Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
جميع سكانها بادية رحالة وإذا اعتبرنا عدد خيامهم كانوا عبارة عن ٢١٦٤ داراً وأراضيهم ١٢٢٩٥ دونماً عامراً و٢٩٤٠٠٠ دونم غامرة.
ومدينة الرقة قديمة جداً أنشأها الاسكندر الكبير وسماها نيكوفوريون وكانت مشهورة في سالف الأحقاب باسم البيضاء والفعة افتتحها سعد بن وقاص سنة١٧للهجرة صلحاً على يد عياض بن غنم فاتح الجزيرة.
وعلى مسافة ساعتين ونصف مقابل مدينة الرقة من جهة الشامية في سفح الجبل كانت وقعة صفين بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان فقتل فيها من المسلمين والصحابة جمهور عظيم.
وكانت الرقة مركز ديار مضر وهي قسم مهم من الجزيرة وعلى مقربة من الرقة غربي الفرات كان مصيف هشام بن عبد الملك الذي يسمى الرقة أيضاً ولا تزال خرائبه باقية وقد أنشأ فيها هارون الرشيد معسكراً لموقعها من الثغور الإسلامية كما أنشأ فيها مرصداً فلكياً. وفي الرقة قاس بنو شاكر الجغرافيون الفلكيون طول العلم وعرضه. وفي قلعة جعبر من أعمال الرقة دفن السلطان شاه العثماني.
ولا يزال أهالي قضاء الرقة بادية لم تسجل نفوسهم ويقدرون بنحو ثلاثين ألفاً وعشائر القضاء يتوفرون على الضرع أكثر من الزرع ولو أرادوا لاستفادوا كثيراً من مياه نهر بليخ في زروعهم وهو ينبع من قضاء حران ويمر شرقي الرقة على نحو ساعتين منها ويصب في الفرات.
هذه نبذة من أقضية حلب وعمرانها بقي الكلام على لواءي أورفة ومرعش ولما كان أكثرها في الجهة الشرقية من سورية كان بعضها يحسب من بلاد الروم والآخر من بلاد الأكراد فمدينة البيرة (ييره جك) على ١٣٥ كيلومتراً من حلب هي على الفرات وما ندري إن كانت تحسب من سورية أم لا وكذلك قلعة الروم (روم قلعة) على ساحل الفرات.
стр. 4657
في القطار
من بيروت إلى زحلة
وناقلتي حيث يحلو في الهوى النقل ... يمشي به الدفعان الشوق والأمل
كأنه جبل يشمي على جبل ... يرسو إذا شاء طوراً ثم ينتقل
كأنه عند ما يجري على عجلٍ ... يجري على عجل يجري بها الأمل
كالطير ليس يزيد السهل سرعته ... ولا يؤخره في سيره جبل
لو سابق الأرض نحو الشمس ما اطلعت ... إلا وقد جازها في الغرب تغتسل
أو طارد الزهر في ألفلاكها غلساً ... ما حط إلا ومن أرتاله زحل
ما عاقه في السري برد ولا مطر ... كأن لعلم الحيا في وجهه قبل
لا أنس فيه ركوبي والحبيب وقد ... بنتا وكل بصهباء اللقا ثمل
قمنا عن (البور) والأفلاك قد غمضت ... منها وقد سهرت طول الدجى المقل
يمشي نحو الشآم المل مكتملاً ... إلا وجفن الضحى بالنور مكتحل
ينساب كالصل حرَّان الحشاشة حي ... ر وأنا كمن قطعت في وجهه السبل
طوراً تخف إلى استقباله قلل ... وتارة كما قطعت في وزجهه السبل
يمر كالسهم في الأنفاق مخترقاً ... حشاشة الأرض لا يلوي به الرجل
خلو من الحب لا ينفك منتحباً ... يشكو ويبكي وما في جسمه علل
مصعد زفرات كلما عصفت ... حسبتها طغمات الجن تنتقل
تلتقي على الأرض من أبوابه بصراً ... يرده فشل في الطرق لا كلل
لا يستقر على شيء لسرعته ... فلا ترى الأرض إلا عند ما يصل
حتى إذا ما إنجلى سهل البقاع لنا ... بحراً يرى كل بحر عنده وشل
أواجه الخضر بالأزهار مزبدة ... مثل الحلي إذا ازدانت بها الحلل
عدا ومن خلفه ما لاحت له عجلن ... كأننا في سفين مالها عجل
والكرم عن جانبيه مطرق خجل ... كالغيد خف إليها فارس بطل
ترى العناقيد من أعناقها برزت ... مثل ال. . . . . ود لكن درها عسل
حتى إذا الأرض من حر الهجير غدت ... كأنها كبد بالهجر تشتعل
стр. 4658
صرنا إلى زحلة فالبعض قد ركبوا ... منها وكنت أنا من بعض من نزولوا
يا من له هوس في كل ذي قدم ... هذا القطار فأين البغل والجمل؟!!
رشيد الخوري
стр. 4659
أخبار وأفكار
قصر بختنصر
اكتشفا البعثة الأثرية الألمانية في بابل عدة آثار من زمن عصور الثوراة ومنها خرائب قصر الملك بختنصر ومعبد البعل وباب ايستار وغير ذلك من العمارات المهمة وفي لنية الآن أن يعيد أولئك الأثريون تلك العاديات إلى الصورة التي كنت عليها على عهد عظمة بلاد الكلدان يستعملون لذلك الأدوات التامة ومنها آلات لجر الأثقال عظيمة هائلة معمولة من حديد والفولاذ وبها ينقلون تلك الأحجار الضخمة والأسود المجنحة ويجعلونها في محالها وكانت تنتقل قديماً بإنضمام أيدي العبيد والأسرى وقواهم المجتمعة. وقد جعل الأمبراطور غليوم الثاني هذا المشروع تحت حمايته وبذل الماليون لأولئك العلماء من النفقة في هذه السبيل ما يلزم. ومعلوم أن مدينة بابل على بضعة كيلومترات من بغداد وإلى هذه ينتهي الخط الحديدي الألماني فبابل والحالة هذه داخلية في منطقة نفوذ الألمان كما يقول كتاب السياسة وترميم قصر بختنصر مما يساعد كثيراً على توطيد هذا النفوذ.
وكل من قرأ التاريخ يعرف عهد بختنصر المجبد وما تبعه من الكوائن وقد بدأ انحطاط بابل على عهد خليفته بالتازار بعد فتح قورش الفارسي. أما القصر الذي يراد ترميمه الآن فهو على نشر من الأرض وفي جواره أراض متعسة للغاية وكان الرجالة يصعدون إليه على أدراج وكان ثمت طريق خاص بالمركبات والأسس معمولة بالحجر والحوائط من آجر لا يتفتت ولايذوب وواجهات البناء مزينة بالنقوش تمثل الصيد وقد لون الصيادون وما يصيدون بأنواع الأصباغ بالحمرة والزرقة والصفرة. والثيران المجنحة تحرس الأبواب المعمولة من النحاس وكن القصر نحو مائتي ردهة وغرفة ينزل في أكثرها نساء هذا الملك العظيم وفي الداخل ترى أنواع الطنافس والسجاد والزينات الفاخرة والأفاريز منقوشة عليها صور عزوات هذا الفاتح في مصر والقدس وصور. والغالب على الطن أن القائمين بترميم هذا القصر لا ينفكون بلذلك فقط بل يرممون أسوار المدينة وكان سمكها بضعة أمتار وهي ئاهقة العلو ولها أبراج حصينة يبلغ طولها زهاء ٨٠متراً وسيرمم باب أيستار الربة الحامية لبابل مع ما كان عليه من الثيران والتنانين الحمر والرزق. وقد رأت البعثة موقع الحدائق المعلقة المنسوبة لسميراميس ملكة آشور وفي النية أيضاً إصلاحها.
стр. 4660
لفحة الشمس
كثرت ضربة الشمس في الصيف الماضي في بلاد الغرب فانتبه المختصون من العلماء للنظر في طرق الوقاية منها فرأى أحدهم في مونيج أن الجسم الإنساني لما كان مركباً من عناصر كيماوية فضربة الشمس ناشئة عن إضرابات كهربائية تحدث من فقدان الملح اللازم في تركيب الجسم فأبانت أبحاثه أن الأشخاص الذين يعرقون كثيراً ولا سيما من يعملون أعمالاًَ شاقة في اليوم الحار يفقدون جزءاً عظيماً من الملح الضروري لصحة الجسم واستنتج من ذلاك أن الجسم في هذه الحالة يضيع في اليوم من ٣٠ إلى ٤٠ غراماً من لملح الذي لا يعوضه في الأحوال العادية إلا الغذاء وشرب كمية من الماء لا يكون دواءً كافياً ونافعاً في هذه الحالة لأنه يحول دون جمود الدم وعنه ينشأ الدوار وهو أول أعراض الغثيان. ويعتقد العالم الألماني كل الاعتقادات أن ضربة الشمس تأتي بتعديل التراكيب الكيماوية في حياة الجسم تعديلاً سيئاً وذلك بحرمانه من الملح اللازم وذكر أن بعض السجون في ألمانيا كانت منذ أربعين سنة منعت من تمليح طعام السجناء بحجة أن الملح من الزوائد وهو دليل للرفاهية في التغذية فكان يحدث للسجناء مرض شبيه بالغثيان أو ضربة الشمس يقضون تحبهم معه. وقد تبين أيضاً أن السكيرين أ: ثر استعداداً من غيرهم للوقوع بضربة الشمس وذلك بأن الإلكحول إذا تناوله المرء فأفرط بالأغذية المالحة التي لا يستغني عنها الجسم وفي تقيه من الأخطار التي يتعرض لها كضربة الشمس ونحوها.
التربة السوداء
في كثير من أصقاع العالم أرض سوداء ولا سيما في مراكش وجنوبي روسيا واوتسراليا وغيرها فترى تربتها سواء فحمة وعي ومخصبة كل الخصب وتعطي غلاتها بدون أدنى سماد ويجود محصولها بضع سنين منوالية. ومن الغريب أن هذه التربة تكون كملها في السهول واطئة في الجملة معرضة للرطوبة والبيوسة في فصل المطر وفي أيام الجفاف تصلب وتتشقق. وقد نسب العارفون بطبائع التربة زمناً طويلاً سر هذا السواد والخصب في هذا الضرب من الأراضي إلى الكمية الوافرة من المواد المخصبة والمواد النباتية التي تغذي على رأيهم النباتات أثناء نوها ولكن أثبت البحث الدقيق أن هذه المادة النباتية تحتوي على كمية وافرة من البوتاس وحامض الفوسفور والنشاير بحيث أن المادة المخصبة هي
стр. 4661
السبب العارض في غنى النباتات وأخصب التربة السوداء في العالم تربة تربة استرالية ولذلك انصرفت وجوه المهاجرين من أقطار الأرض إليها وقصدوها التربة الأشجار والحيوانات كل ما يغرس ويعرش ويخور ويبغم ويثغو.
المطر الصناعي
اخترع أحد مهندسي الجمهورية الفضية طريقة سهلة عملية لإرواء الحدائق والحقول حتى في أيام الجفاف بواسطة الماء الموزع في أسلاك كهربائية وهذه الطريقة نافعة في الزراعة تأتي على الحشرات والحلمات الطفيلية المضرة فتهلكها ويجري إليها الماء من نهر أو بئر ارتوازي أو نبع ثم يجعل في حوض من الحديد منفرد يوصل في أنابيب وجاري ذات مضخة رشاشة ويمتلئ الحوض بالكهرباء بواسطة دنمو وتستعمل الكهرباء لبعض التغيرات الكيماوي التي تولد شيئا من الأكسجين والأوزون والهيدروجين وغيرها مما يجعل الماء قابلاً للشرب وبهذه الطريقة التي جربها المهندس لإرواء حديقة في عاصمة تلك الجمهورية خلال الصيف الماضي وكان الماء عزيزاً في تلك الأصقاع تيسر أن ينبت عشب كثر لتربية الخيول لا جرم أن المطر الصناعي سيكون نعمة حقيقية للزارعين ويستعمل المجرى الكهربائي في إنارة بعض أجزاء من المدينة.
أدب النشر
في جميع البلاد التي لها قانون للمطبوعات مواد مخصوصة للحكم على من يخالفون العرف في مسطورهم ومنشورهم فيحيدون عن شرعة الأدب وقد حكمت إحدى المحاكم الألمانية على كل من رئيس تحرير مجلة (بان) الألمانية وعلى مديرها بخمسين ماركاً غرامة لأنهما نشرا قطعة من مفكرات الفيلسوف فلوبر فحكمت المحاكم عليها بدعوى أن هذه المجلة مخلفة للآثار وكانت نشرة منذ ثلاث ين سنة فلم يختلف اثنان في أنها غير أدبية بل أن كاتبها كان في وصفها كالجراح يشرح جثة ولا يرى في عمله ما يعبث بالأدب وتحمر منه الوجوه ومن الغريب أن أحد النقاد ترجم إلى الألمانية قطعة من الشعر الغزل كتبت بالفرنسية في القربي من الثامن العاشر ولم يكن ينشرها حتى حكمت عله المحكمة بالسجن ثمانية أشهر.
