Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
الأجلاء يتسابقون في التقرب بنظمهم ونثرهم إلى الأمير رغبة في العطايا الهائلة والهبات الطائلة. وحصل على هذا التنافس والتزاحم حركة فكرية أدبية لم تر أفريقية مثلها في عصر من عصور السلطنة الإسلامية وصارت القيروان كعبة العلم التي يحج إليها العلماء من جميع أصقاع المغرب حتى من الأندلس. وقد خصص العز لصحبته من بين هؤلاء الزعماء المتقدمين ابن شرف هذا وابن رشيق فكان يلتفت تارة إلى الأول وأخرى إلى الثاني وجرى بسبب ذلك بين هذين الأديبين مناقضات ومهاجمات رسمها كل منهما في رسائل مستقلة ومقامات متنوعة لم يصل إلينا منها شيء فيما نعلم.
حكى ابن شرب المترجم له في كتابه أبكار الأفكار قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه فقال: أحب أن تضعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين. فضمنا حالاً من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر فكان الذي صنعته:
يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ
قد لأن حتى لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ
سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ
والذي صنعه ابن رشيق:
موز سريعٌ أكله ... من قبل مضغ الماضغ
فمأكل لآكل ... ومشرب لسائغ
فالفم من لين به=ملآن مثل فارغ
يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ
فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل فكان ما عملته:
هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا
فيه شراب وغذا ... يربك كالماء القذى
لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا
وما عمله ابن رشيق:
стр. 4272
لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ
فواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ
ترى القذى العين فيه ... كما يزيها النبيذ
قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً. ولقد قال من حضر ذلك اليوم ما ندري مم نعجب أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية أم من حسن الاتفاق.
وحكى المؤلف المترجم له أيضاً في كتابه المذكور قال: استخلانا المعز يوماً وقال أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء فإني أستحسنه وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به وكلهن قارئات كاتبات فأحب أن أريهن هذا وأدعي أنه قديم لاحتج به على من عابه وآسي به من عيب عليه. فانفرد كل منا وصنع في الوقت فكان الذي قلت:
وبلقيسية زينت بشعر ... يسير بها ما يهب الشحيح
رقيق في خدلجة رداح ... خفيف مثل جسم فيه روح
حكى زغب الخدود وكل خد ... به زغب فمعشوق مليح
فإن يك صرح بلقيس زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح
وكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أن رأوا لها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا
فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون وقال: أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه فانظر ما ألطف هذه المناضلات وما أحلى هذه الحكايات ولولا خوف الإطالة لزدنا من هذه طرفاً تروق الخاطر.
واستمر ابن شرف على خدمة المعز إلى أن زحف عرب الصعيد من هلاليين ورياح وغيرهم واستولوا على غالب القطر التونسي بعدما خربوه ودمروه واضطر الأمير المعز إلى ترك القيروان أمام تلك القبائل المتوحشة (سنة ٤٩ هـ -) وفر إلى المهدية واتخذها دار ملكه وقد تبعه إليها شعراؤه وحاشيته. وفي خلاء القيروان يقول ابن شرف من قصيدة
стр. 4273
رنانة:
بعد خطوب خطبت مهجتي ... وكان وشك البين أمهارها
ذا كبد أفلاذها حولها ... وقسمت الغربة أعشارها
أطفالها ما سمعت بالفلا ... قط فعادت الفلا دارها
ولا رأت أبصارها شاطئاً ... ثم جلت باللج أبصارها
وكانت الأستار آفاقها ... فعادت الآفاق أستارها
ولم تكن تعلو سريراً علا ... إلا إذا وافق مقدارها
ثم علت فوق عشور الخطا ... ترمي به في الأرض أحجارها
ولم تكن تلحظها مقلة ... لو كحلت بالشمس أشفارها
فأصبحت لا تتقي لحظة ... إلا بأن تجمع أطمارها
وأقام ابن شرف مدة بالمهدية مع زمرة شعراء الملك يخدم الأمير المعز وابنه تميماً إلى رحل عنها قاصداً جزيرة صقلية لما سمع عن كرم أميرها وإليها لحقه رصيفة ابن رشيق وقد قدمنا أنه كان وقع بينهما بالقيروان ما وقع بين جرير والفرزدق أو بين الخوارزمي وبديع الزمان. فلما اجتمعا بصقلية تسامحا وأقاما بها زمناً ثم استنهض يوماً ابن شرف رفيقه على جواز الأندلس فأنشد حينئذٍ ابن رشيق البيتين المشهورين بين الخاص والعام:
مما يزهدني في أرض أندلس ... سماع مقتدرٍ فيها ومعتضد
ألقاب سلطنة في غير مملكة ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
فأجابه ابن شرف بديهة:
ان ترمك الغربة في معشر ... قد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
واجتاز ابن شرف وحده الأندلس وسكن المرية وغيرها وتردد على ملوك طوائفها كآل عباد بميلية وغيرهم وبهذه المدينة الأخيرة كانت وفاته سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٧ مسيحي) وخلف ابناً يدعى أبا الفضل جعفراً كان أديباً مجيداً أيضاً أورد له العماد في خريدته وانفتح في قلائده قصائد وفصولاً تشهد له بطول الباع.
أما تآليف محمد بن شرف فكثيرة على ما نقله إلينا المؤرخون فمنها كتاب أبكار الأفكار
стр. 4274
جمع فيه ما اختاره ونثره وهو أنفس مصنفاته (مفقود وقد يوجد منه شيء في بعض كتب الأدب). ومنها كتاب أعلام الكلام به نخب وملح (مفقود أيضاً). ثم رسائل الانتقاد والمظنون أنه ألفها بعد هجرته القطر التونسي كما يستفاد من سياق كلامه في مقدمتها. وغيرها من هذه المصنفات الأدبية النفيسة.
وها نحن نأتي على منتحبات نثر وشعر من كلام محمد بن شرف ليرى القارئ براعة هذا المؤلف الجليل ومكانته من الأدب.
فمن نظمه في الشوق إلى بلاده القيروان مدة إقامته بالأندلس:
يا قيروان وددت أني طائر ... فأراك رؤية باحث متأمل
يا لو شهدتك إذ رأيتك في الكرى ... كيف ارتجاع صباي بعد تكهل
وإذا تجدد لي أخ ومنادم ... جددت ذكر أخ خليل أول
لا كثرة الإحسان تنسي حسرتي ... هيهات تذهب علتي بتعلل
لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
وله في شكوى الزمان:
إني وإن عزني نيل المني لأرى ... حرص الفتى خلت زيدت على العدم
تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
وأنشد في المعنى:
عتاباً عسى أن الزمان له عتبى ... وشكوى فكم شكوى ألانت له القلبا
إذا لم يكن إلا إلى الدمع راحة ... فلا زال دمع العين منهملاً سكبا
وقال أيضاً:
وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد تخالف مكتوب القضاء به ... فكيف لي بقضاء غير مكتوب
ومن شعره في الحكم قوله:
احذر محاسن أوجه فقدت محا ... سن أنفس ولو أنها أقمار
سرج تلوح إذا نظرت فإنها ... نور يضيء وإن مسست فنار
وقوله:
стр. 4275
لا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا
ولا تعاتب على نقص الطباع أخاً ... فإن بدر السما لم يعط تكميلا
لا يؤيسينك من أمر تصعبه ... فالله قد يعقب التصعيب تسهيلا
بع من جفاك ولا تبخل بسلعته ... واطلب به بدلاً إن رام تبديلا
وصير الأرض داراً والورى رجلاً ... حتى ترى مقبلاً في الناس مقبولا
وله:
إذا صحب الفتى سعد وجد ... تحامته المكاره والخطوب
ووافاه الحبيب بغير وعد ... طفيلياً وناد له الرقيب
وله أيضاً:
يا ثاوياً في معشر ... قد اصطلى بنارهم
إن تبك من شرارهم ... على يدي شرارهم
أو ترم من أحجارهم ... وأنت في أحجارهم
فما بقيت جارهم ... ففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم=ودارهم في دارهم
ومن كلامه في التغزل قوله في ليلة أنس:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب
جمع العشائين المصلي وانزوى ... فيها الرقيب كأنه مرقوب
والكاس كاسية القميص كأنها ... لوناً وقدراً معصم مخضوب
هي وردة في خده وبكأسها ... تحت القناني عسجد مصبوب
مني إليه ومن يديه إلى يدي ... فالشمس تطلع بيننا وتغيب
وقوله أيضاً:
قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الوردي بالعفر
تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نور الروضة العطر
ما لذ للعين نوم بعدما ذكرت ... ليلاً سمرناه بين الضال والسمر
стр. 4276
تساقط الطل من فوق النحور به ... تساقط الدر في اللبات والثغر
وله من خمرية سمية:
خليل النفس لا تخلي الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا
وجاهر في المدامة من يرائي ... فما فوق البسيطة من يداجى
أمط عنك الكرى والليل ساج ... ودعنا نلبس الظلماء ساجا
وهات على اهتمام الروح راحاً ... يعيد هموم النفس لها اقتراجا
إذا مريخها اتقد احمراراً ... صببنا المشتري فيها مزاجا
وله:
بكيت دماً والقاصرات سوافر ... فلاحت خدود كلهن مورّد
وقد وقف الواشون في كل وجنة ... على محضر فيه المدامع تشهد
وله:
يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن
وقال:
قل للعذول لو اطلعت على الذي ... عانيته أعناك ما يعنيني
أتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني
دعني فلست معاقباً بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني
وقال فيمن اسمه عمر:
يا أعدل الناس اسماً كم تجور على ... فؤاد مضناك بالهجران والبين
أظنهم سرقوك القاف من قمر ... فأبدلوها بعين حيفة العين
وله أيضاً:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأني سبابة المتندم
وقال يمدح أستاذه الكاتب أبا الحسن علي بن أبي الرجال:
جاور علياً ولا تحفل بحادثة ... إذ ادرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العليين من قول ومن عمل
стр. 4277
فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذا ... تميز الشمس في الميزان والحمل
وربما عابه ما يفخرون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
ومن نظمه في أنواع شتى: قال في العود
سقى الله أرضاً أنبت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغني عليها الطير والعود أخضر ... وغنت عليه الغيد والعود يابس
وقال في الدرهم والدينار:
ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجر وإنذار
فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم وآخر ذا نار
وقال من قصيدة في وصف سيف:
إن قلت ناراً أتندي النار ملهبة ... أو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر
وله من أخرى:
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى ... فيان لأطراف الأسنة شائبا
ومن نثرة ما كتبه مستعطفاً محبوس في دين:
قد حكمت بسجن الأشباح. وهي سجون الأرواح. فامنن علي ماشئت منهما بالسراح. فالحبس نزاع الأرواح. والعقلة أخت القتلة. وكلاهما فقد. ومهر للخطوب وفقد. وإنما بينهما نفس متصاعد. وأجل متباعد. فالحق بهما ما أجلت بما عجلت. وقد أخرنا الدين. إلى يوم الدين.
ومن منثور كلامه في أبكار الأفكار:
لما فني عمر الأمس. وطفئ سراج الشمس. لاحت بروق الثغور اللوامع. وجلجلت رعود الأوتار في المسامع. وبعث محارق وابن جامع. فلم يزل ذلك دأبنا. ما أقلع سحابنا. حتى مسأنا هجعة. وكنا نقول بالرجعة.
وله في القرابة: الوجيه بين أقاربه. كالوادي بين مذانبه. تجذبن ماءه وتطلبن ظماءه.
وفي العداوة: كم قاطعك من راضعك. وقابحك من مالحك. ونافقك من وافقك. وناصبك من
стр. 4278
صاحبك. وحادك من وادك.
في أنواع شتى: الجود أنصر من الجنود - من بخل بماله. سمح بعرض آله - الباذل كثير العاذل - الكريم كثير الغريم - احذر الكريم إذا افتقر. واللئيم إذا اقتدر - احذر التقي إذا أنكر. والذكي إذا فكر - المطل أحد المنعين. واليأس أحد الصنعين - العشق أحد الرقين. والسلو أحد العتقين - رفث الكلام أحد السفاحين. وموالاة القبل أحد النكاحين - جميل الرد أحد الجودين. وبقاء الذكر أحد الخلودين - طول الجمود أحد القبرين. وبقاء الثناء أحد العمرين - بئس النصير التقصير - المتحاسر خاسر - من كثر فجره. وجب هجره - من كرمت خصاله. وجب وصاله - سحابة صيف. وزيادة طيف - الوسيلة جناح النجاح - رب عين إذا رأت زنت - لأكرم بمن حرم - المستلم أحزم من المتسلم.
