Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
إلى جرير خلا إلى نفسه سواد الليل فلم يصنع شيئاً فلما كاد يأخذه اليأس سمع قائلاً يقول في زاوية من زوايا البيت ويحك يا جرير غبت عنك ليلة فلم تصنع شيئاً هلا قلت
يا بشر حقاً لوجهك التبشير ... هلا انتصرت لنا وأنت أمير
فقال له جرير حسبك حسبك ثم أتم القصيدة والآن أظنكم قد عرفتم مقدار ما كان للشعر في جاهلية العرب من مكانة سلمية ومنزلة عالية ومن استئثار بالقلوب واقتدار عَلَى الألباب ولم تكن الخطابة بأقل منه وحسبكم أن تعلموا أن القبيلة كانت لا تشرف ولا ينبه ذكرها إلا إذا كان لها شاعر وخطيب. الباقي للآتي
стр. 4762
النهضة الفكرية في سورية
الإقبال عَلَى الآداب منظومها ومنشورها أول ما تنصرف إليه وجوه الأمم الآخذة بالنهوض ثم تنبعث الرغبة في الفنون والعلوم بحسب الحاجة والدواعي. وبعد أن اضمحلت الآداب في سورية فبلغت حداً غريباً من الابتذال في القرن الثاني عشر للهجرة وآنت أدبيات أهل الطبقة الراقية في ذاك العصر تافهة بشعة لا شأن لها ولا ذوق فيها عادت فأخذت تسير نحو الحياة في منتصف القرن الثالث عشر بما هب عليها من نسمات التجديد السارية من عقول المنورين المتأدبين من السوريين والمصريين والتونسيين.
فنشأ للغة كتاب وشعراءٌ من مصر والشام ومنهم أخذوا يعودون بمنظوماتهم ومنشوراتهم إلى سالف نضرة اللغة من الرصانة ويقلدون أدباء الإفرنج في تصوراتهم. وكان لمصر في هذا الشأن يد طولى أسداها إلى الآداب العربية جد البيت الخديوي الأول فعمت المعارف في مصر ومنها انتشرت إلى سائر الأقطار. وإن كان بعض من يريدون أن يحصروا الفضل كله في سورية ولاسيما في المدارس الأجنبية يتكررون هذه الحقيقة التاريخية المدركة.
لا جدال في أن المدارس الأجنبية قد أحسنت عَلَى عهد نشأتها في بلاد الشام واهتمت بخدمة الآداب العربية اهتمامها بخدمة آداب لغتها الأصلية وإن بذلك كثرت صلاتنا التجارية والعلمية مع أوربا وأميركا وصار الإفرنج يطوفون أو يسكنون ديارنا وأمسينا لا نفزع من نزول ديارهم أو الرحلة إليها.
وعَلَى هذه الصورة أخذنا ندرك اليوم بعد اليوم نقصنا بالقياس إلى الغربيين فيسعى المنورون منا إلى بث أنوار المعارف والفضيلة ويشعرون بالمصلحة العامة ويتوفرون عَلَى إصلاح الأفكار السقيمة.
النهضة الفكرية في سورية متلونة كأبي براقش بتلون الأوعية التي تخرج منها فنهضة المسلمين مثلاً آتية من مدارس الحكومة عَلَى الأغلب عَلَى يد أُناس من العرب تعلموا التركية في المدارس الملكية والعسكرية في الولايات السورية أو في الآستانة وهؤلاء في الأكثر تعلموا ما تعلموا ليصبحوا موظفين وغايتهم أن يتدرجوا في سلك المراتب والمناصب ليعيشوا عيش الراحة والاتكال. ولولا نفر منهم تداركوا أمرهم بعد نيل الشهادات المؤُذنة بكفاءاتهم من المدارس الأميرية فأخذوا يحاولون أن يكتبوا بلغتهم
стр. 4763
ويتذوقوا أدبياتها ليلموا عَلَى أمتهم بعض ما غلب عليهم من المعارف الجديدة لقلنا أن تلك المدارس لم تأتنا بخير إلا بكونها صاغت من سورية موظفين آخرين فزادت الدولة بهم عبثاً فوق عبثها الثقيل من الأتراك الذين جعلوا وظائف الحكومة أقصى ما يبلغونه من درجات الكمال وسعادة الحال والمآل.
ثم أن طبقة الموظفين في جميع الأمم التي تسير عَلَى نظام الأوربيين لا يأتي في الغالب منها كبير أمر لأن الاستخدام مبني عَلَى الطاعة وارتقاء الموظفين مناط باعتزالهم وأحسن أعمالهم الخضوع لإرادة الرؤساء مهما كانت وهناك الارتقاء مضمون ولذلك قلما أثر موظف في نهضة الأمة الفكرية خلا أفراداً في مصر عرفوا منذ زهاء سبعين سنة إلى اليوم كيف يستخدمون أوقاتهم وحريتهم ليجعلوا لكل من حكومتهم وأنفسهم وأمتهم حظاً وتكون أعمالهم سلسلة نافعة من كل وجه.
أما في سورية فإننا نجد من تذوقوا شيئاً من الأدب وحبسوا أنفسهم عَلَى التوظيف لم يأتوا بما نفع في النهوض اللهم إلا إذا كانوا يروون تلك الدواوين الشعرية والأماديح النثرية التي يرسلونها في تمجيد الحاكمين عَلَى اختلاف درجاتهم تعد من الآداب في شيءٍ ولا يحضرنا الآن اسم بضعة من الموظفين يصح أن نوردهم مثالاً صحيحاً نحتج به عَلَى من يوقن كل الإيقان أن الموظفين مهما بلغوا من التربية والتعليم فلا يرجى أن ينتفع بهم إلا في الفروع التي تمحضوا لها من خدمة الحكومة.
وإذا كانت الشام واقفة عند حد الاعتماد عَلَى مدارس الحكومة والحكومة لا تعلم إلا ما ينفعها ومدارس الأجانب لا تعنى إلا بالعرض بما نفع البلاد بقيت النهضة الفكرية مذبذبة لا تركية ولا عربية ولا إفرنسية ولا أميركانية ولا إنكليزية ولا ألمانية ولا روسية ولا يونانية ولا إيطالية. كما أنها ليست إسلامية سنية ولا شيعية ولا باباوية كاثوليكية ولا مارونية ولا أرثوذوكسية ولا برتستانتية ولا إسرائيلية ولا درزية وبهذا صح أن نقول أن سورية بابل اللغات واللهجات كما هي بابل الأديان والمذاهب وإن النهضة في أصقاعها كأجوائها في التلون وأغوارها في الحرارة ونجادها في البرودة.
لم تنشأ في البلاد مدارس أهلية إلا في دمشق وبيروت وحمص وطرابلس وصيدا مثلاً منذ عهد قريب وهي لم تطل أعمارها بعد حتى يتخرج منها تلاميذ يكون واحدهم بألف في
стр. 4764
غنائه وكفاءته ويبذ المتعلمين في مدارس الأجانب ومدارس الحكومة معاً ويتلقن في مدرسته أن المقصود من العلم إنارة المتعلم نفسه وذويه ونفع قومه ولغته وأمته.
وممن يساعدون اليوم عَلَى ترقية الأفكار وإزالة غشاوة الأوهام بعض الصحف وفئة من ناشئة الشام تتلقى العلوم المختلفة من مدارس الغرب ولاسيما في فرنسا وسويسرا وإنكلترا وألمانيا وأُناس من وجوه البلاد أخذوا يغشون ديار الغرب للزيارة وهم عَلَى قلتهم يفيدون فيم يتصونه عَلَى قومهم من مشاهداتهم وإعجابهم بأوضاع المدنية الحديثة وقصور سورية بالنسبة إلى ذاك التقدم المدهش.
هذه العوامل الثلاثة في ارتقاء سورية وهي الصحف والمتعلمون في مدارس الغرب والسائحون في ديارهم إذا حسنت أكثر من الآن وقويت وكثر عديد الشاعرين بها تنهض بالبلاد ولاسيما مدن الداخلية كما أفادت هجرة اللبنانيين خاصة في تمدين لبنان فعد من سورية بمثابة باريز من ولاياتها أو القاهرة من بلاد أقاليم مصر ولذلك كانت الحركة الفكرية في لبنان وبيروت أرقى منها الآن في دمشق وحلب إذ التعلم فيهما أكثر من هاتين القاعدتين وحركة لبنان وبيروت في الفكر مادية ولذلك قلما ترى الرغبة اليوم في مدارس بيروت والجبل منصرفة عَلَى العلوم الأدبية والفنون بقدر انصرافها إلى إتقان اللغات الأجنبية ولاسيما الإنكليزية والإفرنسية يستخدمونهما في التجارة ويتسلحون بهما للاستعانة عَلَى الهجرة إلى أميركا الشمالية وأوستراليا وكندا وجنوبي أفريقية ومصر والسودان.