التمثيل والمؤلفون
стр. 4662
بلغت واردات دور التمثيل في باريس سنة ١٩١٠ - ١٩١١ (٢٧٧٣٠٠٦٢) وحقوق المؤلفين ثلاثة ملايين ونصفاً من الفرنكات وعدد أعضاء جمعية المؤلفين ٣٠٤ وعدد من يستعدون للإنخراط في سلكهم ٤٥٤٣.
الحرب العثمانية الإيطالية
قالت المجلة ما تعريبه لقد حزن كل الحزن جميع أنصار السلام لانتشار الحرب الإيطالية العثمانية فماذا كان يا ترى من أمر المادة الثانية والأربعين من قانون محكمة لاهاي القاضية بأن جميع الدول يقضي عليهن أن يعمدن إلى التحكيم قبل أن تقرقع السيفو وتلمع الأسلحة فقد جائتنا من كل مكان رسائل الاحتجاج على ما جرى بين الدولتين مما من شأنه أن يكدر صفو الإنسانية ويذهب كل ما بذل لنفعها أدراج الرياح فكل الجمعيات الإنكليزية التي تعنى بحركة السلم قليلاً أو كثيراً قد أقامت الحجة في لندرة وعزمت أن تبعث إلى الأستانة بمؤازرنا الثاني وصديقنا المستر ستيد حتى تقرر الحكومة العثمانية طلب لاتحكيم (وقد جاء الأستانة واقبل السلطان الأعظم) والرجاء معقود بأن الدولة العليا تطلب هذا المطلب وماذا يكون من شأن إيطاليا يا ترى لا جرم أن المستر كارنخجي الذي منح محكمة لاهاي خمسين مليون فرنك لستعين بها على نشر السلام ينوي أن يتدخل لدى الدول الموفعة على عهدة السلم وذلك ما يدعو إلى الرجاء في حركة سلمية ربما نجحت في إدخال الشعبين المتحابين فغي مضمون مبادئ حقوق الدول الأصلية.
عاهات الصناعة
تبين بالإحصاء أن عدد من يصابون من العملة في الولايات المتحدة بعوارض قالة قد بلغت سنة ١٩٠٨ ٣٥ ألف رجل من أصل ٣٦ مليون عامل ولا يدخل في ذلك مليون عامل يعملون موقئاً وعدد الهالكين في الصناعات يزيد كثيراً فقد دل الحدث الإحصاآت أن معدل من يهلك بسببها ٥٠ ألف رجل ولا تقل الجروح والرضوض الغير القتالية عن إصابة ملوني عملية على الأقل. أما نحن فما ندري إن كان في أحيائنا ما يوازي قدرا أمواتهم من العاملين في الصناعات.
صحف العالم المتحضر
стр. 4663
دل الإحصاء الأخير الذي وضعه المجمع العلمي الدولي للكتب أن فرنس في مقدمة دول أوروبا بكثرة جرائدها ومجلاتها فيصدر فيها ٨٩٤٠ صحيفة ثم يجيء ألمانيا ويصدر فيها ٨٠٥٠ ثم إنكلترا ويصدر فيها ٤٣٣٩ ثم إيطاليا وفيها ٣٠٦٨ ثم البلجيك ٢٠٢٣ ثم روسيا١٦٦١ ثم إسبانيا ١٣٥٠ ثم سويسرا ١١٣٣٢ ثم بلاد القاع (هولاندة) ١٣٠٢. وأما نظن الجرائد والمجلات التي تصدر على صورة مطردة تحت السماء العثمانية والمصرية تناهز الثلثمائة صحيفة فتأمل.
العودة إلى الخلاء
في أوروبا كثير من العقلاء يدعون إلى التبدي أي سكنى البادية والعودة إلى الخلاء واستثمار الأرض ولكن الحال مازال في ازدياد وسكان القرى ينهالون على المدن أي انهيال فقد كان معدل سكان المدن بالنسبة للقرى في الولايات المتحدة ٣٦ في المئة سنة ١٨٩٠ فبلغ سنة ١٩١٠ - ٤٦ وكسراً والمأمول أن يبلغ ٥٠ في المئة ١٩٢٠ بتعديل قليل يدخل على أسباب الحياة الحديثة ويختلف هذا المعدل بين ولاية وأخرى ففي الماشوست يبلغ سكان المدن ٩٦ في المئة وفي ولاية داكاتو الشمالية والمسيسبي ١١ في المئة وقد كان نمو السكان هاتين الولايتين أكثر من سكان الولاية الأولى ومع هذا فإن المدن تجذب السكان وغم أقوال الخطباء وتأثيرات الكتاب.
كليات أميركة
كان بدء كطليات الولايات المتحدة ككليات أوروبا عبارة عن مدارس دينية وأولها وأقدمها كليتا هارفودويال فهما الكليتان المشهورتان اللتان تبدلت دروسهما بالتدريج ومسحا عنهما صبغة اللاهوتية فقد أخلتا إلى برنامجهما تعليم فلاسفة الوثنيين وكبار الكتاب المحدثين والأقدمين وكانت العلوم الطبيعية بادئ بديء يتسامح بتعليمها فيها فأصبح لها المكانة الأولى ثم المقام الأعلى وتعليم الدروس الوسطى أعفي منه النساء إلا قليلاً وانصرف الناس إلى تعلم ما تظهر نتيجته في الحال وتمس فوائده عن أمم ومنذ منتصف القرن التاسع عشر قد أقبلوا في التعليم بالأساليب الألمانية. والمدارس العالية في الولايات الشرقية قد أنشئت بعطايات الأفراد أما مدارس الغرب والجنوب فقد أنشأتها الحكومة والمنافسة قائمة على ساق وقدم ولا تزال بين المدارس الأهلين ومدارس الحكومة وكل مدرسة تريد أن تطهر
стр. 4664
من تلاميذها النجابة والبلوغ وأن يكون لها أفضل المدرسين والباحثين وكليات الغرب غنية كثيراً في حين اشتهرت كليات الشرق بتأثرها الأخلاقي.
الجنسية في روسيا
لم تستطع روسيا على وسائط الشدة التي استعملتها في الجنوب الغربي من بلادها أن تنزع الدعوة إلى الجنسية والتناغي بحب القومية البولونية ففي كل مكان تبدو علائم النهضة والروسية لم تتأصل في مان وستزيد الدعوة إلى لاجنسية عندما تنشأ في تلك الولاية جرائد تدعو للاستقلال الإداري المحلي وعلى ما استعملت روسيا من الذرائع للقضاء على نفوذ كبار أرباب الأملاك البولونيين وحرمانهم من حقوقهم فإن الروسيين بل كبار المالكين منهم لا يكون لهم أدنى تأثير في تلك الجرائد التي هي ملك صغار المالكين وتصدر عن آرائهم. ولا جرم أن هؤلاء لحبهم لبلادهم ولغتهم وتقاليدهم يعملون على ما فيه نجاح كلمة الوطنية وستكوم مسألة اللغة أول مسألة تدخل فيها الحكومة مع الأهالي في أشكال فإذا توسعت الحكومة في اضطهادها يزداد الخرق بينها وبين المحكوم عليهم وتشتد العداوة والبغضاء. قالت إحدى المجلات الروسية ولا سبيل إلى حل هذه المعضلة إلا بأن تعمد الحكومة التي قضي بها العدل والحق فتجري عليها وهناك الراحة لها ولغيرها.
منتدى المعمرين
أنشيء في يابان منتدى لا يدخله إلا من بلغ مئة سنة من عمره سموه منتدى المئوييون ورئيسه الكونت أوكوما المشهور وجميع المشتركين معه متعهدون أن يحافظوا كل المحافظة على مبادئ الصحة الشديدة التي تضمن وتعد بطول الحياة وكلهم يودون أن يعيشوا أو يرغبون في أن يعيشوا مئة سنة أخرى على الأقل. قالت إحدى مجلات يابان وإن هذا العزم لا نفع جداً من أن يفزع المعمرون إلى المعابد ويستنزلوا رضا الأرباب لتطول شيخوخيتهم ومن مبدأ هذا المنتدى أن يبحث المرء ليكون نافعاً لإخوانه ما أمكنه ويتأتى له ذلك إذا عني بصحة الجسم كما يعني بصحة العقل وكل منهما نتيجة لأزمة أصحابه حتى أن رئيس هذا المنتدى يشترك مع القائلين بطول الحياة أن يعمر ١٨٥سنة!
стр. 4665
مخطوطات ومطبوعات
نظام القضاء والإدارة
تأليف أحمد بك قمحة طبع بمطبعة الجريدة في مصر سنة ١٣٢٨هـ - ١٩١٠م ص٣٤٣ لو كتب لمصر أن يرتقي فيها كل فرع من فروع العلم على نحو ما ارتقى القضاء لأصبحت كفرنسا لا تنقصها إلا أن أهل مصر ساميوةن عرب وأهل فرنسا توتونيون فرنسيس وأمامنا الآن هذا التأليف النفسي كتبه مرلفه من ألأساتذة القضاء بلسان سلسل وتنسيق بديع وضمنه النظامات القضائية والإدارية والمالية والسياسية في القطر المصري وطبع طبعاً نفسياً حتى جبب مطالعته والأخذ منه لكل من لا ميل عنده لمثل هذه الموضوعات وناهيك بمن يحتاجون إليها في بلاد الشرق ولا سيما العثمانية والمصرية. والناظر في هذا السفر يعرف مصر وطرفاً مهماً من تاريخها السياسي والإداري والقضائي. خذ مثالاً لذلك ما أورده في امتيازات الأجانب وتعليلها قال: وسبب ذلك أن الحكومات الإسلامية اعتادت من قديم الزمان أن تتساهل مع المسيحيين الذين في بالدهم فأجازت لهم عدم اتباع الأحكام المرعية وتركهم يتقاضون في أحوال مخصوصة بحسب قواعد دينهم وقوانينهم. فمع شدة الاختلاط وتمكين العلائع ومضي الزمن أصبحت هذه العادة بمثابة القانون وأضحى هذا التسامح حقاً لهم لا يحتمل النزاع. هذا ما نتج عن مجرد التساهل ومحض التسامح على أن هناك ما بني على المعاهدات فإنه توجد معاهدة عقدت بين سلطان مصر صلاح الدين بن أيوب وجمهورية بيزا مؤرخة في ١٥صفر سنة ٥٦٩ (سنة ١١٧٢م) ستدل من عبارتها ومن المعادات التالية لها على أنه منح البيزانيين جملة امتيازات خاصة بالتقاضي والمملكة وقد حصل كذلك الفلونتيوم (الفلورنتيون والبيزانيون هم الطليان) من أبي النصر قائد باي سلطان مصر على عدة اتيازات قضائية بأمر أصدره في سنة ١٤٨٨ جاء فيه ما يأتي: إذا حدث خلاف بين الفلورنتين أنفسهم ليس لحكامنا وقضائينا المسلمين أن يتدخلوا في مسائلهم ولكن الحكم في ذلك لقنصل الفلورنتين فيحكم في هذه الحالة بما يناسب القوانين الفلورنتية.
ومما يلاحظ أنه حصل التوسع في العمل بهذه المعاهدات حتى عمت جميع رعايا الدول المسيحية الواحدة بعد الأخرى وبقي الحال كذلك إلى أن حلت الدولة العلية المحل الأول من
стр. 4666
الدول الإسلامية فنسيت هذه المعاهدات النسيان ولكنها ما لبثت أن عادت بعودة الاختلاط ومقتضيات الأحوال فتعاقدت فرنسا على أرجاعها باتفاق جديد بصورة أنه معاهدة تجارية في سنة ١٥٣٥ حررت بين السلطان سليمان الأول وفرنسوا الأول ملك فرنسا وكان مضمونها التأمين على أرواح الفرنسيين وتجارتهم. وقد ظل تجديد هذا التقاعد إلى أن عقدت معاهدة سنة ١٧٤٠ بين السلطان محمود الأول ولويس الخامس عشر ملك فرنس وصارت هي صاحبة الشأن في حماية رعاياها وجميع الأجانب الذين يلتجئون إليها.، وقلدت فرنسا الدول الأخرى في عقد هذه المعاهدات المعروفة أيضاً باسم العهود نامات وأخذت الامتيازات تزداد شيئاً فشيئاً بمساعي الدول من جهة وبإهمال الحكومات الشرقية من جهة أخرى من طريق كونها أقرت بعض العادات وإن كانت خارجة عن نصوص المعاهدات في الواقع ونفس الأمر. ولا خلاف في كون جميع هذه العهود نامات نافذة على مصر كما تقدم لأنها جزء من ممالك الدولة العلية لا سيما أن الفرمان الصادر لمحمد على باشا في أول يونيه (حزيران) سنة ١٨٤٠ اشترط فيه إعادة المعاهدات الموجودة والتي ستوجد فلا شك حينئذ في أن الأجانب متمتعون بالامتيازات في مصر أسوة بسائر بلاد الدولة العلية.