هذا ما قصدنا إيراده هنا على أن ما جمعناه من كلام هذا الأديب البارع هو أطول من ذلك وقد لاقينا صعوبات جمة في نظم ما تشتت إذ لا يوجد تأليف يحوي تراجم فضلاء القطر التونسي والله المسؤول الإعانة.
ح. ح. ع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب أعن برحمتك
قال أبو عبد الله شرف القيرواني هذه أحاديث صنعتها مختلفة الأنواع. مؤتلفة في الأسماع. عربيات المواشم. غربيات التراجم. واختلقت فيها أخباراً فصيحات الكلام. بديعات النظام. لها مقاصد ظراف. وأسانيد طراف. يروق الصغير معناها. والكبير مغزاها. وعزوتها إلى أبي الريان الصلت بن السكن من سلامان. وكان شيخاً هماً في اللسان. وبدراً تماً في البيان. قد بقي أحقاباً. ولقي أعقاباً. ثم ألقته إلينا من باديته الأزمات. وأوردته علينا العزمات. فامتحنا من علمه بحراً جارياً. وقدحنا من فهمه زنداً وارباً. وأدرنا من بره طرفاً. واجتنينا من ثمره طرفاً. ونحن إذ ذاك والشباب مقتبل. وغفلة الزمان تهتبل. واحتذبت فيما ذهبت إليه. ووقع تعريضي عليه. من بث هذه الأحاديث ما رأيت الأوائل قد وضعته في كتاب كليلة ودمنة فأضافوا حكمه إلى الطير الحوائم. ونطقوا به على ألسنة الوحش والبهائم. لتتعلق به شهوات الأحداث. وتستعذب بسمره ألفاظ الحداث. وقد نجا بذا النحو
стр. 4279
سهل بن هرون الكاتب في تأليفه كتاب النمر والثعلب وهو مشهور الحكايات. بديع المراسلات. مليح الكاتبات. وزور أيضاً بديع الزمان الحافظ الهمذاني وهو الأستاذ أبو الفضل أحمد ابن الحسين مقامات كان ينشئها بديهاً في أواخر مجالسه وينسبها إلى راوية رواها له يسميه عيسى بن هشام وزعم أنه حدثه بها عن بليغ يسميه الاسكندري وعددها فيما يزعم رواتها عشرون مقامة إلا أنها لم تصل هذه العدة إلينا وهي متضمنة معاني مختلفة. ومبنية على معاني شتى غير مؤتلفة. لينتفع بها من الكتاب والمحاضرين من صرفها من هزل إلى جد. ومن ند إلى ضد. فأقمت من هذا النحو عشرين حديثاً أرجو أن يتبين فصلها. ولا تقصر عما قبلها. ولعمري ما أشكر من نفسي. ولا أثني على شيء من حسي. إلا ظفري بالأقل مما حاولته على ما أضرمته نيران الغربة من قلبي. وثلمته صعقات الفتنة من لبي. وقطعت أهوال البر والبحر من خواطري. وأضعفت الوحشة والوحدة من غرائزي وبصائري. لكن نية القاصد وسعة المقصود. أعانا ذا الود على أتحاف المودود. والله أسأل توفيقاً. ينهج لنا إلى الرشد طريقاً.
فمنها:
قال محمد وجاريت أبا الريان في الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم واستكشفته عن مذهبه فيهم ومذاهب طبقته في قديمهم وحديثهم فقال الشعراء أكثر من الإحصاء وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. فقلت لا أعتبك بأكثر من المنهورين. ولا أذاكر راك إلا في المذكورين مثل الضليل والقتيل. ولبيد وعبيد. والنوابغ والعشو. والأسود بن يعفر. وصخر الغي وابن الصمة دريد. والراعي عبيد. وزيد الخيل. وعامر بن الطفيل. والفرزدق وجرير. وجميل بن معمر وكثير. وابن جندل. وابن مقبل. وجرول. والأخطل. وحسان في هجائه ومدحه. وغيلان في ميته وصيدحه. والهذلي أبي ذؤيب وسحيم نصيب. وابن حلزة الوائلي. وابن الرقاع العاملي. وعنترة العبسي. وزهير المري. وشعراء فزارة. ومفلقي بني زرارة. وشعراء تغلب ويثرب. وأمثال هذا النمط الأوسط كالرماح. والطرماح. والطثري والدميني. والكميت الأسدي. وحميد الهلالي. وبشار العقيلي. وابن أبي حفصة الأموي. ووالبة الأسدي. وابن جبلة الحلمي. وأبي نواس الحكمي. وصريع الأنصاري. ودعبل الخزاعي. وابن الجهم القرشي. وحبيب الطائي والوليد البحتري. وابن المعتز
стр. 4280
العباسي. وعلي بن العباس الرومي. وابن رغبان الحمصي. ومن الطبقة المتأخرة في الزمان. المتقدمة في الإحسان. كأبي فراس بن حمدان. والمتنبي بن عبدان. وابن جدار المصري. وابن الأحنف الجنفي. وكشاجم الفارسي. والصنوبري الحلي. والنصر الخبزدزي. وابن عبد ربه القرطبي. وابن هاني الأندلسي. وعلي بن العباس الأيادي التونسي. والقسلطي قال أبو الريان لقد سميت مشاهير. وأبقيت الكثير. قلت بلى: ولكن ما عندك فيمن ذكرت. قال: أما الضليل مؤسس الأساس. وبنيانه عليه الناس. كانوا يقولون أسيلة الخد حتى قال أسيلة مجرى الدمع. وكانوا يقولون تامة القامة وطويلة القامة وجيداء وتامة العنق وأشباه هذا حتى قال بعيدة مهوى القرط وكانوا يقولون في الفرس السابق يلحق بالغزال والظليم وشبهه حتى قال قيد الأوابد ومثل هذا له كثير. ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج. فبقيت هذه جدداً وتلك نواهج. وكل شعر بعد ما خلاها فغير رائق النسج. وإن كان النهج وأما طرفه فلو طال عمره. لطال شعره. وعلا ذكره. ولقد خص بأوفر نصيب من الشر. على أيسر نصيب من العمر. فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة. وأوصاف من علو الهمة. والطبع معلم حاذق. وجواد سابق. وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة. عن جنان الأصالة. فلا تسمع له إلا كلاماً فصيحاً. ومعنىً مبيناً صريحاً. وإن كان شيخ الوقار. والشرف والفخار. لبادئات في شعره وهي دلائله. قبل أن يعلم قائله. وأما العبسي فمجيد في أشعاره. ولا كمعلقته فقد انفرد بها انفراد سهيل. وغبر في وجوده الخيل. وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة. ورقة الغزل وغلظة البسالة. وأطال واستطال. وأمن السآمة والكلال. وأما زهير فأي زهير. بين لهوات زهير. حكم فارس. ومقامات الفوارس. ومواعظ الزهاد. ومعتبرات العباد. ومدح يكسب الفخار. ويبقى بقاء الإعصار. ومعاتبات مرة تحسن. ومرة تخشن وتارة تكون هجواً. وطوراً تكاد تعود شكراً. وأما ابن حلزة فسهل الحزون. قام خطيباً بالموزون. والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر. وهذا أسهل السهل بالوعر. وذلك مثل قوله:
أبرموا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ ومن مجيبٍ ومن تص ... هالٍ خليل خلال ذاك رغاء
стр. 4281
فلو اجتمع كل خطيب ثائر. من أول وآخر. يصفون سفراً نهضوا بالأسحار. وعسكراً تنادي بالنهوض إلى طلب الثار. ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه ولم يقصروا عنه وسائر قصيدته في هذا المسلك شكاية وطلاب نصفة وعتاب في عزة وأنفة وهو من شعراء وائل وأحد أسنة هاتيك القبائل. وأما ابن كلثوم فصاحب واحدة بلا زياة أنطقه بها عز الظفر وهزه فيها جن الأشر فقعقعت رعوده في أرجائها وجعجعت رحاه في أثنائها وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها وملتها التي تعتمد عليها فلم يتركوا إعادتها ولا خلعوا عبادتها إلا بعد قول القائل:
ألهى بن يني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
على أنها من القصائد المحققات وإحدى المعلقات. وأما النابغة فأشعاره الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى نضجها ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسمها لم تهلهلها ميعة الشباب ولا وهاء الأسباب ولا لوم الاكتساب فشعره وسائط سلوك وتيجان ملوك. وأما النابغة الجعدي فنقي الكلام شاعر الجاهلية والإسلام واستحسن شعره أفصح الناطقين ودعا له أصدق الصادقين وكان شاعراً في الافتخار والثناء قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء وكان مغلوباً في الجاهلية وطريد ليلى الأخيلية. وأما العشي بأجمعهم فكلهم شاعر ولا كميمون بن قيس شاعر المدح والهجاء واليأس والرخاء والتصرف في الفنون والسعي في السهول والحزون نفق مدحه بنات المحلق وكان في فقر ابن المذلق وأبكى هجوه علقمة كما تبكي الأمة. وأما الأسود بن يعفر فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت أو بكى حاله حالت أو وصف ربعاً خلا بعد عمران أو داراً درست بعد سكان فإذا سلك هذا السبيل فهو من حشو هذا القبيل كعمرو بن زيد وسعد وسعيد. وأما حسان فقد اجتث بواكر غسان ثم جاء الإسلام وانكشف الإظلام فجاحش عن الدين وناضل عن خاتم النبيين فشعر وزاد وحسن وأجاد إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين وتسديد الروح الأمين. وأما دريد بن الصمة فصمة صمم وشاعر جشم وغزل هرم وأول من تغزل ي رثاء وهزل في حزن وبكاء فقال في معبد أخيه قصيدته المشهورة يرثيه:
إرث جديد الحبل من أم معبد
وهي من شاجيات النوائح وباقيات المدائح. وأما الراعي عبيد فجبل على وصف الإبل
стр. 4282
فصار بالراعي يعرف زنسي ما له من الشرف. وأما زيد الخيل فخطيب سجاعة وفارس شجاعة مشغول بذلك عما سواه من المسالك. وأما عامر ابن الطفيل فشاعرهم في الفخار وفي حماية الجار وأوصفهم لكريمة وأبعثهم لحميد شيمة. وأما ابن مقبل فقديم شعره وصليب نحره. ومغلى مدحه. ومعلى قدحه. وأما جرول فخبيث هجاؤه شريف ثناؤه صحيح بناؤه رفع شعره من الثرى وحط من الثريا. وأعاد بلطافة فكره ومتانة شعره قبيح الألقاب فخراً يبقى على الأحقاب ويتوارث في الأعقاب. وأما أبو ذؤب فشديد أسر الشعر حكيمه شغله فيه التجريب حديثه وقديمه وله المرثية النقية السبك المتينة الحبك بكى فيها بنيه السبعة ووصف الحمار فطول وهي التي أولها:
أمن المنون وريبه تتوجع
وأما الخطل فسعد من سعود بني مروان. صفت لهم مرآة فكره. وظفروا بالبديع من شعره. وكان باقعة من حاجاه. وصاعقة من هاجاه. وأما الدرامي همام فجوهر كلامه. وأغراض سهامه. وإذا افتخر بملك ابن حنظلة. وبدارم في شرف المنزلة. وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اخيار جرير عليه بقليله على كثيره. وبصغيره على كبيره. فانه يصادمه حينئذٍ ببحرٍ ماد. ويقاومه بسيف حاد. وأما ابن الخطفي فزهد في غزل. وحجر في جدل. يسبح أولاً في ماء عذب. ويطمح آخراً في صخر صلب. كلب منابحته. وكبش مناطحته. لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح. ولا تدمي هامته مداومة النطاح. جارى السوابق بمطية. وفاخر غالب بعطية. وبلغته بلاغته إلى المساواة. وحملته جرأته على المجاراة. والناس فيهما فريقان. وبينهما عند قوم فرقان. وأما القيسان وطبقتهما فطبقة عشقة. توقة. استحوذت الصبابة على أفكارهم واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم فكلهم مشغول بهواه لا يتعداه إلى سواه. وأما كثير فحسن النسيب فصيحة لطيف العتاب مليحة شجي الاعتراب قريحة جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء وجزالة مدح الخلفاء. وأما الكميت والرماح ونصيب الطرماح فشعراء معاصره ومناقضات ومفاخره فنصيب أمدح القوم والطرماح أهجاهم والرماح أنسبهم والكميت أشبههم تشبيباً. وأما بشار بن برد فأول المحدثين وآخر المخضرمين وممن لحق الدولتين عاشق سمع وشاعر جمع شعره ينفق عند ربات الحجال. وعند فحول الرجال فهو يلين حتى يستعطف. ويقوى حتى يستنكف وقد طال عمره وكثر
