Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
فلسطين إلى بادية الشام شرقاً فالجوف فنجد وهذه المسافة لا تقل عن خمسة أيام وهي تبلغ أكثر إذا تجاوزنا البادية إلى وادي السرحان في الشرق.
وأرضه سهلية جبلية وجباله لا ترتفع كثيرا عن سطح البحر وتدعى بأسماء البلاد التي بقربها الآن وأشهر أنهار اللواء وادي الزرقاء ينبع من رأس عمان قال ياقوت: الزرقاء موضع بالشام بناحية عمان وهو نهر عظيم في شعار ودحال كثيرة وهي أرض شبيب التبعي الحميري وفيه سباع كثيرة مذكورة بالضراوة وهو نهر يصب في الغور. ووادي الصلت وهو ينبجس من قصبة الصلت ووادي السير ينبعث من قرية وادي السير ووادي حسبان ينبض من محل اسمه حسبان ونهر زرقا معين ووادي الوالا ينبع بالقرب من أم الرصاص وينضم إليه وادي الموجب وهذا الوادي يتألف من اللجون الواقع في منتصف الطريق بين القطرانة والكرك وجميع هذه الأودية أو الأنهار تصب في نهر الأردن أو الشريعة ومن أنهار هذه البلاد وادي الكرك ينبع في قصبة الكرك ويصب في بحيرة لوط ووادي الحسا تجتمع إليه مياه الشراة ومياه وادي موسى وينابيع شتى فيصب في بحيرة لوط. وهذه الأنهار تفيض كعادة معظم الأنهار شتاءً بما ينهال إليها من السيول وتجف قليلا في الصيف. ومن الأنهار مالا يجري إلا في الشتاء مثل نهر الثمد ولا ينتفع بهذه المياه في السقيا حتى إن نهر الزرقاء الذي يعد من الأنهار المتوسطة لا يسقي أكثر الأراضي التي حفافيه بل هي تشرب بماء المطر وكذلك حال أراضي البلاد كلها ماخلا بعض الحدائق القليلة في وادي موسى والصلت.
ووادي الموجب ووادي الحسا من أعمق أودية سورية قد ينزل الراكب من ذروتهما إلى قرارتهما في ساعة ونصف ويصعد إليهما في أكثر من ذلك.
وفي هذا اللواء مناجم كثيرة فبالقرب من زرقا معين على ساعتين من مادبا جبال ملونة ففيها جبل أصفر وآخر أحمر وبالقرب من بحيرة لوط وحمة عفرة من أعمال الطفيلة معادن الكبريت والقصدير والبترول والنحاس. وزرقا معين هذه من الحمامات البخارية أشبه بحمام أبي رباح بالقرب من تدمر. وهي ثلاث حمامات يستحم المستحمون ببخارها ولا يجسر أحد أن يمد يده إليها.
ويقصدها سياح الإفرنج كما يقصدون حمة عفرة من بحيرة لوط حتى إذا بلغوا شاطئها
стр. 3817
يركبون على الدواب ثلاث ساعات.
وتقل الحراج في هذا اللواء وأهمها ما كان بالقرب من بلدة الصلت وفي أرض بني حميدة وهي تبعد عن قصبة الكرك خمس ساعات ويمتد هذا الحرج من الزرقاء قرب معين إلى وادي بني حماد وطوله نحو عشر ساعات وفي قضاء الطفيلة حراج واسعة يمشي الإنسان بظل لزابها وسنديانها طويلاً ولاسيما فيس جنوبه قرب قرية ضانا.
وأكثر الأشجار المثمرة في اللواء التين والعنبي والزيتون وأكثره في الصلت والطفيلة والكرك والعراق وخنزيرة. وأهم الحبوب التي يستنبطونها الحنطة والشعير والذرة والعدس والحمص يصدرونها إلى فلسطين وإلى دمشق وتباع بعشرات الألوف من الليرات وقبل أن تخترق السكة الحجازية هذا اللواء كانت صادرات بلاد الكرك تباع في فلسطين أو تبقى في أراضيها لبعد المسافة بينها وبين دمشق وأقربها لا يقل عن خمسة أيام على الجمال.
ومعظم سكان هذا اللواء بادية رحالة ولا تجد ساكنين في لبيوت إلا في الكرك والصلت والشوبك ومعان والطفيلة وعيمة وصتفحة وبصيرة وضانا وخنزيرة والعراق وكثرربة ومادبا وأم الرمان وعمان والفحيص ووادي السير وناعور وعين صويلح ورصيفة وياجوز وعيون الحمر ويادودة ولبن وأم العمد وزيزاء.
ويخمن الناس نفوس الأهالي بمئة وخمسين ألفاً نحو خمسهم حضر والباقي بادية ينزلون في بيوت شعر عشائر وقبائل وأفخاذاً ولكل عشيرة موقع خربة يتخذون من الآبار أنابير يخزنون فيها حبوبهم وهم ينتجعون الكلأ. وفي قضاء اللواء أي الكرك ثلاثون ألف ساكن منهم أربعمائة بيت مسيحيون والباقي مسلمون وفي قصبة الصلت عشرة آلاف منهم ألفان من المسيحيين وليس بين العرب الرحالة أناس من المسيحيين وأهل مادبا كلهم مسيحيون.
قال القرماني في (معان) أنها مدينة صغيرة تقع على طريق الركب الشامي وهي على عشر مراحل من دمشق كان غالب ألها نصارى.
والآن ليس فيها أحد منهم ولقد نظمت الحكومة إدارة هذه البلاد سنة ١٣١٠ على الحساب الهجري وكانت حكومتها من قبل بيد المشايخ والزعماء فجعلت الكرك مركز اللواء وسمت سائر اللواء باسمه وقسمته إلى أربعة أقضية وهي قضاء المركز وقضاء الصلت وقضاء الطفيلة وقضاء معان وإلى سبع نواح وهي عمان وديبان ومادبا وزيزاء (جيزة) وتبوك
стр. 3818
وخنزيرة والشوبك.
وديبان هي شمالي ضفة أرنون (الموجب) على نحو ٤ أميال من مصبه في بحيرة لوط و١٦ ميلا شمالي الكرك وهي المعروفة في الكتب المقدسة باسم ديبون وأديمون وكانت إحدى منازل بني إسرائيل واشتهرت ديبان بالحجر الموآبي الذي وجد فيها سنة ١٨٦٨ وهو حجر أسود طوله أكثر من ثلاثة أقدام عرضه نحو قدمين وسمكه نحو قدم وفيه ٣٤ سطراً من الكتابة الفينيقية العبرانية قرئت كلها وهي من ميشع بن خموسا ملك موآب ملخصها أنه بنى هذا المقدس لكموش لأنه خلصه معتد وجعله ينظر بازدراء إلى أعدائه كلهم قال قد ضايق ملك إسرائيل موآب أياماً عديدة. ملك أرض ميدبا وسكن هناك هو وابنه ٤٠ سنة اهلكه كموش على عهدي حينئذ بنيت بعل معون ورممت قريتايم.
بنى ملك إسرائيل عطاروت فهاجمت المدينة وأخذتها وقتلت كل سكانها قال لي كموش اذهب خذ كموش من إسرائيل فذهبت وحاربتها من الفجر إلى نصف النهار فأخذتها وقتلت سبعة آلاف رجل وجررت آنية يهوه على الأرض أمام كموش وأقام ملك إسرائيل مدة حربه معي في ياهط فطرده كموش من أمامي. أنا هو الذي بنى عر وعير (عراعر) وعمل طريق أرنون أنا هو الذي بنى بيت باموت التي أُخربت أنا هو الذي بنى نبوسوروديبون وبيت دبلتايم وبيت بعل معون وقال لي انزل وحارب حور ونايم وخذها أه.
أما مدينة ميدبا ويقال لها الآن مادبا فقد تعاقبت عليها بنو إسرائيل وموآب وعمون مراراً وهي على مسافة ٦ أميال من حشبون بين الشرق والجنوب الشرقي و١٤ ميلا شرقي بحر لوط وكانت في القرون الأولى مركزا مهما للدين المسيحي ومن آثارها الآن كنيسة قديمة قيل هي من القرن الخامس وقد وجدت بها سنة ١٨٩٧ خارطة الأرض المقدسة مرسومة بالفسيفساء رسماً متقناً يظهر فيه نهر الأردن وكثير من المدن الرئيسية وكانت مادبا في الأصل مدينة ويؤخذ من الكتابة التي أُثرت من الملك ميزا من القرن الحادي عشر ق م أنها أعيدت إلى الموآبيين لتصير بعد ذلك تحت حكم النبطيين أي العرب وكانت على عهد المكابيين قلعة مهمة استولى عليها هيركان وأصبحت على عهد الرومان جزءا من العربية الصخرية. والخارطة تنزل في خريطة الروم هناك.
وعمان كما قال القرماني مدينة قديمة خربت قبل الإسلام ولها ذكر في تاريخ الإسرائيليين
стр. 3819
وهي رسم كبير ويمر بجنبها نهر الزرقاء الذي على طريق الحاج الشامي وهي من أعمال البلقاء وهي من بناء لوط.
وأخصب أرض في هذا اللواء هي أرض البلقاء وهي واقعة بين الأردن والبرية ووادي الموجب والزرقاء وتمتد من الصلت إلى مادبا على مسيرة تسع ساعات وهي تزرع في الجملة قال القرماني: البلقاء كورة بين الشام ووادي القرى بها قرية الجبارين ومدينة الشراة وبها الرقيم المذكور في القرآن فيما زعم بعضهم وفيها مدن عظيمة وقرى كثيرة إلا أنها دثرت وخربت فليس فيها ديار ولا نافخ نار. والقرماني كتب في القرن الحادي عشر وأرض الصلت وهي عبارة عن مركزه وناحيتي عمان ومادبا هي كما قال القرماني بلدة هي من أعمال الأردن بها قلعة يسكنها من يحفظها من قبل ملوك العثمانية وينبع من تحت قلعتها عيون كثيرة وتدخل البلد وبها بساتين كثيرة يجلب منها حب الرمان إلى البلاد. ومن أراضي اللواء البائرة الجيدة التربة الشاغرة أرض الشراة المشهورة قديماً وهي تمتد من حصن الشوبك إلى وادي موسى وفيها كلها مياه غزيرة وهي ذات تربة حسنة وكلها خراب اليوم. والشوبك على ١٩ ساعة عن الكرك كما أن وادي موسى على ٢٥ ساعة عن الكرك.
ولهذه البلاد تاريخ مجيد قبل الإسلام وبعده ويكفي أن من أعمالها وادي موسى_على ٦٤ ميلا من جنوبي الكرك و٥٤ ميلا عن الجنوب الشرقي من بحيرة لوط_المعروف عند الإفرنج ببترا أي العربية الصخرية أو سلع ومن أعمالها بلاد مآب (موآب) المشهورة في تاريخ النصرانية والظاهر أن سلع هي غير بترا وليست مرادفة لها ولا يعرف اليوم اسم بترا الأصليّ ولا تاريخها كما ينبغي ويظهر من النواويس القديمة فيها أن تاريخها يرد إلى القرن السادس ق. م ولم يجر ذكر للنبطيين أي العرب الذين استولوا على البلاد بعد الأدوميين إلا في سنة ٣١٢ ق. م أي أيام أرسل الملك أنتيغونس قائده أتني ثم جاء القائد ديمتربوس ليستولي على بترا عاصمة البلاد فأخفق القائدان في فتحها وكانت المدينة في الغالب صغيرة وهي حيث وجدت النواويس القديمة ومعظمها على أكمة هناك لا تمتد إلى الوادي.
حازت هذه المدينة مكانة كبرى لحصانتها ومناعتها أمام غارات سكان البادية فكانت مخزن القوافل النبطية لوقوعها على طريق على طريق البحر الأحمر أي القلزم ومصر وغزة
стр. 3820
ودمشق وتدمر.
