← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

دور الميكانيكيين والوقادين في الخطوط الحديدية. وتطول أعمار أرباب الصناعات النظيفة الذين يتعاونون فيها المعلمون. وأهل الصناعات تستلزم قوة كثيرة ويتعرض أصحابها للمخاطر هم مستخرجو الحطب من الغابات والبحرية فإنهم يموتون أكثر من غيرهم ومثل ذلك يصيب أرباب الصناعات التي تؤدي إلى السكر طباعة الخمور وتجارها. الهلام النباتي الهلام أو الجلاتين نوعان منه ما يستخرج من الحيوان ومنه ما يستخرج من النبات فالأول يكون بإغلاء جلود الحيوانات والعظام والأوتار والغضاريف في الماء الحار والثاني يستخرج من مواد منوعة نباتية بطريقة مشابهة لتلك وتصدر نزوج اليوم هلاماً من بنات لا يستعمل غذاءً بل يدخل في استعمالات أخرى فإذا صفي وبيض يستعمل في صقل الجوخ وفي بعض استحضارات أخرى ويستخرجونه من الخث (نبات الماء) الذي يكثر على شواطئ نروج فإذا حل جزء من عشرين جزءاً من هذا الهلام يكون منه هلام جيد وبياع حبوباً صغيرة لونها أسمة تصفر وتبيض فإذا حلت بالماء تنتفخ الحبات وكثير من أنواع الخث الحلوة الطعم تحتوي على هلام يستعمله الفقراء في أوروبا غذاء ويعملون منه رباً وهو منتشر كثيراً في بلاد يابان ويصدرون منه خارج بلادهم ويزرع الخث في أرخبيل يابان واشتهرت جزيرة يزو بهلامها ويمزج الجلاتين الياباني في الحساء الصيني المعمول بالسنونو ويباع منه في يابان بما قيمته مليونان ونصف من الفرنكات. متوسطو القرائح كتب ماكس نوردو من علماء الإسرائيليين مقالة في المجلة الباريزية تحت هذا العنوان فقال ما محصله: أحسن ما تهبه الفطرة لطفل منذ يوم ولادته أن تجعل له قريحة رائقة فهي أجمل الهبات بل أكد التعاويذ في نيل سعادة الحياة من الغناء والثروة. لا جرم أن القريحة تزين مشاهد العالم أكثر مما يزينها شرف المولد وجلالة المراتب فيها تستميل العواطف العادية في تصور الحقيقة إلى عواطف أنس وهوى وبها تتسع الثقة في القوة العاملة في شخصية المرء. ولك أن تحكم على قدر القرائح وتأثيراتها بما يصيب العظماء وأرباب المكانة في هذا العالم من المرح والحب فيتوفرون عليها إذا أحسنت بها إليهم الفطرة فقد كانت الملكة فيكتوريا

стр. 4727

صاحبة إنكلترا تجد سبيلاً بين مشاغلها الكثيرة من تولي أمر ٣٥٠ مليوناً من البشر أن ترسم على الورق والمقوى الرسم الملون وكان اين عمها ملك البرتغال يصور الأقمسشة والأقمشة التي تخرج من مناقشه إذا عرضت في المعارض تعرف من بين غيرها ويدرك الناقدون أن يداً تخلت عن الصولجان ساعات لتمسك المنقش. وترى الإمبراطور غليوم يرسم ويصور وينظم بعض الأناشيد والأغاني في آونة الفراغ وخال والدته الدوق أرنست الثاني ساكس كوبرع قد ألف قصة بأناشيد أبرزها للناس في دار التمثيل بقصره باسم مستعار وكان يجد لذة بين مشاغله أن يمثل التمثيل المضحك. وكان ماكسيمليان امبراطور المكسيك التعس الحظ شاعراً وقصائده الغنائية تشهد له بالغيرة وباحقية جهاده. وأصدرت الأرشيدوقة لويزدي توسقان مجلداً في الشعر يدل على أنه كان في رأسها الأصهب مكان للأوزان والقوافي الشعرية. وإذا نزلنا قليلاً في درجات أراب العروش ونظرنا إلى أهل الطبقة الأولى في المجتمع نجد غواة البدائع والفنون كثيراً عديدهم فإن الكونت بوست الذي يعزو إلى نفسه المشكلة النمساوية المجرية كان يكتب بالفرنسوية قصائد رقيقة تنبي عن أغرض عالية والدوقة ولية العهد دوزيس تعمل نصباً وهياكل حسنة. وللعقائل الكبريات في باريز منذ بضع سنين ردهة سنوية يسقط الناظر في قائمتها على جميع أسماء النبيلات ونساء الكبراء ولا يقبل فيها غير رسوم رسمتها أناملهن ويتبارين الإشراف مبتهجين أمام ما صنعته أيدي أزواجهن البيضاء. ولجميع الأعمال الحرة أيضاً مجتمعات فترى المحامين والقضاة والأطباء والممثلين والصحافيين يعرضون فيها ثمرات حبهم للصنائع النفسية من نقش ورسم وحفر ومنها يستدل على مبلغ ولوعهم بالرياضات البدنية ولوعهم بتشغيل عقولهم. لا جرم أن جميع غواة الشعر والموسيقى والفنون ينظرون انصراف أذهانهم إلى هذه الصناعات الجميلة خارجاً عن عملهم يتلهون بها فقط زيادة على ما أخذوا أنفسهم به من الأعمال مما دل على أن القريحة الصغيرة أو النصف القريحة تعد من البركات إذا نميت لذاتها فقط ولما فيها من النفع ولما لها من الوقع. ولكن إذا أضاف أمثال هذه الطبقة إلى عملهم طمعاً وطبعاً جاء منهم أناس يغضبون وييأسون لأنهم لم ينجحوا فيما هم بسبيله نجاح من استعدوا لهذه

стр. 4728

الصناعات بالفطرة وبرزوا فيها فأقبل الناس عليهم وأعجبوا بما ترسمه يدهم الصناع. القريحة كائن يقوم به من العمل في العادة أحسن من السواد الأعظم الذي يحاول الحصول على ذلك الاستعداد. والمادة الأصلية في القريحة القدوة والتقليد ويتأتي للقريحة أن تعلم إلى حد محدود وفي مكنة كل رجل اعتيادي أن يجعل له قريحة وما القريحة إلا بتعهدها وهي صورة حية من آثار النظر فيها والقريحة تتعهد في عهدنا بحيث يأتي من كل اثنين واحد ذو قريحة ولكن الانتفاع من ثمراتها انتفاعاً مادياً غير مضمون بل يتعلمها كما يتعلم الناس ما يؤهلهم لأخذ الشهادة العالية في مبادئ العلوم فينال الشهادة المتعلمون ولكن لا يضمن لهم رزقهم منا بل هي أداة لتمدينهم. ويجب أن لا يعتقد من يستطيع نظم بيت أنه شاعر ولا من يمس القلم والريشة أنه مصور أن نقاش فإن هذا الاعتقاد حمل كثيرين على اعتقاد الكفاءات في أنفسهم وعتبوا على الدهر لأنه لم يعطهم حقهم من النجاح ووهموا بأنه يستحيل عليهم أن يرزقوا مما لم يتقنوه إتقان النابغين له ولا يقدر قدر ذلك إلا من يدخل المخازن وقاعات الصناعات فيرى أدعياء هذه الصناعات يعرضون ما خطوا ورسموا وبئس ما يريدون أن يشتروا به ثمناً ولو قليلاً ويحشرون أنفسهم في عداد العالمين والنابغين. وليت أولئك الأدعياء علم ما لا يعلمون التمسوا رزقهم من خدمة محال القهوة أو صنع الأحذية إذاً لرفعوا رؤوسهم في صناعاتهم بدون أن يوهموا أنفسهم بأن لهم قريحة حسنة ويداً صناعاً. وترى الدعوة أيضاً أكثر شيوعاً في الأدب فإن عشرين ألفاً من الناس يدعون الشعر والكتابة وقليل منهم من لم بكتب وينظم قصة ويؤلف قصة أو قصيدة وهم متوسطون فيما يخطون ويبقى تسعة أعشارهم خاملين لا شهرة لهم إلا في دائرتهم الضيقة وكم يقاسون من الألم يوم يحكم الناس على المجيدين منهم ويشهدون الكتبيين وإعلانات دور التمثيل والجرائد والمجلات لا تذكر إلا غيرهم من النابهين النابغين وهم قلائل يواتيهم الحظ ويخمل جمهوراً كبيراً من الغراب الأعصم والكبريت الأحمر. وبعد فاطلب لكل من تريد له الخير أن تعرى نفسه كل التعرية من القريحة كلها فذلك خير له من أن تكون له قريحة تافهة يرافقها طمع فيه وهو طمع بالنابغين الآخرين من الحاملين. الفيل في الكونغو

стр. 4729

يقدرن عدد الفيلة في إفريقية من ثلثمائة إلى أربعمائة ألف فيل يقتل منها كل سنة نحو خمسين ألفاً لأخذ العاج منها وقد أخذت أساليب كثيرة لوقايتها مخافة أن ينقرض نسلها فحظرت بعض الحكومات إفريقية من الأوروبيين صيدها بالنار أو بشراك وأن يقتل إناثها وصغارها التي يكون نابها أقل في خمسة كيلوغرامات وعلى الفيلة في معظم أصقاع إفريقية يحمل الناس أثقالهم فيحمل الواحد منها ما لا يحمله ثلاثون أو أربعون زنجياً والفيل في إفريقية كما هو في الهند مورد ربح لصاحبه يساوي الواحد ٢٥٠ ليرة ودخله من ١٥ إلى ٢٠ ليرة وهو يحرث الأرض ويفتح الطرق وله غير ذلك من الفوائد. صناعات النساء تزداد الصناعات التي ينصرف إليها النساء في بلاد الغرب اليوم بعد اليوم ويقبلن خاصة في الصناعات الاجتماعية. ولقد أبرزن في هذا الباب صفات فائقة وكانت جذوة هذا النور منبعثة من ألمانيا والنمسا. فقد عهدت بعض مدن النمسا مثل فينا وغراز وبراغ ولمبرغ وبروم إلى النساء مناظرة العمل في الصناعات التي يشتغل بها العاملات من بنات جنسهن خاصة وأنشأ مجلس ولاية بومرانيا في ألمانيا مهنة جديدة للنساء يعهد إليهن أن ينشرن بين سكان الحقول مبادئ تربية الأولاد والاقتصاد الأهلي وحفظ الصحة والعمل اليدوي وغير ذلك. وعينت مدينة أونابروك في ألمانيا امرأة للعناية بالفقراء والنظر في أحوالهن ورأت بلدية كيال في ألمانيا أن تعتمد على النساء لمقاومة الكحول وإنقاذ من أصيبوا تعاطيها فعينت عشر نساء لمعونة المدمنين والتأثير فيهم فأسفر عملهن عن أحسن النتائج. وعينت حكومة الدانيمرك إحدى الأوانس مفتشة على مطاعم المدارس في القرى. ويزداد تعيين النساء في الشرطة بضفة مساعدات وقد أشأت فنلاندا - وهي مرتقية جداً من حيث الإصلاحات الاجتماعية وإن كانت مضطهدة من حيث أحكامها - سنة ١٩٠٧ ثماني وظائف لمعاونة رجال الشرطة تولاها النساء وهن يقبضن رواتب كرواتب الرجال وأهم ما يعهد إليهن إنقاذ النساء والنبات مما يطرأ على أخلاقهن وإرجاعهن إلى حظيرة العمل الشريف ومحاربة الاتجار بالرقيق الأبيض وأن يجعلن العجوزات والأولاد الذين لم يرزقن حظاً من التأديب في أماكن لائقة وقد ظهرت فوائد ذلك كله حتى الزراعية للبنات تتكاثر في معظم بلاد الغرب وبها تهيأت مهن جديدة لهن فإن الجمعية الزراعية في جنوب إقليم