وبعد فإن حال النهضة غريب في هذا القطر فكما كان العمران في السهوب والوهاد في كور محدودة معروفة هكذا تجد النهضة الفكرية في انتشارها موزعة عَلَى المدن الآن وبعضا لا حظ لها منها إلا بقدر حظ الدساكر والقرى فترى اللاذقية وعكا مثلاً بنهضتها الفكرية دون حيفا ويافا مثلاً مع أن للمدينتين الأوليين تاريخاً مجيداً مهماً ونابلس وحماة متشابهتان وإن كانت الأولى تفوق الثانية بكثرة الناهضين للتعليم من أبنائها وحمص تشبه طرابلس والصلت تشبه بعلبك ولكن هناك نحو مئة بلدة لا تقل نفوس الواحدة منها عَلَى بضعة ألوف من السكان وهي لا تخرج في نهوضها الفكري عن أحقر المزارع وذلك مثل دومة وجوبر وعربيل وداريا في غوطة دمشق ويبرود وجيرود ودير عطية والنبك في جبل سنير (قلمون) وحاصبيا وراشيا في وادي التيم والسويداء والرمتا ودرعا ونوى
стр. 4765
وبصرى في حوران وغيرها من أُمهات القصبات في ولايات سورية وحلب وبيروت ومتصرفيات لبنان والقدس والزور وهي جماع أقاليم بلاد الشام.
قلنا أن نهضة سورية ذات ألوان كثيرة وذلك لاختلاف مصالح الأمم الغربية في هذه الديار وللسياسة والدين تأثير شديد في هذه الحركة ولولاهما ما رأينا تلك المدارس المبثوثة في القدس والناصرة وبيروت ولبنان ودمشق وحلب ومرعش. بل في بعض القرى والقصبات. وبينا تجد الدولة تجدّ ولاسيما في العهد الأخير بنشر لغتها وكادت ولاية حلب تعد من الولايات التركية نجد الأرض المقدسة ولاسيما طبريا وحيفا ويافا والقدس توشك أن تعد ولاية إسرائيلية وذلك لكثرة المهاجرين في العشرين سنة الأخيرة من الإسرائيليين الروسيين والنمساويين والألمان وغيرهم ومنهم دعاة الصهيونية يريدون أن ينشئوا مع الزمن في فلسطين مملكة تكون سداها ولحمتها بيد أبناء إسرائيل من أجل هذا تراهم في مدارسهم لا يعلمون العربية ويجعلون اللغة العبرية لغة التعليم والتخاطب ولهم في فلسطين جرائدهم ومطبوعاتهم ينشرونها عَلَى مناحيهم بمأمن من مراقبة الحكومة وتوفيق الخطة عَلَى ما يلاءم مصلحة البلاد ولذا تشهد في مدن فلسطين ولاسيما في القدس ويافا وحيفا غرائب الألسن فتظنك في بور سعيد اليوم تشمع بضع لغات والبلاد عربية ولكن بالاسم فقط.
ومهما يكن من صيغة النهضة في قواعد البلاد ومدنها فإن أعمالها من بلاد الأقاليم كالقرى والدساكر لا تزال بمعزل عن كل نهضة وحسبك أنك تمر إلى اليوم في بضع قرى ولا تجد من يستطيع أن يقرأ القراءة البسيطة فضلاً عن كتابة سطرين وهذا شان الأقاليم التي لم تدخل إليها الإفرنج أو دعاة البرتستانتية عَلَى القل مثل الصلت والكرك وتنشئُ المدارس لبث دعوتها كمعظم ألوية حوران والكرك واللاذقية والزور.
نعم تسير الأيام الطويلة ولا تشهد السكان إلا كما كانوا منذ بضعة قرون تجتاز تدمر وجرش وبلاد موآب وأرض الشراة والبلقاء وارض منبج وحران والرقة وبلاد الجولان وارض الصفا واللجاة وغيرها فلا تكاد ترى مدرسة أهلية تذكر ماضي هذه الأقاليم فلا تلبث أن تنهل عبراتك عَلَى بلاد نام عليها رعاتها وأقاليم كل منها بمساحته وخصبه وذكاء أهله ومضائهم لا يقل عن أحسن أقاليم قارتي أوربا وأميركا.
стр. 4766
ربما توهم واهم أن الحرية العثمانية أبرزت من القوى ما كان كامناً في النفوس ولكننا لم نشهد من علائمها شيئاً يستحق الذكر اللهم إلا أولئك النفر من المتأدبين الذين جربوا أنفسهم في نشر الصحف والمجلات وتأليف الأسفار والمترجمات يحاولون منها الرزق أولاً فخسر أكثرهم عَلَى أن معظم ما نشر في السنين الأربع الأخيرة من المصنفات والمقالات يدل عَلَى أن الأمة هنا لم تزل في دور التجارب وهيهات أن تعد في مصاف الأمة المصرية حتى بعد ربع قرن فالأسماء هنا أكثر من المسميات وإن تكن الهمم عالية أكثر من مصر في الجملة ولكن أين نحن من نضوج العلم في وادي النيل وتلك الفئة الرشيدة من العلماء والكتاب والمفكرين والسياسيين والخطباء الواعظين.
يقولون أن الكليتين الأميركية واليسوعية في بيروت تخرجان رجالاً أكفاءً فأين آثارهم نستدل بها عَلَى فضلهم ووطنيتهم وما نخالهم يستطيعون أن يأتونا بغير مقالات خيالية أو قصص غرامية مسلوخة أو ممسوخة من اللغات الأجنبية. وكان في مقدرة أولئك المتعلمين عَلَى التواءٍ في نظام تعليمهم أن يأتوا وهم متوفرون عَلَى أعمالهم المادية بشيءٍ من المعارف لوطنهم يخدمونه بها ولكن القوم بلغت بهم الأثرة وحب الماديات حتى صاروا لا يتعلمون العلوم إلا إذا كانت تنفعهم لجلب الرزق وما عدا ذلك فليس له حظ من الأعراب في جملة حالهم.
وهذا من آكد الأسباب التي دعت فئة من المتعلمين ولاسيما في لبنان والساحل أن يعرضوا عن درس اللغة العربية ويستعيضوا عنها بالانصراف إلى تعلم إحدى اللغات الأجنبية لأن هذه بزعمهم تعود عليهم بجماع الفضائل والمحامد والغنى وتلك لا تفيدهم في مادياتهم ولا في أدبياتهم ولكن فات هذا الفريق من المتعلمين إنهم مهما بلغوا من أحكام ملكة اللغات الأجنبية لا يتعدون فيها قدر الترجمان البسيط وإن من جميع من اشتهروا بإتقان اللغة الإنكليزية أو الإفرنسية حتى الآن من أبناء سورية لا نعرف بضعة أشخاص يستحقون أن تنشر مكتوباتهم في مطابع الغرب إلا بعد أن ينظر فيها أبناء تلك اللغة وينمقونها ويتعاورونها بالحذف والإثبات.
وبعد فإن النهضة الفكرية لا تكون عَلَى أتمها إلا بالتعليم وهذا التعليم مفقود من سورية اللهم إلا علة مناحي الفرنسيس والأميركان وغيرهم ولذلك كانت النهضة السورية أشبه بجنين لم
стр. 4767
تظهر سحنته وتتم خلقته. وما دام التفرنج من جهة والتترك من أخرى يستحيل عَلَى بلاد الشام أن تدعي بأن فيها نهضة فكرية عربية ولا يفعل أكثر من يتعلمون إلا أنهم ينقلون أنفسهم إلى أبناء اللغة التي يتعلمونها وينسلخون من قوميتهم.