والخلاصة فإن هذا المصنف ممتع نافع كتب هذا النموذج فجاء ناطقاً بالثناء على أبي عذره دالاً على فضله بين الأساتذة وجميل ذكره.
تاريخ حرب فرنسا وألمانيا
سنة ١٨٧٠ - ١٨٧١
لجرجي أفندي يني طبع على نفقة يوسف البستاني بمصر سنة ١٩١١ص ٢١٦ مؤلف هذا الكتاب رصيفنا صاحب مجلة المباحث من المشهود لهم في فن التاريخ ألف تاريخ سورية في حداثته وهذا الكتاب نشره أيضاً في جريدة الجنان أيام صدورها في بيروت وقد كتب المؤلف عدة أبحاث تاريخية في بعض المجلات ولا سيما في المقتطف أبانت عن تضلعه من هذا الفن الجميل وتاريخه هذا من أنفع ما يكون لأبناء العربية في تلك الحرب ولذلك أحسن ناشره في تجريده ونشره للناس عل هذه الصورة فلمؤلفه الرصيف أحسن الثناء على هممه وحسن بلائه.
стр. 4667
مطبوعات مختلفة
القراءة العربية في المعلومات المدنية - عربه من التركية السيد عبد القادر المبارك وفيه ما يلزم كل عثماني من المعلومات عن حالة حكومته.
قانون أصول المحاكمات الحقيقية وذيله الجديد الذي صدرت الإرادة السنية آذنة بالعمل به بعد التصديق عليه من مجلس الأمة وقانون الجزاء الجديد وفيه القانون القديم والمواد والذيول الجديدة التي أضافها مجلس الأمة وبعض تعليقات معربة بقلم شاكر أفندي الحنبلي.
وهذا الكتابات والكتاب الأول معربان أحسن تعريب تشهد لمعبيهما وهما من فضلاء دمشق معروفين بالأدب وطول الباع فعساهما يتوفران على تعريب كل ما كان من هذا القبيل ليطلع العثمانيون العرب على ما يسن بالتركية من القوانين ويكتب من الكتب النافعة في تقوية الشورى في النفوس.
الجغرافيا الطبيعية - لجامعة عبد الله أفندي عمر التنير وهو يبحث في التربة والتلال والجبال والأودية والأنهار والبرك والبحيرات والأوقيانوس والهواء وغير ذلك من الأبحاث التي تنشئ التلميذ الصغير على حب العلوم والصناعات طبع في بيروت سنة ١٣٢٩ في ١١٦ صفحة مع بعض الرسوم.
تحريم نقل الجنائز - رسالة لمؤلفها السيد هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم في النجف الأشرف في العراق ذكر فيها رأيه ونصوص علماء الشيعة في تحريم نقل الجنائز من مكان لآخر كما يفعل بعض العامة من الشيعة فيأتون إلى كربلاء واللغري بموتاهم من أطراف العراق وفارس يدفنوها هناك وقد أجاد الرصيف في التنفير وهذه العادة المضرة الملتبسة شعار الدين.
أسماء البنات - معانيها وعلاقتها التاريخية وأشهر نساءٍ دعين بها تأليف أمين أفندي والغريب صاحب جريدة الحارس البيروتية وفيه كلام نافع في فلسفة الأسماء ولا سيما الإفرنجية والقديمة.
стр. 4668
العدد ٧١ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٢
стр. 4669
أعداء الإصلاح
الطرق شتى وطرق الحق مفردة ... والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفون ولا تدري مقاصدهم ... فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عما يراد بهم ... فجلهم عن سبيل الحق رقاد
ما خلا عصر من عصور الإسلام من أعدء لكل جديد ومن جامدين ينكرون ما بلا يألفون. فقد لقي المعتزلة والفلاسفة والمتكلمون والنظار من أعداء العقل كل شدة في القرون الراقية وكان عقل الملوك هو الذي يحول على الأغلب بين الجامدين وبين ما يشتهون من الأعتداء على القائمين بتأييد سنن العقل والناصرين بأقوالهم وأفعالهم مذاهب السنة والنقل. ومن نظر نظرة مجردة عن الفرض في سيرة المناهضين للمصلحين على اختلاف الأعصار بجهدهم جروا على غير ما يعتقدون وطلبوا بمقاومة المصلحين إرضاءً العامة ونيل الحظوى لديهم واستتباع الجاهلين من الملوك والسلاطين وقليل جداً من كان الإخلاص رائدهم في أعمالهم ومآتيهم.
يقاوم في العادة الخامل النابه لتكون له مكانة كمكانته، ويتحامل الجاهل على العالم ليعرف بين قومه بأنه قسيمة في صناعته ومثيلته في فضيلته ويطعن الجامد الممخرق بمن يحب أن يعبد الله بعقل ويبحث في عالم الكون والفساد بروية ليتظاهر بأنه بعيد الغور شديد الغيرة وما أقواله الأرياء وما أفعاله إلا وساس وأهواء.
لقي المصلحون من الأهاويل في الأمة العربية مما لقيه أمثالهم في الأمم الأخرى فيما نحسب وخصوصاً بعد القرن السابع وقو توزعت بلاد الإسلام ملوك الطوائف وكان أكثرهم على جانب من الجهل والغباوة لا يهمهم الإرضاء المشعوذين بالدين ليحولوا العامة أليهم فيقوى بهم ضعفهم وستعينون بهم على تكبير رقعة ممالكهم وبسط ظل سلطانهم على النفوس فيستمتعون بشهواتهم وبذخهم ورفاهيتهم.
عجبت لمتاع الضلالة بالمدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أعجب
ساعد على الانتقام من العالمين العاملين ناس من أرباب المذاهب سرت أحكامهم بقوة أربابها فكان الحكم يجري على المبتدعة وأرباب الأهواء بزعمهم بموجب قوانين لهم سنوها ومنها المذهب المالكي الذي كان يحكم قاضيه بقتل أكبر عالم في الأمة - والقتل يعد
стр. 4670
من التعزيز في مذهب مالك - خالف المألوف من العادات التي اعتقدتها من أصل الدين وعد الخروج عنها كفراً وإلحاداً وما أسهلها صدور الحكم بهما من أعداء الإصلاح المماحكين.
سالت الدماء كالأودية في بغداد للفتن بين الحنابلة والشافعية مرات وسالت دماء كثير من الخاصة في كل قرن وعذبوا وأوذوا بواسطة أرباب المظاهر من المتنطعين ممن شق عليهم أن يروا كلمة الإصلاح الديني والدنيوي تفعل في الأرواح فعلها المطلوب فحدثتهم أنفسهم أن يتساوى المفكرون وغيرهم في نظر العامة أن يتمكنوا من إسقاطهم ليخلو لهم الجو ويقتصر في تقبيل الأيدي وطلب الدعوات وإلتماس البركات عليهم دون سائر المنتسبين للعلم والشريعة.
ومن غريب أسرار الله في خلقه أن جمع من قاوموا المخلصين من المصلحين دثروا وودثرت أسماؤهم وظلت أسماء من عادوهم وآذوهم تشهد بالجهل المركب على أعداء العقل السليم والتعاليم الصحيحة.
أين أعداء الغزالي والسهو وردي والآمدي وابن جرير وابن تيمية وابن رشد ذهبوا كلهم كأمس الدابر وبقيت الأمة تردد على وجه الدهر أسماء هؤلاء المصلحين العاملين وتتناقل ما خطته أناملهم من سطور الإصلاح فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
لا يذكر التاريخ اليوم إلا أفراداً مم ناوأوا رجال العقل الرجيح والنقل الصحيح اشتهروا لاحتكاكهم بالحكام وموهوا على العامة بحسن حالهم لمظهر دنيوي وحطام من الدنيا تطالت نفوسهم لأن بقتنوه كأن يكون أحدهم قاضياً يخاف أن يشركه ذاك العالم المستنير في قضائه أو شيخ عامة حدثته نفسه بالاستئثار بهذا المظهر الذي يعتقده جماع فضال الدنيا والآخرة:
أمثال هؤلاء الممخرفين المنفقين بدلوا المعالم والتعاليم مرضاة لأرباب الرئاسات والزعامات وسجلوا على أنفسهم العار للبت فيما ينزل به السلطان وجازوا أحد الشرع وهم يتظاهرون بأنهم المئتمنون عليه ومنهم ومن أعمالهم يشكو ويئن كما تشكو المدينة والإنسانية.
نهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوءٍ ورهبانها
стр. 4671
إن من يتظاهرون بالدين واطنهم منه برئ أضر على الدين ممن يعقونه. ومن يدعو في الغالب إلى لاإصلاح ويتخذ التقية أمام العامة درعه يكون أقرب إلى ال، حلال والضلال منه إلى من لا يطنطنون بأنهم عاة الدين والقائمون عليه وعنهم يؤخذ وبهديهم يهتدي. وشر الناس من يسرون غير ما يظهرون وتلونون باللون الذي يرون أنه وافق لهم لجر مغنم وإحراز مظهر.
إن هؤلاء العامة ممن يتطالون إلى مقامات العلماء هم أفسد من العامة لأن شيطانهم يتكلم وشيطان هؤلاء أخرس لا يبدي ولا يعيد. هم سوس الفسادد في كيان اهذا المجتمع يدعون معرفة كل شيء وهم لم يتقنوا شيئاً على المحارم ولو بحثت عن أعمالهم لرأيتهم أول المجترئين على انتهاك حرمات الأديان والشرائع وهم يقدسونها بلسانهم والعابثين بحدودها وهم يدعون الناس إلى الوقوف عند مراسيمها والسعاية بالمصلحين ليفنوا في أعضادهم ويفسدون عليهم أمرهم ويأبى الله أن يتم نوره ولو كره أبالسة التدجيل والتضليل من علماء السوء.
لو كان أعدء المصلحين على شيء من التدين الحقيقي لكانوا اشتغلوا منذ قديم بإرشاد العامة وإنكار المنكرات المائلة في كل عصر أمامهم مثول الشمس في السماء رأد الضحى ولكن المتدلسة أمثالهم يتعلمون من قشور العلوم ما يستعينون به على الأخذ من أموال الحكومات والأغنياء والتعزيز بالعامة ولذلك كان أ: ثر اشتغال من سموا أنفسهم بالعلماء في كل عصر بالفقه لأنه سلم إلى ما يتطالون إليه من الجاه وحسن الحال قال حجة الإسلام الغزالي في الأحياء: أعلم أن الخلافة بعد رسول الله ﷺ تولاها الخلفاء الراشدون المهديون وكانوا أئمة علماء بالله فقهاء في أحكامه وكاوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادراً في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فيفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها وكانوا بتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفيائهم في مجاري أحكامهم وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفوا الدين ومواظب على سمت علماء
стр. 4672
السلف فكانوا إذا طولبوا هربوا وأعرضوا فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتوليه القضاء والحكومات فرأي أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلاً إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطليوا الولايات والصلات منهم فنهم الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن طانوا أعزة بالأعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم الأمن وفقه الله في كل عصر من علماء دين الله وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعممت رغبته إلى الماتظر والمجادلة في الكلام فأكل الناس على علم الكلام وأ: ثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات وزعموا أن غرضهم النب عن دين الله والنضال عن السنة وفمع المبتدعة كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتلقد أحكام المسلمين إشفاقاً على خلف الله ونصيحة لهم ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد من فتح بابه من التصعبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ﵄ على الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص تساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد رعمهم الله تعالى وغيرهم وزعمواً أن غرضهم استناط دقائق الشرع وتقرير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون إلى الآن وليس ندري ما الذي يحدث فيما بعدنا من الأعصار فهذا هو الباعث على الأكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع أمام آخر من الأئمة أو علم آخر من العلوم لمالوا أيضاً معهم ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما ساتغلوا به علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين اه.