стр. 4730

سواب من ألمانيا قد أنشأت مزرعة لتربية الطيور على الأصول الحديثة عهدت بإدارتها إلى امرأة وتقام فيها دروس خاصة بالنساء فقط وأحدثت نظارة التجارة في إنكلترا عدة وظائف مديرات لمكاتب وسطى لاستخدام عملة للزراعة. وشعرت بعض البلاد الألمانية بأن النساء يقتضي عليهن العوم والسباحة ولكن قلة الأساتذة من بنات جنسهن منعهن عن هذه الرياضة الجسدية المهمة فأنشأت جمعية هناك تعلم الفتيات اللاتي عقدن العزم في ألمانيا على تعلم السباحة وبعد أن يفحصن شهادات مؤذنة بكفاءتهن. وللنساء في ألمانيا شأن كبير في بيع الكتب فإن عددهن فيها يبلغ ١٢٠٠٠ أي أكثر من ربع من يشتغلون بهذه التجارة. وقد أخذ النساء في ألمانيا في العهد الأخير يحترفن بالتجارة وصنع الجعة والنقش والتجليد والحلاقة والخياطة وعلى كثرة من كن منذ زمن يتعاطين الصناعتين الأخيرتين كان من المتعذر عليهن في ألمانيا أن يعملن بحسابهن أما الآن فهن في حل مما يردن. وفي فينا نساء يصنعن الزجاج وينلن بصناعته شهادات تؤذن بكفاءتهن ومن النساء من يتعلم صناعات الساعات. ومن النساء النبيلات في إنكلترا من اقتحمن أوهام محيطهن وقمن لإدارة المشروعات الاقتصادية وكثيرات منهن الآن مديرات لفنادق كبرى ولبعضهن محال لقض الشعور والغسيل وعمل المربيات. وقد أحدث النساء في أميركا حرفة جديدة وهي تنظيم السهرات فيعهد إلى بعضهن أن يقمن بلوازم ليالي الأنس والفرح. وكثير عدد النساء المستخدمات في السكك الحديدية وإدارات البريد حتى عمدت بروسيا مؤخراً أن تقبل باستخدام النساء في بعض الخطوط على شرط أن تكون ساعات عملهن مساوية لعمل الرجال ولكنهن يقبضن نصف الأجور التي يتقاضونها. وفي هولاندة قامت مؤلفة للأناشيد الوطنية فأصبحت مديرة جوقة مشهورة وبزت الرجال في هذا الشأن. وهكذا يعمل الغربيون رجالهم ونساؤهم كل بحسب قوته وغنائه فمتى يطرس الشرقيون على آثارهم في النافع من هذه المدينة المدهشة. الحس في النبات يظن بعضهم أن النبات لا إحساس له للأحياء وذلك لأنهم ينظرون إليه بالعين المجردة فيقع في نفوسهم أنها أحط في الإحساس من نباتات البحر إذا عمدت إلى جذوع ونزعت الإلودة الكاناداي الذي يطلع في المياه العذبة وبتأتي له أن يعيش بدون جذوع ونزعت منه ورقة

стр. 4731

بمقص وقصصتها بالمجهر ووضعتها في صفحة فيها نقاط ماء لا تلبث أن ترى فيها خلايا مستطيلة قليلاً فيها عدة أجسام مدورة خضرة وحبوب الكلورفيل كل ذلك ساكن لا يتحرك حتى إذا مضت خمس دقائق أو عشر أو خمس عشرة دقيقة هكذا تدور في كل خلية ومنها ما يذهب ذات اليمين وذات الشمال ومنها ما يسري لسرعة ومنها ببطء كل هذا ما يدل على وجود الحس في النباتات وأعظم تلك الجوارح النظر الذي به ترى النور ولا يتميز المرئيات كما هو الحال في ديدان الأرض والمرجان وغيرها التي ليس لها حاسة النظر ولكنها تشعر بالاحتكاك ومن السهل أن نبين تأثير النور في النباتات وذلك بأن نغرس نبتة في مكان ليس له سوى نافذة واحدة من جهة واحدة ويهرب منه شأن من قوت هذه الحاسة فإنهم يستغلون من الشمس عندما تحمى جمراتها وأراق نباتات لتعرض للريح في النهار وهي تنام الليل فتغير حركتها ومن الثبات ما يرى فيها ذلك محسوساً أكثر من زهر العسل وعصفيرة والحت أو نبات لماء يسهل أن يدرس فيه تأثير الماء واللمس هو من الحواس المشهودة في النباتات وترى المستحيل لأن اللمس يترك وريقاتها بعضها فوق بعض ويعلق أوراقها نحو الأسفل وقد عللوا ذلك بأن هذا النبات متى مس يغادر وهناك نبات آخر اسمه طراد الذباب هو من النبات التي تلحق الأجسام المجاورة مثل الكرم والبطيخ فإنه إذ لم يجد في جواره ما يعرش عليه يخرج مستقيما فسبحان من خلق في خلقه إناس يفكرون الليل والنهار في تعليل هذه الكائنات وزهدنا في كل نافع فاحتقرنا كل علم. الجنس الأبيض البحث في أجناس البشر من أهم المباحث المحاضرة ويقولون أن الجنس الأبيض يسعى ليكون حاكماً على بقية الأجناس وأن يكونوا تحت سلطته وحكمه الجنس الأبيض من الأبحاث الاستعمارية فكل جنس من الأبيض يطلب هؤلاء وهذا ما حدا بالمسيو جونستون أن يتجشم الصعوبات والأسفار الشاسعة ليوفق إلى حل هذه المشكلة العظيمة. قال بعد تطوأه لهذا البحث هل في وسع الجنس الأبيض أن يسكن البلاد القبطية والأبيض قليل النسل بالسبة إلى هؤلاء وكذلك يستحيل على الأبيض أن يقوم بالأعمال الفادحة في البلاد الحارة. يفوق الأوروبي أهل هذه الأجناس باعتنائه بصحته والتوقي من الأمراض ولكنه لا يمكن

стр. 4732

أن يعيش في إقليمهم ونحكم عله بالنقص في جسده وعقلهم إذ ربما فاق الأبيض فهذه الأمة الصينية واليابانية هي اليوم وغيرها بالأمس وكذل الزنوج لا يطول أمرهم وهم على هذه الحال من التأخر. إن هؤلاء يتأثرون في صدورهم البغضاء عندما يقرؤون في جرائدنا وكتبنا الحملات الفادحة إذ الإنسانية تقضي علينا أن نعامل المخلوقات باحترام ورفق لأجل احترام هذا المبدأ يجب أن نبحث ونتدين بدينٍ يكون عاماً للبشر كما في مراكش والكونغو وغيرهما من البلاد. الفنادق في سويسرا كان عدد الفنادق في سويسرا سنة ١٨٨٩ - ١٠٠٠ فندق تحتوي على ثمانية وخمسين ألف سرير وتشغل في عرصاتها ٣٤ ألف عامل منهم ٤٠٠٠ يدأبون في العمل طوال السنة رأس مال هذه الفنادق ٨٠٠ مليون فرنك منها ٥٠٠ لأجل تشييد البناء فإذا اعتبرنا هذا الرأس المال مأخوذاً بالفائدة تكون الخسارة ٥ في المئة بالنسبة للواردات.

стр. 4733

خاتمة السنة السادسة يختم المقتبس اليوم عامه السادس لإنشائه في القاهرة والثالث لصدوره في دمشق ويحمد الله على أن يجعل أعوامه الثلاثة في ربوع دمشق التي لا تقل عن أعوامه الثلاثة الأولى في ربوع مصر ونقل أوضاع الغربيين الشرقيين المحدثين منهم التي لا يغيرها تبدل أو نزاعات المذهبية والأهواء الحزبية أو الشعوبية والاستعمارية وهنا نعاهد القراء على بذل الطاقة في هذه الخدمة الشريفة مستعينين بالله وبمؤازرينا الكرام الذين جعلوا في هذه المجلة حديقة يانعة بثمار دروسهم وأبحاثهم وقد زدنا منذ السنة القادمة في صفحات مجلة السنة ١٦٠ صفحة فيدخل المجلد في السنة المقبلة في ٩٦٠ صفحة بدلاً من ٨٠٠ بحيث يصيب كل جزء ٨٠ صفحة ولله نسأل المعونة والهداية والعفو عما طغى به القلم من الخطيئات والهفوات.

стр. 4734

العدد ٧٢ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٢

стр. 4735

بسم الله وبه ثقتي نحمدهُ تعالى عَلَى أن يسر لنا الوفاء بما وعدنا به يوم إنشاء هذه المجلة من إرادة التحسين في موضوعاتها وتكثير موادها وتكبير حجمها وتجميل مظهرها بحسب سنة النمو الطبيعي. وها نحن أولاء نبدأ الآن بنشر السنة السابعة بزيادة عدد صفحات مجلد السنة بحيث يقع المجلد في ٩٦٠ صفحة وكان كل مجلد في السنين الأربع الأخيرة يصدر في ٨٠٠ وفي السنتين الأوليين في ٦٧٢ وتوسيع الحجم يقتضي ولا جرم التوسع في الأبحاث وإشباعها نظراً وتدقيقاً. لم نتفرغ كل التفرغ في السنين الماضية إلى الانقطاع لما نحب المبالغة في البحث فيه لتجويد تأليف هذه الصحيفة لأن العمل في الصحف السياسية أضاع علينا جانباً من أوقاتنا بحكم الضرورة بيد أننا لم نغفل يوماً ونحن وسط ذاك العراك الشديد عن اقتباس كل ما نعتقد فيه الغناء لفائدة القراء الأعزاء. أضف إلى هذا أن السنين الثلاث الماضية من سني الدستور العثماني كانت ومازالت أيام اضطراب وفتن وبلاءٍ ومحن وفي مثل هذه الحال يصعب عَلَى من يعمل بعقله أن يصرف قواه كلها إلى تعزيز كلمة العلوم والآداب وهي لا تنمو إلا في ظل الأمن والراحة والقائمون بخدمتها أحوج الناس إلى السكون والانقطاع للتدبر والتفكر ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله. فرجاؤنا أن يكون جو الأعوام المقبلة أكثر صفاءً لنحسن الاضطلاع بأعباء هذه الخدمة الشريفة ونبلي البلاء الحسن في نشر النافع في النهضة الفكرية في الديار العربية إذ كل سعي ضائع بدون لأن يسبقه نهوض علمي واقتصادي وأدبي والله ولي التوفيق.