وأول أمير نبطي ذكره التاريخ اسمه ارتياس الأول. وامتد سلطان النبط على عهد المكابيين الأولين إلى شرقي الأردن ولما ضعفت دولة البلاطة والسلوقيين عاد النبط فقوي سلطانهم بسرعة في القرن الثاني قبل الميلاد. وكانت حدود هذه الملكة على عهد ارتياس الثالث نحو سنة ٨٥ تمتد إلى دمشق ولقب ملكها إذ ذاك عجب اليونان ويستدل على أن المدينة اليونانية كانت قد استحكمت أواصرها في أرض النبط من المصانع والنواويس التي عثرت عليها وهي تنم بأجلى بيان عن مدينة يونان وفي أيام هذا الملك حدث المصاف الأول بينه وبين الرومان فاضطر أرتياس أن يؤدي الجزية إليهم. واضطر النبطيون على عهد الإمبراطور بومبي وأخلافه أن يقدموا منهم الحين بعد الآخر جنوداً مساعدين للرومانيين ولكن ظلت مملكتهم حرة قوية وانضمت على عهد أرتياس الرابع إلى مملكة دمشق. وفي سنة ١٠٦ للميلاد جعلت بترا وأعمالها كلها أي العربية الصخرية ولاية رومانية وقد أنشأ الإمبراطور تراجان طريقا عظيما وصل فيه بين سورية والبحر الأحمر. وبعد ذلك انقسمت هذه الولاية.
وفي نحو ٣٥٨ اصبحت بترا ولاية مستقلة برأسها تحت اسم مملكة فلسطين أو فلسطين المسالمة. وإن المصانع والعاديات الرومانية التي لم تبرح محفوظة إلى اليوم لتدل بأن بترا كانت على عهد الحكم الروماني قد بلغت شوطا عاليا من العظمة والارتقاء ولم تبدأ بالسقوط عن مكانتها إلا في نحو منتصف القرن الثالث للمسيح لارتقاء مملكة فارس ومملكة تدمر اللتين نازعتاها في التجارة بل لان الفرس وفقوا إلى تحويل التجارة عن مصارفها القديمة إلى أصقاع الفرات والخليج الفارسي.
ولما فتح العرب هذه البلاد كان قد محي اسم بترا أو كاد. وزعم الصليبيون لما جاؤوا سورية فاتحين أن جبل هارون على مقربة من بترا هو جبل طورسينا فأنشأوا فيها قصرا فخما في ذروته المقدسة ومنذ ذال العهد سقطت المدينة في تيه العدم إلى أن كان القرن التاسع عشر وقد اكتشف سياح الإفرنج ما فيها من العاديات وفيها ٧٥٠ ناووسا مهما وهي أهم تلك المصانع ومن العاديات هنا ما يعد من أغرب ما صنع خزانة فرعون وهي هيكل علوّه ٨٥ قدماً وأسفله دار مربعة قطرها ٣٦ قدم وعلوها ٢٥.
стр. 3821
وقال مؤرخو الفرنجة أن معنى سلع في اللغة العبرانية صخر فدعا اليونان والرومان هذه البلاد بترا أي صخراً ودعاها العرب الحجر وقالوا أنها مدينة ثمود وأن الفرجة الصخرية الواقعة فيها المدينة هي صدع الصخرة الذي خرجت منه ناقة صالح. والحقيقة أن سلع بفتح السين وكسرها والجمع السلوع اسم عربي ومعناه الشقوق في الجبال قال أبو زياد الأسلاع طرق في الجبال يسمى الواحد منها سلعاً وهو أن يصعد الإنسان فقي الشعب وهو بين الجبلين يبلغ أعلى الوادي ثم يمضي فيسند في الجبل حتى يطلع فيشرف على واد آخر يفصل بينهما هذا المسند الذي سند فيه ثم ينحدر حينئذٍ في الوادي الآخر حتى يخرج من الجبل منحدرا في فضاء الأرض فذاك الرأس الذي أشرف من الواديين السلع ولا يعلوه إلا راجل.
قال ياقوت: وسلع حصن بوادي موسى بقرب بيت المقدس وبهذا لا يصح أن يطلع سلع على وادي موسى بأجمعه كما توهمك بعضهم. والحجر كما قال ياقوت. اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام قال الاصطخري: الحجر قرية صغيرة قليلة السكان وهو بوادي القرى على يوم بين جبال وبها كانت منازل ثمود. قال تعالى (وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين) قال ورأيتها بيوتاً مثل بيوتنا في أضعاف جبال وتسمى تلك الجبال الأثالث وهي جبال إذا رآها الرائي ظنها متصلة فإذا توسطها رآها كل قطعة منها منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف وحواليها الرمل لا يكاد يرتقي كل قطعة منها قائمة بنفسها لا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة وبها بئر ثمود التي قال الله فيها وفي الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم قال جميل:
أقول لداعي الحب والحجر بيننا ... ووادي القرى لبيك لما دعانيا
فما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلواً ولا أطول اجتماع تقاليا
أما بلاد موآب أو مآب فهي جزء من العربية السعيدة أو الصخرية بين بحيرة لوط فيما وراء عبر الأردن والبادية على ضفتي نهر أرنون وكانت عاصمة الموآبيين قلعة رباط موآب. والموآبيين هم أبناء لوط لا يعلم من تاريخهم إلا أنهم كانوا أولي بأس شديد يخاف اليهود عاديتهم لغزوهم إياهم الحين بعد الآخر واستولى الموآبيون على الإسرائيليين ثماني عشرة سنة (١٣٣٢ ــ ١٣١٤) على عهد حكومة القضاة وقد غلب شارول (جالوت)
стр. 3822
الموآبيين وخضعوا لسلطان داود مؤقتاً ثم استعبدهم الفرس فالمصريون فالسوريون فالاسكندر فالرومانيون وعلى عهد العرب امتزجوا بهم وفنوا فيهم كما فنيت شعوب كثيرة في الفاتحين مع الزمن وآثروا الانضمام إليهم بسائق الدين والمصلحة الدنيوية. أما مدينة الكرك فكانت هي عاصمة الموآبيين على ما يقول بعض الجغرافيين وكان اسمها كرك موآب.
وكان مقام الموآبيين جنوبي أرنون وامتدوا جنوبا إلى أدوم وهم من نسل لوط اتحدوا على إخوتهم بني عمون وطردوا الرفائيين وسكنوا مكانهم حاربهم شاول وانتصر بهم بحسب رواية التوراة وعند ملك موآب أودع داود ولديه من وجه شاول وقيل أن ملك موآب قتلهما فقتل داود منهم ثلاثين ألفا ووضع الباقين تحت الجزية وقد ساعدوا بخننصر في حصار أورشليم واسترجعوا بعد السبي أملاكهم القديمة.
وعدّ ياقوت بلاد مآب مدينة واحدة فقال وهي على طرف الشام من نواحي البلقاء قال أحمد بن محمد بن جابر توّجه أبو عبيدة بن الجراح في خلافة أبي بكر في سنة ١٣ بعد فتح بصرى بالشام إلى مآب من أرض البلقاء وبها جمع العدد فافتتحها على مثل صلح بصرى وقيل أن فتح مآب قبل فتح بصرى وينسب إليها الخمر قال حاتم طي:
سقى الله رب الناس سحاً وديمة ... جنوب الشراة من مآب إلى زغر
بلاد امريء لا يعرف الذم بيته ... له المشرب الصافي ولا يعرف الكدر
وقال عبد الله بن رواحة الأنصاريّ:
فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
ولم يقل ياقوت أن الكرك عاصمة بلاد مآب بل قال أنها قلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة وبحر القلزم والبيت المقدس وهي على سن جبل عال تحيط به أودية إلا من جهة الربض.
وفي المرآة الوضية وإلى جنوبي نهر الزرقاء إلى نهر الموجب البلقاء وشماليها جبل الصلت وليس فيهما موضع مسكون إلا قرية الصلت ومن مواضعها القديمة جلعاد وعمون وهي الآن عمان وحشبون وهي الآن حسبان والعال ونبا وماعين وعراعر وديبان وفي جنوب هذه المقاطعة كانت قديما أرض بني عمون وإلى جنوبي النهر الموجب وهو نهر
стр. 3823
أرنون أيضا وإلى الإحساء أرض الكرك وهي أرض موآب أو أرض قوم لوط ومن قراها الكرك وهي كير موآب وربة هي رابة موآب وزعراء ويقال أنها صاغر التي هرب إليها لوط لما نجا من سادوم.
وقال ياقوت أن البلقاء كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى قصبتها عمان وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة وبجودة حنطتها يضرب المثل ومن البلقاء قرية الجبارين التي أرادها الله تعالى بقوله: إن فيها قوما جبارين والبلقاء مدينة الشراة شراة الشام وهي أرض معروفة ونبس إليها عدد من الرواة والنسبة إليها بلقاوي. وقال أن الشراة صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول ﷺ ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان ونبس إليها بعض الشراة والنسبة إليها شروي.
وذكر ياقوت أيضا أن عمان بلد في طرف الشام وكانت قصبة أرض البلقاء وروى عن أبي عبد الله محمد بن أحمد البشاري عمان على سيف البادية ذات قرى ومزارع ورستاقها البلقاء وهي معدن الحبوب والأنعام بها عدة أنهار وأرحية يديرها الماء ولها جامع ظريف في طرف السوق مسقف الصحن شبيه مكة وقصر جالوت على جبل يطل عليها وبها قبر أورياء النبي ﵇ وعليه مسجد وملعب سليمان بن داود ﵇ وهي رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه غير أن أهلها جهال والطريق إليها صعبة قال الأحوض بن محمد الأنصاري:
أقول بعمان وهل طربي به ... إلى أهل سلع أن تشوقت نافع
أصاح ألم يحزنك ريح مريضة ... وبرق تلالا بالعقيقين لامع
وأن غريب الدار مما يشوقه ... نسيم الرياح والبروق اللوامع
وكيف اشتياق المرء يبكي صبابة ... إلى من نأى عن داره وهو طامع
وقد كنت أخشى والنوى مطمئنة ... بنا وبكم من علم ما الله صانع
أريد لأنسى ذكرها فيشوقني ... رفاق إلى أرض الحجاز رواجع
وقال الخطيم العكلي اللص يذكر عمان (بفتح العين)
أعوذ بربي أن أرى الشام بعدها ... وعمان ما غنى الحمام وغرد
стр. 3824
فذاك الذي استنكرت يا أم مالك ... فأصبحت منه شاحب اللون أسودا
وأن لماضي العزم لو تعلمينه ... وركاب أهوال يخاف بها الردى
ونسب إليها بعض الرواة والنسبة عماني.
هذا ما قاله صاحب معجم البلدان وفي كلامه على بلاد مآب والبلقان وأي المدائن كانت عاصمة تلك الكورة كلام لا يمكن للمرء أن يجزم بأن البلدة الفلانية كانت قاعدة البلاد والغالب أن الحكومة الإسلامية كانت تنتقل في هذه المدن فتارة في عمان وأخرى في الكرك والمفهوم من النصوص الآنفة الذكر أن تلك البلاد كانت قبيل الإسلام وبعده بقرون عامرة بالسكان وفيها قرى ومزارع كثيرة.
وتاريخ هذه البلاد مبعثر جدا قبل الإسلام وبعده وليس لدينا من النصوص التي من الممكن أن يستأنس بها إلا ما رواه ياقوت في معجمه من أسماء قرى كانت في وادي موسى وموآب والبلقاء قال: (مؤتة) قرية من قرى البلقاء في حدود الشام وقيل موتة من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية من السيوف قال ابن السكيت في تفسير قول كثير
إذا الناس ساموكم من الأمر خطة ... لها خطة فيها السهام الممثل
أبى الله للشم الأنوف كأنهم ... صوارم يجولها بمؤتة صيقل
قال المهلبي مآب وإذرح مدينتنا الشراة على اثني عشر ميلا من إذرح ضيعة تعرف بمؤتة بها قبر جعفر بن أبي طالب بعث النبي ﷺ إليها جيشاً في سنة ثمان وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه وقال أن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب الأمير وأن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فساروا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدوّ وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها موتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقاتل زيد حتى قتل فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل فأخذ الراية عبد الله بن روحة فكانت تلك حاله فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى قدم المدينة فجعل الصبيان يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال النبي ﷺ : ليسوا بفرار لكنهم الكرار إن شاء الله وقال حسان بن ثابت:
стр. 3825
فلا يعدن الله قتلى تتابعوا ... بموته منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله هم خير عصبة ... تواصوا وأسباب المنية تنظر
وقال: (الموجب) بلد بالشام بين المقدس والبلقاء
وقال: في (أبنى) بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى موضع الشام من جهة البلقاء جاء ذكره في قول النبي ﷺ لأسامة بن زيد حيث أمره بالمسير إلى الشام وشهر الغارة على أبنى وفي كتاب نصر أبنى قرية بمؤتة.
