← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

القرن التاسع عشر في العالم أكثر من ثروة أفقر أمة أوربية وعدد المسلمين نحو مائتي مليون ولا يبعد أن لا ينتصف هذا القرن العشرون إلا ويصبح مجموعها خمسين مليار فرنك إلى غير ذلك من الإيضاحات التي تنتفع بها فرنسا وتستفيد في مستقبلها الاقتصادي والاستعماري. والكتاب محلى بمصورات بلاد الإسلام وببعض رسوم الجوامع والأشخاص والكتابات الإسلامية وهو يدل دلالة واضحة على مبلغ غيرة المؤلف على مصلحة أمته ودرجة علمه بأحوال المسلمين اليوم وأمس كما هو شهادة ناطقة بأن الاخصاء في فرع من فروع العلم الكثيرة أنفع للعالِم وللعالَم من الخطف من هنا ومن هناك. النسائيات مجموعة مقالات في الجريدة في موضوع المرأة المصرية بقلم باحثة البادية. أو العقيلة ملك حنفي ناصف سنة ١٣٢٨ ص١٧٦. من نعم الله على مصر أن فيها عاملين في كل فرع من فروع الحضارة وأنها تقلد الغرب في خطواتها نحو الارتقاء حتى كادت تكون قطعة من ديار الغرب لو كان نساؤها متعلمات كرجالها ولكن مصر الغنية بتربتها الذكية لم تقصر في ذكاء عقول أبناءها وبناتها فقد نشأ لها بفضل عقول رجالها ناشئة من النساء يأخذن بأيدي بنات جنسهن إلى مهيع التقدم وفي رأسهن مؤلفة ها الكتاب العقيلة ملك حنفي ناصف نسبة لوالدها أحد شيوخ العلم في القاهرة أو ملكة باسل نسبة لزوجها. عني بتأديبها والدها فجاءت أديبة بزت الأدباء وكاتبة يقلُّ في الكتاب مثلها وقد نشرت الآن ما أملاه قلبها على لسانها وقلمها في تعليم المرأة على الأسلوب الجامع إلى الدين الصحيح آداب الدنيا والمدنية الحديثة. وقد طالعنا مات خطته يراعتها في هذا الشأن ولاسيما محاضرتيها في المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية تكلمت فيها كلام العاقلة الحفيصة عن المولودة ودور الطفولة والمراهقة والخطبة والزواج والاقتصاد المالي والمنزلي والعمل البيتي والعادات والأخلاق ودور الأمومة. ومحاضرتها التي ألقتها في نقد عادات النساء وختمتها بقولها لو كان لي حق التشريع لأصدرت اللائحة الآتية: (المادة الأولى) تعليم البنات الدين الصحيح أي تعليم القرآن والسنة الصحيحة. (المادة الثانية) تعليم البنات التعليم الابتدائي والثانوي وجعل التعليم الأولي إجبارياً في كل

стр. 3572

الطبقات. (المادة الثالثة) تعليمهن التدبير المنزلي علماً وعملاً وقانون الصحة وتربية الأطفال والإسعافات الوقتية في الطلب. (المادة الرابعة) تخصيص عدد من البنات لتعلم الطب بأكمله وفن التعليم حتى يقمن بكفاية النساء في مصر. (المادة الخامسة) إطلاق الحرية في تعلم غير ذلك من العلوم الراقية لمن تريد. (المادة السادسة) تعويد البنات من صغرهن الصدق والجد في العمل والصبر وغير ذلك من الفضائل. (المادة السابعة) إتباع الطريقة الشرعية في الخطبة فلا يتزوج البنات قبل أن يجتمعا بحضور المحرم. (المادة الثامنة) إتباع عادة المساء الأتراك في الآستانة في الحجاب والخروج. (المادة التاسعة) المحافظة على مصلحة الوطن والاستغناء عن الغريب من الأشياء والناس بقدر الإمكان. (المادة العاشرة) على إخواننا الرجال تنفيذ مشروعنا هذا. طالعنا كل هذا ورأينا السيدة المؤلفة أجادت فيه من وراء الغاية لأن أقوالها نتيجة تجارب وخبرة بل هي القانون النافع في إنهاض المرأة من كبوتها وفي الكتاب مطالب كثيرة في إصلاح المرأة والاعتدال يقرأ من تضاعيفه والأدب يقطر من خلاله. وقد قدم له أحمد لطفي بك السيد مدير الجريدة والكاتب الخطيب العامل مقدمة لطيفة أبان فيها الغرض من هذه الأبحاث فقال لقد أجادت باحثة البادية في جعل بحثها مرتباً على هذا النمط المعين فإن الاعتدال في تعليم المرأة وتربيتها وتقرير الحد اللازم الذي تقف عنده في المساواة بينها وبين الرجال الاعتدال في ذلك كله أمان من الزلل والوقوع في نتائج سيئة قد لا تكون أقل في سوءِ الأثر من نتائج خمول المرأة وقعودها عن السعي إلى كمالها الخاص. قال أما الدين فإنه ملاك أخلاق المرأة ومناط آدابها وطرق كمالها وموجب الثقة بها. إن تقوى المرأة أكبر الأدلة على صونها ومعرفتها بالواجب وحسن قيامها به. إن شهود المرأة صلاة الجماعة في المسجد الجامع مرة واحدة أصلح لقلبها من سماع واعظ أخلاقي في الدار

стр. 3573

أو في المدرسة سنة كاملة. وإن تقليد المرأة الشرقية لأختها الغربية نافع ولكن هذا التقليد إلى اليوم ليس بحسنة جديدة ما دام أنه خلا من النوع الخاص بالدين. فإن الغربية تذهب إلى معبدها مرة في الأسبوع على الأقل في الشهر والمسلمة الشرقية لا تذهب إليه في مصر أبداً. كأن دأن أقل في الشهر ولالمسلمة لاشرقية لا تذهب إليه في مصر أبداًبها من سماع واعظ أخلاقي في الدلار أو من نتائج خمول المرأة وقعودها عنخول بيت الله أثقل كلفة عليها وأبعد عن رضى وليها من دخول بيوت التجارة وشهودها مسارح اللهو. إلا وأن حضور النساء صلاة الجماعة على صورة لائقة ومن غير إسراف هو أول عمل حسي تأتيه المرأة لتقرب به مسافة الفرق بينها وبين الرجل ولتقرر به المساواة المنشودة. وعلى الجملة فالكتاب من أنفع ما كتب في عصرنا حريٌّ بكل آنسة وعقيلة بل بكل رب بيت أن يتدارسه ويعمل به فبالأمس قام في مصر المرحوم قاسم بك أمين يحرر المرأة من قيود رقها واليوم قامت ملك ابنة حنفي بك ناصف تبين الخطة العملية فمتى يا ترى يكتب لهذه الديار أيضاً أن يقوم فيها من بنات حواء من يسعين لإصلاح بنات جنسهن على الطريقة الملكية فالكلام يفضل بفضل مصادره وأحسنه ما صدر عن ربات الحسن والإحسان.

стр. 3574

سير العلم والاجتماع العلم والمال بمصر ظهر كتاب الإحصاء الذي جرت عادة ديوان الإحصاء في مصر أن ينشره كل سنة فإذا فيه أن مجموع دخل مصر كان سنة ١٩٠٩ ١٥٨٨٧٣١٣ جنيهاً ومجموع نفقاتها ١٦٩٠٠٠١٥ جنيهاً وكان دخلها سنة ١٨٨٠ ٩٥٨٤٤٣٠ جنيهاً وخرجها ٧٦٩١٤٢٤ جنيهاً. وبلغ عدد مدراس الحكومة في هذه السنة المكتبية ٦٤ مدرسة فيها ٩٩٨ أستاذاً و١٤٧١٤ تلميذاً منهم ١٤٠٨٧ ذكراً و٦٢٧ أنثى وبلغ عدد المدارس الحرة ٢٦٥ مدرسة سنة ١٩٠٨ فسها ٢٣٢٩ أستاذاً و٥٢٤٤١ تلميذاً منهم ٤٦٢٩٣ ذكراً وبلغ عدد كتاتيب الحكومة ١٤٤ كتاباً سنة ١٩١٠ فيها ٤٤٩ أستاذاً و١٣٣٦٥ تلميذاً منهم ٩١٨٣ ذكراً وبلغ عدد الكتاتيب الحرة ٣٥٦ فيها ٦٧٩٩ أستاذاً و١٩٠٨٥٧ تلميذاً منهم ١٧٤٠٢٣ صبياً. وبلغ عدد المدارس الأجنبية ٤٠٩ مدارس فيها ٢٣٢٨ أستاذاً و٤٧٣٨١ تلميذاً منهم ٢٨٩١٤ ذكراً و١٨٤٦٧ أنثى. المحسنون للشام ولمصر من أول إمارات النهوض في مصر والشام أن أبا السعود أفندي الحسيبي من أعيان دمشق يقف خزانة كتبه على المطالعين والعالمين سبلها في مكان خاص في القنوات وفيها مخطوطات ومطبوعات نادرة وهي نفيسة مهمة لا تقل فيما نحسب عن ألفي مجلد ويقف لها عقاراً يقوم بالإنفاق عليها وعلى القيم. وإن عبد الرحمن بك اليوسف من أعيان الفيحاء أيضاً تعهد بتعليم شابين أيضاً في مدارس فرنسا على نفقته يعلم الأول الهندسة الميكانيكية والثاني علم الزراعة وأن بطرس أفندي داغر من أعيان بيروت تبرع لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في الثغر بمئة ليرة كل سنة لتستعين بها على ترقية مدارسها الخاصة بالإناث. ووقف الأمير يوسف بك كمال من أعيان القاهرة ١٨٠ فداناً من أجود أراضيه في المنيا وعمارة بالإسكندرية يبلغ صافي دخلها السنوي ستة آلاف جنيه على مدرسة الفنون الجميلة التي أسسها في أحد قصوره في درب الجماميز ووهب هذه المدرسة أيضاً عشرة آلاف جنيه لهدم القصر المذكور وبناءه من جديد على طرز مدارس الفنون الجميلة في الغرب وهذا فوق ما كان دفعه من المال للجامعة المصرية والمدرسة الصناعية والابتدائية

стр. 3575

اللتين بناهما في أملاكه في صعيد مصر وعلاوة على قطعة الأرض التي تساوي عشرة آلاف جنيه وهبها لنادي المدارس العليا لينشئ فيها منتداه. فأكرم بهؤلاء الرجال الذين يحسنون لإنارة العقول فيذرون في الدنيا بالمحمدة وفي الأخرى بالرحمة. أعما الطيور نشرت المجلة الفرنسية مقالة قالت فيها أن النشاط من خصائص الطيور وقلَّ فيها من يتخلف عن هذه القاعدة فالطير البحري المعروف بقصير الجناح الذي نرى جناحيه كنصل السيف يتحولان إلى قطع يظهر أنها تعجزه عن الحركة ومع هذا يطير ويقفز وكثيراً ما تطول مدة طيرانه وتحمله من جزائر الشمال إلى البحر الأبيض حيث يشتو وهذا مثل طير القوق فإنه يصيدج ويتناول السمك بحذق ويعرف بنزوة منه كيف يمسك ذات القشر وعادمة الفقار من الحيوانات ويتسلى بها فيجعلها نقله وحلواه. وطائر البجع الذي يظهر بأنه أعسر يتوكأ على رجل واحدة في الحدائق وأنه لا حراك فيه وهو على العكس طائر رحالة يفضل ما رزق من الأجنحة الواسعة التي تكون له بمثابة شراع لا نظير له يستخدمه في تنقله على البحيرات والأنهار حيث ينزل ويقيم جنوبي أوربا والهند والصين وأميركا وأستراليا. وتمتاز بعض الطيور بنشاطها على العمل بأن تتخذ لها صناعات مرتبة فالعصفور الدوري الذي كثرت أسماؤه بحسب البلاد هو في الواقع ونفس الأمر عامل لا يتعب ذو أمانة للغاية ويسميه الإسبانيون وهو في مالقة عندما يكون جاز إليها من جبل طارق نحات الحجر مشبهين له في الصناعة بالبناء لأنه يبني عشه ورائده العلم التام في الهندسة ومن أنواعه كثير في فرنسا وإنكلترا وجنوبي أوربا تختار لوكناتها ثقوب أشجار الصنوبر وتبتدع في هندستها وإحسان بنائها بالأحجار والملاط فالعصفور في جبل طارق صغير الجرم كالشحرور ويستعمل قوادمه ومنقاره لجمع الحجارة والحصى لينقلها إلى المحل إلى وقع عليه اختياره ويراكمها بعضها فوق بعض محكماً لها طبقة فوق أخرى ويجعل للعش حاجزاً طوله عشرين سنتيمتراً وعمقه كذلك وطوله من ٦ إلى ٧ سنتيمترات وههو يستعمل له نحو ٢٨٠ حجراً ما عدا ٧٠ إلى ٧٥ حجراً للتأسيس ويبلغ عدد الأحجار ٣٥٠ ومنها ما وزنه ٦٠ غراماً وعجيب منه كيف ينشط لحمل مثل هذا الثقل والمسافة التي ينقل منها الحجار لعشه ليست بقصيرة.

