد من غيرها وأنها حامية أميركا الشمالية والجنوبية معاً وكان لهذا النبأ في العالم القديم (أوربا) دوي كدوي الرعد تحت سماءٍ من الرصاص وظهر مبدأ مونرو هذه المرة سيفاً لامعاً في ظلمات الماضي وبه نهضت نهضة الشمير البصير.
وبعد فإن المراد من النهضة الأميركية مذهب الأمريكان الداعي إلى التفاف أميركا برمتها حول الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً وذلك حرصاً على مصلحة عالية أخذ مصدرها الأساسي عن مبدأ مونرو. ذاك المبدأ الذي سنه هذا الرئيس وجرى عليه العمل في أزمان
стр. 329
رؤساء كثيرين وفيه بقاء الولايات المتحدة وضمان توسعها وتبسطها في مناحي السلطة والثروة والبقاء وليس غير هذا المبدأ دافعاً عن مصلحة البلاد غارة الأوربيين لاسيما وهم يأتونها زرافات ووحداناً.
ولم يكن الرؤساء بولك وكرانت وكليفلند وأولنيه إلا مؤيدين لمونرو وعاملين على نشر مبدأه الاقتصادي. وقد أبان أحد علماء تلك البلاد بأن مبدأ مونرو لم يعمل به هو ولا أشياعه من بعده وأن أميركا لم تنهض حق نهضتها وذكر إثباتاً لرأيه أمثلة طفيفة من تداخل الأوربيين في شؤون أميركا بالفعل دون أن تقيم الولايات المتحدة الحجة على ذلك. فحصار إنكلترا سنة ١٨٤٢ لسان جان دي نيكاراغا ولمرافئ السان سلفادور سنة ١٨٥١ وقبض السفن البرازيلية سنة ١٨٦٢ انتقاماً من التعدي الذي وقع على البرنس أوف فالس كلها من الأمثلة في هذا الباب. قال هذا الناقد أن مبدأ مونرو لم يسن لمعاضدة حقوق الممالك الأميركية ومصالحها بل للاحتفاظ بحقوق الولايات المتحدة ومصالحها فقط.
ثم أن مبدأ التكافل الأميركي من أدنى إقليم الألاسكا في الشمال من أميركا إلى أقصى أرض النار من أميركا الجنوبية هو من الأوهام التي يصعب تحقيقها وقد حملت زمناً بهذا التكافل جمهوريات الجنوب الصغرى إلى أن ظهرت الولايات المتحدة في مؤتمر باناما سنة ١٨٢٦ بمظهر الأثرة وحب الذات. فإن كان مبدأ مونرو هو الصلة الأساسية التي تضم شتات الأمريكيين بعضهم إلى بعض فإن أوربا لا تعد من الأمريكان غير أهل الشمال أي سكان الولايات المتحدة. وما عداهم من سكان الجنوب فحجة يتوكأون عليها وذريعة يتشبثون بأهداب الدفاع عنهم في الأحايين وما معنى النهضة الأميركية إلا انضواء الأمم الأميركية الضعيفة تحت علم الأمة القديمة ملتفة حول لواء المسكنة ملتحفة ثوب الصغار والذل.
ومازال الحق بجانب القوة أي أن الأمريكيين يهددون بسيف قوتهم كل أمة أوربية تريد أن تستبيح حماهم فيدافعون بذلك عن حقيقتهم ومصلحتهم. فقد قيل أن الأمريكي تحيط به تمائم ثلاث التوراة والدستور ومذهب مونرو هذه هي عدته الاجتماعية وسلاحه الذي يستعمله في جهاد هذه الدار. ولئن أسيء استعمالها فليس من داع لملام الأمريكان إذ يقضي على كل أمة أن تقضي أربها وتنال حظها ويحق لكل أمة هددت مصالحها بمصالح أمة متغلبة أن تقاوم جهد قوتها وتدافع عن بيضتها وأن تغير غارة شعواء على من يتربص بها الدوائر فلا
стр. 330
تتسامح مع الأنانية الوطنية إلا بقدر ما لا يضر هذا التسامح بالرغبات الخاصة المحترمة عند الشعوب الأخرى. نعم كل يجر النار إلى قرصه وكل امرئ في شأنه ساع ولكن يقتضي على القوي القادر أن لا يروح مدفوعاً بعوامل حب منفعته قائلاً للضعاف أو المستضعفين جهاراً أو رئاءً: إني أعمل لمصلحتي لا لمصلحتكم ولكنكم اعملوا لي كما لو كنت أنا اعمل لكم.
بيد أن هذه الجمهورية الكبرى في أميركا الشمالية لم تسلك مسلكاً آخر أمام جمهوريات الجنوب الصغرى فإن الأولى عالمة علم يقين بأن ليس بينها وبين جاراتها من تكافل المصالح إلا ما يفيد الولايات المتحدة في مادياتها أي أن طريقة حماية التجارة تؤدي إلى الإفلاس والشقاء في البرازيل والأرجنتين فإن هاتين المملكتين خصيبتان ولكنهما ضعيفتان من حيث الارتقاء الصناعي ولذلك اضطرتا بحكم الحاجة إلى أن تفتحا أسواقهما للواردات الشمالية بدلاً من أن تغلقاها. وهاتان المملكتان مضطرتان إلى تحسين صلاتهما مع الكافة لأن معنى اعتزالهما تحت برقع النهضة الأميركية وابتعادهما عن الأوربيين حباً بأن تكونا من حروف الزوائد مع سكان الشمال أنهما كسلانتان جاهلتان محافظتان على القديم مضادتان للأهواء المعادية للتمدن راغبتان في الفناء الطبيعي الذي يلحق الأجناس ويدب فيها سوس الفساد الأدبي.
هذا ولم تتمالك إحدى المجلات الأميركية الشهيرة من التصريح بأن الولايات المتحدة تلجأ إلى القوة إذا جرى في الجنوب ما يخالف هواها. ولذا لم يستغرب أحجام إنكلترا سنة ١٨٩٥ في مسألة فنزويلا وكيف طرد الإسبانيول من جزيرة كوبا سنة ١٨٩٨ وكيف فتحت بورتوريكو وكيف كادت تباع جزائر الأرخبيل الدنمركية وكيف يطوف الأسطول الأميركي أبداً محافظاً أو قاهراً البحر المتوسط الأميركي حيث تمتد أصقاع سان دومينيك أو فنزويلا أو باناما وكيف يتبجحون عند أقل فرصة ولو في حدوث مسألة خاصة إن مبدأ مونرو يأمرهم بأن يحموا جمهوريات برازيل أو الأرجنتين أو بيرو أو شيلي أي أن يقوموا بشؤون تلك البلاد قيام الوصي والمعلم.
وإذ كانت النهضة الأميركية الاقتصادية مرتبطة بالنهضة السياسية ولا تتحقق النهضة الاقتصادية لما هناك من اختلاف المصالح التجارية بين سكان الشمال والجنوب وبعبارة
стр. 331
ثانية بين أميركا البروتستانتية السكسونية وأميركا اللاتينية الإسبانيولية - رأت الجمهوريات الصغرى أن تحتفظ بحقوقها فقاومت ما تدعو إليه الولايات المتحدة من النهضة الاقتصادية خشية أن يلحق سلامتها نقصان. فعقدت مؤتمرات حضرها مندوبو الحكومات الأوربية ومن جملة ما عقد من المعاهدات معاهدة بين أميركا الشمالية والمكسيك سنة ١٨٨٣ تدخل بموجبها سلع الشمال إلى بلاد المكسيك حرة بلا جمرك كما أن الشمال يقبل حاصلات المكسيك الطبيعية كذلك. ومع هذا لم يظفر سكان الشمال بطلبتهم فقد باع سكان الولايات المتحدة سنة ١٨٩٤ لسكان الجنوب بضائع بمبلغ ١٣٥ مليون دولار وابتاعوا منهم غلات بمائتين وستة وأربعين مليوناً.