стр. 4283
شعره وطما بحره ونقب في البلاد ذكره. وأما ابن أبي حفصة فمن شعراء الدولتين وممن حظي بالنعمتين ووصل إلى الغنى بالصلتين وكان درب المعول ذرب المقول والد شعراء ومنجب فصحاء. وأما أبو نواس فأول الناس في خرم القياس وذلك أنه ترك السيرة الأولى. وانكب على الطريقة المثلى وجعل الجد هزلاً والصعب سهلاً فهلهل المسرد وبلبل المنضد وخلخل المنجد وترك الدعائم وبنى على الطامي والعائم وصادف الأفهام قد نكلت وأسباب العربة قد تخلخلت وانحلت والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت. فمال الناس إلى ما عرفوه وعلقت نفوسهم بما ألفوه فتهادوا شعره وأغلوا سعره. وشغفوا بأسخفه وكلفوا بأضعفه وكان ساعده أقوى وسراجه أضوا لكنه عرض الأنفق وأهدى الأوفق وخالف فشهر وعرف وأغرب فذكر واستظرف والعوام تختار هذه الأعلاق وأسواقهم أوسع الأسواق فشعر أبي نواس نافق عند هذه الأجناس كاسد عند أنقد الناس وقد فطن إلى استضعافه وخاف من استخفافه. فاستدرك بفصيح طرده طرفاً حد اللسان وحدوده وهو محدود في كثرة التظاهر على من غض منه بالحق الظاهر ليس إلا لخفة روح المجون وسهولة الكلام الضعيف الملحون على جمهور العوام لا على خواص الأنام. وأما صريع فكلامه مرصع ونظامه مصنع وجملة شعره صحيحة الأصول مصنعة الفصول قليلة الفضول. وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه وبمعزل عمن سواه دفع نفسه عن المدح والهجاء ووضعها بين يدي هواه من النساء قد رقق الشغف كلامه وثقفت قوة الطبع نظامه فله رقة العشاق وجودة الحذاق. وأما دعبل فمديد مقبل اليوم مدح وغداً قدح يجيد في الطريقتين ويسيء في الخليقتين وله أشعار في العصبية وكان شاعر علماء وعالم شعراء. وأما علي بن الجهم فرشيق الفهم راشق السهم استوصل شعره الشرفاء ونادم الخلفاء وله في الغزل الرصافية وفي العتاب الدالية ولو لم يكن له سواهما لكان أشعر الناس بهما. وأما الطائي حبيب فمتكلف إلا أنه يصيب ومتعب لكن له من الراحة نصيب وشغله المطابقة والتجنيس حبذ ذلك أويس جزل المعاني مرصوص المعاني مدحه ورثاؤه لا غزل له وهجاؤه طرفاً نقيض وخطباً سماء وحضيض وفي شعره علم جم من النسب وجملة وافرة من أيام العرب وطارت له أمثال وحفظت له أقوال وديوانه مقرو وشعره متلو قال ابن بسام أما صفته هذه لأبي تمام فنصفه لم يثن عطفها حمية ولا تعلقت بذيلها عصبية حتى لو سمعها حبيب
стр. 4284
لتخذها قبلة واعتمدها مله فما لام من أدَّب وإن أوجع ولا سب من صدق وإن أقذع. وأما البحتري فلفظه ماء ثجاج ودرر رجراج ومعناه سراج وهاج على اهداء منهاج يسبقه شعره. إلى ما يجيش به صدره يسر مراد ولين قياد إن شربته أرواك وإن قدحته أوراك طبع لا تكلف يعيبه ولا العناد يثنيه لا يملّ كثيره ولا يتكلف غزيره لم يهف أيام الحلم ولم يصف زمن الهرم. وأما ابن المعتز فملك النظام كما هو ملك الأنام له التشبيهات المثلية والاستعارات الشكلية والإشارات السحرية والعبارات المجرية والتصاريف الصنوفية والطرائق الفنونية والافتخارات الملوكية والهمات العلوية والغزل الرائق والعتاب الشائق ووصف الحسن الفائق.
وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد
وأما ابن الرومي فشجرة الاختراع وثمرة الابتداع وله في الهجاء ما ليس له في الإطراء فتح فيه أبواباً ووصل منه أسباباً وخلع منه أثواباً وطوق فيه رقاباً يبقين أعماراً وأحقاباً يطول عليها حسابه ويمحق بها ثوابه ولقد كان واسع العطن لطيف الفطن إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة. وأما كشاجم فحكيم شاعر وكاتب ماهر له في التشبيهات غرائب وفي التأليفات عجائب يجيد الوصف ويحققه ويسبك المعنى فيرققه ويروقه. وأما الصنوبري ففصيح الكلام غريبه مليح التشبيه عجيبه مستعمل لشواذ القوافي يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي فتجلو وتدق وتعذب وترق وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار وأنواع الأنوار وكان في بعض أشعاره يتخالع وفي بعضها يتشاجع وقد مدح وهجا ونثر وشجا وأعجب شعره وأطرب وشرق وغرب ومدح من أهل أفريقية أمير الزاب جعفر بن علي منفق سوق الآداب فوصله بألف دينار بعثها إليه مع ثقات التجار. وأما الخبزرزي فخليع الشعر ماجنه رائق اللفظ بائنه كثيرة محاسنه صحيحة أصوله ومعادنه رائقة البزة مائلة إلى العزة تسليه عن الحب الخيانة ويروقه الوفاء والصيانة وله على خشونة خلقه وصعوبة خُلقه اختراعات لطيفة وابتداعات ظريفة في ألفاظ كثيفة وفصول قليلة الفضول نظيفة حتى أن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه واهتضم طرفاً من معانيه وهو من معاصريه فقل من فطن لمراميه. وأما أبو فراس بن حمدان ففارس هذا الميدان إن شئت ضرباً وطعناً ولفظاً ومعنى ملك زماناً وملك أواناً وكان أشعر الناس في المملكة وأشهرهم
стр. 4285
في ذل الملكة وله الفخريات التي لا تعارض والأسريات التي لا تناقض. وأما المتنبي فقد شغلت به الألسن وسبرت في أشعاره العيون الأعين وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره والمفتش في قعره عن جمانة ودره وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف وله شيعة تغلو في مدحه وعليه خوارج تتعايا في جرحه والذي أقول أن له حسنات وسيئات وحسناته أكثر عدداً وأقوى مدداً وغرائبه طائرة وأمثاله ثائرة وعلمه فسيح وميزه صحيح يروم فيقدر ويدري ما يورد ويصدر.
قال أبو الريان هذا ما عندي في شعراء المشرق وقد سميت لي من متأخري شعراء المغرب من لعمري لا يبعد عن معاصرهم ولا يقصر عن سابقهم. فأما ابن عبد ربه القرطبي وإن بعدت عنك دياره فقد صاقبتنا أشعاره ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة وتكفيرات توبته الصدوقة ومدائحة المروانية ومطاعنه في العباسية وهو في كل ذلك فارس ممارس وطاعن مداعس وأطلعنا في شعر على علم واسع ومادة فهمٍ مضيءٍ ناصع من تلك الجواهر نظم عقده وتركه لمن يتجمل به بعده. وأما ابن هاني محمد الأندلسي ولادة القيرواني وفادة وإفادة فرعدي الكلام سردي النظام متين المباني غير مكين المعاني يجفو بعطنها عن الأوهام حتى تكون كنقطة النظام إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق وله غزل قفري لا عذري لا يقنع فيه بالطيف ولا يشفع فيه بغير السيف وقد نوه به ملك الزاب وعظم شأنه بأجزل الثواب وكان سيف دولته في إعلاء منزلته من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه لردادة عقله ورقة دينه وضعف يقينه ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر. وأما القسطلي فشاعرهم ماهر بما يقول تشهد له العقول بأنه المؤخر بالعصر المقدم في الشعر حاذق بوضع الكلام في مواضع لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد الزمان وأقربه. وأما علي التونسي فشعره المورد العذب ولفظه اللؤلؤ الرطب وهو بحتري الغرب يصف الحمام فيروق الأنام ويشبب فيعشقق ويجب ويمدح فيمنح أكثر ما يمنح.
هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين على احتقار المعاصر واستصغار المجاور فحاش لله من الأوصاف بقلة الإنصاف للبعيد والقريب والعدو والحبيب.
стр. 4286
قلت: يا أبا الريان أكثر الله مثلك في الإخوان ووقاك محذور الزمان ومرور الحدثان فلقد سبكت فهماً وحشيت علماً.
قال محمد قلت لأبي الريان في مجلس عقيب هذا المجلس يا أبا الريان لقد رأيت لك نقداً مصيباً ومرمى عجيباً ولقد أرغب في أن أنال منه نصيباً قال النقد هبة الموالد. زفيه زيادة طارف إلى تالد ولقد رأيت علماء بالشعر ورواةً له ليس لهم نفادٌ في نقده ولا جودة فهم في رديئه وجيده وكثير ممن لا علم له يفطن إلى غوامضه وإلى مستقيمه ومتناقضه. قلت أنا شديد الرغبة إلى فضلك في أن تسهمني من ميزك وعقلك ما أستهدي بسراجه على مستقيم منهاجه فأقف من سرائره على بعض ما وقفت وأعرف من متأخره ومعانيه جزءاً مما عرفت. قال نعم أول ما عليه تعتمد وإياه تعتقد أن لا تستعجل باستحسان ولا باستقباح ولا باستبراد ولا باستملاح حتى تنعم النظر وتستخدم الفكر واعلم أن العجلة في كل شيء مودئٌ زلوق ومركب زهوق فإن من الشعر ما يملأ لفظه المسامع ويرد على السامع منه قعاقع فلا يرعك شماخة مبناه وانظر إلى ما فيّ سكناه من معناه فإن كان في البيت ساكن فتلك المحاسن وإن كان خالياً فاعدده جسماً بالياً وكذلك إذا سمعت ألفاظاً مستعملة وكلمات مستذلة فلا تعجل باستضعافها حتى ترى ما في أضعافها فكم من معنى عجيب في لفظ غير غريب والمعاني هي الأرواح والألفاظ هي الأشباح فإن حسنا فذلك الحظ الممدوح وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح. قال: وتحفظ عن شيئين أحدهما أن يحملك إجلال القديم المذكور على العجلة باستحسان ما تستمع له والثاني أن يحملك أصغارك المعاصرة المشهود على التهاون بما أنشدت له. فإن ذلك جورٌ في الأحكام وظلم من الحكام حتى تمحص قولهما فحينئذٍ تحكم لهما أو عليهما وهذا باب في اغتلاقه استصعاب وفي صرف العامة وبعض الخاصة عنه أتعاب وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبثت القلوب بسيرة القديم ونفارها من المحدث الجديد فقال حاكياً لقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وقال لن نعبد إلا ما وجدنا عليه آباءنا وقد قلت أنت:
أغري الناس بامتداح القديم ... وبذم الجديد غير ذميم
ليس إلا لأنهم جسدوا الح ... ي ورقوا على العظام الرميم
وقلت في هذا المعنى:
стр. 4287
قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ... ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان جديداً ... وسيغدو هذا الجديد قديما
فلا يرعك أن تجري على منهاج الحق في جميع الخلق فيه قامت السموات والأرض وبه أحكم الإبرام والنقض وسأمثل لك في ذلك مثالاً وأملأ أسماعك مقالاً وفهمك عدلاً واعتدالاً.