وربما يقول بعضهم ما هذا الغلو في تقدير هذا الخطر المداهم والمتعلمون أفراد والسواد الأعظم لا في العير ولا في النفير لم يبرحوا عَلَى الفطرة وسيتعلمون ما سيكتب لهم فالجواب أن الأفراد هم العمدة والفرد المتعلم اقدر عَلَى معرفة المدخل والمخرج من عشرة آلاف أُمي ولو كانت كثرة العدد تنفع كل حين لما رأينا سكان الهند يخضعون للإنكليز وجزائر الملايو أو جاوة يخضعون للهولانديين وغيرهم من الأمم الشرقية الضعيفة يخضعون لغيرهم من الأمم الغربية القوية. وعَلَى الجملة فإن نهضة سورية عَلَى غير ما تقتضي الحاجة الوطنية فهي لا شرقية ولا غربية بل هي من كل البلدان وثمرة كل الشعوب والناس قد شعروا بنقصهم ويسعون عَلَى تعليم أبنائهم في معظم الأقاليم والشعور بالنقص أول درجات الكمال كما أن ميل الناس إلى المشاركة في المسائل العمومية دعا إلى ترقية المحيط والتجافي عن تافه الأحاديث فعسى أن تنمو هذه الجراثيم وتنتقل من دور الحضانة إلى دور الطفولة والفتوة في قليل من السنين.
стр. 4768
اليمن وسكانها
(١)
كيف عرفها وعرفهم علماء العرب
مضى معظم السنة الماضية والدولة العلية تسير إلى اليمن الحملة تلو الحملة لإخضاع المتنقضين الثائرين من رجال الشيخ أحمد الإدريسي الشافعي في جهات عسير والإمام يحيى بن حميد الدين الزيدي في جهات صنعاءَ وقد أُغمدت السيوف الآن بعد أن هلك من جيش الدولة وعصابات المحاربين لها أُلوف ولا يزال يقتل في اليمن من العساكر العثمانية كل سنة نحو عشرة آلاف نسمة بعضهم في المناوشات والآخر باختلاف الأهوية وقلة الغذاء المناسب وذلك منذ أربعين سنة ومن قتل ومات من الجند والرعية لا يقلُّ فيما نحسب عن رجال مملكة صغرى من ممالك أوربا كسويسرا أو الدانيمرك أو السويد.
والدولة الآن في صدد إعطاء بعض الامتيازات لليمانيين وربما صدر هذا الجزءُ ومجلس النواب العثماني يتناقش في لائحة الإصلاحات اليمانية وسيقسمون عَلَى الأغلب ما وقع تحت حكم الدولة مباشرة من البلاد إلى ثلاثة ولايات ولاية صعدة وولاية صنعاء وولاية عسير وقد جربت الدولة في السنة الماضية فسلخت لواء عسير فجعلته متصرفية قائمة برأسها تخاطب الآستانة مباشرة في أمورها كلواء القدس والزور فأتى ذلك بنتائج حسنة ولا عجب إذا أكثرت الدولة من مراكز الحكومات فمن الأقضية هناك ما تسير فيها أياماً وفيه من القرى ما لا تجد مثله في ولاية من الولايات العامرة في الدولة وإن عدد القرى الداخلة تحت حكم العثمانيين مباشرة يبلغ ٨٦٩٢ قرية و٢٨٩ عزلة و٢٢٧ قبيلة وكل هذا القدر العظيم المنقول عن تقويم الدولة الرسمي يحكمه ٢٨ قضاء و٥٦ ناحية ومن الغريب أن الأمية تكاد تكون مفقودة في اليمن بالنسبة لسائر البلاد العثمانية وأهلها مع كل ما ابتلوا به من الفتن التي جرتها عليهم تلاعب رؤسائهم ورداءة العمال ولا يزالون يعلمون أبناءهم القراءة والكتابة ويقدرون اليوم نفوس اليمن بنحو خمسة ملايين لو ارتقوا وعلموا لأتي منهم أعظم جيش محارب محضر نافع. وإليك الآن كيف عرفهم وعرف بلادهم علماء العرب اقرأه وأعجب في سر ما صارت إليه أرضهم من الانحطاط:
صفة اليمن
стр. 4769
قال الهمذاني سميت اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها والبحر بها من المشرق إلى الجنوب فراجعاً إلى المغرب ويفصل بينها وبين باقي جزيرة العرب خط واحد من حدود عمان ويبرين إلى حد ما بين اليمن واليمامة إلى حدود الهجيرة وتثليث وأنهار جُرش وكتنة منحدراً في السراة عَلَى شعف عنز إلى تهامة عَلَى أم جحدم إلى البحر حذاء جبل يقال كدمل بالقرب من حمضة وذلك حد ما بين بلد كنانة واليمن من بطن تهامة. وأول إحاطة البحر باليمن من ناحية دما فطنوى فالجمحة فرأس الفرتك فأطراف جبال اليحمد وما سقط منها إلى ناحية الشحر فالشحر فغبُّ الخيس فغب الغيث بطن من مهرة فغب القمر زنة قمر السماء فغب العقار بطن من مهرة فالخيرج والإسعاء وفي المنتصف من هذا الساحل شرقاً بين عمان وعدن ريسوت وهو موئل كالقلعة بل قلعة مبنية بنياناً عَلَى جبل والبحر محيط بها الأمن جانب واحد فالبر فمن أراد عدن فطريقه عليها فإن أراد أن يدخل دخل وإن أراد أن جاز الطريق ولم يلو عليها وبي الطريق الذي يفرق إليها والطريق المسلوك إلى عمان مقدار ميل. ثم ينعطف البحر عَلَى اليمن مغرباً وشمالاً من عدن فيمر بساحل الحج وأبين وكثيب برامس وهو رباط وسواحل بني محيد من المندب فساحل العميرة والعارة فإلى غلافقة ساحل زبيد فكمران فعطيفة فالحردة إلى منفهق جابر وهو رأس غرير كثير الرياح حديدها إلى الشرجة ساحل بلد حكم فباحة جازان إلى عثر فرأس عثر وهو كثير الموج إلى ساحل حمضة فهذا ما يحيط باليمن من البحر.
وأصرح من هذا ما قاله المسعودي: وبلد اليمن طويل عريض حده مما يلي مكة الموضع المعروف بلجة الملك سبع مراحل إلى صنعاء ومن صنعاء إلى عمان وهو آخر عمل اليمن تسع مراحل والمرحلة من خمس فراسخ إلى ستة والحد الثاني من حكم ورحاء إلى ما بين مفاوز وحضر موت وعمان عشرون مرحلة ويلي الوجه الثالث بحر اليمن فجميع ذلك عشرون مرحلة في ستة عشرة مرحلة وأسماءُ ملوك اليمن كذي يزن وذي نواس وذي منار وغير ذلك مضافة إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغيرها من سمات لهم تميزهم عن غيرهم.
فاليمن كما قال ابن خلدون صقع جليل ومملكةٌ عظيمة يشتمل عَلَى أربعة وعشرين مخلافاً (وفي رواية أربعة وثمانون عَلَى ما يجيءُ) والمخاليف الكور وكان اليمن في صدر الإسلام
стр. 4770
عَلَى ثلاثة أقسام كل قسم منها في يد ملك أحد الأقسام قصبته صنعاء والآخر قصبته الجند والآخر قصبته ظفار والذي يعطيه التحديد أنه ينقسم عَلَى قسمين أحدهما تهامية والأخرى نجدية فالتهامية قصبتها زبيد وبها يكون السلطان والجبد وهي مدينة مسورة وعليها سبعة خنادق ولها نهر يجري إليها من الجبال وساحل يسمى علافقة ومن البلاد التهامية قحمة ولها نهر يأتيها من جبل يسمى فرع والكدرا ولها واد يجري إليها من السيول والمهجم وهي مدينة كثيرة الفواكه ولاسيما الموز ولها نهر يأتيها من النوب يسمى سرود والمجال ولها نهر يأتيها من جبال حور وحوض ولها نهر يأتيها بلاد دخولان والراحة ولها نهر يأتيها من نجد وأما البلاد النجدية وتسمى بلاد الجبال والنجد في اللغة قفار الأرض وما غلظ منها واشرف عَلَى الأرض فأعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام وهو ممتد من بلاد مهرة عَلَى بلاد الحجاز ومسافة ذلك عشرون فرسخاً وقصبته عدن وتعرف بعدن + + + وبقعتها عَلَى البحر يدخل إليها من باب قد فتح في جبل كأنما يدخل إلى الكرك بالشام وهي فرضة لما يرد من كراكب الصين والهند وكرمان وفارس وعمان ويشرب منها مدينة أَبين ولها عَلَى ساحل البحر فرضة تسمى المحل ينزل الناس منه في اختصاص ولها كورة تشتمل عَلَى عدة قرى ومن بلاد ومن بلاد الجبل صنعاء وكانت القصبة لبلاد اليمن بأسرها وهي وبية كثيرة الفواكه ولها نهر يشقها يسمى السرار ويصب في سنوان فيكون منه بحيرة تمده الأمطار في الصيف.