هذا موجز من تاريخ المتخلفين في الدين وصف به حجة الإسلام طغمتهم في عصره
стр. 4673
الخامس من أفضل عصور النول في الإسلام فما بالك بأمثالهم بعده وقد حدثت من الأحداث ما كان الجهل سداها ولحمتها والنيل من المخلصين مبدأها وغايتها وما أصدق ما قاله حجة الإسلام أيضاً في هؤلاء الطغام أعداء الإسلام والسلام في أول كتاله التفرقة بين الإسلام والزندقة قال: وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبوهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وشريعتهم رعونتهم،، وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعباتهم خدمتهم أغنياءهم، وذكرهم وساوسهم، وكنزهم سواسهم، وفكرهم استنباط الحلية لما تقتضيه حشمتهم فهؤلاء من أين لهم ظلمة الكفر من ضياء الإيمان أبالهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدوبات الدنيا لقبولها أم بكمال عملي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران وأمثالهم هيئات هذا المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى أو ينال بالهوينا فاشتغل أنت بشأنك ولا تضيع فيهم بقية زمانك و (أعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى)
وبعد فإن في هذا العصر فئات في هذا الشرق ممن اسعاذ منهم المصلحون في كل عصر ولكنهم وياللأسف حثالة الحثالة، ومثال الجهالة والضلالة، إن قلت لهم تعاليم فلان، قالوا لك أونسيت تعاليم فلان فهي أحسن وأسلم، وإن حرضتهم على علم كذا قالوا علم كذا أفضل،، عن شرحت لهم أساليب المدينة، قالوا إننا من قبل ديننا فتركناه فصار حالنا إلى ما ترى، وإن حدثتهم بطرق الارتقاء قالوا إنه يدعونا إلى الانحلال كأنه ما كفانا ما نحن فيه من البدع، وإن دعوتهم إلى الأخذ بما صح من أحكام الحلال والحرام، أوردوا لك من أقوال شيوخهم وأقاصيص عجائزهم وأحلام حالميهم ومثبطات المترهدين والمتورعين منهم ما تسأل الله معه السلامة، وإن حببت إليهم المعروف قالوا لك ما أكثر المنكرات.
حملة أهواءٍ، لا حملة شريعة، وجعاب لغو وحشو لا قوام على ما يقوم العقل، سلاحهم المغلطة، ومجنهم السفسطة، رأس مالهم الثرثرة، وربحهم الغلبة بالباطل، والمهارة في المهاترة على غير طائل، مناهم، من دينهم ودنياهم، أن تفخم القابهم، وتملأ كراشيهم وعلبهم، وترفع بين الغاغة منازلهم، ويزيدوا بسطة في الجسم لا في العقل، وتكتب لهم في العالمين شهرة بعيدة بدون أن بعدوا لها أداة من أدواتها، ويصرفوا في التحصيل ساعة من
стр. 4674
أوقاتهم، دأبهم الحط من الفضلاء، وهجيراهم النيل من العظماء، يرقعون ويلفقون، ويراوغون ويماحكون، وأكسون ماكسون، مدلسون مولسون، يعادون ما يجهلون، يجمدون على ما يعرفون، يصانعون ولا يتلطفون، يفتون وهم لا يعلمون، يجتهدون ويخطئون، يهرفون يما لا يعرفون، يعدون علوم البشر ذرة من معارفهم، ويحتقرون ما بلغه مداركهم كأن فل الله محصور فيهم، وكأن من لا يجري على هواهم محروم من السعادة هالك، أولئك هم ثعالب الإنس يأكلون لحم أخوانهم بالغيبة والوشاية، ويمشون بين الناس بالنميمة والسابة، أسود ولكن على نحت أثلاث مخالفيهم، نمور ولكن لا يحسنون الوثب إلا على من لا يصلحون خدمة لهم. يفترون ويغرون، يغرون ولا يخافون، يخربون ولا يدرون، يخرفون ولا يستحون، يمخرقون ولا ينتهون، فهم أضر على الناس من قطاع السابلة، وأفسد في جسم المجتمع من الأدواء القتالة، يرجعون بالأمة القهقري، والدواعي تهيب بها إلى التقدم، ويزينون لها الفناء والعدم، والمصلحة قاضية بالتماسك والتعاون، ويملون لها الذل والصغار، وركوب متن العار، والحالة تدعو إلى تحكيم العقل في كل قول وعمل.
فألهم ثبت أقدام المصلحين وهيء لهم من الكفاءة ما يقوون به على رد غارات أعداء الأمة في إصلاحها فقد كفاها جهلاً وضلة بما كسبت أيدي المنافقين وما جلبوا عليها من الخزي المبين وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. . . . . والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا بالغو مروا كراماً
стр. 4675
بين الفيحاء والشهباء
المملكة الحموية
حماه كلمة سامية معناها الحصن المنيع الحمي. والحماة عاصمة مملكة لا يعرف اتساعها تختلف باختلاف الدول والأزمان وقد ذكر موسى اليهودي حماة الكبرى وذكر بعض الإفرتج أنه كان انطلوخيوس الرابع أبيفان هو الذي سماها ابفانيا وسماها مؤرخة النصرانية الأول كذلك. هذه رواية الإفرنج ولم يصرح جغرافيو العرب بأن فامية هي حماه بعينها بل قالوا أن فامية ويقال لها أفامية هي مدينة قديمة ويطلق هذا الاسم على كروتها أيضاً وكانت فامية عظيمة قديمة على نشر من الأرض لها بحيرة حلوة يشقها النهر المقلوب (العاصي) وقال ياقوت أن أفامية مدينة كبيرة وكورة من سواحل حمص وقد ياق للها أفامية قال عيسى ين سعدان الحلبي يذكرها:
يا دار علوة ما جيدي يمنعطف ... إلى سواك ولا قلبي بنجذب
ويا قرى الشام من ليلون لا نحلت ... على بلادكم هالة السحب
ما مر برقك مجتازاً على بصري ... إلا وذكرني الدارين من حلب
ليت العواصم من شرقي فامية ... أهدت إلي نسيم البان والغرب
ما كان أطيب أيامي بقربهم ... حتى رمتني عوادي الدهر من كثب
وهذا دليل على أن أفامية كانت من المدن العوفة غير حماة يؤيد ذلك أن حماة معروفة بهذا الاسم في الجهلية فكان الشاعر حرياً بأن يذكرها بلفظها التعارف.
افتتح حماة أبو عبيدة سنة ١٧ وكانت معروفة ف يالجاهلية بهذا الاسم وذكرها امرؤ القيس في شعره بقوله:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية رحنا من حماة وشيزرا
بسير يضج العود منه يمنه ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
قال ابن حوقل أن شيزر وحماة مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزروع والفواكه وقال ياقوت إن حماة كبيرة عظيمة كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار واسعة الرقعة حفلة الأسواق محكم وبظاهر السور حاصر كبير جداً فيه أسواق كثيرة وجامع مفرد مشرف على نهرها العروف بالعاصي عليه عدة نواعير وفي طرف الدينة قلعة عظيمة في
стр. 4676
حصانيتها واتقان عمارتها وحفر خندقها نحو مئة ذراع وأكثر للملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. ولم تكن قديماً مثل ما كانت في القرن السادس من العظم بسلطان مفرد بل كانت من عمل حمص وسماها أحمد بن الطيب قرية سنة ٢٧١ وذلك فيما ذكره من البقاع التي شاهدها في سيره من بغداد.
واستولى الإسماعليون على حماة زمن الصليبين واستولى عليها تنكرد أحد ملوك سنة ١١٠٨م ثم استعادها طغتكين التركي من الإفرنج سنة ١١١٠م وأصيبت بزلزال شديد سنة ٥٥٢هـ - حتى ذكر المؤرخون أن أحد معلمي الكتانيب خرجد لحاجة وعاد وقد رقع السقف على رؤوس الأولاد كلهم قال ولم يحضر أحد من أوليائهم يسأل عن ابنه الهالك وذلك لأنهم هلكوا عن بكرة أبيهم. واستولى على حماة صلاح الدين يوسف اين أيوب.
وإن ما عرف من تاريخ هذه المدينة ليشهد بأن أيام صاحبها أبي الفدا إسماعيل كانت أسعد من غيرها وبها وبه اشتهرت ولا عجب فالبلاد قد تسعد برجل وتشقى برجل فكما سعدت دمشق بعهد نور الدين وصلاح الدين وسعدت بغداد بالرشيد والمأمون هكذا سعدت حماة بأبي الفدا الملك المؤيد صابح حماة والمعرة وبرزين. ولم تر بعده وهو ملك من أهلها ومن أسرة صلاح الدين يوماً يشبه ذلك الأيام في السعادة وبقي الخراب يتحيفها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه لهذا العهد من الإنحطاط. وأحر بها أن يقال لها اليوم قرية كبيرة لا لقلة نفوسها فإنهم خمسون ألفاً ولا لتغير معالمها وضعف زراعتها فإنا مازالت بحالها لقلة عمرانها وجهل سكانها إلا قليلاً.
لم يقل أبو الفدا في جغرافيته إلا أنها: مدينة أزلية ولها ذكر في كتب الإسرائيلين وهي من أنزه البلاد الشامية والعاصي يستدير على غالبها من شرقيها وشماليها ولها قلعة حسنة اليناء مرتفعة وفي داهلها الأرحية على الماء وبها نواعير على العاصي تستقي أكثر بساتينها ويدخل منها الماء إلى كثير من دورها وحماة بلدة قديمة مذكورة في التورات وهي وشيزر مخصوصتان بكثرة النواعير دون غيرهما من بلاد الشام.
وحدد ابن فضل الله حماة من القبلة الرستن وما سامته آخذاً ما بين سلمية وقبة ملاعب إلى حيث مجرى النهر والآثار القديمة ومن الشرق البر آخذاً على سلمية إلى ما استقبل عن قبة ملاعب ومن الشام آخر حد المعرة من أنقراتا (؟) ومن الغرب مضافات مصياف وقلاع
стр. 4677
الدعوة وليس لها نطاق يدور على غير ولاية برها الخاص بها نفسها وبارين والمعرة.
وقال شيخ الربوة في القرن الثامن أن الشام كانت لتنقسم على عهد الدولة التركية إلى ثمانية أقسام أو مماليك والمملكة الرابعة من الثمانية حماة ويها سلطان ملك ونائب مستقل وهي مدينة حسنة خصبة كثيرة الخير والأرزاق يحوطها النهر العاصي وبأتيها جارياً من جانبيها ويجتمع بين الجانبين قنطرة ومن أعمالها الكبار بعرين وتسمى بارين وهي قلعة منيعة وسلمية وهي على سيف البرية بناها عبد الله بن صالح وعلي اين عبد الله بن عباس ولها قناة كبيرة.
وذكر حماة غرس الدين الظاهري لفظ الملكة أيضاً وقال إنها متسعة على مدن وقلاع وأقاليم وقرى وأعظم مدنها حماة وإن قلعتها أخربها تيمورلنك وبها جوامع ومدارس ومساجد وأماكن ومزارات.
ووصف ياقوت قورون حماة العروفة إلى اليوم فقال إنهما ثلثان متاقبلتان وجبل يشرف عليها ونهرها العاصي وبين كل واحد وبين دمشق خمشة أيام للقوافل وبينهما وبين حلب أربعة أيام.
وحماة اليوم لواء في الشمال من ولاية سورية ومن أعماله سلمية وقسم من جبال الكلبية أو النصيرية وحمص وأكثر أراضيها هذا اللواء سهلية إلا ما كان من أنحاء جبل الكلبية ففيه ما في الجبال من سهول وآكام وتربة حسنة وما كان على مقربة من العاصي يستقي منه فينبت فيه القطن والقنب والحرير والبصل (النار) والخروع وأنواع البقول والأشجار وما كان بعيداً عنه يكون عذاً وخصوصاً في المحال التي يسمونها بالزوار فإنها على غاية من حسن التربة وقوة الإنبات بما يتوفر القائمون عليه من التسميد الذين يأتون بالسماد من القرى المجاورة بحيث يكون دخلهم منها يوازي دخلهم دخل أهل حدائق دمشق وبعض قراها مثل كفرسوسة والقابون وجوبر.
وموقع مدينة حماة والعاصي يشطرها والنواعير تئن عن أيمانها وشمائلها من أجمل المناظر ولا سيما في فصل الربيع ومن أجمل النزهات عندهم الركوب في قارب وقطع جانب من العاصي فيرى المتنزه ضفاف العاصي مخضلة بلاثمار اليابعة تعكس على المياه خضرته وليس في حماة ما يستحق الذكر من أنواع العمران إلا بقايا صناعات قديمة مثل
стр. 4678
حياكة الأقمشة للثياب والفوط والستائر والاعبشة والنزابيج (اللي) وغير ذلك من الأمور الحقيرة وليس فيها مدارس أهلية ولا خزائن كتب عامة ولا مطابع ولا صحف يومية أللهم إلا مطبعة واحدة وبعش صحف اسبوعية وشهرية ولا نسبة بينها وبين مكانة حماة القديمة.
