← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

نهضة سورية لم يبق مجال للشك بأن بلاد الشام ناهضة نحو الترقي ثابتة وعزم أكيد فقد بدأت تباشير النهضة من بيروت بُعيد حوادث سنة الستين التي انتهت بمنهج الاستقلال الإداري لجبل لبنان وضعف أمرها في أواخر مدة السلطان المخلوع عدو المعارف اللدود ثم سرت نفحة من تلك الروح الطيبة بعد إعلان الحرية إذ أيقن بعض الأهالي أن العهد عهد كفاءات لا عهد شفاعات والدور دور نشاط وإقدام لا دور جمود وإحجام وأن من لا يعهد للدهر عدته يهلكه الدهر ولا من يرحمه. ولقد نال من نعمة الدستور في السلطنة كل بلد بقدر استعداد أهله وكان من توفرت لهم ذرائع التعلم أكثر ركوضاً إلى ورود مناهل العلم وليس في سورية مدينة استقام لها أمر التعليم كثغر بيروت الذي حمل إليه الإفرنج ولا يزالون يحملون علمهم وأموالهم ليربوا بها ناشئة الشرق ويخرجوهم عَلَى المنازع الغربية مازجين إلى تلقين المدنية تلقين النصرانية وقد وفقوا إلى ما قصدوا إليه منذ نحو نصف قرن. ولكن أهل البلاد انتبهوا إلى ما يلحقهم من الغضاضة إذ لوا عيالاً عَلَى ما أسسه لهم الإفرنج من المدارس فبدؤوا بتأسيس مدارس طائفية أهلية سبق إليها المسيحيون أولاً في بيروت وبعض المدن السورية ثم حذا حذوهم المسلمون في بيروت فدمشق فغيرهما ولكن البيروتيين عَلَى قلة عددهم وغناهم بالنسبة للدمشقيين فاقوا جيرانهم هؤلاء لأن اعتمادهم كان عَلَى أنفسهم واعتبروا حق الاعتبار بما حمله إليهم المرسلون من الأميركان والألمان والروس والفرنسيس وقدروا المبادئ والخواتيم فرأوا أنه لا ينقذهم من سوء المصير إلا العمل لتثقيف عقول أبناءهم عَلَى الطرق الوطنية الحديثة. أما الدمشقيون فقد استمروا وظائف الحكومة فكانوا ولم يزالوا إذا تعلموا شيئاً لا يقدرون له من الفوائد إلا بقدر ما يقربهم زلفى من الحكام ويوليهم التصدر في دست الرئاسة ولذا يرجح أن يكون مستقبل البيروتيين أكثر ثماراً جنيه في مستقبل جيرانهم اللهم إلا إذا اعتمد الدمشقيون عَلَى أنفسهم وحسبوا التوظف ثانوياً وقللوا من توقيره في نفوسهم. هذا مثال ضربناه أما سائر مدن سورية كالقدس وحيفا ويافا وصيدا وعكا وطرابلس واللاذقية وحمص وحماة وحلب واسكندرونة وزحلة وغيرها فقد هبت للتعلم بقدر ما تساعدها أسبابها ومن كان أقرب للاختلاط بالغربيين كانت نهضته أقوى وأرقى كما هو

стр. 3607

المشاهد في حال حمص إذا قيست بغيرها بالنظر لموقعها وحالها وكثرة المهاجرين منها إلى مصر وأميركا فإنا نراها آخذة نحو الرقي وهي لا تتجاوز الخمسين ألف نسمة أكثر من حلب التي تربو عَلَى مائتين وشتان بين مركز قضاء من أعماله عشرات من القرى والمزارع وبين قاعدة ولاية عظمى من بعض عمالاتها إنطاكية والرها ومرعش بل ألوف من القرى والمزارع العامرة الغنية وتجارة واسعة تمتد إلى بغداد وإلى ولايات الأناضول كافة بل كانت فيما مضى دار ملك بني حمدان. ولكن الحلبيين ابتلوا بما ابتليت به من قبل بعض الحواضر والعواصم كالآستانة التي يعول أهلها عَلَى الحكومة في ترقيتهم وكاد بعضهم يتناسون لسانهم ليتعلموا اللسان الرسمي فيتسنى لهم به أن يتوسد إليهم الوظائف التي تتلمظ بحلوائها شفاه كل وكلة تكلة يحب أن يعيش كالحلمات الطفيلية بامتصاص دم غيره. أمام الأمة اليوم طرق ثلاث تسلكها أو أحدها للخلاص من ربقة الجهل ومصافحة أنامل الحضارة عَلَى ما يجب وبقدر ما يجب وهي إما أن تضع جميع أمانيها بالحكومة وتنتظر الفرج يأتيها عَلَى يد نظارة معارفها وهو بعيد الحصول قليل الثمرة مهما برقشه المبرقشون وزينه السائسون والحاكمون. فنظارة المعارف العثمانية قد سنت نظام التعليم الابتدائي والثانوي والعالي بحيث يلاءم الآستانة وبعض ولايات الأناضول التي يتكلم أهلها بالتركية ولم تسنه بحيث لم ينطبق مع حاجة ابن قوصوه ويانيا ومناستر وأشقوردة مع حاجة ابن وان وأرضروم وتبليس ومعمورة العزيز أو سورية وبيروت وطرابلس الغرب واليمن. فالذين سنوا قانون المعارف كانوا متأثرين بعوامل حب قوميتهم ولسانهم فلم ينظروا إلى الأثر النافع الواجب إعطاؤه لأهل كل إقليم بحسب محيطهم ومزاجهم بل سنوه وأكثرهم لا يعرف من حال الولايات إلا النزر اليسير الذي لا يخول صاحبه حق التشريع لأنة مختلفة اللهجات والحاجات. وبعد فإنا لا نعرف كيف نعلل إجبار ابن جبل عجلون عَلَى دراسة التركية قبل أن ينال حظاً من لغته. فإذا حملناه عَلَى تلقف لغة أجنبية قبل أن يحكم أصول لغته هل يكون فائدة منه لأمته ووطنه يا ترى؟ وهل بدراسة مختلة الأسلوب يتيسر لنا أن نترّك هذا العجلوني مادام لا غنية له عن بلاده وقد لا يخرج منها إلا لقضاء الخدمة في الجندية ثم يعود لمحراثه

стр. 3608

وسكته وثوره وجمله وحماره. أليس الأولى له أن يتعلم من لغته القدر اللازم من كتابة وقراءة وبعض العلوم العملية الضرورية؟ وكيف يتيسر عن غريب عن لغة لا يعاينها ولا يسمع لهجتها ولا يقرأ آدابها أن يستطيع بها التعبير عن مقاصده في مثل هذه المدة القصيرة من دراستها. أما هو أنفع للدولة والأمة إذا تعلم هذا الفلاح باللغة التي هي أقرب إليه وانصرف إلى أرضه وزرعه أكثر من تعليمه لغة صعبة عليه لا تنفعه إلا إذا طمح للاستخدام في الوظائف الإدارية والعسكرية ومن يبقى عند ذلك يا ترى للتوفر عَلَى إخراج ثروة البلاد والإنفاق عَلَى هذا الجيش الكثير العدد والعدد وسائر ما يشترك العثمانيون في تسديده في ميزانيتهم من النفقات. إن معنى الوقوف بالعجلونيين عند حد تلقين مبادئ التركية هو أن الحكومة تريد أن تجعل من جمهور الأمة حكاماً وأمراءَ وضباطاً حتى تكون مادة حياة البلاد آخذة بالدثور ويصبح الناس كلهم كمسلمي الآستانة لا يحلمون بغير الوظائف ولا يرون السعادة إلا من طريقها. هذا مات كان من إصلاح نظارة المعارف في البلاد العربية أما مدارس الأجانب فلا تخلو أيضاً من مضار لأن معظمها يأتينا باسم النصرانية ليلقنها الموافق والمخالف وينشر آداب لغته وحب بلاده فترى التلميذ يتخرج من تلك المدارس وهي أرقى من المدارس العالية في الآستانة أيضاً ملماً بلغته ولكنه محكماً اللغة التي تلقى مبادئ العلوم وجاهلاً كل الجهل بما ينفع بلاده وقد لا يعرف من تاريخها وعمرانها واجتماعها أكثر مما يعرف عامة الطليان والأسبان عنا فلا يلبث وقد زينوا له حال الغرب أن ينقلب إليها مهاجراً فكأن هذه المدارس برزخ تنقل الدارسين فيها من وطنهم لتعدهم خدمة لأوطان أخرى وبفضل تلك المدارس هاجر من سورية زهاء ثلثمائة ألف نسمة وبعضهم من المتعلمين يطلبون الرزق في جمهوريات الشمال والجنوب من أميركا ومستعمرات أفريقية فخربت بذهابهم بلادهم وهم لم يستفيدوا بقدر ما فادوا به. ومن ثم لم يبق لنا سوى الأمر الثالث الذي يجب علينا الاعتماد عليه الآن لنهوضنا ونعني به المدارس الأهلية والسعي في تحسين حالتها المادية والأدبية فهذا النوع من المدارس هو هو معقد آمالنا ومنه تنبعث شعلة نور الحق وتأييد كلمة الوطنية وتحيا اللغة العربية فلو

стр. 3609

أنشئت مثلاً في كل بلدة وقرية مدرسة أهلية كالمدرسة العثمانية والمدرسة العلمية في دمشق والمدرسة العثمانية ودار العلوم في بيروت مثلاً ووسد التدريس فيها إلى خيرة رجال العلم والأدب يثقفون العقول عَلَى منازع الفضيلة وحب الوطن والسعي إلى الكمال العقلي لنشأ لنا منها بعد زمن وإن كانت بدرجتها أدنى من المدارس الثانوية وأرقى من الابتدائية ناشئة تستطيع أن تعمل كل عمل وتستعد إلى التبريز فيه لأنها تكون عارفة بتاريخ بلادها وعظمة أمتها ومنزلة لغتها من لغات الشرق والغرب تنفع بما تعلمته العامة قبل الخاصة. شاهدنا غير واحد من أهل هذه البلاد ممن درسوا في مدراس الأجانب العالية فأحكموا لغة أوربية أو درسوا في مدارس الحكومة العالية فأحكموا اللغة التركية فما رأيناهم إلا قاصرين غير نافعين لأنهم ضعفاء في التعبير عن مقاصدهم بلغتهم وشاهدنا من عانوا لغتهم وشدوا شيئاً من آدابها فاقتدروا عَلَى الكتابة والخطابة فيها مع ما أحكموه من اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة وأصبح العلم الذي درسوه ملكاً لهمم لا ملكاً لهم يصورونه متى شاؤا في المظهر اللائق به فينتقلون من أسباب المدنية ما يطبقونه عَلَى مصلحة بلادهم لأنهم يعرفون داءها ودواءها ويشعرون بالواجب عليهم لها. رأينا أكثر من أحكموا اللغات الأعجمية الأجنبية إحكام أبنائها لها إذا قضي عليهم أن يبقوا في أرضهم بعد سن الدراسة صماً بكماً في المجالس عمياً عن مصالح الأمة والبلاد لا يحسنون المدخل والمخرج دأبهم التأفف من أهل بلدهم لأنهم لا يفهمونهم وما ذلك إلا لأن تلك اللغة التي أحكموها وزهدوا في لغة آبائهم قد نقلتهم إلى عداد أهل تلك اللغة فكثروا سواد العرفين بها ولو تعلموا العلوم بلغتهم لنقلوها إليها فزادوها قوة بدلاً من أن تزيد بضعفهم ضعفاً. وأحسن واسطة لإرضاء العناصر العثمانية التي لا تقل عن اثني عشر عنصراً تتكلم باثنتي عشرة لغة مختلفة أن تترك حرية التعلم لكل عنصر يتعلم لغته وبعض ما يبدو غناؤه من اللغات الأخرى والعلوم وبذلك يسهل إشراب القلوب محبة الوطنية وتحضير العامة عَلَى أسرع صورة مقبولة وربطهم برباط الوحدة العثمانية ومن أحب الاستخدام يدخل المدارس الثانوية فيحكم التركية ومن أحب الاتجار والتمحض للعلم يحكم لغة راقية من لغات أوربا مشفوعة بالعلم الذي يلزمه الإخصاءُ فيه فإن الفلاخي والبلغاري والرومي والأرناؤدي

стр. 3610

والأرمني واللازي والجركسي والتركي والكردي والبشناقي والإسرائيلي والعربي يصعب جداً تحضيرهم في قرون كما صعب عَلَى النمسا أن تربط الجرماني بالمجري بالتشيكي بالبوهيمي بالبوشناقي بالكرواسي بالبولوني إلا بعد أن أطلقت لأهلها حرية أن يتعلموا بلغتهم وبدون ذلك لا تنهض البلاد.