وقال: (اذرح) أهم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. وبين اذرح والجرباء ثلاثة أيام وقيل ميل واحد (والثاني أصحّ) وأقل لأن الواقف في هذه ينظر هذه (والجرباء) موضع من أعمال معان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبل الشراة من ناحية الحجاز وهي قرية من اذرح وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري.
وقال: (زيزاء) من قرى البلقاء كبيرة يطوءها الحاج ويقام بها لهم سوق وفيها بركة عظيمة واصلة في اللغة المكان المرتفع ولذلك قال ذو الرمة:
تحدر عن زيزائه القف وارتقى ... عن الرمل وانقادت إليه الموارد
وقال مليح:
تذكرت ليلى يوم أصبحت قافلا ... بزيزاء والذكرى تشوق وتشغف
غداة ترد الدمع عين مريضة ... بليلى وتارات تفيض وتذرف
ومن دون ذكراها التي مطرت لنا ... بشرقي عمان الشرى والمعرف
وأعملت من طود الحجاز جنوده ... إلى الغور ما اجتاز الفقير ولفلف
وقال: (السواد) نواحي قرب البلقاء وسميت بذلك لسواد حجارتها فيما احسب
وقال: (شتار) نقب شتار بكسر الشين نقب من جبل من جبال الشراة بين أرض البلقاء والمدينة على شرقي طريق الحاج يفضي إلى أرض واسعة معشبة يشرف عليها جبال فاران وهي في قبلي الكرك.
وقال: (صرفة) قرية من نواحي مآب قرب البلقاء يقال بها فبر يوشع بن نون.
وقال: (الصمان) من نواحي الشام بظاهر البلقاء قال حسان بن ثابت:
стр. 3826
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين شاطي اليرموك فالصمان
فالقريات من بلاس فدا ... ريا فسكاء فالقصور الدواني
وقال: (علعال) جبل بالشام مشرف على البثينة بين الغور وجبال الشراة.
وقال: (طفيل) تصغير طفل وادي طفيل بين تهامة واليمن عن نصر وبوادي موسى قرب البيت المقدس قلعة يقال لها طفيل عرندل قرية من أرض الشراة من الشام فتحت في أيام عمر بن الخطاب بعد اليرموك.
وقال: (جادية) قرية من عمل البلقاء من أرض الشام عن أبي سعيد الضرير وإليها ينسب الجادي وهو الزعفران قال: ويشرق جادي بهن مديف. أي مدوف.
وقال: (جبال) من قرى وادي موسى من جبال الشراة قرب الكرك بالشام منها يوسف بن إبراهيم بن مرزوق بن حمدان أبو يعقوب الصهيبي الحبالي والحافظ أبو القاسم.
وقال: (الرّبة) بلفظ واحدة الرباب عين الربة قرية في طرف الغور بين أرض الأردن والبلقاء.
وقال: (زغر) قرية بمشارف الشام وإياها عنى أبو دؤاد الايادي حيث قال:
ككتابة الزغري زي ... نها من الذهب الدلامص
قال وقيل زغر سام بنت لوط ﵇ نزلت بهذه القرية فسميت باسمها وقال حاتم الطائيّ:
سقى الله رب الناس سحا وديمة ... جنوب الشراة من مآب إلى زغر
بلاد امرئ لا يعرف الذم بيته ... له المشرب الصافي ولا يطعم الكدر
وقال: (المشارف) جمع مشرف قرى قرب حوران منها بصرى من الشام ثم من دمشق إليها تنسب السيوف المشرفية رد إلى واحده ثم نسب إليه. وفي مغازي ابن إسحاق في حديث موته ثم مضى الناس حتى إذا كانوا في تخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف.
وقال: (معان) بالفتح وآخره نون والمحدثون يقولون بالضم وإياه عنى أهل اللغة منهم الحسن بن علي بن عيسى أبو عبيد المعني الأزدي المعاني من أهل معان البلقاء والمعان المنزل يقال الكوفة معاني أي منزلي قال الأزهري: وميمه ميم مفعل وهي مدينة في طرف
стр. 3827
بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء وكان النبي ﷺ بعث جيشاً إلى موتة فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فساروا حتى بلغوا معان فأقاموا بها وأرادوا أن يكتبوا إلى النبي ﷺ عمن تجمع من الجيوش وقيل قد اجتمع من الروم والعرب نحو مائتي ألف فنهاهم عبد الله بن رواحة وقال إنما هي الشهادة أو الظعن ثم قال:
جلبنا الخيل من أجاءٍ وفرع ... تغر من الحشيش لها العكوم
حذوناهم من الصوان سبتاً ... أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين من معان ... فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مومسات ... تنفس من مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيها ... إذا برزت قوانسها النجوم
وروى يا قوت عن أبي محمد الأعرابي في قول الزاجر:
يا عمرو قارب بينها تقرب ... وارفع لها صوت قوي صلب
واعص عليها بالقطيع تغضب ... ألا ترى ما حال دون المقرب
من نعف فلا فدباب المعتب
قال_فلا_من دون الشام والمعتب واد من مآب بالشام ومآب كورة من كور الشام ودباب ثنايا يأخذها الطريق.
وقال: (تنهج) اسم قرية فيها حصن من مشارف البلقاء من أرض دمشق سكنها شاعر يقال له خالد بن عباد ويعرف بابن أبي سفيان ذكره الحافظ أبو القاسم.
وقال: (التيه) الموضع الذي صل فيه موسى بن عمران ﵇ وقومه وهي أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال الشراة من ارض الشام يقال أنها أربعون فرسخاً في مثلها وقيل اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ وإياه أراد المتنبي بقوله:
ضربت بها التيه ضرب القما ... ر أما لهذا وإما لذا
وقال: (الحميمة) بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في أطراف الشام كان منزل بني
стр. 3828
العباس.
وقال: (نقنس) بكسر أوله وثانيه ونونه مشددة من قرى البلقاء من أرض الشام كانت لأبي سفيان بن حرب أيام كان يتجر إلى الشام ثم كانت لولده وبعده.
وقال: (النقيب) بالضم وهو تصغير نقب وهو معروف موضع في بلادهم بالشام بين تبوك ومعان على طريق حاج الشام.
وقال: (وسادة) موضع في طريق المدينة من الشام آخر جبال حوران ما بين يرفع وقراقر.
وقال: (الوعيرة) كأنه تصغير الوعرة حصن من جبال الشراة قرب وادي موسى. هذا ما تيسر تلقفه من معجم البلدان وليس من أسماء هذه البلاد شيءٌ يعرف الآن فيما نحسب إلا قرية أو قريتان مثل عمان ومعان وما عدا ذلك فقد دثر وأصبح خراباً يباباً تدل آثاره عليه وقد بدأ الخراب الحقيقي في هذه البلاد على عهد الصليبيين وكان أشهر حصونها الكرك والشوبك فقد أخذ بغودين من ملوك الصليبيين الشوبك وعمره في سنة تسع وخمسمائة وكان قد خرب من تقادم السنين والشوبك هي في رواية مسريقة وقال القرماني: شوبك بلدة صغيرة كثيرة البساتين من أعمال الشام غالب أهلها نصارى وهي شرقي الغور على طرف الشام من جهة الحجاز وينبع من تحت قلعتها عينان وقلعتها على تل مرتفع مطل على الغور.
وفي الأنس الجليل أن السلطان صلاح الدين لما كان في بلاد أنطاكية ولم يزل الحصار على الكرك وكان أخوه الملك العادل عين معه على حفظ البلاد وكان صهره سعد الدين كمشه بالكرك موكلاً بحصاره فراسل الإفرنج الملك العادل في الأمان فامتنع ثم صالحهم وسلموا الحصن. ولم يكن للكر ك شأن كبير قبيل الحروب الصليبية ثم غدت عاصمة مملكة يعرف صاحبها بملك الكرك أو صاحب الكرك على عهد صلاح الدين ومن بعده عهد الجراكسة والغالب أن موقعها الحربي المهم وتوسطها تقريباً بين مصر والشام وكان إذ ذاك حكومتهما واحدة هيأ لها ذلك.
قال القرماني: كرك بليدة مشهورة وبها حصن عال على قلعة جبل يقال أنه كان دير الروم وجعله المسلمون حصناً فيها قبر جعفر الطيار وأصحابه وفي أسفله وادٍ في حمام وبساتين كثيرة وكان من دأب ملوك الترك والجراكسة كلما خلعوا سلطاناً أرسلوه إلى الكرك.
стр. 3829
أما الكرك أو قلعتها فهي كانت وما زالت من أعظم حصون سورية ولذلكم احتلها الصليبيون وحرص صلاح الدين وأسرته أن يسترجعوها منهم لأنها مفتاح القطرين بل القطر المصري والشامي والحجازي ولذلك تجد ذكرها يتردد كثيراً في التاريخ منذ استولى على الإفرنج إلى أن انقضت دولة الجراكسة في مصر والشام على يد السلطان سليم العثماني سنة ٩٢٢ هـ.
ولطالما كانت الكرك موعداً للقاء وميداناً لإرهاق الدماء وتكافح الناس في جوارها على امتلاكها كفاحاً وأي كفاح بيعت فيه إلى الأرواح والأشباح بيع السماح وهاك الآن مثالاً من صحف التاريخ المنسية تعتبر بها وتزدجر.
قال أبو الفدا في حوادث سنة ثمان وستين وخمسمائة وفيها سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك وسار نور الدين من دمشق إلى أن وصل إلى الرقيم وهو بالقرب من الكرك. والرقيم هو كما قال ياقوت أيضاً بقرب البلقاء من أطراف الشام عنها كثيراً بقوله وكان يزيد بن عبد الملك ينزله وقد ذكره الشعراء:
أمير المؤمنين إليك نهوي ... على البخت الصلادم والعجوم
إذا اتخذت وجوه القوم نصباً ... أجيج الواهجات من السموم
فكم غادرن دونك من جهيض ... ومن نعل طرحة جذيم
يزرن على تنائيه يزيداً ... بأكناف الموقر والرقيم
تهنئة الوفود إذا أتوه ... بنصر الله والملك العظيم
والموقر حصن بالبلقاء قال فيه ياقوت أنه اسم موضع بنواحي البلقاء من نواحي دمشق وكان يزيد بن عبد الملك ينزله قال جرير:
ما شاعت قريش للفرزدق خزية ... وتلك الوفود الناديون الموقرا
عشية لاقى القين قين مجاشع ... هزيراً أبا شبلين في الفيل قسوراً
وقال كثير:
سقى الله حياً بالموقر دارهم ... إلى قسطل البلقاء ذات المحارب
وقد نشأ من الموقر جملة من المحدثين والنسبة إليها موقري وصرح الشاعر بأن الموقر من
стр. 3830
أرض الشام فقال:
أذنت علي اليوم إذ قلت أنني ... أحب من أهل الشام أهل الموقر
بها ليل شم عصمة الناس كلهم ... إذا الناس جالوا جولة المتحير
وقال كثير عزة:
أقول إذا الحيان كعب وعامر ... تلاقوا ولقتنا هناك المناسك
جزى الله حياً بالموقر نضرة ... وجادت عليه الرائحات الهواتك
يكل حثيث الوبل زهر غمامه ... له درر بالقسطلين مواشك
وفي حوادث سنة ثمان وسبعين وخمسمائة أن البرنس صاحب الكرك عمل أسطولاً في بحر أيلة (وهي مدينة على ساحل بحر القلزم أو الأحمر مما يلي الشام) وساروا في البحر فرقتين فرقة أقامت على حصن ايلة يحصرونه وفقة نحو عيذاب يفسدون في السواحل ويفنون المسلمين في تلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر فرنجاً قط فعمر الملك العادل أبو بكر أيوب أسطولاً في بحر عيذاب وأرسله مع حسام الدين الحاجب لؤلؤ وهو متولي الأسطول بديار مصر فأوقع الذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة وسار لؤلؤ يقفوا أثرهم فبلغ رابغ فأدركهم بساحل الحورا وتقاتلوا أشد قتال فظفر بهم وقتل أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم.