стр. 4736

ملقى السبيل سانحة المعري وشبنهاور من عهد بعيد بحث كتاب الشرق والغرب عن حياة الشاعر الحكيم أبي العلاء المعري وتآليفه وعرفوه بما يستحقه من الإجلال والتعظيم فلا حاجة لإيراد ترجمته هنا. إلا أنّا لم نر أحداً أشار إلى المشابهة الغريبة الموجودة بين فلسفة المعري ومذهب شبنهاور الحكيم الجرماني. ولد أرثور شبنهاور بمدينة دنتسيغ بألمانيا سنة ١٧٨٨ فاعتنت أمه بتثقيفه وكانت من مشاهير قصصي ذلك القرن فأحسنت تربيته. وبعد أن تلقى العلوم بجامعة برلين وحصل عَلَى أعلا شهاداتها أخذ يدون آراءه الفلسفية فألف عدة كتب أهمها (الإرادة في الطبيعة) و (أساس الحكمة) وأشهرها (حقائق تتعلق بالحكمة في الحياة) وفيه جمع شبنهاور حكمه في أقوال موجزة وفصول قصار وصف فيها أتعاب الحياة وآلام البشر بكيفية تؤلم القارئ لانطباقها في الغالي عَلَى الواقع. ومذهب شبنهاور مركوز عَلَى قاعدة أن جميع مشاق الإنسان وأتعابه الدنياوية الأصل فيما يسميه إرادة البشر يعني شهوات طبيعتنا وحبنا التمتع والتلذذ بالحياة. أوليس هذا رأي المعري عندما يقول: إنك إلى الدنيا مصغ. وحبها للبشر مطغ. لو أنك لشأنها ملغ. أبغاك ما تأمله مبغ؟ ولولا خوف الإطالة لأوردنا شيئاً كثيراً من تشابه أقوال الحكيمين. وتوفي أرثور شبنهاور بفرنكفورت عام ١٨٦٠. ومن اطلع عَلَى طريقة هذا الفيلسوف الألماني تيقن أن معتقده ويأسه من الحياة وتشاؤمه المستمر يطابق كثيراً مذهب المعري خصوصاً في فحصه أتعاب البشر وآلامهم وجسه أسقام الإنسان كالباحث الماهر والطبيب العارف من غير حنان ولا شفقة عَلَى هذا النوع الإنساني وبدون أن يبين في وصف الأدوية التي ينبغي اتخاذها واستعمالها للاتقاء وتسلية تلك المواجع. وهناك علاقة وتشابه آخر بين أبي العلاء وشبنهاور وهو كونهما لم يتزوجا وعاشا في

стр. 4737

عزوبة مستمرة وعزلة وانقطاع مما أثر في طبيعتهما وجعلهما يتشاءمان وينتقدان الهيئة الاجتماعية ويتناولان أهل الدين وأرباب العشائر والنساء والاعتقاد ويسيئان الظن بالدنيا وساكنيها. والفرق بين العالمين هو كون شبنهاور استقل في علم الفلسفة ودراستها والتدوين فيها بخلاف المعري الذي لم يشتغل بالفلسفة من حيث هي علم وإنما كان يبحث عن أسباب الأشياء وتعليل وجودها فتخطر له خطرات حكمية تستحوذ عَلَى مخيلته وذهنه الحاد فتسبكها قريحته الشعرية في تلك القوالب لعجيبة التي تظهر من قصائده. بقي أن نتكلم عن رسالة ملقى السبيل التي نقدمها اليوم إلى محبي الآثار العربية والمولعين بنثر شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ونظمه. يظهر من هيئة هاته الرسالة وإنشاءها أن المعري ألفها في الدور الأخير من حياته زمن عزلته وانقطاعه (حوالي سنة ٤٣٠ هـ) وقد زهد في الدنيا لكبره واقتراب أجله. فكأنه أراد الرجوع للمبادئ الدينية وسلك طريقة الوعظ والنسك وتمسك بالاعتقاد. وأين قوله زمن صغره لما كان في غزارة قواه وعنفوان شبابه: ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةٌ ... وحق لسكانِ البسيطةِ أن يبكوا تحطمنا الأيامُ حتى كأننا ... زجاجٌ ولكن لا يُعاد لنا سبك ومن اعترافه بالبعث والمعاد في هاته الرسالة كقوله وفي الآخرة يكون المجمع وقوله وعند الباري تكون الزلف وهلم جرا. أما أسلوب هذه الرسالة في مجمله فهو يشابه كثيراً لهجة الخطب البليغة ذات الفصول القصار التي كان يلقيها خطباء العرب كسحبان وائل الباهلي وقس بن ساعدة وعامر بن الطفيل وأمثالهم بأسواق الجاهلية. وإليك نموذجاً من كلام قس بن ساعدة خطيب بني إياد الذي قال فيه النبي ﷺ رأيته بسوق عكاظ عَلَى جمل أحكر يقول: أيها الناس اجتمعوا فاسمعوا وعوا. من عاش مات. ومن مات فات. وكل ما هو آتٍ آت. في هذه آيات محكمات. مطر ونبات. وآباءٌ وأمهات. وذاهب وآت. ونجوم تمور. وبحور لا تغور. وسقف مرفوع. ومهاد موضوع. وليل داج. وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا. أم حبسوا فناموا. يا معشر إياد. أين ثمود وعاد.

стр. 4738

وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي يشكر. والظلم الذي لم ينكر: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لامحا ... لة حيث صار القوم صائر وسوف يرى القارئُ ما بين الكلام المتقدم وحل المعري وعقده في ملقى السبيل من مطابقة المعنى ومشابهة اللهجة. أما النسخة التي اعتمدنا عليها في النقل فهي محفوظة بمكتبة الأسكوريال من بلاد الأندلس تحت نمرة ٤٦٧ وهي بخط الراوي لها القاضي الإمام الشريف أبي محمد عبد الله ابن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن بن يحيى الديباجي العثماني رسمها بالإسكندرية أوائل القرن السادس وقد اعتنى برسمها وضبط جملها بطريقة ثابتة مدققة وهي فيما اعتقده أقدم نسخة لملقى السبيل ولا يبعد أن تكون هي التي عول عليها أدباء الأندلس في معارضتهم لها فقد جاء في نفح الطيب أن الحافظ أبا الربيع الكلاعي الأندلسي المتوفى بالجهاد سنة ٦٣٤ هـ. عارض هذه الرسالة بتأليف سماه مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل. كما تحتوي مكتبة الأسكوريال نفسها عَلَى كتب (نمرة ٥١٩) من وضع الكاتب الشهير أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال وزير يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين عارض به ملقى السبيل أيضاً. ومن جهة أخرى يوجد بمقدمة النسخة التي لدينا وهي كما قدمنا صورة فوتوغرافية من الأصل الأندلسي كثير من الإجازات تنبئ بقراءَة هذه الرسالة عَلَى أساتذة متضلعين تلتحق رواياتهم بالراسم الأول نعني عبد الله الديباجي. وأقد توقيع من هذا النمط مؤرخ سنة ٥٦٢ وهو مما يستدل به أيضاً عَلَى اهتمام الأندلسيين بتآليف المعري. وعسى أن ننشر فيما بعد رسائل أخرى من وضع هذا الفيلسوف الشاعر والله ولي التوفيق. تونس ١٠ ربيع الأنور ١٣٢٩ ح. ح. عبد الوهاب

стр. 4739

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أخبرني بملقى السبيل هذه الشيخ أبو المظفر سعد بن أحمد بن حماد المعري ﵀ عن أبيه أبي العلاء ناظمها وكتب عبد الله بن عبد الرحمن العثماني. قال الشيخ الإمام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري رهين المحبسين الهمزة كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ، نظمه (مخلع البسيط) إن الأنام ليخطئوا ... ن ويغفر الله الخطيئة كم يبطئون عن الجمي ... ل وما مناياهم بطيئة الألف ابن آدم في سير وسُرى. يهجر بحصره الكرى. وطال ما كذب وافترى. ليصل إلى خسيس القرى. وإنما يحصل عَلَى الثرى. كأنه لا يسمع ولا يرى. نظمه (سريع) أما يفيق المرء من سكره ... مجتهداً في سيره والسرى نمت عن الأخرى فلم تنتبه ... وفي سوى الدين هجرت الكرى كم قائل راح إلى معشر ... أبطل فيما قاله وافترى عَلَى القرا يحمل أثقاله ... وإنما يأمل نزرِ القرى يفتقر الحي ويثري وما ... يصير الأُجثوةِ في الثرى اسمع فهذا قائل صادق ... أراك عقباك فهلا ترى الباء يفتقر إلى الله الأرباب. وبالكافر يحل التباب. وتنقطع بالموت الأسباب. وفي الخالق تحار الألباب. نظمه (رجز) دانت لرب الفلك الأرباب ... وبالكفور يلحق التباب

стр. 4740

كم قطعت لميتة أسباب ... واقترفت برغمها الأسباب التاء النفس تصرفت وانصرفت. والأمضاء تألفت ثم تلفت. والأقضية بحق هتفت. ما أُعفيت المحلة لكن عفت. كم شفيت المدنفة فما اشتفت. نظمه (مجزو الرجز) نفس الفتي في دهره ... تصرفت وانصرفت تألفت عضاؤه ... وافترقت إذ تلفت أقضية الله دعت ... فأسمعت إذ هتفت ما أُعفيت ديارهم ... من الرزايا بل عفت كم شفيت مريضة ... من مرض فما اشتفت الثاء من أعظم الحدث. سكنى الجدث. نظمه (متقارب) يدوم القديم إلاه السماء ... ويفنى بأقداره ما حدث وما أرغب المرء في عيشه ... ولكن قصاراه سكنى الجدث الجيم العجب بجاهل مداج. يأسف لبين الأحداج. ويعصي الملك والليل داج. وما هو من الحنف بناج. نظمه (مخلع البسيط) يا أيها العاقل المداجي ... ليله بالسفاه داجي كأنه عينه إذا ما ... تحمل الحي في زجاج كم أعمل الناجيات حرصاً ... وليس من حتفه بناج رجا أُموراً فلم تقدر ... وكل من في الحي الحياة راجي الحاء