قال الكاتب وكل ما قامت به أميركا الشمالية من الأعمال من حرب وضم أرض وفتح بلاد من أرض الجنوب إن هو إلا للتفادي من أن ينال مذهب مونرو بعض ضعف وما هذه الأعمال إلا دالة أصرح دلالة على ما تحوي ضلوعها من فكر الاعتداء والفتح المنطوي تحت اسم نهضة أميركا.
لا يعدم الحق أنصاراً وإن من الاتحاد قوة. فقد قام بوليفار من رجال السياسة وأبطال الحرية الملقب بواشنطون أميركا الجنوبية فحرر كولومبيا وفنزويلا وبيرو وخط الاستواء وبوليفيا ثم أراد أن يجمع هذه الأمم الحرة كلها في ظل العلم الدستوري ويجعلها مملكة قائمة برأسها ففشل في دعوته ثم عاد فدعاهم باسم المحافظة على مبدأ مونرو فأجابت بعض البلاد الجنوبية دعوته. وتلكأت الولايات المتحدة كثيراً كأنها قالت بلسان الحال أن هذا المبدأ سن لحماية مصالح الشمال لا لمصالح الجنوب وأشارت إلى مندوبيها بأن لا يصغيا إلى ما يقرر إلا بأذن صماء فعرفت جمهوريات الجنوب الصغرى أن جمهورية الشمال الكبرى ليست أختهنَّ. ذلك لأن بوليفار لم يتصف كواشنطون بإرادة ثابتة منظمة بل كان من شدة الحمية بحيث يستهين بروحه ويريق دمه حباً بمصلحة العالم ويرى الأمم كلها أخوة والناس أحراراً سواءً ولذلك لم يحسن إدارة ما افتتحه من البلاد وغنمه من الطارف والتلاد.
وظلت الولايات المتحدة سائرة تلتهم كل ما تصادفه في طريقها من المغانم والفرائس ومنها ضم جمهورية التكساس إليها وهي ضعفا مساحة فرنسا. ضمٌّ لم يخل من المخاطر إذ أن الولايات المتحدة تحظر الرقيق ولا تقول هذه الجمهورية بمنعه. وبعد جدال طويل الأذيال
стр. 332
مع المكسيك بل بعد الأخذ بالتلابيب وإشهار المكسيك الحرب على أميركا ضمت التكساس إلى هذه وصارت الولايات المتحدة صاحبة القول الفصل في الشمال بالقوة ومن ذلك تداخلها في جزيرة سان دومينيك وقد انقسمت قسمين مستقلين وثارت بينهما ثائرات العداء ولكنها تلطفت في هذا التداخل. وكانت تود إلحاقهما ببلادها لو لم تكن خارجة منهوكة من حرب الرقيق. ولا يزال لسان الثورات يندلع في تلك الجزيرة وكثيراً ما هددت أميركا من أجلها ولعلها تلتهمها بعد لأنها واقعة بين جزيرتي كوبا وبورتوريكو اللتين بسط النسر الأمريكي مخالبه عليهما. ومرفأ هذه الجزيرة سان نيقولا هو بمثابة جبل طارق لأميركا. وفاوضت الولايات المتحدة حكومة الدانمارك عام ١٩٠٢ في أن تبيعها جزائرها في الأرخبيل الانتيل بمبلغ خمسة ملايين دولار وهي ثلاث جزائر مساحتها السطحية ٣١٠ كيلومترات مربعة وسكانها ٣٢٧٨٦. فاكتشفت في خلال هذه المدة حبال نصبها أحد أعضاء مجلس البلاد الدنمركية وتبين أنه ارتشى لتحقيق رغبات الأمريكان. فتأخر النظر في أمر الجزائر الآن ريثما تجيء الفرصة المناسبة (والأمريكان كالإنكليز لا يضيعون الفرص ولا يخترعونها) ولئن لم تسقط هذه الأجاصة في أرض الأمريكان فذلك لأنها الآن آخذة بالنضج وما نضجها على الصابرين ببعيد.
стр. 333
انحطاط المشرق بانحطاط الأخلاق
بسطنا الكلام في فصل سابق عن انحطاط المشرق وأبنا ثمة أن سببه انحطاط الأخلاق وعراقة الشرقيين في الحضارة وبلوغهم منها غاية قضت بتمكن الضعف منهم منذ زمان مديد ووعدنا بالعود إلى هذا البحث وإتمام الكلام عليه ووفاءً بالوعد نقول:
أشرنا في ذلك الفصل إلى أن الأخلاق السافلة التي تقضي بانحطاط الأمم وضعفها كثيرة وأن ما نراه منها مظنة انحطاط المشرق وأهله لا ينحصر بالملاذ البدنية بل هو أعم من ذلك وأن عامة الأخلاق الفاضلة في المشرق قد تطرق إليها الضعف فأضعف قوى الشرقيين ونفوسهم عن النهوض مع الناهضين والتسابق مع السابقين من أمم المغرب والخطر من هذا على المشرق عظيم يتهدد أهله بناموس الانتخاب الطبيعي القاضي ببقاء الأنسب. وحسبك دليلاً على ذلك هذا السكون المطلق الذي يخيم بسحبه المظلمة على آفاق المشرق بينا المغرب في حركة مستمرة يخترق صداها حجب الفضاء وتهتز لها جوانب الغبراء. فلو هبط الآن على الأرض هابط من عالم النجوم لخيل له أن المشرق وأهله عالم آخر لا اتصال له بالمغرب لما بينهما من التباين الذي يكاد يكون مستحيلاً في نظر العقل في عصر وصلت فيه الكهربائية والبخار بين جوانب الأرض وأصبح فيه العلم مشاعاً بين الأمم لا يقصر عنه نظر المتطاول. ولا يد المتناول. وما هذا التباين إلا أثر من آثار الأخلاق في رقيها وتدليها والإنسان إنما دعي إنساناً مميزاً بنفسه لا بجثمانه فالنفس هي التي تعلو بهذا الإنسان الضعيف حتى تبلغ به عنان السماء وتهبط به إلى الحضيض حتى يلتصق خده بأديم الأرض.
فكل ما في المشرق من وهن في العزائم. وفتور في الهمم. وإخلاد إلى السكون. وعجز عن النهوض. وتخاذل يفرق المجتمعات. ويأكل القوميات. ونفور من العمل. واسترسال في الجهل والخمول. ورضا بالضيم واستسلام للفاتحين والمستعبدين من الغربيين.
إنما هو نتيجة ضعف في النفوس تأصل فيها بضعف الأخلاق ويوشك أن يرجع بهذه النفوس البشرية إلى الجبلة البهيمية لو لم يقابله حكم هو أقرب لسنن الوجود وأشد أنحاءً على الشرقيين ألا وهو: فناء الضعيف في وجود القوي. سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
إذن فداء المشرق كما تبين لك عضال ومرضه خطر قتال. وهو فساد الأخلاق وضعف
стр. 334
ملكات العلم بلوازم الحياة. ولابد لتقويم الأخلاق من حسن المعالجة بمزاولة التربية الصحيحة وإحياء موات النفوس بالفضائل التي يرشد إليها العلم. والوصول إلى ذلك إنما يكون بأحد أمرين: إما بالشعوب أو بالحكومات: وفي كلا الحالتين فإن نهوض المشرق وقصد أهله هذا القصد يتوقف على وجود قادة في أممه وشعوبه يحسنون بهم السير ويأخذون بهم إلى سبيل الرشاد. على أنا نرى أن وجود القادة من زعماء الإصلاح الاجتماعي في المشرق لا يوصل إلى منتهى الغرض إلا إذا وجد أولئك القادة عضداً من الحكومات وناصراً من زعماء الرياسة والسياسة الذين أصبح في أيديهم قياد الأمم الشرقية. ذلك لما ثبت لنا من تناهي ضعف النفوس في المشرق وفقدها الشعور بالحاجة إلى الإصلاح النفسي والتربية العقلية.