стр. 3576

ومن أنواع العصافير ما يألف البلاد الجبلية وهو أيضاً يختط لعشه في الجدر والأحجار والأشجار خططاً عجيبة ويبالغ في هندسته وتقسيمه وكذلك الحال في الخطاف الذي يشبه السنونو فيكمل عمله وبدلاً من ثقب بسيط يختاره في أعلى العش للدخول يقيم نوعاً من الطريق مغطى في أسفل الجدار. ومن الطيور ما لا يحذق ابتناء الوكنات ومع هذا ومع هذا لا تلقي صغارها على حصا تختاره لذلك. وأعجب ما في هذه الطيور البناءة كلها فطرة الذكاء التي تقودها إلى اختيار مواد البناء. فالسنونو مثلاً تعرف كل المعرفة تمييز نوع الملاط الذي تجمع فيه بين أجزاء ما تقيمه من البناء من الداخل والخارج وذلك بمفرزاتها اللزجة التي هي من خصائصها الطبيعية وهذه المفرزات يستخدمها بعض الطيور ملاطاً لوكناتها أيضاً. وأن الطير المعروف ببناء البيوت ليصنع عشه من الطين والقش حتى أن أهل المكسيك منه تعلموا طريقتهم في البناء. ومن لطيور النجار كما فيها البناء وذلك كالطائر المعروف بالنقار ال١ي يعيش في الأشجار يتسلق عليها بمخالبه فينقر بمنقار لحاء الشجر ليفرغ منها الهوام ليعيش بها فهو عامل غريب يجمع عشه بصبر مدهش ويحفره في بعض الجذوع على ثلاثة أمتار من وجه الأرض ويحتال في إجادة محله ما شاء وشاءت الإجادة الغريزية على نحو ما نشاهد جحوراً نجرتها هذه الطيور كنقار الخشب والصرد في غابات إنكلترا ثم تتركها إلى محل آخر لا تصل إليه اليد. ومن الطيور ما ينقي الزرع كالقصير الرجلين يخدم الحدائق كما يخدمها صاحبها والمتعهد لها فهو وإن كان يعيش على شواطئ مجاري الأنهار ولاسيما البائخ إلا أنه ينقي الزهور والبذور التي يترك وشأنه ليسرح بينها وبين أجمل من هيئته وهو يقفز ويمر مسرعاً جائياً ذاهباً وجسمه مائل إلى الأمام وقنبرته منتصبة وريشه مشرق ظاهره سماوي وباطنه أبيض وعينه منتبهة لا يغفل دودة ولا حلزوناً إلا ويعزلها عن الزرع بوجدان سليم. وأعجب من هذا وذاك حال الطير المسمى الشرطي وهو يكثر في أواسط أوربا يقف على الأسلاك البرقية على مساوف بعيدة يرصد البعاد لونه أسود وله عصابة برتقالية في رأسه يقتات بالديدان ويخافه النسر والباشق والبازي وقد سمي الظالم لأنه إذا اختلط بطيور أخرى يتسلط عليها وإذا لم يجد أسلاكاً ينزل على بعض العمد أو على غصن شجرة وإذا

стр. 3577

كان في السهل ينزل على ظهر بقرة ويعيش من الصيد ولا يهاب ما كان أكبر مكنه من الحيوانات بل يستخدم منقاره ومخالبه فيدمي بها ويقتنص وهو بذلك يتحاماه الكواسر وغيرها ولا يقرب من وكناته أحد منها واشتهر بالشجاعة بين الطيور حتى أنها لتهابه في وكناتها وتحسب له ألف حساب ولذلك كتبت له السعادة وهو من بين شذاذ الآفاق من الهوام والطيور والكواسر حامي القانون والمسيطر الأعظم. التحصيل في أوربا بلغ عدد من يختصون في العلوم في مدارس أوربا خمسة عشر طالباً من أهل دمشق فقط عدا من أرسلتهم الحكومة على نفقتها منهم أربعة في الطب والجراحة واثنان في طب الأسنان واثنان في الحقوق واثنان في الزراعة وواحد في الهندسة وآخر في هندسة الكهرباء وواحد في علم التربية والتعليم واثنان يستعدان في العلم الآن. الرئيس البرتقالي إن الرئيس البرتقالي الجديد تيوفيل براغا هو كأكثر رؤساء الجمهوريات عالم كبير فإن فاخرت فرنسا برئيس جمهوريتها الأول تيرس وفاخرت الولايات المتحدة بأحد رؤساء جمهوريتها روزفلت فيحث للبرتقال أن تفاخر برئيسها براغا فهو من أكبر كتابها المعاصرين وهو في السابعة والستين من عمره اشتهر أمره منذ خمسين سنة وهو شاعر فيلسوف نقاد فقيه أولى بلاده فخراً لا يبلى بما نشره لها من تاريخ آداب البرتقال الذي كتبه في عشر سنين متوالية ومن كتبه روح الحق المدني الحديث وهو زعيم القائلين بالفلسفة الحسية في برتقال كما أن بنيامين كونستان زعيمها في برازيل وهذه الفلس فة هي التي وضع أساسها أوغست كونت الفيلسوف الفرنسوي وما برح براغا يحف حوالي منبره في لشبونة أناس من الناشئة الجديدة يوحي إليهم آماله الديمقراطية وروحه الوطنية فلا عجب إذا وقع اختيار أمته عليه ليرأسها. اللعب والتربية كتب أحد علماء التربية الألمان مقالة طلب فيها إلى دور التعليم أن تخص وقت بعض الظهر من كل يوم بالألعاب المختلفة تكره عليها الأولاد والمتعلمين أكثر مما تكرههم على تعلم دروسهم واستشهد بقول الإمبراطور منذ مدة إنني أبحث عن جنود فحاجتنا الماسة إلى

стр. 3578

جيل قوي من الناس فالجمناستيك البسيط لا يقوم بهذا الغرض بل الواجب المشي الكثير الطويل لا الاكتفاء بألعاب عادية يقوم بها الأولاد والشبان عرضاً بل ألعاب حقيقية علمية مثل التزحلق (باتيناج) والعوم وغير ذلك. ألعاب يناظرها مدير خبير يستثمر النشاط ويحسن الانتفاع بمرونة الجسد ويقوي بالعمل والعادة اليومية أحسن قوى النفس والعقل مثل الصبر والحرية والإرادة وعمل مثل هذا المدير لا يقل في الفضل عن عمل زملائه أساتذة العلوم واللغات والتاريخ فهو بعمل على تربية الشبيبة على شرط أن يعطي الوقت اللازم لذلك وهو ينوع الألعاب بحسب الفصول حتى لا ينهك القوى في الحر كما يعاملها في البرد. فقر يابان وغناها ذهب بعض الأميركيون إلى أن يابان أفقر بلاد العالم فأثبت ذلك الأستاذ كامب من كلية كيوتو بالإحصاء الدقيق قابل فيه بين غنى اليابان وغنى غيرها من الأمم فقال إذا كانت يابان تملك مثلاً ١٠٠ يان (معاملة يابانية نحو فرنك) فإن ألمانيا تملك ٦٨٣ ياناً وفرنسا ٧٤٣ ياناً وإنكلترا ١٠٠٨ يانات فالدخل الشخصي إذا سرنا على هذا النحو هو ١٠ يانات في اليابان و٤١ في ألمانيا و٥٢ في فرنسا و٦٠ في إنكلترا و٧٣ في الولايات المتحدة. والدين الذي على بلاد اليابان ثقيل تنوء تحته فهو نحو ٢٢ ياناً في المئة ومع هذا فإن يابان لا يخشى عليها من الفقر المدقع والخراب العاجل بالديون لأن الفرد منهم يعرف كيف يصرف في سبيل سداد عوز حكومته فيقطع من أكله ويقتصد من رفاهيته بسائق وطنيته ليعطي حكومته ما تنهض به من المال. والاقتصاد في المعاش من خصائص هذه الأمة. أوهام السن من الشائع ا=على اللسن أن من تجاوز الخمسين يؤذن نشاطه العقلي والطبيعي بالضعف على أن الحوادث تثبت نقيض ذلك فإن الحياة العلمية والسياسية والأدبية مخصبة كثيراً في السن التي يرميها الناس بالعقم ولطالما أورد بعضهم أدلة على رقيهم العقلي ونشاطهم فإن شهرة لوراستراتكونا في عالم السياسة ابتدأت لما كان عمره خمساً وسبعين سنة وهو اليوم في سن التسعين يعمل منذ العاشرة قبل الظهر ويحضر الولائم الرسمية ثلاث مرات في الأسبوع. وكان عمر ويليام مورغان ٦٥ سنة لما كتب قصصه الأولى وكان عمر بيرمون

стр. 3579

مورغان المثري الأميركي نحو ذلك عندما وضع خطته في الإثراء. ومنذ خمسين سنة كانوا ينظرون إلى ابن الخامسة والأربعين في بلاد الغرب بأنه شيخ أما اليوم فلويد جورج السياسي الإنكليزي قد بلغ السابعة والأربعين ولا يزال يعد في الشبان وقد بدأ السير هيرام ماكسيم في سن السبعين يعمل عملاً جديداً كل يوم. ولما وصل فرنكلين إلى باريس سفيراً من قبل حكومة الولايات المتحدة كان عمره إحدى وسبعين سنة وبدأ فيكتور هوغو بكتابة تاريخ جناية في الرابعة والثمانين من عمره وعلى كل فالنشاط ميسور لكل من جادت صحته وصحت عزيمته على العمل شاباً كان أو كهلاً أو شيخاً ولا يزال المرء في هذه الديار يتعلم حتى يموت. والترتيب في الحياة هو سر اقتدار هؤلاء المعمرين على العمل إلى النهاية.

стр. 3580

إصلاح خطأ سها عن بالنا أن نقول في الجزء الماضي عند إنشاء مقالة جمهورية البرتقال أنها ثالث جمهورية في قارة أوربا فإن الأولى فرنسا والثانية سويسرا والثالثة تلك الجمهورية الجديدة. وجاء في الكلام على روضة العقلاء في هذا الجزء أن صاحب كشف الظنون لم يذكره بلى أنه ذكره بقوله روضة العقلاء لابن أبي حيان في الأحاديث وفي هذا خطأ في اسم المؤلف وهو حبان بالباء لا بالياء. وفي قوله أن الكتاب في الحديث وهو في الأخلاق.