يتبع
стр. 4288
مخطوطان ومطبوعان
حاضر الإسلام ومستقبله
تأليف الأستاذ مونثه من كلية جنيف (سويسرا) طبع على نفقة الكتبي
بول كوتنز بباريز ص ١٥٧
في رجال العلم في الغرب فئة قليلة تجردت نفوسهم عن الغايات فإذا أصدروا حكمهم على أمر يصدروه أقرب إلى الصحة أحياناً أكثر ممن تربوا تربية القرون الوسطى وتشبعوا بأفكار أهلها أو نزعوا منزعاً سياسياً فصارت أقوالهم وأقوالهم تصدر وهي ترشح من مادة سياسة دولتهم. ومن أهل تلك الفئة الفاضلة الأستاذ مونته من جامعة جنيف في سويسرا ألقى ست محاضرات في حاضر الإسلام وماضيه وباللغة الإفرنسية في كوليج دي فرانس بباريز وهي دار العلم العامة ونشرها في كتاب أرسل إلينا لنبدي رأينا فيه فرأينا أن نلخص أقواله أولاً ثم نعقب عليها إذا وجدنا داعياً قال في المحاضرة الأولى في الأبحاث الإسلامية وإحياء نفوس أهل الإسلام وانتشار دينهم أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى وهولاندا هي الدول التي لها علاقة كبرى بالمسلمين لأن لها في مستعمراتها ملايين منهم تابعين لها وإن طبائع الحكومات الخاضعين لها تختلف باختلاف طبائعهم فيمكن إرجاع المسلمين المحكوم عليهم في آسيا وأفريقيا إلى ثلاثة أقسام كبرى الهنود والمالايو والأفريقيون وأنه يؤثر أن يتكلم على المسلمين الخاضعين لفرنسا بنوع خاص ولا يتعرض لمسلمي الهند وجاوه وسومطرا إلا بالعرض.
المسلمون البربر يختلفون في طبائعم عن مسلمي العرب أو الفرس أو الهنود أو الصينيين أو المالايو كما تختلف النصرانية إذا نظر إليها نظراً إجمالياً لأنها تختلف باختلاف طبائع أهلها بحسب الأقاليم أوربية كانت أو أمريكية أو أفريقية أو آسياويه.
إذا نظر إلى البلاد الإسلامية من حيث مجموعها يتأتى أن يقال له الإسلام في الجملة منتشر في جزء عظيم من قارة آسيا وجزء مثله من قارة أفريقية وفي بلاد عظيمة جداً من ماليزيا دع عنك النازلين من أهل الإسلام في قارتي أوربا وأمريكا وعددهم فيهما لا يستهان به.
وإذا جئنا نحصي عدد المسلمين كان لفرنسا في أفريقية منهم ٢٣. ١٠٨. ٠٠ وربما بلغ المسلمون تحت علم إنكلترا ٦٨. ٠٠٠. ٠٠٠ وتحت حكم هولاندا ٣٨. ٩٣٨. ٠٠٠ منهم
стр. 4289
زهاء ثلاثين مليوناً في جاوه والمسلمون في الصين ثلاثون مليوناً أما سائر بلاد الإسلام فليس لها إحصاء يعتمد عليه إلا مصر وعددهم فيها ١٠. ٢٦٩. ٠٠٠ وسكان المملكة العثمانية ٢٤ مليوناً القسم الأعظم منهم مسلمون وفي إيران تسعة ملايين وفي مراكش مثلهم أو أقل أو أكثر فيبلغ عدد من ينتحلون الإسلام في العالم من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ مليوناً. ولم يقف الإسلام عند حد البلاد التي انتشر فيها بل تعداها إلى غيره شأن إناء صببت فيه زيتاً أكثر مما يسع فض على جوانب الآنية.
انتشر الإسلام بشرعة منذ أول ظهوره وقليل في الأديان التي شابهته وانبثت دعوته إلى اليوم مثله وإن النجاح الذي صادفه منذ انتشاره قد كان داعياً إلى التقول في أسبابه خطأ إذ عجب الناس كيف انتشرت سلطة محمد وإصلاحه خارج جزيرة العرب وقال القائلون ولا يزالون يقولون أن السبب الداعي إلى انتشار الدين الإسلامي قد كان منبعثاً من أسباب زمانية كانت من طبيعة محمد والخلفاء الأول وقبل كل شيء دعت إليها القسوة وقوة السيف ولكن الواقع قد كذب هذا الظن إذ لم ينظر الناظرون إلى الأسباب المختلفة التي نشأت عنها سرعة انتشار الدعوة إلى هذا الدين.
لا شك عندي بأن مبادئ الإصلاح الإسلامي كانت بداءة بدءٍ دينية صرفة. فكان محمد رسولاً على ما عرف العبرانيون رسلاً مثله فقام باعتقاد خالص وأتى على الوثنية وتوخى أن ينقذ مواطنيه من دين بربري سخيف وأن يخرجهم من حالة في الأخلاق والمدنية منحطة كل الانحطاط. فلا مجال إلى الشك إذاً في إخلاصه وحماسته الدينية التي كانت متشبعة بها نفسه وفكره فقام يدعو بعواطفه إلى إصلاحه في مكة ثم في المدينة.
ولما نقل مركز إصلاحه إلى يثرب لم يلبث عنصر جديد أن ينضم إلى إرادته الإصلاحية وهذا العنصر هو الشعور الوطني العربي والفكر الذي أخذ يسري في عقله بتوحيد بلاد العرب توحيداً سياسياً فنشأ بعد ذلك فكر الإصلاح الديني إلى فكر جمع كلمة القبائل العربية تحت سلطة دينية وسياسية واحدة ومن هناك نشأت جرثومة مزج السلطتين الدينية والمدنية اللتين تجلى أمرهما في الحضارة الإسلامية وكانت سبب عظمتها ومجدها كما أن بذلك يعلل سبب انحطاطها وخرابها وبهذا ساغ أن نميز بين انتشار الدعوة الإسلامية بادئ بدءٍ ووعظ القرآن والهداية الدينية وبين الفتح الحربي وتوحيد سياسة العالم العربي. وهذا
стр. 4290
التمييز الأساسي الجوهري لا يفاجأ به إنسان تبحر في دروس التاريخ الديني فإن مؤرخي الإصلاح الذي قام به لوثيروس وكلفن شاهدون بما كان للسياسة من عمل في نشر المذهب البرتستانتي. وحقاً أن كبار المصلحين في القرن السادس عشر كانوا أرباب وجدانات وأخلاق ونوابغ في الدين من الطراز الأول ولكن جذبهم تيار السياسة في عصرهم فعملوا على أن يديروه بحيث يوافق رغائبهم الدينية.
وإن في تاريخ البابوية أمثلة لا تقل ع ذلك في الظهور والدلالة على الصلة الشديدة في النشوء البشري بين المصالح الروحية والمصالح السياسية والاعتبارات الدينية والاعتبارات العملية والمادية.
ولقد ذهب بعضهم مذاهب أخرى في تأويل هذه القضية المعروفة في سرعة انتشار الإسلام لأول أمره وأرى أن من الباحثين من أوغلوا في تعليل الأسباب على حين يكفي كما بينا أن تعتبر الأسباب العامة الاعتيادية في حياة كل مجتمع بشري فقال بعضهم إن القوة في انتشار هذا الدين نشأت من طبيعة هجرة العنصر العربي الذي كان يبحث عن مخرج يخرج إليه من أرضه لأن بلاده كانت ضيقة لا تكفيه وزعم آخرون أن السبب في انتشار العنصر العربي والهجرة التي انتهت في القرن السابع للميلاد بنشر الإسلام في جزء مهم من بلاد الشرق كان منبعثاً من بطء التبدل في بلاد العرب ألوفاً من السنين. فكان من نتيجة ذاك التبدل جفاف تلك الشبه الجزيرة التي تعادل بمساحتها ثلاثة أربع مساحة أوربا أما نحن فنخشى كثيراً أن يكون هذا التغير الأساسي في المناخ لا يصل بنا إلى أوقات عريقة في القدم قبل أن عرف التاريخ.
أوجزنا الكلام على هذه الأسباب في انتشار الدعوة الإسلامية لأول عهد الهجرة لأن هذا الدين ما برح ينتشر إلى اليوم والعاملان الجوهريان فيه على الدوام هما اللذان أوردناهما أولاً وما انتشار الإسلام في القرن العشرين إلا ناشئ من أسباب منها الديني ومنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
فالأسباب الدينية إذا بحثنا فيها كان علينا بادئ الرأي أن تنظر فيما إذا كان للإسلام كما للنصرانية مبشرون فإنا نرى النصرانية تنتشر في الخارج بواسطة جمعيات التبشير وعوامل منفردة في المذهب البرتستانتي والمذهب الكاثوليكي بواسطة الرهبنات. وليت
стр. 4291
شعري هل في الإسلام شيء يشبه هذا فالجواب لا ونعم.
ففي افريقية مثلاً أناس من المرابطين هم دعاة تبشير حقيقيين وهناك طرق دينية أخذت على نفسها نشر الدين الإسلامي على أن الإسلام ينتشر بنفسه بواسطة المسلمين أنفسهم لأن كل مسلم في البلاد الوثنية داعية دين بحد ذاته. المسلم على الجملة مؤمن مخلص في إيمانه وربما كان ذلك لأنه قليل التعلم أو كثير الجهل ومن خصائص الإسلام أن يستولي على المعتقد به فيكون مأخوذاً به قلباً وقالباً ولئن كان ثمت من المسلمين الفاترين الذين قلما يعنون بمثل هذه الأمور إلا أن الحمية خلق أساسي فيمن يدينون بالإسلام. وإني أكرر أن في مطاوي المسلم أحياناً شيئاً يشبه المبشر فهو يدعو إلى دينه كما كان يعمل الالبيجوي والغودوي في القرون الوسطى يدعو إلى دينه وهو متوفر على تجارته أو عامل في صناعته والفرق بين هؤلاء الدعاة الملاحدة قديماً وبين المسلمين اليوم هو لمن الأولين كانوا يستعملون سراً هذه الطريقة في بث معتقدهم لأن الحاجة كانت تضطرهم إلى التقية فراراً بأنفسهم من الظلم فيخبئون كتبهم الدينية في متاعهم وخرائط بضائعهم أما الإسلام فينتشر من نفسه بواسطة القوافل التي ترحل في البلاد الوثنية أو الفتشية ودعاة الإسلام فما عرفوا به من الغيرة يعمدون إلى ذرائع مختلفة تناسب كل حال بحسب الأقطار والشعوب التي يبثون دعوتهم بين أهلها وللوسائط الاجتماعية والاقتصادية دخل كبير في الأسباب الدينية التي يعمدون إليها.
وهكذا نرى الدعاة المسلمين قد أنشأوا قرى سكنتها المهتدون إلى دينهم من المحدثين في الإسلام ولطالما انتقموا من القحط الذي كان يلقي بجرانه في أصقاعهم كما حدث في وانكيا على شاطئ زنجيار ليظهروا دينهم في مظهر التفقه والإحسان وكم من مرة أعتقوا الرقيق لينشروا معتقدهم كما وقع في واداي فإن قافلة من العبيد وأصلها من واداي قد أطال إليها يد النهب أهل البادية على حدود طرابلس الغرب ومصر فاشتراهم سيدي محمد بن علي السنوسي وعلمهم في زاويتهم التعليم الضروري وأعتقهم وإذا يقن بعد بضع سنسن غناءهم في بث الدعوة أعادهم إلى وطنهم ليتوفروا فيه على نشر الإسلام.
وإن دعاة المسلمين في الأقطار المتمدنة والشعوب المستنيرة ليجرون في دعوتهم على غير هذه الطريقة فيتوخون بما لهم من علم وتعليم راق إلى نيل الحظوة من الرؤساء وبواسطتهم
стр. 4292
يؤثرون في الرأي العام ويسكتون عن بعض العادات المألوفة في ذاك القطر ويتغافلون عن بعض الأوهام الدينية والاحتفالات الوثنية فهكذا ترى المسلمين في الصين وقد فتحت في وجوههم جميع الأعمال فيها لا ينشؤون مساجد أعلى من سائر المعابد ولا يضيفون إليها منارات ويوصون أهل ملتهم أن لا ينقطعوا عن الاختلاف إلى مواطنيهم في أعيادهم التي لها صبغة دينية وطنية وهم عندما يقومون بالوظائف العامة يقومون بالفروض الدينية التي عينها القانون وإذا جاوروا المهذبين من غير أهل دينهم يظهرون لهم الإسلام بأنه دين الفطرة ينافي تقاليد الأجداد مجرد عن الزوائد والأمور المستحدثة التي علقت بمذهب كونفوشيوس.