стр. 3611

سير العلم والاجتماع المدارس الصناعية في ألمانيا كتب أحد رجال الفرنسيس كتاباً سماه ألمانيا العاملة جاء في بعض فصوله ما تعريبه: إن السائح الذي يجتاز ألمانيا يدهش في العادة من أنه لا يرى بيتاً قائماً وحده في الأراضي الزراعية بل أن جميع المساكن في الحقول منضمة بعضها إلى بعض بحيث يتألف منها أحياناً مدن وهذا مما يدل عَلَى فكر الاشتراك المتأصل في العنصر الجرماني الذي يستغرب حال شخص يريد الابتعاد عن أخيه وهناك شيءٌ آخر وهو أن معظم حكومات ألمانيا تحظر إنشاء المساكن بعيدة عن مراكز القرى حتى لا يحرم الأولاد من الاختلاف إلى المدرسة في الأيام الممطرة العاصفة وهناك يسأل الوالدان عن ولد تأخر عن المدرسة فإذا تخلف أحدهم يجب عَلَى أقربائه أن يبينوا معذرته وإلا فيجازون أشد الجزاء. وعلى رؤساء المعامل الذين يستخدمون في الخلاء عملة أو موظفين أن يضمنوا لأولادهم حملهم كل يوم إلى مدرسة القرية القريبة وإذا كثر العملة في بقعة بعيدة وزاد سودهم تؤسس في الحال مدرسة عامة وتكون في العادة بإعانة من صاحب المعمل. وكان من أثر هذه العناية أن قل عدد الأميين في ألمانيا بحيث لا تجد واحداً في الألف عَلَى أنهم لم يكتفوا بتعليم مبادئ فقط بل إنك لا تدخل قرية ولا معملاً ولا بيتاً إلا وترى الجرائد والكتب في الأيدي تتدلى ويستفاد منها وذلك بين جميع طبقات الألمان. للتعليم الابتدائي والأوسط في ألمانيا ميزتان لا نظير لهما في سائر الممالك وهي أنه لا يبعد المتعلم عن العيشة البيتية بين ذويه وهو سلم للتعليم الصناعي الذي تختلف درجاته وتراه نظرياً وعملياً في آن واحد. وماذا أقول في دروس الأشياء والمجاميع النفسية التي تراها في المدارس الألمانية والتعليم بالنظر والذهن والعمل والنزهات المفيدة وغير ذلك من أنواع التربية. وما من ألماني إلا ويتعلم شيئاً من التعليم الصناعي ففي هذه البلاد التي يكاد الناس كلهم يعملون قد وقع في النفوس أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى صناعة من الصنائع المقررة قبل أن يتعلمها بالنظر والعمل وهذا ما أدى إلى إنشاء كثير من المعاهد الملوكية والإمبراطورية والبلدية والخصوصية تقصدها الأمة فتستقي من مواردها قوتها المنتجة والعقلية.

стр. 3612

وأعظم هذه المعاهد وأقدمها وأشهرها هي كلياتها وعددها اثنتان وعشرون كلية وكانت كل إمارة من الإمارات الألمانية فيما مضى تحاول أن تكون لها كلية فأقدمها كلية هايدلبرغ أنشئت سنة ١٣٨٦ وأحدثها كلية بون أسست سنة ١٨١٨. وقدم الكلية عنوان شرف لها وقد بقيت كلية هايدلبرغ أكثر الكليات محافظة عَلَى منزلتها السامية أما كلية برلين التي أنشئت سنة ١٨٠٩ فطلابها أكثر. ومن أشهر كليات ألمانيا كلية ليبسك أنشئت سنة ١٤٠٩ وهي تفاخر بأنه كان من جملة أساتذتها الفيلسوف لايبنتز ومن جملة طلابها كيتي وريتشارد فانير. ولئن كانت الكليات في ألمانيا مستقلة حرة عَلَى صورة لم تحصل عليها كليات فرنسا فهي منظمة بنظام واحد فالكليات مهما كانت وجهتها في تعليمها نظرية أو عملية لا تتنافس في إعداد المهندسين وصناع والمباحث التي يستفيد منها أمثالهم لا يظفرون بها إلا في المجامع الكيماوية والطبيعية في المدارس الصناعية هي التي يتخرج فيها أرباب الهندسة والصناعات وهذه المدارس تابعة لكل إمارة وهي في بلادها تدير شؤونها وتعطي الدارسين فيها شهاداتهم بعد دراسة أربع سنين وعددها اثنتا عشرة مدرسة وهي في مدن إكس لاشبل برلين برنسويك كارلسروح درامستاد درسد هانوفر مونيخ ستوتكار دانزيكبرسلو فريبورغ في هذه المدارس زهاء اثني عشر ألف طالب فيخرج منهم كل سنة ثلاثة آلاف مهندس عدا من يتخرجون من المدارس الثانوية الصناعية. وقد كانت الكليات هي التي تمنح لقب دكتور أشرف الألقاب وأعلاها في ألمانيا وبعد جدال طويل في مجلس النواب تقرر أن من حق تلك المدارس الصناعية أن تمنح هذا اللقب وبذلك خرجت ألمانيا عن تقاليدها القديمة بعض الشيء ولا تسل كيف ينظر أولئك الفلاسفة واللاهوتيون واللغويون أخلاف الفلاسفة هيكل وكانت وليسنغ لمن نالوا شهاداتهم عَلَى طريقة أميركا الشمالية لأنهم أتقنوا صناعة من الصناعات. والألمان أحرص الأمم عَلَى لقب دكتور حتى أنك إذا لم تطلق هذا اللقب الشريف عَلَى من ناله عد ذلك منك سخرية وفي ذلك دليل كبير لميل هذا الشعب للعلم والتلقب بألقابه وقد كان للإمبراطور غليوم الثاني يد طولى في إعطاء المدارس الصناعية حق إعطاء هذا اللقب الشريف حتى قال في خطاب له ألقاه عَلَى تلامذة المدرسة الصناعية قرب برلين: إنني أغتبط لأنني استطعت أن

стр. 3613

أمنح للمدارس الصناعية العالية لقب دكتور أنتم تعلمون أنني تحملت مقاومات شديدة في هذا السبيل أما اليوم فقد اضمحلت وقد أردت أن أجعل للمدارس الصناعية المقام الأول لما لها من المنزلة السامية لا من حيث العلم العملي بل من حيث الوجهة الاجتماعية. ونظام هذه المدارس واحد وتعليمها واحد اللهم أن بعضها تبذل العناية في فروع تمس حاجة أقطارها لها مثل مدرسة أكس لاشبل التي تعنى بتعدين المناجم كل العناية ومدرسة دانزيك التي تعنى ببناء السفن. وكان من ظفر هذه المدارس بإعطاء لقب دكتور أكبر دليل عَلَى غلبة الحديث عَلَى القديم. ومدة الدراسة في المدارس الصناعية أربع سنين يدخلها من بيده من الوطنيين أو الأجانب شهادة من مدرسة ثانوية وفيها يتجلى ميل الألمان للإخصاء فيعلمون ما يعلمه غيرهم من الأمم فرداً واحداً لخمسة أفراد قائلين أن الذهن لا يتسع لإكثار المواد عليه ففي مدرسة هانوفر مثلاً أناس يتعلمون فن البناء وآخرون الهندسة وغيرهم علم الحيل (الميكانيك) وغيرهم الكيمياء الصرفة وآخرون الكيمياء الكهربائية وغيرهم إجماليات وفيهم ٩٠٨ تلامذة و١٩٤ تلميذة و١٥٥ مستمعاً وبين الجميع ٥٩ أجنبياً من أمم مختلفة والدروس عملية أكثر منها نظرية وهذه المدرسة خارجية يتناول التلامذة طعامهم قبل الدخول إليها وينقطعون عن العمل بعد ظهر السبت إلى صباح الاثنين كل أسبوع والألمان لا يحرصون عَلَى تعليم الهندسة لأذكى أذكيائهم بل يريدون أن يجعلوها قريبة المنال من كل أحد وهم يستعملون كل الطرق التي يرونها نافعة لئلا يتعبوا الفكر غير طائل بإغراقه مدة ساعات في قراءة صورة لذلك ترى الأساتذة يأخذون تلامذتهم إلى معامل خاصة وكثيراً ما تكون بعيدة عن المدرسة ليطلعوهم بالعمل عَلَى ما ينبغي لهم الاطلاع عليه من الآلات والأدوات كل معامل المدرسة وغرفها وحجر كتبها وصفوفها منارة بالكهربائية أو الغاز عَلَى صورة لا تضر بصحة عيون الطلبة حتى أنه ليقل جداً عدد الحسر بين الألمان لشدة العناية بصحة العيون. ومثل ذلك يقال عن مدرسة دانزيك وهي خاصة بأعمال الهندسة للعمارات البحرية وأعمال الري والمرافئ ومجاري الماء وهي كسائر مدارس الصنائع الكبرى أشبه بقصور الملوك منها بالمدارس لما حوت من المرافق والردهات والمماشي والساحات والأدوات وهذه المدرسة قد كلف بناؤها فقط سبعة ملايين فرنك ويكفي أن يتصور القارئ عظمتها إذا

стр. 3614

قلنا له أن فيها ٩٤ ألف متر من الأسلاك الكهربائية و٢٠٤٥٠ متراً من اللوالب و٢٩٠٥ مصابيح بيضاء متأججة و٣٧٢ مصباحاً ذات قوس قوتها ٢٨٥٨٥٠ شمعة. وقصارى القول أنك لا تمر بقرية ولا قصبة ولا مدينة ولا عاصمة في ألمانيا ولا تجد فيها مدارس صناعية كبرى وصغرى عَلَى نفقة الحكومة أو البلديات تعلم الصناعات المختلفة بحيث فاض عددهم عن حاجة البلاد وذلك لأن الشعب الألماني موقن بأن الواجب أن يسلح كل ولد في الوطن الألماني بالأسلحة الضرورية في الجهاد الاقتصادي. مخطوطات نادرة في المدرسة الأحمدية في حلب خزانة كتب عربية مخطوطة نجت من عوادي الدهر فكانت أحفل مكاتب الشهباء. وإلى القارئ المخطوطات التي لها علاقة بموضوع هذه المجلة ننقلها من فهرست سليم أفندي البخاري من علماء دمشق منذ بضع عشرين سنة كتب الأدب والدواوين: شرح نهج البلاغة نسختان. شرح ديوان المتنبي لابن جنى. أيضاً للواحدي. تمثيل المحاضرة للثعالبي. انتخاب حياة الحيوان. مسليات الحزين. شرح درة الغواص. الجزء الأول من المسعودي عَلَى المقامات. الجزء الأول من مناهج الفكر. جواهر العقدين في فضل الشرفين. مجموع ابن شمس الخلافة. طبقات الملوك للثعالبي. كتب التاريخ: الأول من مرآة الزمان. تاريخ ابن الخطيب المسمى بدر المنتخب مجلدان والثاني مخروم الآخر. من الوافي بالوفيات للصفدي جلد ٤. مختصر تاريخ الذهبي المسمى بالعباب. من مختصر تاريخ الذهبي جلد ٦. من تاريخ الذهبي جلد ٥. الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ. مجموعة في طبقات العلماء. منتخبات تواريخ آل عثمان. تحفة الكبار في أسفار التجار لكاتب جبلي. من عيون التواريخ جلد ٧. كتب منوعة: تذكرة السويدي في تقويم الأبدان. تشريح الأفلاك لبهاء الدين العاملي. صور الكواكب لعبد الرحيم الصوفي. المباحثة الشرقية للرازي. المصارع في المطارحات للسهروردي. لمعة ابن الشاطر. رسالة وضع خطوط صف الجائرة لابن مجدي المسمى بزاد المسافر. رسالة خطيب العدلية في وضع المزاول ومعها رسالة في الإصطرلاب. زيج ألوغ بك. ملخص ألوغ بك. مجموع رسالة في الإصطرلاب في الربع المقنطر وأخرى في الربع المجيب. رسالة في ربع المقنطرات. رسالة في الإصطرلاب للطوسي. فراسة ابن

стр. 3615

شيخ دبوس. فراسة قيلمون. كتاب الفروسية ورماية النشاب. كتاب في فروسية المجاهدين وتحفة المجاهدين. ذهب المصارف أغنى مصارف العالم بنقوده مصارف فرنسا ولذلك تهرع إليه كل دولة تريد أن تعقد قرضاً فقد بلغ ما في خزائنه من الذهب سنة ١٩١٠_١٣٤. ٨١٨. ٠٠٠ جنيه وما في مصرف روسيا ١٢٢. ٣٢٠. ٠٠٠ جنيه وما في مصرف النمسا والمجر ٥٥. ٤٥٦. ٠٠٠ وما في مصرف إيطاليا ٤٨. ٣٢٠. ٠٠٠ وما في مصرف إنكلترا ٣٧. ٣٤٨. ٧٤٠ وما في مصرف ألمانيا ٣٢. ٢٥٠. ٣٥٠ وما في مصرف إسبانيا ١٦. ٧٦٠. ٠٠٠ وما في مصرف هولندة ١٠. ٠٦٧. ٣٣٠ هذا في أرقى ممالك أوربا وقد بقيت البلجيك والبرتقال وسويسرا والدانيمرك واسوج ونروج والصرب وبلغاريا ورومانيا والجبل السود فكم تبلغ النقود الموجودة في المصارف العثمانية يا ترى؟ أمالي تاريخية المعتصم سمي المثمن. ذكر أبو الفرج: أن المعتصم لخليفة العباسي المتوفى سنة ٢٢٧هـ ٨٤١م كان يسمى لأنه كان الثامن في إحدى عشر أمراً أولها أنه ثامن ولد العباس والثاني أنه ثامن خلفائهم والثالث أنه ولي الخلافة سنة ٢١٨هـ (٨٣٣م) وكانت مدة خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وولد له ثمانية بنين وثماني بنات وكان عمره عند وفاته ٤٨ سنة وكان مولده في شهر شعبان ثامن الشهر من السنة. ابن مقلة المثلث من غري ما روى المؤرخون أن ابن مقلة الخطاط الشهير تولى الوزارة ثلاث مرات لثلاثة خلفاء المقتدر والقاهر والراضي وسافر ثلاث مرات ودفن ثلاث مرات لأنه دفن أولاً بموضع فجاء أهله ونبشوه ودفنوه في موضع آخر ثم نبش ثالثة ودفن في موضع ثالث. الخليفة الراضي بالله من غريب ما نقله المؤرخون أن الخليفة الراضي بالله العباسي المتوفى سنة ٣٢٩هـ