стр. 3581

العدد ٥٥ - بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١٠

стр. 3582

ظلامات عصر الظلمات كل منن ألقى نظرة إجمالية على تاريخ القرون الوسطى والقرون الحديثة في هذه البلاد يوقن بأن القرون الأخيرة أي القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر كانت أشقى العصور على هذه البلاد لا حكم فيها إلا للقوة لا عدل يحييها ولا علم ينهضها وخصوصاً في الأيام التي سادت فيها حكومة الاقطاعات وساد معها جيش الإنكشارية (يكى جري) أو العسكر الجديد فكل ما تراه عينك في دمشق مثلاً من بيوت ضيقة متلاصقة وأرتجة واطئة وأحياء لا منفذ لها وقصور ومدارس في الضواحي خربة إنما نشأ من اعتداء هذا الجيش على أفراد الرعية المسكينة وما نجا من أيديهم يتناوله الظلمة من الحكام ويصادرونه ويستصفونه هنيئاً مريئاً لا وازع يزع ولا إدارة منظمة: أحكام في الدمار مسمطة وقواعد في السياسة معسلطة وآراء في جلب المصالح ودرء المفاسد مخلطة مغلطة. ولقد وقع غلينا مخطوط نافع أورد فيه مؤلفه بالعرض في جملة قصائده بعض ما شاهد في عصره من الكوائن فأحببنا نقلها إلى هذا المعنى دلالة على القضية التي قررناها آنفاً ولتكون متممة لتاريخ هذه الحاضرة. وهاك ما ورد في هذا المعنى بمناسبة مدحه لأحد حواشي سليمان باشا ابن المعظم (والي الشام إذ ذاك) قال: واتفق لهذا الممدوح قصة من غرائب القصص وهي أنه سعى في خلاص جماعة من أهل حيه وغيرهم من القتل وفداهم بنفسه ودافع عنهم عند والي الشام بما استطاع وسلموا من الهلاك بسبب مدافعته عنهم وفر قوم من دمشق خوفاً من واليها وأوقع الوالي القتل والنهب بقوم آخرين ظفر بهم في دمشق ثم أن الوالي خرج من دمشق أميراً بقافلة الحج وخرج معه هذا المذكور حاجاً ومؤدياً ما عليه من خدمة السلطان في طريق الحج فلما وصل الأمير والحاج إلى المزيريب رجع أولئك النفر الذين فروا من الوالي بعد أن أرسلوا مكاتبة إلى جيران هذا الذي سعى في خلاص أكثرهم من القتل تشتمل تلك المكاتبة على أنهم في ليلة كذا يرجعون ويدخلون دمشق بقصد انتهاب دار هذا المذكور وقتل من يظفرون به من أهاليه وقراباته فأجابهم كل من كاتبوه بذلك بالسمع والطاعة وأنهم سيكونون لهم عضداً وعوناً على ما يبيتوا عليه وأرادوه من السوء بهذا الأمر الذي عزموا على فعله فلما كانت الليلة الموعودة دخل أولئك النفر الفارون دمشق ومعهم نفر من النصارى والدروز والأشقياء أعداء الدين والمسلمين ولما وصلوا إلى القرب من الدار المقصودة بالسوء تلقاهم الناس بالترحيب وتحزب معهم

стр. 3583

غالب الناس من أهالي ذلك المحل حتى بلغوا العدد الكثير فلما قربوا من الحي ترفع أهله في منازلهم وفر من كان في الدار المقصودة من كبير وصغير طالبين للنجاة بأنفسهم فلما وصل أولئك النفر المغضوب (عليهم) ومن معهم من المنافقين الذين انضموا إليهم كسروا الأبواب وهجموا على الدار وانتبهوا وضربوا وأفسدوا إفساداً ما سمع بمثله وأصبحوا ماكثين في دمشق لا يهابون أحداً فخرج إليهم نائب الوالي والأعيان والموالي فتلقوهم بالحرب والضرب وقتل جماعة وجرح آخرون ورجع النائب ومن معه منهزمين ومكث أولئك النفر الأشقياء بدمشق ريثما بلغوا إربهم من سلب واغتصاب وتهكم وتحكم لا يردهم عن ذلك أحد ولا يهابون أحداً. . . . . قال: ولقد حقق الله تعالى جميع نما نطقت به هذه القصيدة من الظفر بأولئك النفر المفسدين والطافة المعتدين المارقين من الدين على يد والٍ آخر غير ذلك الوالي المذكور في ترجمة هذه القصة قد عينه السلطان وولاه دمشق لأجلهم بسبب فتنة أضرموا في الشام نارها وأثاروا غبارها وأفسدوا إفساداً فظيعاً فقتلوا وخربوا واستلبوا وانتهبوا وأحرقوا الدور والأماكن وحركوا من الشرور كل ساكن وتجاهروا بالفواحش وارتكبوا كل أمر مخالف للدين فاحش وأعلنوا الفطر في شهر رمضان على رؤوس الأشهاد وتعطلت الأسواق والمعاملات بسببهم في دمشق قريباً من سنة لا تقام جميع ولا يسمع أذان ولا يفتح جامع ولا يمكن أحد أن يخرج من منزله لحاجة ولا لغيرها لفسادهم وإفسادهم وتعديهم على الخاص والعام وإنما كان سبب تمكنهم من ذلك عدم وال في الشام فإن واليها كان قد خرج منها إلى الحج أميراً ففي رجوعه من الحج عارضه العربان في أثناء الطريق ففر منهزماً بعد أن أعجزوه وانتهبوا قافلة الحاج بأسرها بعد ن كانوا انتهبوا جردة الحاج وقتلوا من الجردة والحاج الجم الغفير. . . فهذا كان سبب تمكنهم من إقامة الشرور والفتن فجاءهم بعد ذلك هذا الوالي المذكور ثانياً وقتل منهم من قدر عليه وفر منهم من فر منهزماً وسلب دورهم ومتاعهم وأثاثهم ووجه أخبارهم وتركهم أذل من اليهود وأحقر من الذباب وأوهن من الكلاب ولحق دمشق وأهلها من ذلك الوالي وحاشيته وجنده أسوأ السوء بسبب قيامهم على أولئك الأشقياء وانتهبت غالب المنازل في دمشق وقتل خلق كثير من البراء وتوطن هذا الجند الكثير من دور الناس وأخرجوا أهلها منها عنفاً وجبراً وقسراً وظهر من أباع

стр. 3584

الوالي ما أنسى أهل دمشق ما كانوا فيه من الضنك والشدة قبل قدوم هذا الجند إليهم. . . وأعقب مجيء هذا الوالي إلى دمشق في دمشق ضيق وشدائد وشرور وظلم وجور وعسف وتعد واحتقار لأهل دمشق من شدة فظاظتهم وغلظتهم وكان فيهم من النصارى والرافضة ما لا يحصى عدده وختم ذلك بزلزال في دمشق ونواحيها ورجفات زعزعت الجبال وردمت الدور في غالب الأماكن وهدمت كثيراً من المساجد والمعابد والمنارات وعند كتابتي لهذا المحل كانت مكثت في دمشق خمسة وأربعين يوماً وقتل إذ ذاك تحت الردم خلق كثير وخرج غالب الناس من منازلهم وتركوها خالية وتوطنوا البساتين والجبانات. وقال في مكان آخر: قد تقدم في هذا الديوان ذكر بعض ما وقع في دمشق من الفتن والمحن والشرور والغلاء والظلم وغير ذلك مما مر وتقدم وكل ذلك قبل تاريخ سنة ألف ومائة وسبعين وها أنا أذكر ما وقع واتفق لدمشق وأهلها في سنة سبعين وما بعدها من العظائم والحوب والأزمات والزلازل والرجفات وما تأتى من ذلك من خراب الدور والمنارات والجوامع وما كان في تلك الأيام من ظلم وجور وعسف إلى أن تداخلت الدواهي والبلايا بعضها في إثر بعض حتى كان آخر ذلك الطاعون الذي أنسى ما كان قبله مما يفسد الأديان ويهلك الأبدان ويشيب الولدان. وهنا أورد المؤلف أرجوزة مطولة في وصف تلك المحن قال فيها: لما تقضت عشرة ... من صومنا محررة قامت طغاة فجرة ... في شامنا المطهرة وأضرموا نار الفتن ... وأظهروا خافي الإحن وأوقعونا في محن ... وكدروا منا الفطن ومذ رأيت الفتنا ... ثارت وقامت علنا وكل مكروه أنا ... وكل سوء وعنا ناديت رباً ذا منن ... بعد الفروض والسنن وجنح ليل قد سكن ... وفيه قد فر الوسن وقلت قول الملتجي ... وطالب للفرج وهارب من حرج ... يا من إليه ألتجي

стр. 3585

يا دافع البلاء ... يا عالم النداء يا سامع الدعاء ... يا كاشف اللأواء خلص أناساً ظلموا ... من بطش قوم ظلموا عن الرشاد قد عموا ... ومن سداد حرموا وعجل انتصاراً ... واهلك الأشرارا وأيد الأبرارا ... وسدد الأخيارا وهت ربوع الشام ... من زمرة طغام وعصبة لئام ... خذوا من الحرام وفرقة فجار ... طاغية أشرار قد أزعجوا الذراري ... بأقبح الضرار لم يرحموا صغيراً ... لم يستحوا كبيراً لم يتركوا نقيراً ... نهباً ولا قطميرا وأعلنوا الفسادا ... وأذهبوا العبادا وأخربوا البلادا ... وأحرموا الرقادا وحللوا الحراما ... وأهملوا الصياما وقهروا اليتامى ... وفضحوا الأيامى وأظهروا الإسرافا ... وقتلوا الأشرافا وضيعوا الإنصافا ... وأكثروا الخلافا وشتموا الإيمانا ... وكذبوا الأيمانا وهدموا الأوطانا ... وأورثوا الهوانا وضيعوا الأمانة ... وشهروا الخيانة وحرموا الديانة ... وفارقوا الصيانة وغلبوا الحكاما ... وأبطلوا الأحكاما وأكثروا الضراما ... وأفحشوا الكلاما مدوايد الفجائع ... سنوا مدى المواجع

стр. 3586

وقتلوا في الجامع ... لساجد وراكع وتابعوا الأذية ... وأعظموا الرزية وأوقعوا البلية ... وأقلقوا البرية وأغلقوا المساجدا ... وأقفلوا المعابدا وأكثروا المفاسدا ... فحرموا المحامدا وعطلوا المنابرا ... وحقروا الأكابرا ودمروا الأصاغرا ... واشتهروا المناكرا وقصدوا أذاناً ... وأسكتوا الآذانا وتابعوا الشيطانا ... وخالفوا السلطانا وبات كل حالم ... من جاهل وعالم وقاعد وقائم ... بالغم كالرمائم وكل سوق سكرا ... وقل بيع وشرا وقام سوق الإفترا ... ودام هذا أشهرا يسوء فينا مدة ... حكت ليالي الردة فلم تنزل في شدة ... ومحن ممتدة والأرجوزة طويلة وهي على هذا النمط وقعت في نحو خمس ورقات بالخط الدقيق المندمج قال في آخرها: وجميع هذه الشكاية إنما هي مما وقع من الشرور والفتن في سنة ألف ومائة وسبعين في دمشق وما جرى واتفق خارجها من نهاب الجردة في سنة إحدى وسبعين ثم ما وقع فيها من انتهاب الحج وما حصل إذ ذاك من الفساد والإفساد من طائفة الأعراب والأوغاد ولما انتهبت الجردة ثم مات أميرها ثم انتهب الحج وانهزم أميره ورجع إلى دمشق من سلم من القتل منهوباً من السلب وكانت نار الفتنة لم تزل ثائرة في دمشق بين طائفة القول وطائفة الينكشارية من مضي عشر ليال من شهر رمضان والقول إذ ذاك محاصرون في القلعة فلما أقبل المنتهبون من الحجاج إلى دمشق خرجت طائفة الينكشارية يتلقون المنهزمين والمنتهبين من الحجاج فكل من ظفروا به وكان من القول قتلوه وأخذوا ما يجدونه معه من متاع أو دابة أو غير ذلك حتى أنه قد بلغني أنهم ظفروا بأحد القول

стр. 3587

خارج دمشق فقتلوه شر قتلة وأخذوا ما كان معه ثم أحرقوه بالنار واستمرت الشرور والفتن قائمة في دمشق وهي إذ ذاك خالية من وال حيث أن أمير الحاج لما انهزم في أثناء الطريق استمر منهزماً ولم يدخل دمشق فبقيت بلا وال ولا حاكم. ولما بلغ السلطان مصطفى أخبار ما تقدم ذكره من انتهاب الجردة والحج وما في دمشق من الفتن والهرج وأن طائفة القول محاصرون في القلعة ساءه ذلك وعين عبد الله باشا الشتجي وأمره على دمشق وعلى الحج وأنه يستقصي الخارجين عن أمره والمتعصبين على القول ويقتلهم ويرسل برؤوسهم إلى الباب العالي وألزمه أن يباشر إصلاح طريق الحاج بما أمكنه فجاء عبد الله المذكور والياً على الشام وأعمالها وأميراً على الحاج ودخل دمشق في أوائل سنة إحدى وسبعين وجاء معه بجند الغالب منهم نصارى وأعاجم. فلما قرب من دمشق تحزبت الينكشارية وتجمعوا في جهة الميدان والقبيبات والحقلة ووقع منهم إساءة في الأدب في حق الوزير وجنده وانتهبوا من نزل منهم بالقرب من محلهم الذي تحصنوا فيه ثم بعد يومين من ذلك نزل من الينكشارية نفر إلى جهة باب الجابية وتلك النواحي فظفروا باثنين من الجند فبطشوا بهما فقتل أحدهما وجرح الآخر فبلغ الخبر إلى الوزير فأمر من عنده من الجند أن يذهبوا إلى المحل الذي فيه الينكشارية ويقتلوا من يقدرون عليه ويأسروا من قدروا على أسره فخرج الجند متوجهاً إلى جهة حارة الميدان وتلك الجهات فلما وصلوا إلى وجوه المطلوبين وتوجهوا فرت طائفة الينكشارية طالبين البراري والقفار فتبعهم نفر من الجند ساعة من نهار وقتلوا منهم عدداً قليلاً ورجعوا عنهم واستمر أولئك هاربين ثم أن الجند أخذوا في قتل من رأوه كائناً من كان وشرعوا في النهب والسلب فانتهبوا غالب المنازل والحوانيت من حدود الحقلة إلى باب الجابية واستمر ذلك من الضحوة الكبرى إلى وقت العصر والجند يأتون بالرؤوس إلى حضرة الوزير فقتل في ذلك اليوم من الرعايا العدد الكثير وانتهب المتاع والمال الغزير إلى أن دارك الله تعالى باللطف بعد أن أخذوا العدد الكثير من الرعايا البرآء وسجنوهم ووضعوا القيود والأغلال في أيديهم وأرجلهم وأعناقهم ولما بلغ الوزير أن هؤلاء النصارى والأعاجم حصل منهم التعدي في القتل والنهب خرج إليهم ولامهم على ذلك وأمرمهم بالكف عن ذلك وجمع ما قدر على جمعه مما انتهبوه ووضعه في المساجد وأرصد له من يحرسه وندب المنتهبين أن