أما آثارها القديمة فأهمها دار أسعد باشا العظيم أحد ولاة سورية في القرن الثاني عشر وصاحب حماة بني هذا القصر منذ نحو ١٧٠ سنة على أجمل طراز على مقربة من نهر العاصي وزين بأنواع النقوش والتصاوير ويظن أن صناعه كانوا من الفرس لأن نقوشهم كثيراً من النقو العجمية وبعض الأبيات الفارسية ومن أبدع ما رأيناه فيها قطعتان من الخشب جعلتا في حائط الغرفة الكبرى ف يالداء البرانية ونقشت عليهما صورة حماة في ذاك العهد يجوامعها ومدارسها ونواعيرها وقصورها والناظر إليها يتبين أن المرسوم هو حماة بعينها وأنها كانت إذ ذاك أعم مما هي عليه الآن والغالب أن الزلزال الأخير أخربها إلا قليلاًُ. ولايجملة فأن قصر ابن العظم في حماة حري بأن يزار كقصره في دمشق وهندسة القاعة هنا وفي حماة واحدة والغالب أن من بنوا هذه بنوا تلك وكذلك الناقشون والمزينون.
قلنا سكان خمسون ألفاً دع عنك من في ضاحيتها من أمها القرى وما تظن لواء حماة يقل عن أربعمائة ألف نسمة لأ بعض سكانها مكتوم في الإحصاء الرسمي ولاسيما سكان جبال الكلبية وهم نصيرية وإسماعلية بالنظر لما رأوا من الشغط والشدة في الأزمان الغابرة. وفي قضاء العمرانية حصن مصياف وفي قضاء المرقب القدموس وهما من الأماكن المعروفة عند الإسماعيلية ولها ذكر في التاريخ.
على قبر أبي الفدا صاحب حماة
حنانيك إسمعيل اجبني فدتك نفوس الملوك يا عالمهم وعادلهم وسيدهم. كنت في عصرك مثال العمل الصايح وها أنت لمن بعدك عبرة يعتبر.
زرت قبرك الشريف وذكرت سيرتك المثلى فبكيت على الإسلام والعرب وقابلت بما قرأته على ضريحك بين السذاجة الغالبة عليك وفخفخة الألقاب بعدك.
قرأت: هذا ضريح العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم اسماعيل بن علي بن محمود ابن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب عمر في شهور سنة سبع وعشرين وسبعمائة جملة لا
стр. 4679
يجوز نقضها على قر أحد العامة فأين أنت منها يا أبا الفدا في مفاخرك وسؤددك ومجدك الخالد والطارف.
حناتنيك اسماعيل كنت في حياتك قدوة الملوك العادلين تعلم الناس حب الخير وتعلم العلماء فيما توفروا عليه والفاتحين ما يفاخرون بمعرفته والحكماء ما هو أمجادهم وها أنت الىن رهين حفرة قد كاد ينسى بين قومك ذكرك فلا تبدي ولا تعيد وقومك نسوا دينهم فكيف لا ينسون رجالهم.
نشأت أيها السلطان العادل من بيت عز وملك فلم تأخذ الزخارف بلبك بل تخرجت في العلم وربيت على أدب النفس وأدب الدرس حتى جاء منك عالم بل معلم للعلماء وتفننه.
نشأت نشأة عالية في القرون الوسطى وغيرك من الملوك ولا سما بعدك نشأة جاهلية على الخمر والزمر والقمر لا يعرفون غير القصور والولدان ولاحور وغاية مفاخرهم أنههم يبطشون ولا يبالون يقتلون ولا يتأملون يتعاظمون ولا تواضعون فلا يراجعون يأمرون ولا يعدلون.
أضحت أحكام بعض الملوك بيدك ذوقية وأعماله على الأكثر استبدادية. اتخذوا الإسلام ديناً وهو منهم برئ وعبثوا بلارخض والعزائم ليس لهم وازع من أنفسهم ولا رادع من أممهم. أصبحوا جبابرة لا ملكواً وشياطين لا إنسا وإنعاماً لا يعرفون إلا ما فيه راحتهم وتوفير قسطهم من اللذائذ والبذخ والنعيم.
كنت أبا الفدا ملكاً بالأمم وملكاً بالفعل كنت شريفاً بماضيك وحاضرك أنت إلى يوم الناس هذا والي وإلى غد وما بعد غد شريف قي عامة أحوالك.
لم نعه دلك كما عهدنما للملوك قبلك وبعدك أن عددت الرعية كالسائمة التي تملك فيتصرف مالكها بدرها ووبرها وجلدها ولحمها وبعمل مطلقاً في الاستمتاع بها لا ينازعه منازع. بلى عهدناك تؤاسي الضعيف ولا تجور على الفقير وتحسن للعلماء وتفضل على الفقهاء والأدباء والشعراء وتصرف أفضل أوقاتك في التأليف والتصنيف ياثاني المأمون بعملك وعقلك وثاني صلاح الدين بعدلك وجهادك.
أباد الفدا إن قومك أغفلوك وسيرتك بل أهملوا صريحك ولو ذكروك لساروا ولو قليلاً على سنتك المحمودة فعلمت الملوك من بعدك بسيرتك الطاهرة كما كنت في عصرك خير معلم
стр. 4680
للملوك العادلين والعلماء العاملين.
أبا الفدا إن الملوك بعد عصرك جمعوا كثيراً وضاعوا كثيراً جمعوا فكان ملكك بجانب ماملكوا جزءاً صغيراً جداً وما خلفوا إلا ما تحمر وجههم خجلاً منه يوم يأتون في الآخرة وقد شهدت عليهم لا لهم أعمالهم وأنت سعتد يمن وليت عليهم وسعدوا بك فأبقيت ذكراً لا تمحوه الأيام.
أنت علمت الخلق بأن القليل مع العقل بستفاد منه أكثر من الجزيل بدونه وإن وفرة المال والعقار لا تكون من السعادة في شيء إذا لم تسبقها نفس مهذبة بالآداب والفيلة وعقل يحسن التصرف بما يملك.
من لي بنظرة منك لترى ما حل بالعرب اليوم من التمزق والفساد في المعاش والمعاد والجيل والمطبق وضعف العقول. رئم اخلاف من حكمت للمذلة وخنعوا للاستبداد وتفرقوا تحت كل كوكب فرثى لهم الصديق وشمت بهم العدو وهانهم الدهر وكل ذلك بما يفعله سفهاء الأحلام من أمرائهم وعلمائهم أنهم كانوا ظالمين.
قم وانظر فقد بدلت الأرض بعد عصرك. اخترع الأفرنج في زماننا البخار والكهرباء ووفروا مرافق الحياة وقربوا الأبعاد وحسنوا العيش أما قومك فليس لهم من مدينة القرون الأخيرة إلا النظر وزادوا على جهلهم فساداً في أخلاقهم بحيث لم يبق لهم من الأمجاد إلا أن يعود إلى صحيفة أجدادهم ويفاخرون بما تم على أيدي أمثالك كالقرعاء تفخر بشعر أمها أو العجوز الشوهاء لا تفتأ تذكر ماضي شبابها.
قالزا إن نظام الحكومات بعد أيامك أرتقى وإنكم كنتم في عصر تقل فيه القوانين الوضيعة وكان أكثر العمل بالقوانين السماوية فمن لنا بعصرك فإن القوانين الوضيعة ارتقت ولكن عند غيرنا من أهل الغرب والقوانين السماوية أرعضنا عنا إلا قليلاً فلم نحسن تقليد المقتنين المحدثين ولا احتفظنا بتراث الأقديمن فكنا كالعقعق أراد أن يمشي كالحجل فنسي ولم يمش مثله بل كنا من الأخسرين أعمالأً.
رحماك أبا الفدا إن أمثالك أنفقوا أموالهم وأموال الأمة في شهواتهم على المغنين والمغنيات والكواعب الغانيات وأنت أنفتها على العلم والعلماء إنهم إذا كانوا جهلة أغبياء فقد كنت العالم المؤرخ الجغرافي الطبيب الحكيم ومصنفاتك شاهدة لك على غابر الدهر بأنك عالم
стр. 4681
الملوك وملك العلماء. خلد اضرابك بسيرتهم صيت بطش وفتك وقطع وقت في العبث وأنت أقمت نصاب العدل علىمن وليت أمرهم فكانت أيامك رياض الأزمنة وبهجة العصور فجزاك الله عن أمتك أجزل ما يجازي ملكاً صالحاً عن رعيته وعالماً عاملاً يخدم الناس بعمله وفصيلته.
المملكة الحمصية
ربما يتسغرب البعض إطلاق لفظ مملكة على حمص فقد كانت عظيمة في الجاهلية والاسلام. كانت الشام على عهد الروم مقسومة أربعة أقسام قصبة دمشق وقسم قصبة طبرية وتسمى الأردن وقسم قصبة حمص وقسم قصبة إيليا (القدس) وتسمى فلسطين وكان لهم في كل عمل بطريق من البطارقة يحفظه وبعث الخليفة الأول لما أراد فتح الشام إلى كل عمل جنداً وأمر أميراً فعث إلى حمص أبا عبيدة بن الجراح وسيمت هذه الأعمال يومئذ إجناداً وكانت قنسرين مضافة إلى حمص ثم أفردت إلى حمص ثم صار الشام في خلافة الرشيد مقسوماً إلى ستة أجناد ثم قسم في الدولة التركية إلى تسعة أقسام منها قسم التناء والارمن والروم وانفصل عن الشام وسمي روماً.
وكانت أقاليم حمص عبارة عن إقليم شيزر وإقليم فامية وإقليم معرة النعمان وإقليم صوران وإقليم لطمين وإقليم بل منس وإقليم الغلاس وإقليم كفر طاب وإقليم جوسية وإقليم لبنان وإقليم السعرة وخمسة أقاليم التمة وإقليم البلعاس وإقليم البارة وإقليم الرستن وإقليم زمين وإقليم القسطل وإقليم سلمية وإقليم عقبرتا وإقليم الجليل وإقليم السويداء ورفنية وتدمر. وخراج حمص ثلثمائة ألف وأربعون ألف دينار.
وكان يحد عل حمص في القرن الثامن من القبلة قرية القصب المجاورة لقرية جوسية - وجوسية - من كور حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق بتم بها السكة الحديدة بين بعلبك وحمص وهي بين جبل لبنان وجبل سنير (قلمون) - آخذا هذا الحد إلى النبك إلى القريتين ومن الشرق السماوة إلأى لافرات ينتهي إلى مدينة سلمية ولها قلعة تقاربها تعرف بشمنش ومن الشام ما بين سلمية الرستن ومن الغرب نهر الأرنط وهو العاصي ومدينة هذه الصفقة حمص وهي دار ملك البيت الأسدي ولم يزل لملكها في الدولة الإسلامية سطوة تخاف وبأس يجذر وبها القلعة المصفحة ولا منعة لها ولها بناية جليلة وعسكر وتشتمل هذه
стр. 4682
الصفقة على ولاية قارا وهي قبلي حمص وولاية مدينة حمص نفسها وولاية تدمر وهي ما بين القريتين والرحبة.
هذه الدينة العظيمة التي كانت مملكة وولاية إلأى القرون الوسطى ضغفت في القرون الحديثة حتى أصبخت اليوم قضاء من عمل حماة وأما تاريخها قبل الإسلام فقد ورد ذكرها في مصنفات بلين الروماني باسم أميزا
وذكر الحمصيون قبل عهده في جملة سكان الخيام الذين قاتلهم الرومان ومن مشاهير حمص قل الإسلام هليو كابال روبا سانيوس الكاهن الأعظم في معبد الشمس (بعل) في حمص الذي بويع امبراطوراً رومانياًَ سنة ٢١٧ وقد استولى الصليبون على حمص سنة ١٠٩٩م.
ولحمص وجند حمص ذكر كثير في كتب الفتوح منها أن أهلها صالحون أبا عبيدة على مائة ألف وسبعين ألف دينار وذلك لأن الحمصيين كانوا متخوفين لهرب هرقل عنهم وما كان يبلغهم من كيد المسلمين بأسهم وظفرهم فأمنهم الفاتح على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم وأرحائهم واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد واشترط الخراج على من أقام منهم وقسمت حمص خططاً بين المسليمن حتى نزلوها وأكنهم عاملها السمط بين الأسود الكندي في كل مرفوض جلا أهله أو ساحة متوركة وكانت مدينة حمص مفروشة بالصخر فلما كانت أيام أحمد ين محمد بن أبي إسحاق المعتصم بالله ضغبوا على عاملهم الفضل بن قارن الطبري أخي ما يزديار بن قارن فأمر بقلع ذلك الفرش فقلع ثم أنهم أظهروا المعصية وأعادوا ذلك الفرش وحاربوا الفضل بن قارن حتى قدروا عليه ونهبوا ماله ونساءه وأخذوه فقتلوه وصلبوه فوجه أحمد ين محمد إليهم موسى بن بغا الكبير مولى أمير المؤمنين المعتصم بالله فحاربوه وفيهم خلق من نصارى المدينة ويهودها فقتل منهم البلازي وبحمص هري يرده قمح وزيت من السواحل وغيرها مم قوطع أهله عليه وسجلت لهم السجلات بمقاطعتهم.