стр. 3616

٩٤٠م ختم الخلفاء في أمور منها أنه آخر خليفة كان له شعر يدون. وآخر خليفة خطب كثيراً (وأما من بعده فخطبوه نادراً). وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء. وآخر خليفة كانت له نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره عَلَى ترتيب الخلفاء المتقدمين. عيسى اسكندر معلوف. المرأة اليابانية كتب عالم ألماني في تربية النساء في يابان فقال: لم تكن المرأة اليابانية إلى أواسط القرن التاسع عشر غير سجينة بيتها وأسرتها فكان اليابانيون يعتقدونها من عنصر أحط من عنصر الرجال ولما أرادت يابان أن تدخل مضمار الترقي حقيقة تغيرت وجهة الأفكار بسرعة في التربية كما تغيرت في السياسة وفي سنة ١٩٠٢ كان في يابان ٧٠ مدرسة عالية للفتيات وكان عدد الطالبات في مدرسة المعلمات ٣٢١ ألف طالبة سنة ١٩٠٣. وبعد أن ساح الأستاذ ناروس سياحة علمية في أميركا عاد إلى يابان فعضده أناس من كبرائها مثل الكونت أوكوما والبرنس إيتو فأنشأ سنة ١٩٠١ أول مدرسة كلية للنساء التي أصبح المتعلمات فيها والمستمعات بعد ثلاث سنين ألف امرأة. والذي يزيد في العجب من هذا الإصلاح السريع هو أن يابان لم تغفل في تربية النساء عن الوجهة العملية فالفتيات يدرسن دروساً عالية ولا يفوتهن استعدادهن لوظيفة الزوجة والأم وهن يعشن عيشة أسرة واحدة وليس في المدرسة تعليم ديني بل يعلم فيها التسامح وخفض الجانب!. مدارس الغابات كان الأولاد في كل زمان ومكان يهربون من المدرسة والكتاب لأن منهم من لا يقدرون أن يخالفوا ما ركز في غرائزهم من تطلب الهواء الطلق والحركة وذلك لرداءة بناء مدارسهم ولأن وضعها غير طبيعي ونظامها مختل معتل وقد أخذ علماء التربية والتعليم في أوربا يدركون كل الإدراك أن من مدارسهم ما يجلب السقم ويميت الهمم وكان السابق إلى ذلك أناس في ألمانيا وإنكلترا وسويسرا فقاموا يطبقون بين الضروريات الطبيعية ومطالب المدنية الحديثة حتى يحولوا دون الأولاد والهرب من الكتاتيب والمدارس فيتمتعوا في مدارسهم بما تتطلبه أجسامهم من الهواء والنور ويسرحون ويمرحون تحت غابات الصنوبر

стр. 3617

والزان. قالت مجلة التربية ونشأت هذه الفكرة في برلين لأن هذه المدينة القديمة ضيقة النطاق فاسدة الهواء لما فيها من تراكم الأنفاس حتى أن خمسة عشر ألف نسمة من أهلها يعيشون في أقبية تكون دافئة في الشتاء ورطبة بعض الشيء في الصيف فمدينة شارلوتنبرغ الملاصقة لبرلين هي التي منها نشأت هذه الفكرة لأن أبناءها كانوا بضعفهم الناشئ من رداءة هوائهم لا يستطيعون أن يسيرون مع أقرانهم عَلَى حين أن مدينتهم هي أم التعليم وفيها أعظم كلية صناعية فلم يستطيعوا أن يجاروا أقرانهم فرأى أحباب الإنسانية هناك أن يتنقلوا أولئك الأولاد إلى مدارس في الغابات تكون لهم بمثابة مصاح أو مصيف عَلَى سواحل البحار فإذا قويت أجسامهم يقوى ذكاؤهم والعقل السليم بالجسم السليم. رأوا أن أبناء هذه المدينة اضعف من غيرهم بذكائهم وما سبب ذلك إلا ضيق حاراتهم وفساد أهويتهم وأن الأولى نقلهم من المدن إلى الفلاة وها قد أصبحوا الآن يبعثون بالأولاد ممن ليسوا مرضى حقيقة وهم مصابون بالهزال أو ضعف الرئتين والقلب أو ظهرت عليهم أعراض داءِ الخنازير أو غيره من مفسدات الدم_يبعثون بهم إلى مدرسة الغابات بدلاً من أن يذهبوا إلى المدارس الخاصة بالتلامذة المتأخرين فالمدارس الجديدة ليست للمرضى الذين يعدي بعضهم بعضاً ومعاملتهم من أقسى ما يكون من الشدة بل هي مدارس المرشحين للسل وغيرها من الأمراض كما يقول الأطباء فتداوي فيها صحتهم وينقذون مما يتهددهم بدون أن يحولوا بينهم وبين دروسهم أو يضيعوا عليهم سنة كاملة. قام الشارعون بهذا العمل وهم يتخوفون الفشل والناس في ألمانيا لا ينظرون في الأعمال الجديدة إلا إلى ثمراتها الأولية وساعدهم البنك الألماني في مشروعهم بأن ابتاع لهم أرضاً وأعطاهم إياها بلا ربا والأرض واقعة في غابة عَلَى بضعة كيلومترات من شارلوتنبرغ يسير بينها وبين الغابة ترمواي كهربائي يصل بين المدينة وأول الغابة في عشرين دقيقة ثم يسير الإنسان من المحطة إلى المدرسة عشرين دقيقة عَلَى قدمه وسط الغابة وهواؤها عليل أكثر من المدينة وصاف للغاية. ومن أهم ما فيها انبعاث رائحة القطران والصمغ من الصنوبر والرتينج وليس في هذه المدرسة أكثر من مئة طفل وطفلة جعلوهم في أكواخ من خشب سدوها من الداخل بقماش

стр. 3618

ولم ينفق عليها كثيراً بل بل بذلت العناية للتوقي فيها من الضباب والمطر وهناك بنايتان من الخشب وهما عبارة عن صفين يفصل بينهما غرفة للمعلم أو المعلمة وفي الجدران بعض المصورات الجغرافية والألواح وموقدة من القاشاني لا من الحديد المصبوب لأن الحديد مضر باتفاق علماء الصحة وهناك تجري الدروس ففي المطر تقام الصفوف بين هاتين البنايتين عَلَى أن تترك النوافذ مفتحة ما أمكن وفي أوقات الصحو تقام الدروس في وسط الغابات تحت أغصان شجر الصنوبر القديمة والأولاد جلوس عَلَى العشب وعلى المروج اللينة وعلى مقربة من غرف المدارس أنشئوا سقيفات مفتحة من أطرافها الأربعة لأنها إذا كانت مفتحة من جهة واحدة تكون معرضة لمجرى الهواء وتكون سطوح هذه السقيفات متينة تقاوم الأعاصير والأمطار ويكون من تحتها بمأمن من الرطوبات والرطوبات هي عدوة مدارس الخلاء. وهناك أيضاً بعض سقيفات اخف من الأولى وأصغر وبجانبها سقيفة واسعة طولها ٢٧ متراً وعرضها ٦ مفتحة نحو الجنوب ويمكن أن تؤوي ٢٠٠ إلى ٢٥٠ طفلاً. فتحت هذه السقيفات البرية المبثوثة في الغابة يتسلى الأولاد عندما يتعذر عليهم أن يخرجوا من المطر إلى تحت السماء وهناك يستريحون فيجلسون عَلَى الكراسي المستطيلة كلما حالت الرطوبة دون تنزههم تحت الأشجار ولكن تصل إلى عيونهم ورؤوسهم رائحة الصنوبر وبعض أشعة الشمس. وفي إحدى السقيفات مناضد مستطيلة ودكات جعلت بيتاً للغذاء وفيها صحاف وكؤوس منمرة عَلَى نظام تام يجلس إليها الأولاد أوقات الطعام كل واحد في مكانه الخاص به وفي وسط هذه البنايات الخفيفة أنشئت بناية أكثر متانة وهي من خشب أيضاً قسموها أقساماً فمنها قسم للمديرة وآخر للمطبخ وثالث لحفظ الطعام ورابع قبو وحمام أو حمامان للذكور وآخر للإناث أما الحمام فعلى غاية من النظافة. وعلى هذا كان الماء الحار والماء البارد والحركة والرائحة والهواء والشمس مساعدة عَلَى تقوية تركيب الأولاد. وفي هذه المدرسة مستشفى صغير موقت لما قد يطرأ من الأمراض والعوارض عَلَى الأولاد. وليس لهذه المدارس وفيها ٢٥٠ ولداً سوى المديرة وإليها يعود أمر التربية والصحة وملاحظة الخادمات والمطبخ وستة معلمين وثلاث معلمات.

стр. 3619

تبدأ هذه المدرسة بالدروس عندما تعود الحياة إلى الغابات والخضرة في الربيع أي بعد عيد الفصح وتدوم بحسب مساعدة الجو وربما دامت إلى النصف الأخير من كانون الأول ولكن من العادة أن تطول مدة الدرس إلى آخر شهر تشرين الأول في شمالي ألمانيا وإلى منتصف تشرين الثاني في جنوبيها فيأتي الأولاد نحو الساعة السادسة ونصف صباحاً فتطوف بهم إدارة المدرسة فقي الغابات إلى الساعة الثامنة راكبين في ترمواي معد لهذا الغرض وفي تلك الساعة تبدأ الدروس وفي العادة ألا تطول مدة كل صف أكثر من ٢٥ دقيقة فبعد الصف الأول يعطى التلميذ خمس دقائق للراحة والنزهة وبعد الصف الثاني عشر دقائق. والأطفال الصغار ومن بعدهم لا يدرسون في اليوم أكثر من ساعتين والأكبر منهم سناً يدرسون ساعة زائدة. والصف لا يتألف من أكثر من عشرين تلميذاً ليتيسر للمعلم أن يعنى بكل واحد من المتعلمين عناية خاصة ويدير شؤونهم وأعمالهم. وقد رأت إدارة المدرسة أن أربعة دروس يدوم كل واحد خمسة وعشرين دقيقة أفضل من دروس يدوم كل واحد منها ٥٥ دقيقة وفيها ٤٠ إلى ٥٠ تلميذاً وإن الأحرى ترك التلميذ يسرح ويمرح في الغاب لا أن يقعد عَلَى الدكة يستمع ٣٥ من أترابه يسمعون دروسهم مما لا يزيده إلا ثلم حاسة الانتباه فيه ويدخل عَلَى نفسه الاشمئزاز من الدرس مهما كان جذاباً أما الدروس التي يدرسونها في هذه المدرسة فهي دروس المدارس الابتدائية في ألمانيا ومختصر اللغة المحلية الألمانية وتاريخ ألمانيا ومختصر التاريخ العام والجغرافيا والحساب والتاريخ الطبيعي والغناء والرسم ودروس الأشياء وقليل من اللغة الإفرنسية لبعض الطلبة ويعنون عناية خاصة بتدريس اللغة الألمانية والتاريخ والجغرافيا والغناء. وإن كان الغناء من دروس التسلية أكثر من الدروس الجدية. والتاريخ الطبيعي والنبات والغناء والرسم في الغابة غالباً وفي جوار المدرسة بالعمل ومعلوماتهم أكثر بخلاف عقول من يتربون من الأولاد عَلَى هذه الطريقة أثقب ومعلوماتهم بخلاف عقول من يتربون في المدن وما يحصلونه. وقد جعلت الألعاب بحيث تقوي نشاط الأولاد وتلقيفي نفوسهم فكرة الإبداع والاختراع فترى المدرسة قد خصت صغار الأولاد بقطعة من الأراضي مرملة يلعبون فيها ويحفرون ويطمون ويبنون بأغصان الخلاف جسوراً أو حصوناً وأنفاقاً ومجاري وكثيراً ما تستحيل