стр. 3588

يأتوا وينظروا في الأمتعة فمن وجد شيئاً من متاعه أخذه ففعلوا ذلك فما حصلوا على عشر معشار ما انتهب من متاعهم وأموالهم وأطفأ الله تعالى نار الفتنة ثم أخذ النصارى والأعاجم الذين هم من جند هذا الوزير يتحكمون في أهل دمشق بالسلب والاستحلال والشتم والقذف والضرب والقتل حتى أشاعوا الفواحش وتجاهروا بالزنا وشرب الخمر وحتى تعدوا إلى أن يخرجوا أهل المنزل من منزلهم ويسكنون فيه وكان الإنسان في تلك الأزمان لا يأمن على نفسه إذا خرج من منزله بعد المغرب ومتى خرج أصيب بنفسه أو ماله. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي أشرت إليه في الأرجوزة المتقدمة من الشكاية مما وقع في دمشق من الرزايا سنة إحدى وسبعين بسبب ما وقع من طائفة القول والينكشارية من الفساد والإفساد ثم بسبب ما وقع بعده من طائفتي النصارى والأعاجم الذين هم من جند الوزير المذكور سلط الله تعالى الزلازل والرجفات فوقع الردم في المنازل والجوامع والمنارات ومات تحت الردم خلق كثير وقبل أن تسكن تلك الرجفات والزلازل أرسل الله الطاعون فأخلى البيوت وفرق الجموع وشتت الشمل وكدر العيش. وقال بعد أن مدح عام اثنين وسبعين ومئة وألف: وقد كان أهل دمشق في غاية الوجل ونهاية الفرق والقلق من جهة الحاج من شر الأعراب الأشقياء قياساً على ما وقع منهم من الشر في العام الذي قبل هذا العام وكان الوجل الواقع من أهل دمشق في محله٩ حيث أن العرب بالغوا في التعدي وفجروا واعتادوا سلب الأموال وتكدير الأحوال ولكن الله يؤيد بنصره من يشاء فإن أمير الحاج الذي هو عبد الله باشا المذكور ووقع بينه وبن الأعراب حرب شر من أجل مال الصر المرصود للعرب من جهة السلطان فتوعده باشر فاحتال عليهم وقتل أمراءهم وفر الأذناب منهم ومضى الأمير والحاج سالمين غانمين ولما رجع الأمير بالحاج رجع على طريق آخر بعد أن تجمعت العربان بين الحرمين بقصد المعارضة للحاج فخيب الله آمالهم ولطف بعباده المؤمنين وسلمهم من غوائل الأشقياء المجرمين وبلغنا ذلك كله بعد هلة عام اثنين وسبعين بأيام فلأجل ذلك خصصت هذا العام بالمدح أيضاً فقد كان الناس قبل هلته يشكون من قلة الغيث فلما استهل أغاث الله العباد وأحيا البلاد وإلا فإن الدواهي الواقعة فيه وفي أيامه بدمشق وقراها لم يسمع مثلها بفساد الجند وإفساد العساكر وظلم رئيسهم وجور حواشيه وعسفهم.

стр. 3589

وعاد المؤلف فكرر أهوال ما وقع سنة سبعين وما بعدها وقد دام ما وقع من أذى الجند السابق والجند اللاحق الذي جاء مع الوالي الجديد من عشر ليال من شهر رمضان إلى جمادى الأولى والقول منحشرون في قلعة دمشق والينكشارية ومن تبعهم من الحشرات حول القلعة والحرب قائمة على ساق وقدم وقد أخرج الجند الجديد أوب عض الناس من دورهم وتوطنوها ومع اختاطفهم لبعض النساء والغلمان جهاراً من غير مدافع لذلك ولا ممانع حاكمين على جميع أهل الشام بالكفر وبأنهم قوم يزيد مصرحين بذلك. . هذه نموذجات من عصر الظلامات والظلمات والكتاب نسخة كتبت بقلم مؤلفه وشعره متوسط حسن بالنسبة لعصره عصر الانحطاط في كل شيءٍ كتبها في ذي القعدة سنة ألف ومائة وثلاث وسبعين.

стр. 3590

الألفاظ السريانية في العربية العامية اللغة السريانية من أمهات اللغات السامية وهي من أصول اللغة العربية ولو بحثت في أصول الألفاظ العربية لرأيت بعضها سريانيا في الأصل كما دخل إليها ألفاظ كثيرة من العبرانية والحبشية والفارسية على نحو ما حققه المحققون من الباحثين في أصل اللغات. كان للسريانية شأن عظيم حتى قال بعضهم أن السريانية كانت لسان آدم أبو البشر وتعدى بعضهم فادعى أن لسان أهل الجنة السريانية وذهبت عصابة من العلماء إلى أن السريانية أصل لغات الآدميين بدليل ما وقع في أسفار موسى من تسميات تقرب كل القرب من الألفاظ السريانية معنى ومبنى وعلى كل فهي بكر لغات النوع الإنساني وهي من أعرقهن في القدم وأول من انطلق لسانه على ما نعهد آرام بن سام فتناقلها الآراميون أخلافه ممن أطلق اسمهم حيناً من الدهر على السوريين أو السريان الذين عمروا بلاد كلدان وأشور وسورية والمراد بالسوريين غير الأثوريين النازلين من صلب آثور أو آسور بن سام من كانوا يسكنون عبر الفرات ولما دوخ ملوك أشور سورية عدَّ الأشوريون والسوريون شعباً واحداً ولما اقتسموا الملك عرف من أقام عبر الفرات بالأشوريين وقد تكلم بهذه اللغة السريانية سكان أورشليم بعد السبي البابلي وأكثر نصارى البطريركية الإنطاكية والموارنة وأما أشهر فروعها فأولها البابلي وهو أفصحها وأوضحها وأبقاها كتبت به أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس وثانيها الأورشليمي الذي تكلم به اليهود بعد جلائهم من بابل فتناسوا العبرانية وتلقفوا الكلدانية فشابوها ببعض ألفاظ من لغتهم وسميت لغتهم العبرانية لأن اليهود كتبوها بالعبرية وهي كلدانية سريانية والثالثة السريانية الإنطاكية وبها كتبت تب الدين عند الموارنة وكانت شائعة في البلاد العربية والحبشة وقسم من بلاد الأرمن وما بين النهرين وسورية ولبنان وفينيقية وأنطاكية. والى اليوم لا يزال أثر ضئيل للسريانية أثناء المفردات العربية في كلام أهالي شمالي لبنان كما أن أهل بشراي وحصرون وبعض القرى المجاورة لهما كانت تتكلم بالسريانية في أواخر القرن السابع عشر ولا يزال إلى اليوم أهل معلولا من جبل قلمون يتكلمون باللغة السريانية مع اللغة العربية وقريتان بجوارهما. وهاك الآن أسماء بعض قرى الشام التي هي سريانية الأصل: (داريا) الدور. (بيتما) بيت اليتيم. (بيت لهيا) بين الآلهة. (زملكا) سلاح الملك. (كفر مشكا)

стр. 3591

قرية الجلود. (كفرسوسة) قرية الفرس. (كفر قوق) قرية الأكواز. (معربا) المغرب. (المعرة) المغارة. (راشيا) الرؤوس. (البقاع) السهول. وإليك أسماء بعض قرى لبنان وأكثر أسمائها سريانية: (بكفيا) الموجودة بين الحجارة. (بسرين) الحومات. (حبرمون) رفيق من أنت. (مزمورا) الترنيمة أو الأنشودة. (عينات) عين أبي. (رمحالا) الرمل العالي. (رشميا) رأس المياه أي أعذبها. (شرتون) صدقتموني. (شوريت) العرق. (بيت مرى) دار سادتي. (البتير) المسكن. (بسكنتا) محل العدل. (بلعشمية) قرية السماء. (برمانا) ابن من أنت. (بتغرين) سوق التجار. (بتعلين) مأوى الثعالب. (عينطورا) عين الجبل. (الشوير) سور. (عين عار) عين الغار. (قرنابل) قرن الأيل. (العاقورة) العين الباردة. (بجة) الجنة البستان. (جعيته) الصادحة. (درعون) الذراع. (حدشيت) أحد الستة. (عين جوبا) عين الحب. (عاليتا) العالية. (عمشيت) مع الستة. (ميروبا) المياه الغزيرة. (راسكيفا) رأس الحجر. (رشعين) رأس العين. (شمسطار) شمس الجبل. (أيطو) القيظ. (بتحلين) بيت الحلوين. (أسيا) الطبيب. (بشتودار) مكان الشر. (إهدن) الجنة. (حردين) انظر إذاً. (حدتون) الجديدة. (مجدليا) البرج. (راشانا) سيد المان. (ياريتا) الوارث. (نيحا) الهادئ. (عين تورين) عين الجبال. (رام) العالي. (شاتين) الستون. (شبطين) القضبان. (تنورين) التنانير. (زغرتا) الصغيرة. (الدوق) المنظر. (قزحيا) كنز الحياء. (كفرحى) مكان الحي. (كفرزيتا) حقل محل القضاء. (كفرتعلا) حقل الثعلب. (مليتا) الملآنة. (ريحات) الأكام. (بطرام) بيت العالي. (بطرومين) بيت السادة. (كفرحانا) الحقل الجديد. (كفرعقا) حقل العقد. (عابا) الحصن. هذه نموذجات من أسماء القرى وهناك كثير من الألفاظ الشائعة في اللغة الدارجة في سورية وهي من أصل سرياني وتجد أكثر هذه اللفظات في لغة أهل جبل لبنان فمن ذلك قول الم لولدها ردعاً له وتخويفاً من أن يمس شيئاً يؤذيه (أوواوا) وهي كلمة وعيد. و (واوا) ويل ويل والمعنى إن مسست ذلك الشيء المؤذي فويل ثم الويل لك. وقولهم (الشكارة) للدلالة عَلَى النذر اليسير وهي في الأصل السرياني تدل عَلَى البقعة من الأرض فيقولون مثلاً: فلان عنده شكارة كرم وفلان مربي شكارة دود حرير وزرع له شكارة قمح.