وفرش طرق حمص بالصخر قديم جدد مرات قال اين حوقل إن جميع طرق حمص من أواقها وسككها مفروشة بالحجارة والبلاط وذكر الجغرافيون من حسن حمص أنه لا يوجد بها دار إلا وتحتها في الأرض مغارة أو مغارتان وماء ينبع للشرب وهي مدينة فرق مدينة
стр. 4683
وقال بعضهم إن مدينة حمص هي سوريا وكان بها مرصدان أشبه بالرصد الذي كان عند عين الهرمل وهو من مراصد الصابئة.
قلنا إن الفاتح صالح أهل حمص على ربع كنيستهم للمسجد وقد ظلت كذلك إلى لاقرن الرابع وبعض بيعتها المسجد الجامع وشطرها للنصارى فيه هيكلهم ومذبحهم وبيعتهم من أعظم بيعالشام. وقد دخلها الروم في الإسلام مرات وأخربوها وأتوا على سوادها وزاد اختلالها بعد دخول الروم إليها ثم قوماًُ استوطنوا ممن سلم من الروم فأتت البادية عليهم تأكل زروعهم كما كان يحدث ذلك لها إلى عهد غير بعيد حتى القرن الماضي.
سكان حمص والحثيون
الأجح أن سكان هذه البلاد مزيج من أمم مختلفة باختلاف الفاتيحن ففيهم دم من معظم الأجناس التي حكمت هذه البلاد وأهم عناصرها الحثيون والروم والعرب فما وقع في ديار كلب من القرى تدمر وسلمية والعاصمية وحمص وهي حميرية وخلفها مما يلي العراق حماة وشيزر وكفر طاب لكنانة من كلب وحمص كدمشق وما يليهما ديار غسان من آل جفنة وغيرهم.
أما الحثيون فهم جنوبيون وشماليون وكان الجنوبيون في جهات فلسطين والشماليون نزلوا أولاً جبل اللكام أمانوس ثم انشروا بكرور الأيام من الفرات إلى حماة وحمص ومن دمشق وبرية تدمر إلى كبدوكيا. ويطهر من الآثار البصرية أنه لم يكن لهم ملك واحد بل كان لكل فصيلة منهم ملك.
ولم يعرف شيء عن الحثيين الشماليين قبل أن يمر الرحالة بوكهات الإنكليزي بحماة سنة ١٨١٢ يرى على جدار ازقتها خطوطاً قديمة بالخط المسند المصري أي الهيوغليقي تختلف عن الآثار المصرية ثم جاء بعده بعض رحالة من الأميركان والإنكليز. وأخذ العلماء بالتنقيب عن أمثال هذه الآثار فعثروا على كثير منها في حماة وحمص وحلب ومرعش وكركميش (أيرابوليس) وفي كبادوكيا وفي محال أخرى من آسيا الصغرى وقد علم من هيئة وجوه الحثيين الشماليين على ما رسموا في الآثار المصرية أنهم قبل الحثيين أو في الورتانو (كذا تسمى الآثار المصرية شعباً كان يسكن سورية في الآثار الشمالية قبل الحثيين أوفي جانبهم) منهم إلى سكان فلسطين ولون وجوههم أبيض ضارب إلى الحمرة.
стр. 4684
قلنا أن أو محل احتلوه أودية جبل اللكام ثم أخذوا يبسطون ولايتهم شيئاً فشيئاً نحو الشرق والجنوب حتى اتصلوا شراقً إلى الفرات فاستحوذوا على كركميش وغراباً إلى وادي العاصي فاستولوا على حماة ثم على قادس في جانب حمص ثم غالبوا الآراميين في دمشق نفسها فحكموا فيها مدة وبسطوا سلطانهم في وقت غير معلوم إلى الشمال والشمال الغربي حتى ضبطوا آسيا الصغرى.
وقادس كانت في برية حمص وقد صورت على الآثار المصرية لأن رعمسيس الثاني أحد فراعنة مصر حاصرها أيام غزا فراعنة الدولة الثامنة عشرة سورية وبالد آشور مرات ثم ضعفت مصر في آخر أيام هذه الدولة فنبدت سورية وفلسطين طاعتها.
وكان الحثيون في هذه الأثناء تغلبوا على الروتان في شمالي سورية وأجلوهم من عقر دارهم وأنصفوا في مملكة واحدة فسيحة الأرجاء لنبسط من شاطئ الفرات إلى جبل طرطوس وإلى البحر المتوسط وتمتد جنوباً إلى قادس بل إلى دمشق أيضاً.
أخفق رعمسيس الأول في إعادة سورية إلى طاعته لأن خصومه فيها كانوا قد جمعوا شملهم وقد لاحظ مسبرو في تاريخ الشرق أن الفراعنة لم يكونوا إلى تلك الأيام يعتبرون ملوك سورية بمنزلة ملوك مساوين لهم أو يتنازلون لقد صلح معهم بل كانوا يسحسبون أمراء يكلمون بهم أو عصاة يجرون عقابهم وكانت نهاية الحروب معهم صاغرين دون شرط أو تدميرهم التام.
والظاهر من الآثار أن ساتي الأول ان عرمسيس أراد أن يستبيح حمى الحثيين فقاتلهم قرب العاصي على قلعة قادس وطالت الحرب الضروس وتعددت الواقع إلى أن افتتحها المصريون واستمات الحثيون في الدفاع حتى أصيو فرعون فاضطر أن يوقع على عهده صلح مع موتنار ملكهم عهدة ضمنت له سلامة ملكه حتى ردت عليهم قادس مدينتهم وبعد حروب طويلة على عهد رعمسيس الثاني مع الفينيقيين وقد كلت الأمتان المصرية والحثية من أهراق الدماء وعقدتا عهدة صلح وجدت صورته منقوشة على ظاهر جدار هيكل الكرنك بمصر انقطعت سائر الغزوات بين المصريين والحثيين مئة سنة وتزوج رعمسيس بابنة ملك فتوطدت دعائم الوفاق بين الشعبين.
ويتلخص من أخبار تغلب فلا زار الأول ملك نينوى وكان نحو سنة ١١٣٠ق. م أنه كان
стр. 4685
للحثيين في عهده صولة كبرى في شمالي سورية خاصة حتى كانت البلاد تسمى باسمهم لسلطانهم ولتسلط ولايتهم شمالاً إلى مدخل البحر الأسود فتوؤدي أليهم الجزية قبائل كباوكيا (في آسيا الصغرى) وكانت عاصمة الحثيين كركميش. وكانت هذه في محاربة الآشوريين للحثيين ما كانت قادس فيمحاربة المصريين لهم فكانت قادس حصناً منيعاً يخفر طريق آسيا في وادي العاصي وكركيش مثلها على الفرات وتفضلها بأنها كانت محطة تجارية أيضاً بين مغرب آسيا ومشرقها.
وقد اكتشفت مدينة كركميش سنة ١٨٧٥ وكان اسمها عند العرب جرابيلس. ويسميها الأتراك جرابيس محرف هيرابولس أي المدينة المقدسة وموقعها على الفرات في الشمال من نهر الساغور المعروف الآن بالساجور وفي الشرق من حلمان أو حلفان وهي حلب ومن خرزاز املعروف الآن بأعزاز في قضاء كلس وفي الجنوب من بالد كمكوما المعروفة الآن بلقيس فهي نحو الشرق من حلب وأعزاز وعلى ضفة الفرات الغربية وعلى بعد ثلاث ساعات تحت الساجور وست ساعات من البيرة.
جدد شلمانصر ملك أشور حملات أبيه على الحثيين بل قضى أكثر مدة لملكه يحاربهم ومن جاورهم. وكان من عادة الحثيين أن يرسموا خطوطهم ناتئة لا محفورة فتطرق من الوراء على صفائح معدنية لتنتأ الحروف في جهتها الأخرى هكذا الأخرى هكذا كانت عهدتهم معغ مصر مكتوبة على صفيحة من فضة وتترأ هذه الحروف تارة من اليمين وتارة إلى الشمال وتارة بالعكس فإن كانت رؤوس الحيوانات المصورة بها متجهة إلى اليمين فتقرأ منها وكذلك إن كانت إلى الشمال وتقرأ أحياناً من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. وأما اللغة المكتوبة فيها هذه الخطوط فيرجع أنها ليست من اللغات السامية فالإعلام المذكور في الآثار المصرية والآشورية قل فيها ما يمكن رده إلى أصل سامي.
واشتهر الحثيون بالبخت كما تشهد آثارهم الباقية ولا سيما في حصون بوغازكوي وأيوق في آسيا الصغرى واتقنوا فن تحصين الحصوة واستخراج المعادن وصناعة تحويل الحديد فولازاً وقد أخذ اليونان أشياء كثيرة في صناعتهم عن الحثين. قال سايس في كتب الحثين أن مصدر فلاح اليونان هو الحثيون الذين افتتحوا آسيا الصغرى من أقدم العصور ويظهر أن صناع الحثيين ألفوا من صناعة مصر ونينوى وبابل اسلوباً خاصاً بهم واخترعوا
стр. 4686
صوراً منها النسر ذو الرأس الذي صار بعد ذلك شعاراً للسلاطين السلجوقيين ولبعض ملوك أوربا أما ديانة الحثيين فيظهر أنهم اقتبسوا عن بابل وبثوها في سورية وآسيا الصغرى وتطرقت إلى بلاد اليونان المذكورة واحدة وإن اختلفت اسماً.
نبذة في عمران حمص
ليس في الايدي مصادر يعتمد عليها لإصدار حكم مسمط على عمران حمص في القرون المختلفة وغاية ما يفهم من روايات مؤرخي العرب وجغرافيهم أن حمص في الإسلام كانت عامرة وأن الزلازل أضرت كثيراً بعمرانها وأن مدينة الرستن من الشمال وجوسية من الجنوب والقريتين ومهين حوارين وتدمر من الشرق كانت من أهم عمالاتها قال أبو نخيلة يمدح بني العباس ويشير إلى أنهم دكوا آثاراً الأمويين في الشام:
وأمست الأنبار داراً تعمر ... وخربت من الشآم أدورُ
حمص وباب اليتن والموقر ... ودمرت بعد امتناع تدمر
والموقر حصن بالبلقان وكان ينزله الأمويين وكذلك حمص وباب التين وتدمر وإنا إذا أخضنا عياب معجم البلدان تقرأ فيه أساء مدن كثيرة أكثرها داثر اليوم فمنها مدينة المؤتفكة كانت بقر سليمة وعلى آثارها بنيت هذه وسليمة اليوم كحمص قضاءٌ من أعمل حماه ومنها مريمين وهي من قرى مص بين الرستن وحماه معروفة إلى اليوم ومرقية قلعة حصينة في سواحل حمص كانت خربت فجددها معاوية ورتب فيها الجند واقطعهم القطائع ولطمين كورة بحمص لها حصن وكفر نغد ولعلها كفرنان والقرشية قرية بسواحل حمص وهي آخر أعمالها وفوز من قرى حمص ولعلها محرفة عن فيروزة وغنثر واد بين حمص وسلمية والشام في قول أبي الطيب:
غطا بالغثر البيداء حتى ... تحيرت المتالي والعشار
وعقيربات ناحية بحمص لا تزال موجودة والطوبان وصوران اسم كورة بحمص وجبل وشيزر بينهما وبين حماة يوم كانت تعد في كورة حمص وسلمية كانت تعد من عمل حمص كذلك ورفينة كورة ومدينة من أعمال حمص يقال لها رفينة تدمر. والرستن قرية مشهورة قال ياقوت بليدة قديمة كانت على نهر الميماس وهذا النهر هر اليوم المعروف بالعاصي الذي يمر قدام حماه والرستن بين حماه وحمص في نصف الطريق بها آثار باقية
стр. 4687
إلى الآن تدل على جلالتها وهي خراب ليس بها ذومري وهي في علو على العاصي. ودير ميماس بين دمشق وحمص على نهر يقال له ميماس وإليه نسب وهو في موضع نزه ولعله المنتزه الذي يقال لها الميماس اليوم ظاهر حمص ودير مسحل بين حمص وبعلبك لا يعرف اليوم ولعله بعض الخرب التي لم تشتهر إلا عند سكانها.