стр. 3620

هذه المسليات إلى صورة درس في الجغرافيا أو الطبوغرافيا فيرسمون بعض أنهار بلادهم وما عَلَى حفافيها من الأراضي والمصايف والحصون. وكبار الأولاد يدربون صغارهم عَلَى هذه الألعاب كما أن المعلمين يلاعبون كبار الطلبة بدون أن يظهروا بأنهم في صدد درس بل أنهم في لعب ونزهة. ولطالما لاحظ علماء التربية أن جهاد المرء إذا صرف إلى غاية نافعة يكون عليها في نفس الطفل لذة زائدة فتؤثر في تربيته أكثر مما تؤثر الأعمال التي لا نتيجة لها فقد قال أرسطو أن كل حي يحب نشاطه. فإذا كان العمل فرحاً فهو كذلك عَلَى شرط أن يتم لا بالإكراه بل بحرية أي أن يتم بإرادة المرء مدفوعاً إليه بغايته الطبيعية وهي الإيجاد والإيلاد والإحداث. ولذا اختصت المدرسة كل تلميذ بقطعة صغيرة من الأرض حديقة يزرعها ويستنبتها ما يريد فهو مالك هذه الروضة الذي لأراد لحكمه وله ريعها زهوراً كان أو ثماراً فترى أحدهم يزرع قرنفلاً أو ورداً ليقدم منها باقة لكبار أسرته وآخر يميل إلى العمليات فيزرع فجلاً أو بقولاً وبقوة الماء والعناية يستخرج من تلك الأرض الرملية المحرقة غلات نافعة حتى إذا تقدم في السن يدرك كم بذل الفلاح من العناية حتى أتاه بخبز عمل من الجاودار وصفحة من البقول. وهناك طفل آخر مولع بالنبات فيربي في روضته نباتات نادرة من الغابة ويدرس كيفية نشوءها. وهكذا أُشرب أخلاق كل واحد من هؤلاء المتعلمين وكلهم يفكرون فيما يستنبتون أن يقدموا من أول غلة لأقربائهم وأبويهم دليلاً عَلَى مهارتهم وحذقهم. ولا تسل عما يبذله أولئك الأطفال من الهمم ليدخلوا الشرور عَلَى قلوب غيرهم وكم لها من الشأن والقيمة الأدبية التي لا تضاهى. أما الطعام الذي يتناوله فقد اختارته المدرسة من أقلها نفقة وأكثرها تغذية لأن المقرر الذي يدفعه التلامذة وأكثرهم من الفقراء لا يكفي لتقديم المأكولات الثمينة. وطعام الغذاء الذي يقدم الساعة الثانية عشرة ونصف وقت الظهر هو أكبر طعام وما عداه فالأولاد يأكلون كل يوم أربع وجبات الأولى الساعة السابعة يقدمون له كأساً من اللبن الحليب وقطعة خبز ومربيات لأنهم يعتبرون السكر مادة من مواد الغذاء ومقوياً. وفي الساعة العاشرة يقدمون أكلة خفيفة أيضاً وعند الظهر طعام مغذ مؤلف من ثريد ولحم لا يقل عن مئة غرام لكل ولد وبقول معدلها من ١٥٠ إلى ٢٠٠ غرام وفاكهة أو حلويات أو مربيات. وفي الساعة الرابعة

стр. 3621

يعمونهم لبناً حليباً وخبزاً بالزبدة وفي الساعة الخامسة والربع يطعمونهم قطعة من الخبز وشيئاً من اللوز الهندي (كاكاو). وأنت ترى أن اللبن والخبز أكثر الأطعمة تغذية واقلها تكلفة. ولقد كان من نتائج هذه التربية والحياة المدرسية أن كان الأولاد يأتونها ضعاف الأجسام تقرأ في وجوههم عبوسة وفي نفوسهم انقباضاً وفي أرواحهم ذلة وصغاراً لا تميل أنفسهم إلى شيء ولا تنبسط شهواتهم لشيءٍ وبعضهم لا يعرفون كيف يلعبون أيضاً فيهم خليط من أبناء الأحياء القذرة لا يعرفون الزهور ولا المروج ولا تغريد الأطيار في الأشجار ولا الحبوب ولا كيف تغيب الشمس فتسحر بمنظرها ولا كيف تشرق فيبهج النفس مرآها ولا كيف تسرح الحيوانات في الغابات ولا كيف تطن الهوام والحشرات في الشمس أو تعبث بالأوراق وها قد أصبحوا منذ أول دخولهم المدرسة وأفكارهم منتبهة ونشاطهم موفوراً وكل شيءٍ جديد لديهم كأنهم في عالم جديد يهتز منهم من لا يهتز لأمر من قبل وينبه أكثرهم رخاوة ويعود غليهم الذوق في الحياة فلا يجدون في العمل سخرة مملة عقيمة وكلما زادت قواهم الطبيعية يعود ذكاؤهم العادي إلى حالته الطبيعية. وقد أخذ وزن أجسام الأولاد يزيد من أسبوع إلى أسبوع فكان الواحد يزيد نصف لبرة وكثير منهم زاد ثقلهم من ٩ إلى ١٠ لبرات في خلال ثلاثة عشر أسبوعاً وكما أخذت المدرسة تراقب وزن التلامذة أنشأت تراقب كمية الدم فيهم فظهرت لها نتائج حسنة وأخذوا يشفون من الأمراض وتتحسن صحتهم تحسناً ظاهراً عَلَى اختلاف أسقامهم فثبت أن المقام في تلك الغابة نفع في أكثر المصابين بداء الخنازير وفقر الدم والمستعدين للسل. هذه هي النتائج الخارجية ويصعب تعيين ما حدث للأولاد من النمو في إرادتهم ومقدرتهم عَلَى العمل وحسن خلقهم وفرحتهم بالحياة وهذا من القوى أو النتائج الأدبية لم يتيسر لأداة أن تضبط عَلَى التحقيق نموها وضعفها ومع هذا فإن لها تأثيراً كبيراً لا في صحة الأخلاق بل في الصحة الطبيعية. فالمحيط الجديد الذي انتقل إليه الأولاد وتأثير الطبيعة في نفوسهم والسكون والعمل المعقول والجهاد الحر النافع كل هذا يفعل أحسن فعل في الأعصاب التي هي كثيراً ما تهيج من هواء المدينة وضوضائها أو تضعف لقلة الهواء النقي. فمدار الغابات هي أشبه بأسرة

стр. 3622

كبرى كل امرئ سعيد أن يكون منها وكل واحد من أبنائها يحرص عَلَى أن لا يسوئ سمعتها وفي هذه الدار يتجلى للأنظار ما للعناية النسائية بالأطفال لأنهم يبوحون للمديرة التي تحنو عليهم حنو المرضعات عَلَى الفطيم بذات أنفسهم ونياتهم وأعمالهم فترشدهم وتنشطهم وتحاول أن تجعل منهم أهل حشمة من الرجال وجد من الفتيات. وإدارة المدرسة تفكر في أن تجعل مدرستها داخلية لأن الهواء النقي ينفع في حالة النوم ضعفي نفعه في حالة الإغفاء بالنسبة لهواء المدن القذرة فقد ثبت أن الطفل أثناء عودته في المساء إلى دار أبويه يفقد أحياناً ما ادخره من القوى لرداءة الغذاء أو الهواء ولانحطاط المحيط في الأخلاق والتربية أو لأسباب أخر من أسباب انفعال النفس. هذا وإن يكن الألمان أميل إلى أن يجعلوا أولادهم في مدارس خارجية أكثر من الداخلية وقد اشتهر أمر هذه المدرسة في بلاد الألمان وأخذت كثير من المدن الصناعية تحذوا حذوها كما فعلت مدينة البرفلد وكيل ولوبك ومومنيخ ومولهوس وغيرها وعمدت كلها إلى اقتصار الدرس والدروس وإشباع المواد فيها ودوام الراحة وتكثير وجبات الأكل المغذي وأجمل مدرسة تحت الغابات في ألمانيا_وكلها غابات جميلة_مدرسة غلادباش. وذلك أرسل الإنكليز أناساً من رجال التربية عندهم ودرسوا طريقة هذه المدارس وأخذوا يقلدونها لأن طريقتها أشبه بطرائقهم في التربية والاعتماد عَلَى رياضة النفس فيها أكثر من الإكثار من الدرس فلم يحبوا أن يكون الأطفال في الارتياض اقل عناية بأمرهم من الفتيات في كليتي أكسفورد وكامبريدج حتى أن بلدية لندن نفسها أنشئت ثلاث مدارس من هذا النوع وكذلك فعلت مدينتا برادفورد وهاليفاكس واختيرت أماكن نزهة فيها الأشجار الهائلة وصرف بعض الإنكليز في هذا السبيل عن سخاء. ومتى قصر الإنكليز في بذل الجنيهات كالمطر إذا كانت نتيجتها تربية القوى الطبيعية في الأطفال؟ ولقد أخذت هذه المدارس تعلم الرسم في الطبيعة والطبوغرافية عَلَى شواطئ السواقي والحساب بقياس الأشجار الضخمة وتقدير حجم جذوعها بالمتر المربع والجغرافيا بخط خطوط في الرمل ناتئة. وللاستحمام بالمضخات وغيرها المقام الأول في هذه المدارس. وللشغال العملية مكانة كبرى فالبنات يتعلمن غسل الثياب وترقيعها والعناية بالأولاد. ومن مبدأ هذه المدارس أن الواجب أن يعرف كل ولد كيف يعمل عملاً بأصابعه العشرة ولهذا

стр. 3623

من الشأن العظيم من حيث الأخلاق وتقوية العقل أكثر مما يتوهم المتوهمون. وكانت نتيجة هذه المدارس باعثة علة الرضى إذ قد ثبت أن تسعة أعشار تلامذتها زادوا زيادة محسوسة في وزنهم ونشاطهم. ولئن كان نمو القوى الطبيعية سهلاً تحقيقه بواسطة الدينامومتر ودل البحث عَلَى أن الأولاد لم يزيدوا وزناً مثل مدرسة شارلوتنبرغ الألمانية فذلك لأن الجنس الإنكليزي في الغالب غير مستعد للسمن كالعنصر الألماني وكان من التلامذة الضعاف في عقولهم أن أخذت تنشط من عقالها كلما زاد نشاط أجسامهم. وقد اغتبط الإنكليز بما تم من النجاح عَلَى أيدي مدارس الغابات ولا تلبث كل مدينة في إنكلترا أن يكون لها مدرسة من نوعها كما أن أناساً من رجال المال في أميركا قد أحدثوا في سان فرانسيسكو وغيرها أندية للأولاد تضمن لضعاف الحال والصحة السفر لاستنشاق الهواء الطلق وربما كان ذلك مقدمة لاحتذاء أميركا حذو ألمانيا وإنكلترا في إنشاء مدارس في الهواء الطلق بين أشجار الغابات. وقد أخذت سويسرا وفرنسا تفكر في إنشاء مدارس من هذا النوع لأن العناية بالصحة هيب فوق كل عناية حتى قال ديكارت الفيلسوف أنه مقتنع كل الاقتناع بأنه إذا كان ثمة واسطة لجعل البشر أذكى وأنبه مما هو فليس غير الطب يجب أن يعض عليه بالنواجذ ويلتمس منه الشفاء. عقول الأطفال في مجلة الأقرباء الإنكليزية ثلاث مقالات في إعداد عقل الطفل. الأولى في الجور الذي يجيء عَلَى الطفل من سن ١٨ شهراً حتى يبلغ ثلاث سنين وهي سن تعلمه الكلام ومقدرته عَلَى التقليد وغريزته في البحث عما لا يعلم وتكون قواه في التصور والتعقل في مبدأها وإرادته جرثومة تبدو في صورة عناد وبعد سن الثالثة تتأصل فيه قوة التعقل بمظهر أكبر وهذه هي السن التي يكون للتفكر فيها شأن رئيسي وتظهر الإرادة في مظهر أجلى ويأخذ الولد في تقرير أمور بدون أن تحمله إليها ضرورة لاحقة ولا يتيسر لهذا النشوء في عقل الطفل أن يتم عَلَى أصوله إلا بإجادة تغذيته ونومه فلطول رقاده شأن مهم في هذا السن. أما من حيث الأخلاق فالذي يجب عَلَى الوالدين هو أن يعطيهما بدون خشية لأن للخشية نتائج سيئة في مستقبله وعلى الوالدين أن يوقنا بأن عقل الطفل صغير كجسمه وأن الواجب عليهما أشياء كثيرة وهو لا يسأل معهما عن شيءٍ.

стр. 3624

والمقالة الثانية في تهذيب الطفل جاء فيها أن المهذب الحقيقي هو الذي يعلم قليلاً من كل موضوع وكثيراً في موضوع واحد. وتكون تربية الطفل تربية حرة بأن لا يغفل عما يعلمهم من الاهتمام بكل الموضوعات الكبرى والصغرى مثل القصص والرحلات والتواريخ في الحيوانات والنباتات ويجب أن تؤثر الكتب التي لها قيمة أدبية فإن الذوق يتكون منذ الطفولية كالمفردات التي يستعين بها المرء أن يعبر بعد عن أفكاره. ويجب ألا يعتقد بأن الفضيلة تحبب إلى النفس بالتنفير من الرذيلة بل بتحبيب الفضيلة نفسها وما فيها من الخيرات فإن الأبطال الذين أحببناهم وأعجبنا بهم وحاولنا تقليدهم في شبيبتنا يظلون أصدقاءنا يوم نبلغ أشدنا. وبالجملة فالواجب أن يذكر أن القراءة تعلم الأولاد وتسليهم وأن لا يكثر عليهم من الكتب المعلمة ويترك لهم اختيار ما يروقهم منها عَلَى شرط أن تكون لها قيمة أدبية أو أخلاقية أو علمية. والمقالة الثالثة في تعليم الطفل بالحديث والحوار لأنهما تؤثران في تربيته ولكتن لا مباشرة فإن الدائرة التي يلعبون فيها ويدرسون وبدائع الصنائع التي تلقنهم الجمال والنظام لا اثر لها في إمداد نفوسهم وأذواقهم بقدر حديثهم فإذا تركوا وشأنهم في حديثهم يصبحون وحديثهم نسقاً واحداً غير لائق فعلى المعلم أن يعنى بحديثهم بحيث يكون عاماً أحسن الأحاديث ما كان بحضور النساء لأن بعض مدارس إنكلترا جربت هذه الطريقة فنشأت منها خيرات كثيرة في تربية عقل الطفل. الأخلاق والعادات يرى بعضهم اختلافاً في تعيين معنى الطبيعة والعادة وأن الطبيعة والمزاج أو الأخلاق لا تؤثر فيها التربية أو أن التربية إذا استطاعت تغيير الإنسان فلا تعمل إلا عَلَى إبطاله وتلاشيه وعلماء الأخلاق عَلَى اختلاف بينهم في هذا الشأن فقد قال روسو أن التربية ليست سوى العادة لا طائل تحتها وهي عاجزة عن التأثير في المرء لأنها تجد أمامها سدوداً من مقاومات الطبيعة فلا تستطيع تغيير الميل والاستعداد ولا تقف عثرة في سبيل النشوء فليس في مقدرتها إلا أن تنير المرء وتهيئ له سبيل للانبعاث والعمل أو أنها تنشئ للمرء طبيعة ثانية وتبيد الأولى وتشحذ العقول وتعجن الأرواح وتحث الإرادات وتقويها. فقد اعتاد من يقول بأن الإنسان غير قابل للتربية أن يحتج بأن الشر مغروس في فطرته