стр. 3592

ويقولون عمن يتروى في أموره (فلان يتبحر في أموره) أي يتفحص. ويقولون (بحش الأرض) حفرها ويقولون أيضاً بحوش بمعنى نبش وحفر. ومنه قولهم (الولد يبعط) وهي لبط. ومنه (جهجه الضوء) أي انبلج الصبح. ومنه (كعيت) أي عجزت. ومنه (عمل له كعرة أيما كعرة) أي صاح به وانتهره زاجراً. ومنه (جرجره) أي جره. ومن ذلك (زرع دليل) أي متفرق هنا سنبلة وهناك أخرى. (دلف بيتنا) أي وكف وقطر. (دندل) دلى. (دقر الباب) أوصده. (دحيناهم) محقناهم وأفنيناهم. (طلعت هبلة الماء) أي بخاره. (يزعق الولد) يصرخ ويصيح. (زفر ثيابه) وسخها ودنسها. (زرب الماء أو زرزب أو ذرف) نضح وانهرق. (انقطع حيله) قوته وحوله. (رحيص الدابة) شدها وربطها. وينعتون الرجل الداهية الشديد المكر بكلمة (حرح) أي المكار المحتال الذي لا يؤخذ من وجه. وربما قال بعضهم أن بعض هذه الألفاظ من مفردات العربية الفصحى ولكن لها في بعض التعابير من المعاني مل يحمل عَلَى أن يقطع المرءُ بأنها سريانية المبنى المعنى والوضع والمولد. ومن ذلك طرطوع من يخلط في كلامه لخفة عقله. (طرش ثيابه) أي لوثها وقذرها. (أطرشوه ماءً) رشحوه وأنضحوه. ومنه يطرشون بيوتهم بالكلس أو بالحوارى وهي سريانية (يما ويما وجد) ويما البحر أو اليم ما يشيرون إليه يضارع أمواج البحر غزارة. كبس العجل روّضه. كوّش أو كوش الزبالة جمعها وكومها. وتقول العجوز لجارتها تغزل صوفاً وغيره إذا ما تكدرت منها خرب الله كوشتك تريد أحل الله ما تكوم من خيوط ساق مغزلك. تلوش العجين تعجنه وتعركه. ومن صلواتهم الميامر واحدها ميمر قطعة حسنة ينشدون بعضها خلال القداس بلحن. ومنه دعاءٌ لموتاهم الله ينيحهم والله ينيح نفوسهم أي يريحهم ويمتعهم بالراحة. ومن دواثر لغتهم قولهم قلبي سايف أي فإن وتالف. الساعور المفتقد والزائر والعائد. عقوس الزنبور الحمة وإبرة الزنبور التي يلسع بها فيقولون عقسة الزنبورأي لسعته. العتيد الآتي والمقبل. داء الفالج من شق وشطر والفالج يصيب عادة شطراً من الجسم فيقطعه عن الحركة أو يأخذ منه الاسترخاء. الدم يفلفلك يلوثك ويمرغك كأن يقال قتلك الله وضرجك بدمائك. فرط الثمر نثره. فرم اللحم والتبغ هبره وقطعه إرباً إربا.

стр. 3593

فرافيط الخبز فتاته. فرشخ وسع ما بين رجليه. ومثله فشخ. ومن دواثر لغتهم قولهم إن هذا الشيء يقاوي كثيراً يصبر عَلَى عوادي الدهر. هو قافط أو قامط معبس. قرقش الحمص صرَّ أسنانه عليها فظهرت بها متانتها. القسيس الشيخ والمسن. يرصون الزيتون يرضونه. يرشمون البيدر يضعون علامة عليه ومنه. الرشم للطابع المنقوش الذي يسمونه البيدر. شبشول الذرة ما تدلى منها دعوها كذلك لاسترسالها كاسترسال أغصان الجفنة. يشفون أشجارهم يلقمونها. أشحط الأولاد أطردهم. شحرك الله سودك. تشطح عَلَى الحصيرة تمدد وتسطح. ريح الشلوق وتسمى الشلهوبة أي اللهبة والضرم. شلح متاعه أي أرسله ورمى به بعيداً. وشلح تعرى. الشلفة الفأس الصغيرة يقتطعون بها الحطب. شمط له أذنيه اقتلعهما شمط خطف. شغف أو شغف الرغيف والحجارة من كسر جزأ. الشربوكة الشرك والأحبولة. انشطرت انخزق وانخرق. شرم الأذن قطعها. شرشت الشجرة أوشلشلت تأصلت وضربت عروقها في الأرض ومنها الشروش. شرش أرضك اقطع عروقها. الشماس والإشبين للمعروفين عند النصارى. شتل بستانه نصبه. الطغمة الزمرة. ضربه وتوكه عطبه. تكتك هذر وثرثر. تف الطعام قاءه ومجه والتف البصاف غير السائل. ويصفون الرجل الداهية بكلمة بهموت وهو الغول عند السريان كالسعلاة عند العرب. بح يا ولدي جف ونفذ. نوص القنديل من برض العشب إذا بان أولاً فأولا. ويقولون فو عليك أي أف عليه كلمة تكره. شخط حلده أي خزق. كش الدجاج وغيره من الطائر زجره. تحمط له أو عليه اغتاظ وغضب. تروحن انفرج ونفس كربه. البكير واللقيس للمطر الموسمي والولي. ويقول من يتورط في أمر صعب يتشكى قائلاً ما هذه البلشة أي الضر. بقعه أي رفسه برجله وركله في بطنه. يرعط الولد من تبرعص في الماء أي اختلج فيه. الغوغا الصخب والجلبة جم الكرم إذا اقتضبها من أسفل جذعها لتنبت من جديد. الجملون وهو سقف من خشب محدب كسنام الجمل مستطيل وهو تصغير الجمل في اللغة السريانية. جعر الفدان والجمل من عج الثور والجمل. غف الطائر فريسته إذا حام حولها أو وثب بشدة. الدجال وهو إلى السريانية أقرب منه إلى العربية. ويقولون عمن يموت برداً دنق أي تعذب وتألم لما يأخذه من نوافح البرد. حركش من حرش بين القوم وأغرى. يطيب أرضه يجعلها صالحة لإلقاء البذار فيها. الطربون الغصن

стр. 3594

الصغير أو المورق. كدن الفدان من قرن الثورين أي شدهما إلى نير واحدة. ويقولون للشيخ المسن اختيار أو ختيار أي شيخ. ماسورة الحائك وهي لفافة من الخيوط يلفها عَلَى عقدة قصب مجوفة. ولو أردنا استقصاء الكلمات الدخيلة في اللغة العربية العامية بل واللغة الفصحى الدخيلة من الألفاظ السريانية لطال بنا المطال. وهنا نكتفي بما تقدم مضيفين إليه سكر الباب سرد الغربال عكشه الثور نطحه عرم التراب كومه وكدسه عرم الإناء والكيل بالجوامد أطفحه فرطش مناخيره فركش الولد فقع تمزع غيظاً فاش عَلَى وجه الماء فشار المهذار صمد دراهم صمد العروس صنة الإبط نتنه. قبع الحجر أصله في الركز فاستعمل في القلع قرمة الشجر جذعها قن الدجاج جلد فلان مقشب أي شارث متشقق الشوب الحر الشموط الكبة من الصوف الشقيف الصخر العظيم شقل الحجر رفعه الشرنقة البيت الذي تنسجه دودة الحرير لنفسها طبش الإناء كسره. وكذلك الناسوت والجبروت والكهنوت والملكوت وبراً وجواً وباخ الثوب.

стр. 3595

غرف التجارة أيقنت الأمم التي كانت تحرص في أوائل القرن التاسع عشر عَلَى الانتصار في ميدان الهيجاء إن المصالح الاقتصادية أهم المصالح وأكثرها نفعاً فأخذت تعمل لتوسيع نطاق تجارتها وأعرضت عن توسيع مساحة بلادها. ولا مشاحة في أن تقدم الأمم ونجاحها في حالتي السلم والحرب ومضاء حكمها ونفوذها في البلاد الابتدائية لا يكون إلا بالمال وما يقوم به من الأعمال التجارية والصناعية. تقحمت الدول في القرن العشرين حرباً ضروساً لفتح مصادر جديدة لمحاصيلها المتزايدة يوماً فيوماً في جميع أنحاء المعمورة بفضل الصناعات الكبرى أعني الصنائع التي تكون بالألوف المؤلفة من رؤوس الأموال وتضم الألوف من العمال تحت سقوف المعامل الفخمة وهكذا أخذ أرباب الصناعة والمستثمرون يبحثون البحث الدقيق عن أسواق البلاد في كل قطر ومصر. وكان النصر في حلبة هذه الحرب حليف الفئة التي أعدت السلاح الأقوى والأسباب المؤثرة فنشأت من ذلك لأمتهم مكانة اقتصادية بين الأمم لم تكن لتحلم بها قبل عشرين عاماً أو ثلاثين. إن أميركا التي كانت تستحصل دون أن تعنى بتصريف محاصيلها وبيعها إلى عهد غير بعيد أحست بلزوم الحيد عن سياستها القاضية بسد أبواب التجارة حتى أن أحد المفرطين في التشديد بأصول حماية الصناعة والتجارة صرح لأمته في خطبة ألقاها قبل وفاته ببضعة أيام أنه لا بد من توسيع نطاق التجارة وعقد العهود مع بعض الدول توصلاً لهذه الغاية وفتح خلات في أبواب الجمارك المسدودة. وليست أمة الأميركان وحدها في حاجة إلى المبادلة التجارية بل جميع أمم الأرض المنتجة مضطرة لمبادلة محاصيلها زراعية كانت أو صناعية. وليس الاستحصال غاية وإنما هو واسطة والمستحصلون لا يستحصلون لأنفسهم بل للانتفاع بما هوز أحوج إليه من ثمرات أعمال غيرهم عن طريق المبادلة ومكانتها ورواجها متناسبان مع مكانة المصادر ووفرتها وتحقيق ذلك من واجبات التجار مباشرة وأما الحكومة فلا ينتظر منها إلا إبلاغ التجار ما يتصل بها من الأخبار بواسطة قناصلها والذب عن حقوق رعاياها في البلاد الأجنبية وأن لا تمس قوانين وأنظمة تمس حرية التجارة وأن تقيم قوتها مقام قوى الأفراد حيث تكون الأمة متأخرة في العلم والتجارة وأن تكون لهم خير دليل فيما يمكن أن تكون.

стр. 3596

ولكن التجار في البلاد الراقية لا يعتمدون في ترقية التجارة الوطنية إلا عَلَى أنفسهم ولا يستغني تجار الأمم النازلة عن هذا العضد عَلَى أن موظفي الحكومة لا يعلمون حق العلم ولا يستطيعون أن يعلموا كنه التجارة وسير أعمالها. فكيف يصح ن يقودوا التجار وهم أحوج إلى قيادتهم وآراءهم المؤيدة بالاختبار الصحيح والتجارب المتواصلة. وقصارى القول فلا يجد بالحكومة أن تعين وجهة سير التجارة بين بلادها والبلاد الأجنبية وإن فعلت لا تصلح خطأ أوجبه تداخلها حتى تقع في مثله ومن المحتم عَلَى الحكومة أن تشاور من هم أحق بالمشورة في شن الشرائع والأنظمة الداخلية وتعيين خطتاه في المشاريع العمرانية ووضع الضرائب التي لها علاقة بالتجارة والقيام بكل ما له مساس بالمصالح الاقتصادية وألا تقع في حيص بيص فلا تنطبق شرائعها عَلَى حاجيات الأمة ولا تلاءم الأحوال الاقتصادية وتحول دون ارتقاء البلاد من حيث العمران وتخنق الروح التجارية بالتعديل الذي تحدثه في أصول الضرائب. وبعد فإن المعهد الذي يهدي الحكومة إلى المحجة المثلى في مجرى أعمالها ويقوم بكثير من الواجبات التي ترتفع بها مكانة التجارة الوطنية هي الغرفة التجارية. أخذت الطبقات الاقتصادية في الأمم التي نالت حريتها السياسية واحتفظت هي ونوابها بحق التشريع تسعى لترقية الأوضاع التي يؤلفها المنتخبون بالفتح من بينهم ليدافعوا عن منافع الطبقات الاقتصادية وكان لهذه الحركة الاقتصادية ثمرات عظيمة تعود عَلَى الأفراد والأمة بالنفع العميم ولما كان أعضاء هذه الأوضاع غرف التجارة والزراعة والصناعة يمثلون الطبقات الاقتصادية عامة أصبحت كلمتهم نافذة عن وكليهم والحكومة تحترم آراءهم وأقوالهم وتصيخ إلى مطاليبهم لأنهم أمناء الزراع والصناع والتجار وعمدتهم ولهم اطلاع عَلَى حاجات البلاد مهما تنوعت وتضاربت فيؤلفون بينها ويجمعونها حول مركز واحد. ومن المسلم أنه لا تعتمد في الشؤون الحيوية إلا عَلَى ذوي العلاقات بالمناهج الحيوية ولذلك يستفاد من آراء أرباب الصناعات في الصناعة ومن التجار في آرائهم في التجارة. ولما كان الرجوع في كل مسألة إلى عامة التجار والصناع متعذراً اقتضت الحال أن تعتبر هذه الغرف والأندية التي حاز أعضاؤها الثقة العامة مرجعاً وآراء هذه الأندية تعتبر كآراء عامة أفراد الطبقات الاقتصادية. والحكومة تعلم حق العلم أن موكلي رجال هذه الأوضاع