وفي السنة التالية سار السلطان صلاح الدين من دمشق للغزوة وكتب إلى مصر فسارت عساكرها إليه ونازل الكرك وحصره وضيق على من به ملك ربض الكرك وبقيت القلعة وليس بينها وبين الربض غير خندق خشب وقصد السلطان صلاح الدين طمه فلم يقدر لكثرة المقاتلة فجمعت الفرنج فارسها وراجلها فقصدوه فلم يكن للسلطان إلا الرحيل فرحل عن الكرك وسار إليهم فأقام في أماكن وعرة وأقام السلطان قبالتهم وسار من الفرنج جماعة ودخلوا الكرك فعلم بامتناعه عليه فرحل عنه.
وبعد وقعة حطين كان السلطان صلاح الدين بعد أن سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحصرها وخلى أخاه الملك العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين بحصارها بتسلمها فتسلموا الكرك
стр. 3831
والشوبك وما بتلك الجهات من البلاد.
قال ياقوت في الشوبك إنها قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وإيلة والقلزم قرب الكرك وذكر يحيى بن علي التنوخي في تاريخه أن يقدور الذي ملك الفرس سار في سنة ٩٠٥ إلى بلاد ربيعة من طيء وهي باق والشراة والبلقاء والجبال ووادي موسى ونزل على حصن قديم خراب يعرف بالشوبك بقرب وادي موسى فعمره ورتب فيه رجاله وبطل السفر من مصر إلى الشام بطريق البرية مع العرب بعمارة هذا الحصن. وبعد وفاة صلاح الدين ظلت الكرك والشوبك والبلاد الشرقية بيد الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن أيوب.
تقدم أن حصن الشوبك كان من جلة الحصون التي يتنافس فيها الفاتحون في هذه الديار وهو على ١٩ ساعة من الكرك يؤيد ذلك ما رواه أبو الفدا في حوادث سنة ٦٢٥ هـ من أن الملك الكامل صاحب مصر أرسل بطلب ابن أخيه الملك الناصر داود ابن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشوبك فلم يعطه إياه ولا أجابه إليه فسار الملك الكامل من مصر إلى الشام بقصد استخلاص الشوبك وغيره.
وفي حوادث سنة ٦٢٩ إن الملك الكامل سار من دمشق إلى الشوبك واحتفل له الملك الناصر داود بن المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب احتفالاً عظيماً بالضيافات والإقامات والتقادم وحصل بينهما الاتحاد العام وكان نزول الملك الكامل باللجون قرب الكرك وهي منزلة الحجاج. وفي سنة ٦٣٣ فترت العلائق بين الملك الناصر داود صاحب الكرك وبين عمه الملك الكامل صاحب مصر فسار الأول إلى بغداد ملتجئاً إلى الخليفة المستنصر لما حصل عنده من الخوف فأصلح الخليفة بينهما وعاد الناصر إلى الكرك وفي سنة ٦٣٥ جرى بين الملك الناصر داود صاحب الكرك وبين الملك الجواد يونس المتولي على دمشق مصاف بين جنين ونابلس انتصر فيه الملك الجواد يونس وانهزم الملك الناصر هزيمة قبيحة ونهب عسكره وأثقاله وللناصر هذا وقائع مع أسرته وغيرهم ولكن بني أيوب ومن بعدهم على تنافسهم في الملك كانوا يداً واحدة على أعدائهم الصليبيين حين الحاجة لأن هؤلاء لم تكن انقطعت شأفتهم كلها من بلاد الشام.
وفي سنة ٦٤٤ سار الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ من قبل الملك الصالح إلى حرب
стр. 3832
الملك الناصر داود صاحب الكرك فاستولى على جميع بلاد الملك الناصر وولي عليها وسار إلى الكرك وحاصرها وخرب ضياعها وضعف الملك الناصر ضعفاً بالغاً ولم يبق بيده غير الكرك وحدها.
وفي سنة ٦٤٧ استولى لملك الصالح أيوب صاحب الديار المصرية على الكرك وفي السنة التالية ملك القلعتين الكرك والشوبك الملك المغيث فتح الدين وكان اعتقله الملك المعظم تورانشاه في الشوبك فلما قتل هذا بادر النائب عليهما وهو بدر الدين الصوابي الصالحي فأفرج عن الملك المغيث وملك الحصنين وفي سنة ٦٥٦ انضمت البحرية إلى المغيث صاحب الكرك والتتر مع عسكر مصر في غزة فكانت الكسرة على المغيث ومن معه فولى منهزماً إلى الكرك في أسوء حال ونهبت أثقاله ودهليزه. وفي سنة ٦٥٧ حاصر الملك الناصر يوسف صاحب دمشق والملك المنصور صاحب حماة الملك المغيث صاحب الكرك بسبب حمايته البحرية وأقاموا على بركة زيزاء (التي يحرفها العامة بجيزة اليوم) ما يزيد على شهرين وفي سنة ٦٦٠ قتل الملك المغيث صاحب الكرك قتله الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر لأنه كتب أجوبة على مكاتبات من التتر إلى الملك المغيث في أطماعهم في ملك مصر والشام ورتب الظاهر أمور الكرك وعاد إلى مصر.
وفي سنة ٦٨٠ استقر الصلح بين السلطان الملك المنصور قلاوون وبين الملك خضر ابن الملك الظاهر بيبرس صاحب الكرك. وفي سنة ٧٠٨ سار الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية متوجهاً إلى الحجاز فسار إلى الكرك وكان النائب بها جمال الدين أقوش الأشرفي فعمل سماطاً واحتفل بع وعبر السلطان إلى المدينة ثم إلى القلعة ولما عبر السلطان على الجسر إلى القلعة والأمراء ماشون بين يديه والمماليك حول فرسه وخلفه سقط بهم جسر قلعة الكرك وقد حصلت يد فرس السلطان وهو راكبه داخل عتبة الباب فلما أحس الفرس بسقوط الجسر أسرع حتى كاد أن يدوس الأمراء الماشين بين يدزيه وسقط من مماليك السلطان خمسة وثلاثون إلى الخندق وسقط غيرهم من أهل الكرك ولم يهلك من المماليك غير شخص واحد لم يكن من الخواص ونزل في الوقت السلطان عند الباب وأحضر الجنوبات والحبال ورفع الذين وقعوا عن آخرهم وأمر بمداواتهم وعادوا إلى ما كانوا عليه وكان ارتفاع الجسر الذي سقطوا منه إلى الخندق يقارب خمسين ذراعاً.
стр. 3833
ولما تولى الملك الناصر أحمد بن الملك الناصر بن محمد بن قلاوون في الكرك أقام فيها أياماً في لهو ولعب فأنكروا عليه أموراً لا تليق بالسلطنة فاتفق أهل الشام على خلعه وأرسلوا إلى المصريين في ذلك فأجابوهم وسلطنوا أخاه الصالح إسماعيل ووردت المراسيم إلى جميع ولايات الأعمال الشامية بتجريد العشرات وغيرهم إلى الكرك وعينوا على معاملتي صيداء وبيروت خمسماءة راجل فذهبوا إليها سنة ٧٤٣ ووجدوا في القلعة ومع السلطان أحمد خلقاً كثيراً وقد نصبوا على القلعة في أعلاها خمسة مجانيق ومدافع كثيرة وكان الكركيون يظهرون من باب القلعة ويقاتلون أحياناً كثيرة وكان الحصار والزحف مستمراً ونصب المحاصرن على القلعة منجنيقاً يرمي بحجارة وزنها خمسة وثلاثون رطلاً.
وكان يحكى عن السلطان أحمد أنه كان شاباً حسن الشكل عبل البدن وكان يلبس ملبوس العرب ووسع أكمامه على زي الكركيين وكان يظهر لهم أنه لبس هذا الزي محبة فيهم.
وكان يجلس كل يوم بين شراريف القلعة ويرمي سبعة سهام صيغت لها نصولها من فضة موشاة بذهب كانت تدل على قوة قوسه وكان إذا أراد أن يرمي السهم رفع يده التي فيها القوس فيسقط كمه من سعته إلى كتفه حتى يبان شعر إبطه وكان غليظ الذراع أبيض اللون ورأوا له سهماً في حصار الكرك وقد نقش عليه هذان البيتان:
ومن جودنا نرمي العداة بأسهم ... من الذهب الإبريز صيغت نصولها
يداوي بها المجروح منها جراحه ... ويشري بها الأكفان منها قتيلها
وهما للأمين بن هرون الرشيد وكان لما حضره عبد الله بن طاهر في بغداد بعساكر أخيه المأمون صنع نصول النشاب من خالص الذهب ونقش عليها هذين البيتين.
ولما دخلت سنة أربع وأربعين ضعفت حالة السلطان أحمد والكركيين وكان زرعهم قد رعي رعاه التركمان والعربان وكان أكثر دورابهم قد نهبت وانقطع عنهم الجلب وحالهم في ضعف وأخذت قلعة الكرك سنة خمس وأربعين وسبعمائة وأخذ سلطانها وقتل وذلك بعد أن تجمعت عساكر الشام على حصارها زهاء سنتين.
وبعد فليس في التاريخ ولاسيما من بعد دخول الدولة العلية إلى هذه البلاد شيءٌ ينقل ليفيد في حالة بلاد الكرك اللهم ما كان من انتقاض أهالي هذه البلاد على إبراهيم باشا المصري لما فتحها أيام دخوله إلى سورية في أوائل القرن الماضي ونظم إدارتها وجعل لها حامية
стр. 3834
من جنده فلم يمض إلا قليل حتى تمرد السكان وقاموا فذبحوا الحامية والموظفين عن بكرة أبيهم حتى أنهم قتلوا كتيبة من جنده كانت آيبة إلى مصر فضللوها في الطريق وأهلكوها إلا قليلاً كما ارتكبوا مثل هذا المنكر هذه المرة ولم يفلحوا.
ويؤخذ بالقرينة أن معظم البلاد أصبحت بادية بعد هذه الوقعة لغلبة الجهل واختلال الإدارة وظلم العمال وكذلك حال القرى يعرف ذلك كل من طاف في أقضية اللواء الأربعة فإنه يشاهد خرباً ومياهاً سائبة فقد كان في قضاء الصلت وارض بني صخر وأرض بني صخر نحو ثلثمائة قرية وعدة مدن عامرة وليس فيها اليوم سوى خمس عشرة قرية عامرة بعض الشيء.
وبعض الخرب في اللواء بيد العرب المزارعين وبعضها شاغرة ملك للحكومة. وبدو الكرك كثيرون فمنهم في قضاء الصلت الدعجة والأيديات وأبي نعيم والشوايكة والأبووندي والعجارمة والميطرون والحرافيش وأراسفة والمشالخة والفاعور والربيع وبنو صخر وهم يقسمون إلى الزبن والهكيش والحفير والقبعين والفايز ومجموع بيوتهم نحو ٤٥٠٠ بيت وأشهرها بنو صخر وهي ٧٠٠ بيت والعدوان وهي ٥٠٠ والعباد ٨٠٠ والأرض التي تنزلها هذه القبائل شرقي نهر الشريعة وغربي البادية وشمالاً وادي الوالا ووادي الثمد وجنوباً ماء الزرقاء والحدود الفاصلة بين عجلون والصلت وسكان القضاء كله نحو أربعين ألفاً وهو أعمر أقضية الكرك.
وفي قضاء الطفيلة نحو عشرين ألفاً من النفوس وهذه أسماء عشائرهم: الحميدات وهي أعظمها مؤلفة من خمسمائة بيت وعبيدين ثقرب نفوسها من الحميدات والبحارات مثلها أيضاً والكلالدة والوهيبات والهلالات وعشيرة المناعين وهي رحالة تقضي أكثر أيامها في الجوف بالقرب من نجد وتنزل القضاء بعد اشهر بين محطة الجروف ومدينة الطفيلة وفي هذه المدينة ١٢ ألفاً من السكان الحضر.
وفي قضاء معان عشائر وأفخاذ وأهمها الحويطات ومنها الدمانية وأبوتاية والمطالقة ومنها البدول والشوبك والنعيمات والدبابات والعمامرة والمراعية والدرواشة والعطون والزوايدة والطقاطقة والعمارين والرشايدة والسعيديين والراجفة. وفي قضاء معان أيضاً ينزل بنو عطية وهم يقسمون سبعة أقسام منهم المزايدة والخضرة والشبوت والهرامسة ومنازلهم من
стр. 3835
المدورة إلى تبوك.