стр. 3625

وهذه هي الحاكمة المتحكمة في تكوين أخلاقه ولكن هذا الزعم فاسد لأن الدلالة عَلَى تأثير التربية وفعلها في تغيير الطباع أمر لا ينكره مفكر. قالوا أن العادة طبيعة ثانية ومن المحقق منه أنه إذا كانت للمرء طبيعة وهذه الطبيعة متحولة بالعادة فهو من بين سائر الحيوانات خاضعة للتأثيرات الخارجية الكثيرة المنوعة التي لها الفعل الأكثر في هذه الأسباب والتخلق بها واحتذاء مثالها فإن الحس الحي اللطيف وتركيب المرء اللدن المرن المستعد بدون عناءٍ لجمع أنواع التكون وقوة الحافظة التي هي طبيعية في المرء وبها يعتاد العادات عَلَى أيسر وجه كل هذا يجتمع ليكون أخلاقاً ومظاهر في المرء متشابهة لما يحيط به من الأخلاق والأشكال وما يحفه من الأجسام. وهذا هو جملة القوى العظمى في التربية الطبيعية ومنها تنشأ في الحال التربية الأخلاقية وبذلك يكون المرء قابلاً للكمال إلى ما لانهاية له ويستطيع القيام بكل أمر. ويعتدل النظام الحيواني بالعادة خاصة فهي بطول الزمن تؤثر التأثيرات النافعة والتأثيرات الضارة. فتركيب الإنسان خاصة يستعد أن يظهر في كل من المظاهر. والمرء يستطيع أن يألف تناول السم وربما صعب عليه الإقلاع بعد من عادة كان ألفها بالتمرس بها والرجوع من القبيح إلى الأحسن فسكان البلاد الرديئة الهواء قد لا تجود صحتهم أبداً في بلاد أجود بهوائها فالمصابون بالربو (ضيق التنفس) الذين تناسبهم الأماكن الشاهقة في العادة قد يرون حاجتهم ماسة إلى هواء كثيف ثقيل كانوا اعتادوه أيام صحتهم والهواء الشديد قد يزيد أوجاعهم ويحدث لهم اختناقاً مدهشاً ولقد رأينا سجناء خرجوا من محابسهم ومطابقهم العفنة أقوياء أشداء بعد أن قضوا مدة طويلة مسجونين بجرائمهم ثم ضعفوا وهزلت أجسامهم من الهواء الطلق ولم تعد إليهم صحتهم إلا بعد أن ارتكبوا جنايات أخرى أعاداتهم إلى مطابقهم الأولى التي أصبحت لهم كأنها مساقط رؤوسهم. وهكذا ففي الواسع أن تدخل عَلَى الطبيعة تعديلات أصلية كثيرة ويمكن تجديدها وقلبها والأخذ بها في طريق غير طريقها وذلك بالعادة. ثم أن الطبيعة خاضعة لجميع المؤثرات وقابلة لاعتياد أنواع العادات فهي_خلافاً لما يقال_مرنة قابلة للتحول لا تظل عَلَى حال واحدة بل تفعل فيها الأخلاق والتقاليد ومؤثرات المحيط والعادات الشخصية. وقد قال أحد علماء التربية أن للمرء مزاجين طبيعي أو أصلي وكسبي فالأول ينشأ من مزاج الإنسان

стр. 3626

فلا يؤثر فيه إلا إذا تكرر عليه غيره وعندئذ يظهر المزاج الآخر أي أن المزاج الأصلي يؤخذ بالمزاج الكسبي وهذا الذي يعتبر كأنه مزاج الأهواء الطبيعية والعادات المكتسبة التي يقضى علينا أن نلاحظها فقط فالمزاج الطبيعي يعرف ويظن ويغلط وهو مفترض مثل شروط التربية ولكن المزاج الكسبي هو نتيجة التربية نعرفه ونثبته فهو عمل من أعمال التجارب الثابتة. فالمزاج الكسبي هو عبارة عن التبدلات التي تفعل في المزاج بحكم الوراثة_وإن كان يمكن اعتبار الوراثة جزأ من المزاج الطبيعي_ومن التبدلات الطبيعة الخاصة المشتركة بين جميع الناس وهي تنشأ من السن ومن الانقلاب الذي يحدث في الإنسان عند البلوغ مثلاً ثم من مجموع التبدلات العارضة التي تترك آثاراً باقية كنمو المرض أو الأسباب المنتظمة الثابتة كالمناخ وأصول المعيشة والأعمال العادية من جسدية وعقلية. وقد أدمجنا في جملة أسباب المزاج الكسبي المرض والمانخ وذلك لأنهما يعدلان طبيعتنا وإن كان في اليد تعديلهما لأنه في استطاعة المرء أن يقاوم المرض ويتوقاه بمراعاة قواعد الصحة ويضعفه أو يشفيه بالعرج الخاص به كما أنه يصلح أو يخفف تأثيرات المناخ أو يجعله بحيث يناسبه وإن كان ي الأكثر عرضة لتأثيراته. والمرض بغير تركيبه ويقطع الموازنة بين الأعصاب الحاسة والمحركة وتغلب الأول عَلَى الثاني وهكذا تجد في الأولاد والمعرضين للأمراض حساً رقيقاً وشعوراً قبل أوانه وذكاءً حسناً ويتحول المزاج أيضاً بحسب المناخ فترى في البلاد الباردة القوى العصبية عاملة قوية والقوى الحسية مخدرة ضعيفة وبالعكس ترى أهل البلاد الحارة أما البلاد الرطبة العفنة فالمزاج فيها بلغمي. ومهما كان من تأثير الأسباب الطبيعية في طبيعتنا فالتربية لها مدخل كبير في إعداد الرجال بل إنها هي المادة والعامل فإنا نجد فيما يستبعدنا سبباً لتحرير رقنا فمن ثم كانت التربية العامل الأكبر في طبيعتنا وإذا كان للمرض والإقليم تأثير فذلك يشعر بأن طبيعتنا قابلة للتحول. فالحرية ليست سوى اسم أطلق عَلَى مرونة تركيبنا الطبيعية والأخلاقي. وفي مكنتنا أن نعارض بين مختلف التأثيرات التي نخضع لنظامها ونكون لها سادة ونطبعها وننجو من تأثيراتها المضرة ونحرر نفوسنا من قيودها. يكاد يكون تأثير طراز المعيشة كتأثير الإقليم وأحدهما يتغلب عَلَى الآخر فإنك تجد في

стр. 3627

عرض واحد من الكرة أناساً مختلفين في طبائعهم من مثل اليابانيين والصينيين واليونان والأتراك. لا جرم أن ينسب ذلك إلى اختلاف العناصر وربما كان لأسلوب المعيشة دخل كبير أيضاً لا تقوم إلا بعض التدابير والذرائع وما قط ازدهرت إلا بين الشعوب المعتدلة. فالعادة الشائعة باستعمال الأفيون في البلاد العثمانية والصين والهند قد أثرت كالمناخ أو أكثر بل ساعدت كالحكومة أو أشد في تلك البلاد عَلَى توحيش سكانها وجعلهم غير صالحين للمدنية. واستعمال الألكحول هو أيضاً عند أمم أوربا مسألة حياة وموت. وبلسان أعم إن ضرره يلحق بالصحة عن اختياره وكل خطيئة طبيعية لها نتائج أخلاقية واجتماعية. قال سبنسر: قلائل في الناس من يظهر أنهم يفهمون في العالم شيئاً يمكن أن يسمى الخلق الطبيعي. والظاهر أن الناس يعتقدون عَلَى الجملة بأنه يباح لهم بأن يعالجوا أجسامهم عَلَى نحو ما تدرك عقولهم. وأنت ترى الفلاح طماعاً شديداً يقتل نفسه في العمل ويستعمل القسوة مع امرأته وأولاده فستنفد قواهم ويخرب صحتهم كما نرى العامل يضع كسبه في الحانة ويخل بأصول قواعد الصحة في مأكله ومسكنه بل إن عامة الطبقات في البشر تسرف عَلَى نفسها وتبذر في قواها وتعجل الخلل والهرم والعقر إليها وهكذا ضربت المدنية ضربة شديدة بأيدي السواد الأعظم الذين لا يقدرون حق قدرها واختل نظامها المادي بل إن التقدم المادي هو شرط ظاهر في التقدم المعنوي يبعث في الحقيقة من التربية والأخلاق حتى أن الأمم كإنكلترا التي تحترم الرفاهية الحديثة وتتعبد بها وتقصد من ذلك عنايتها بأمور الصحة كعنايتها بالرفاهية نراها تكاد تكون وحدها سائرة في طريق المدنية بقدم راسخة أحسن من الأمم التي لها أفكار خيالية في الحضارة. فخير ما ينظر إليه في التربية أن يلاحظ ما انطوت عليه جوانحنا ومزاجنا وأن نبني نظامنا عَلَى أساس الحياة الطبيعية. للمزاج تربية أو لا بد له من تربية وقد شوهد بأن المزاج غير ثابت من فطرته لأنه نتيجة المرض والإقليم والنظام الصحي. يثبت ذلك أن المزاج قابل للتحول غير راسخ ما نراه من تحويله لا بوسائط طبيعية بل اجتماعية كالصناعات مثلاً. فالصنعة تروض الإنسان بأجمعه وتتحكم في أذواقه وأفكاره وتقوده في سلوكه بل تعمل في تركيبه الطبيعي. ومن البديهي أن ليس الحداد والمطرز متوحدين في القوة العضلية كما ليس لهما مزاج واحد وأمراضهما

стр. 3628

ليست متشاكلة والاختلاف بين ابن الأدب الفلاح والأول ينهك عقله والآخر يتعب عضلاته يختلفان بتركيبهما الطبيعي كالاختلاف المشاهد بين فرنسوي وألماني وإنكليزي وهولاندي وربما كان أكثر. إذاً فما هو المزاج؟ الظاهر أنه يصعب ضبطه وتحديده ولا يتأتى تعيينه إلا بالفكر فيحدد لا بما هو فيه بل بما يمكن أن يستحيل إليه. ولقد نظر المشرعون والحكماء في القديم إلى التربية بأنها تدريب منظم تام لا تختل قواعده ولا يضل قاصده وعلى أيدي القدماء تحققت الأعاجيب التي تنشأ من التربية كالجندي والوطني والإنسان الذي يقصد إلى غاية كالدفاع والعظمة ومجد البلاد ولا يعيش الطامح إليها إلا لأجلها ولا يستنشق الهواء إلا لتحقيق أمنيته منها وبلوغ أربه. ولقد كان المثال البديع الذي ظهر من تربية الجندي الإسبارطي خير مثال تحدثه الأمم فأعجب تدربه القدماء والمحدثون وحق لهم أن يعجبوا لا لما تم عَلَى يديه بل لما بدا فيه من تأثير التربية أو تدريب الإنسان بالإنسان وهكذا دربت رومية رجال شحنتها. وفي إسبارطة ورومية يجب عَلَى الأخلاقي أن يفكر في تأثير التربية لأن هذه التربية لم تظهر قط بأعظم من مظاهرها في تينك العاصمتين ولم يمتد سلطانها حتى ولا في عهد اليسوعيين الذين كانوا يعجبون بما يتم عَلَى أيديهم من جعل أعضاء رهبنتهم عبيداً خاضعين وأدوات تامة. نعم فعلت التربية فعلها حتى أخرجت المرء عن طبيعته الأصلية وعدلت في مزاجه حتى اشتهى الفيلسوف ميستر ذات يوم أن يرى الإنسان في نفسه أو عَلَى فطرته فقال أنه رأى فرنسياً وإنكليزياً وإيطاليين وروسيين ولكنه لم يوفق إلى رؤية الإنسان المجرد العام بل رأى الإنسان بحسب المحيط والتعليم والتربية المكتسبة والمزاج ولكن إذا كان الإنسان الحقيقي هو محصول التربية ومجموع العادات وإذا كان أبداً ابن الأحوال الطارئة عليه والعادات والمناخ والقوانين ألا يجب أن يقال بأنه ليس له خلق خاص وأن شخصيته تضمحل بما يعدو عليها. فالظاهر أننا لا ننظر للشخصية إلا عند مقاومتها للتربية ونراها مباينة بتعريفها للمؤثرات التي تؤثر فيها. ترجع التربية إلى العادة وهنا انقسم علماء التربية إلى قسمين فمن قائل بتأثير العادة ومن قائل بعدمها. فزعم روسو بأن للتربية دخلاً قليلاً في إعداد الإنسان قائلاً أن التربية استعباد