والمدرسة هي إحدى العوامل الفعالة في نشر الدين أيضاً فالمسلمون على الجملة عندما ينزلون ويتوطنون في بقعة جديدة يصرفون أول عنايتهم في إنشاء مسجد يجعلون بجانبه مجرسة وينظر إلى المسلم في بلاد زنوج الوثنيين في أفريقية بأنه أرقى من غيره وبذلك يخف إلى التعليم في مدرسته أبناء الوطنيين يريدون أن يصبحوا مثله معلمين مهذبين منظمين.
وترى المرأة عند قبائل البحة النازلة بين النيل الأزرق وأعالي البلاد الممتدة من شمال سطح بلاد الحبشة أرقى بعقلها من الرجل ولذلك يختار دعاة الإسلام تعليمهن والاعتماد عليهن في بث الدعوة على نحو ما يفعل السنوسية بالزنجيات في طوبو. وهذه الطريقة في الدعوة قد اشتهرت هناك في حين أن تعليم المرأة في البلاد الإسلامية مزهود فيه على الغالب.
وينتشر الإسلام بالزنوج أيضاً فالمسلم يتزوج على أهون سبب بامرأة من غير عنصره كالعنصر الأفريقي أو العنصر الصيني أو غيرهما على حين أن المسلم في الصين يتزوج عن رضى من امرأة من بنات بلاده ولكنه يحاذر أن يزوج بناته من الصينيين غير المسلمين.
وينتشر الإسلام أيضاً باشتراء أبناء الوثنيين يربونهم على الدين المحمدي وقد شوهد في الصين أناس من المتحمسين يبتاعون بالمال عشرة آلاف طفل في أيام قحط حدث في شانغهاي تونغ لمي بق فيها ولم يذر.
стр. 4293
وإذا اعتبرنا الإسلام من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية نراه ولا سيما في أفريقيا قوة أسمى من غيره وواسطة للنجاح من الطراز الأول وذلك أن الإسلام كالنصرانية لم يخرج عن كونه عبارة عن مدنية ذات أصل قديم انتشر انتشاراً طويلاً وأتت عليه أدوار في النشوء بطيئة وكتب له أن بلغ في الشرق وفي الغرب أوج مجده وهو إذا انحط الآن وتراجع فلم يبرح له وجود. وكانت هذه المدنية في أفريقيا حيثما دخلت أسمى من غيرها من حيث الوجهة الإدارية والاقتصادية ومن الوجهة العقلية والأخلاقية والدينية ولذا قال أحد الباحثين أننا إذا قايسنا مجموع النتائج في بث النصرانية في أفريقية وبث الإسلام لا من حيث العدد فإن عدد من دانوا بالنصرانية قلائل بالنسبة للمسلمين بل من حيث التأثير العقلي والأخلاقي والاجتماعي في الجماعات والأفراد المهتدين يتجلى لنا بلا شك أن الإسلام أسبق في هذا المعنى.
فالإسلام بما فيه من مكانة إذا كتبت له الغلبة في الشعوب الأفريقية ولا سيما في الزنوج فذلك لأن فيهم خاصية الشعوب الأفريقية ولا سيما السود منهم فللإسلام بعض الأوضاع الأساسية المناسبة مع الحالة الاجتماعية في الزنوج وأعني بذلك تعدد الزوجات والرق وسذاجة الحياة الظاهرة في أهل الإسلام وأن هذه السذاجة في الإسلام هي قوة فيه قوى التجنس تؤثر في الزنوج قوة شخصية في تربية النفس بالنفس وتمكين الإرادة والشجاعة في قلب كل من دان به أن هذه السذاجة غريبة مدهشة لعمر الحق هي تطبيق حياة السذاجة التي يدعو إليها أرباب النظر السامي من أهل النصرانية في أوربا وأفريقية.
ومن جملة الأسباب التي دعت إلى انتشار الإسلام أحوال سياسية قضت على القبائل وعلى الأفراد وأن يحفظوا مراكزهم بالإسلام وكان ذلك قبل أن تتقاسم دول أوربا بالفعل تلك الأقطار فقبلت قبائل الزنوج الإسلام لتحفظ حياتها لما في الإسلام من الإدارة والنظام ويستقلوا في حكومات لهم مستقلة ذات نظام اجتماعي حي راق وبهذه الطريقة انتشر الدين الإسلامي في بلاد كثيرة من أفريقية الوسطى والغربية.
وانفي تاريخ حياة المامي ساموري أكبر دليل على ما للمصلحة السياسية من الدخل في بث الدعوة للإسلام فقد كان هذا الرجل قبل الاستيلاء على مدينة كانكان بحسب أغراضه السياسية فهو وثني لأول مرة ثم دان بالإسلام لما اتصل بصوري ابراهيما أحد أتباع محمد
стр. 4294
ومؤسس مملكة تيديان الذي استقل واحتفظ بمدائن كونيا وكانكوما وتورو كوتو وكابادو كو وبعد حين عاد إلى الوثنية حتى إذا نشبت حرب كونيا عاد فدان بالإسلام وقد جرى على تعاليم المرابط ديالو من فتاح جالون والفاعثمان من أهل الطريقة القادرية الذي جاء عقيب إرشاد الحاج عمر فتوطن في تلك البلاد في مدينة اسمها ليلنكو ومنذ ذلك العهد ساعده الفاعثمان في جميع حملاته وباقتراحه أطلق على ساموري بعد فتح كانكان لقب المامي.
وذها المأرب السياسي الذي حمل الوطنيين من الأفريقيين على انتحال الإسلام قد أتت عليه الدول الأوربية إذ لم يجد الزنوج داعياً بعد أن فتحت كل من فرنسا وإنكلترا مملكتيهما الأفريقيتين أن يعمدوا إلى هذه الطرق. فدخول الأوربيين إلى أفريقية حال دون انتشار الإسلام وبقاء الوثنية في الزنوج في مركزها وربما عاد بعض الوثنيين بعد انتحال الإسلام إلى سابق دينهم كما وقع لجماعة أصلهم من قيس وصوننكة أو ماركا دانوا بالإسلام واستوطنوا حوالي سنة ١٨٣٠ في شمالي ياماكو واغتنموا وتأثلوا بما استرقوه من العبيد الذين توفروا على حراثة أراضيهم ولما احتل الفرنسيين تلك الجهات وأبطل الرقيق ولا سيما في سنة ١٩٠٥ و ١٩٠٦ عاد أولئك العبيد إلى مواطنهم الأصلية فاضطر أولئك الجماعة أن يغادروا المدينة وينزلوا القرى ليحرثوها بأنفسهم والغالب أن عدداً عظيماً منهم عادوا إلى الوثنية وهناك أمثلة أخرى للردة وهي كما تقدم منبعثة عن سبب سياسي كالسبب الذي دعا إلى انتحال الإسلام فالمصلحة الواحدة ظهرت في الوجهتين المتخالفتين وأعني بذلك المصلحة حفظ حقوق عنصرهم وامتيازاته.
والظاهر اليوم أن الدواعي السياسية في أفريقية لا تعمل لما فيه نشر كلمة الإسلام إلا من حيث الوجهة المحلية الصرفة وهكذا في الجماعات الوطنيين من غير المسلمين حيث ترى مسلمين من أصل غريب وأحياناً كثار العدد ولهم سطوة حقيقية لذلك يصعب على نفوسهم أن تخضع راضية لمطالب الرؤساء وقد تجد أولئك الزعماء من يدين بالإسلام علناً جهاراً وما ذلك إلا دليل على سمو مكانة الإسلام من حيث هو دين ومن حيث هو ذريعة للمدنية.
وقصارى ما ينتج من الحوادث التي عرضناها والإحصاءات وطرق الدعوة والأسباب المنوعة في إسلام من لم يدن بدين الإسلام إن هذا الدين ينتشر ويرتقي وأن له المكان السامي بين الأديان التي يبشر بها دعاتها وينشر رعاتها. وليس للأمثلة في الردة عن
стр. 4295
الإسلام ونزع كلمته التي ذكرناها سوى شأن ضعيف وهي لا تمنع الإسلام كالنصرانبة أن تكون منذ قورن في دور دائم من الرقي والنجاح.
ولا يبعد أن يأتي يوم تحدث فيه أمور لا يتيسر لنا التنبؤ بها مثل أسباب نشر الإسلام التي أتينا على ذكرها فيكون منها انتشار هذا الدين انتشاراً فوق العادة بحيث يعجل في هجرم الإسلام على بعض الأصقاع من الكرة على نحو ما حدث في تاريخ الإسلام ومهما يكن من هذه الظواهر في المستقبل فالإسلام ليس واقفاً في انتشاره من حيث هو دين بل لا يزال أبداً بعدد منتحليه والمتدينين به. يروى أن عقبة بن نافع لما سار في جنده سنة ٦٢ للهجرة (٦٧٨) إلى أقصى المغرب بعد أن جاز بلاد مراكش بلغ شاطئ بحر الظلمات فقفز على جواده وسط أمواج البحر فأصابت أمواج البحر فأصابت المياه صدر حصانه فوقف وهتف قائلاً: اللهم رب محمد أني لو تحل أمواج هذا البحر لسرت إلى الأقطار المتنائية أمجد اسمك في مملكة ذي القرنين أقاتل عن الدين وأقضي على كل من لا يؤمنون بك.
بيد أن الإسلام قد حقق من الأعمال أكثر مما طمحت إليه نفس هذا القائد الجبار الذي قال ما قال آنفاً فالإسلام قد تجاوز البحار وطاف الأقطار ناشراً رسالة محمد.
هذه المحاضرة الأولى من الكتاب وهي نموذج صالح منه وقد تكلم في المحاضرة الثانية على أصل الإسلام وما طرأ عليه من البدع والإلحاد والمذاهب وفي المحاضرة الثالثة على الأولياء وفي الرابعة على الطرق الإسلامية والتصوف وعملها الاجتماعي والسياسي وفي الخامسة على مذهب البابية والبهائية وفي السادسة على مستقبل الشعوب الإسلامية والميل إلى المناحي الحرة في الدين وقد ختم المحاضرة الأخيرة بطلب اتحاد العالم الأوربي مع العالم الإسلامي وأن يحسن الأوربيون إلى المسلمين ويحسنوا علاقاتهم في الصناعات والتجارة قال: الإسلام من حيث هو دين قوة أدبية فأول شرط في هذه الصلات الحسنة احترام الدين الإسلامي احتراماً مطلقاً وقد أخذ هذا الدين يعرف أحسن من ذي قبل حق المعرفة في أوربا بفضل ما نشره بعض العلماء وبعض السياح فإن خبرة الباحثين وسذج الزائرين للبلاد الإسلامية حربة بالنظر وكثير من السياح قد لاحظوا مثل ما لاحظت فقالوا أن أحسن منقذ للأوربي في الأصقاع الإسلامية التي يقل اختلاف المسيحيين إليها التي تقل راحتهم فيها هو احترامهم للإسلام وليس من الضروري إلا في أحوال خاصة أن ينتحل
стр. 4296
المخالفون لدين الإسلام بل يكفي بأن يكونوا أحباباً للإسلام أو بعبارة أبسط محترمين لشعائر هذا الدين. وكم من سائح في البلاد الإسلامية سمع على أساليب مختلفة ما كان قاله سلطانة حايل إلى المأسوف عليه هوبر أنت مسلم في بلادي وبعد فإن من الاتحاد بين المسلمين والأوربيين بل بين المسيحيين والمسلمين تنتج ولا شك نتائج حسنة قد ظهرت تباشيرها الآن فإن اتحاد الإرادات الحسنة في أوربا يسهل ولا جرم بالتدريج دخول كثير من الشعوب الإسلامية في تيار المدنية الحديثة. وعساني بهذه المباحث الحقيرة أكون قد حملت حجراً فوضعته في أساس البناء الذي أقيم للوفاق الحسن بين المسلمين والأوربيين بل بين المسلمين والمسيحيين.
والمقتبس يقول بارك الله بكل من تخط يده في تقريب الأمم بعضها من بعض خصوصاً متى كان قصده كما هو الظاهر من عبارات الأستاذ مونته خدمة الإنسانية والاجتماع لا خدمة سياسة مخصوصة ولا فكر خاص.