أما عشائر قضاء الكرك فكثيرة وهي أغوات. اللصايمة. بنو حميدة. بياضة. جلامدة. حباشنة. خرشة. خنزيرة. دنيبات. كفاوين. ضمور. حجايا. سليط. شمايلة. صرايرة. صعوب. طراونة. العمرو. عراق. عكشة وحجازين. غور الصافي. غور المزرعة. فقرا. قطاونة. قضاء. كثر ربة. معايطة. مجالي. مبيضين. مصاروة. مدانات. بقاعين. نوايسة. نعيمات. هلسة.
هذه فرق عشائر الكرك وأهمها وأكثرها عدداً بنو حميدة. سليط. حجايا حباشنة. ضمور. صرايرة. طراونة. كثرربة. معايطة. وتقسم عشيرة بني حميدة إلى ثلاث فرق (حمولات) وهي أبو بريز وابن طريف وأبو ربيحة. وينقسم ابو بريز إلى فرقتين وهما الفواصلة والتوايهة. وكل منها يقسم إلى أربع جماعات لكل جماعة شيخ. وتنقسم عشيرة ابن طريف إلى ست فرق وهي ابن طريف. رواحلنة. الحيصة. الضرابعة. الشخامية. شقور وحمادين. بصيرة وتنقسم عغشيرة أبي ربيحة إلى اربع فرق. وهي الشراونة وحواتمة. هواوشة. اللوانسي. قواسمة. وتنقسم عشيرة سليط إلى فرقتين بحارات ورجيلات. وتتألف عشيرة الحباشنة من العرود والجعافرة. وتتألف الضمور من محمود وسحميات والطراونة من عيال جبرين وعيال جبران. ومجامعة وعيال عودة.
أما كثرربة فهي قرية يسكنها فرقتان وهما القراللة والرماضنة. ويتألف القراللة من زعيسلات سالم وزعيلات سعيد وسلامات ومهاينة ومخاترة. ويتألف الرماضنة من الرواشدة والخثاتنة وشواورة وكساسبة ومطارنة وجوازنة. وتتألف عشيرة المعايطة من فرقة ساهر ويوسف. ويتألف النعيمات من العبادلة والجعافرة والأحامدة ويتألف الحجايا من محموديين وهدايات وهؤلاء الحجايا لا يزرعون ولا يفلحون بل هم بادية.
والعشائر التي لها شأن عند الحكومة هي. المجالي. طراونة. ضمور. معايطة. صرايرة. مدانات. هلسة. أما العشائر التي لها نفوذ على العشائر نفسها فهي المجالي. سليط. حجايا. طراونة. بنو حميدة.
هذه اسماء العشائر وفرقها ومكانتها أما أماكن نزولها فإن فرق أبي ربيحة. أبي بريز. شخامية. الحيصة. الرواحنة من عشيرة بني حميدة وسليط وكعابنة والفقراء كلهم ينزلون
стр. 3836
تحت الخيام في ناحية ديبان من أعمال مركز اللواء. وحدود بيان هذه من القبلة نهو الموجب ومن الشمال اللب ومن الغرب بحر لوط ومن الشرق أم الرصاص في بقعة من الأرض سهلية جبلية يبلغ عرضها أربع ساعات وطولها سبع ساعات. ولا تجد شرقي أم الرصاص أرضاً تزرع ومركز ناحية ديبان وادي الوالا وهو على أحد عشرة ساعة عن مركز اللواء.
إليك على جملة أسماء العشائر المزارعة وهي معدودة بادية رحالة في هذا اللواء والحكومة تستوفي منها إلى اليوم عشراً مقطوعاً وخراجاً مقطوعاً وودياً (تعداد الجمال وتعداد الغنم) مقطوعاً أي أنها تفرض على كل حمولة أو عشيرة قدراً من المال وتطالب به من وجدتهم منهم فيكون بذلك مجال لظلم الضعاف من هذه القبائل يرهقهم مشايخهم منزله وقد يأخذونه بجريرة جاره أو أخيه فإن بعض أولئك البدو قد يهربون في بعض سني المحل أو لغرض آخر فلا يلبث عمال الدولة أن يستوفوا من أبناء تلك القبيلة ما هو في ذمة الهاربين وكثيراً ما تقاضت الحكومة من واحد يفرض على خمسة من عشيرته.
مثال ذلك أن العمامرة من الحويطات كانوا أغنياء على عهد تأسيس اللواء أي منذ سبع عشرة سنة فلم تمض بضع سنين حتى أصبحوا أفقر الفقراء يتلك القاعدة السخيفة في الإدارة وتفرقوا تحت كل كوكب ومنهم من انقلب إلى حسمه وغزة أو أوغل في البادية إلى نجد والشرق.
نعم إن الحكومة حتى الآن لم تعمل لعمران اللواء من شأنه رفع الحيف وكشف الظلامات لتعمر البلاد بل على العكس أتت ما خرب به عمرانها وابذعرّ سكانها فبدلاً من أن ترسل لهم واعظاً يعلمونهم بلغتهم بعثوا إليهم في الدور البائد تسعة من الأتراك تحت اسم وعاظ لا يعلمون العربية فاشتغلوا سنين بالتجسس وبث المفاسد وبهذا تأصلت النفرة في قلوب القوم بدلاً من تأليف شاردهم وساعد على ذلك في الأكثر انحطاط طبقة اكثر الموظفين الذين يعينون في أمور الإدارة وبذلك زاد الأهلون مراناًَ على الاحتيال تخلصاً بزعمهم من فساد الحال وركنوا إلى شيخوهم على ظلم فيهم أكثر من حكومتهم التي تريد الخير بهم على الجملة وإن كانت لم تهتد إلى الطريق حتى الآن في اختيار الجياد من العمال.
كان الرجاء معقوداً بتأسيس حكومة الكرك أن تغدو عمالتها كلها بعد هذينم العقدين من
стр. 3837
السنين جنة لما خصتها به الفطرة من المواهب وتنقلب تلك الخيام السوداء كما قال أحد العرافين دوراً قوراء فأصبحت بسوء الإدارة بيوت ارزاء ولأواء.
كاد أولئك البادية يضعون ثقتهم بالحكومة يوم تولى أمرهم إداري يقيم نصاب العدل ويرفع عن عاتقهم عدوان زعمائهم الجاهلين ولكن جرى الأمر على عكس ذلك فأخذ السكان يستضعفون حكومتهم خصوصاً بعد أن قاموا منذ زهاء سنتين وهجموا على دار الحكومة وكان بلغهم أنها تريد إحصاء نفوسهم والحقيقة أنها كانت في صدد انتخاب نائب منهم يمثلهم في مجلس الأمة. ولو أحسن متصرفهم إذ ذاك التصرف صحت عزيمة الحكومة على إنزال العقوبة الشديدة بمن شقوا عصا الطاعة لما حدث اليوم أحدث فخرب العامر والغامر وتضرر الحاكم والمحكوم عليه.
فإن يوماً في فتنة يخرب ما لا يعمر في سنين. وعدل ساعة يحيي الأرض أكثر من كل قوة في غير محلها. فوا أسفاه لبلاد مثل هذه تؤوي الملايين من البشر يعيشون من تربتها سعداء وهي اليوم لا ينولها سوى ألوف لا يستفيدون منها ولا يفيدون وها قد زادت اليوم فوق خرابها خراباً. وكانت بالأمس مملكة ذات منعة وهي الآن بما تحيفها من الدمار عبرة لمن اعتبر فسبحان من يشقي ويسعد ويغني ويفقر.
стр. 3838
رثاء تولستوي
(تولستوي) تجري آية العلم دمعها ... عليك ويبكي بائس وفقير
وشعب ضعيف الركن زال نصيره ... وما كل يوم للضعيف نصير
ويندب فلاحون أنت منارهم ... وأنت سراج غيبوه منير
يعانون في الأكواخ ظلماً وظلمة ... ولا يملكون البث وهو يسير
تطوف كعيسى بالحنان وبالرضى ... عليهم وتغشي دورهم وتزور
ويأسى عليك الدين إذ لك لبه ... وللخادميه الناقمين قشور
أيكفر بالإنجيل من تلك كتبه ... أناجيل منها نذر وبشير
وتبكيك ألف فوق (ليلى) ندامة ... غداة مشى (بالعامري) سرير
تناول ناعيك البلاد كأنه ... يراع له في راحتيك صرير
وقيل تولى (الشيخ) في الأرض هائماً ... وقيل (بدير) الراهبات أسير
وقيل قضى لم يغن عنه طبيبه ... وللطب من بطش القضاء عذير
* * *
إذا أنت جاورت (المعريّ) في الثرى ... وجاور (رضوى) في التراب (ثبير)
أو أقبل جميع الخالدين عليكما ... وغالى بمقدار النظير نظير
جماجم تحت الأرض عطرنها شذى ... جناهن مسك فوقها وعبير
بهن تباهى بطن (حواء) واحتوى ... عليهن بطن الأرض فهو فخور
فقل يا حكيم الدهر حدث عن البلى ... فأنت عليم بالأمور خبير
أحطت من الموتى قديماً وحادثاً ... بما لم يحصل منكر ونكير
طوانا الذي يطوي السموات في غد ... وينشر بعد الطي وهو قدير
تقادم عهدانا على الموت واستوى ... طويل زمان في البلى وقصير
كأن لم تضق بالأمس عني كنيسة ... ولم يؤوني دير هناك طهور
أرى راحة بين الجنادل والحصى ... وكل فراش قد أراح وثير
نظرنا بنور الموت كل حقيقة ... وكنا كلانا في الحياة ضرير
إليك اعترافي لا لقس وكاهن ... ونجواي بعد الله وهو غفور
فزهدك لم ينكره في الأرض عارف ... ولا متعال في السماء كبير
стр. 3839
بيان يشم الوحي من نفحاته ... وعلم كعلم الأنبياء غزير
سلكت سبيل المترفين ولذني ... بنون ومال والحياة غرور
أداة شتائي الدفء في ظل شاهقداة شتائي الدفء أ ... وعدة صيفي جنة وغدير
ومتعت بالدنيا ثمانين حجة ... ونضر أيامي غني وحبور
وذكر كضوء الشمس في كل بلدة ... ولا حظَّ مثل الشمس حين تسير
فما راعني إلا عذارى أجرنني ... ورب ضعيف تحتمي فيجبر
أردت جوار الله والعمر منقض ... وجاورته في العمر وهو نضير
صباً ونعيم بين أهل وموطن ... ولذات دنيا كل ذاك نذور
بهن وما يدرين ما الذنب خشية ... ومن عجب تخشى الخطيئة حور
أوانس في داج من الدير موحش ... ولله أنس في القلوب ونور
وأشبه طهر في النساء بمريم ... فتاة على نهج المسيح تسير
* * *
تسائلني هل غير الناس ما بهم ... وهل حدثت غير الأمور أمورا
وهل آثر الإحسان الرفق عالم ... دواعي الأذى والشر فيه كثير
وهل سلكوا سبل المحبة بينهم ... كما يتصافى أسرة وعشير
وهل آن من أهل الكتاب تسامح ... خليق بآداب الكتاب جدير
وهل عالج الأحياء بؤساً وشقوة ... وقل فساد بينهم وشرور
قم انظر وأنت مالئ الأرض حكمة ... أأجدى نظيم أم أفاد تثير
أناس كما تدري ودنيا بحالها ... ودهر رخيٌّ تارة وعسير
وأحوال خلق غابر متجدد ... تشابه فيها أول وأخير
تمر تباعاً في الحياة كأنها ... ملاعب لا ترخى لهن ستور
وحرص على الدنيا وميل مع الهوى ... وغش وأفك في الحياة وزور
وقام مقام الفرد في كل أمة ... على الحكم جم يستبد غفير
وحوّر قول الناس مولى وعبده ... إلى قولهم مستأجر وأجير
وأضحى نفاذ المال لا أمر في الورى ... ولا نهي إلا ما يرى ويشير
стр. 3840
نساس حكومات به وممالك ... ويذعن أقيال له وصدور
وعصر بنوه في السلاح وحرصه ... على السلم يجري ذكرها ويسيل
ومن عجب في ظلها وهو وارف ... يصادف شعباً آمناً فيغير
ويأخذ من قوت الفقير وكسبه ... ويؤوي جيوشاً كالحصى ويمير
ولما استقل البر والبحر مذهباً ... تعلق أسباب السماء يطير
أحمد شوقي.
رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى ... لمدحك من كتاب مصر كبير
ولست أبالي حين أرثيك بعده ... إذا قيل عني قد رثاه صغير
فقد كنت عوناً للضعيف وأنني ... ضعيف وما لي في الحياة نصير
ولست أبالي حين أبكيك للورى ... حوتك جنان أو حواك سعير
فإني أحب النابغين لعلمهم ... وأعشق روض الفكر وهو نضير
دعوت إلى عيسى فضجت كنائس ... وهز لها عرش وماد لها سرير
وقال أناس إنه قول ملحد ... وقال أناس إنه لبشير
ولولا حطا لرد عنك كيادهم ... لضقت به ذرعاً وساء مصير
ولكن حماك العلم والرأي والحجى ... ومال إذ جد النزال وفير
إذا زرت رهن المحبسين بحفرة ... بها الزهد ثاو والذكاء ستير
وأبصرت أنس الزهد في وحشة البلى ... وشاهدت وجه الشيخ وهو منير
وأيقنت أن الدين لله وحده ... وأن قبور الزاهدين قصور
فقف ثم سلم واحتشم إن شيخنا ... مهيب على رغم الفناء وقور
وسائله عما غاب عنك فأنه ... عليم بأسرار الحياة بصير
يخبرك الأعمى وإن كنت مبصراً ... بما لم تخبر أحرف وسطور
كأني بسمع الغيب أسمع كل ما ... يجيب به أستاذنا ويحير
يناديك أهلاً بالذي عاش عيشنا ... ومات ولم يدرج إليه غرور
قضيت حياة ملؤها البر والتقى ... فأنت بأجر المتقين جدير
وسموك فيهم فيلسوفاً وأمسكوا ... وما أنت إلا محسن ومجير
стр. 3841
وما أنت إلا زاهد صاح صيحة ... يرن صداها ساعة ويطير
سلوت عن الدنيا ولكنهم صبوا ... إليها بما تعطيهم وتمير
حياة الورى حرب أنت تريدها ... سلام وأسباب الكفاح كثير
أبت سنة العمران إلا تناحراً ... وكدحاً ولو أن البقاء يسير
تحاول رفع الشر والشر واقع ... وتطلب محض الخير وهو عسير
ولولا امتزج الشر بالخير لم يقم ... دليل على أن الإله قدير
ولم يبعث الله النبيين للهدى ... ولم يتطلع للسرير أمير
ولم يعشق العلياء حر ولم يسد ... كريم ولم يرجو الثراء فقير
ولو كنت الخير فينا محضاً ما دعا ... إلى الله داع أن تبلج نور
ولا قيل هذا فيلسوف موفق ... ولا قيل هذا عالم وخبير
فكم من طريق الشر خير ونعمة ... وكم في طريق الطيبات شرور
ألم تر أني قمت قبلك داعياً ... إلى الزهد لا يأوي إليَّ ظهير
أطاعوا أبيكيراً وسقراط قبله ... وخولفت فيما أرتئي وأشير
ومت وماتت مطامع طامع ... عليها ولا ألقى القياد ضمير
إذا هدمت للظلم دور تشيدت ... له فوق أكتاف الكواكب دور
أفاض كلانا في النصيحة جاهداً ... ومات كلانا والقلوب صخور
فكم قيل عن كهف المساكين باطل ... وكم قيل عن شيخ المعرة زور
وما صدر عن فعل الأذى قول مرسل ... ولا راع مفتون الحياة نذير
حافظ إبراهيم.
стр. 3842
العدد ٥٩ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١١
стр. 3843
الكواكب السائرة
من المخطوطات في التراجم التي تتصل بطبعها سلسلة تواريخ القرون كتاب الكواكب السائرة بمناقب أعيان المئة العاشرة للنجم الغزي ومنه نسخة جيدة في الخزانة الظاهرية بدمشق دخلت في ثلاثة أجزاء وبلغ عدد أوراقها ١٦٤ بالقطع الكامل وفي آخرها جزء رابع جعله المؤلف ذيلاً على كتابه هذا وهو خمسون ورقة قال فيه أنه ألفه لتمام سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف وهي السنة التي جاءت بكل عجائب قال وسميته لطيف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر. وقد كتب الأصل والفرع في سنة اثنتين وستين ومئة وألف قال المؤلف بعد مقدمة طويلة: وإني طالما كنت أتشوق إلى تأليف كتاب يجمع التراجم المتأخرين من أهل المئة العاشرة من العلماء الأنجاب فلم أجد من تعرض لهذا المعنى أو دخل في هذا الباب غير أن الشيخ المحدث النحوي شمس الدين محمد بن طولون الحنفي ألف كتاباً جمع فيه تراجم أواخر المئة التاسعة وأوائل المئة العاشرة سماها بالتمتع بالأقران ولم اقف على مجموع هذا الكتاب وإنما وقفت على نحو كراسة منه فاستدللت بالصبابة على العباب ووقفت له أيضاً على الجزء الثاني من تاريخه الذي جعله لحوادث الزمان وسماه بمفاكهة الأخوان وأوله من مستهل سنة سبع وعشرين وتسعمائة إلى ختام سنة إحدى وخمسين فرأيته ذكر فيه وفيات من بلغه وفياتهم في تلك المدة لكنه لم يخرج فيه لتراجمه من عهده ذم وقفت بعد على الجزء الأول منه فرأيته ابتدأ فيه من أول سنة ثمانين وثمانمائة وهي سنة ميلاده وانتهى فيه إلى سنة ست وعشرين وتسعمائة وكنت قد وقفت قبل ذلك على قطعة من تاريخ كتاب الحافظ العلامة بدر الدين العلائي الحنفي في حوادث القاهرة من سنة سبع عشرة وتسعمائة إلى أواخر سنة أربع وثلاثين ثم وقفت على تعلقه بخط والده شخنا الشيخ الإمام الفقيه أبو الندى شرف الدين يونس العيثاوي الشافعي رحمه الله تعالى علق فيها وفيات شيوخه وبعض أقرانه وترجم أكثرهم فذكر من مآثرهم كل مترجم ما يليق بمقامه ومكانه ثم وقفت على قطعة صالحة من تاريخ العلامة شهاب الدين أحمد الحمصي الخطيب الشافعي الذي ضمنه من مهمات الحوادث والوفيات فإذا هو تاريخ عجيب فيه من تراجم القوم ما يغلو في السوم ويحسن له الانتخاب وتحريت فيه بقدر الطاقة والإمكان وجه الحق والصواب وسلكت بين طريقتي الإيجاز والأطناب لأنه أقرب لتناول المقتصدين وأنفع لمن يريد الكشف من أحوال
стр. 3844
المترجمين معتمداً فيما أنقله على خطوط هؤلاء المشايخ أو على خط من يوثق به من كل ذي قدر في العلم شامخ وقدم في الفضل راسخ أو على ما تلتقيه من أفواه المعتبرين وأخذته عن الفضلاء البارعين مما يدخل في تراجم الأعيان أو تاريخ مواليدهم أو وفياتهم بحسب الإمكان من أهل القرن المذكور من العلماء الأعلام بدمشق المحروسة وحلب وغيرها وبلاد الشام وعلماء القاهرة والحرمين الشريفين حسبما تيسر لنا مع التحري والاجتهاد في كل مقام وضممت إلى ذلك نبذة من تراجم أعيان التخت العثماني ووفيات أعيان الملك السلطاني ممن اتفقت وفياتهم فيما حدث من الزمان منتخباً لذلك من الشقائق النعمانية ومن رحلة والدي المسماة بالمطالع البدرية ومن غيرهما مما بلغني وتحققته وتلقيته عن الثقات وتلقنته وأضفت إلى ذلك أيضاً من تراجم سلاطين القرن المذكور وملوكه ليتم نظم الكتاب في قلائد عقاينه وسلوكه معتمداً في هذا النوع على كتاب الأعلام بما في مكة من الأعلام للشيخ العلامة المبرز عن الأقران القطب الحنفي المكي عرف بابن قاضي خان وعلى غيره أيضاً مما تيسر لنا الإطلاع عليه في هذا الشأن ثم اني وقفت بعد ذلك على تاريخ العلامة رضي الدين ابن الحنبلي الحلبي الحنفي المسمى بدر الحبيب في تاريخ أعيان حلب وهو كتاب مجلد ضخم ثخين مشتمل على الغث والسمين والتافه والثمين وربما فيه بعض التراجم بما لا يتعلق بالمرام وليس له بفن التاريخ التئام وربما أكمل الأسماء لئلا يخلو الحرف من التراجم بنقاش أو تاجر أو مغن أو مطنبر وعاشق أو معمار أو غيرهم من العوام فانتخبت منه تراجم بعض أعيان كتابه وضممتها إلى كتابي وأعرضت عما لم يقع اختياري عليه مما أتى به وليس في بابه حسبما قضى به تمييزي وانتخابي لأني وضعت هذا الكتاب على أسلوب أهل الحديث والإتقان ولم أرسمه كيف اتفق لا على أي وضع كان ثم وقفت على تاريخ مختصر للإمام المحدث المسند المعتبر ابي المفاخر عبد القادر المحيوي ابن النعيمي الشافعي سماه بالعنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان وقد ذيل عليه ولده العلامة المحيوي محي الدين فانتقيت منه الأغنى لكتابنا عنه ثم وقفت على طبقات الأولياء الكبرى والوسطى وكلاهما للشيخ القدوة الشعراني عبد الوهاب فانتقيت منه ما دخل في شرط كتابي من تراجم الصالحين الأنجاب مع ذكر من ذكرهم الشيخ العلامة الولي المحدث شرف الدين الكناوي من الصالحين ممن يدخل في شروط من تراجم
стр. 3845
المتعينين في شرح منظومته التي جعلها في تقييد منظومته التي جعلها في تقييد أسماء مشاهير الأولياء والعارفين ومع ذكر تراجم أعيان من أخذ عن شيخ الإسلام الوالد على العلماء والصالحين والبارعين ممن يدخل في شرك الكتاب أيضاً ملخصاً لذلك من جزء له كتب فيه تراجم جماعة من طلبته والملازمين فكان كتاباً جامعاً لزبد هذه الأمهات ملخصاً لمقاصد جامعيها من العلماء الأثبات وكل ذلك مع توفير القرائن وتهيئة الأسباب وتيسر الجمع والتأليف من قبل الكريم الوهاب وسمته بالكواكب السائرة بمناقب أعيان المئة العاشرةوقد وقع الاختيار فيه بعد تقديم أسماء المحمديين على ترتيب حروف المعجم الواقعة في أوائل أسماء المترجمين وعلى تقسيمه إلى ثلاث طبقات الطبقة الأولى فيمن وقعت وفاته من أوائل القرن إلى ختام سنة ثلاث وثلاثين والطبقة الثانية فيمن وقعت وفاته من أول سنة أربع وثلاثين إلى ختام سنة ست وستين والطبقة الثالثة فيمن وقعت وفاته من أول سنة سبع وستين إلى نهاية سنة ألف اهـ.
وترجم صاحب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر المؤلف الغزي في ست ورقات ويؤخذ منها أنه ولد سنة ٩٧٧ ونشأ على شيءٍ من الطلب وله مؤلفات منها هذا التاريخ ومنها شرحه على ألفية التصوف لجده وله كتاب في ترجمة والده. وله كتاب التنبيه في التشبيه قال فيه المحبي إنه كتاب بديع في سبع مجلدات لم يسبق إلى تأليفه وهو أن يذكر ما ينبغي للإنسان ما يتشبه به من أفعلا الأنبياء والملائكة والحيوانات المحمودة وما يتشبه من اجتناب ما يلزم فعله. وقال أنه خاتمة حفاظ الشام وكانت وفاته سنة ١٠٦١ عن ثلاث وثمانين سنة وعشرة أشهر وانتفع به أناس كثيرون وتلقوا العلم عنه.
إليك زبدة ترجمة المؤلف وعصره كما ترى ليس من العصور الراقية في الإسلام ولذلك تراه على فضل فيه مأخوذاً بمؤثرات عصره يخلط الجيد بالرديء أو يشوب الجيد الكثير بهنات لا تليق بمن كان مثله ولكن هو المحيط يعمل في عقل المرء ما لا يعمله كل تعليم وإرشاد.