ولنضرب لك مثلاً على ذلك بمن قاموا من قادة الأفكار في المشرق في عصر واحد وهو عصرنا هذا فقد سعى المركيز ايتو الياباني لإنهاض قومه في أقصى الشرق فأنجح سعيه ونهض باليابانيين إلى أفق السعادة لما أخذ بيده إمبراطور اليابان كما هو معروف. وسعى غيره كثيرون في أدنى الشرق فأخفق سعيهم لما لم يجدوا من زعماء الرياسة على الشعوب من يأخذ بأيديهم ويعضد سعيهم. ذلك لأن شعوب المشرق كما قدمنا قد مرنوا على الخمول لما تأصل فيهم من مرض الضعف وفساد الأخلاق الفاضلة التي تنهض بالنفوس إلى ذرى الاستقلال الذاتي فأصبحوا اتكاليين لا يسعون إلى عمل نافع إلا إذا سيقوا إليه سوقاً. واقتدوا برؤسائهم إذا كانوا لهم عوناً يضاف إلى هذا غرور الشرقيين ببقايا مدنيتهم الدارسة غروراً يقعد بالهمم عن تطلب غايات الكمال على أن إخفاق المخفقين إنما كان في الحصول على الثمرة العاجلة التي جناها ايتو اليابان وأما الآجلة فلم يكونوا يائسين من نيلها إذا ثابر الخلف من محبي خير الشعوب ومصلحي النفوس والمخلصين في النية والعمل لأقوامهم على إرشاد أمم الشرق إلى سبيل النجاة واستنهاض همم ذوي المروآت من زعماء الحكومات الشرقية إلى بسط جناح الرحمة على الرعية ومعونتها في القيام على أصول العلم النافع وتلمس وجوه الخلاص من براثن الفناء الذي يتهدد أمم المشرق في كل آن ولا يعدم المشرق أفذاذاً من المصلحين في كل عصر توافق دعوتهم من بعض الزعماء آذاناً واعية وقلوباً رقيقة ونفوساً سامية نقية من شوائب الفساد تنطبع عليها صورة الخير وتنزع
стр. 335
إلى النهوض بالشعوب الشرقية من وهدة الذل والخمود.
ورب معترض يقول أن نهوض زعماء الحكومات بالأمم أمر غير متوقع الحصول لاسيما في المشرق ومادام الشرقيون قد بلغوا من الضعف ذلك المبلغ فأحر بزعمائهم أن يكونوا كذلك فالأولى أن تحث الأمم على النهوض بنفسها وترك الاعتماد على حكوماتها فالجواب عن هذا أن ذاك الاعتراض وجيه لا يقبل النقض بل هو القاعدة الأساسية في حياة الأمم لكن ذلك يجوز على أهل المغرب وأما أهل المشرق فقد أقعدهم عن العمل بهذه القاعدة طول عهدهم بالجمود والخمول الناشئين عن الإغراق في الحضارة كما قدمنا وتماديهم أجيالاً كثيرة في الاعتقاد بألوهية زعمائهم وما يتبعها من تسليم النفوس إليهم والتعويل في كل الشؤون عليهم وهي عقيدة وإن محتها الشرائع الإلهية من أكثر أرجاء المشرق إلا أن إدمان الأمم عليها غادر في نفوس الشرقيين من آثارها القبيحة اعتماد الشرقيين على حكوماتهم في كل شأن من شؤونهم العامة.
وهل تظن أيها القارئ أن الأمة اليابانية كانت تتجول عن مثل هذا الاعتقاد بميكادها (إمبراطورها) لو لم يتنازل هو نفسه عن ألوهيته بمحض إرادته وحب الخير لأمته ويفهم شعبه أنه بشر مثلهم لا قوة له ولا حول إلا بهم ولاحظ لهم سعادة الحياة ومسابقة الأمم إلا بجدهم وهل تظن الصينيين يبلغون من الرقي مبلغ اليابانيين إذا لم يفهمهم إمبراطورهم ابن السماء أنه ابن الأرض ويهدم مختاراً ذلك السور الهائل القائم بينه وبين أمته فيقودهم إلى الطريقة التي سلكها ميكادو اليابان بقومه ورفع لهم فيها بنيان الفضيلة والعلم بإخلاصه وعلو نفسه. وبالإجمال فالشرق يحتاج في نهوضه إلى حكوماته إذا أريد التعجيل في الحصول على الثمرة المبتغاة من دعوة المصلحين في كل قبيل منه وعند تعذر الحصول على هذه الثمرة يعدل فيه إلى الرأي الآخر ولابد في هذه الحال من قيام طائفة من كل قوم على تربية النفوس وبيان الفضائل التي تسمو بها النفس إلى أفقها الأعلى حق البيان والله بحسن العاقبة كفيل.
حلوان
رفيق العظم
стр. 336
الاحتفاء بالأحياء والأموات
قرأت في الجزء الثالث من المقتبس ص١٤٧ مقالاً تحت عنوان روح جديدة جاء فيه أن الأمة أخذت تنصبغ بصبغة الغربيين منذ أنشأت تأخذ العلوم عنهم ومن ذلك إجلال رجال العلم والأدب أحياءً وأمواتاً. وقد رأيت دعوى أن ذلك روح جديدة وأن ذلك من أخذ الشرقيين عنهم منظور فيها إذ قد دون التاريخ من أمثال هذه الاحتفالات ما لا يحصى. وما ذنبنا إلا القصور بعدم التنقيب.
إن الفقهاء بأجمعهم على تنوع مذاهبهم عدوا من البدع تأبين الميت وذكر محاسنه ورثاءه قبل الدفن وبعده واستدلوا على ذلك بما روي من الآثار المعروفة في دواوين السنة أليس هذا لأن القرون المتقدمة كان فيها شيءٌ من ذلك: إنشاد مراث وتعديد مناقب وبث خطب. بلى ولولاه لما كان لتنبيههم معنى. ولم يزل ذلك معروفاً في عواصم البلاد فلا يموت عالم إلا وتتلى قبل الصلاة عليه عدة قصائد وذلك قبل نفخ هذه الروح الجديدة في صور الشرق.
وأما تكريم الأحياء للأحياء فلم يزل يحتفل بختم دروس الكتب المهمة كالصحيحين والموطئ في دور مشايخ الحديث أو أحد أصحابهم احتفالاً يحضره كثير من أهل الفضل والأدب وإن أعوزهم مدح العلم والكتاب نظماً فلم يفتهم ذلك مذاكرة أو لسان حال هذا أثر من آثار ما كان. ما الذي كان. كان إذا ختم عالم كتاباً مهماً من مؤلفاته يحتفل به أفاضل العصر احتفالاً يذيع في كل قطر.