стр. 3629

له وأن خير عادة يعودها الطفل أن لا يعود أمراً ما حتى ولا الأكل والشرب ولا النوم في ساعات معينة بل أن يعد للاستمتاع بحريته وأنت تلاحظه من بعيد كما تلاحظه في استعمال قواه تاركاً لجسمه العادة الطبيعية وأن يكون أبداً مالك قياد نفسه وأن ترى إرادته عندما يكون مالكاً لها قال والعادة الوحيدة النافعة للأولاد هو أن يستعبدوا لضرورة الأشياء بدون عناء والعادة الوحيدة النافعة للرجال هو الاستعباد للعقل بدون كبير أمر. ومثل لذلك بالنبات الذي تثنيه وتكرهه عَلَى ميل خاص فلا يلبث أن يعود إلى أصله إذا أطرحته من يدك. وقواعده هذه تنطبق عَلَى التربية بل هي قواعد التربية بذاتها إذ لا فرق بين التربية والعادة وما التربية إلا العادة فمن ثم كانت التربية تربيتين تربية ظاهرة مؤقتة وتربية حقيقية دائمة فالأولى هي التي تقاوم الطبيعة والثانية هي التي توحي إليها الطبيعة ولا تعمل إلا عَلَى ترقيتها وموافقة قانونها ولذا قال روسو أن من النسا من ينسبون تربيتهم أو يضيعونها ومنهم من يحتفظون بها. عَلَى أن الابتعاد عن الفطرة ما ينافي العقل فالحكمة تقضي بأن نعمل مع الطبيعة ولأجلها وكل تربية لا تجري عَلَى هذا النظام لا تكون عبئاً ثقيلاً فقط بل تكون عبثاً لا نتيجة لها. ومن الباطل أن نعتقد أن مخالفة الطبيعة في التربية تعني غناءها وما هي إلا ظواهر فإن معظم العادات كما قال روسو التي تعتقد أنك تلقنها الأولاد ليست عادات حقيقية لأنهم أخذوا بها بالعنف وجروا عليها عَلَى غير إرادتهم فهم يتوقعون الفرص لينزعوا ربقتها. وقوله هذا صحيح لا غبار عليه فإن بدريتو الذي أخذ وهو طفل من محيطه المتوحش وربي التربية الأوربية الدقيقة تخلى يوم خلا له الجو ونجا من أيدي مدبريه عن عيش الرفاهية الظريف وراح يعود بين أهله إلى عيش الكسل والعطالة والشقاء التي قادته إليها ميوله الإرثية ولم يعد قط إلى حالته الثانية. وكذلك كان من حال الصيني الذي تزوج من امرأة فرنسوية وأخذه معها إلى بلاده فلما بلغها أخذ ينظر إلى زوجه بأنها غير مساوية له وانقطع عن معاملتها معاملة متمدنة. وبهذا تبين أن التربية ليست غالباً إلا طلاء يزول لأقل عارض. وقد قال الفيلسوف ريبو أيضاً أن الطبيعة لا تعاند وإن للإرث والميول الطبيعية دخلاً كبيراً في التربية. ومن رأي روسو أن العادة لا يمكن إلا أن تكون منطبقة عَلَى الطبيعة.

стр. 3630

وقالت العقيلة نكرسوسور التي ناقضت روسو في نظرياته وجعلت للعادات في التربية الشأن الذي أراد روسو أن يسلخه عنها أن الولد ليس إلا كائناً لدناً رخيصاً قابلاً للتحول مستعداً إلى التطبع بالعادات يتناول ذلك عَلَى أيسر وجه بدون نكير وليس في العادات عائق عادي يخدر قواه بل إن الاتفاق يتم أبداً بين الخلق والعادات وكلما كان الولد فتياً في السن انبعثت عاداته من أخلاقه ومن نفسه. وبالجملة فإنه يحصل للولد ذوق في العادات التي يعتادها فيقع استحسانه عَلَى ما يراه. قالت إنها رأت طفلاً في الشهر التاسع من عمره يبكي بكاءً شديداً ويأبى أن يتناول غذاؤه لأن الفنجان والصحفة الملعقة لم تكن موضوعة في محلها التي جرت العادة أن توضع فيه. فاستدلت بذلك عَلَى أن ذوق النظام كان بذرة في الطفل فالواجب عَلَى المربي أن يربيه ويقويه وهكذا تجد ذوق النظافة والحياة فطرية في الإنسان قالت إنها شاهدة طفلة في الشهر الثامن عشر من سنها تبكي إذا مس أحد مقطف مربيتها في النزهة وقد رأت هذه الطفلة امرأة مجهولة دخلت ذات يوم وسرقت من البيت قفطان والدتها فأخت تصيح صياحاً هائلاً. ومن هذا يستنتج أن العادة ليست في الأصل عارضية دخيلة فينا بل إنها تدخل وتنساب في حياتنا بقدر ما تصادف من الائتلاف وتنبهه فينا من الشعور ويتفق مع إرادتنا وهكذا هي مادة من شخصيتنا ولكن تلك العادات لا يجب أن تخرج عن الطبيعية فلا تتمازج وإياها كما يتمازج قلبان كأنهما تراضعا لبناً واحداً ويتعلق المرء بالعادة مختاراً لا مضطراً فتظل عاداتنا كما كانت في الأصل بهجة وظرفاً لا سلسلة وقيداً ليكون لسان حال كل امرئٍ أن عبوديتي حلوة وعبئي غير ثقيل. نعم يعتاد الأمور وهي محببة إليه ولا يعتادها متكارهاً. ولقد كان القدماء ينظرون إلى التربية بأنها تدريب مدقق شديد أو تجريب عَلَى أسلوب تام ولنهم يشفعون تربية الجسم بتربية الروح فلم يكونوا يكتفون بتربية العضلات بل كانوا يلقنون المربى العبادة واحترام القوة ويرون أن التدريب أو العادة ليس بشيء إذا لم تظهر بأنها ترجمان للروح. قال الكاتب الفرنسوي الذي احتذينا عن مبحث له هذه النبذة: وطريقتنا في التربية هو أن لا ننظر إلى العادة والخلق موجودة بذاتها ومستقلة بنفسها بل أن نعتبرها بأن أحدهما يقوم بصاحبه وهو متمم له.

стр. 3631

إصلاح حوران تمت لسورية أمنيتها التي لطالما نشدتها من إدخال حوران ولاسيما جبل الدروز في الطاعة وإصلاحه إصلاحاً إدارياً ليسعه بعد الآن ما يسع عامة الأقاليم العثمانية. فوفق القائد العام في الحملة عَلَى جبل الدروز سامي باشا الفاروقي الذي انتدبته الدولة لتأديب العصاة بالنظر لمعرفته اللغة العربية ولأنه استعان عَلَى تحقيق رغائبه بقواد من أبناء هذه الديار أو ممن سكنوها زمناً وعرفوا أحوالها وساعد عَلَى ذلك انتظام الجندية في العهد الأخير انتظاماً يغبطنا عليه المحب فقابل الدروز العسكر بإطلاق الرصاص بالقرب من السويداء قاعدة الجبل كما قابلوهم في قنوات والكفر وما والاهما فاستولت الحملة عَلَى تلك البلاد وأحرقت بعضها لما بدا من أهلها من المقاومة ومن سلم للحملة عومل بالرفق والعدل ولما أيقن الدروز بأنهم كانوا عَلَى ضلال في مقاومة الدولة استسلموا كلهم ودخلت بلادهم في الطاعة وعادوا إلى أعمالهم الزراعية فجمعت الحملة أسلحتهم وأحصت نفوسهم وساقت إلى الجندية نحو ألف من شبانهم كما اعتقلت من ثبت كل الثبوت اشتراكه في الفتنة الأخيرة وعصيانه وربما حكمت عَلَى عشرات منهم بأحكام مختلفة بما أقامته في السويداء من الديوان العرفي ولا يعرف بالتحقيق عدد من هلك من الدروز في هذه الوقائع لأن من عادتهم أن ينقلوا جرحاهم وقتلاهم في ساحة النزال مهما كانت النيران متهاطلة عَلَى الرؤوس عَلَى أن الأخبار الرسمية ترجح أنه قتل منهم نحو ألف كما استشهد من الجنود ٥٧ بينهم ضابط وجرح نحو مائة بينهم أربعة ضباط وبلغ عدد الجيش الزاحف نحو عشرين ألف جندي. وقد دعم الإصلاح لواء حوران بهذه الواسطة وخيم الأمن عَلَى تلك الربوع فأحصيت نفوس سكان السهول منه وسكان جبل عجلون كما أحصيت نفوس جبل الدروز ويقال أن من يدخلون الجندية من شبان حوران هذه المرة وكانوا لا يخدمونها من قبل نحو أربعة آلاف جندي وستربح الدولة من هذه الحملة أموراً كثيرة أولها انتشار الأمن في سورية كافة وثانيها زيادة الأعشار والأموال والضرائب من هذا اللواء الخصيب فيزيد دخل هذه الولاية لحكومة فقط زهاء مائتي ألف ليرة مسانهة. سكان الولايات العثمانية الولايات والمتصرفيات بالكيلومتر متر المربع عدد السكان

стр. 3632

المساحة ـ في الروم إيلي ـ ١٦٩. ٣٠٠٦. ١٣٠. ٢٠٠ ولاية الآستانة٣٠٩٠٠١. ٢٠٣. ٠٠٠ متصرفية جتالجة ١. ٩٠٠٦٠. ٠٠٠ ولاية أدرنة٣٨. ٤٠٠١. ٠٢٨. ٢٠٠ = سلانيك٣٥. ٠٠٠١. ١٣٠. ٨٠٠ = مناستر٢٨. ٥٠٠٨٤٩. ٠٠٠ = قوصوه٣٢. ٩٠٠١. ٠٣٨. ١٠٠ = أشقودرة ١٠. ٨٠٠١٩٤. ١٠٠ = يانيه١٧. ٩٠٠٥٢٧. ١٠٠ ـ في آسيا الصغرى ـ ٥٠١. ٤٠٠٩. ٠٨٩. ٢٠٠ ولاية الأرخبيل (بحرسفيد) ٦. ٩٠٠٣٢٢. ٣٠٠ متصرفية أزميت٨. ١٠٠٢٢٢. ٧٠٠ = بيغا٦. ٦٠٠١٢٩. ٥٠٠ ولاية خداوندكار٦٥. ٨٠٠١. ٦٢٦. ٨٠٠ = آيدين ٥٥. ٩٠٠١. ٣٩٦. ٥٠٠ = قونية ١٠٢. ١٠٠١. ٠٦٩. ٠٠٠ = أطنة ٣٩. ٩٠٠٤٢٢. ٤٠٠ ولاية أنقرة ٧٠. ٩٠٠٩٣٢. ٨٠٠ = قسطموني ٥٠. ٧٠٠٩٦١. ٢٠٠ = سيواس ٦٢. ١٠٠١. ٠٥٧. ٥٠٠ = طرابزون ٣٢. ٤٠٠٩٤٨. ٥٠٠ ـ في أرمينة وكردستان ـ ١٨٦. ٥٠٠٢. ٤٧٠. ٩٠٠ ولاية أرضروم٤٩. ٧٠٠٦٤٥. ٧٠٠ = معمورة العزيز٣٢. ٩٠٠٥٧٥. ٢٠٠

стр. 3633

= بتليس ٢٧. ١٠٠٣٩٨. ٧٠٠ = ديار بكر ٣٧. ٥٠٠٤٧١. ٥٠٠ = وان٣٩. ٣٠٠٣٧٩. ٨٠٠ ـ في سورية زما بين النهرين_٦٣٧. ٨٠٠ ٢٨٨. ٦٠٠ ولاية حلب ٨٦. ٦٠٠٩٩٥. ٨٠٠ بيروت١٦٠٠٠٥٣٣٥٠٠ متصرفية لبنان٣١٠٠ ٢٠٠٠٠٠ القدس١٧١٠٠٣٤١٦٠٠ ولاية سورية ٩٥٩٠٠٧١٩٥٠٠ متصرفية الزور٧٨٠٠٠١٠٠٠٠٠ ولاية بغداد ١١١٣٠٠٦١٤٠٠٠ = الموصل ٩١٠٠٠٣٥١٢٠٠ = البصرة ١٣٨٨٠٠٤٣٣٠٠٠ ـ في بلاد العرب ـ٤٤١١٠٠١٠٥٠٠٠٠ ولاية الحجاز ٢٥٠٠٠٠٣٠٠٠٠٠ = اليمن ١٩١١٠٠٧٥٠٠٠٠ ـ إيالة طرابلس الغرب ١٠٥١٠٠٠١٠٠٠٠٠٠ ـ سيسام ٤٦٨ ٥٥٠٠٠ ـ قبرص ٩٦٠٠ ٢١٠٠٠٠ ـ كريت ٨٦١٨ ٣١٠٠٥٦ ـ مصر ٣١١٤٠١١٢٨٧٣٥٩ ـ تونس ١٦٧٤٠٠١٨٣٠٠٠٠ التربية الجديدة لا ينبغي للمدرسة أن تكتفي بالتعليم بل أن تعد رجالاً عاملين للحياة ولذا قامت إنكلترا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا والولايات المتحدة بإنشاء مدارس جديدة تريد أن تتناول