خذ مثالاً لذلك ما رواه المؤلف في تراجم لأناس تستحي أن تعدهم من العامة لأن العامة أرقى منهم عقلاً وديناً ولعمري أي دخل لكتاب في تراجم أعيان قرن أن يدس في جملتهم أناس لأخلاق لهم خرقوا حدود الشريعة بدعواهم خرق العادات وعبثوا بعقول العامة فسرت
стр. 3846
بدعهم إلى الخاصة. قل لنا بأبيك أي داع للمؤلف أن يترجم أناساً من البله السخفاء أرباب الجذب مثل أبي بكر اليمني المجذوب وعبد الله الكردي المجذوب وشعبان المجذوب ومحمد المجذوب وعمر العقيبي المجذوب وابي بكر بن المجنون ومروان المجذوب وذي النون الكملاني المجذوب وأحمد أبو طاقية وفرج المصري المجذوب وخميس المجذوب وسويد ابن المجذوب وسويد المجذوب إلى غيرهم من المجاذيب والمجانين الذين هم أحرى بأن يجعلوا في دور المعتوهين من أن يحشروا في عداد العلماء العاملين أمثال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري والشيخ حسن البوريني والجلال السيوطي والسيدة عائشة الباعونية وغيرهم ممن كانوا منار الأمة في ذاك القرن.
تالله أن شيخ الإسلام زكريا والسيدة الباعونية لا يرضيان أن يذكر اسمهما مع أسماء أولئك الذين قضي عليهم باختلال تراكيب أدمغتهم وقضي على الأمة بصنع علماءها أن يقدسوهم ويتباركوا بهم فقابلوا ضعف العقول بضعف مثله والخلل بما هو أشد منه عاراً.
ما نظن عاقلاً يرضى بأن يعد في الأولياء سويد المجذوب وهو بإقرار المؤلف يتناول الحشيش فيغيب ويهذي ومثله تلك الطبقة من المجاذيب والمجانين وشيخنا المؤلف يقول للناظرين في كتابه اعتقدوا كما اعتقد بهؤلاء السخفاء.
وعلى ذلك فالكتاب ليس من الكتب المنقحة لأن المؤلف لم يشتغل بعلم التاريخ اشتغاله مثلاً بعلم الحديث ولذلك كان كحاطب ليل في بعض صفحات كتابه. وماذا تفيد الأمة ترجمة محمد بن مبارك القابوني مثلاً الذي ترجمه بأنه كان رئيساً في عمل الموالد! ندي الصوت حسنه بعيد النفس عارفاً بالموسيقى إلا أنه كان عامياً يلحن وكان أحد المؤذنين المشهورين بالجامع الأموي ورئيس المؤذنين بالدرويشية والسبائية.
إن نفس القارئ ثلج إذا قرأت ترجمة علي بن ميمون مثلاً وكان بعض أهل عصره يعتقدون فيه الخير والصلاح وهو على جانب من العلم فماذا يصر مؤلفنا لو كان اقتصر التعريف بمثله وبغيره من العلماء وأطرح من عداهم ممن لا غناء فيهم إلا تكبير حجم الكتاب وتلويثه بتلك الهنات ربما لا يقع كلامنا هذا الموقع المقبول من قلوب بعض من يحبون أن يحسنوا ظنهم بعباد الله أما المؤرخ والاجتماعي فلا يقنعه من الخلق أن يذكروا كلهم بالحمدة على قاعدة التساوي فيختلط صالحهم بطالحهم وعاقلهم بمجنونهم بل لا يرضى
стр. 3847
إلا أن يقدر كل واحد وما يعمل فقد قيل في بعض الآثار اذكروا الفاسق بما فيه وقيمة كل امرئ ما يحسنه.
إن ال قول بخرق العادة وتعدي نظام الطبيعة ليس هذا محل الجدال فيه وعلماء الإسلام أنفسهم على اختلاف بينهم فيه ومنهم من تكلم مجمجماً ومنهم من آثر السكوت والسكوت قد يضر في مثل هذا الموطن. أما كرامات الأولياء التي ينسبها بعض أحبابهم لهم وهم لا دعونها على الأغلب على نحو ما نسبوا أموراً للجيلي والرفاعي وغيرهما من العلماء فإنها تدخل في باب خرق العادة وهذه لا ينقل أخبارها إلا من يحملون بها في منامهم أو يقظتهم فإذا كان البشر نسبوا إلى أناس عرفت ترجمتهم على ما يجب أموراً لم يأتوا بها ولا قالوها أفما هم أحرياء أن يلبسوا مع ضعف المدارك على بعض الصالحين كرامات لم تخطر لهم في بال وهاك الآن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى فهو أصرح ما قرأناه وعساه يقف عنده المعتقدون ولا يفوتهم أن كل من قرأ قوانين الوجود وزكن معنى خرق العادة يستحيل عليه أن يؤمن بما نفاه علماء الإسلام حتى في القرون الوسطى قال ابن تيمية:
ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد أتى بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي الله فإن هذا إن لم يكن مجنوناً بل كان متولهاً من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارةً ويفيق أخرى وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب اتباع الرسول ﷺ فهو كافر وإن كان مجنوناً باطناً وظاهراً قد ارتفع عنه القلم. وقال نقلاً عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة وقال أبي القاسم الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال لا يقتدى به وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول في كتابه القديم وإن تطيعوه تهتدوا.
وقال: نجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه ولياً لله أنه قد أصدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أو يمشي على الماء أحياناً أو يملأ إبريقاً من الهواء أو ينفق
стр. 3848
بعض الأوقات من الغيب أو أن يختفي أحياناً عن أعين الناس أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها ولياً لله فقد يكون عدواً لله فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه ولي لله أن يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة مثال ذلك أن هذه المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة بل يكون ملابساً للنجاسات معاشراًَ للكلاب يأوي إلى الحمامات والمقامين والمقابر والمزابل رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف الخ.
وبعد هذا ننقل للقارئ نموذجاً من ترجمة المؤلف لرجل جليل في عصره وهو علي بن ميمون دفين مجدل معوش من أعمال شوف لبنان نورده بدون تذييل عليه ليستنتج القارئ لنفسه أن تلك الكرامات التي ينسبها المؤلف للمترجم لم يقل هو بها بل ادعاه له أحبابه ومريديه ومعظمهم قد يكونون مأخوذين بحبه لا ينظرون إلى الواقع إلا من وجه واحد قالالمؤلف ما نصه:
علي بن ميمون بن أبي بكر بن ميمون بن أبي بكر بن يوسف بن إسمعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن ميمون بن سليمان بن يحيى بن نصر بن يوسف بن عبد الحميد بن بلتززواز روق (؟) بن وسكرن بن عربه بن هلال بن محمد بن إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم كذا في باقي النسب لترجمته ابن طولون الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى العارف به السيد الشريف الحسيب النسيب أبو الحسن ابن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري الفاسي أصله
стр. 3849
كما قال ابن طولون من جبل غارا بالغين المعجمة في معاملة فاس. وقال الشيخ موسى الكنناوي أصله من غمارة وسكن مدينة فاس واشتغل بالعلم ودرس ثم تولى القضاء ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل وكان رأس العسكر ثم ترك ذاك أيضاً وصحب مشايخ الصوفية ومنهم الشيخ عرفة القيرواني فأرسل الشيخ عرفة إلى أبي العباس أحمد التوزي الدباسي بالتاء ومن عنده توجه إلى المشرق قال الشيخ موسى فدخل بيروت في أول القرن العاشر وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولاً هناك ولما دخل بيروت مكث ثلاثة أيام لم يأكل شيئاً فاتفق أن ابن عمران كان هناك وأتى بطعام فقال لبعض جماعته ادع لي ذلك الفقير فقام السيد علي بن ميمون وأكل وقال ابن عراق لأصحابه قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته ففي أثناء الطريق لعب ابن العراق على جواده كعادة الفرسان فعاب عليه السيد علي ابن ميمون فقال له أتحسن لعب الخيل أكثر مني قال نعم فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها سيدي علي فحل الحزام وشده كما يعرف وركب ولعب على الجواد فعرفوا مقداره في ذلك ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى الشيخ علي بن ميمون وصار من أمره ما صار.
قال الشيخ موسى كذا أخبرني علي الغرباني المغربي عن شيخه علي الكيزواني عن سيدي محمد بن عراق وقال في الشقائق أنه دخل القاهرة وحج مكنها ثم دخل البلاد الشامية وربى كثيراً من الناس ثم توطن بمدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها وقال كان لا يخالف السنة حتى نقل عنه أنه قال: لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان يفرش له جلدة شاة تعظيماً له وكان قوالاً بالحق لا يخاف في الله تعالى لومة لائم وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكراً يضربهم بالعصا قال وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفساً من المريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة انتهى.
وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتاب السفينة إنه لا يرى لبس الخرقة ولا إلباسها وذكر الشيخ علوان رضي الله تعالى عنه أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها وكان إذا بلغه أن أحداً سبه أو ذمه ونسبه إلى جهل أو فسق أو بدعة يتأول ما يتأول عنه وكان بقال عنه كناز وكيماوي فيقول: نعم أنا كناز وعندي كنز عظيم ولكن لا
стр. 3850
يطلبونه ولا يسألوني عنه وأنا كيماوي ولكن لا يطلبون مت عندي من الكيميا وأنا مطالبي وعند مطلب نفسي مزهود فيه ويشير إلى كنز العلم ومطلب المعرفة وكيمياء الحقيقة وكان كثيراً ما يقول جواب الزفوت السكوت.
ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتاً وعشرك كلاماً. وكان يقول الشيطان لأوحي وفيض فلا تغتروا بما يجري بنفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتى تشهدوا من قلوبكم. وكان إذا أتاه متظلم من الحكام يقول: له أصلح حالك مع الله فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين خلقه وكان ينهى أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول ما رأيت لهم مثلاً إلا الفار والحيات فإن كلاً منهما مفسد في الأرض فالحيات مسلطة على الفار والفار مسلطة على الناس وكذلك العوام مسلط بعضهم على بعض فسلط الله تعالى الحكام عليهم وكما أنه لا بد أن يسلط على الحية قاتلاً يقتلها أو يأتيها أجلها سلط على الظالم ظلماً آخر وكان شديد الإنكار على علماء عصره وكان يسمي القضاة القصاة والمشايخ المسايخ والفقيه الفقيع من فقع اللبن إذا فسد. وكان من كلامه لا ينفع الدار إلا ما فيها وكان يقول أيضاً لا تشتغل بعد أموال التجار وأنت مفلس. وكان يقول اسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا. وكان يقول لا تخلطوا الحقائق ويستند بقوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وكان يقول عجبت لمن كان يقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح. قلت وهو منقول عن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله تعالى عنه.
وكان يقول يبصر أحمدكم القذاة في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه قلت هو حديث رواه الإمام أحمد من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه يبصر أحدكم القذى في ين أخيه وينسى الجذع وكان يقول كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك.
وله كلام غير هذا وله من المؤلفات شرح الأجرومية على طريقة الصوفية وكتاب غرية الإسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والأعجام ورسائل عدة منها بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس ورسالة الأخوان من أهل الفقه وحملة القرآن وكشف الإفادة في حق السيادة ومواهب الرحمن وكشف عورات الشيطان وتذكرة السالكين وتذكرة المنيب بأخلاق أصحاب الحبيب كذا في ترجمته لا بن طولون ومنها رسالة لطيفة سماها تنزيه الصديق عن وصف الزنديق ترجم فيها الشيخ محي الدين بن العربي وذكر في
стр. 3851
أولها أن سبب تأليفها أنه دخل دمشق في سنة أربع وتسعين وثمانمائة فسمع عن بعض أهلها استنقاص الشيخ محي الدين بعد أن زار الشيخ عبد القادر بن حبيب الصفدي بها في شعبان من هذه السنة وهوالذي عرفه بابن عربي ومقامه في الصالحية قال وكنت أسمع به في المغرب ولا أدري من حاله سوى أنه من أهل العلم والخير فقصدت زيارته فانتهيت إلى حمام يقال له حمام الجورة فسألت من الحمامي أن يفتح لي باب المقام فصعد من بعض جدرانه وفتح لي باب مقامه فوجدته ليس فيه أثر العواد وفيه عشب يابس يدل أن أحداً لا يأتيه إلى أن قال ثم قعدت عند قدميه الكريمتين كما ينبغي بل أقول قعدت على سوء الأدب إذ هو أن أقف خارج المقام بالكلية في مقام السائل المقتر لكن أخطأت واسأل الله تعالى بلطفه أن يتوب عليَّ من ذلك قال رأيت في مشهده قبره عند رأسه حجراً مكتوباً فيه قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك الآية فعند ذلك قوي نور اعتقادي في الشيخ وتزايد نوراً على نور حتى ملأ ظاهري وباطني وكنت قصدت بلاد ابن عثمان رجاء الجواز من هناك إلى المغرب فدخلت برصة غرة المحرم سنة خمس وتسعين فلما كانت سنة تسع وتسعمائة خطر بنا إلى تقييد بعض كلمات في إظهار شيءٍ من محمود صفاته.