أذكر من ذلك ما جرى عام ٨٤٢ لما ختم الحافظ ابن حجر كتابه الباري شرح البخاري بالتاج والسبع وجوه بين كوم الريش ومنية الشيرج خارج القاهرة حضره من العلماء الذين حفظ التاريخ أسماءهم ثمانون بل نيفوا على ذلك وأما من كان من الطبقة الوسطى فما دونها فأولئك لا يبلغهم الحصر ونظم من أدبائهم ومشاهيرهم في التنويه بهذا المشروع عدة قصائد فمن ذلك قول الصلاح الأسيوطي من قصيدة
كم للبخاري من شرح وليس كما ... قد جاَء شرحك في فضل وتتميم
وقول الشهاب المتوفى مطلع قصيدة أبياتها ٧٥:
تمنعت بدموع الصب في حجب ... فانظر لشمس الضحى في حلة السحب
ومنها
شرحت صدر البخاري مثل جامعه ... فراح ينشد هذا منتهى الطلب
стр. 337
ومنها
هذا وحقك عام الفتح حج به ... لبيت فضلك وفد العلم عن رغب
وقول البرهان البقاعي صاحب التفسير المعروف من قصيدة:
بأبي الخدود نواضراً حسناتها ... كنواظر الغزلان في الدينار
قصدت يكون المسك حسن ختامها ... فتعلمت من ختم فتح الباري
وقصيدة لشمس الدجوي وقصيدة للخطيب برهان الدين المليجي وقصيدة المحب الدين البكري أولها
حديثك لي أحلى من المن والسلوى ... إذا حل سمعي حرم اللوم والسلوى
ومنها
وكم من شروح للبخاري عدة ... طواها بفتح البارئ أعجب لما يطوى
كساهُ جمالاً من عذوبة لفظهِ ... ففازت بهِ الدنيا وسلمت الدعوى
وله قصيدتان أخريان وقصيدة لشرف الدين الطنوبي ولشمس الدين النواجي قصيدة كبرى منها
وكم طوى نشره كتاباً ... على ممر الدهور سرمد
ومن يكن علمهُ عطاءً ... من فتح باريهُ كيف ينفد
ولما فرق مؤلفه صرر فضة ومجامع حلوى أنشد الدجوي
بفتح البارئ انشرح البخاري ... وأحمد ختمهُ بالفضل جامع
أدار دراهماً صرراً فأنشئ ... وحلوى فيهِ تأخذ بالمجامع
واذكر أيضاً أن في سنة ١١٨٨ أكمل اللغوي الشهير السيد مرتضى الزبيدي عليه الرحمة شرحه تاج العروس على القاموس واحتفل في داره بالتنويه بهذا المصنف البديع احتفالاً حضره شيوخ الوقت وكبار الأدباء كان منهم شيخ الجماعة الشيخ علي الصعيدي والدردير والسيد العيدروس والأمير الكبير وعطية الأجهوري وعبادة العدوي وأبو الأنوار السادات ومن في طبقتهم والطبقة الوسطى وما بعدها كما فصله الجبرتي. ومن المشاهير في التنويه بذوي الأدب والاحتفال بهم في القرن الغابر الأمير المجاهد السيد عبد القادر الحسني الجزائري ثم الدمشقي الشهير فإنه كان إذا قدمت إليه مقامة أدبية يدعو للتنويه بمنشئها
стр. 338
شيوخ الشام ويولم له أنفس الولائم شتاءً في البلدة وصيفاً في منتزهه بدمر وقد خدم لأجله الصناعتين عدد ليس بالقليل فلكل عصر أفراد وكل وقت له صبغة خاصة ومهما تباينت الأنواع فالجنس واحد. وأما الاحتفالات القديمة التي أشرتم إليها آخر المقالة فاذكرني منها ما شرطه المعظم بن العادل الأيوبي لكل من يحفظ المفصل للزمخشري - وذلك مائة دينار وخلعة قال في وفيات الأعيان: فحفظه لهذا السبب جماعة ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره.
دمشق
ج. ق
стр. 339
منتخبات من كتاب النبراس
في فلك الاقتباس لأحد شعراء الشام
لا تجهدنَّ النفس في تدبير ما ... حاولت في الشدة من رخاء
وهو الذي تلطفاً بخلقهِ ... (يدبر الأمر من السماءِ)
بدنياك التي دسمت فسمت ... وليس لها على حرٍّ بقاءُ
عليك إذ انكسرت لجيش هم ... (بنصر الله ينصر من يشاءُ)
قيسوا قضاياكم على من مضى ... (إذ أنتم بالعدوة الدنيا)
واستكثروا الزاد لكي تلتقوا ... فيهم (وهم بالعدوة القصوى)
عباد الله ملا جاهدوا في ... نفائسهم جهادهم الغريبا
(فأنزل) من سكينته (عليهم) ... سناً (وأثابهم فتحاً قريبا)
تجليات ربك هل ... أحاط بكنهها لب
وهل كشف الغطا إلا ... (لمن كان لهُ قلب)
لمن أشاعوا سلوتي ... عنكم أقول ما يجب
(يا ويلكم لا تفتروا) ... جهلاً (على الله كذب)
يا من بنظم الشعر دعواهم غدت ... تستوجب التنكيت والتبكيتا
أبياتكم منها الحجارة فصلت ... (أم تنحتون من الجبال بيوتا)
إذا دعيت لكأسٍ ... صهباؤُها قد تراَءت
قل حيث حلت بحرم ... (بئس الشراب وساَءت)
أقاصيص الفرنجة كم تؤدي ... تلاوتها إلى معنى خبيث
فدعها لا تكن في العلم ممن ... بلهوٍ (يشتري لهو الحديث)
قالوا وداد الكريم صفه ... وود من لؤْمهُ مزاج
فقلت (هذا عذب فرات) ... يحيي (وهذا ملح أُجاج)
стр. 340
التعليم والتربية
الإرادة والعزم
اهتم الفرنسيين للكتاب الذي وضعه المسيو دومر والي الهند الصينية السابق ورئيس مجلس النواب في فرنسا واحتفوا به لما وجدوا فيه من أدوية أدوائهم الاجتماعية وطرق تربية النشءِ تربية تقيهم آفات العصر التي ضجَّ منها العقلاء وحار في معالجتها الحكماء. وهناك سبب آخر لتلقي القوم هذا الكتاب بأيدي الاعتبار وهو غير ما يتبادر للذهن من بهرج الألقاب التي تحف باسم مؤلفه. بل هو ما عرفوه من مبادئ نشأته ووسائل رفعته حتى كانت سيرته مثالاً يحتذى في الشهامة والإقدام وأخلاقه خير وسيلة لاستكشاف أسرار النجاح. وقد تسابقت جرائدهم ومجلاتهم إلى شرحه وتقريظه ونقلت حسب عادتها فصولاً منه توضيحاً للدلالة عليه والتعريف به. فآثرت تعريب هذا الفصل لشمول فائدته كل قارئ من أي قوم كان قال في الإرادة والعزم:
تعلم الإرادة واعمل ما ينبغي. بذلك يمكن أن تلخص النصوص العديدة التي تتخذ قواعد للحياة. أدّ الواجب وكن في الجملة رجل حق أبداً. هذه هي الوصية السامية والفريضة الأدبية التي تسود في سيرة الإنسان. ولا ينبغي لامتثالها أن نرغب فيها فقط بل يجب أن نكون أهلاً للعمل بها أو لي إرادة وقوة تحكم على أنفسنا. هذا هو المهم وهذا هو الصعب. من أجل ذلك كان أول ما يجب على الفتى المتقدم لاحتمال أعباء الحياة وتبعاتها أن يتأهل لامتلاك قياد نفسه فتكون له السلطة المطلقة على هواه وخطرات قلبه كما لها على جسمه وأعمال جوارحه. فإذا كان المرء كذلك أوشك أن يكون امرأ خير وأن يقبض في الغالب على زمام حياته وقياد سعادته.