стр. 4741

إن ابن آدم لشحيح. سوف يمرض من القوم صحيح. تعصف بعقله ريح. فإذا هو لقيَ طريح. ثم يحفر له ضريح. أن ذلك هو التبريح. نظمه (مخلع البسيط) يا أيها الممسك الشحيح ... سيمرض السالم الصحيح مالك لم تنتفع بعقل ... هل عصفت بالعقول ريح إن شيد القصر في سرور ... فبعده يحفر الضريح يطرح الهم بالمنايا ... من جسمه في الثرى طريح الخاء بكى عَلَى الميت مواخ. كان أجاء في تراخ. فلتنه الصارخة عن الصراخ. نظمه (مخلع البسيط) في الله آخى فتىً لبيب ... وأسلم الهالك المواخي بكى عليه فهل تراه ... في أجل دائم التراخي اعتقد الحق واعتمده ... لا تزرع الحب في السباخ الدال أما بصرك فحديد. وأما ثوبك فجديد. وظلك بقضاء الله مديد. وحولك العدد والعديد. ولكنك سواك السديد. طرقك وعد ووعيد. فهل تبديء وهل تعيد. أم غريك هو السعيد. نظمه (وافر) أرى ملكاً تحف به موال ... له نظر إلى الدنيا حديد ضفا برد الشباب عليه حتى ... مضت حقب وملبسه جديد يزول القيظ في صيف ومشتى ... ويستر شخصه ظل مديد وفت عُدد لديه فمن دروع ... وأسياف ينوء بها عديد وكان السعد صاحبه زماناً ... ولكن طال ما شقي السعيد بدا شخص المنون لناظريه ... وقيل له أتبدي أن تعيد تصعد في المرتب غير وإن ... وأحرزه عَلَى الرغم الصعيد تفرقت الجيود فما حمته ... وأبطلت المواعيد والوعيد

стр. 4742

الذال أما العيش فيلذ. ولكن سببه يجذ. نظمه (متقارب) يلذ الفتى غفلات الحياة ... وليس بمتصل ما يلذ يمد له الظن آماله ... ولكنها عن قليل تجذ . . . العاجلة سبيل منفوذة. وهي عند أهل الرشد منبوذة. والأنفس بحق مأخوذة. لا الدرع تنفع ولا الخوذة. نظمه (سريع) أنفذ من الدنيا ولا تلتفت ... فأنها بالعنف منفوذة حازتك فانبذها إلى أهلها ... فهي لدى ألخيار منبوذة ولا تمسك بحبال لها ... تصبح من كفيك محذوذة مأخوذة مانعة في الورى ... نفس بحكم الله مأخوذة لا سقية أغنت ولا رقية ... ولا تميمات ولا عوذه الراء لقد هجرت الخدور. وغدر بها الزمان الغدور. فإذا الخدر عوضه قبر. هل ينفعك جزع أو صبر. من بارئك يجري المقدور. وتفنى الشهب والبدور. نظمه (مخلع البسيط) تظهر أسرارها الخدور ... بما قضى الواحد القدير كم دار في خاطر ضمير ... من فلك دائب يدور وضاق صدر بمشكلات ... تضيق عن مثلها الصدور يثبت فرد بلا قرين ... وتهلك الشهب والبدور الزاي لا تبرزي يا غانية. فإنها الدنيا فانية. سترك بكلة والداك. فتمسك بالنسك بداك. الورع ذهب إبريز. والجدث حرز حريز. قد تهلك فتاة رود. وتلبث مسنة ترود.

стр. 4743

نظمه (مخلع البسيط) يموت قوم وراء قوم ... ويثبت الأول العزيز كم هلكت غادة كعاب ... وعمرت أمها العجوز أحرزها الوالدان خوفاً ... والقبر حرز لها حريز يجوز أن تبطئ المنايا ... والخلد في الدهر لا يجوز السين يا ابن آدم كم تحرس وتحترس. والموت أسد يفترس. إن كنت بجبل أو واد. فإن الأودية مثل الأطواد. يسمعها من الله داع. جل رب العظمة والابتداع. نظمه (متقارب) أيحترس المرء من حتفه ... وما حاد عن يومه المحترس هل الناس إلا نظير السوا ... م وآجالهم أسد يفترس يحل الربا ويحل الوهود ... ولا بد للربع أن يندرس الشين لا تك ذا يش. وأعجب لما وهب من العيش. ما فعل آدم وبنوه. كم أدرك الثمر مجتنوه. يبدي التوفر أخو المعيشة. والجبل مثل الريشة. المنزل لأمر معروش. وبالقدر تثل العروش. نظمه (مخلع بسيط) أين مضى آدم وشيث ... وأين من بعده أنوش مر أبي تابعاً أباه ... ومد وقت فكم أعيش لا ملك إلا لرب عرش ... تُثل عن أمره العروش خف من الخوف كل طود ... حتى كأن الجبال ريش تطيش نبل الرماة منا ... وأسهم الحتف لا تطيش ولم يزل للمنون جيش ... تفل من ذكره الجيوش يحث بالنعش حاملوه ... وشد ما سارت النعوش لا حبذا الأنس والخطايا ... وحبذا النسك والوحوش

стр. 4744

الصاد المرء عما وجب ناكص. والشخص للحدث شاخص. إن ظل الفانية لقالص. فهل خلص إلى الله خالص. إن دينك لرديعة في المحار. إنما يدرك بغوص البحار. وعُدِمَ دين في الأنام. وكان كالحلم في المنام. نظمه (سريع) من ادعى النسك عَلَى غرة ... فقل له ما صدق الخارص والنسك مثل النجم في بعده ... والخلق إن يبلغه ناكص كالدرة العذراء ما نالها ... إلا امروءٌ في بحرها غائص في لجة قامصة سفنها ... ويصرع المستمسك القامص تلعب بالألواح أمواجها ... كأَنما مركبها راقص نحن كنبت عامه مجدب ... وماؤُه مستنكر ناقص الضاد دينك عناه المرض. ضاعت النافلة والمفترض. وخدعك هذا العرض. وجسمك ضعيف حرض. لقد بعد منك الغرض. وسوف يطلب المقترض. نظمه (منسرح) دينك مضنىً أصابه سقم ... والخسر في أن يميته المرض وهل ترجى لديك نافلة ... من بعدها ضاع منك مفترض غرضت من هذه الحياة فهل ... غرك فيما ترومه غرض تميل من جوهر إلى عرض ... والروح في جوهرها عارض حرضك الشيب أن تنوب فما ... تبت فهلا تذكر الحرض أقرضت عمراً فما صنعت به ... سوف يرد الأنام ما اقترضوا الطاء فودك علاه الشمط. والمرء ينقص ويغمط. كالطفل كهلك فهلا يقمط. لقد عرف هذا النمط. والنفس تطعن ولا تضبط. وأَجر من كفر يحبط. أيبن موقف لا يغلط. والموت في العالم مسلط. وعائد الملك لا يقنط.

стр. 4745

نظمه (هزج) إلا أحرص والرغبة في أشيب كالأشمط وكالطفل إذا الكهل ... فما للكهل يقمط ولا يغضب أخو الريبة ... أن ينقص أو يغمط فما الخاسر إلا كا ... فر أعماله تحبطك بني آدم إن تعصوا ... فما اخسر من يقنط غبطتم صاحب الثرو ... ة والزاهد لا يغبط أما تعنط في الدهر ... بأن توجد لا تغلط الظاء أنا دينك فمتشظ. وأنت عَلَى الفانية مقلظ. متقرب بالمين متحظ نظمه (مخلع البسيط) أصبحت في غمرة ولهو ... تجئُ بالمين كي تحظى احذر عَلَى الدين من تشظ ... فالدر ملقى إذ تشظى لو هاب حر اللظى مسبيء ... ما اهتاج حرصاً ولا تلظى فأبد للسائلين ليناً ... ولا تكن في الجواب فظاً العين المرء خدعه الطمع. مرأى في الزمن أو مسمع. يدأب الرجل ويجمع. خلب وميض يلمع. والعين للحذر تدمع. والسحب بالأقضية همع. وفي الآخرة يكون المجمع. نظمه (السريع) غرك ما يخدع من زخرف الدنيا فزاد الحرص والطمع علمت أن الدهر في صرفه ... مفرق عنك الذي تجمع سمعت بالخطب وعاينت هل ... كفك ما تبصر أو تسمع تدمع جفناك عَلَى زائل ... والعين للرهبة لا تدمع كم أومض البارق في عارض ... فألفي الكاذب إذ يلمع سحب تجلى خالياً دجنها ... عنكم وسحب بعدها همع

стр. 4746

الغين إنك إلى الدنيا مصغ. وحبها للبشر مطغ. لو أنك لشأنها ملغ. أبغاك ما تأمله مبغ. نظمه (خفيف) صاغك الله للجمال بقلب ... معرض عن نصيحة ليس يصغي تكثر اللغو في المقال ولو وفقت ما كنت للديانة ملغي لم تزل تزجر الطغاة فلا تطغ فحب الدنيا لمثلك مطغي لو بغيت الذي أراد بك الله لأعطاك فوق ما أنت تبغي الفاء طال والكلف فأين الخلف والسلف. إن العافية هي التلف. وعند البارئ تكون الزلف. إلا تكذب وتحلف. وللإثم لو ظهر أَكلف. نظمه (متقارب) كلفت بدنياك شر الكلف ... فجاَءتك مما صنعت الكلف تبعت الغواة وما أسلفوا ... فهلا أخذت بقول السلف وصدقت نفسك في ظنها ... وكم قال مان لما حلف تخلف مالك للوارثين ... وكانوا بعلمك بئس الخلف ترجي الحياة وأسبابها ... وتطلب عند المليك الزلف ولو ظهر الأثم للناظرين ... لراعك في الوجه منه كلف نصحتك فأذن إلى من يقول ... تلاف أمورك قبل التلف القاف قلبك معنى يخفق. يخاف من عاجلتك ويشفق. وبارئك هو المرفق. أصبحت من عمرك تنفق. ترفع العذر وتلفق. وأنت في مطلبك مخفق. يطول تعبك فلا ترفق. نظمه (سريع) إن خفق البارق في عارض ... فالقلب من روعته يخفق تأسف إن أنفقت مالاً ولا ... تأسف من عمرك إذ تنفق تظل من فقد الغنا مشفقاً ... ومن قبيح الإثم لا تشفق

стр. 4747

مرتفقاً في وطن حافظاً ... تسأل ما هان فلا ترفق يعود عن غيمك من شامه ... وهو شديد ظمؤُه مخفق الكاف سبح إِلهنا الفلك. وقدس البشر والملك. والجسم في العفر يستهلك. والمرءُ بالعارفة يملك. والنهج للآخرة يسلك. نظمه (مجزو الرجز) سبح مع الشهب كما ... سبح من قبل الفلك قدس إنسان عَلَى ال ... أرض وفي الجو ملك لا تبك للميت فكم ... مات كريم وهلك ما خبر الغابر عن ... دفينه أين سلك مالك شيءٌ وإذا أطعت فالرحمة لك اللام غرك تفصيل وجمل. والحي خدعه الأمل. سعيك فسد والعمل. ما نفعك هج ولا رمل. كأَنك بين الجهل همل. نظمه (سريع) مازلت مشغولاً بلا خشية ... يغرك التفصيل بعد الجمل تحملك الأرض عَلَى ظهرها ... وأنت سار فوق ظهر الأمل مالي أرى عينيك لم تهملا ... كأَنما أنت مخلى همل ما يشفع لحسن لأصحابه ... إن حسن الوجه وساء العمل رملت في مكة تبغي الهدى ... فهل نهاك السعي بعد الرمل الميم أفي مسمعك حل الصمم. أم لبك أصاب اللمم. وتحسن للأنيس الهمم. وفي التراب تطوى الرمم. وفي الباطن تخاف الذمم. عَلَى ذلك تمر الأمم. نظمه (سريع) مالك لم تصغ إلى عاذل ... أحل في المسمع منك الصمم