ثم ذكر ﵀ ترجمة الشيخ ابن العربي ﵁ ودل هذا الكلام منه على أنه كلن له اعتقاد زائد في ابن العربي وهو ما عليه أعيان المتأخرين من العلماء المحققين والصوفية المتعمقين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ودل هذا الكلام منه أيضاً أنه رضي الله تعالى عنه في كتاب السفينة أن سيدي علي بن ميمون دخل دمشق سنة أربع وتسعمائة وذكر ابن طولون في كتابه مفاكهة الأخوان أن سيدي علي بن ميمون أول ما دخل دمشق دخل في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة فهرع الناس إليه للتبرك به ونزل بحارة السكة الصالحية وصار بعمل بها ميعاداً ويرشد الناس.
وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النبي شيخ المالكية والشيخ شمس الدين بن رمضان شيخ الحنفية وسلكا على يديه وخلف انتهى ولا تنافى بين هذا وبين ما تقدم لأن ما ذكره ابن طولون هو مبلغ علمه إذ لم يعلم بقدمة ابن ميمون الأولى والثانية حتى ذكر هذا الكلام وايضاً فإن سيدي علي بن ميمون لم يشتهر في بلاد المغرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة ومكث بهامدة طويلة ثم قدم منها إلى
стр. 3852
دمشق في سابع عشرى رجب سنة إحدى عشرة وتسعمائة كما ذكره سيدي محمد ابن عراق في سفيتنه وتقدم في ترجمة ابن عراق من هذا الكتاب.
قال ابن عراق وأقام يعني شيخه ابن ميمون في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة اشهر وأربعة عشر يوماً يربي ويرشد ويسلك ويدعو إلى الله تعالى (كذا) سيدي الشيخ عبد النبي مفتي المالكية وسيدي محمد بن رمضان مفتي الحنفية وسيدي أحمد بن سلطان كذلك وسيدي عبد الرحمن الحموي مفتي الشافعية وسيدي إسماعيل الدنابي خطيب جامع الحنابلة وأبو عبد الرحمن قيم الجامع وسيدي عيسى القباقبي المصري وسيدي أحمد بن الشيخ حسن وجاره حسن الصواف وسيدي الشيخ داود العجمي انتهى.
قلت وكان ممن اصطحب منه شيخ الإسلام الجد رضي الله تعالى عنه وكان يحضر سيدي علي بن ميمون درسه ومجالسه فكان الجد رضي الله تعالى عنه يقول لا بن ميمون حين يحضر عنده يا سيدي علي أمسك لي قلبي أمسك لي قلبي.
وممن اجتمع به شيخ الإسلام الوالد وكان يومئذ في سن الثمان أو التسع لكنني لم أتحقق عنه أنه أخذ شيئاً أو لم يأخذ عنه وكان شيخنا الشيخ حسن الصلتي المقري يذكر أنه رأى سيدي علي ابن ميمون وحضر مجالسه فعلى هذا يكون بحمد الله قد صحبنا في طريق الله تعالى من صحبه.
ومن كراماته أنه حصلت بين رجلين من الفقراء المتجردين عنده منافرة فخرج أحدهما على وجهه فسمع الشيخ بذلك فقال لمن كان السبب في ذلك إما أن تأتي به وإما أن تذهب عني فلم يلبث يسيراً إلا والذي خرج على وجهه دخل على الشيخ وهو يبكي وذكر أن الشيخ تشكل له في صورة أسد وكان كلما توجه إلى طريق منعه من سلوكها.
ومن كراماته أن المطر حبس في دمشق في سنة ثلاثة عشر وتسعمائة فكتب سيدي علي بخطه درجاً إلى نائب دمشق سيباي فحضر النائب بالدرج إلى الجامع الأموي في يوم الجمعة رابع رمضان فقرأه على مفتي دار العدل السيد كمال الدين بن حمزة وقضاة القضاة الثلاثة الشافعي ابن فرفور والمالكي خير الدين والحنبلي نجم الدين بن مفلح فإذا فيه آيات من القرآن العظيم وأحاديث من السنة في التحذير من الظلم ثم انتقل إلى الفقهاء والقضاة فحذرهم من أكل مال الأوقاف ثم حث على الاستغفار وذكر ما يتعلق بذلك ومن نقل ذلك
стр. 3853
من السلف بحيث أن سيباي ذرف دمعه فهم فغي أثناء قراءة الدرج وقع المطر وجاء الله تعالى بالغيث كذلك ذكر هذه الواقعة ابن طولون وأنا لا أشك في أنها كرامة ظاهرة وانتقد ابن طولون على الدرج المذكور أن صاحب الترجمة تعرض فيه لذكر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون ولذكر غيره ولامهم فيه على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنا أقول لا انتقاد عليه في ذلك أصلاً فإنه أراد النتيجة فأعلن أن الفتنة التي وقعت بين التقوي ابن قاضي عجلون وابن أخته السيد كمال الدين وبقية أعيان دمشق بسب هدم التربة كما تقدم شرحها في ترجمة السيد وغيرها أيضاً إنما كانت بسبب توجه سيدي علي بن ميمون بقلبه عليهم وتكدر خاطره ويؤيد ذلك أن هدم التربة المذكورة كان في ثالث رمضان المذكور ثم استفتي الشيخ تقي الدين في هذه الأيام في هذه الوقعة وأفتى بعدم الهدم ثم هاجت الفتنة بعد ذلك وانتشر شرها وتطاير شررها حتى طلب الشيخ تقي الدين وابن أخته قاصرون إلى السلطان الغوري بمصر وصودر بأموال كثيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم رأت ابن طولون ترجم سيدي علي بن ميمون في التمتع باقران وذكر من مصنفاته بيان فضل خيار الناس والكشف عن منكر الوسواس والرسالة الميمونية في توحيد الجرومية وبيان غربة الإسلام ورسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن وكشف الإفادة في حسن السيادة ومواهب الرحمن في كشف عورات الشيطان وغير ذلك وقال قدم دمشق فلقاه الشيخ عبد النبي وأنزله حارة السكة بالصالحية وهرع الناس للسلام عليه طلبة العلم والفضلاء والعلماء والقضاة والأمراء وصار يسأل كلاً عن اسمه وينهاه عن ذكر اللقب إن ذكره ثم عن حرفته ويوصيه بتقوى الله تعالى ثم يوجه نفسه إلى القبلة ويرفع يديه إلى وجهه ويقرأ له الفاتحة ويدعو له ويصرفه وإن راى في ملبسه شيئاً منكراً ذكره.
قال ثم عقد للتسليك مجلساً في منزله فتلمذ له خلق من المذاهب الأربعة كالشيخ عبد النبي من المالكية والشمس بن رمضان من الحنفية والشهاب ابن مفلح من الحنابلة والزين الحموري من الشافعية وآخر من تسلك على يديه منهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عراق وشاع ذكره وبعد صيته وصار كلامه مسموعاً عند الأمراء خصوصاً نائب الشام سيباي ولهم فيه اعتقاد زائد.
ثم قال ابن طولون اجتمعت به وسلمت عليه ثم ترددت إلى مجلسه فما رأت عيني أعظم
стр. 3854
شأناً منه لكنه كان يستنقص الناس وقال احياناً ما رأيت في هذه المملكة اعلم من ابن حبيب الصفدي قال وكان ابن حبيب مشهوراً بمحبة ابن العربي وتبجح بها انتهى.
ومن كرامات ابن ميمون رضي الله تعالى عنه ما ذكره الشيخ علوان في شرح تائية ابن حبيب أن رجلاً من أعيان دمشق وفضلائها في العلم والتدريس قال بلغني أنه تفرس فيه أن لا يكون منه نتيجة وكان ذلك بعد أن تجرد ذلك الرجل وارتكب أنواعاً من الرياضة والمجاهدات وحكى السيد محمد بن سيدي علوان في تحفته قال أخبرني شفاهاً جمع ممن سكن قرية مجدل معوش التي هي قرية الشيخ وقبره فيها أنه كان في جوارهم وفي قريتهم كروم وقد يبست أغصانها وفسدت عروقها وتعطلت بالك لية فمذ دخل الشيخ المذكور تلك الأراضي عادت الأراضي المجدبة مخصبة وعادت أشجار العنب المذكورة أيضاً إلى أسحن ما يكون وأينعت ثمارها قال وهي مستمرة من ذلك إلى الآن إلى هذا الزمان ولم يعرف ذلك إلا من بركته.
وذكر أيضاً أن بعض أهل العلم حكى له وقد توجه لزيارة قبر سيدي علي بن ميمون رضي الله تعالى عنه في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة فقال أن من الغريب كرامات من أنتم متوجهون لزيارته ما شاهدته بعيني ذلك أن رجلاً من الأجناد أرسل كلباً قال أو صقراً على غزال فركضت الغزال حتى جاءت إلى الأرض التي هو مدفون فيها فدخلها واجتمعت في ظل الشيخ فقال للجندي دعها فإنها قد فعلت فعل العائذ بقبر الشيخ فلم يلتفت إلى مقالتهم وهي قائمة فلم تبرح من مكانها حتى أمسكها الجندي بيده وذبحها وأكل من لحمها فلما فرغ من أكله أخذه وجع في بطنه واستمر حتى مات من ليلته فلما غسل كان لحمه على المغسل مقطعاً قطعاً حتى كأنه أكل شيئاً مسموماً قالت فعلمت أنا وغيري أن ذلك كله من بركة الشيخ انتهى.
وكان سبب انتقال سيدي علي بن ميمون من دمشق إلى مجدل معوش وهي قرية من معاملة بيروت أنه دخل عليه وهو بصالحية دمشق قبض واستمر ملازماً له حتى ترك مجلس التأديب وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤوس الجبال حتى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل المعوش فهاجر إليها في ثاني عشر المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة قال سيدي محمد بن عراق ولم يصحب غيري والولد علي وكان سنه عشر سنين
стр. 3855
وشخصاً آخر عملاً بالسنة وأقمت معه خمسة أشهر وخمسة عشر يوماً وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به قال ودفن بعده في خارج حضرته المشرفة رجلان وصبيان وامرأتان وأيضاً امرأتان وبنتان الرجلان محمد المكناسي وعمر الأندلسي والصبيان عبد الله وكان عمره ثلاث سنين وموسى بن عبد الله التركماني وامرأتان أم إبراهيم وابنتها عائشة زوجة الذعري والمرأتان الآخرتان مريم القدسية وفاطمة الحموية وسألته عند وفاته عن أمور منها أين أجعل دار هجرتي فقال: مكان يسلم فيه دينك ودنياك ثم تلا قوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة الآية وقال ابن طولون في حوادث سنة سبع عشرة وتسعمائة من تاريخه ويوم الجمعة تاسع عشريه يعني جمادى الآخرة بعد صلاتها بالجامع الأموي نودي بالسدة بالصلاة غائبة على الشيخ العالم السيد علاء الدين علي بن ميمون المغربي. قال وقد صح أنه توفي في ليلة الخميس حادي عشره بتل بالقرب من مجدل معوش وبه دفن انتهى. ولم يختلف قول سيدي محمد بن عراق في السفينة وقول ابن طولون والشيخ موسى الكناوي أن سيدي علي بن ميمون توفي في ليلة الحادي عشر من جمادى الآخرة غير أن في كلام ابن طولون أنه كان يوم الخميس وتقدم أنه كان يوم الاثنين وقول ابن طولون أصح لأنه أرخ وهو الحمصي وغيرهما مستهل جمادى المذكورة أنه كان يوم الاثنين فيكون حادي عشرة يوم الخميس بلا شك رحمه الله تعالى اهـ.
следующие страницы →