كيف السبيل إلى تأمين سيطرة مستمرة مثل هذه على النفس وهي تظهر متعسرة بادي بدءٍ وأن تكن تهونها المزاولة حتى لقد تصير آلية؟ أنى لنا الصبر على الانفعالات الجاهلية وعلى الجواذب والفواتن التي تحيط بالإنسان؟ كيف نغلب الميل إلى البلادة والاستسلام إلى الأميال الطبيعية التي يحلو الاسترسال معها ما لم تقدر عواقبها؟ كل ذلك ينال بتعلم الإرادة والتمرن عليها.
نظم الفلاسفة الإرادة في سلك القوى الإنسانية الأولى فلا نظير لها في الأهمية إلا العقل
стр. 341
الذي يضبط الفكر والواجب والحكم. ثم الإحساس الذي هو مبدأ الحواس والعواطف والشهوات. وأن الذوق السليم ليتفق مع الفلسفة على وضع الإرادة في الموضع الأول بين القوى البشرية وصفات الإنسان الكامل. فإن الإرادة القوية الثابتة لتمكن من كل أمر من حيث الشؤون المعنوية وكثير من الأمور المادية.
رجل الإرادة هو وحده الحر في الحقيقة فهو رب أحكامه وأفعاله. يقود أفكاره وعواطفه بل وخياله ويخضع كل شيء لسلطة العقل. فهو يسير بمقتضى أحكام عقله ويأتمر بأوامر وجدانه مع قابليته للسلوك وفق قواعد الحياة التي دعته الحكمة إلى اتخاذها.
وفي الإمكان أن يتغلب الإنسان بالإرادة الثابتة على الشهوات الضارة متطرفة أو مهلكة وأن لا يدع سلطة على نفسه لغير العواطف الكريمة والخواطر النبيلة. ولا يصغي إلى العواطف إلا إذا لم تقتض شيئاً ينافي الواجب. فلابدَّ إذاً من إرادة حديثة ليكون المرء امرأ خير فاضلاً حقيقة. وكلٌّ بمثل تلك الإرادة يستطيع الكمال مهما كان مزاجه ومعايبه وكيف كانت مشاربه ومذاهبه.
ويحسن في المزاولات الحيوية والأعمال اليومية العديدة التي تهمنا جداً إذ منها يتكون نسيج وجودنا أن لا نضطر إلى التحاور في الفكر عند كل أمر لنتبين أفي العمل به تكون الفائدة أم في الامتناع عنه. ولكن يجب أن يكون لنا قواعد ثابتة وأن تكفي أدنى حركة من إرادتنا المتنبهة لتوعز إلينا بالجزم.
فإذا كنت تعرف قيمة العفة وكان من قاعدتك أن لا تفرط في الطعام وأيقنت بمضرة المسكر والدخان مثلاً ثم تعددت المثيرات وتوالت الدواعي إلى ما يخالف ذلك فينبغي أن تتقيها الإرادة بالعزم. وتمرن الإرادة يومياً على مغالبة مثل هذه الصغائر يجعلها نافذة السلطان في غيرها من الأمور المهمة.
لا ينال الخير في الشؤون الخصوصية والعمومية إلا بالإرادة. نعم ليست هي المادة الوحيدة للنجاح إلا أنها شرط أولي لا أثر لغيره من الشروط بدونه. فإن كنا نجد لهذه القوة الحيوية أعني الإرادة تأثيراً محتماً في كل أمر لو نظر فيه على حدة فماذا نجد من تأثيرها في حياة يتوالى عملها فيها؟ لا جرم أن الرجل الذي عرف أن يتملك القوة يصير إليه في الغالب تعيين حظه حتى لا يدع للمصادفات والطوالع السيئة إلا أدنى ما لها من التأثير في حياته
стр. 342
بحي يكون هو الكاسب لفلاحه والباني لسعادته.
وأما الرجل الذي لا إرادة له فلا يكون له من التأثير في حظه إلا القليل ولو كان ذا عقل كبير فيظل ألعوبة بيد الحدثان وأمره إلى الاتفاق. يجري في الحياة كما جرت فلك لا دفة لها فوق بحر هائج فهي تبحر من غير ما إدارة تتجاذبها الأرياح وتتدافعها المجاري إلى أن تصير إلى لجة تبتلعها.
والجامدون من الرجال الذين فقدوا الإرادة بتة هم شواذ كأولي الإرادة الثابتة المطبوعين على العزم والعمل. أما السواد الأعظم فمؤلف من ضعفاء الإرادة وذوي العقول المترددة ولقد كان في إمكان هؤلاء أن يكونوا أحسن حالاً مما هم عليه بثبات عزيمة وسداد رأي لو تعلموا الإرادة. فالتردد والحيرة اللتان تفترسانهم هما مرضان يؤولان بمرور الزمن إلى شلل الإرادة بالفعل. وقد تكون الحيرة والتردد في بعض الأحوال أشد النواقص خطراً وتؤديان إلى الرزايا إذا كان صاحبهما رئيساً ما لأن العزم هو الصفة الأصلية للقواد والحكام والأمراء هكذا تقتضي كلتا الحياتين العمومية والخصوصية أن يعرف المرء أن يعتزم ويريد.
فالإرادة التي يقودها العقل إذا ما عملت في الإنسان بصورة مستمرة حتى تبلغ الغاية من نشاطها ويتم لها الكمال تصير عزماً وذو العزم هو رجل إرادة وثبات وإقدام وذلك خير ما يوجد في المجتمع وأفيد ما فيه وأندر. إلا وأن كل ما يقال عن مآثر الإرادة فهو حق وإن شئت فقل ما يقال عن مآثر العزم. العزم يحتاجه الإنسان ليكون فاضلاً يصنع الخير كما يحتاجه لإنشاء حظه وسعادته. وبه يربي شخصيته الأدبية والعقلية ويكون حياته جمعاء. وحكم العزم نافذ في هذين الأمرين الحسي والمعنوي على السواء. فذو العزم ينمو عقله وهو يتحسن ويتكمل أبداً.
الطريقان المفتوحان أمامنا طريق الخير وطريق الشر بينهما فرق أما طريق الشر فسهلة وهي على منحدر يستدرج فيكفي من الإنسان أن يميل ميلاً حتى يتردى إلى الحضيض. وأما طريق الخير أكثر عناءً إذ ينبغي لسلوكها جهد مستمر وإرادة ثابتة وبالجملة ينبغي لها عزم.
والعمل في إصلاح النفس وتكميلها عمل يومي وشغل لا ينقضي من مثابرة المكارم
стр. 343
والفضائل لاكتسابها والتنقيب عن النقائص والمعايب لمكافحتها وإزالتها وعن المبادئ التي تستدعي الحذر والشهوات التي يجب أن تقهر. هنالك الخير خيرٌ يفعله الإنسان لذاته وثمة خير آخر لا يقل فائدة عن ذاك وهو ما يفعله الإنسان مع غيره أدبياً كان أو مادياً بالنصيحة والأسوة الحسنة قولاً وفعلاً.
صاحب العزم الثابت لا يتحول البتة عن هذا العمل النبيل والصنع الجميل يقوم به بأمانة ودقة مستضيئاً بمصباح العقل معتمداً على جزم الإرادة. وانه ليمكنه بل يجب عليه أن يفحص كل يوم ضميره وأعماله فيعتبر اليوم الذي لم يتيسر له أن ينفع فيه أحداً يوماً مضيعاً ثم يتفكر ويتدبر ويستمد من تفكيره حياة جديدة لعزمه وقوى غضة لحرب الحياة فإن ذا الإرادة القوية ليفلح أكثر من غيره فيما لا محيص عنه من الجهاد في سبيل الحياة إذ يكون مجهزاً للعمل فيما ينفعه وينفع ذويه وفيما ينميه ويرفعه ويحقق أمانيه. العزم يفيد في تحصيل الرفاهية والسعادة ما لا يفيده العقل أو الحظ فعلى من أراد النجاح في حياة تليق به أن يلتمس عزماً عريقاً في الثبات وبعد فبقية أسباب النجاح تأتي زائدة.