стр. 4748

أجاهل أنت فتلحى عَلَى العصيان أم مس حجاك اللمم همتك العليا هوت في الثرى ... وشيمة الزاكي علو الهمم لم تف بالذمة للحر والحر مراع وافيات الذمم والذكر يبقى للفتى برهة ... وإن توارت في التراب الرمم تيمم الخير ولا ترهب الموت فللموت تصير الأمم النون لله الكرم والمنن. وعن بارئك تزول الظنن. ولا يسترك من الموت الجنن. وبالعاصف يراع الفنن. ولا تعصمك تلك القنن. نظمه (سريع) ويحك لا تمنن عَلَى منعم ... عليه فالخالق رب المنن فظن خيراً بالإخلاء وإلا فالخير يخفو الظنن يجنك القبر فلا تلف كالمجنون يبغي واقيات الجنن وافتن في خوفك رب العلا ... وأنت في سرحك مثل الفنن إنك قن لمليك حوى الملك فلا تعصم منه القنن لتفرغ السن غداً نادماً ... إن كنت ضيعت جميل السنن الهاء المرءُ نهي فما انتهى. مازال في العاجلة يزدهى. إن قبل ما أحسن وما أبهى. فأَيتن صاحبك لما وهى. وطال ما نعم ولها. ونال في العمر ما اشتهى. ما بين غزلان ومهى. دهاه الزمن فيمن دها. والله عمر باللهى. مصور القمر والسها. نظمه (السريع) المرء معتوب عَلَى فعله ... كم سمع النهي فألا انتهى زايله اللهو وزار البلا ... وطال ما عاينته مزدهى باهى زماناً بالذي ناله ... ثم أتى الموت فأين البهى وهت عقود كانفي عصره ... أحكمها لا عاقد ما وهى ما شهوات الحي إلا أذى ... إن نال من مدته ما اشتهى

стр. 4749

كأن يرى في غزل دائماً ... ما بين غزلان له أو مهى دهاه بالمقدور لم يدفع الخطب عن مهجته إذ دهى سها عن الواجب فاغتاله ... مصور البدر ورب السها الواو أما صحبك فقد غووا. عبوا في المورد فما ارتووا. أبادتهم الأقضية حتى تووا. خلوا للوارث ما احتووا. طواهم القدر فانطووا. ولاقتهم الآخرة بما نووا. نظمه (سريع) لا تغو في دنياك مستهتراً ... فإن أصحابك فيها غووا عزلهم في سربهم مورد ... لو كان يروي مثله لارتووا نادتهم الأقدار يا ساكني الأرض ألا تنوون حتى تووا خلو أحاديثهم واحتوى ... آخذ ميراث عَلَى ما حووا انتشروا في عيشهم أعصراً ... ثم طواهم قدر فانطووا فلتحسن النية من بعدهم ... فالناس يجزون عَلَى ما نووا اللام والألف كل غدا يخدم أملاً. يسيءُ في ما بطن عملاً. يصبح بسيفه مشتملاً. لا يطلب رزقه محتفلاً. والرزق ولا يترك متوكلاً. لم يرد في العالم حيلاً. نظمه (بسيط) ما في البسيطة من عبد ولا ملك ... إلا حليف عناءٍ يخدم الأملا يحث نفساً عن الإحسان عاجزة ... وقد أساء بعلم الواحد عملاً فهل ترى الدهر أنثى أو ترى ذكراً ... يشابه امرأَة في الخلق أو رجلاً يروم بالسيف رزقاً جاء في عنف ... ما كان يخطوه في خفض لو اتكلا يبغي المعالي في أوفى مجاهدة ... فإن تخلف عنها لطف الحيلا يا ساكني التراب ما عندي لكم خبر ... فليت شعري عن المقبور ما فعلا لم تأتنا منكم رسل مخبرة ... ولا كتاب إلينا منكم وصلا الياء

стр. 4750

الحي بعد العيشة رديء. وجاءه القدر فيما فدي. وشخصه بالقاضية ردي. لم يرزق النهل إن صدي. لكنه عن ذلك عدي. أظلته العاجلة فما هدي. وجادته الاسمية فما ندي. وقتلته الحادثات فما ودي. نظمه (سريع) المرء في أردية لونت ... ماش ولكن بعد هذا ردي فدى الأسارى زمناً ذاهباً ... وجاءه الموت فألا فدي فيا ردي العقل إن الفتى ... لم يدفع المقدور حتى ردي ظل صداه في الثرى ساكناً ... ولم يصادف منهلاً إذ صدي رنت له الأعداء إن عاينت ... صاحبها عن كل خير عدي كان الهدى يهدى إلى قلبه ... من سمعه لو أنه يهتدي جادت له اسمية برهة ... وعاد يبساً غصنه ما ندي لا يطلب الثأر لميت ولا ... بودي لعمر الله فيمن ودى نجزت والحمد لله وحده.

стр. 4751

هل تسترد اللغة مجدها القديم يستطيع التاريخ الأدبي أن يبين حدود النشأة الحقيقية لكثير من اللغات الميتة والحية ولكنه لا يستطيع أو عَلَى الأقل لم يستطع إلى الآن أن يبين شيئاً من ذلك بالقياس إلى اللغة العربية التي ينطق بها من أهل الشرق الخلق الكثير. ولا شك في أني قد خصصت جزءاً من هذه المحاضرة للإشارة الموجزة إلى تكلم الظلمات الكثيفة التي حجبت لغتنا الشريفة عما يشرف به التاريخ عَلَى الأشياء من بصيرة ثاقبة ونظر بعيد ولكنني لم أستطع أن أخصص جزءاً منها لإيراد الأعاجيب والمضحكات التي يوردها أكثر الخطباء في خطبهم لأني لا أطمع فيما يطمعون فيه من التصفيق الحاد والإعجاب الشديد فإليكم أتقدم بالمعذرة ومنكم ألتمس المغفرة وأظنكم لم تجتمعوا في هذا النادي لتضحكوا أو تصفقوا فإني لم أر بلداً أهله أحوج إلى قلة الضحك وكثرة البكاء من هذا البلد. . . ولولا ثقتي بأنكم تعلمون من الأمر ما أعلم وتشعرون بالواجب كما أشعر لقلت لكم مقالة النبي ﷺ لأصحابه في بعض خطبه لو تعلموا ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. أجل إنا قد أسرفنا في الهزل والمجون وقصرنا في الجد والعمل وكان حقاً علينا لو أنصفنا أنفسنا أن نقتصد من الهزل ما ننفقه في الجد ومن الفراغ ما نستعين به عَلَى العمل قبل أن يعضل الداء ويمتنع الدواء ونقضي ضحايا التقصير واللهو الكثير وهنالك لا ينفعنا الندم ولا يعذرنا التاريخ. قدم عهد اللغة العربية نشأت لغتكم أيها السادة والإنسان طريف عهد بالوجود لم يبلغ أشده ولم يستكمل قوته بل كان طفلاً ناشئاً حديث السن ضيق الفكر صغير العقل ولست أقول هذا القول يدبيجاً للفظ أو مبالغة فيه وإنما هي الحقيقة الثابتة التي ليس فيها مجال لشك ولا جدال فإن هذه اللغة هي أول غصن نبت من لغة سام بن نوح ﵉ وقد قطعت مع الإنسان هذا القدر من الزمان وعمرت معه منذ كان طفلاً إلى أن صار كهلاً وها أنتم أولاء تسمعونها مني فتشعرون بأنها لا تزال حية قوية تثبت بأجلى بيان أنها أطول اللغات عمراً وأشدها أسراً وأعظماه قوة عَلَى الخطوب وصبراً عَلَى الأحداث.

стр. 4752

فكم ماتت اللغات وهي حية وفنيت اللهجات وهي باقية وكم حاربها الدهر فحربته وغالبها فغلبته ورامها بالسوء فامتنعت عليه. وقد أدركت هذه اللغة نضرة اللغات وذبولها وإشراقها وأفولها وشهدت مصارع أخوتها الساميات وهن يتفانين سراعاً ويتهاوين تباعاً حتى عمهن الموت وشملهن الفناء هنالك عاشت فذة فريدة تتمثل قول شاعر أبناءها المجيدين ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيوف فردا أجل وقد أدركت هذه اللغة هوي الأمم الهاوية ورقي الشعوب الراقية فشهدت عظمة بابل وآشور ومصر وأشرفت عَلَى نهضة إسرائيل ورأت مجد اليونان والرومان والفرس والهند وكانت خليقة بعد هذا كله أن تروي لنا التاريخ العام لمثل رواية وتحدثنا عنه اصدق حديث لولا جهل السالفين وضعف الخالفين من أبنائها فما أقدر هذه اللغة عَلَى الحياة وما أصبرها عَلَى الخطوب. صعوبة البحث التاريخي عن نشأة اللغة العربية ذلكم أيها السادة أول عهد اللغة بالحياة ولكن في أي قرن ابتدأ هذا العهد. .؟ وكيف كان ابتداؤه. .؟ وما هي الأصول الحقيقية للغة السامية التي اقتطعت منها هذه اللغة وكيف كان اقتطاعها.؟ هذا ما لم يعرفه التاريخ إلى الآن وقبل أن أُشير كما وعدت عَلَى أسباب ذلك يجب عَليَ أن أبطل مذهباً يلهج به بعض الكتاب الذين كثير عليهم العلم حتى ضاقت به صدورهم فأخذوا يقذفونه في الصحف من غير حساب ويبيعونه عَلَى الناس من غير ثمن وينتحلون به لأنفسم ألقاب العلماء والمؤلفين. .؟! زعموا أن اللغة العربية نشأت كما تنشأ لغة الطفل فكانت في أول أمرها أصواتاً أحادية المقطع لا يزيد اللفظ منها عَلَى حرف متحرك كباء الجر ولامه وكاف التشبيه وأحرف القسم وهمزة الاستفهام. ثم تركت هذه الألفاظ بتركب معانيها ومرونة الألسنة عَلَى النطق والحركة فبلغت مقطعين وثلاثة إلى أن استقرت في نصابها المعروف فلم تنقص في الاسم والفعل عن ثلاثة أحرف أصول لم تزد في الأول عن خمسة وفي الثاني عن أربعة إلا بحروف غير لازمة وهي الزوائد عَلَى أن هذه الحروف لم تستطع أن تبلغ بالفعل أكثر من ستة وبالاسم أكثر من