وحكي أن ظفار مدينة التبابعة ومن بلاد الجبل تعز وهي قلعة حصينة وبها السلطان في عصرنا (ابن خلدون) وهي بين مدينتين إحداهما المعزية والأخرى عدنة ينزل إليها واد من جبل صبر وهذا الجبل فيه قرى كثيرة قصبتها مدينة تسمى لاعة المرتقى إليه مسيرة يوم وصوله أربعة وعشرون فرسخاً ومدينة الجند مشهورة ومدينة جبلة وتسمى مدينة النهرين لأنها بين نهرين ومدينة الدحلوة وهي قلعة عَلَى ذرى شامخ وعر وقد امتلأت من أموال ملوك يمن وكبرائها تبراً ولجيناً يجمع المال بها والمدينة كالربض وتسمى أيضاً الجرد ومن حصون السلطان أيضاً باليمن أيضاً قلعة أنور وهي في ناحية تسمى وادي السيول يشتمل عَلَى قرى مشتبكة العمائر وقلعة مثوة وهي في ناحية زبيد كثيرة القرى وقلعة العروسين وهي في ناحية تعرف بعلوان الكردي كثيرة القرى ومن بلاد اليمن ذمار وهي مدينة مسورة
стр. 4771
لها عيون وبساتين ومدينة صعدة وخيوان بها خانات وحمامات وأماكن وعمائر ومدينة مأرب بها عرش بلقيس وهي أساطين في غاية الغلظ والارتفاع ولها كورة بين صنعاء وحضر موت وبالقرب منها جبل شق عليه سد تجتمع إليه مياه الأمطار والعيون وإذا أرادوا سقي القرى فتحوا منه بقدر حاجتهم ثم يسدونه بآلات لهم أحكموا ومن بلاد الجبل أيضاً السروان أحدهما سرو جبل لبن والآخر سرو ميل وهما مختلطان ولهما قصور كالقرى وأسماؤها العجر والبيضاء وقرن وذوقيام ودوتق وهذان السروان يمتدان من جنوب اليمن إلى شمال الحجاز وسكانها فصحاء العربُ. ومن أقسام اليمن حضر موت وفيها تريم وشبام والشحر والأحقاف ومنها بلاد مهرة وغيرها.
قال البلخي وكان أعمال اليمن مقسومة عَلَى ثلاث ولاة وال عَلَى الحرم ومخاليفها ووال عَلَى حضر موت ومخاليفها وهي أوسطها وأطيب بلادها وأبردها وأكثر ما ارتفع من أموالها ما جباه بعض عمال بني العباس ستمائة ألف دينار وأهلها قوم فيهم جهل وغباوة وسلامة صدر وضعف حال وأكثر فواكههم الموز وعامة لحومهم لحم البقر وفي مشارق سواحلهم صحار ومسقط وسوقطرا وشحر محلب ومن عندهم اللبان والصبر وهم ضعاف الحال سيئو العيش قليلو الحيل والصناعات ولهم لغة لا يفهمها غيرهم وتليهم الإحساءُ وهي من أرض العرب وقد استوطنها القرامطة في القرن الثالث.
واليمن عَلَى رواية المقدسي قسمان ما كان نحو البحر فهو غور واسمه تهامة قصبته زبيد ومن مدنه معقر وكدرة ومور عطنة الشرجة دؤيمة الحمضة غلافقةُ مخا كمران الحردة اللسعة شرمة العشيرة رنقة الخصوف الساعد المهجم وغيرهن ناحية أَبين مدنها عدن لهج (لحج) وناحية عثر مدنها حلي السرين وناحيته السروات وأما ما كان من ناحية الجبال فهو بلاد باردة تسمى نجداً قصبتها صنعاء ومن مدنها صعدة نجران جُرش العرف جبلان الجند ذمار نسقان يحصب السحول المذيخرة.
فزبيد قصبة تهامة وهو أحد المصرين لأنه مستقر ملوك اليمن بلد جليل حسن البنيان يسمونه بغداد اليمن لهم اذنى ظرف وبه تجار وكبار وعلماء وأدباء مفيد لمن دخله مبارك عَلَى من سكنه آبارهم حلوة وحماماتهم نظيفة عليه حصن من الطين بأربعة أبواب وحولها قرى ومزارع أعمر من مكة واكبر وارفق وأكثر بنيانهم الآجر ومنازلهم فسيحة طيبة وهو
стр. 4772
بلد نفيس ليس باليمن مثله غير أن أسواقه ضيقة والأسعار بها غالية والثمار قليلة. ومعقر عَلَى جادة عدن وكذلك عبرة وعارة والمخنف وكلهن صغار وعدن بلد جليل عامر آهل حصين خفيف دهليز الصين وفرضة اليمن وخزانة المغرب معدن التجارات كثير القصر مبارك عَلَى من دخله مثر لمن سكنه مساجد حسان ومعايش واسعة وأخلاق طاهرة ونعم ظاهرة قد أحاط به جبل بما يدور إلى البحر ودار خلف الجبل لسان من البحر فلا يدخل إليه إلا أن يخاض ذلك اللسان فيصل إلى الجبل وقد شق فيه طريق في الصخر عجيب وعليه باب حديد من نحو البحر حائطاً من الجبل إلى الجبل وفيه خمسة أبواب ناءٍ عن الأسواق إلا أنها يابسة عابسة لا زرع ولا ضرع ولا شجر ولا ثمر ولا ماء ولا كلاء كثيرة الحريق والوكف.
أَبين هي أقدم من عدن وإليها تنسب عدن لأن بُرَّهم وفواكههم وخضرهم منها لكثرة القرى والمزارع بها وكذلك لهج ومندم عَلَى البحر عامرة. ومُخا مدينة لزبيد عامرة كثيرة السليط وغلافقة فرضة زبيد عامرة آهلة بها نخيل ونارجيل وآبار حلوة إلا أنها وبية قاتلة للغرباء. والشرجة والحردة وعطنة مدن عَلَى الساحل بهن خزائن الذرة تحمل إلى عدن. وجدة بلد اللبن يحمل إليهم الماء من بعد وجوامعهم عَلَى الساحل وناحية عثر ناحية جليلة عليها سلطان برأسه ومدنها نفيسة وعثر مدينة كبيرة طيبة مذكورة أنها قصبة الناحية وفرضة صنعاءَ وصعدة بها سوق حسن وجامع عامر يحمل إليهم الماء من بعد وحمامهم وضر.
وبيش أطيب هواء منها وأعذب ماءً بها ينزل السلطان. والجريب بلد الموز وهو أرخى مدن الناحية وأعجبها. وحلي مدينة ساحلية عامرة سرية رفقة. والسرين بلد صغير له حصن. مصنعة وهو فرضة السروات والسروات معدن الحبوب والخيرات. صنعاء هي قصبة نجد اليمن وقد كانت أجلّ من زبيد وأعمر وكان الاسم لها وأما اليوم فقد اختلت غير أن بها مشايخ لم أر بجميع اليمن مثلهم هيئة وعقلاً. ثم بلد رحب كثير الفواكه رخيص الأسعار. أخباز حسنة وتجارات مفيدة أكبر من زبيد ولا تسل عن طيب الهواء فإنه عجب ومع ذلك رفق معف. وصعدة أصغر من صنعاء عامرة في الجبال بها تصنع الركاء الجيدة والأنطاع الحسنة ومناه يرتفع ادم الجلد وهي مدينة العلوية وعملهم. وجُرش مدينة وسطة ذات نخل واليمن ليس ببلد النخيل ونجران مثل جُرش وهما دون صعدة وأكثر ما ترى من
стр. 4773
الإدم فمن هذه المدن. والحميري هو بلد قحطان بن زبيد وصنعاء كثير القرى وسبأ بلد خلف هذه النواحي عامر المدينة خرب العمل.