стр. 3634

من التلميذ حياته بأنجعها لا أن تربي عقله فقط تريد أن لا تكون المدرسة دار تعلم بل دار احتذاءٍ تهمها الحياة قبل التعليم. وقد وضع فروبل أعظم باحث بالتربية في العصر الماضي قاعدة من شأنها أن الواجب التعلم مع العمل فالمدارس الجديدة وجدت لتطبق هذا الفكر وتدفعه إلى نتيجته الطبيعية وهي أن الواجب التعلم مع الحياة فيقتضي من ثم للإنسان الكامل الذي يحب أن يعمل عملاً مثمراً ويجد السعادة في علاقاته الشخصية ويصبح وطنياً صالحاً_يقتضي له جسد سليم وذكاءٌ شديد وصفات لازمة له في ضروريات الحياة. وهذه القوة والمقدرة الطبيعية والصفات الأخلاقية لا يتأتى الحصول عليها إلا بالعمل فيجب أن يعيش الولد حياة الصحة الجسدية والجهاد العقلي والأخلاقي حتى إذا دخل في سن الرجولية تكون له قدرة واعتياد عَلَى استخدامها في الغايات الحسنة. وقد كان ينظر حتى الآن إلى المدرسة بأنها جعلت لترقية العقل وأن سائر شؤون الحياة هي في الطفل من عمل الأسرة ولكن أسباب الحياة قد تبدلت في العصر الأخير حتى لم يعد في طاقة الأسرة أن تجهز الطفل بجهاز من الصفات اللازمة في جهاد الحياة فاقتضى من ثم للمدرسة أن تقوم بهذا الواجب فتنشئ عادات صالحة وتعلم الأسباب إليها ولا غنية في تلقين هذه التربية الآن فلا يجد فيها ما يخالف الغرض الذي يرمي إليه بخلاف من يقضي شطراً من حياته الأولى في البيت وقد يكون هذا في الأكثر جارياً عَلَى غير سنة المدرسة في الآداب وهناك فوائد أخرى في التربية المدرسية وهي أنها تساعد الأولاد عَلَى أن يكبروا في الفلاة ويتعاطوا الأعمال المطلوبة منهم ويفهموا فائدتها ويعيشوا في ظل الطبيعة خلال السنين التي تتأثر الروح بالانطباع بطابعها. ومنذ أمد طويل عرفت التربية الطبيعية في أحسن المدارس الإنكليزية مكانة. فإنكلترا هي بلد الرياضات والحياة في الفلاة والبراري ومن هذه المدارس نشأ في الإنكليز حب اللعب في الهواء الطلق فينظم الأولاد لأنفسهم ألعابهم دون أن تتدخل في شؤونهم إدارة المدرسة حتى أصبحت الألعاب والرياضات أهم جزء من التربية في المدارس الثانوية في البلاد التي يتكلم بها باللغة الإنكليزية وفي غيرها أيضاً. وبعد فإن النزهات (الفسح) في الفلاة والحمامات في الهواء الطلق ولعب الرماية والهدف والشغل اليدوي عَلَى اختلاف أنواعه واختيار الغرف المعرضة للتهوية عَلَى الدوام

стр. 3635

واستعمال اللباس الساذج المعقول والطعام اللطيف الصحي ومراعاة قواعد الصحة في استعمال الوظائف الجسدية كل هذا مما يجب أن يعم أمره في المدارس كما تعم الألعاب وهي لازمة لبقاء الصحة ولاسيما لإيجاد عادات راسخة متى زالت سلطة المدرسة عن رأس التلميذ وتلقي في نفس الأولاد حب الحياة السليمة النشيطة فينبغي لنا محيط يسمح بكل ما تقدم عَلَى أن يترك شيءٌ منه للمصادفات فالمدرسة التي لا تضع في قوانينها ما عددناه تخل ولا جرم بواجبها الأول. قال العالم الإنكليزي الذي ننقل كلامه هنا عن مجلة التربية الفرنسوية وليس أحسن ذخيرة عقلية يحملها الفتى من المدرسة هي مجموعة معلومات علمية وإنشاء جميل بل القدرة عَلَى التفكر بنفسه فيكون له إرادة عَلَى الابتكار ويستعد لأن يقوى عَلَى حل المشكلات كلما عرضت. وهذه القوة لا يحصل عليها بالبحث في الكتب بل بأن يعمل الولد الشيء بذاته عَلَى اختلاف ضروبه والواجب أن يتسع خطط المدارس فتكون دروسها منوعة وتولي كفاءة كل امرئ حرية أوسع. فدماغ الولد لا يقوى بالقراءة بقدر ما يقوى بالعمل والدماغ في الأصل لم يبحث عن عادات اليد بل أن اليد علمت العادات للدماغ وهكذا يجب العمل عَلَى تنشئة الطفل ليكون رجلاً فيجب أن يكون لنا في خطط الدروس أعمال يدوية منوعة كثيرة لا لأنها أساس العلوم والفنون التي توصلنا إليها بل لأنها في حد ذاتها أدوات ثمينة في التربية. ففي الأعمال العلمية والأعمال الكتابية ينبغي لنا ميدان نشاط وروس لنكون عَلَى بصيرة من بلوغ القوى والمصالح الحقيقية في الطفل ونكشف استعداده الشخصي. يجب أن لا ننسى أن القيمة الرئيسية في عمل ما ليست بنتائجها المادية بل بطريقة إنتاجها في طريقتها وإن أهم نتيجة وأدومها هي العادة العقلية التي ساعدت عَلَى الإنتاج. يجب للمدرسة والمعمل عمل شخصي وأن يعطى للتلميذ مسائل ليحلها بالاختبار أكثر مما يحلها بالتعقل فتحصيل العلم يجب أن يعتبر بأنه سياحة اكتشاف أكثر مما ينظر إليه بأنه تعلم ما اكتشفه الغير فلا يجب أن يطلب من التلميذ أن يتعلم لينتفع بعد بمعارفه إذا سنحت لها لفرص بل أن يعلم ضرورة العلم بالعمل السريع الذي يرى نفسه مضطرة أن تقوم به. فالتربية الجديدة لا ترمي إلى تنشئة رجال ونساء ذوي كفاءة وقدرة بل تريد إعداد وطنيين صالحين ينتفعون بخصائصهم لا لينالوا منها فوائد خاصة لهم بل ليعاونوا الناس

стр. 3636

ويساعدوهم. يعود الأولاد أن يقدروا أنفسهم بأنفسهم وأن تهيأ لهم أسباب العمل فلا يكفي أن يتعلم ما هو صالح إذا لم تقو الإرادة وتتأصل عادة عمل الخير في المرء بالفعل فقد كان سقراط يقول أن المرء لا يختار عمل الشر من نفسه وبذلك نتج أن معرفة الخير هي ضرورية فقط ونحن نتعلم دروس الحياة كلما عشنا. نلقن الولد أن يعمل ونساعده أن يرى بنفسه ضرورة الوقوف عند حد والاعتراف بقيمة سلوكه. وهذا خير من استعمال الضعف في التلقين ويفرض علينا أن نمتع الولد بحريته لأنه إذا لم ينشأ وهو يختار الخير لا ينمو في الأخلاق نمواً حقيقياً وإذا خالفنا ذلك نصوغ من الطفل أداة مدهشة لا رجلاً عاملاً ولا يتأتى ذلك إلا بتبادل الثقة بين المتعلمين فيخلص الأولاد بعضهم لبعض ويخلص المعلمون في مراعاة حرية من يعلمونهم. سيجب عَلَى الأساتذة أن يقتنعوا كل الاقتناع بأن الأولاد يرون من شمم نفوسهم أن يكونوا أحرياء بالثقة عندما يشاهدون أنه يوثق بهم وأن يدربوا من دون عنف وقسوة ولا ينظر لهم كمن ينظر إلى من يشك في حاله. قال وأرى أننا في حاجة إلى نفوذ المرأة حيثما وجد أولاد وذلك لا في السنين الأولى للطفولية بل في خلال مدة التربية وإذا صح كما نعتقد بأننا لا نستطيع أن نتعلم إلا إذا عشنا فنحن في حاجة في المدرسة إلى جميع العوامل والمؤثرات الرئيسية في الحياة فليس تجديد الحياة المدرسية وقصرها عَلَى جنس واحد إلا عبارة عن خنقها وفلجها منذ بدايتها فتربية البنين مع البنات ضرورية والمدارس التي سرت عَلَى الأسلوب الجديد في التربية تقوم بهذا المطلب من عدة وجوه بحسب حالتها واعتقادها وعاداتها القومية ويترك للتلميذ أن يعتقد ما يشاء من دين آبائه ولا يبحث في الأديان بل يبحث في إعداد رجال على أنه يعلم نفع التدين كما يعلم الأجنبي عنا احترام وطنية الغير لا تقديس وطنيتنا فقط.

стр. 3637

مخطوطات ومطبوعات مباهج الفكر ومناهج العبر وقفت في الصيف الماضي (سنة ١٩٠٩م) عَلَى هذا المخطوط النفيس في المكتبة المارونية بمدينة حلب ويسمى أيضاً (نزهة العيون في أربعة فنون) لمؤلفه جمال الدين أبي عبد الله محمد الكتبي الملقب بالوطواط المتوفى سنة ٧١٨هـ (١٣١٨م) وهو عَلَى شكل دائرة معارف في الطبيعيات والعلوم والجغرافية. متقن الخط مذهب الصفحات في ٥١٨ صفحة مخروم من آخره قليلاً وضعه مؤلفه عَلَى أربعة فنون الأول في العوالم العلوية والثاني في الأرض والثالث في الحيوان والرابع في النبات وكسر كل من الفنون الأربعة عَلَى تسعة موضوعات. والذي يفهم من بعض تعاليق عَلَى الكتاب أن مؤلفه أندلسي الأصل مصري المنشأ. وأن هذه النسخة حصلها من إسبانيا المطران جرمانوس فرحات الحلبي الماروني. وقد رصع مؤلف هذا الكتاب كلامه بنثر بليغ وشعر رشيق ومن منتخبات أشعاره الفلكية قول ابن رشيق القيرواني في ترتيب السيارات: بالذي شرف كي ... وان بحظ من دهائك وأعار المشتري حل ... مك مع حسن اهتدائك وانتضى المريخ سي ... فاً لك يمضي بمضائك والذي ألقى عَلَى الش ... مس رداءً من بهائك وكسا الزهرة أخ ... لاقك مع حسن ثنائك ثم أعطى كاتب الش ... مس نصيباً من ذكائك وأقام القمر ال ... فريد بريداً لارتبائك أنجز الوعد لعبد ... ماله غير رجائك وقول هبة الله بن صاعد بن التلميذ المسيحي يذكر عقوق ولد له: أشكو إلى الله صاحباً شكساً ... تسعفه النفس وهو يسعفها فنحن كالشمس والهلال معاً ... تكسبه نورها ويكسفها وقول آخر في المجرة: وعلى المجرة أنجم نظمت ... مثل الفقار يلوح في الظهر

стр. 3638

هذا حباب فوق صفحتها ... طاف وهذا جدول يجري وقول ابن أبي ظافر المصري من أرجوزة في وصف الشمس: والشمس قد مالت لنحو المغرب ... فموهت لجينه بالذهب وفتحت في ساعة الأصيل ... وردتها في خدها الأسيل وقول هاشم بن إلياس ف وصف الجوزاء: وكأنما جوزاؤه في غربها ... بيضاء سابحة ببركة زئبق وكأنما أومت ثلاث أنامل ... منها تقول إلى ثلاث نلتقي وقول الآخر في اقتران الشمس بالقمر: يقابل الشمس فيه بدر دجى ... يأخذ من نورها ويمتار كصيرفي يروج منتقداً ... في كفه درهم ودينار وهناك وصاف الإنسان كقول ابن الرومي في الترك إذا ثبتوا فسد من حديد ... تظل عيوننا فيهم تحار أسود الحرب أنفسهم كبار ... إذا لوقوا وأعينهم صغار وأوصاف الحيوان كقول بعضهم في الفهد: رقدت قلبي ومقتلي يق ... ظانٌ يحسن الأمور حساً شديدا يحمد النوم في الجواد كما لا ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا وقول أبي محمد اليزيدي في رثاء القنفذ من أبيات: عجبت له من شيهم متحصن ... بنبل من السرد المضاعف يمرق وإنى اهتدى سهم المنية نحوه ... وفي كل عضو منه سهم مفوق ولو كان كف الدهر يستحسن الردى ... لكان بكف الدهر لا يتعلق وقول آخر في وصف الخطاف: أهلاً بخطاف أتانا زائراً ... يذكر عهداً بالزمان الباسم لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام القاتم وقول بعض الحكماء (ابن التلميذ وابن صفية) في النمل: وإذا أنبت المهيمن للن ... مل جناحاً أعدها للتردي

стр. 3639

ولكل امرئ من الناس حد ... وملاك الفتى جواز الحد وأوصاف النبات كقول آخر في البطيخ: ثلاث هن في البطيخ زين ... وفي الإنسان منقصه وذله خشونة لمسه والثقل فيه ... وصغرة لونه من غير عله وقول بعضهم في الثوم: الثوم مثل اللوز إن قشرته ... لولا روائحه وطعم مذاقه كالنذل غرك منظراً فإذا دعي ... لفضيلة ينمى إلى عرقه وأوصاف الجمادات كالأهرام والمباني والبلدان والحوادث كقول أبي سعيد نصر ابن يعقوب يصف زلزلة: اسقني كأساً كلون الذهب ... وامزج الريق بماء العنب فقد ارتجت بنا الأرض ضحى ... كارتجاج الزئبق المنسرب فكأن الأرض في أرجوحة ... وكأنا فوقها في لولب وعلى هوامشه حواش فيها فوائد كثيرة منها ما ينسب إلى السلطان سليمان القانوني لما مر عَلَى وادي حماة وهو في حلب سنة ٩٦١هـ ١٥٥٢ يصف نواعيرها: نواعير في وادي حماة إذا بكت ... تهيج منا بالبكا مدمعاً قاصي فإني عَلَى نفسي لأجدر بالبكا ... إذا كانت الأخشاب تبكي عَلَى العاصي وفيه مباحث تاريخية في وصف العواصم والأجناد والمواقع مثل موقعة دمياط بين المسلمين والصليبيين وكثيراً ما يستشهد بابن الأثير وبالمسيحي وغيرهما من المؤرخين. وفي صفحة ١٨ منه وصف كسرى للفلك ذكره حمزة بن الحسين الأصفهاني في كتاب التشبيهات. وهو عَلَى الجملة من الكتب النادرة الجديرة بالنشر ولمؤلفه كثير من المصنفات تدل عَلَى سعة اطلاعه مثل الدرر الغرر في شعراء الأندلس وغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة وغيرها. عيسى اسكندر معلوف. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول.