стр. 4753

سبعة غير الحركات التي لا تحسب عند العرب حروفاً كما تحسب عند غيرهم من الفرنج. . والحقيقة أن هذا المذهب لا يصح إلا إذا قلنا أن العرب ليسوا من بني آدم أبي البشر وإنما هم أبناء رجل آخر نشأ في جزيرة العرب من غير أم ولا أب ونشأت منه زوجة واستقر نسلهما في الجزيرة لا يخالط الناس حتى تكونت لغته وضمنت لنفسها عدم التأثر بالأجنبي والدخيل. أما والعرب من أبناء سام بن نوح وبعبارة أوضح من أبناء آدم فليس لهذا المذهب من الصحة نصيب قليل ولا كثير. إنما تنشأُ اللغة هذه النشأة إذا اقتطعت من الطبيعة مباشرة من غير أن يكون لها مثال تحتذيه أو منوال تنسج عليه فأما اللغة التي لها أصل ثابت معروف كاللغة العربية فليس من المعقول أن يطرد فيها هذا المذهب وعَلَى هذا نستطيع أن نقول أن هذا المذهب يصح بالقياس إلى لغة واحدة وهي لغة الإنسان الأول التي اقتطعها من أصوات طبيعية وكما أن أُسرة الإنسان الأول قد تفرعت إلى أسر مختلفة ثم كانت منها أُمم وشعوب فإن لغتها الأولى قد تفرعت إلى لهجات متباعدة ثم كانت لغات متباينة وعَلَى هذه القاعدة استطاع الفرنج أن يترجموا كثيراً من اللغات الدارسة. أما الأسباب الحقيقية التي نشأت عنها صعوبة البحث التاريخي عن اللغة العربية حتى عميت علينا أسرارها وأسدلت دوننا أسرارها فوقفنا موقف الحائرين الذاهلين بغزاء كثير من ألفاظها لا نعرف لها أصلاً ولا نتميز لها اشتقاقاً فهي كثيرة أكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منها الآن. الأول أن معرفة النشأة الحقيقية للغة رهينة بمعرفة أصلها الذي اقتطعت منه فما كنا لنعرف نشأَة اللغة الفرنسية لو لم نعرف اللغة اللاتينية. كذلك لا نستطيع معرفة نشأة اللغة العربية حتى نعرف اللغة السامية الأولى التي هي أصلها ولكنها مع الأسف قد بادت واندمجت في بناتها قبل التاريخ فلم يبق لنا إليها من سبيل. الثاني أن ضياع الأصل لا يقطع الرجاء في الوصول إلى بعض حقائق اللغة في نشأتها إذ استطعنا أن نستعين عَلَى البحث بالمقابلة بينها وبين أخواتها من اللغات الأخرى ولكنا مع

стр. 4754

الأسف لم نفعل شيئاً من ذلك ولم نفكر فيه فقد كان أئمة اللغة ﵏ في عصر يمكنهم من ذلك لأن كثيراً من اللغات السامية كانت لا تزال حية عَلَى عهدهم ولكنهم قد عكفوا عَلَى جمع اللغة وتدوينها من غير أن يفكروا في البحث عن أصلها وقد أخذت تلك البقية الباقية تندمج في اللغة العربية بحكم القهر والتغلب الفطري حتى لم يبق لها من الأثر إلا قليل. ومن الغريب أيها السادة أن علماءنا ﵏ بدل أن يبحثوا عن اللغة السريانية من حيث علاقتها باللغة العربية بحثوا عنها من حيث أنها ستكون لغة الأروام وسيكون وأظنكم تضحكون إذا سمعتم قول بعض العلماء (ومن غريب ما تري العينان ... أن سؤال القبر بالسريان) (أفتى بهذا شيخنا البلقيني ... ولم أره لغيره بعيني) هذان بيتان يمثلان ضعف السليقة العربية وفسادها قبل كل شيء أقبح تمثيل ويمثلان سقوط الهمة وانحطاط النفس لأنها قد تركت النافع وبحثت عد ما لا خير فيه. وأي ضعف للسليقة العربية أكثر من جعل الأقوال التي تسمع بالآذن مرئية للعيون وأي انحطاط للنفس أكثر من أن تترك الحياة وتبحث عن الموت. ولو أني وكلت بإصلاح هذين البيتين لقلت (ومن سخيف ما تعي الأذنان ... إن سوءال القبر بالسرياني) (أفتى بهذا شيخنا البلقيني ... وهو حديث كذب ومين) عَلَى أن المستشرقين من علماء الفرنج قد بحثوا هذا البحث الذي تركناه وسلكوا تلكم الطريقة التي أغفلناها فاهتدوا إلى حقائق في تاريخ اللغة العربية لا بأس بها وليس هذا موضع تفصيلها الآن فليس علينا إلا أن نتأثرهم في هذه الطريق فإنهم ليسوا أحق منا بالبحث عن لغتنا والتنقيب عليها. السبب الثالث أن العرب ولاسيما أهل الحجاز الذين نبحث عن لغتهم الآن قد كانوا أمة بادية لم تشترك مع غيرها من الأمم في تكوين الحضارة الإنسانية اشتركاً حقيقياً إلا بعد ظهور الإسلام فكانت في جاهليتها محتجبة عن التاريخ ولذلك لم يحفظ عنها إلا أساطير حظ الظن منها أكبر من حظ اليقين. اللغة العربية في الجاهلية

стр. 4755

نشأت هذه اللغة وتكونت ألفاظها وأساليبها وهي بمعزل عن الناس قد جعلت البداوة بينها وبين التاريخ حجاباً مستوراً وكأنها قد سئمت الخفاء والاحتجاب ورغبت في الظهور ومجاراة اللغات الحية وظهرت للتاريخ في القرن الخامس لميلاد المسيح ومنتصف القرن الثاني قبل الهجرة فإذا لغة ضخمة الألفاظ فخمة المعاني متينة الأساليب رصينة التراكيب قد تم خلقها وكملت قواها فأصبحت قادرة عَلَى البقاء مستعدة للنماء وقد سلكت في الآداب الوجدانية كل مسلك فمدحت الخير والفضيلة وذمت الشر والرذيلة وأخذت بنصيب موفور من المدح والهجاء والوصف والرثاء والتشبيب بالنساءِ والفخر بشرف المناسب وكرم المناقب واشتملت عَلَى الجم الكثير من الحكم البالغة والأمثال السائرة ومن الخطب الرائعة والأسجاع البارعة ولم تدع فناً من فنون الأدب الوجداني إلا ضربت فيه بسهم وفازت منه بنصيب. إذ صح ما يقولون من أن مقاييس الرقي الأدبي لكل أمة من الأمم هي أشعارها وأمثالها وأغانيها لأن الأشعار مرآة النفس والأمثال صور الفكر والأغاني لغة القلوب. أقول إذا صحت هذه القاعدة وقسنا رقي العرب في جاهليتهم بهذه المقاييس الثلاثة كانت النتيجة مؤلمة جداً لأننا لا نستطيع أن نتردد لحظة واحدة في الحكم بأن العرب الجاهليين الذين لم يؤدبهم أستاذ ولم يثقفهم كتاب ولم يصلح أخلاقهم دين أرقى منا أنفساً وأذكى قلوباً وأبعد منا هماً وأصدق عزماً والدليل عَلَى ذلك سهل ميسور تعالوا نقارن بين أشعارنا وأشعارهم وأمثالنا وأمثالهم وغنائنا وغنائهم ثم نستخلص من هذه المقارنة نتيجة الحكم فأي الفريقين كانت له النتيجة فهو صاحب الغلب والفوز. غير أني أيها السادة أستحي أن أقارن بين قول امرئ القيس في التوصل عَلَى حبيبته سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً عَلَى حال فقالت حبالك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القثام سيء الظن والبال يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرءُ ليس بقتال أيقتلني والمشر في مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال

стр. 4756

أستحي أن أقارن هذا الشعر الفخم الذي يمثل القوة والعزم ويظهر قائله مظهر المتسلط القاهر وبين ذلكم الغناء المصري القائل - يالموني يالموني ياللي في حبك ظلموني - يالموني وأنا أحب الخص يالموني ولا آكل الخص يالموني وحبيبي في مصر يالموني عَلَى مين يجيبولي. . . قفوا أنفسكم أيها السادة موقف الحاكم الفاصل بين الحق والباطل وحدثوني أي معنى لنداء الليمون في هذا الغناء وهو الذي ظلم هذا العاشق في حبه وما هي العلاقة بين أكل الخص وبين الحب ومن ذا الذي يستطيع أن يكون قواداً لهذا العاشق بعد أن قعد به العجز وضعف الهمة عن أن يصل إلى حب حبيبه إليه وأكرم كريم عليه. لندع ذلكم الشعر والغناء ولننتقل إلى شعر وغناء آخرين. هل تستطيعون أن تقارنوا بين قولكم ذلكم الشعر الجاهلي في عتاب حبيبته فإني لو تختلفني شمالي ... خلافت ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني وبين هذا الغناء المصري القائل ارحم متيم له أحوال لما رآك تهدى خلافه صعبان عليه. . . حدثوني أيها السادة عن مقدار الفرق الكبير بين ذلكم الشاعر الجاهلي الذي يخاطب حبيبته بهذه اللهجة القاسية وهذا الشاعر المصري الذي عرف أن حبيبه قد هجره واستبدل به غيره فلم يستطع أن يعانيه بأكثر من قوله أن هذا صعب عليه بل إنه لم يستطع أن يقول هذه الكلمة إلا بعد أن قدم بين يديها مقدمة طويلة في الشكوى والاستعطاف. ستقولون أن هذا الفرق بين الشاعرين أثر من آثار الفرق بين البداوة والحضارة فذلك شاعر هيأت له بداوته أن يخاطب حبيبته بذلك الجفاء وتلك الغلظة وهذا شاعر هيأت له الحضارة أن يعاتب حبيبته بهذا الرفق واللين. كلا أيها السادة ليس تأثير الحضارة والبداوة في هذا الأمر كبيراً فإن الحضارة الصالحة لا تقتل عاطفة الغيرة من قلب الإنسان ولعلكم سمعتم خبر ذلكم الشاعر العباسي الناشئ في الحضارة إذا اشتدت به الغيرة عَلَى حبيبته حتى أشفق عليها من الهواء فقتلها وقال يرثيها يا طلعة الحمام عليها ... فجنى لها ثمر الردى بيديها

стр. 4757

حكمت سيفي في مجال وشاحها ... ومدامعي تجري عَلَى خديها رويت من دمها الثرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها فوحق نعليها ما وطئ الثرى ... شيءٌ أعز علي من نعليها كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها لكن ضنت عَلَى العيون بحسنها ... وأنفت من نظر الحسود إليها نعم إني لا أريد أن يكون الناس غلاة في الغيرة كهذا الشاعر ولكني أُريد أن أبين لكم أن هذا الفرق بين الشاعرين ليس من آثار البداوة والحضارة وإنما هو من آثار الفرق بين العزة والذلة فلكم شاعر أبي النفس حمي الأنف لا يقبل الضيم ولا يرضى العار وهذا عاشق ضعيف مستكين قد رضي بالدون وقنع بالقليل واطمأن إلى الهوان. ستقولون مالك تقارن بين الجيد من الشعر العربي والرديء من الكلام البلدي وتترك الشعر والنوابغ الأفذاذ والشعراء المفلقين أمثال شوقي وحافظ صبري. والحقيقة أيها السادة أن هذا الاعتراض محرج جداً لأنه يتعجلني في الحكم عَلَى هؤلاء الشعراء وقد لا أستطيع أن أرضيكم بهذا الحكم ولكني أقول أن هؤلاء الشعراء ليسوا في الحقيقة شعراء مصر وإنما هم بين رجلين رجل نهج منهج الفرنج فهو يعبر عن أذواقهم وأخلاقهم وعَلَى مناهجهم وأساليبهم وهذا لا ينبغي أن يحب عَلَى مصر وإنما يجب أن يلحق بأوربا ورجل نهج مناهج العرب القدماء فهو يكرر ما قالوه ويردد ما نطقوا به مع قليل من التغيير في اللفظ فهو يشبه القطا والظليم وهذا لا ينبغي أن يكون من شعراء مصر وإنما ينبغي أن يكون من شعراء القبور. لندع الشعر والغناء الآن فهذا مقدار يكفي للمقارنة بينهما ولنتقل إلى الأمثال فهل تستطيعون أن تقاربوا بين ذلكم المثل العربي القائل كل فتاة بأبيها معجبة. وهذا المثل المصري القائل الخنفسة عند أمها عطارة والقرد عند أمه غزال. كفى كفى أيها السادة فقد أثبتت المقارنة بالدليل والبرهان إنا لم نصل من الرقي الأدبي إلى ما وصل إليه أولئكم الأعراب وإن كنا أولي حضارة ومدنية وأصحاب علوم وآداب وذوي شريعة ودين. آداب اللغة العربية ومادتها في الجاهلية