هذا وصف بلاد اليمن وفي رواية أن مساحتها السطحية ٢٥٦ ألف كيلومتر مربع أما المسافات عَلَى تقدير العرب فهي من صنعاء إلى صداء ٤٢ فرسخاً من صنعاء إلى حضر موت ٧٤ فرسخاً ومن صنعاء إلى ذمار ١٦ فرسخاً ثم إلى نسفان وكحلان مرحلة ثم إلى حجر وبدر ٢٠ فرسخاً ثم إلى عدن ٦٤ فرسخاً ومن ذمار إلى يحصب مرحلة ثم إلى السحول مرحلة ثم إلى النجة مثلها ثم إلى الجند مثلها ومن صنعاء إلى الجند ٤٨ فرسخاً ومن صنعاء إلى العرف مرحلة ثم إلى الهان ١٠ فراسخ ثم إلى جبلان ١٤ ثم إلى زبيد ١٢ ومن صنعاء إلى شبام مرحلة ومن صنعاء إلى عثر ١٠ مراحل ومن عدن إلى أَبين ٣ فراسخ.
مخالبف اليمن
كور بلاد اليمن تسمى مخاليف وهي أربعة وثمانون في رواية وفي رواية أربعة وعشرون قال ابن خرداذبة مخلاف صنعاء والخشب ورحابة ومرمل وبصنعاء كان غمدان مسكن سيف بن ذي يزن الحميري وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالاً
ومخلاف صعدة فمن صنعاء إلى خيوان أربعة وعشرون فرسخا ومن خيوان إلى صعدة ستى عشر فرسخاً ومن صعدة إلى المهجرة وهي تحت عقبة المنضح عند طلحة الملك التي هي أول عمل اليمن عشرون فرسخاً فبين المهجرة وصنعاء ستون فرسخاً. ومخلاف البون وفيه ريدة وبها البئر المعطلة والقصر المشيد التي ذكر الله تبارك وتعإلى ومخلاف خيوان ومخلاف نجدي خولان ذي شحيم وغوريها وفيها ريام النار التي كان يعبدها أهل اليمن. وعَلَى اليمين من صنعاء مخلاف شاكر ووداعة ويام وأَرحب ومخلاف الحردة وهمدان ومخلاف جوف همدان ومخلاف جوف مراد ومخلاف شنوءة وصدى وجعفي ومخلاف الجسرة ومخلاف المشرق وبوشان وغدر وفيه ناعط ومخلاف أعلا وأنعم والمصنعتين وبني غطيف وقرية مأرب قال النابغة الجعدي
أو سبأَ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دونه سيله العرما
стр. 4774
وبمأرب قصر سليمان والقشيب وقصر بلقيس قال ابن ذي جدن:
أتغر من أهله القشيب ... وبان من رأيه الحبيب
وصرواح والسد وهو العرم.
ومن صنعاء إلى صدى وجعفي وشنوبرة اثنان وأربعون فرسخاً ومخلاف حضر موت وبينها وبين البحر رمال ومن صدى إليها ثلثون فرسخاً فمن صنعاء إلى حضر موت اثنان وسبعون فرسخاً. ومخلاف خولان رداع وفيه وادي النمل ومخلاف أحور ومخلاف الحقل وذمار عَلَى ستة عشر فرسخاً من صنعاء ومخلاف بني عامر وثات ورداع ومخلاف دثينة ومخلاف السرو وبحذائه مرسى الخيرج ومخلاف عنس ومخلاف رُعَين ونسفان وكحلان وفيه بحيرة يبنون قلل امرؤُ القيس بن حجر:
ودر بني سواسة في رعين ... يجن عَلَى جوانبه الرجال
ومخلاف ضنكان وذبحان ومخلاف نافع ومصحى ومخلاف حُجر وبدر وأَخلة والصهيب ومخلاف لحج ومخلاف أَبين وفيه عدن ومخلاف بعدان وريمان ور الثجة والمزرع ومخلاف ذي مكارب والأملون.
ومن صنعاء إلى ذمار ستة عشر فرسخاً ومن ذمار إلى نسفان وكحلان ثمانية فراسخ ومن نسفان إلى حجر وبدر عشرون فرسخاً ومن حجر وبدر إلى قرية عدن وهي مخلاف أَبين أربعة وعشرون فرسخاً فمن صنعاء إلى عدن ثمانية وستون فرسخاً.
ومخلاف السلف والأدم ومخلاف نجلان ومخلاف الجند ومخلاف السكاسك ويحصب مدينة ظفار وقصرها ريدان قال امرؤُ القيس
تمكسن قائماً وبنى طمراً ... عَلَى ريدان أعيط لا ينال
وبظفار كانت تنزل ملوك اليمن ومن علو يحصب إلى السحول ثمانية فراسخ ومن السحول إلى الثجة ثمانية فراسخ ومن الثجة إلى الجند ثمانية فراسخ فمن صنعاء إلى الجند ثمانية وأربعون فرسخاً. وذات الشمال راجعاً إلى صنعاء مخلاف ذي شعبين ومخلاف الزيادي ومخلاف المعافر ومخلاف بني محيد وفيه البقراني الجيد ومخلاف الكرب ومخلاف صلب ونفد والإيغار ومخلاف المناخيين وفيه المذيخرة قلعة حصينة يسكنها آل ذي مناخ وفيها منزل ابن أبي جعفر المناخي من حمير ومخلاف حمل ودمث وشرعب ومخلاف عنة
стр. 4775
وعنابة ورجيع ومخلاف السحول وبني صعب ومخلاف حاظة ومخلاف سفل يحصب ومخلاف علو يحصب ومخلاف القفاعة والوزيرة والحجر ومخلاف زبيد وبغزائه ساحل غلافقة وساحل المندب ومخلاف رفع ومخلاف مقري ومخلاف أَلهان ومخلاف جبلان وفيه الجبلان من آل ذي شرح وجبلان ضقان شق الطاعة وشق المعصية ومخلاف ذي جرَة ومخلاف الحقلين ومخلاف العرف والأخروت.
فمن صنعاء إلى العرف ثمانية فراسخ ومن العرف إلى أَلهان عشرة فراسخ ومن أَلهان إلى جبلان أربعة عشر فرسخاً فمن صنعاء إلى جبلان اثنان وثلثون فرسخاً ومن جبلان إلى زبيد ورمع اثنا عشر فرسخاً.
ومخلاف خولان في ظاهر صنعاءَ ومخلاف جدد وحوشب ومخلاف عك بحذائه مرسى دهلك ومخلاف مهاع ومخلاف حراز وهوزن ومخلاف الأخروج ومجنح ومخلاف حضور ومخلاف مأذن وحملان وفيه مدينة ضير مخلاف شاكر وشبام وبيت أَقيان والمصانع يسكنها آل ذي حوال وهم ولد ذي مقار ومنهم يعفر بن عبد الرحمن بن كريب الحوالي قال امرؤُ القيس
والحق بيت أَقيان وحجر ... ولم ينفعهم عدد ومال
وقال أيضاً:
أزال من المصانع ذا أَراس ... وقد ملك السهولة والجبال
ومخلاف واضع والمعلل وهو بين صنعاء وشبام ومن صنعاء إلى شبام ثمانية فراسخ قال الشاعر:
مازال ذا الزمن الخبيث يديرني ... حتى بقي لي خزيمة بشبام
ومخلاف الصغر ومخلاف خناش وملحان ور حكم وجازان ومرس والشرجة ومخلاف حجور والمغرب ور قدم وهو يحاذي قرية مهجرة ومخلاف حية والكوذن ومخلاف مسح ومخلاف كندة والسكون وهي حضر موت عَلَى الإبل تسع سكك.
مدن اليمن تهامية ونجدية عدن كما قال الهمداني جنوبي تهامية وهي أقدم أسواق العرب وهي ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق فقطع في الجبل باب بزُبر الحديد وصار لها طريقاً إلى البر ودرباً سكنياً المرَبون والحماحميون والملاحيون. ولحج وأَبين وبها مدينة
стр. 4776
خنفر والروَّاغ وموزع والشقاق والمندب والحصيب وهي قرية زبيد وقرى بواديها حيس والقحمة والكدراءُ ثم المهجم وهي مدينة سرود ومور وبه مدينة تسمى بلحة ثم الساعد والسقيقتان والهجر قرية ضمد وجازان وفي بلد حكم قرى كثيرة يقال لها المخازف وصبيا ثم يبش وساحله عثر وهو سوق عظيم شأنها وقد تثقله العرب فيقولون عثر وأُم جحدم قرية بين كنانة والأزد وهي حد اليمن.