التعليم في مصر وحظ المسلمين والأقباط منه
للشيخ علي يوسف طبع بمطبعة الآداب والمؤيد بمصر (ص٤١)
لو كان كل المفكرين من الكاتبين والعالمين لا يدونون إلا ما يعلمون ولا يقدمون إلا على ما يتقنون لما ظهر عوار مؤلف ولما بدت مقاتل منشئ وباحث. وأمامنا الآن كراسة في التعليم بمصر لمدير سياسة المؤيد أقدم الجرائد الإسلامية وأرقاها في القطر المصري وهي خطبة ألقاها في المؤتمر المصري الأول أجاد فيها كل الإجادة لأنه دعم كلامه بالأرقام والكتابة بالدليل المحسوس يقرها الموافق والمخالف فقد قال أن البعثات العلمية التي نقلت العلوم والمعارف من أوربا إلى مصر وكان لها أعظم عمل في تكوين مصر الحديثة بدورها الجديد كانت إسلامية محضة ليس بها إلا نحو عشرين طالباً من الأردن والروم والسوريين والأحباش وثلاثة من الأقباط وهؤلاء كانوا طلاب وظائف لا ناشري علوم ومعارف ولكن في هذا العهد الأخير قد توجهت رغبات الأقباط كالمسلمين إلى هجرة الأوطان في طلب العلوم والمعارف وإن لم يبلغوا في هذا الصدد شأواً يضاهي شأوهم في رغبة التعليم في مصر. فقد بلغ عدد الطلبة المصريين إلى سنة ١٩١٠ بفرنسا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا وإنكلترا وإيطاليا وأمريكا والأستانة وبيروت على نفقة آبائهم ٦٨١ طالباً وبإضافة هذا
стр. 4297
العدد إلى البعثة المرسلة من قبل الحكومة يكون عدد جميع البعثات العلمية المصرية الحاضرة خارج القطر المصري ٧٤٠ طالباً. وإذا شئت أن تعرف مقدار عدد الأقباط في البعثات العلمية الموجودة الآن في القارات المختلفة سواء على نفقة الحكومة أو على نفقة آبائهم فإنهم لم يبلغوا خمسين طالباً أكثر من نصفهم في كلية بيروت وأكثر من ثلثهم على نفقة الحكومة فنسبة الأقباط إلى المسلمين في البعثات العلمية الحاضرة كلها لا تكاد تبلغ ٧ في المائة.
وبلغ عدد الذين تخرجوا من مدرسة الحقوق الخديوية التي كان اسمها مدرسة الألسن والإدارة حتى الآن ٦٥٥ طالباً عد المسلمين منهم ٤٩٨ وعدد الأقباط ١٣٧.
ولم يدخل إلى مدرسة الطب التي أنشئت سنة ١٨٢٤ أحد من الأقباط إلا في سنة ١٨٨٨ وحاملو شهاداتها منهم حتى الآن ٦٦ طبيباً ومن المسلمين ٣٢٧ طبيباً ومن غيرهم من المسيحيين ٢٦ وأنشئت مدرسة دار المهندسين سنة ١٨٣٤ فلم يدخلها قبطي إلا في سنة ١٨٩٦ بلغ المتخرجون فيها منهم إلى الآن ٣٦ مهندساً مقابل ١٤٨ مهندساً ولم يتخرج في مدرسة المعلمين الخديوية وكان اسمها قديماً مدرسة قلم الترجمة سوى أربعة أقباط مقابل ٨٣ من المسلمين وكذلك قل عن مدرسة المعلمين التوفيقية فإنها من سنة ١٨٨٨ حتى الآن لم يخرج منها سوى ١٨ معلماً قبطياً مقابل ٨ معلماً من المسلمين وتخرج في مدرسة دار العلوم الخديوية ٤٢٢ أستاذاً مسلماً ولا يدخل هذه المدرسة إلا المسلمون ويوجد منهم اليوم في مدارس الحكومة بين نظار مدارس ومدرسين ومفتشين ومديري كتاتيب ٢٩٤ شخصاً والباقون في سائر فروع الإدارة والأعمال.
قال والفضل كل الفضل في ارتقاء مصر الحاضر للوظيفة الكبرى التي قام بها المسلمون وقد أحسنوا أداءها مدة قرن كامل سواء كان في جلب أنوار المدينة والعلوم والمعارف من الخارج أو في تأسيس المدارس وتنظيمها وتعليم أبناء مصر العلوم المختلفة في الأدوار المتعاقبة مع اشتغالهم بالتأليف وترجمة الكتب النافعة وأنهم الآن أساتذة المدارس النافعون المفيضون على الناشئة المصرية بركة العلوم والتربية ولم يشترك الأقباط في أداء هذه الوظيفة السامية مع المسلمين يل كانوا عالة عليهم أولاً ثم تلامذة لهم في العهد الأخير وكان مجموع التلامذة المسلمين في مدارس الحكومة الابتدائية والثانوية والخصوصية والعالية
стр. 4298
سنة ١٩٠٠ بالغاً ٥٩٨٤ تلميذاً ومجموع الطلبة الأقباط فيها ١٥٥٥ وبلغ عدد الأولين سنة ١٩٠٥ في تلك المدارس ٧٩٨٩ وعدد الآخرين ١٨١٥ وبلغ عدد الأولين سنة ١٩١٠ (١١٠٣٨) تلميذاً وعدد الآخرين ٢٢٥٦ وبلغ عدد المكاتب الأهلية التي شرط لها واقفوها أن تعلم أولاد المسلمين فأشركت الأقباط في تعليم أولادهم تسامحاً منها - عشرين مدرسة فيها ٤٩٤٢ تلميذاً قبطياً وبلغ مجموع تلامذة المسلمين في مدارس الأوقاف وكتاتيبها ١٨٨٧ تلميذاً بينهم ٢٤٢ من الأقباط مع أن هذه المدارس هي من أوقاف المسلمين. وختم خطابه بعد الأدلة التاريخية والشواهد التي تدل على بعد غوره في المسائل المصرية الحاضرة بطلب فصل جميع المدارس الأهلية ومدارس الأوقاف عن نظارة المعارف وجعلها إدارة قائمة بذاتها يراعى فيها تنفيذ شروط الواقفين وإبطال تعليم الدين المسيحي من جميع مدارس الحكومة لأنه لا يجوز تعليم غير الدين الرسمي فيها كما هو المتبع في الممالك المتمدنة فنثني الثناء الأطيب على غيرة المؤلف على بلاده وعساه يقف قلمه على الخوض في مسائلها فقط فالاستئثار بالمزايا كلها ضرب من ضروب المحال والإحصاء في الموضوعات أفضل وأشرف ما دام قول لا أدري نصف العلم وكل من تجاوز محيط والقدر الذي لقنه من العلم والمعرفة سواء كان في الصحافة أو غيرها من فنون التأليف والتعليم يوشك أن يعثر في كل خطوة فيخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهذا ما لا نرضاه للقائمين بإنهاض هذا الشرق التعس من كبوته وتعليمه التعليم النافع والأدب الرفيع.
زراعة القطن
تأليف أحمد أفندي الألفي طبع بمطبعة المقطم بمصر سنة ١٩١١ ص
١٤٠
من العاملين المفكرين من ناشئة مصر مؤلف هذا الكتاب وضعه على هذا الأسلوب المبتكر في زراعة القطن ومقاومة آفاته وتحسين أنواعه وذكر فيه جميع ما تحب معرفته لهذه الزراعة المباركة وتجويدها والانتفاع منها وقد دل أن زراعته في القطر المصري بدأت نحو سنة ١٨٢١ م وما زال ينتشر ويشيع حتى بلغت الآن المساحة المزروعة منه أكثر من مليون وستمائة ألف فدان محصولها في المواسم الجيدة نحو سبعة ملايين وربع مليون قنطار ومتوسط ثمن القنطار غالباً نحو أربعة جنيهات إلى خمسة فيقدر إيراد البلاد منه
стр. 4299
سنوياً نحو ثلاثين مليون جنيه أو تزيد وإن القطن المصري أجود وأعلى جميع أقطار أميركا والهند والصين لا يدانيه إلا قطن جزيرة سي ايلند بأميركا ولكن محصول هذا عن نصف مليون قنطار وكان الوجه البحري مستأثراً إلى ما قبل بضع سنين بزراعة القطن لأن الري الصيفي عام فيه أما في الوجه القبلي فكان قاراً عل حيز محدود الوجه البحري كناية عن مديريات مصر الواقعة إلى شمال القاهرة وهي البحيرة والغربية والدقهلية والشرقية والمنوفية والقليوبية والوجه البحري عبارة عن المديريات الواقعة جنوبي القاهرة وهي الجيزة والفيوم وبني سويف والميناء وأسيوط وجرجا وقنا وأسوان. والشهير من أصناف القطن المصري الميت عفيفي والأشموني واليانوفيتش والعباسي والنوباري. والكتاب فاض بالفوائد الغزيرة لا يستغني عنه من يحب زراعة هذه الشجرة المباركة رنه حوى جميع ما يحتاج إلى معرفته للنجاح وهو نافع لأبناء سورية ممن يريدون اليوم تعلم زراعة القطن ولا سيما من أهل فلسطين فنحثهم على اقتنائه للانتفاع به فهو كتاب مادي عملي ليس فيه ما لا يفهم من الاصطلاحات الفنية وهذا من بعض حسناته.
الواجبات
تأليف سامي أفندي يواكيم الراسي طبع في المطبعة السورية في سان
باولو. البرازيل سنة ١٩١١ ص ١٧٤
أحسن المؤلف وهو من أدباء الجالية السورية نزلاء أميركا الجنوبية في وضع هذا التأليف اللطيف فأفاض في واجباتنا نحو نفوسنا وفي بيوتنا وواجبات الأبناء نحو والديهم والأخ نحو أخيه والرجل نحو أخيه والرجل نحو زوجته والزوجة نحو رجلها والوالدين نحو أولادهم وواجباتنا نحو أقاربنا ومعارفنا وأعدائنا والجنس بوجه عام والعجماوات وهذا هو الباب الأول وسماه بالواجبات العامة أما الباب الثاني فهو في الواجبات الإفرادية نحو واجبات التلميذ والمعلم والصحافي والطبيب والمحامي والمؤلف والحاكم والمحكوم والجندي والتاجر والزارع والصانع والمستأجر والكاتب أخلاقي وعظي حري بالناشئة أن تطالعه وتستفيد منه بتدبير فنشكر لمؤلفه الفاضل.
الصاحبي
стр. 4300
تأليف أحمد بن فارس نشرته المكتبة السلفية في القاهرة ص ٢٤٥
كتاب في فقه اللغة وسنين العرب في كلامها جمعه ابن فارس أحد أئمة اللغة في القرن الرابع من تصانيف من تقدمه فكان له فيه كما قال اختصار مبسوط أو بسط مختصر أو شرح مشكل أو جمع متفرق وفيه من الفوائد الغزيرة ما يجدر بكل طالب أدب أن يتدارسه المرة بعد المرة. وقد أجاد الناشر كل الإجادة بإحياء هذا التأليف النفيس نقلاً عن نسخة صحيحة بخط الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي أحد حفاظ اللغة في العهد الأخير وقدم له ترجمة حافلة للمؤلف وأجاد طبعه بحيث استحق شكر العلم والآداب.
مدينة العرب في الجاهلية والإسلام
تأليف محمد أفندي رشدي طبع بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٩ هـ
- ١٩١١ م (ص ٢٠٠)
البحث في مدينة العرب من أصعب الموضوعات وأصعبها وأوسعها لأن مظان النقل قليلة وما يوجد منها لا يتيسر لكل طالب وفي مصر منها الشيء الكثير لذلك كنا نأمل أن يكون هذا الكتاب أوسع مادة وأصح استشهاداً فقد اقتصر المؤلف على المبتذل المعروف وكان لديه في دار الكتب المصرية مادة واسعة يتأتى الاستقاء منها ليجيء مصنفه لائقاً بشأن العرب ومدنيتهم العظيمة. بيد أن الكتاب أشبه بالكتب التي يراد بها نشر شيء من المعلومات بين العامة كالتي يسميها الفرنسيين فقد تكلم المؤلف على العلوم التي عرفها العرب واهتماماتهم بالسياحات والتجارة وأسواقهم وعاداتهم وصفاتهم وحكمهم وحكمتهم العملية ونقل رسائل للمشاهير في السياسة والرياضة وألم بتأليف الوزارة والشورى والدواوين وختمه بمقال في أسباب انحطاط الأمم وبالجملة فنشكر المؤلف لاهتمامه وغيرته ونرجو أن يعود إلى كتابه فيضيف إليه من كتب العرب التي بحثت في مدنيتهم ومنها المطبوع في أوروبا ما تكون به الطبعة الثانية من هذا المصنف تامة حافلة بالبحث والتدقيق.