стр. 3640

للإمام المجتهد الذي طار صيته في الأقطار القاضي محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥ طبع بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٧ عَلَى نفقة مصطفى أفندي المكاوي. لا حاجة بنا إلى الإسهاب في ترجمة المؤلف_الشوكاني_لسهولة الوقوف عليها في مواضع عدة في مقدمة كتاب نيل الأوطار المطبوع وفي كتاب التاج المكلل لناشر علمه وآثاره الإمام صديق حسن خان وغيرهما. أما آثاره عليه الرحمة فكلها مما يتنافس فيها ويتسابق إليها ومعظمها في القطر اليماني وما نشر منها بالنسبة إلى ما لم ينشر كالقطرة في جانب البحر ولقد كان من حسنات هذه الأيام الاهتمام بطبع كتابه هذا بمصر لما هبط إليها من اليمن فلطالما تشوقت إليه نفوس الفضلاء وتاقت لمراجعته قلوب المحققين لشهرة مؤلفه بتجويد المباحث واستقلال الفكر وقد جمعه أحسن وجميع وهذبه أبلغ تهذيب وتوسع في كثير من المباحث بما يزيد المجتهد قوة في البحث وبصراً في الاستنباط وبصيرة في حصول المأمول، ومما انفرد به عن الكتب المؤلفة في ذلك_عدا عن كثير من نوادره_تحقيقات أتى عَلَى أنها نهاية ما يمكن أن يقال عنها في مباحث الإجماع والاجتهاد والتقليد فقد أورد عشرين بحثاً وخاتمة في الإجماع وتسع مسائل في الاجتهاد وستاً في التقليد، في مطاويها من بدائع التحقيقات ما لم يسبق إليه كما يعرفه من أوزان بينه وما بين الأيادي من أسفار هذا الفن. أما مكانة علم الأصول فأسمى من أن تعرف ويكفي أنه_كما قال المؤلف_عماد فسطاط الاجتهاد وأساه الذي تقوم عليه أركان بنائه وأنه العلم الذي يأوي إليه الأعلام والملجأ الذي يلجأ إليه عند تقرير المسائل وتحرير الدلائل في غالب الأحكام. جمال الدين القاسمي. مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن جردنا من هذه المجلة ما نشره في هذا المبحث الشيخ جمال الدين القاسمي أحد العلماء العاملين في دمشق لتتداوله الأيدي فجاء في ٥٠ صفحة وتطلب منه ومن إدارة المقتبس. ولا حاجة للكلام عليها فالقراء عرفوا دقة أبحاثها ووفرة فوائدها وأدركوا كيف حلت هذه المعضلة القديمة.

стр. 3641

تصحيح أعلام برتقالية تفضل صديقنا أحمد بك زكي في القاهرة فأرجع لنا الأعلام البرتقالية التي ورجت في مقالة جمهورية البرتقال في الجزء السادس من هذه السنة إلى أصلها فقال: ١_ذكرت الكراف تعريباً بقولهم واسمه الغرب عند العرب وهو لا يزال من بقاياهم عَلَى مقاطعة كبيرة في جنوب البرتقال وغربها. ٢_ذكرت سانتارم وصحة اسمها عند العرب شنترين ٣_ذكرت لاس نافادي تولوز وصحة اسمها عند العرب: وقعة العقاب. وكانت بقرب مدينة طلوسه ٤_ذكرت باراكانس وصوابها عند العرب: أبراقنصة. ٥_استعملت لفظة الكاداستر بلفظها الإفرنكي ومقابلها عند العرب في مصر والمغرب الأقصى والأندلس هو كلمة: الروك ونحن كنا نقول في مصر إلى عهد قريب التاريع. والآن نقول المساحة.

стр. 3642

العدد ٥٦ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٠

стр. 3643

رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري (إلى القارئ مخطوطاً من أندر المخطوطات ظفرنا به في خزانة كتب أستاذانا الشيخ طاهر الجزائري كتبه أبو حسن علي بن منصور الحلبي المعروف بالقارح إلى أبي العلاء المعري فأجاب عنها هذا في رسالة خاصة سماها رسالة الغفران طبعت بمصر سنة ١٣٢١_١٩٠٣ في مطبعة هندية. أما ابن القارح وكان يلقب بدوخلة فكان شيخاً من هل الأدب رواية للأخبار حافظاً لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قؤوماً بالنحو وكان ممن خدم أبا علي فارس في داره وهو صبي ثم لازمه وقرأ عليه وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر. قال ابن عبد الرحيم وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خال من الطلاوة وكان آخر عهدي به بتكريت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا وأقام عندنا مدة ثم توجه إلى الموصل فبلغتني وفاته من بعد وكان يذكر أن مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. قال ياقوت وعلي بن منصور هذا يعرف بابن القارح وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران وذكر اسمه فيها). بسم الله الرحمن الرحيم. استفتاحاً باسمه واستنتاجاً ببركته والحمد لله المبتدي بالنعم المنفرد بالقدم الذي جل عن شبه المخلوقين وصفات المحدثين ولي الحسنات المبرأ من السيئات العادل في أفعاله الصادق في أقواله خالق الخلق ومبديه ومبقيه ما شاء ومفنيه وصلواته عَلَى محمد وأبرار مترته وأهليه صلوة ترضيه وتقربه وتدنيه وتزنفه وتخطيه كتابي أطال الله بقائي مولاي الشيخ الجليل ومد مدته وأدام كفايته وسعادته وجعلني فداءه وقدمني قبله عَلَى الصحة والحقيقة وبعد القصد والعقيدة وليس عَلَى مجاز اللفظ ومجرى الكتابة ولا عَلَى تنقص وخلابة وتحبب ومسامحة كما قال بعضهم وقد عاد صديقاً له كيف تجدك جعلني الله فداك وهو يقصد تحبباً ويريد تملقاً ويظن أنه قد أسدى جميلاً يشكره صاحبه أن ينهض واستقل ويكافئه عليه إن أفاق وأيلَّ عن سلامة تمامها بحضور حضرته وعافية نظامها بالتشرف بشريف عزته وميمون نقيبته وطلعته ويسلم الله التكريم تقدست أسماؤه إني لو حننت إليه أدام الله تأييده

стр. 3644

حنين أواله إلى وكرها وذات الفرخ إلى وكرها والحمامة إلى إلفها أو الغزالة إلى خشفها لكان ذلك مما تغيره الليالي والأيام والعصور والأعوام لكنه حنين الظمآن إلى الماء والخائف إلى الأمن والسليم إلى السلامة والغريق إلى النجاة والقلق إلى السكون بل حنين نفسه النفيسة إلى الحمد والمجد فإني رأيت نزاعها إليهما نزاع الإستقسات إلى عناصرها والأركان إلى جواهرها فإن وهب الله لي ملأ من العمر يؤنسني برؤيته ويعلقني بحبل مودته مرت كساري الليل ألقى عصاه وأحمد مسراه وقر عيناً ونعم بالأوكان من لم يمسسه سوء ولم يتخوفه عدو ولا نهكه رواح ولا غدو وعسى الله أن يمن بذلك بيومه أو بثانيه وبه الثقة وأنا أسأل الله عَلَى التداني والنوى والبعاد إمتاعه بالفضل الذي استعلى عَلَى عاتقه وغاربه واستولى عَلَى مشارقه ومغاربه فمن مر عَلَى بحره الهياج ونظر في لألآء بدره الوهاج خليق بأن يكبو قلمه بأنامله وينبو طبعه عن رسائله إلى أن يلقي إليه بالمقاليد أو يستهويه إقليداً من الأقاليد فيكون منسوباً إليه ومحسوباً عليه ونازلاً في شعبه وأحد أصحابه وحزبه وشرارة تياره وقراضة ديناره وسمك بحره وثمد غمره وهيهات ضاق فتر عن مسير ليس التكحل في العينين كالكحل خلقوا أسخياء لا متساخين وليس السخي من يتساخى ولاسيما وأخلاق النفس تلزمها لزوم الألوان للأبدان لا يقدر الأبيض عَلَى السواد ولا الأسود عَلَى البياض ولا الشجاع عَلَى الجبن ولا الجبان عَلَى الشجاعة قال أبو بكر العزرمي: يفر جبان القوم عن أم رأسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه ويرزق معروف الجواد عدوه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه ومن لا يكف الجهل عمن يوده ... فسوف يكف الجهل عمن يواثبه ومن أين للضباب صوب السحاب وللغراب هدى العقاب وكيف وقد أصبح ذكره في مواسم الذكر أذاناً وعلى معالم الشكر لساناً فمن دافع العيان وكابر الأنس والجان واستبد بالأفك والبهتان كان كمن صالب بوقاحته الحجر وحاسن بقباحته القمر وهذي هذر وتعاطى فعقر وكان كمحموم بلسم فعفر ونادى عَلَى نفسه بالنقص في البدو والحضر وكان كمن قال من يعنيه ولا يشك فيه: كناطح صخرة يومأً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وروي أن رسول الله ﷺ وزاده شرفاً لديه قال لعن الله ذا الوجهين لعن الله

стр. 3645

ذا اللسانين لعن الله كل شقار لعن الله كل قتات. وردت حلب ظاهرة حماها الله تعإلى وحرسها بعد أن منيت بربضها بالدرخمين وأم حبركري والفتكرين بل رميت بآبدة ألاباد والداهية النآد فلما دخلتها وبعد لم تستقر بي الجار وقد نكرتها لفقدان معرفة وأنشدتها باكياً: إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها ... فقدت حبيباً والبلاد كما هي كان ابو القطران المرار بن سعيد الفقعسي يهوى ابنه عمه بنجد واسمها وحشية فهتداها رجل شامي إلى بلده فغمه بعدها وساءه فراقها فقال من قصيدة: إذا تركت وحشية النجد لم يكن ... لعيني مما تبكيان طبيبا رأى نظرة منها فلم يملك البكا ... معاوز يربو تحتهن كثيب وكانت رياح الشام تكره مرة ... فقد جعلت تلك الرياح تطيب فحصلت من الرباح عَلَى الرياح كما حصل لابن قطران من حشية ثم وثم وثم وثم أجري ذكره أدام الله تاييده من غير سبب جره وغير مقتض اقتضاه فقال الشيخ بالنحو أعلم من سيبويه وباللغة والعروضمن الخليل فقلت والمجلس بأزز بلغني أنه أدام الله تأييده يصغر كبيره وينزر صغيره فيصير تصغيره تكبيراً وتحقيره تكثيراً وهكذا شاهدت ما شاهدت من العلماء ﵏ أجمعين وجعله وارث أطول أعمارهم وأمدها وأنضرها وأرغدها وما ثم له حلجة دعت إلى هذا قد تفتح النور وتوضح النور وإرضاء الصبح لدى عينين أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرة نصر الدولة أدام الله حراسته كتب رسالة إليَّ أعطانيها ورسالة إليه أدام الله تأييده استودعنيها وسألني إيصالها إلى جليل حضرته وأكون نافثها لا باعثها ومعجلها لا مؤجلها فسرق عديلي رحلاً لي الرسالة فيه فكتبت هذه الرسالة أشكو أموري وأبث شقوري وأطلعه طلع عجري وبجري وما لقيت في سفري من أقيوام يدعون العلم والأدب والأدب أدب النفس لا أدب الدرس وهم إصغار منها جميعاً ولهم تصحيفات كنت إذا رددتها عليهم نسبوا التصحيف إلي وصاروا إلباً علي لقيت ابا الفرج الزهرجي بآمد ومعه خزانة كتبه فعرضها علي فقلت كتبك هذه يهودية قد برئت من الشريعة الحنيفية فأظهر من ذلك إعظاماً وإنكاراً فقلت له أنت عَلَى المجرب ومثلي لا يهرف ما لا يعرف وأبلغ تيقن فقرأ هو وولده وقال صغر الخبرِ الخبر وكتب إلي رسالة يقرظني فيها بطبع له كريم وخلق غير ذميم قال المتنبي: لأذم إلى هذا الزمان أهليه صغرهم تصغير تحقير غير
следующие страницы →