وأول مدن اليمن عَلَى سمت نجدها الجند من أرض السكاسك وجبا مدينة المعافر وجيشان وبالقرب منها قرى لها بواد تنسب إليها مثل حجر وبدر والصهيب ثم منكث مدينة السخطيين ثم ذمار ورداع وهي بين نجد حمير الذي عليه مصانع رعين وبين نجد مدحج الذي عليه ردمان وقزن وفي جنوبيها مدينة حصى وبثرى والحنق من أرض السرو ثم مدينة صنعاء وهي أُم اليمن وقطبها لأنها في الوسط منها ما بينها وبين عدن كما بينها وبين حد اليمن من أرض نجد وحجاز وكان اسمها في الجاهلية أزال ويسميها أهل الشام صنعاء القصبة وتقول العرب لا بد من صنعاء لو طال السفر وينسب إلى صنعاء صنعاني وعَلَى كل واد من هذه الأودية ما لا يوقف عليه من القرى الصغار والأبيات وكل واد منها مخلاف يكون فيه سلطان يقوم به عوائده.
قال الأصمعي اليمن وما اشتمل عليه حدودها بين عمان إلى نجران ثم يلتوي عَلَى بحر العرب إلى عدن إلى الشحر حتى يجتاز عمان فينقطع من بينونة وبينونة بين عمان والبحرين وليست بينونة من اليمن قال ياقوت وقيل حد اليمن من وراء تثليث وما سامتها إلى صنعاء وما قاربها إلى حضر موت والشحر وعمان إلى عدن أَبين وما يلي ذلك من التهائم والنجود واليمن تجمع ذلك كله.
والسبب في قسمة اليمن إلى مخاليف أي كور ورسايق ما قاله ياقوت من أن ولد قحطان لما اتخذوا أرض اليمن مسكناً وكثروا فيها لم يسعهم المقام في موضع واحد فجمعوا رأيهم عَلَى أن يسيروا في نواحي اليمن ليختار كل بني أب موضعاً يعمرونه ويسكنونه وكانوا إذا ساروا إلى ناحية اختارها بعضهم تختلف بها عن سائر القبائل وسماها باسم أبي تلك القبيلة المتخلفة فيه فسموها مخلافاً لتخلف بعضهم عن بعض فيها ألا تراهم سوها مخلاف زبيد ومخلاف سنحان ومخلاف همدان لا بد من إضافته إلى قبيلة.
стр. 4777
بعض معاهد بيروت
الصحافة البيروتية
سبقت بيروت غيرها من مدمن الشام بإصدار الجرائد ففيها صدرت سنة ١٨٥٨م أول صحيفة عربية في هذه الديار باسم حديقة الأخبار ثم صدرت جرائد ومجلات أُخرى عَلَى عهد السلطان عبد العزيز وأوائل عهد السلطان عبد الحميد المخلوع ومناه ما كتبه الأكفاء أمثال البستاني والأحدب وبوست وصروف ونمر واليازجي والحوراني وغيرهم. ولما قويت شأَفة المراقبة عَلَى المطبوعات ولاسيما في الثلث الأخير من عهد المخلوع تراجعت الصحافة البيروتية وكان بعضها قد أقفل وبعضها نقل إلى قطر آخر وبعضها ثبت ولكن عَلَى مضدد وضعف لا يكاد يوصف.
حتى إذا انتشرت الحرية كثرت الصحافة حتى بلغ ما صدر منها مجدداً ٥٦ جريدة ومجلة أكثر من نصفها لم يزل ينشر وبها بلغ عدد الجرائد البيروتية ٢٥ جريدة ومنها ثماني ويومية والباقيات أسبوعية ونصف أسبوعيات وبلغ عدد المجلات ١٢ مجلة حية وهو عدد كثير عَلَى سكان مدينة لا يتجاوزون المئة وخمسين ألفاً عَلَى حين لا يصدر في جميع بلاد الشام وبيروت في الجملة أكثر من مئة صحيفة بين يومية وأسبوعية ومجلة شهرية ونصف شهرية أو مرة في الشهرين عَلَى اختلاف النزعات ومنها الجدي الخباري ومنها الفكاهي الهزلي.
إن هذه الهمة التي تبدت مظاهرها من أدباء بيروت ولبنان حرية بالثناء لو لاحظوا في نشر صحفهم حاجة البلاد أولاً ثم نظروا في أنفسهم وحكموا عليها أو لها من حيث الكفاءة والاستعداد بيد أنه لم تمض بضعة أشهر عَلَى نشر القانون الأساسي وقد بردت حماسة القوم للحرية وانفثأت صورة الغضب من أنصار الظلم والاستبداد حتى أذخ الزمان يمحص الصحف فيشعر بعض من تهجموا عليها عَلَى غير استعداد مادي وأدبي أنهم كانوا في غرور بأقدامهم عَلَى بث أفكارهم عَلَى رؤُوس الأشهاد واقتحامهم المنافسة مع الأكفاء بحث أضروا بهم وبأنفسهم معاً وستدعو الحاجة بعد إلى تراجع بعض هذه الصحف فيبقى منها الأصلح بحسب سنة الكون في الأعمال.
نقول الحاجة لأن قراء الصحف في سورية محدود عددهم وقد أَصبحوا يجبهون ليشتركوا
стр. 4778
حتى اضطر كثر من أرباب المظاهر أن يتناولوا عَلَى الرغم منهم عدة صحف في آن واحد ومعظمها متحد النزعة والمعنى تكفي منها الواحدة والثنتان وما زاد عن ذلك فضول وإضاعة وقت. ووطد معظم المشتركين أنفسهم عَلَى قطع اشتراكاتهم السنة بعد الأخرى فكان الوارد عَلَى إرادات الصحف لا يسد نفقات الطبع ويعول القائمين بها في الجملة فاضطرت إلى الاقتصاد غير المحمود حتى أصبحت لفترة في أجرة المترجم والمراسل وأثمان البرقيات وغيرها قصارى أكثرها أن تجيد النقل والاقتباس وتلفق مما حضر لديها من الأخبار أفاد القراء أو لم يفدهم خدم البلاد أو أضرَّ بها.
إن صدور ثماني صحف يومية في ثغر صغير كبيروت دليل الإقدام وهذا العدد لا يصدر مثله من بلاد العرب إلا في مدينة القاهرة ولكن أين مكانة تلك العاصمة من بيروت وهل في مكنة بيروت أن يكون لها قراء كالمصريين استنارة عقولهم وكثرة غناهم وتشاجر الأغراض السياسية في بلادهم. ولولا أن معظم الجرائد الكبرى في نصر أصبحت تصدرها شركات وجمعيات كما هي الحال في الغرب لما عاش أكثرها ولما استطاع القسم الآخر أن يظهر بهذا المظهر من القوة والغناءِ.
ومن أجل هذا فكر بعض أرباب الصحف اليومية هنا أن يتحدوا ويصدروا جريدة واحدة كبرى عَلَى مثال الصحف الرسمية الراقية وفيها ما في تلك من إمارات التحسين والفائدة ولو وفقوا لإتمام هذا المشروع الجليل ونجحوا فيه لخدموا البلاد خدمة تؤثر ووفروا من عنائهم وعناء القراء الفقراء وزاد مع الأيام ربحهم واثبتوا لأهل الشام أن بعض قادة الأفكار من دعاة الاتحاد والوئام علموا الناس بالمثال الحي أن صحافتهم ثرت عَلَى أقدام صحافة الغرب وأن ما يعجز الأفراد عَلَى الاضطلاع به لم يعجز الجماعة. ومتى تمت هذه المنية في الصحف السياسية يسهل تقليدها في المجلات العلمية فتدخل مطبوعاتنا في دور جديد يصح أن يلحق بالراقي من مطبوعات الأوربيين والأميركيين.
إن بيروت التي اعتادت أن تصرف جرائدها في أقطار الشام لا تلبث إذا كانت لها صحافة راقية أن يقبل الناس عليها في جميع بلاد القطر وإلا فتظل كل ولاية بل كل لواء بل كل قضاء مكتفية بصحفها كما هو المشهد الآن في القدس ويافا وحيفا وصيدا وبعبدا وعاليه وجزين وطرابلس واللاذقية وحلب وحماة وحمص ومرج عيون والقنيطرة وزحلة ودمشق
стр. 4779
فتكاد لا تبع فيها الصحف الراقية إلا أعداداً معينة سيتناقص عددها مع الزمن وصدور الأحسن فالأحسن.