أرى في الناس عموماً والفرنسي خصوصاً - لأني إليه أنظر - جرثومة الإرادة الثابتة وأرى فيه قوة ومتانة ظلت مهملة حتى جمدت وصارت كأن لم تكن لعدم العناية بها والالتفات إلى تهذيبها. أرأيت الرجل يسترخي عضله ويضعف جثمانه إذا هو أهمل الرياضة وترك العمل؟ فكذلك الشأن في القوى الأدبية.
إذا كنا نهذب العقل في إبان الشبيبة فمتى نربي العزم؟ لقد آن للشباب الذين أوجه إليهم هذا الخطاب أن يشرعوا في هذه التربية والتنمية الأدبية بأنفسهم ويجب أن يكون هذا أكبر همهم. وعليهم لكي يتعلموا الإرادة ويحصلوا منها على نتيجة أن يعزموا عليها ويمارسوها من غير انقطاع ولا استراحة فيستعملونها في تكميل أنفسهم وكل شأن من شؤون وجودهم إذ الغاية أن يجعل الإنسان ذاته رجلاً ذا عزم يملك هواه ويقتدر على إدارة حياته وتدبير أعماله وأن يكون هو المنشئ لسعادته وسعادة الآخرين من بني جنسه وأن يشرف بلاده وينفعها بخدمته. فيا أيها الشاب الذي تقرأ كلامي إن كنت عازماً على بلوغ هذه الغاية فاذكر الكلمة الأولى من هذا الفصل وهي تعلم الإرادة. يقول معربه وأضف إليها هذا البيت العربي
стр. 344
إذا لم تك الحاجات من همة الفتى ... فليس بمغن عنك عقد الرتائم
بيروت
عبد المعين خلوصي
стр. 345
صحف منسية
جملة من نثر ابن الحناط
فصل له من رقعة: الإسهاب كلفه. والإيجاز حكمه. وخواطر الألباب سهام يصاب بها أغراض الكلام. وأخونا أبو عامر يسهب نثراً ويطيل نظماً شامخاً بأنه. ثانياً من عطفه. متخيلاً أنه قد أحرز السباق في الآداب. وأوتي فصل الخطاب. فهو يستقصر أساتيذه الأدباء ويستجهل شيوخ العلماء
وابن اللبون إذا ما لزَّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وهذه قصيدة أنشأتها في ليلة سماؤها روضة تفتحت النجوم وسطها زهراً. وتفجرت المجرة خلالها نهراً وادٍ يسيل بعسجد. على رضراض زبرجد. فلما أصبت الغرة. واقصدت الثغرة تقلبت مراراً. وتناومت غراراً. حتى نبهني الفجر ببرده. وسربلني الصباح ببرده. وهببت من النومة وصحوت من النشوة. زففتها إليك بنت ليلتها عذراء. وجلوتها عليك كريمة فكرها حسناء. تتلفع بحبرة حبر. وتتبخر في شعار. مؤتلف بين رفها ومدادها. ومجتمع في بياضها وسوادها. الليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. رقعتها كافور نمنم بمسك. وختامها ياقوت نظم في سلك. تحسب خطها تيم لفظها فشكا. وتخال القلم رقَّ لما به فبكى. فأنشدها أخاك الشهيدي وكلفه على العروض والقافية معارضتها. واحمله على اللين والشدة قارضتها. فستوقد بقلبه قبسا. وتضرب في أذنه جرسا. فستتبين به حظه وتتعرف فضله. وختم الرقعة بأبيات
اقصر عن لومي اللائم ... لما درى أنني هائم
مازلت في حبه منصفاً ... من لم يزل وهولي ظالم
أسهر ليلي غراماً به ... وهو أخو سلوة نائم
ومن شعره في قصيدة في ابن حمود
ولم أرَ مثلي كيف صار بقلبه ... من الوجد بركان وفي الجفن طوفان
ولا مثل هذا العدل كيف أعاده ... عليٌّ وقد مرَّت على الظلم أزمان
стр. 346
شعر البلفيقي
كان أبو البركات محمد البلفيقي أحد أساطين العلم والأدب في القرن الثامن ببلاد الأندلس معروفاً بالصلاح موسوماً بالعلم. قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة ومن مقطوعاته التي هي آيات العجائب وطور حلل البدائع في أسنى الأغراض والمقاصد قوله يعرض لبعض الطلبة وقد استدركته ببعض حلق العلم بسبتة
إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحق برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها
ومنها قوله وهو من الغريب البديع
ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف
لها هيئة كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف
ومنها قوله في النصح وله حكاية تقتضي ذلك
لا تبذلن نصيحة إلا لمن ... تلقى لبذل النصح منه قبولاً
فالنصح إن وجد القبول فضيلة ... ويكون إن عدم القبول فضولا
ومنها في الحكم
ما رأيت الهموم تدخل إلا ... من دروب العيون والآذان
غض طرفاً وسد سمعاً ومهما ... تلق هماً فلا تثق بضمان
ومنها قوله وهو من المعاني المبتكرات
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى ... فالدمع منها بعد بعدك مارقا
ولذاك قد صبغت بلون أزرق ... أو ما ترى ثوب المآتم ازرفا
ومنها قوله في المعاني الغريبة في التفكير في المعاني
أبحث فيما أنا حصلته ... عند انغماص العين في جفنها
احسبني كالشاة مجترة ... تمضغ ما يخرج من بطنها
ومنها وقال ومما نظمته بين الدرش وبرجة عام أربعة وأربعين وأنا راكب مسافر وهو مما يعجبني إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني قال لسان الدين ويحق له أن يعجبه
تطالبني نفسي بما ليس لي به ... يدان فأعطيها الأمان فتقبل
عجبت لخصم لجَّ في طلباته ... يصالح عنهُ بالمحال فيفصل
стр. 347
ومنها
رعى الله أخوان الخيانة أنهم ... كفونا مؤنات البقاءِ على العهد
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم ... نراوح ما بين النسيئة والنقد
стр. 348
مطبوعات ومخطوطات
المدونة الكبرى
الإمام مالك بن أنس عالم المدينة وإمام دار الهجرة والمحدث الأعظم المتوفى سنة ١٧٩ أخذ العلم عن تسعمائة شيخ فأكثر وما أفتى حتى شهد له سبعون إماماً أنه أهل لذلك وكتب بيده مائة ألف حديث وجلس للدرس وهو ابن سبعة عشر عاماً قال الشافعي إذا جاء الأثر فمالك النجم وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته وما أحد أمن عليَّ في الله من مالك وجعلت مالكاً حجة بيني وبين الله تعالى. وقال الشافعي قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكاً ﵄ قال قلت على الإنصاف قال نعم. قال: قلت ناشدتك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال قلت ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال الشافعي فلم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء نقيس.