ودير باعنتل غير معروفة وهي من جوسية على أقل من ميل جوسية من أعمال حمص على مرحلة منها على طريق دمشق وهو الدير على يسار القاصد لدمشق وفيه عجائب منها آزج أبواب فيها صور الأنبياء محفورة منقوشة فيها وهيكل مفروش بالرمر لا تستقر عليه القدم وصور مريم في حائط منتصبة كلما ملت إلى ناحية كانت عينها إليك ودنوة كانت من قرى حمص بها قبر عوف بن مالك الأشجعي من الصحابة سألت عنها فلم يعرفها أحد مع أن قبور الصحابة والصالحين معروفة في الأكثر ولعلها في الوعر فإن وعر حمص كبير فيه آثار مهمة وهو يمتد من حمص إلى قرب طرابلس وأكثره وعرة ومن حمص إلى قرب حماه فما بعد ودير إسحاق غير موجود وهو بين حمص وسلمية في أحسن موضع وأنزهه وبقربه ضيعة كبيرة يقال لها جدر التي ذكرها الأخطر فقال:
كأنني شارب يوم استبد بهم ... من قرقف ضمنتها حمص أو جدر
ولأهل القصف والشعراء فيه أشعار كثيرة.
وحوط قرية بحمص أو بجبلة من ساحل الشام غير معروفة والحص غير موجودة وهو موضع بنواحي حمص تنسب إليه الخمر قال أبو محجن الثقفي:
إذا مت فأدفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالفلا فإنني ... أخاف إذا ما مت لا أذوقها
وتروي بخمر الحص لحدي فإنني ... أسير لها من بعد ما قد أسوقها
وكانت أنطرطوس أول أعمال حمص وهي من سواحل بحر الشام وكذلك أفامية كورة من كور حمص على الساحل وأعناز بلد بين حمص والساحل. وعن ابن واضح معرة النعامان وتل منس وما والاها من إقليم حمص. والجبل كروة بخمص ويبرين من قرى حمص وبانياس كروة ومدينة ضغيرة وحصن بسواحل حمص على البحر. وبكسرائيل حصن من سواحل حمص مقابل جبلة هذه هي حمص وبعض ما عثرنا عليه من أسماء قراها وأعمالها
стр. 4688
أما أسماء قراها الأميرية فإليكها الآن وعددها ١٣٧ قرية ننقلها عن سجلات الحكومة:
أبو دالي. أمحارتين عتيق. أم شرشوح. أم القصب. أم حارتين يهودية. أبو همامة (الأصل أبو إمامة ونسبته إلى الصحابي المدفون بها) أكوم ومعيان. أم العظام. آبل. أكراد دياسنة. أعور. أم دولاب. بابا عمرو. بلقسة. برابو. بريح. بتيسه. بويضة شرقية. بوير. برج قعية. تلعمري. تلبيسة. تلدو. تلدهب. تارين تير معلة. تسنين. تلنبي. مندو. (تل النبي مندوقبلي حمص إلى الغرب عند مصب العاصي على البحيرة). تنونه (وقف جامع خالد بن الوليد) تليل. جرنايا. جوبانية. جوسية. (قبلي حمص منها خراب وعمار فالعمار من سكة الحديد للغرب والخراب في الشرق وهي البلدة الأصلية). جديدة شرقية. حفر. حمام. حلاموز. حوارين. حداثة. حيصة. حاويك. حديدة العاصي. حوز. حسية. حميدية. حميمة. خربة السودا. خربة حمام. خربة تين نور. خربة تين محمود. خربة غازي. دنحة. دبين. دير بعبة. دير فور. دمينة شرقية. دوير. دار الكبيرة. دلبوز. دمينة غربية. ستن. رام العنز. ريلة. ريان. ربيعة. رأس العين زور غربي العاصي. زور الموح. زعفرانة. زيتة وبويضة غربية. زراعة. زيدل. زور بقرايا. زيتا البحرة. سماقيا غربية. شماقيا شرقية. سمعيل. سكرة. سقرجة. شنشار. شمسين. شومرية. شيخ حميد. شرقلية. صيادية. صنون. صدد. حفر. طيبة. عين خاط. عين حسين. عز الدين. عامرية. عسيلة. عرقاية. عيصون وشلوح. عرجونم. غزيلة. غجرامير. غنثر وغنطو. غور. فرروزة. قطينة. قريتين. قناقيه. قزحل. قيرانية. وحوش السيد علي. قصير ميري. قره وشر (ولها اسم ثان وهو تل الفور) وكفر عايا. كفر موسى كفر لاها. كفر عهدي. كفرنان. كمام. لفتايا. مجيدل. مشرفية. مسكنة. مهين. مودان. مباركية. مرج القطا. مرج بولاد. منقطع. متعارض. معيصرة. مطيرية. نوحية. ناعم. أنقيرة. هرقل. هبوب الريح. هيت. وجه الحجر. بويت.
وهناك أراض كانت للسلطان المخلوع عبد الحميد ثم أيرت إلى الخرينة وهاك أسماءها قرية قصير ورمزون دبابية. خربة الضبعة. كوكران. دحيرج. هزة. مضابع. عباسية. صايد. فرقلس. برهانية. بلها. رقامة. منزول. شعيرات. وزاعية. حربية. عزيزية. حمرات. وهيب. دردغان. عاليان. فحيلة. تلة الناقة. خرابة قنية. فيضة. يسبة. حولاية. دويليب. مخرم فوقاني. مخرم تحتاني. تل الطويلة. سليمية. نوا. حميدية - أم العمد.
стр. 4689
شوكتية. جهنم. وريدة. جب عباس. تل الأغر القبلي. جوسة الخراب (قبلي الخط الحديد وغربيه). أم التين. سنكري شمالي. سنكري قبلي. أم العلب. تل الورد. دويعر شرقي. دويعر غربي. مسعودية. أم السرج شمالي. أم السرج قبلي. أم الجباب جنيات. حراقي. لثنان وأم قدوم. فطيم العنوقي. عيون حسين. مسيعيد مكسر الحصان. هبرة غربي. هبرة الشرقية (ولها اسم آخر مزرعة هنداوي). مزرعة جب الجراح. مزين البقر. تلول الهوا. رحم. مزرعة أم صهريج. مشيفرة. أم جامع.
هذه أسماء قرى حمص وخرائبها وبعضها ناءٍ جداً عن مركز الحكومة لعيث البادية فيه مثل القريتين مثلاً فلو جعلت قضاء مع ما يصاحبها من القرى والمزارع وكذلك جب الجراح لزاد العمران والسكن لا محالة وخصوصاً إذا باعت الحكومة مزارعها وخربها من الأهلين ببذل المثل إذاً لاشتراها الحمصيون أنفسهم لأن من أهلها من هو غني جداً يتساوى في ذلك مسلموهم ومسيحوهم فالزراعة بيد المسلمين والتجارة بيد المسيحين وكثيرة من الفريقين هاجروا إلى مصر وأميركا فاغتنزا وتأثلوا حتى أن أهل حمص سموا لهم مدينة باسمهم في الولايات المتحدة على نحو ما سمى جندهم مدينة باسمهم يوم فتحوا بلاد الأندلس.
قال ياقوت أن في حمص مدارس وقال ابن جبير أن بها مدرسة واحدة وليس بها مستشفى على رسم مدن هذه الجهات مثل حماه وغيرها أما اليوم فليس بها مدارس دينية مهمة فيما علمت سوى مدارس للعلوم الدنيوية مثل مدارس الروم والكاثوليك والبرتستان وبعض مدارس حديثة أهلية أنشئت للمسلمين وبها مدرسة رشدية أميرية وبها مطبعة اسمها حمص تطبع جريدة وجريدة حمص جادة لرشاء وغيرها. وثلث أهل حمص غير مسلمين والباقون مسلمون وكان أهلها كما قال ياقوت من أشد الناس على علي بن أبي طالب فلما انقضت تلك الحروب صاروا من غلاة الشيعة حتى أن في أهلها كثيرا ممن رأى مذهب النصيرية وأصلهم الإمامية أ / اما قاله طثير من المؤرخين والعمرانيين في أن البله يكثر في أهل حمص منذ القديم فهو مشهور عن عامتها لا عن خاصتها فقد اشتهر بذلك فصار يتناقل عنهم القرن بعد القرن وما خلا قرن فيها من خاصة فصلاء عقلاء ودليل عقلهم اليوم أنهم كانوا بعد الدستور أسبق البلدان السورية إلى ورود حياض المدينة وقد انتفعت بلدهم بمد السكة الحديدية العريضة الممتدة منها إلى طرابلس وكانت البضائع تصدر منها وترد على
стр. 4690
الجمال والبغال والمركبات والحوافل وسيزيد عمرانها يوم يمتد منها خط حديدة ضيقة إلى تدمر ويجيئها الساح بالألوف وتحمل أشعة المدينة والأمن إلى تلك الربوع في الداخلية وتعيد إلى تدمر وأرباضها عهد زنوبيا.
يوم في بحيرة قدس
من يزور حاضرة من الحواضر ولا يشهد ريفها وقراها تظل عنها قليلة ويظل مقلداً فيما يكتبه وما كان كالمقلد سواء في شؤون الدين والدنيا. دعاني صديقي وصفي أفندي الأتاسي إلى قريته قره وشر فركبت وإياه عربة حتى وصلنا في ساعة وهي في جوار بحيرة قدس فجمعنا بين ثلاثة أمور الرياضة في الخلاء والإطلاع على نموذج من قرى حمص وزيادة تلك البحيرة التي كان لها ذكر في تاريخ سورية القديم كما نسمع اليوم باسم خزان أسوان في مصر للتشابه بينهما فخزان حمص يسقي تلعات وادي العاصي وخزان أسوان يسقي تلعات وادي النيل.
وطول هذه البحيرة الصناعية ساعتان وعرضها ساعة وقد نسبت لقدس عاصمة الهيتين أوقد شو عاصمة الحثيين الثانية يجتازها العاصي وهي وهي مسدودة من مسافة كيلومترين وهناك برج قديم على الشاطئ الشرقي وعدة قرى.
وقد وصف جغرافيو العرب هذه البحيرة فقال شيخ الربوة أن بحيرة حمص وهي بقعة محفوفة ببناء جص محكم وفيها أسماك كثيرة كبار ثم يخرج منها الماء عكراً مثل ماء النيل ولا يصفوا بعد ذلك إلى أن يدخل أرض الروج ويصل إلى السويدية ويصب في البحر الرومي. وذكر ياقوت أن طولها أثنا عشر ميلاً في عرض أربعة أميال بين حمص وجبل لبنان تصب إليها مياه تلك الجبال ثم تخرج منها فتصير نهراً عظيماً.
وقلا أبو الفدا أن طولها من الشمال إلى الجنوب نحو ثلث مرحلة وسعتها طول السد وهي مصنوعة على نهر الأرنط فإنه قد صنع في طرف البحيرة الشمالي سد بالحجر من عمارة الأوائل وينسب إلى الإسكندر وعلى وسط السد المذكور برجان (الآن برج واحد) من الحجر الأسود وطول السد شرقاً وغرباً ألف ومائتان وسبعة وثمانون ذراعاً وعرضه ثمانية عشر ذراعاً ونصف ذراع وهو حابس لذلك الماء العظيم بحيث لو خرب السد سال الماء وعمت البحيرة وصارت نهراً وهي في أرض مستوية عن حمص بعض يوم في غربيها
стр. 4691
ويصار بها السمك اه.
أذكرتني هذه البحيرة أو السد أو الخزان بما في بلاد الشام من الأنهر والخلجان والبحيرات الكثيرة التي يذهب ماؤها بداداً ولا ينتفع به في السقيا وقد كان القدماء أعرف بما ينفع من هذا القبيل من أخلافهم شكان هذه الديار اليوم وذلك على قلة ما كان في عهدهم من الأدوات التي أحدثتها مدينة الغرب وتقدم فنون الحيل (الميكانيك) والهندسة والبناء. ولذلك رأينا أعمال أسلافنا شاهدة على الدهر بعظمتهم وأن عقولهم كانت أرقى من عقولنا وأعمالهم أفخم من أعمالنا.
في سورية أنهار كثيرة تجري ولا من ينتفع بها من سكان الجوار فلو وقع الانتفاع بمياه نهر الفرات والعاصي وإبارهيم والأردن والليطاني والأزرق كما بمياه نهر الكلب وبردى والأعوج مثلاً لا خصبت كثير من الأراضي التي تحرم من المياه اليوم وكان في المكنة أن تسقي سيحاً وتغرس فيها أنواع الأشجار.
ولا تشكو سورية في عمرانها قلة الأيدي العاملة ولا النفوس الذكية ولا قلة الخصب وسعة الرباع والأصقاع ووفرة الأمواه وجودة الأهوية بل إنها تشكو من قلة من يفكر في الانتفاع من ثروتها الطبيعية ولو كانت هذه الحكومة تفكر في عمران بلادها على الأقل على مستوى ما تفكر روسيا مثلاً من دول الأرض لاصبحت سورية في بضع سنيت من أعمر الأقطار تشبه ألمانيا والنمسا وفرنسا إن لم تفقها لاعتدل الفصول الأربعة فيها. ولكن جرت الأقدار بأن يتراجع عمراننا حتى بعد أن كانت سورية أنبار العالم في الجنوب ونحن تجلب الدقيق من روسيا وآسيا الصغرى وأميركا وفرنسا والحكومة ساهية لا هية لا يهمها إلا قبض الضرائب والعثور ولو أوشكت البلاد أن تبور في المثل الفرنسوي أن الأراضي تغل على نسبة اقتدار من يقوم عليها.