стр. 4758

ارتقت آداب اللغة العربية في السادس لميلاد المسيح بمخالطة العرب لأهل العراق والشام فقد أخذوا عنهم يهودية موسى ونصرانية المسيح وربما انتقلت إليهم بعض الآراء الفلسفية التي أدخلها القسيسون في الديانة المسيحية كما في قول الأعشى استأثر الله بالبقاء والعد ... ل وولى الملامة الرجل وكذلك أخذوا عنهم عقائد الصابئة وشيئاً من مذاهب المجوس ونقلوا عن حضارة الروم والفرس كثيراً من الأدوات التي لم يكن لهم بها عهد من قبل وتبع ذلك نقل كثير من الألفاظ الفارسية والروسية ولاسيما فيما يتعلق بالنبات والسلاح وأدوات اللهو والطرب وأنواع الدواء والعقاقير وفي أثناء ذلك كان الجيش قد احتلوا بلاد اليمن فأدخلوا فيها كثيراً من لغتهم وكانت التجارة بين الهند واليمن فاستتبع ذلك انتقال كثير من الألفاظ السنسكريتية إلى لغتها ولاسيما فيما يتعلق بأنواع التجارة وأظن هذا المقدار من الوصف قد مثل لكم اللغة العربية تمثيلاً حسناً فأنتم ترونها الآن جميلة رشيقة ولكن صدق المثل العربي القائل لا تعدم الحسناءُ ذماً. فإن تلك الجميلة الحسناء لم تخلُ من عيوبٍ فقد كانت لغة قوم متوحشين يزعقون الأنفس ويهدرون الدماء ويعيشون من النهب والسلب ويستبيحون لأنفسهم بيع السير والعبث بأعراض العدو والتمثيل بالمغلوب حتى أن أحدهم لينحصف نعله بإذن عدوه إن ظفر به أو قدر عليه. وهم عَلَى ذلك أولو شظف بالعيش وخشونة في الحال يسكنون الجبال والرمال وربما أكلوا الخنافس والضباب وغذوا أنفسهم بدماء الإبل وأوبارها فنشأ من ذلك في لغتهم حوشية الألفاظ وتنافرها وجفوة المعاني وتعقيدها وقد كانوا فوق ذلك متنافرين متدابرين قلما تطمئن قبيلة منهم إلى الأخرى فلم يكن من سبيل بينهم إلى التعارف وبعبارة واضحة لم يكن من سبيل إلى اتفاقهم في المنطق فقد تباعدت اللغات واختلفت اللهجات لتعدد الأوضاع وتباعدت الأصقاع حتى أنهم كانوا لا يفهم بعضهم بعضاً. وقد وفد أعرابي عَلَى ملك من ملوك حمير فقال له الملك ثب يريد الجلوس فظن الأعرابي أنه يأمره بالقفز كما هي لغة الحجاز فوثب من أعَلَى الجبل حتى تردى في أسفله فلما سأل الملك عن ذلك واطلع طلع الرجل قال من دخل ظفار حمر. . .

стр. 4759

وقد أحس العرب من أنفسهم هذا الداء في أواخر القرن السادس لميلاد المسيح فأخذوا يطبون له وبعبارة جلية أخذوا يتهيئون لنهضتهم الجديدة في اللغة والدين والاجتماع فماذا صنعوا. .؟ مقدمات النهضة العربية أقاموا بالقرب من مكة أسواق ثلاثاً كانوا يقضون فيها كل عام شهراً كاملاً من الأشهر الحرم وهو ذو القعدة ولم يكن لقبيلة أن تتخلف عن هذا الاجتماع فكانوا يبيعون ويشترون ويتقاضون ويتخاصمون ويتنافرون ويتناشدون حسان القصائد ويتبادلون متان الخطب وكان يجلس لهم قضاة يفصلون الخصومة فربما أعلن قوم الحرب عَلَى آخرين فردهم القضاة إلى السلم وربما ظفر الرجل بقاتل أخيه أو أبيه فألزمه القاضي أن يطلقه ويقبل منه الفداءَ وكان يجلس للشعراءِ خاصة قضاة ناقدون يفضلون بعضاً عَلَى بعض ورئيس هذه الطائفة من القضاة هو نابغة بني ذبيان. وقد نتج من هذه الأسواق الثلاثة نتائج كبرى: الأولى - شعور العرب بحاجتهم إلى السلم واتفاق الكلمة واجتماع الرأي وائتلاف القلوب ولعلكم ترون ذلك ظاهراً في معلقة بن أبي سلمى حين يدعوا عبساً وفزارة إلى الصلح. الثانية - تهيؤُ قلوبهم لقبول الوعظ والدين واستعداد نفوسهم للبحث النظري عما اشتمل عليه هذا العالم من نظام بديع ولعلكم تجدون ذلك جلياً في شعر زهير وخطب قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي وفي شعر لبيد بن ربيعة الذي قاله في الجاهلية. الثالثة - تقارب اللغات المتباعدة وائتلاف اللهجات المختلفة وتغلب لغة قريش عَلَى اللغات الأخرى. وإذا كانت الحوادث في هذا العالم إنما تحدث متوالية متتابعة وينتج بعضها من بعض كان حقاً علينا أن ندع هذه النتائج الآن حتى نصل عملها في الوجود لنجني ثمرها بعد حين. الشعر في ذلك العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالتهم كل شيءٍ واحتكم في كل إنسان ولم تكن حكمة الإله ولا رأي الاع + ولا اعتماد إلا عليه وكان يكفي للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه أو يذم الرفيع فيضعه أو يغري بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القوى أو

стр. 4760

يدعوا إلى السلم فتصبح الضغائن والأحقاد نسياً منسياً. اختلفت قبيلتان من قبائل العرب عَلَى بئر من الآبار حتى ذكت بينهما نار الحرب فلم يكن إلا أن وقف شاعر أحدهما وقال: كلا أخو بنا أن يرع يدع قومه ... ذوي جامل دثر وجيش عرمرم فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم ... بئيساً ولا أن تشربوا الماء بالدم هنالك ردت النفوس إلى أغمادها والسهام إلى كنائنها وأصبح القوم صديقاً متحابين بعد أن كانوا عدواً متباغضين. كان لعمرو بن عدي كرب الزبيدي أخت يقال لها كبشة وكانت متزوجة في بني مازن وكان لهما أخ يقال له عبد الله فزار عبد الله أخته ذات يوم فبينما هو جالس مع بني مازن يشاربهم الخمر وثبوا عليه فقتلوه ثم أفاقوا من سكرهم فاستشعروا الندم وذهبوا إلى عمرو بالدية معتذرين فعفا عمرو وقال: إحدى يدي أصابتني ولم ترد. فلما بلغ الخبر كبشة صبرت إلى يوم عيد من أعيادهم ثم خرجت وقد شقت ثيابها ولطختها بالدم وهي تقول: أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي ولا تقبلوا منهم أنالاً وأبكراً ... وارتك في بيت بصعدة مظلم ودع عنك عمرواً إن عمر مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم فلما سمع عمرو الأبيات ثارت في رأسه الحمية فغزا بني مازن وقتل منهم خلقاً كثيراً. ولقد كان للشعر عند اليونان إله معروف هو أبولون وأما العرب فقد كان للشعر عندهم شياطين لا تحصى وكان لكل شاعر منهم شيطان عَلَى الأقل وربما كان له أكثر من ذلك ولم تذهب هذه الخرافة بظهور الإسلام بل بقيت بعده وأيدها علماء المسلمين في القرن الرابع للهجرة وقد حدث صاحب الأغاني في كتابه أن بشر بن مروان كان يحب الإفساد بين الشعراء فلما ولي العراق أمر سراقة البارقي أن يهجو جريراً ويفضل عليه الفرزدق فقال أبياتاً منها: إن الفرزدق برزت أحسابه ... عفواً وغودر في الغبار جرير فأمر بشر أن تكتب هذه البيات إلى جرير وأن يؤخذ بالإجابة عليها فلما وصلت الأبيات

стр. 4761

إلى جرير خلا إلى نفسه سواد الليل فلم يصنع شيئاً فلما كاد يأخذه اليأس سمع قائلاً يقول في زاوية من زوايا البيت ويحك يا جرير غبت عنك ليلة فلم تصنع شيئاً هلا قلت يا بشر حقاً لوجهك التبشير ... هلا انتصرت لنا وأنت أمير فقال له جرير حسبك حسبك ثم أتم القصيدة والآن أظنكم قد عرفتم مقدار ما كان للشعر في جاهلية العرب من مكانة سلمية ومنزلة عالية ومن استئثار بالقلوب واقتدار عَلَى الألباب ولم تكن الخطابة بأقل منه وحسبكم أن تعلموا أن القبيلة كانت لا تشرف ولا ينبه ذكرها إلا إذا كان لها شاعر وخطيب. الباقي للآتي