كتب ورسائل ومجلات
لقطة العجلانتأليف الإمام بدر الزركشي شرحه الشيخ جمال الدين القاسمي.
стр. 4301
دروس الصرف والنحو للشيخ محي الدين الخياط يشتمل القسم الأول على أوليات الصرف وأوليات النحو.
الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني وهو القسم الأول منه في النحو.
التعليم الأدبي لجرجي بك ديمتري سرسق القسم الأول منه في الأخلاق والآداب.
خديجة أم المؤمنين تأليف عبد الحميد أفندي الزهرواي وهي قصة حقيقية تاريخية اجتماعية.
الجوهر المحبوك في نظم السلوك للسيد علاء الدين علي الملقب بعلوان الحسيني الحموي من أهل القرن العاشر.
واقعة السلطان عبد العزيز تأليف أحمد صائب بك وتعريب محمد توفيق أفندي جانا.
نظام الجهاد في الشريعة الإسلامية تأليف المسيو كولوزيو
'
التقرير السنوي الأول لجمعية تهذيب الفتاة السورية فغي بيروت والشويفات.
برنامج جمعية السيدات والأوانس الكاثوليكيات لتجهيز البنات العرائس الفقيرات في دمشق.
خلاصة جمعية ترقي الآداب الوطنية في يافا لسنتها الثالثة.
المدرسة مجلة فنية تصدر في تونس للسيد عبد الرزاق النطاسي مدرس الفنون بالخلدونية فيها ملخص دروسه ودروس أخوانه من أساتذة هذه المدرسة في التاريخ والجغرافية والعلوم الرياضية والحكمة الطبيعية والكيمياء والتاريخ الطبيعي إلى غير ذلك من الأبحاث المفيدة.
العروس مجلة نسائية علمية أدبية صحية فكاهية لصاحبتها الآنسة ماري عجمي تصدر في دمشق مرة في الشهر وهي المجلة النسائية الوحيدة في سورية تكتبها كاتبة لا كاتب.
العريس مجلة علمية أدبية اجتماعية فكاهية شهرية لمنشئيها نسيب أفندي نصار وفاضل أفندي الجمل تصدر في حمص وفيها شيء من تاريخ ذاك الوادي وآثاره ونفثات أقلام أدبائه.
стр. 4302
العدد ٦٥ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١١
стр. 4303
بين بلاد الآراميين والفينيقيين
وادي العجم وإقليم البلان
يفزع المشتغلين بعقولهم إلى الفلاة يروضون أفكارهم كلما آنسوا من نفوسهم مللاً وتعباً رجاء أن يخفف عنهم ما نابهم فيعاودون أعمالهم بنشاط أكثر ومضاء أوفى وأوفر. وعلى هذه السنة جرى كاتب هذه السطور فركب العربة من دمشق بعد ظهر الخميس في ١٣ ربيع الثاني ١٣٢٧ (١٣ نيسان غربي ١٩١١) قاصداً إلى قطنا مركز قضاء وادي العجم فبتنا فيه ليلتنا على مثل ما كان النهار سخية هطالة ورياحاً نكباء وزعازع وأعاصير وكنا نود لو نخلص من الغد إلى راشيا ولكن حالت الثلوج المتراكمة في سفوح جبل الشيخ دون الأمنية فعقدنا العزم على زيارة القنيطرة حاضرة الجولان أولاً ثم نقصد إلى جبل عامل ونجعل راشيا خاتمة المطاف.
وعلى هذا ركبنا خيلاً من الغد قاصدين إقليم البلان ومنه إلى الجولان في يوم انقطعت أمطاره ولم تنقطع رياحه وذارياته وبعد أن سرنا ساعتين في شعاب وهضاب بلغنا قرية بيتيما وتخطيناها لنجتاز نهرها إلى كفر حور ولكن عجز حمار مكارنا عن قطع المخاضة إذ لا جسر يعبر عليه بين القريتين وصادف أن كانت عصارات ثلوج جبل الشيخ قد كثرت عصر ذاك اليوم فاضطرتنا الحال أن نعود أدراجنا إلى بيتيما نقضي فيها الليل عسى أن تخف مياه نهرها من الغد فنستأنف السير.
ومعنى بيتيما بالسريانية بيت اليتيم وقيل بيت الماء ولكل من اسمه نصيب وهكذا فعلنا ونحن نضحك من حكم الأقدار في هذه الديار وكيف أدى ماء النهر وعدم الجسر إلى تخلفنا ليلة في الطريق. نعم استضحكنا لأن حمار المكاري لم يستطع العبور وأنا ورفيقي كيف نسير وحدنا ونهتدي إلى ما نقصده من البلاد بدون دليل فقلنا: يا سبحان الله كم من حمار يقطر بشراً فيؤخرهم عن السير هذا الحال في حمار حيوان فكيف إذا كانت حمراً كثيرة في صور بشرية.
ليس في هذا الوادي والإقليم ما يستحق الذكر من الأمور التاريخية والأثرية فقد سكت التاريخ عن ذكر حالته في الأزمان القديمة كما سكت من أقاليم الشام فوادي العجم وإقليم البلان ليس لهما ذكر في تواريخ القرون الوسطى اللهم إلا ما كان من ذكر نهر وادي العجم
стр. 4304
الأعظم المسمى بنهر الأعوج والمعروف في التوراة باسم فرفر أو فرفار أو فرفور.
وهذا النهر يتكون من عدة عيون ومسايل تنبعث من سفوح جبل الشيخ منها عين في بيت جن ومن ينبوع آخر اسمه المنبج وعدم الشراطيط ووادي الدهامية وعين الطموسية وعين الطبيبية وهي أجود تلك العيون تحسن ماءه كما يحسن ماء عين الفيجة مياه نهر بردى باختلاطه بها وهكذا تجري إليه عشرات من العيون ومنها بيتمتا وعيون عرنة.
ويسقي نهر الأعوج أو فرفر كثيراً من قرى وادي العجم التحتاني وأهم قرى هذا القضاء قطنا والجديدة وعرطوز وجونية وكوكب والمعظمية وداريا وصحنايا والأشرفية والخيارة وسبينة وسبينات وبلاس والقدم وكفرسوسة والمزة والماجدية وذا النون وأم القصور والدير والكسوة وزاكية وزغبر وحرجلة والمقيليبة وشورى والطيبة والدرخبية والبويضة ومرجانة والحسينية والأشرفية والعباسة وحوش النفور وحوش مرانة وبراق وخان الشيح وسعسع وكناكر ودير ماكر وشقحب وبويضان وماعص وسبسبة والعثمانية والدناجى والزريقية والهبارية وغيرها من الأحواش والمزارع.
أما وادي العجم الفوقاني المعروف بإقليم البلان فهو قرى سفوح جبل الشيخ أو ما يقرب منها وطول هذا الإقليم نحو عشر ساعات وعرضه نحو سبع ساعات يحده جنوباً الجولان وشمالاً وادي العجم والديماس وراشيا وشرقاً وادي العجم التحتاني أيضاً وغرباً إلى الجنوب حاصبيا وأهم قراه عيسم وهي أول الإقليم على نحو ساعتين من قطنا ومن قراه عين البرج والقلعة وبيتيما وكفر حور وبيت سابر وحينة وبقعسم وعين الشعرة وريمة وعرنة ودربل وبيت جن وحرنة وخربة السوداء وحضر وسحيتة وترنجة وجباتا الخشب ومقروصة وحلس وبرقش وكفرقوق وصوجة ورضوان وأمبياودورين والبجاع والصبورة ورأس العين ورخلة ويعفور وإقليم البلان متوسط بزراعته لكثرة وجليدة وأهويته على العكس في وادي العجم التحتاني فإن تربته أخصب وتجود فيها الأشجار المثمرة أكثر. وفي بعض قراه إلى اليوم عاديات ونواويس تدل على عمران قديم زاخر وأن الآراميين والرومانيين واليونانيين سكنوا هذه البلاد فعمروها ولا تزال أسماء بعض بلاد الإقليم سريانية إلى اليوم وقد خلفوا فيها آثاراً صبرت على كرا الليل والبر وما برحت تنم عن حضارة وذلك مثل آثار بيتيميا كفر حور كفر قوق سحيتا وقد شاهدنا في ارض كفر حور أربعة نوارس
стр. 4305
عظيمة نقرت على الصخر على صورة هائلة تدل على أنها مدافن أغنياء وأمراء لا مقابر فلاحين فقراء وفي كل قرية فقراء وفي كل قرية نواويس لا تقل عن هذه بمكانتها وقد طمست الأيام معالمها فلم يعلم اسم بانيها.
والنفوس قليلة في هذين الإقليمين (وادي العجم وإقليم البلان) لا تزيد في الإحصاء الرسمي عن خمسة عشر ألف نسمة عدا القرى الملحقة بعمل دمشق مثل المزة وكفرسوسة وداريا وصحنايا والأشرفية وبلاس ومع أن البلاد تؤوي مائتي ألف وأكثر ترى الهجرة أيضاً إلى أميركا تقلل نفوسها سنة عن سنة وسكان هذه البلاد أخلاط بمذاهبهم فيهم المسلمون السنية ومسيحيون روم وكاثوليك وبروتستانت ودروز والدروز أكثرهم مضاءً وإقداماً على العمل ويليهم المسيحيون ثم المسلمون فكأن هؤلاء يكفيهم من المفاخر أن تكون حكومتهم منهم ولذلك جعلوا اعتمادهم عليها وكان عليهم أن يعولوا على تماسكهم ومضائهم كما فعل جيرانهم في اعتمادهم على أنفسهم ذر قرن الغزالة غذاة اليوم في بيتيما وشادينا الصديق الشيخ عبد الرحيم البابلي يردد في حديقة بيت أبي أحمد قول الشاعر المنطبق على ما نحن فيه من جمال الموقع وطرب النفس بالطبيعة:
الروض مقتبل الشبيهة مونق ... خضل يكاد غضارة يتدفق
نثر الندى فيه لآلئ عقده ... فالزهر منه متوج وممنطق
وارتاع من مر النسيم به ضحى ... فغدت كمائم نوره اتفتق
وسرى شعاع الشمس فيه فالتقى ... منها ومنه سنا شموس تشرق
والغصن مياس القوام كأنه ... نشوان يصبح بالمسيم يغبق
والطير ينطق معرباً عن شجوه ... فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق
غرداً يغني للغصون فينثني ... طرباً جيوب الظل منه تشقق
والنهر لما راح وهو مسلسل ... لا يستطيع الرقص ظل يصفق
كان اليوم الثالث معتل النسيم صافي الأديم فحمدنا السير حتى وصلنا إلى قرية جباتا الخشب آخر عمل وادي العجم فبتنا في بيت مريود على أن نعاود السير من الغد ولكن عاد الجو فاضطرب وهبت الريح زعزعاً وكثر تهطال الأمطار والبرد حتى ذكرنا نيسان بكانون ثم زاد قلق الطبيعة حتى استيقظنا صباح اليوم الثاني وجبل الشيخ قد لبس حلة
стр. 4306
نصع بياضاً من التي كان مكتسياً بها في اليوم الماضي وركبنا القنيطرة ورفيقنا البابلي يردد قول العفيف التلمساني:
رياض بكاها المزن فهي بواسم ... وناحت لغير الحزن فيها الحمائم
وأودت الأنواء فيهن سرها ... فنمت عليهن الرياح النواسم
بيت الندى في أفقها وهو سائر ... ويضحى على أجيادها وهو ناظم
كأن الأقاحي والشقيق تقابلا ... خدودٌ جلاهن الصبا ومباسم
كأن بها للنرجس الغض أعيناً ... للبه منها البعض والبعض نائم
كأن ظلال القضب فوق غديرها ... إذا اضطربت تحت الرياح أراقم
كأن غناء الورق ألحان معبد ... إذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونها ... دنانير في وقت ووقت دراهم
كأن ثماراً في غصون توسوت ... لعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهب ... ففي كل غصن ماس في الدوح خاتم
الجولان
الجولان كورة عظيمة من كور الشام تعد من بلاد حوران يحدها من الشرق نهر العلان ومن الغرب بحيرة طبريا والأردن الأعلى (الرقاد) ويفصلها نهر اليرموك عن بلاد عجلون من الجنوب وبحر الحاصباني بالقرب من بانياس وجيل الشيخ من الشمال وتسمى هذه المقاطعة بالعبرانية كولان كان يطلق هذا الاسم أولاً على مدينة إسرائيلية مقدسة من بلاد باشان تنزلها قبيلة منسى وهي اليوم مدينة سحم الجولان بعينها قرية على بعد كيلومترين شرقي نهر العلان وعلى سبعة كيلومترات من الشمال والشمال الغربي من زيزون ولا يزال فيها بعض آثار وخرائب منها برج مربع علو ١٥ متراً وبالقرب منه بناء جميل يظن أنه كان كنيسة وقد أقام فيها أدمون روتشيلد الإسرائيلي الغني الشهير مستعمرة للإسرائيليين.