ولا مشاحة في أن الصحافة مثال من أمثلة ارتقاءِ الأمة وانحطاطها وإن صحافتنا يجب أن تقود إليها الناس بالحق والصدق لا أن تنقاد إلى أهواء الناس والعامة منهم الخاصة فإن بعض الصحف جارت العامة مثلاً عَلَى ما يريدون في نقل أخبار هذه الحرب الناشبة الآن في طرابلس الغرب بين العثمانيين والإيطاليين فراجت بعض الشيء ولكن هذه الهبة لا تدل عَلَى ارتقاءٍ في العقول ولا عَلَى إقبال حقيقي وكان أولى أن تنقل للقوم الأنباء بدون زيادة ولا نقص مع مراعاة السياسة المتبعة من تقوية القلوب والتفاؤل بالخير للمستقبل فإن من أبشع المظاهر أن يستتبع العامة الخاصة وما طرأ الفساد عَلَى أحوالنا الدينية والدنيوية إلا لمجاراة الخواص للعوام في أُمور كثيرة.
وأي ارتقاء الآن والأمة نراها تقبل عَلَى الصحف الهزلية أكثر من إقبالها عَلَى الصحف الجدية وإن كان من جرائد الهزل ما هو سلوى النفس وأحماض القلب ولكن كثرة الإقبال عليها أكبر دليل عَلَى أن الأمة أميل إلى الخيال منها إلى الحقائق وأنها أمة كسل لا أمة عمل.
هذا ولجرائد بيوت الفضل الأكبر في بث ملكة المطالعة في الناس وتعويدهم الفصيح من الكلام والصحيح من الآراء ولذلك تجد مجموع البيروتيين أرقى من مجمع غيرهم من سكان قواعد هذه الديار لكثرة توفر عامتهم وخاصتهم عَلَى مطالعة الجرائد والانتفاع بما تنشره من طريف المعارف والمبادئ والتكرار يؤثر في الأحجار وربك يفعل ما يشاء ويختار.
مدرستان إسلاميتان
إذا كانت بيروت تعد اكبر معاهدها العلمية المسيحية كلية الأميركان وكلية اليسوعيين فإن من الواجب أن تعد اكبر المدارس الإسلامية فيها الكلية العثمانية الإسلامية ودار العلوم والميزة بين المعهدين الأولين والمعهدين الآخرين أن الغرض في الأولين خدمة فكر خاص أقل ما يقال فيه تزهيد نفوس أكثر المتخرجين منهما في خدمة بلادهم وإضعاف الشعور الوطني أما الحالة في المدرستين الناجحتين فهي عَلَى خلاف ذلك تنمي العاطفة الوطنية
стр. 4780
وتهيئُ رجالاً يبقون في بلادهم يخدمونها بما تصل إليهم طاقتهم. وهذا من أعظم ما تمدح عليه المدرستان الإسلاميتان.
نشأت الكلية العثمانية منذ سبع عشرة سنة بهمة رجل أزهري لقي الأمرّين في سبيل مشروعه وقاومه أعداء الإصلاح والتجديد وأنصار المنافسة والحسد ما وسعتهم المقاومة فكان بثباته معلماً للمعلمين كيف يكون الصبر عَلَى ما أخذوا النفس به. ولا عجب فصبر المعلمين يجب أن يتعلموه من سيرة الأنبياء والمرسلين خصوصاً والمعلمون لا يخرجون عن كونهم مبشرين ومنذرين ولكن يوحي غيرهم وسيرة من تبعوهم من الحكماء والأنبياء.
هذا الأزهري هو الشيخ هو الشيخ أحمد عباس أحد أساتذة بيروت ورئيس هذا المعهد النافع قام بقوته إلا ما كان من معاضدة بعض المستنيرين في هذا الثغر لعمله وخصوصاً من تألفت منهم عمدة المدرسة مؤخراً من رجال بيروت وبعض قادة الأفكار فيها فوفق حتى اليوم إلى تخريج زمرة من الشبان المنورين ومنهم التاجر والصحافي والطبيب والحقوقي وقد كان في كل دوار مدرسته يستعين بالأساتذة الأكفاء من أي مذهب كانوا يعلم تلامذته بذلك التسامح المحمود والأخذ عن المخالف فيما لا يخدم رأيه ومبدأه.
زرنا مدرسته وقد زرناها عدة مرات في الأعوام الماضية فشهدنا النضوج آخذاً بتعاليمها والكمال قريباً منها والثبات متمثلاً في أرجائها والعناية بتربية جسم الطفل وعقله غايتها فهي في أجمل بقعة وأعلاها من أحياء بيروت (برج أبو حيدر) تطل عَلَى لبنان وقراه وبيروت وحدائقها الغناء لو تم لها ما يريده لها أحبابها أن تملك البنايات التي قامت فيها وأوى إليها أساتذتها لكانت كاملة في مادياتها كما كملت أو كادت بمعنوياتها.
نعم لو كانت لها دار قوراءُ وقصور تؤوي الداخليين والخارجيين من تلامذتها لبلغ تلاميذها ضعف ما هم الآن (٣٧٠) منهم (١٤٠) داخلياً من أبناء بيروت وأنحاء سورية وغيرهم ولكن المسلمين ليسوا من القوة عَلَى الأعمال بحيث يهتمون لمشروعاتهم العملية اهتمام الغربيين لها وليس الفقر وحده هو الذي يقعد بهم عن مجاراة الأمم الحية وإلا فإننا نرى أضعف منهم بما لا يقاس يهتمون لمثل هذه الأمور أكثر منهم عَلَى أن كثيراً في رجال نهضتنا يودون عَلَى الأقل لو سكت عنهم قومهم وخلصوا من أعمالهم لا عليهم ولا لهم لا تنشيط ولا تثبيط وهذا سر من أسرار انحطاطنا العجيب.
стр. 4781
في الكلية العثمانية اليوم ٣٠ أستاذاً فيهم العربي والتركي والإفرنجي و٣٠ موظفاً في أعمالها المختلفة وتقسم مدة التعليم فيها إلى ثلاثة أقسام القسم الابتدائي ومدته سنتان والقسم الاستعدادي ومدته أربع سنين والقسم العلمي ومدته أربع سنين أيضاً وفيها قسم للصغار من سن الخامسة إلى العاشرة يبلغ عددهم ٣ طفلاً تقوم عَلَى تربيتهم معلمة مسيحية ومربية (قهرمانة) أخرى تنام معهم وتعنى بشؤونهم كما تعنى الأم بشؤون أطفالها.
ينال المتخرجون من هذه الديار شهادة تعادل شهادة البكلوريا في المدارس الأخرى العالية وأهم ما يتعلم فيها من المعارف والعلوم واللغات وتعليم النافع من الآداب الدينية العالية وإعداد أذهان المتعلمين إلى قبول النور الجديد ممزوجاً بالنور القديم وتخريجهم في مضمار الارتقاء.
وفي بيروت مدرسة ثانية ناجحة نشأت منذ ثلاث سنين لهمة رجل هندي محمد عبد الجبار أفندي خيري وهو رجل درس في كلية عليكر الإسلامية ثم جاءَ بيروت وتخرج في كلية الأميركان حتى أحزر هو وشقيقه محمد عبد الستار أفندي خيري شهادة معلم في العلوم فحدثتهما نفسهما أن يخدما هذه البلاد خصوصاً بعد أن درسا أحوال مرسلي الأميركان واطلعا عَلَى مقاصدهم وقام في ذهنهما أن يبشرا بالإسلام كما يبشر أولئك بالنصرانية فأنشآ هذه المدرسة بمعاضدة فئة فاضلة من شبان بيروت وتجارها فقاما بعملهما وإنكار النفس مبدأهما والغيرة الدينية دافعتهما وقد تشبعا بتعاليم الغربيين ولاسيما السكسونيين وعرفا بالخبر والخبر كيف تنجح الأعمال وتنضج وأي الأساليب أولى بالإتباع في التعليم.