هذا هو الإمام مالك وهو غنيٌّ عن التعريف بعد أن قال ابن عبد البر أن الناس ألفوا في فضائله كتباً عديدة. وناهيك بمن يشهد له الشافعي مثل تلك الشهادة وهو صاحب الموطئ المشهور أحد الكتب الستة في الحديث النبوي وعنه روي الإمام سجنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العنقي كتاب المدونة الكبرى في فقه مالك. وهذا السفر الجليل عند المالكية ككتاب الأم عند الشافعية وقد ظل قروناً في خزائن الكتب مخطوطاً لا ينتفع به إلا أفراد حتى قيض له الفاضل الحاج محمد الساسي المغربي فبذل ما بذل للحصول على نسخة قديمة منه كتبت بعد المائة الرابعة على رقٍّ صقيل وخط جميل فكانت النسخة الأصلية ملوكية كما يقولون بل أكثر من ملوكية خصوصاً وعليها حواش مطرزة بأقلام الثقات من أهل المذهب كالقاضي عياض وأضرابه.
وماذا عسانا نقول في الإشادة بهذا العمل الشريف ولو عني المشتغلون بالطباعة منذ قرن بطبع الكتب الدينية واللسانية والعلمية على هذا الوضع والنحو واختاروا الأمهات الممتعة وجعلوها مقدمة بين يدي نجواهم لربحوا أكثر مما ربحوا وأفادوا أكثر مما أفادوا. وقد أتحفنا الطابع المنوه به بالأجزاء التسعة التي صدرت من الكتاب في هذه العاصمة ولا
стр. 349
يزال يواصل إكمال السبعة الباقية منه فكانت لجودة طبعها وجلاء ورقها ورونق حرفها تضطرنا إلى الاستغراق في تلاوتها الساعات وقد استفدنا أموراً ما كنا نظن أحداً من الفقهاء حرك فيها بناناً ولا غرو ففي مذهب مالك من التوسع في العبادات والمعاملات ما لا تراه في غيره ولذلك كتب الله أن ينتشر في شمال إفريقية حيث كثر اختلاط الناس بالإفرنج قديماً وحديثاً ولا يسعهم في الأغلب إلا مجاراتهم في شؤون معاشهم. فنثني على الطابع بما هو أهله ونتمنى أن يحذو حذوه كل طابع في اختيار أجود الورق والحروف وانتقاء خيرة المصححين لنقول أنا جارينا المرتقين في طباعتهم وماثلناهم في تفانيهم بنشر الأمهات من كتب أمتهم.
مجلة عرفات
لصاحبها العالم العامل محمود بك سالم من رجال الإصلاح في هذه الديار وهو ممن جمعوا إلى العلوم الحديثة العلوم القديمة وضموا إلى المدينة تديناً. نشر في العام الماضي جريدة باللغة الفرنسية بهذا الاسم لتبحث فيما تمس حاجة الإسلام إلى التعريف به عند من يجهله وحاجة المسلمين إلى ما ينفعهم ويعلي كلمتهم وقد جعل جريدته منذ مدة في قالب مجلة ليتيسر جمعها وحفظها ويتسع الوقت لانتقاء موضوعاتها. أتحفنا بما صدر من عرفات جريدة ومجلة فطالعنا منه طرفاً صالحاً لم تزدنا بالرجل تعريفاً ولم تكن على غيرته وإخلاصه دليلاً جديداً وكفى في الإشادة بذكر صاحب المجلة بأنه يبذل وقته وعمله ودرهمه في خدمة أمته فأكرم بأبوين يهذيان مثله وببلاد تخرج النوابغ إذا علم أبناؤها العلم الصحيح والآداب الطاهرة. وفي هذا المقام نقترح على العالم المشار إليه أن يتفضل ولو بنشر ملحق صغير مع كل جزءٍ يلخص فيه إلى العربية ما ينبغي لقرائها أن يطلعوا عليه. والمجلة ترسل مجاناً لمن يطلبها.
لأمية العجم ولأمية ابن الوردي
شرح الكاتب الأديب حكمت بك شريف لأمية العجم للطغرائي الكاتب الشاعر المشهور المتوفى سنة ٥١٥ ولأمية ابن الوردي الفقيه الأديب المتوفى سنة ٧٤٩ شرحاً موجزاً ينتفع به طلاب الأدب ويعين على فهم ما أتيهم من ألفاظهما وتراكيبهما.
السل الرئوي
стр. 350
أفرد أجدادنا أيام كانوا يشتغلون بالعلم على أنواعه بعض الأدواء بالتأليف لأهميتها وانتشارها كما فعل الرئيس ابن سينا وأبو مروان بن زهر وأبو الوليد بن رشد وحنين بن اسحق ويوحنا بن ماسويه ويعقوب بن اسحق الكندي وثابت بن قرة الحراني وأبو بكر الرازي وغيرهم. وكلما ارتقت العلوم أفرد كل فرع منها بكتب وانصرف إليها ناس بحسب الحاجة. وأمامنا الآن كتاب في الوقاية من السل الرئوي وطرق علاجه من تأليف العالم النطاسي الدكتور خليل بك سعادة من المتميزين في الطب والعلم والمشهود لهم بالإجادة في إحكام العربية والإنكليزية على ما علم ذلك من تآليفه باللغتين ورسائله في بعض جرائدهما ومجلاتهما.
والكتاب موضوع على أسلوب غربي في قالب عربي يعزو فيه معظم المواد لقائليها قسمه أبواباً تدعو المطالع إلى مطالعته لما حوى من الفوائد الصحية والعلمية وقد قدم له مقدمة تدل على علو كعبه ونبالة غايته قال: يفتك السل الرئوي كل عام بستة ملايين من البشر فيربو عدد قتلاه في بضع سنين على سائر مجموع القتلى الذين سقطوا في ميادين الوغى أيام معارك الاسكندر وهنبال وقيصر وبونابرت والحرب الأهلية الأميركية وحرب السبعين والحرب اليابانية الروسية وبعد فيحق للعربية أن ترحب بهذا الكتاب الجليل وهو في ٢٢٥ صحيفة جيدة الطبع والورق ويطلب من مكتبة المعارف وثمن النسخة عشرة قروش صحيحة.
وقاية الأسنان
لما ألقيت إلينا هذه الرسالة ظنناها مبتكرة ولكن عدنا فذكرنا أن لابن ماسويه كتاباً في السواك والسنونات ولحنين بن اسحق كتاباً في حفظ الأسنان واللثة ألفت بالعربية منذ نحو ألف سنة وما يدرينا إن كان السلف ألف في هذا الموضوع أيضاً كما ألفوا في موضوعات لا يكاد ابن هذه العصور يظن أنها خطرت لهم على بال. وهذه الرسالة هي للفاضل الدكتور علي بك بقلي الطبيب. الاختصاصي بأمراض الفم والأسنان تكلم فيها على كل ما له علاقة بالأسنان والأضراس والأنياب وصحتها وسقمها وهي نافعة في بابها وثمنها خمسة قروش صحيحة. فنشكر له همته.
نيل المراد
стр. 351
رسالة في تشطير الهمزية والبردة وبانت سعاد للشاعر الأديب الشيخ عبد القادر سعيد الرافعي علق عليها شرحاً يفسر كلماتها اللغوية فجاءت لطيفة الأسلوب مقبولة عند طلاب هذا الفن وهي تطلب من مكتبة نجل المؤلف في السكة الحديدية.
تبيان التعليم
لحضرة العالم الأصولي ذي المعزة السيد أحمد بك الحسيني من رجال الفضل والنبل في هذه العاصمة يد طولي في وضع المصنفات الأصولية والفقهية النافعة فبالأمس نشر كتاب دليل المسافر ونهاية الأحكام والقول الوضاح والقول الفصل واليوم نشر رسالة سماها تبيان التعليم في حكم غير المبدوء بسم الله الرحمن الرحيم وما أصدق ما قاله في مقدمتها: والمسؤول ممن وقف على ما كتبته أن يدع الهوى والتقليد ولا يسترسل في مدح القديم وذم الجديد بل ينظر إلى المقال بعين الإنصاف والاعتدال ولا ينظر إلى من قال فالرجال يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال.