وكانت الجولان تمتد إلى شرقي المناذرة وتعد من بلاد بترا أو العربية الصخرية ومن جملة مملكة فيليبس ولبلاد الجولان ذكر قليل في تاريخ العرب نزلها الحرث الأعرج الغساني كما كان الحرث بن أبي شمر بن الأيهم مملكاً بالأردن ولعل علماء الآثار يوفقون
стр. 4307
في المستقبل إلى الظفر بعاديات لغسان في الجولان كما ظفروا بقليل منها في حوران ولا سيما في جبل بني هلال الذي كان يعرف قديماً بجبل الريان لكثرة مياهه ويعرف اليوم بجبل حوران أو جبل الدروز رن الغساسنة ملكوا هذه الديار وبسطوا سلطانهم أيضاً على دمشق قبل الإسلام وافتتح الجولان شرحبيل ابن حسنة وورد ذكرها في شعر حسان بن ثابت بقوله:
قد عفا جاسم إلى بيت راس ... فالجوابي فحارث الجولان
ووردت في شعر أبي نواس في مدحه الخصيب بن عبد الحميد العجمي المرادي أمير مصر من قصيدة يصف بها طريقه من بغداد إلى مصر:
رحلن بها من عقر قوف وقد بدا ... من الصبح مفتوق الأديم شهير
فما نجدت بالماء حتى رأيتها ... مع الشمس في عيني اباع تغور
وغمرن من ماء النقيب بشربة ... وقد حان من ديك الصباح زمير
ووافين إشراقاً كنائس تدمر ... وهن إلى رعن المداخن صور
يؤممن أهل الغوطتين كأنما ... لها عند أهل الغوطتين ثؤور
وأصبحن بالجولان يرضخن صخرها ... ولم يبق من اجراحهن شطور
وقاسين ليلاً دور بيسان لم يكد ... سنا صبحه للتاظرين ينير
وأصبحن قد فوزن منة نهر فطرس ... وهن عن البيت المقدس زور
طوالب بالركبان غزة هاشم ... وفي الفرما من حاجهن شقور
ولما أتت فسطاس مصر أجارها ... على ركبها أن لا تزال مجير
قاعدة الجولان اليوم القنيطرة وكانت صغيرة جداً قبل أن ينزلها مهاجرة الجراكسة والداغستانيين منذ زهاء ثلاثين سنة وقد كانت في القرون الوسطى قبل عهد الدولة العثمانية قاعدة البلاد قرية خان ولا ندري أخان أرينيبة أو خان الدوير تارة والشقراء أخرى والجولان اليوم أو قضاء القنيطرة هو ثلاث نواحي ناحية الشقراء وهي عبارة عن مجدل شمس وجباتا الزيت وبانياس وعين قنية وعين فيت وزعورة ومغور الشباعنة والغجر وخان الدوير ومزارع الفضل هذا ما كان منها إلى جبل الشيخ أقرب. وناحية الجولان وفيها قرى الجركس وأهمها المنصورة وعين الزيوان والصرَّمان والخشنية
стр. 4308
وعشيرة التركمان ومزارعها وعشيرة الهوادجة والبجاترة وجبا وخان أرينبة وعشيرة الويسية والقصيرين والجعاتين والدياب وأراضي البطيحة ومزارعها ونعيمات الطاعة ولهذه العشائر مزارع وقرى تفلح فيها وتزرع وأغلب نزولها في المضارب ومساكنهم للفلاحين وإيواء الماشية فقط. والناحية الثالثة ناحية الزاوية وأهم قراها فيق والعال وكفر الما والشجرة وكوية وبيت الرَّا ومعربة والمناظرة.
ويقدرون اليوم مزارع الجولان وقراه كلها بنحو مائة وستين مزرعة وقرية فيها أراض جيدة في الجملة وتجود حبوبها في الأكثر في السنين التي تقل أمطارها أما في سني الري الكثير فإنها تغرق فبينا تشكو الأقاليم المجاورة الشرق تئن الجولان من الغَرَق ولذلك تصلح أراضيها لتربة الماشية كثيراً ولا نغالي إذا قلنا أنها الإقليم الوحيد الذي يصلح لهذا الغرض كما يصلح جقوراووه أي سهل الهوات في ولاية أضنة من بلاد الأناضول أو الروم كما كان يسميها العرب.
وهمة الفلاح في الجولان ضعيفة لأنه في الأكثر لا يملك أرضاً له بضع سنين ليتوفر على زراعتها بل أن الأراضي مشاعة بين أهل البلد الواحد فبينا يزرع هذه القطعة تراه من قابل تنزع منه وتعطى لغيره وهكذا لا يشاهد الرقي في الزراعة إلا في مزارع الجراكسة إذ اختص كل فرد منهم بأراضٍ تناسب حاله وشأنه فأصلحها ما ساعدته مادته وقوته وخدمها على مثل ما تخدم الزراعة في البلاد التي هاجر منها أي بلاد الروس اليوم وبنى البيوت بالحجر والقرميد وغرس الأشجار وعاش في الجملة أحسن من عيشة سكان البلاد الأصليين خصوصاً وأن المهاجرين يغلب عليهم الاقتصاد بحيث لا تعهد عندهم المضافات المفتحة الأبواب لكل قادم كما هي عند سكان هذه الديار من العرب وأكثرهم يعرفون دخلهم وخرجهم. ولو سار الجولانيون الأصليون على هذه الطريقة لحمدوا سيرهم ولما افتقر الأغنياء منهم بإسرافهم إسرافاً لا يعد من الكرم في شيء وبعبارة أوضح لا يعد فضيلة.
وبلاد الجولان متسعة الرقعة يقل سكانها بالنسبة لعظم بقعتها ويكفي أن أراضي الفضل وهي من جملة عمل هذه البلاد تمتد من المنصورة قرب القنيطرة جنوباً حتى بانياس شمالاً وشرقاً إلى جباتا الخشب وغرباً إلى الحولة ولا يطوفها الراكب بالسير المعتدل في أقل من ثلاثة أيام. غلاتها جيدة وفيها بعض الأشجار المثمرة والكروم وكثير الغابات اجتزناها من
стр. 4309
القرب من مركز القضاء إلى ارض بانياس في زهاء أربع ساعات فرأينا فيها صورة مصغرة من مناخ سورية رأينا فيها الربيع والصيف أو الصيف والشتاء في آن واحد. وأميرها وهو اليوم محمود الفاعور مالك هذه الأراضي كلها إذا شتا في أرضه بالقرب من الحولة يشتو في حرارة كحرارة الربيع وإذا اصطاف يصطاف في الأرض النجدية وإذا ارتبع يرتبع في واسط حيث بنى قصره على مثال قصور الأغنياء وهذا الأمير حاكم مطلق في عشيرته عرب الفضل المؤلفة من نحو ١٥٠٠ بيت كما قال لي أحد أفرادها ولا يشاركه في ملكها سوى شيخ الهوادجة وبعض البحاترة وهم عبارة عن ١٨٠ بيتاً يملكون جزءاً صغيراً منها ومن عشائر الفضل العجارمة والربيع والفاعور ويجمعها كلها اسم الفضل وكلهم رحالة أو متنقلون ولكن رحلتهم في أرضهم لا يتعدونها إلى القاصية كما يرحل عرب بني صخر والروالة مثلاً وأميرهم يدفع ما على أراضيه من الأعشار الخفيفة وجماعته معفون من الخدمة العسكرية ليسوا مع أميرهم كصاحب أرض مع فلاحيه على ما هي عليه الحال مثلاً في الغوطة والمرج وقلمون ووادي العجم والجولان يخدمون أرضه ويقاسمهم غلاتها على الخمس أو الربع بل هو الحاكم المتحكم في أموالهم ومائهم وأعراضهم يأخذ ما يمكنه أخذه منهم وينفقه في وجوه مرافقه والتوسعة على ضيفانه. وأهل الجولان مسلمون على الأكثر وليس فيها سوى ثلاث قرى في آخر عملها اسمها عين فيت وزعورة وغجر سكانها نصيرية.
وسلطان العدل في هذه البلاد ضئيل بحيث لايرى حتى بالمجهر والكبرة لفساد أخلاق الأهلين على الأكثر ولأن الحكومة لا تختار على الغالب لولاية أعمالها سوى من قلت كفاءتهم في الجملة. قال لي أحد فضلاء القنيطرة: لقد راقبت سير الحكومة في قضائنا منذ نحو ثلاثين سنة فلم أرها إلا تقذف علينا بأحط عمالها على الأغلب فإذا اتفق أن تولى العمل الأكفاء المستقيمون لا تطول مدتهم فيفارقوننا ليخلفهم من لا يرجعون إلى عقل في أحكامهم ولا إلى عدل في نظامهم هذا ما سمعته وحققته من مجموع حوادث نقلت لي إما من المعارف فلا تجد لها في القضاء عيناً ولا أثراً ويكفي بأني قال في وصف مدرستيها الأميريتين أن الأولاد يضربون معلمهم ويعبثون بلحيته وعمامته ولكن ما دامت إدارة المعارف تفضل من يعرف كلمتين من التركية على الكفوء من المدرسين ممن لم يسعدهم
стр. 4310
الحظ بتعلمها من أبناء العرب وما دامت مقلة من رواتب المعلمين هيهات أن تجد أحسن من هذه الطبقة لتعليم أبناء البلاد وعندنا أن الجهل المطبق خير من هذا التعليم الناقص الدنيء لأن الفلاح الأمي لا يجد له مرتزقاً إلا من أرضه وماشيته أما الفلاح الذي تعلم هذا الأسلوب فتكبر نفسه عن الزراعة جهلاً منه وغروراً ولا يحسن عملاً اللهم إلا إذا كان خيال درك أو بواباً أو حرساً.
بين قوم هذا حالهم أنشأ صديقنا أحمد حمدي أفندي الداغستاني مطبعة في القنيطرة سماها مطبعة الجولان فعسى أن يخادنه من التوفيق ما خادن بعض قرى سورية أو بليداتها التي انتفعت من نعمة الحرية في عهد الدستور ففتحت مطابع وأنشأت جرائد أو مجلات ونجحت في عملها على الجملة.
الحولة
بتنا الليلة السادسة في بانياس آخر عمل الجولان وحقها أن تعد من الحولة إذا نظرنا إلى تقسيمها الطبيعي وبانياس بالقرب من تل القاضي حيث ينبع نهر الأردن أو مدينة دان القديمة وبها آثار مهمة وغيرهم من الإسلام وبالقرب منها حصن الصبيبة وهذا الحصن هو القلعة المشرفة عليها في رأس جبل وبينهما نحو نصف ساعة قالوا في وصف بانياس أنها مدينة قديمة كثيرة الحدائق وهواؤها وبيء وترابها كذلك وبها مياه غزيرة وآثار لليونانيين قديمة وقال أبو الفدا بانياس اسم لبلدة صغيرة ذات أشجار محمضات وغيرها وأنهار وهي على مرحلة ونصف من دمشق من جهة الغرب بميلة إلى الجنوب والصبيبة اسم قلعتها وهي من الحصون المنيعة قال العزيزي ومدينة بانياس في لحف جبل الثلج (جبل الشيخ) وهو مطل عليها والثلج على رأسه كالعمامة لا يعدم منه صيفاً ولا شتاءً وقال ابن جبير في وصف بانياس أنها مدينة صغيرة ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر يفضي إلى أحد أبواب المدينة وله مصب تحت أرجاء وكانت بيد الإفرنج فاسترجعها نور الدين ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للإفرنج يسمى هونين بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ قال وعمالة تلك البطحاء بين الإفرنج وبين المسلمين لهم في ذلك حد يعرف بحد المقاسمة فهم يتشاطرون الغلة على استواء ومواشيهم مختلطة ولا حيف يجري بينهم فيها.
следующие страницы →