стр. 4762

النهضة الفكرية في سورية الإقبال عَلَى الآداب منظومها ومنشورها أول ما تنصرف إليه وجوه الأمم الآخذة بالنهوض ثم تنبعث الرغبة في الفنون والعلوم بحسب الحاجة والدواعي. وبعد أن اضمحلت الآداب في سورية فبلغت حداً غريباً من الابتذال في القرن الثاني عشر للهجرة وآنت أدبيات أهل الطبقة الراقية في ذاك العصر تافهة بشعة لا شأن لها ولا ذوق فيها عادت فأخذت تسير نحو الحياة في منتصف القرن الثالث عشر بما هب عليها من نسمات التجديد السارية من عقول المنورين المتأدبين من السوريين والمصريين والتونسيين. فنشأ للغة كتاب وشعراءٌ من مصر والشام ومنهم أخذوا يعودون بمنظوماتهم ومنشوراتهم إلى سالف نضرة اللغة من الرصانة ويقلدون أدباء الإفرنج في تصوراتهم. وكان لمصر في هذا الشأن يد طولى أسداها إلى الآداب العربية جد البيت الخديوي الأول فعمت المعارف في مصر ومنها انتشرت إلى سائر الأقطار. وإن كان بعض من يريدون أن يحصروا الفضل كله في سورية ولاسيما في المدارس الأجنبية يتكررون هذه الحقيقة التاريخية المدركة. لا جدال في أن المدارس الأجنبية قد أحسنت عَلَى عهد نشأتها في بلاد الشام واهتمت بخدمة الآداب العربية اهتمامها بخدمة آداب لغتها الأصلية وإن بذلك كثرت صلاتنا التجارية والعلمية مع أوربا وأميركا وصار الإفرنج يطوفون أو يسكنون ديارنا وأمسينا لا نفزع من نزول ديارهم أو الرحلة إليها. وعَلَى هذه الصورة أخذنا ندرك اليوم بعد اليوم نقصنا بالقياس إلى الغربيين فيسعى المنورون منا إلى بث أنوار المعارف والفضيلة ويشعرون بالمصلحة العامة ويتوفرون عَلَى إصلاح الأفكار السقيمة. النهضة الفكرية في سورية متلونة كأبي براقش بتلون الأوعية التي تخرج منها فنهضة المسلمين مثلاً آتية من مدارس الحكومة عَلَى الأغلب عَلَى يد أُناس من العرب تعلموا التركية في المدارس الملكية والعسكرية في الولايات السورية أو في الآستانة وهؤلاء في الأكثر تعلموا ما تعلموا ليصبحوا موظفين وغايتهم أن يتدرجوا في سلك المراتب والمناصب ليعيشوا عيش الراحة والاتكال. ولولا نفر منهم تداركوا أمرهم بعد نيل الشهادات المؤُذنة بكفاءاتهم من المدارس الأميرية فأخذوا يحاولون أن يكتبوا بلغتهم

стр. 4763

ويتذوقوا أدبياتها ليلموا عَلَى أمتهم بعض ما غلب عليهم من المعارف الجديدة لقلنا أن تلك المدارس لم تأتنا بخير إلا بكونها صاغت من سورية موظفين آخرين فزادت الدولة بهم عبثاً فوق عبثها الثقيل من الأتراك الذين جعلوا وظائف الحكومة أقصى ما يبلغونه من درجات الكمال وسعادة الحال والمآل. ثم أن طبقة الموظفين في جميع الأمم التي تسير عَلَى نظام الأوربيين لا يأتي في الغالب منها كبير أمر لأن الاستخدام مبني عَلَى الطاعة وارتقاء الموظفين مناط باعتزالهم وأحسن أعمالهم الخضوع لإرادة الرؤساء مهما كانت وهناك الارتقاء مضمون ولذلك قلما أثر موظف في نهضة الأمة الفكرية خلا أفراداً في مصر عرفوا منذ زهاء سبعين سنة إلى اليوم كيف يستخدمون أوقاتهم وحريتهم ليجعلوا لكل من حكومتهم وأنفسهم وأمتهم حظاً وتكون أعمالهم سلسلة نافعة من كل وجه. أما في سورية فإننا نجد من تذوقوا شيئاً من الأدب وحبسوا أنفسهم عَلَى التوظيف لم يأتوا بما نفع في النهوض اللهم إلا إذا كانوا يروون تلك الدواوين الشعرية والأماديح النثرية التي يرسلونها في تمجيد الحاكمين عَلَى اختلاف درجاتهم تعد من الآداب في شيءٍ ولا يحضرنا الآن اسم بضعة من الموظفين يصح أن نوردهم مثالاً صحيحاً نحتج به عَلَى من يوقن كل الإيقان أن الموظفين مهما بلغوا من التربية والتعليم فلا يرجى أن ينتفع بهم إلا في الفروع التي تمحضوا لها من خدمة الحكومة. وإذا كانت الشام واقفة عند حد الاعتماد عَلَى مدارس الحكومة والحكومة لا تعلم إلا ما ينفعها ومدارس الأجانب لا تعنى إلا بالعرض بما نفع البلاد بقيت النهضة الفكرية مذبذبة لا تركية ولا عربية ولا إفرنسية ولا أميركانية ولا إنكليزية ولا ألمانية ولا روسية ولا يونانية ولا إيطالية. كما أنها ليست إسلامية سنية ولا شيعية ولا باباوية كاثوليكية ولا مارونية ولا أرثوذوكسية ولا برتستانتية ولا إسرائيلية ولا درزية وبهذا صح أن نقول أن سورية بابل اللغات واللهجات كما هي بابل الأديان والمذاهب وإن النهضة في أصقاعها كأجوائها في التلون وأغوارها في الحرارة ونجادها في البرودة. لم تنشأ في البلاد مدارس أهلية إلا في دمشق وبيروت وحمص وطرابلس وصيدا مثلاً منذ عهد قريب وهي لم تطل أعمارها بعد حتى يتخرج منها تلاميذ يكون واحدهم بألف في

стр. 4764

غنائه وكفاءته ويبذ المتعلمين في مدارس الأجانب ومدارس الحكومة معاً ويتلقن في مدرسته أن المقصود من العلم إنارة المتعلم نفسه وذويه ونفع قومه ولغته وأمته. وممن يساعدون اليوم عَلَى ترقية الأفكار وإزالة غشاوة الأوهام بعض الصحف وفئة من ناشئة الشام تتلقى العلوم المختلفة من مدارس الغرب ولاسيما في فرنسا وسويسرا وإنكلترا وألمانيا وأُناس من وجوه البلاد أخذوا يغشون ديار الغرب للزيارة وهم عَلَى قلتهم يفيدون فيم يتصونه عَلَى قومهم من مشاهداتهم وإعجابهم بأوضاع المدنية الحديثة وقصور سورية بالنسبة إلى ذاك التقدم المدهش. هذه العوامل الثلاثة في ارتقاء سورية وهي الصحف والمتعلمون في مدارس الغرب والسائحون في ديارهم إذا حسنت أكثر من الآن وقويت وكثر عديد الشاعرين بها تنهض بالبلاد ولاسيما مدن الداخلية كما أفادت هجرة اللبنانيين خاصة في تمدين لبنان فعد من سورية بمثابة باريز من ولاياتها أو القاهرة من بلاد أقاليم مصر ولذلك كانت الحركة الفكرية في لبنان وبيروت أرقى منها الآن في دمشق وحلب إذ التعلم فيهما أكثر من هاتين القاعدتين وحركة لبنان وبيروت في الفكر مادية ولذلك قلما ترى الرغبة اليوم في مدارس بيروت والجبل منصرفة عَلَى العلوم الأدبية والفنون بقدر انصرافها إلى إتقان اللغات الأجنبية ولاسيما الإنكليزية والإفرنسية يستخدمونهما في التجارة ويتسلحون بهما للاستعانة عَلَى الهجرة إلى أميركا الشمالية وأوستراليا وكندا وجنوبي أفريقية ومصر والسودان. وبعد فإن حال النهضة غريب في هذا القطر فكما كان العمران في السهوب والوهاد في كور محدودة معروفة هكذا تجد النهضة الفكرية في انتشارها موزعة عَلَى المدن الآن وبعضا لا حظ لها منها إلا بقدر حظ الدساكر والقرى فترى اللاذقية وعكا مثلاً بنهضتها الفكرية دون حيفا ويافا مثلاً مع أن للمدينتين الأوليين تاريخاً مجيداً مهماً ونابلس وحماة متشابهتان وإن كانت الأولى تفوق الثانية بكثرة الناهضين للتعليم من أبنائها وحمص تشبه طرابلس والصلت تشبه بعلبك ولكن هناك نحو مئة بلدة لا تقل نفوس الواحدة منها عَلَى بضعة ألوف من السكان وهي لا تخرج في نهوضها الفكري عن أحقر المزارع وذلك مثل دومة وجوبر وعربيل وداريا في غوطة دمشق ويبرود وجيرود ودير عطية والنبك في جبل سنير (قلمون) وحاصبيا وراشيا في وادي التيم والسويداء والرمتا ودرعا ونوى

стр. 4765

وبصرى في حوران وغيرها من أُمهات القصبات في ولايات سورية وحلب وبيروت ومتصرفيات لبنان والقدس والزور وهي جماع أقاليم بلاد الشام. قلنا أن نهضة سورية ذات ألوان كثيرة وذلك لاختلاف مصالح الأمم الغربية في هذه الديار وللسياسة والدين تأثير شديد في هذه الحركة ولولاهما ما رأينا تلك المدارس المبثوثة في القدس والناصرة وبيروت ولبنان ودمشق وحلب ومرعش. بل في بعض القرى والقصبات. وبينا تجد الدولة تجدّ ولاسيما في العهد الأخير بنشر لغتها وكادت ولاية حلب تعد من الولايات التركية نجد الأرض المقدسة ولاسيما طبريا وحيفا ويافا والقدس توشك أن تعد ولاية إسرائيلية وذلك لكثرة المهاجرين في العشرين سنة الأخيرة من الإسرائيليين الروسيين والنمساويين والألمان وغيرهم ومنهم دعاة الصهيونية يريدون أن ينشئوا مع الزمن في فلسطين مملكة تكون سداها ولحمتها بيد أبناء إسرائيل من أجل هذا تراهم في مدارسهم لا يعلمون العربية ويجعلون اللغة العبرية لغة التعليم والتخاطب ولهم في فلسطين جرائدهم ومطبوعاتهم ينشرونها عَلَى مناحيهم بمأمن من مراقبة الحكومة وتوفيق الخطة عَلَى ما يلاءم مصلحة البلاد ولذا تشهد في مدن فلسطين ولاسيما في القدس ويافا وحيفا غرائب الألسن فتظنك في بور سعيد اليوم تشمع بضع لغات والبلاد عربية ولكن بالاسم فقط. ومهما يكن من صيغة النهضة في قواعد البلاد ومدنها فإن أعمالها من بلاد الأقاليم كالقرى والدساكر لا تزال بمعزل عن كل نهضة وحسبك أنك تمر إلى اليوم في بضع قرى ولا تجد من يستطيع أن يقرأ القراءة البسيطة فضلاً عن كتابة سطرين وهذا شان الأقاليم التي لم تدخل إليها الإفرنج أو دعاة البرتستانتية عَلَى القل مثل الصلت والكرك وتنشئُ المدارس لبث دعوتها كمعظم ألوية حوران والكرك واللاذقية والزور. نعم تسير الأيام الطويلة ولا تشهد السكان إلا كما كانوا منذ بضعة قرون تجتاز تدمر وجرش وبلاد موآب وأرض الشراة والبلقاء وارض منبج وحران والرقة وبلاد الجولان وارض الصفا واللجاة وغيرها فلا تكاد ترى مدرسة أهلية تذكر ماضي هذه الأقاليم فلا تلبث أن تنهل عبراتك عَلَى بلاد نام عليها رعاتها وأقاليم كل منها بمساحته وخصبه وذكاء أهله ومضائهم لا يقل عن أحسن أقاليم قارتي أوربا وأميركا.
следующие страницы →