الدليل إلى البرازيل
كتاب أدبي اجتماعي انتقادي لمؤلفه الأديب جرجي أفندي توما الخوري ضمنه وصف المشاهد والآثار التي رآها منذ غادر سورية إلى أن وصل برازيل وذكر ما يلقاه المسافر والمهاجر مازجاً الجد بالهزل أحياناً. وقد قدر عدد السوريين في برازيل وحدها بخمسين ألفاً وامتدح من صحفهم العربية وأربابها إلا أنه تمنى لو أبطلت عادة نشر الرسائل المأجورة في الجرائد وفي الكتاب فوائد لا يستغني عنها المقيم والمسافر.
الدين في نظر العقل الصحيح
هي مقالات كان نشرها في مجلة المنار الغراء الدكتور النطاسي الفاضل محمد توفيق صدقي في العقيدة الإسلامية وإثبات صدق النبوة المحمدية على وجه أقرب إلى عقول المتعلمين وقبول المدنيين وفي آخرها مقالة في حكمة نجاسة الكلب والخنزير وتحريم لحمهما فجاءت في ١٦٠ صحيفة صغيرة وافية بالغرض تدل على بعد غور كاتبها. وثمن النسخة قرشان ونصف تطلب من مكتبة المنار بشارع درب الجماميز.
الأجوبة المسكتة
стр. 352
تأليف الأديب الأريب أحمد أفندي صابر جمع فيه ما شاق وراق من الأجوبة اللطيفة التي فتح بها على كبار العرب والفلاسفة قديماً على نمط توخى فيه الإيجاز والاقتضاب فجاء كتابه في ١٨٠ صحيفة صغيرة مطبوعة طبعاً نظيفاً على ورق جيد. وعساه يضيف إليه في الطبعة الثانية ما أخره بالقصد من المواد التي لها علاقة بالكتاب ويردفه بما هو شائع اليوم على ألسن القوم من هذه الأجوبة الأدبية اللطيفة التي قد تقع لأحد العامة فيستفيد منها الخاصة والعامة معاً. والكتاب يطلب من مؤلفه بديوان الأوقاف وثمنه خمسة قروش.
الحقيقة الباهرة
في أسرار الشريعة الطاهرة من تأليف سماحة الأستاذ الشيخ محمد أبو الهدى أفندي الصيادي الرفاعي بنى أبوابه على عدد شعب حديث الإيمان بضعة وسبعون شعبة وقد طبع في القاهرة على ورق جيد وطبع نقي.
ذكرى فريد
نشرت جمعية تهذيب الشبيبة السورية في بيروت المراثي وأقوال الجرائد وبعض آثار فريد عوض وترجمته وكان من أذكياء الشبان في المدرسة الكلية الأميركية فتوفي منذ ثلاث سنين فرأى أصحابه أن ينشروا له كراسة يخلدون بها ذكره مخافة أن يضيع كما ضاع كبار رجالنا بإهمال فنثني على غيرة من تولوا ذلك.
روايات جديدة
رواية البعث - معربة عن الإنكليزية بقلم الأديب رشيد أفندي حداد وهي من وضع الفيلسوف الروسي ليون تولستوي تطلب من المكتبة الشرقية.
عشيقات الملك - تعريب الكاتب الأديب إبراهيم أفندي سليم نجار تطلب من صاحبها وقيمتها فرنك واحد.
رواية سرولاسر - للعقيلة استير مويال تطلب من مسامرات الشعب.
الساحر الخالد - معربة عن الإنكليزية بقلم الكاتب الأديب محمد لطفي أفندي جمعة وهي إحدى روايات مسامرات الشعب.
هدية الابن
стр. 353
كراسة كتبها الأديب بشارة أفندي الياس عيد الحاج بطرس من جالية السوريين في البرازيل أهداها إلى ولده ووصف له فيها حال البرازيل ومن رأيه أن البرتغاليين لما اكتشفوا البرازيل سنة ١٥٠٠م كان في جملة من بعثتهم الحكومة البرتغالية إليها عال كثيرة من بقايا السلالة العربية في الأندلس لتطهير بلادها من النسل العربي ولذلك كان في الأمة البرازيلية نقطة دم عربي. فلكاتبها منا الثناء.
الاقتصاد لبلوغ المراد
رسالة في النحو لمؤلفها الشيخ أحمد مصطفى بن محمود أبي النصر من طلبة الأزهر.
стр. 354
تدبير الصحة
الخبز الأبيض
مازال علماء الصحة يوصون بالاعتماد على الخبز الأسمر الأبيض وقد أنذر أحد رجال الأمريكان الآن أن من يعتمد في طعامه على الخبز الناصع البياض يصاب بالهزال وفقر الدم إذ أن البياض لا يكون إلا بوسائط صناعية تستلب من الخبز صفاته المغذية.
اللحوم والبقول
أثبت أحدهم أن الإنسان خلق ليتغذى باللحوم - خلافاً لرأي القائلين بأن البقول هي خير ما يعتمد عليه المرء في تغذيته - قال ومما لا ينكر ما يحدث تناولها من اضطراب في المعد عند كثير من الناس لكن ذلك ينشأ من طريقة الأكل لا من الطعام نفسه وقلة المضغ في الغالب تضر الهضم وتجعل فيه عسراً.
جمع الحواس
طلبت إحدى المجلات اليابانية من الكتاب أن يوافوها بما يرونه من أنجع الأسباب وأحسن الطرق وأبرك الساعات لجودة التصور فقال بعضهم أن الفكر لا يجري بدون تأمل وهو محتاج لجمع الحواس. وقال بعضهم أن أحسن الساعات للافتكار هي عند الانتباه من النوم صباحاً إذ يكون الدماغ مستريحاً ولذلك كان من أحسن الأمور إلقاء الدروس على التلامذة صباحاً. وآثر آخر أن يبدأ المرء بعمله بعد التنزه ومن ذلك تعظم فوائد الدروس التي يتلقاها الطالب في صفوف تقام بعد الرياضة البدينة. وارتأى آخر أن البدء بالعمل العقلي ينبغي أن يستعد لها بالقراءة وأوصى الأساتذة أن يعمدوا إلى هذه الطريقة.
القيلولة
هي نوم الظهر والراحة فيه لا غنية لسكان البلاد الحارة عنها وقد يستغني عنها في البلاد الباردة. وقد أخذ أهل العلم في إنكلترا يتناقشون هذه الأيام في فائدتها وخصوصاً لطلبة المدارس لأن هؤلاء يصرفون من دقائق الدماغ كل يوم جانباً كبيراً في استخدام القوى المفكرة والباحثة والمدققة والمشبهة والحاكمة فحالتهم والأمر على ما ذكر تستدعي راحة أعظم بالنظر لما يبذلونه من الإجهاد العقلي والقيلولة تنفعهم في صحتهم أكثر من الرياضات المألوفة في المدارس وما هي إلا عناءٌ آخر عضلي بعد ذاك العناء العقلي وخير
стр. 355
للتلميذ أن ينام في فراشه ويريح عقله وجسمه من أن يسير في الهواء الطلق ويصرف وقت راحته في ترويض جسمه رياضة طبيعية مستمرة عنيفة. وارتأى القائلون باستعمال هذه الطريقة أن يفحص التلامذة كل يوم فحصاً طبياً بمعرفة أطباء من أهل الأخصاء يعهد إليهم فحص تراكيب التلامذة الفسيولوجية وينظرون في قواهم العقلية.
следующие страницы →