стр. 3597

قوة عظيمة اجتماعية في البلاد وأن الأيدي لا تجسر أن تتلاعب بهذه القوة. أقيمت غرف التجارة لمصلحة يجب الدفاع عنها ولا يرجى اقتطاف الثمرات من هذه المصلحة بمجرد أعمال الحكومة وتدابيرها ولبذلك لا ينكر أحد إلى الداعي إلى تأسيس الغرف التجارية ولكن هل هذه الغرف أسست عَلَى طراز واحد في كل قطر ومصر؟ الفرق تنقسم من حيث تأليفها قسمان: ١_الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الفرنسوية تؤسسها الحكومة ويحضر جلساتها من تنيبهم الحكومة عنها وحق انتخاب أعضاءها محصور بالتجار المقيدين في سجل الغرف التجارية أو من يدفع منهم مبلغاً معيناً من ضريبة الباتنت والحقيقة أن هذا الشكل من الغرف عبارة عن نقابات إلزامية ومداخيلها من الضرائب الموضوعة لها. والغرف التجارية في ألمانيا وهولندة والنمسا وإيطاليا والبرازيل ورومانيا من هذا القسم. والغرف الصناعية والتجارية في النمسا توفد نواباً إلى مجلس الأمة ولذلك فإن لها هناك فروضاً سياسية تقوم بها. وغرف التجارة الألمانية رسمية أيضاً ولكل من عرف الحكومات الألمانية التجارية قوانين خاصة بها. ولها واجبات خاصة عدا واجباتها العامة تتعلق بالأمور العدلية إذ تنتخب مرشحين من التجار يناط بهم أمر القضاء في محاكم الدعاوي التجارية وتعرض أسماؤهم عَلَى الأمير. والغرف التجارية في إيطاليا تابعة لقانون ١٨٦٢ وغرف التجارة الرومانية تابعة لقانون ٧ أيار ١٨٨٦ أما الغرف التجارية العثمانية فهي عَلَى الجملة من الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الفرنسوية. ٢_الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الإنكليزية عبارة عن نقابات تجارية حرة ليست لها صفة رسمية قط. ومداخيلها من رواتب الأعضاء وهذه الغرف التي يمكن أن ينتظم في سلكها جمهور صنوف التجار أشبه بنقابات الصناعات المتحدة المؤلفة من رؤساء الصناعة بتلك النقابات المنتشرة في الأقطار الأوربية كافة. تلتئم الغرف التجارية كل عام في إنكلترا وتؤلف مؤتمراً عامً وكذلك في أميركا وللقرارات التي تبرم في مؤتمر أميركا وإنكلترا شأن عظيم. والغرف التجارية في البلجيك وأميركا والبرتقال واليابان من هذا النوع. تنشئ الغرف التجارية الإنكليزية الثغور وتتعهد

стр. 3598

بمحافظتها وتستوفي في مقابل ذلك ضرائب معينة من السفن. ولهذه النقابات الغرف التجارية الإنكليزية التي تؤلف قوة عظيمة في مملكة بريطانيا العظمى تأثير كلي في كثير من الإصلاحات القانونية. وقد كانت غرف التجارة في البلجيك إلى تاريخ ١٨٧٥ من نوع الغرف الفرنسوية ثم نزعت بضم النون عنها الصفة الرسمية وسمح القانون من ذلك العهد بتأسيس غرف حرة. أما روسيا فلها أشكال من الغرف خاصة بها: أولاً في كل بروص لجان تنتخبها التجار والصناع عَلَى اختلاف ضروبهم ولهذه اللجان اجتماعية متوالية. ثانياً إن لكل من صنوف التجار والصناع مجامع ينتخب أعضاؤها جمهور الصنف الذي ينتسب المجمع إليه وأهم هذه المجامع مجمع معدني روسيا الجنوبية وتلتئم هذه المجامع مرتين في الخريف والربيع من كل عام وتمتد اجتماعاتها خمسة عشر يوماً أو عشرين وقد تتجاوز الاجتماعات هذه المدة. ثالثاً إن في نظارة التجارة الروسية مجلساً صناعياً تجارياً تعين الحكومة النصف من أعضاءه وتنتخب الصناع والتجار سائر الأعضاء وبتجدد انتخاب هؤلاء الأعضاء المنتخبون مرة كل ثلاث أعوام. فتمر اللوائح القانونية التي لها علاقة بالتجارة أو الصناعات كافة من لجان دور البورص والمجامع والمجلس الصناعي التجاري في نظارة التجارة الروسية وكل من هذه الأوضاع يؤخذ رأيه في اللوائح المذكورة. هل الغرف التجارية المؤسسة عَلَى الصول الإنكليزية أنفع أن المؤسسة منها عَلَى الأصول الفرنسوية؟ ليس من جواب قطعي لهذا السؤال لأن شكل الغرف كونها رسمية أو حرة تابعة لأخلاق الأمة وآدابها وعاداتها ونوع تربيتها. فحيث تكون فكرة الاشتراك بالأعمال والإقدام والجرأة عَلَى القيام بالمشاريع غزيرة في النفوس يقوم التجار بتأسيس غرف حرة يرغبون وبالشروط التي يستحسنونها فتصان بذلك المصالح التجارية وحيثما فقد هذا الشعور الحي والمبادئ لا يسهل إنشاء هذه الأوضاع ولا بد للقيام بهذه المشاريع من إشراف القانون عليها. ولم يقتصر الأوربيون عَلَى تأسيس غرف تجارية في بلادهم بل أسسوا مثلها في البلدان

стр. 3599

التي يتجرون معها فإن لفرنسا خمساً وعشرين غرفة تجارية وفي لندن ونابولي ورومية ونيويورك وأمستردام وغيرها وللإنكليز والنمسا والمجر والبلجيك وأميركا وإيطاليا وإسبانيا غرف تجارية في باريز وقد نجم عن هذه الغرف فوائد كثيرة لتجار البلاد التي تنتسب إليها وذلك لأنهم يأخذون عنها الأخبار المفيدة ويدركون حاجيات البلاد التي أسست فيها وميول سكانها وأذواقهم وبذلك تساعدهم عَلَى إيجاد المصادر وتوسيعها. وتكون رئاسة الشرف لهذه الغرف التي تؤسس في البلاد الأجنبية في عهدة القناصل عَلَى الأغلب. والحكومات تخصص مبالغ من وارداتها تدفعها إلى غرف التجارة المؤسسة في البلاد الأجنبية لسد العجز في ميزانيتها لما لها من الفوائد والاعتماد وليس لهذه الغرف صفة رسمية عند الحكومة تنتسب إليها ولا عند الحكومة التي أسست في بلادها ونظارة التجارة الفرنسوية المؤسسة خارج فرنسا وهذه تخابر الحكومة الفرنسوية رأساً. * * * وقبل أن نتبين تأليف الغرف التجارية وقوانينها في فرنسا والبلاد العثمانية نأتي هنا عَلَى التعريف بوظائف الغرف التجارية في حياة التجارة العامة لكل مملكة: ١_الغرف التجارية تعنى حق العناية بالتربية الاقتصادية للبنين وتتلقى مسألة التعليم التجاري بما يجدر بها من الشأن فتشيد المدارس التجارية وتستميل الشبيبة إلى التجارة والسياحة وتحيي في نفوسهم فكرة الإقدام والجرأة وتنظم للمدارس الخطط المفيدة التي تقوي إرادة التلاميذ وتؤسس المكاتب ليألف الشبان والطلاب مطالعة التآليف والمصنفات المحررة بأقلام السياح وتدعوا أهل العلم لإلقاء المحاضرات وتمنح الجوائز للمقيمين في الممالك الأجنبية وتعلم في مدارسها لغات البلاد التي تكون ميداناً فسيحاً لحركتها التجارية وعل الجملة تنشئ شبيبة يقظى جريئة عَلَى الدخول في الحياة التجارية تدخل هذه الحياة وأعمالها مكللة بالنجاح. ومن متممات التربية الاقتصادية الدروس الليلية والمتاحف التجارية ودور الأنباء والاستعلامات وكل هذه متممة لفوائد التدريس والتعليم. ٢_الغرف التجارية توجه الرأي العام نحو عقد المعاهدات التجارية عَلَى المبادئ الحرة وتسعى في تنظيم تعرفات الجمارك بحيث تسهل نشوء التجارة وتقدماه.

стр. 3600

٣_تتوسط الغرف التجارية في عقد المقاولات بين الأمم صيانة لحق التملك الصناعي خارج البلاد كما في داخلها وتطالب بسن القوانين الضامنة الحقوق الاجتماعية والبيوت التجارية من البائع إلى المشتري دون اضطرار إلى تغيير أسمائها وبذلك يصان كل اسم تجاري ذي شهرة من الاختلاس والضياع. ٤_الغرف تعاضد الحكومة نقداً ومادة لإنشاء المشاريع العمرانية النافعة. ٥_تصدر الغرف التجارية مناشير ومجلات تطبع فيها محاضراتها وجلساتها وكثيراً ما تنشر نتائج تحقيقاتها الخاصة عن المسائل التجارية. ٦_إذا كانت دائرة الغرفة ضيقة النطاق لا تقتصر في أبحاثها وتتبعاتها عَلَى هذه الدائرة وتطالب بالإصلاحات التي تنفع عامة أنحاء المملكة وتنتخب كل ما يمكنها من الوسائل التي تؤدي إلى التقدم والرقي. وفي المراكز التجارية الأوربية كافة أندية تقوم بهذه الوظائف أحسن قيام وأعضاؤها من الرجال الذين قضوا أربعين أو خمسين حجة من حياتهم في التجارة واشتهروا في خلالها بالعلم والعمل ومكارم الأخلاق. وإذا شئت أن تعلم كم لأعمال أولئك الرجال، رجال العلم والعمل ومباحثاتهم من الفوائد فهذه آراؤهم في المسائل التي لها مساس بحياة بلادهم الاقتصادية والمالية ومطاليبهم التي يعرضونها عَلَى حكوماتهم وآثارهم المفيدة كلها شواهد وحجج دامغة. اقتبست قوانين غرفنا التجارية من اغرف الفرنسوية ولذلك سنبحث هنا عن ماضي هذه وحاضرها لنعلم منشأ تلك. أول غرفة تجارية فرنسوية تأسست غرفة مرسيليا التجارية التي كان تأسيسها في أواخر القرن السادس عشر وأنشئ أيضاً في أوائل القرن السابع عشر الغرف التجارية في تسع مدائن فرنسوية محافظة عَلَى المصالح التجارية. ولكل واحدة من هذه الغرف شخص خاص ومع ذلك فإن لها أوصافاً عامة مشتركة بينهن فأعضاء الغرف الطبيعيون هم أعضاء محاكم التجارة والأعضاء المنتخبون بفتح الخاء يؤخذون من صنوف التجار والقدماء منهم أو من أعضاء محكمة التجارة السابقة. وكانت الغرف مكلفة بإبداء آراءها ومطاليبها في ما يتعلق بالمصالح التجارية وعرض المذكرات التي يدفعها التجار إليها إلى المراجع العليا.