ولا عبرة في الثروة إلا بما استخرج من كنوز الأرض إلا بما كان مذخوراً في عالم القوة.
المملكة الطرابلسية
كانت طرابلس الشام أيضاً مملكة أيام حكومة الإقطاعات كما كانت صفد والكرك وحماه وغيرها من مدن سورية وكانت طرابلس أو اطرابلس ألف في أولها في رواية أعظم مدن هذه المملكة بل كانت طرابلس في القرن الرابع كما قلا المقدسي أجل من صيدا وبيروت
стр. 4692
وذكر الظاهري أن طرابلس مدينة حسنة بها جوامع ومدارس وأسواق وحمامات وعمائر حسنة وهي على شاطئ البحر يقال أنها مصرية لحسن هيئتا وكانت على عهده تشمل على عدة مدن وأقاليم وقلاع وقرى ومن جملة أعمالها قلعة صهيون في جبال الكلبية وقلعة المرقب وحصن الأكراد وقلعة قدموس واللاذقية وجبلة والكهف والردافة وما والاها من القرى وتشمل هذه المملكة الطرابلسة وتوابعها فيما قيل على قريب من ثلاثة آلاف قرية.
وسمي شيخ الربوة مملكة طرابلس بمملكة الساحل وكرسيها طرابلس المستجدة بعد فتح طرابلس الشام بجيش الملمين في مملكة الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي قال: وبنيت هذه المستجدة في سفح ذيل من أذيال جبل لبنان بكورة من أكوار طرابلس بعدها عن طرابلس القديمة المخروبة نحو من خمسة أميال على شاطئ نهر يجري إلى البحر وهي سهلة جبلية بحرية يتخلل الماء في جوانبها ولها قنطرة على واد بين جبلين يمر عليها الماء من منبعه إليها في ارتفاع نحو سبعين ذراعاً وطول هذه القنطرة نحو من مائتي ذراع والنهر يجري من تحتها إلى سقي الأراضي ويصب في البحر الرومي ولا يكاد يوجد فيها دار بغير شجر لكثرة تخرق أرضها بالمياه وهذا النهر ينبعث من جبل لبنان.
وقد جمعت في بساتين طرابلس من الفواكه نا لا يوجد في سائر الأقاليم أصلاً قصب السكر والجمير والمحمضات الكثيرة الزائدة والتلقاس الذي لا يوجد مثله والثلج وسمك البحر الطري والطير الكثير ومجموعها لم يجمع في بلد غيرها ومن بلادها وأعمالها الساحلية البترون وهو حصن من فتوح الملك المنصور له عمل متسع وأنفة مدينة ساحلية محكمة البناء وأنطرسوس مدينة ساحلية.
وعدد من أعمال طرابلس حصن عرفا وحصن حلبا قال ولها عمل متسع به ولايات ومراكز ومن أعمالها جون ومنه رجلية (؟) والحصان خراب في عصره ومدينة مرقية (مرقب؟) وجومة عكار أي كورة عكار وجومة بشرية والكورة والحدث بأذيال لبنان ولها أعمال يزيد عددها على ألف قرية. وحصن عكار حصن منبع من بناء الإسلام وينصب إليه ماء من الجبل المطل عليه ويدخل إلى القرية وحصن الأكراد حصن منيع مشرف بين الشام والسواحل ينظر الناظر منه إلى الشام وقارئ والنبك وبعلبك وإلى البحر والساحل.
قال ومن أعمال طرابلس المستجدة قلاع الدعوة وهي التي ملكها راشد الدين محمد تلميذ
стр. 4693
علاء الدين علي صاحب الألموت في العجم وهو صاحب الدعوة الإسماعليلة والحصون هذه هي حصون الخوابي وحصن الكهف وحصن القدموس وحصن العليقة وحصن المنيقة (البقيعة؟) وحصن الرصافة بأذيال طراز من جهة الشام وحصن إبي قبيس وثغر مصياف وهو أهم الثغور في إظهار الدعوة وإرسال الرجال الفداوية إلى البلاد والأقاليم في قتل الملوك والأكابر وحصن بلاطنس حصن منيع جداً وله أحد عشر باباًَ كل باب فوقه باب وحصن المرقب ثغر منيع على رأس شاهق مطل على البحر كبير مثلث الشكل بناه الرشيد على أثر قديم ثم بناه الصارى ثم ملكه المسلمون في عصره وعمرو حصن صهيون حصن منيع عادي قديم البناء يقال أنه من بناء أغسطس ملك رومية الكبرى المسمى قيصر وليس هو أغسطس صاحب التاريخ اليوناني وهذا الحصن صعب المرتقى على قبة جبل وعليه خمسة أسوار وله فرضة فيالساحب في طرف دخلة من الأرض كالجزيرو من البحر.
وذكر أن اللاذقية محاطة بالبحر من جهاتها الثلاث وفي أشبه بالاسكندرية في بنائها وبأرضها معدن رخام أبيض وأخضر موثى وبها دير الفارس من أعجب اليناء في الديور ووله يوم في السنة تجتمع النصارى إليه والمينا الذي باللاذقية من أعجب المواني في البحر وأوسعها لا يزال حاملاً للسفن لاكبار وعليه سلسلة من حديد حاضرة لمراكبه مانعة من مراكب العدو وفرضة بالطنس مدينة جبلة بن الأيهم الغساني جددت باسمه في صدر الإسلام وكانت عادية بناها الصابئة وفيها آثار مقر الملك الذي كانوا اصطلحوا عليه في زمن نوح وإبراهيم وموسى ﵈ وكان له سرب يركب الراكب فيه تحت الأرض إلى ظهر السفينة بالبحر ويركب في السفينة إلى وسطه تحت الأرض محجوباً.
وعد من عمل طرابلس مدينة بانياس فقال أنها عبرانية يونانية رومية وبها أنهار اسبحة قريبة المنبع وبساتين كثيرة من أعجب بساتين الساحل وذلك أن حيكان البساتين متصلة بضرب موج البحر بغير حائل وبين بانياس وجبلة جزيرة صغيرة عند نهر غزير يسمى النهر الأبتر وسمي بذلك لقصر حريته وقلة الانتفاع فلا يتشعب من شعب ولا يتفرع فرع مع غزارته وقوته وعلى الجزية دمن حصن يقال له بلدة كان من أحسن الحصون بناء وخربه أهله بأيديهم دون غيرهم ودخلوا البحر من غيظهم وبغضهم على بعض وهذه الجزيرة من أعجب الجزائر شأناً بالماء وذلك أن البحر محيط بنصفها وأكثر والنهر محيط
стр. 4694
بالنصف الذي إلى البر والماآن مختلطان فالنصف ملح أجاج والنصف عذب فرات وهما في النظر ماء واحد محيط من سائرها. ومن أعمال طرابلس أيضاً البقيعة هي الحصن والناعم وجبال القصيرية نحو عشرين عملاً بين صهيون واللاذقية وإلى البترون العاقورة.
هذا وصف مملكة طرابلس وعملها في القرون الوسطى وحدها ابن فضل الله فقال من القبلة جبل لبنان ممتداً على مايليه من مرج الأسل. حيث يتمد نهر العاصي ومن الشرق نهر العاصي ومن الشمال قلاع الدعوة ومن الغرب البحر وبلاد طرابلس لاها قلاع وولايات فذكر من قلاعها حصن عكار وحصن الأكراد وكانت محل النيابة ومقر العسكر قبل فتح طرابلس وبلاطلس وصهيون ثم قلاع الدعوة وهي العليقة والمنقة والكهف والمرقب والقدموس والخوابي والرصافة ومصياف وهي القلاع الإسماعيلية ولها على قللها الرتب العلية وأما ولاياتها فهي أنطرسوس واللاذقية وجبة المنيطرة وبلاد الضنتين (الضنية) ومنها بشرية وجبلة وأنفة وجبيل وما لها في تلك مما له ولاية.
وبعض هذه البلاد اليوم تابعة للواء اللاذقية من أعمال ولاية بيروت والآخر من لواء حماه من عمل ولاية سورية وغيره من عمل متصرفية جبل لبنان وبعضه من عمل طرابلس كحصن الأكراد وعكار وصافيتا ونواحي وحذورة ونواحي المنية والقينة وطرطوس وأرواد وطرابلس هي أحد ألوية ولاية بيروت وهي اللاذقية وعكا ونابلس.
ويبدأ أول عمل لواء طرابلس من السفح الجنوبي من لبنان ومن السفح الشمالي من جبال النصيرية فهو بين منفسحي هذين الجبلين وتكثر أنهاره وأعظمها النهر الكبير في عطار ويسميه القدماء نهر أيلوتروس ومن ضفته الشمالية تبتدئ البقيعة وهي سهل فسيح أشبه بسهل البقاع في لبنان الشرقي.
سميت طرابلس بهذا الاسم أي البلاد الثلاثة (تريبوليس) لأن مهاجري ثلاث مدن فينقية وهي صور وصيدا وأرواد بنوها وكان كل حي من أحياء هؤلاء المهاجرين يفصله عن الآخر سور على أن اسم المدينة الفينيقي غير معروف على وجه الصحة وهذه التسمية أقرب إلى الرومية ولعل طرابلس لم تؤسس إلا قبل المسيح بسبعمائة سنة بعد تأسيس أرواد وقد جاء بعد بنائها من الصور بين والصيد وتبين والأرواديين دولة السلوقيينالرومية فأمتلكوها في جملة ما ملكوه منبلاد الشام صم الرومان فزينوها وأنشأوا فيها أبنية فخمة أتت
стр. 4695
عليها كلها الزلازل المريعة التي أصابتها في عصور مختلفة ولما جاء الصليبين إلى طرابلس كان حاكمها ابن عمار من الحكام المستقلين بها فبدأ الكونت ريموند سان جيل من ملوك الصليبين يحصارها سنو ١١٠٤م وذلك بإشنائه حصناً سماه الإفرنج مو وسماه المسلمون سان جيل أو صان جيل ولم تؤخذ المدينة إلا بعد خمس سنين وذلك بأحراقها ومن جملة ما ذهب في حريقها طعاماً للنار كتبة عربية مهمة كان فيها بعض الروايات مئة ألف مجلد وفي رواية أخرى أكثر من ذلك بكثير ودام الصليبين في طرابلس ١٨٠ سنة ارتقت في خلالها كما يقول مؤخوهك على الرغم مما كان يتخلل تلك المدة من المصائب والحروب الأهلية واستهادها منهم سنة ١٢٨٩ السلطان قلاوون الصالحي سابع ملوك المماليك البحرية في مصر والشام وبناها في الداخل بعيدة عن الساحل كما مر آنفاً.
ودخلت طرابلس في الحكم العثماني على عهد السلطان سليم يوم فتح الشام وظلت مدة تعلو وتسفل بحكم الإقطاعات شأ، سائر المقاطعات والولايات وكانت مدة مركز أيالة ثم ألحقت بولاية سورية يوم تأسيس الولايت وكان حظها أ، تتبع بيروت يوم سلخت هذه عن دمشق وأصبحت ولايةبرأسها.
تحتوي طرابلس من السكان على نحو ثلاثين ألف نسمة وفي أعمالها زهاء ١٥٠٠ ألفاً ومساحة قضائها ١٩١كيلومتراً مربعاً ومساحة قضاء عكار ٢٨٥ وقضاء الحصن ٥١٣ وقضاء صافيتا ٤١٤ كيلومتراً والعنصر الغلب فيها المسلمون ثم يجيء أهل الأديان الأخرى ويقال أن أصل سكان طرابلس من جالية العجم ول١ذذلك غلبت عليهم طباع أشبه بطباع الفرس من حيث الأبهة والتأنيق.
كان المأمول أن ترقى مدينة طرابلس الشام لاتصالها بخط حديدي عريض مع بلاد الداخلية طوله من طرابلس إلى حمص ١٠٥كيلومترات ولكننا رأيناها هذه المرة على تلك الصورة التي رأيناها عليها منذ نحو عشر سنين لم تكد تخطو خطوة تستحق أن تذكر ولولا شيء من الموبقات الجهرية التي زادت فيها بدخول الأجانب وانتشار الحرية وكان بعضها موجوداً من قبل على صورة سرية لقلنا طرابلس هي هي منذ بضع سنين.
ومن الغريب أن بعضهم لا حظ بأن نفوس سكانها لم تزد زيادة في العهد الأخير ومع أن أهلها ليسوا أكثر من سائر مدن سورية وقراها في حب الهجرة، لولا قليل من الصحف
следующие страницы →