стр. 3601

يقول مؤرخو الفرنسيس لم تؤثر هذه البلاد في سياسة البلاد الاقتصادية تأثيراً مهماً ولم يكن لها سلطة تذكر إلا أن غرة التجارة المرسيلية لم تكن كذلك لامتيازها الطبيعي ولأن قنصليات الشرق كانت ملحقة بها ولما لها عَلَى التجار من الحقوق والواجبات المؤيدة بالقانون وكانت تسمح لإقامة الفرنسويين في مرسيليا وكان لها أسطول لمناهضة اللصوصية في البحر القرصان. ومن جملة أعمالها أنها كانت تشتري الأسرى وتقدم الهدايا إلى الملك وتغيث السفن المنكوبة وقد بلغت نفقاتها الاعتيادية مليوناً واحداً عام ١٧٨٩. ولما ألغي أكثر أوضاع الدور السابق عقب الثورة الفرنسوية الكبرى ألغيت الغرف التجارية في الجملة وبعد ثمانية أو عشرة أعوام أسست في اثنتين وعشرين بلدة غرف تجارية مقيدة بقيود نظامية ضيقة النطاق غير أن هذا الشكل لم يثمر قط ولم يمنح وقتئذ حق انتخاب الأعضاء إلا لأربعين أو لخمسين تاجراً كان ينتخبهم الوالي وقضى الأمر المؤرخ سنة ١٨٣٢ بإحداث لجان منتخبة مؤلفة من أعضاء محكمة التجارة وأعضاء مجلس الصلح وجماعة من التجار يبلغ عددهم عدد أعضاء ذينك المجلسين ومنحت ثورة عام ١٨٤٨ حق انتخاب الأعضاء لغرفة التجارة التجار الذين يؤدون ضريبة الباتنت عامة. ولما عادت الإدارة السابقة أمر الإمبراطور أن يكون تأليف لجنة الانتخاب من قبل الوالي والقاعدة المرعية اليوم في انتخاب الأعضاء وضعت عام ١٨٧٢. وآخر نظام يتعلق بالغرف التجارية وضع عام ١٨٩٨. والغرف التجارية في نظر القانون الفرنسوي هي واسطة الدفاع أمام الحكومة عن المصالح التجارية في أصقاعها المعينة. ولا توجد الغرف التجارية في الجهات العامة وإنما يطلب ناظر التجارة والصناعة تأسيسها حيث يرجى النفع ثم يؤخذ رأي مجلس الناحية التي طلب الناظر تأسيس الغرفة فيها ورأي مجلس الولاية العام والغرف التجارية فيها وبعد كل ذلك تفتح بإدارة خاصة. وفي القانون صراحة أنه لا بد من وجود غرفة تجارية واحدة في كل ولاية عَلَى الأقل وإذا دعت المصالح الاقتصادية إلى تأسيس أكثر من غرفة يجوز وعندئذ يذكر في الإدارة الصادرة بتأسيس كل غرفة في حدود القطعة التي يتعلق بالغرفة الدفاع عن مصالحها التجارية. وفي بعض الولايات تسع غرف تجارية. وللغرف التجارية أعضاء أصليون أو عاملون وأعضاء مخابرون. وسأعود إلى بيان كيفية انتخاب الأعضاء

стр. 3602

الأصليين أما المراسلون فتنتخبهم الغرف رأساً ولهم الحق في حضور الجلسات ويستضاء بآرائهم ولا يجوز أن يكونوا أكثر عدداً من الأعضاء الأصليين. والأعضاء المراسلون أحسن صلة بين الغرف والتجار وبوجودهم في هذه العضوية يتهيئون للانتظام في المستقبل في العضوية الأصلية التي لا شك أنها أكثر مكانة من الأولى ولا يغرب عن القارئ الكريم ما ينجم عن هذه الأصول من الفوائد. وعدد الأعضاء العاملين يختلف بين ٩ و٢١ ويجوز إبلاغ عددهم إلى (٣٦) في غرفة التجارة الباريزية فقط ويجب التصريح بعدد أعضاء كل غرفة في الإدارة القاضية بتأسيسها وإذا قضت الأحوال يجوز تعديل هذا العدد بالإدارات التي تصدر بعد التأسيس. وإليك الآن أصول انتخاب الأعضاء الأصليين. ينتخب كل من محكمة التجارة وغرفة التجارة ومجلس الصلح والمجلس العام بعض أعضاء مجلسه فتتألف من هؤلاء المتخبين بفتح الخاء ورؤساء المجالس المذكورة عضأعضاء بةيمبتنيمحكمة التجارة والغرفة التجارية ومجلس الصلح والمجلس العام لجنة تعنى بتنظيم دفتر بأسماء المنتخبين بكسر الخاء ولا يجوز أن يكون عددهم أقل من خمسين ولا أكثر من ألف إلا في باريز فيجوز أن يكون عدد المنتخبين ثلاثة آلاف وأن يكون معادلاً لعدد عشر التجار المكلفين بتأدية ضريبة الباتنت وبعد إتمام هذا الدفتر يدفعون به إلى الوالي ليعلنه. ثم تلتئم لجنة الانتخاب تحت رئاسة مدير الناحية وتشرع بالانتخاب وشروط الانتخاب للعضوية أن يكون المرشح مكلفاً بتأدية ضريبة الباتنت منذ خمس سنين ومقيماً خلال هذه المدة داخل حدود الإقليم الذي تنتسب الغرفة إليه وبالغاً الثلاثين من عمره وأن يكون أيضاً إما تاجراً أو دلالاً في البورصة أو من مديري شركات الأنونيم أو باناً لإحدى السفن ذات الأسفار البعيدة ولم يصرح القانون بشروط اللجنة غير أنه معتبر ضمناً لما لأعمال الفرق ومقاصدها من الشأن الوطني. وتجري الانتخابات بالرأي الخفي والأكثرية المطلقة عن المرشحين المسطرة أسماؤهم عَلَى قائمة خاصة وإذا تساوت الآراء ينظر إلى الأكثرية الإضافية وإذا تكرر التساوي يرجح الأكبر سناً ثم يكتبون محضراً بصورة الانتخاب ويدفعونه إلى الوالي وهذا يرسله إلى ناظر التجارة. وللناظر حق مطلق في رفض عضوية أي شخص كان من المنتخبين (بفتح الخاء)

стр. 3603

ولو لم يكن ثمة أسباب قانونية. وبعد إجازة انتخاب الأعضاء وتصديقه من قبل الناظر يؤسس الوالي الغرفة بالفعل. ومدة العضوية ست سنوات ويتجدد انتخاب ثلث الأعضاء مرة كل عامين بطريقة الاقتراع ويجوز إعادة انتخاب أي عضو كان بعد انقضاء مدته مهما تكرر انتخابه للعضوية والعضو الذي يتغيب عن الغرفة ستة أشهر بلا معذرة يطلب الناظر رأي الغرفة في شأنه ثم بعد أخذ رأي الغرفة يعلن أنه اعتبر مستقيلاً من عضوية الغرفة وينتخب (بفتح الخاء) سواه في أول انتخاب (من الانتخابات الجزئية) التي تتخلل الست سنوات. ظهر للقارئ الكريم أن الانتخاب لا يشمل التجار كافة ولقد تكرر الطلب في مجلسي الأمة والأعيان لتوسيع هذا الحق ولم يسعف المجلسان هذا الطلب. وبعد أن تتألف الغرفة من الأعضاء يجتمع أعضاؤها وينتخبون لهم رئيساً أول ورئيساً ثانياً أو رئيسين ثانويين وكاتباً وأميناً للصندوق ولغرفة التجارة الباريزية وحدها الحق في انتخاب عدة رؤساء ثانويين وكاتبين ويتجدد انتخاب الرؤساء والكاتب وأمين الصندوق مرة في كل عامين ولا بأس بتجديد انتخابهم لهذه الوظائف نفسها وللولاة والمتصرفين الحق في حضور الجلسات وآراؤهم استشارية وكانوا قبلاً من الأعضاء الطبيعية يرأسون الجلسات التي يحضرونها. وإذا فقدت الغرفة ربع أعضاءها بأي سبب من الأسباب يجب انتخاب غيرهم في مدة شهرين وتدعى هذه الانتخابات بالانتخابات المتممة. إلا إذا كانت السنة التي حدث فيها هذا النقص في مجموع الأعضاء سنة الانتخابات الجزئية فيجب حينئذ التربص ريثما تجري هذه الانتخابات. ولا يجوز هذا التأخر إلى حلول وقت الانتخابات الجزئية إذا فقدت الغرفة نصف أعضاءها فأكثر. ومن حاز الأصوات في الانتخابات المتممة تنتهي مدته بانقضاء مدة العضو الذي انتخب عنه. ولا تجري المفاوضة عن أمر ما في الغرفة إلا إذا حضر أكثر من نصف الأعضاء ولا يبرم أمر إلا بأكثرية الأصوات المطلقة وإذا تساوت الأصوات فالأرجحية في جانب الرئيس. ولا يتقاضى الرئيس والأعضاء رواتب عن وظائفهم هذه ولرئيس محكمة التجارة حق التقدم عَلَى رئيس غرفة التجارة في التشريفات كما أن لأعضاء هذه المحكمة نفس الحق

стр. 3604

عَلَى أعضاء الغرفة التجارية. وللغرف التجارية استقلال تام في الأمور الداخلية وهي تسن نظامها الداخلي وتعدله كما شاءت ولها الحق المخابرة رأساً مع ناظر التجارة وغيره من النظار. والقانون صريح في أن للغرف أن تنشر محاضرات جلساتها وأكثر الغرف تستفيد من هذا الحق. وليس لأعضاء غرف التجارة صفة الموظفين ولا تعتبر أعمالهم من أعمال القوة الإجرائية بتاتاً. وإليك الواجبات الرئيسية التي يجب أن تقوم بها غرف التجارة باعتبارها شخصاً أدبياً ذا استقلال له كما عليه حقوق وواجبات: ١_الإجابة عن الأسئلة التي ترد إلى الغرف فيما يتعلق بالأمور الصناعية والتجارية. ٢_أن تبدي الغرف آراءها في أسباب ترقية الصناعة والتجارة. ٣_القيام بالأعمال التي يتحتم عَلَى الغرفة صيانتها. فالبند الأول والبند الثاني من واجبات الغرف الاستشارية والثالث من حقوقها الإدارية. والغرف التجارية تؤسس مخازن عامة ومستودعات تجارية ودوراً للبورصة ومدارس تجارية وكذلك تشتري امتيازات بعض المشاريع النافعة. ولا بأس بمنح الغرف هذه الامتيازات إذا رغبت هي فيها بشرط أن لا تثبط مساعي الأفراد أو تضعف فيهم قوة الإقدام للقيام بهذه الأعمال والمشاريع. والأمور التي يرجح فيها لرأي الغرف هي كل ما له مساس بالنظامات والعادات التجارية وإنشاء غرف تجارية جديدة ودور للبورصة ومحاكم تجارية ومراكز لسماسرة البورصة والدلالين وبيان أسعار الأموال وتصديقها عند الحاجة وما له علاقة بتعريفة الدلالة وأنظمتها وتعاريف الجمارك وأصول الرسوم الجمركية وتعارف النقليات وقوانينها والضرائب التي تؤخذ لتنفق في محلها للمشاريع النافعة والعمرانية وتأسيس مصارف بنوك جديدة أو فروع للمصرف الفرنسوي ومخازن عامة وإحداث أماكن للبيع بالمزايدة. والغرف التجارية مكلفة بدفع ضريبة الباتنت عن الشغال التجارية التي تتعاطاها برخصة خاصة أو امتياز بشرط أن يكون لها من ريع صاف وأما إذا توازنت النفقات والمداخيل فلا تدفع شيئاً. ومن حقوق الغرف المهمة حق المخابرة بعضها مع بعض والاتحاد لصيانة المصالح العامة المشتركة وتنكيد بعض النفقات المشتركة أيضاً. فالمخابرة سهلت المفاوضة

стр. 3605

بين الغرف وبالاشتراك سهل القيام بالمشاريع التي لها علاقة بأكثر من ولاية. تنقسم مداخيل الغرف إلى ثلاثة أقسام: (١) ضريبة الباتنت التي تستوفى من النجار بحسب طبقاتهم ومكلفيتهم والهبات والوصايا (٢) المداخيل الغير الاعتيادية وهي الضميمة التي تضاف إلى ضريبة الباتنت والتخصيصات التي تأخذها من الحكومة وما يرد عَلَى الغرف من مبيع العقارات والقروض (٣) المداخيل الصافية التي تأخذها الغرف المذكورة من الأعمال والمشاريع النافعة والتجارية التي تقوم بها. وتنقسم نفقات الغرف أيضاً إلى ثلاثة أقسام ١ النفقات العادية ٢ النفقات غير العادية ٣ النفقات الخاصة. النفقات الأولى ما تنفقه الغرف لإدارتها السنوية. الثانية ما تنفقه الغرف لشراء أراضي وعقارات أو بنائها أو المخصصات غير العادية. والثالثة وهي النفقات الخاصة ما تنفقه الغرف عَلَى الأوضاع التي لها أو تعهدت هي بإدارتها. والقانون الفرنسوي الأخير سمح للغرف التجارية بتأليف ذخر احتياطي وهي مكلفة بتنظيم موازنة منتظمة تجيزها نظارة التجارة ولها أن تعقد قروضاً باسمها ولكن لا بد من اقترانها بإدارة رئيس الحكومة. هذه خلاصة كيفية تأسيس غرف التجارة الفرنسوية ويظهر مما سبق أنها ليست حرة تماماً وبينها وبين الحكومة صلات وارتباط. الباقي للآتي. بين النهرين: تعريب ز. خ.

стр. 3606

نهضة سورية لم يبق مجال للشك بأن بلاد الشام ناهضة نحو الترقي ثابتة وعزم أكيد فقد بدأت تباشير النهضة من بيروت بُعيد حوادث سنة الستين التي انتهت بمنهج الاستقلال الإداري لجبل لبنان وضعف أمرها في أواخر مدة السلطان المخلوع عدو المعارف اللدود ثم سرت نفحة من تلك الروح الطيبة بعد إعلان الحرية إذ أيقن بعض الأهالي أن العهد عهد كفاءات لا عهد شفاعات والدور دور نشاط وإقدام لا دور جمود وإحجام وأن من لا يعهد للدهر عدته يهلكه الدهر ولا من يرحمه. ولقد نال من نعمة الدستور في السلطنة كل بلد بقدر استعداد أهله وكان من توفرت لهم ذرائع التعلم أكثر ركوضاً إلى ورود مناهل العلم وليس في سورية مدينة استقام لها أمر التعليم كثغر بيروت الذي حمل إليه الإفرنج ولا يزالون يحملون علمهم وأموالهم ليربوا بها ناشئة الشرق ويخرجوهم عَلَى المنازع الغربية مازجين إلى تلقين المدنية تلقين النصرانية وقد وفقوا إلى ما قصدوا إليه منذ نحو نصف قرن. ولكن أهل البلاد انتبهوا إلى ما يلحقهم من الغضاضة إذ لوا عيالاً عَلَى ما أسسه لهم الإفرنج من المدارس فبدؤوا بتأسيس مدارس طائفية أهلية سبق إليها المسيحيون أولاً في بيروت وبعض المدن السورية ثم حذا حذوهم المسلمون في بيروت فدمشق فغيرهما ولكن البيروتيين عَلَى قلة عددهم وغناهم بالنسبة للدمشقيين فاقوا جيرانهم هؤلاء لأن اعتمادهم كان عَلَى أنفسهم واعتبروا حق الاعتبار بما حمله إليهم المرسلون من الأميركان والألمان والروس والفرنسيس وقدروا المبادئ والخواتيم فرأوا أنه لا ينقذهم من سوء المصير إلا العمل لتثقيف عقول أبناءهم عَلَى الطرق الوطنية الحديثة. أما الدمشقيون فقد استمروا وظائف الحكومة فكانوا ولم يزالوا إذا تعلموا شيئاً لا يقدرون له من الفوائد إلا بقدر ما يقربهم زلفى من الحكام ويوليهم التصدر في دست الرئاسة ولذا يرجح أن يكون مستقبل البيروتيين أكثر ثماراً جنيه في مستقبل جيرانهم اللهم إلا إذا اعتمد الدمشقيون عَلَى أنفسهم وحسبوا التوظف ثانوياً وقللوا من توقيره في نفوسهم. هذا مثال ضربناه أما سائر مدن سورية كالقدس وحيفا ويافا وصيدا وعكا وطرابلس واللاذقية وحمص وحماة وحلب واسكندرونة وزحلة وغيرها فقد هبت للتعلم بقدر ما تساعدها أسبابها ومن كان أقرب للاختلاط بالغربيين كانت نهضته أقوى وأرقى كما هو

стр. 3607

المشاهد في حال حمص إذا قيست بغيرها بالنظر لموقعها وحالها وكثرة المهاجرين منها إلى مصر وأميركا فإنا نراها آخذة نحو الرقي وهي لا تتجاوز الخمسين ألف نسمة أكثر من حلب التي تربو عَلَى مائتين وشتان بين مركز قضاء من أعماله عشرات من القرى والمزارع وبين قاعدة ولاية عظمى من بعض عمالاتها إنطاكية والرها ومرعش بل ألوف من القرى والمزارع العامرة الغنية وتجارة واسعة تمتد إلى بغداد وإلى ولايات الأناضول كافة بل كانت فيما مضى دار ملك بني حمدان. ولكن الحلبيين ابتلوا بما ابتليت به من قبل بعض الحواضر والعواصم كالآستانة التي يعول أهلها عَلَى الحكومة في ترقيتهم وكاد بعضهم يتناسون لسانهم ليتعلموا اللسان الرسمي فيتسنى لهم به أن يتوسد إليهم الوظائف التي تتلمظ بحلوائها شفاه كل وكلة تكلة يحب أن يعيش كالحلمات الطفيلية بامتصاص دم غيره. أمام الأمة اليوم طرق ثلاث تسلكها أو أحدها للخلاص من ربقة الجهل ومصافحة أنامل الحضارة عَلَى ما يجب وبقدر ما يجب وهي إما أن تضع جميع أمانيها بالحكومة وتنتظر الفرج يأتيها عَلَى يد نظارة معارفها وهو بعيد الحصول قليل الثمرة مهما برقشه المبرقشون وزينه السائسون والحاكمون. فنظارة المعارف العثمانية قد سنت نظام التعليم الابتدائي والثانوي والعالي بحيث يلاءم الآستانة وبعض ولايات الأناضول التي يتكلم أهلها بالتركية ولم تسنه بحيث لم ينطبق مع حاجة ابن قوصوه ويانيا ومناستر وأشقوردة مع حاجة ابن وان وأرضروم وتبليس ومعمورة العزيز أو سورية وبيروت وطرابلس الغرب واليمن. فالذين سنوا قانون المعارف كانوا متأثرين بعوامل حب قوميتهم ولسانهم فلم ينظروا إلى الأثر النافع الواجب إعطاؤه لأهل كل إقليم بحسب محيطهم ومزاجهم بل سنوه وأكثرهم لا يعرف من حال الولايات إلا النزر اليسير الذي لا يخول صاحبه حق التشريع لأنة مختلفة اللهجات والحاجات. وبعد فإنا لا نعرف كيف نعلل إجبار ابن جبل عجلون عَلَى دراسة التركية قبل أن ينال حظاً من لغته. فإذا حملناه عَلَى تلقف لغة أجنبية قبل أن يحكم أصول لغته هل يكون فائدة منه لأمته ووطنه يا ترى؟ وهل بدراسة مختلة الأسلوب يتيسر لنا أن نترّك هذا العجلوني مادام لا غنية له عن بلاده وقد لا يخرج منها إلا لقضاء الخدمة في الجندية ثم يعود لمحراثه

стр. 3608

وسكته وثوره وجمله وحماره. أليس الأولى له أن يتعلم من لغته القدر اللازم من كتابة وقراءة وبعض العلوم العملية الضرورية؟ وكيف يتيسر عن غريب عن لغة لا يعاينها ولا يسمع لهجتها ولا يقرأ آدابها أن يستطيع بها التعبير عن مقاصده في مثل هذه المدة القصيرة من دراستها. أما هو أنفع للدولة والأمة إذا تعلم هذا الفلاح باللغة التي هي أقرب إليه وانصرف إلى أرضه وزرعه أكثر من تعليمه لغة صعبة عليه لا تنفعه إلا إذا طمح للاستخدام في الوظائف الإدارية والعسكرية ومن يبقى عند ذلك يا ترى للتوفر عَلَى إخراج ثروة البلاد والإنفاق عَلَى هذا الجيش الكثير العدد والعدد وسائر ما يشترك العثمانيون في تسديده في ميزانيتهم من النفقات. إن معنى الوقوف بالعجلونيين عند حد تلقين مبادئ التركية هو أن الحكومة تريد أن تجعل من جمهور الأمة حكاماً وأمراءَ وضباطاً حتى تكون مادة حياة البلاد آخذة بالدثور ويصبح الناس كلهم كمسلمي الآستانة لا يحلمون بغير الوظائف ولا يرون السعادة إلا من طريقها. هذا مات كان من إصلاح نظارة المعارف في البلاد العربية أما مدارس الأجانب فلا تخلو أيضاً من مضار لأن معظمها يأتينا باسم النصرانية ليلقنها الموافق والمخالف وينشر آداب لغته وحب بلاده فترى التلميذ يتخرج من تلك المدارس وهي أرقى من المدارس العالية في الآستانة أيضاً ملماً بلغته ولكنه محكماً اللغة التي تلقى مبادئ العلوم وجاهلاً كل الجهل بما ينفع بلاده وقد لا يعرف من تاريخها وعمرانها واجتماعها أكثر مما يعرف عامة الطليان والأسبان عنا فلا يلبث وقد زينوا له حال الغرب أن ينقلب إليها مهاجراً فكأن هذه المدارس برزخ تنقل الدارسين فيها من وطنهم لتعدهم خدمة لأوطان أخرى وبفضل تلك المدارس هاجر من سورية زهاء ثلثمائة ألف نسمة وبعضهم من المتعلمين يطلبون الرزق في جمهوريات الشمال والجنوب من أميركا ومستعمرات أفريقية فخربت بذهابهم بلادهم وهم لم يستفيدوا بقدر ما فادوا به. ومن ثم لم يبق لنا سوى الأمر الثالث الذي يجب علينا الاعتماد عليه الآن لنهوضنا ونعني به المدارس الأهلية والسعي في تحسين حالتها المادية والأدبية فهذا النوع من المدارس هو هو معقد آمالنا ومنه تنبعث شعلة نور الحق وتأييد كلمة الوطنية وتحيا اللغة العربية فلو

стр. 3609

أنشئت مثلاً في كل بلدة وقرية مدرسة أهلية كالمدرسة العثمانية والمدرسة العلمية في دمشق والمدرسة العثمانية ودار العلوم في بيروت مثلاً ووسد التدريس فيها إلى خيرة رجال العلم والأدب يثقفون العقول عَلَى منازع الفضيلة وحب الوطن والسعي إلى الكمال العقلي لنشأ لنا منها بعد زمن وإن كانت بدرجتها أدنى من المدارس الثانوية وأرقى من الابتدائية ناشئة تستطيع أن تعمل كل عمل وتستعد إلى التبريز فيه لأنها تكون عارفة بتاريخ بلادها وعظمة أمتها ومنزلة لغتها من لغات الشرق والغرب تنفع بما تعلمته العامة قبل الخاصة. شاهدنا غير واحد من أهل هذه البلاد ممن درسوا في مدراس الأجانب العالية فأحكموا لغة أوربية أو درسوا في مدارس الحكومة العالية فأحكموا اللغة التركية فما رأيناهم إلا قاصرين غير نافعين لأنهم ضعفاء في التعبير عن مقاصدهم بلغتهم وشاهدنا من عانوا لغتهم وشدوا شيئاً من آدابها فاقتدروا عَلَى الكتابة والخطابة فيها مع ما أحكموه من اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة وأصبح العلم الذي درسوه ملكاً لهمم لا ملكاً لهم يصورونه متى شاؤا في المظهر اللائق به فينتقلون من أسباب المدنية ما يطبقونه عَلَى مصلحة بلادهم لأنهم يعرفون داءها ودواءها ويشعرون بالواجب عليهم لها. رأينا أكثر من أحكموا اللغات الأعجمية الأجنبية إحكام أبنائها لها إذا قضي عليهم أن يبقوا في أرضهم بعد سن الدراسة صماً بكماً في المجالس عمياً عن مصالح الأمة والبلاد لا يحسنون المدخل والمخرج دأبهم التأفف من أهل بلدهم لأنهم لا يفهمونهم وما ذلك إلا لأن تلك اللغة التي أحكموها وزهدوا في لغة آبائهم قد نقلتهم إلى عداد أهل تلك اللغة فكثروا سواد العرفين بها ولو تعلموا العلوم بلغتهم لنقلوها إليها فزادوها قوة بدلاً من أن تزيد بضعفهم ضعفاً. وأحسن واسطة لإرضاء العناصر العثمانية التي لا تقل عن اثني عشر عنصراً تتكلم باثنتي عشرة لغة مختلفة أن تترك حرية التعلم لكل عنصر يتعلم لغته وبعض ما يبدو غناؤه من اللغات الأخرى والعلوم وبذلك يسهل إشراب القلوب محبة الوطنية وتحضير العامة عَلَى أسرع صورة مقبولة وربطهم برباط الوحدة العثمانية ومن أحب الاستخدام يدخل المدارس الثانوية فيحكم التركية ومن أحب الاتجار والتمحض للعلم يحكم لغة راقية من لغات أوربا مشفوعة بالعلم الذي يلزمه الإخصاءُ فيه فإن الفلاخي والبلغاري والرومي والأرناؤدي

стр. 3610

والأرمني واللازي والجركسي والتركي والكردي والبشناقي والإسرائيلي والعربي يصعب جداً تحضيرهم في قرون كما صعب عَلَى النمسا أن تربط الجرماني بالمجري بالتشيكي بالبوهيمي بالبوشناقي بالكرواسي بالبولوني إلا بعد أن أطلقت لأهلها حرية أن يتعلموا بلغتهم وبدون ذلك لا تنهض البلاد.
следующие страницы →