يدهش المرء من تقلل هذين الأستاذين ومن تقشفهما وصبرهما واستنارة عقلهما وتوقد الذهن والغيرة في نفسهما ويعجب أكثر إذا رأى الرئيس أحدهما يرحل في السنة الماضية إلى أوربا يدرس في فرنسا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا وإنكلترا طرق التعليم في مدارسها وكلياتها ويؤوب إلى هذا الثغر المسعود بخدمة المهاجرين إليه يطبق فيه عَلَى الطريقة الإسلامية ما يلائمنا من أوضاع الغرب.
لا أعلم مدرسة إسلامية في سورية تعلم صغار الطلبة المبادئ العلمية بالعمل مثل دار العلوم فطريقتها في تعليمهم طريقة السكسونيين في حدائق الأطفال (كندر جاردين) تترك التلميذ يختار له بقعة من حديقة المدرسة يحرثها ويزرعها ويسقيها بنفسه وينظر فيما يلائم
стр. 4782
مغروساته ومستنبتاته ثم يعلم مبادئ الجغرافيا والطبيعيات والرياضيات بالعمل دون النظر ومنه يتطرق إلى النظريات.
كان يبلغنا من نجاح صغار الأولاد في القديم والحديث أمور كثيرة وها نحن رأينا اليوم صورة من صور الارتقاء المهم في تثقيف عقول الأطفال بحيث لا نغالي إذا قلنا أن صغار أبناء دار العلوم يعرفون من مبادئ الأشياء وحوادث الكون الصحيحة ما لا يعرف بمثله من الصحة والمكانة شيوخ هذا الزمان. والاستظهار لا حظ له في هذه الدار كما له في الكلية العثمانية وطريقة هذه أقرب إلى النواحي الإفرنسية وطريقة تلك إلى الطرق الإنكليزية السكسونية.
لم نر في دار العلوم أسماء الخطط الكثيرة والمواد المنوعة التي تورد في برامج التدريس من قبيل الإعلان عن المدرسة وتنوع فنونها عادة بل وجدنا فيها العمل أكثر من القول والتأني رائد العمل والإخلاص لحمته وسداه رأينا فيها القليل رأينا فيها القليل الملقن والقليل من المسائل مع النظر البليغ فيها أفضل من حشو الذهن بالمواد النظرية ولو اقتصر من تعليم اللغات عَلَى العربية والتركية والإنكليزية أو الإفرنسية فيها لانطبقت عليها هذه النظرية كل الانطباق وذلك لأن اللغة العربية لغة البلاد والدين والتركية لغة السياسة والدولة ولغة واحدة من لغات أوربا تكفي فيما نحسب اللهم إذا جعل تعليم أكثر من لغة اختياراً وإلا فالعمر يضيق عن درس اللغات وإتقانها واللغات آلة لا غاية.
مدرسة دار العلوم الخارجية والسعي لها متواصل لابتياع أرض لها واسعة تقام عليها بناية المدرسة ومما أعجبني فيها فتاتان مسلمتان تتعلمان بجانب الفتيان وبهما وبما رأيته من نجاحهما ذكرت طريقة الأميركان في التربية المشتركة فعسى أن تكون الفتاتان مقدمة لهذه الطريقة التي ثبت غناؤها في ديار الغرب فيذكرنا بما كان من دروس المحدثات والقارئات في عصور ارتقاء المسلمين في المساجد والجوامع وإنا لنرجو أن يزيد عدد طالبيها بمرور الزمن وعددهم الآن ١٧٠ طالباً يتخرجون عَلَى أدب النفس وأدب الدرس.
ربما يتبادر للذهن شيء من قصور معنى الكلية الإسلامية وليس أحسن في الجواب عَلَى ذلك من نقل ما تقوله هذه الدار عن نفسها في بيانها السنوي سنة ١٢٢٣ - ١٩١١ قالت:
نعني بالكلية العثمانية الإسلامية معهداً علمياً راقياً يدرس جميع العلوم والفنون التي تخول
стр. 4783
المتخرج منه أن يكون حاصلاً عَلَى شهادة البكلوريا - أن يكون رجلاً تام الأدوات علماً وأدباً - وأن يكون ذلك الرجل الذي تحتاجه هذه البلاد بعلم راسخ وحقائق راهنة متزوداً حسن الخلق بعرى الوطنية متسلحاً بسلاح العلم والمعرفة.
هذه غاية العمدة. وهذه هي الإصلاحات التي أدخلت إلى المدرسة
(١) إصلاح التدريس الابتدائي وجعله سنتين مفردتين عن التدريس الاستعدادي والعلمي - ثم إتباع طريقة المشاهدة والحس في التعليم فيه - وتقوية مفكرة الشباب وتعويده عَلَى الاستنتاج - وأن يكون أغلب التعليم في هذا القسم باللغة العربية كما سيظهره بروغرام التدريس المفصل.
(٢) يجب أن يرقى التعليم الاستعدادي وأن تفصل إدارته ثم أن ينظر في الكتب التدريسية وخصوصاً العربية وأن تتبع لأساتذة الطرق الحديثة في التربية والتعليم - وقد سافر الأستاذ الرئيس إلى مصر وزار معظم مدارسها الميرية والأهلية من ابتدائية وثانوية وعالية وشاهد طرقهم في التعليم وبحث في الكتب المدرسية في اللغة والفنون واستصحب معه كتباً جمة تفي بالحاجة وتقوم بالمطلوب.
(٣) السعي الحثيث في أن يكون تدريس العلوم باللغة العربية مستعملة لذلك الكتب المؤلفة أما الموضوعات التي يؤلف فيها حتى الآن فإن الكلية ستقوم بها وتستعمل الأساتذة طريقة إلقاء المحاضرات وطبعها في مطابع جلاتينية تسهيلاً للتلامذة وحفظاً لتلك المحاضرات.
(٤) أوقات التعليم لا تزيد عن خمس ساعات يومياً مع زيادة الاعتناء في الرياضة البدنية والحركات الجمبازية التي تدرس تدريساً خاصاً.
(٥) تعين الكلية قهرمانة للاعتناء بالتلامذة الصغار في القسم الابتدائي وملاحظة ثيابهم ونظافتهم.
(٦) العلوم والفنون والموضوعات التي زيدت: الفلسفة الأدبية والأخلاق الدينية. المطالعة العربية لعامة الصفوف في الأقسام الثلاثة. تاريخ الآداب العربي. النقد التاريخي. علم المثلثات. علم الفلك. الفلسفة العقلية. علم الرسم. أصول التجارة والمراسلات فيها وجغرافيتها.
(٧) زيادة أوقات التعليم العملي في الكيميا والطبيعيات. وجلب الأدوات اللازمة لذلك.
стр. 4784
(٨) يجب أن يكون التدريس والكلام سواء من الأساتذة أو التلاميذ بالعربية الفصحى.
(٩) تخصيص قطعة من الأرض لبعض التجارب النباتية والزراعية.
اللغة العربية: هي الأساسية في الكلية يدرسها التلميذ في كل صف من صفوفها في الاستعدادية والعلمية عَلَى أن التعليم الابتدائي إن لم يكن كله فجله فيها وذلك لأن اللغة العربية هي اللغة الأساسية الأصلية فإذا تمكن الشاب من لغته الأصلية يمكنه أن يتفرغ بعد ذلك إلى بقية اللغات الأجنبية - فتعين لها الكلية الأوقات اللازمة لإتقان الصرف والنحو وعلوم البلاغة (المعاني البيان البديع) واللغة والعروض وقرض الشعر والإنشاء والتعريب بحيث يتخرج الشاب ضليعاًَ في لغته عربي الأسلوب فصيح البيان كتابة وخطابة. والكلية تنشط همم الأساتذة عَلَى نقل العلوم الحديثة إلى العربية لتدريسها فيها لأن بذلك خدمة اللغة والأمة العربية.
اللغة التركية - تبذل الكلية العثمانية جل جهدها لأن يكون ابن العثمانية متقناً لغة دولته الرسمية قراءة وكتابة وإنشاء وهي تخصص لها في الدائرتين الاستعدادية والعملية الأوقات اللازمة لإتقان فروعها من مكالمات ومفردات وصرف ونحو وبلاغة وإنشاء وأدبيات وترجمة.
اللغة الإفرنسية - هي اللغة الأجنبية التي اختارتها عمدة الكلية لتدريسها درساً متقناً والاعتناء بتعليمها اعتناءً تاماً ليطلع التلميذ عَلَى كنه أسرارها وحتى يمكنه التبحر في مختلف الفنون الحديثة والعلوم العصرية.
أما مواد تعليم هذه اللغة فهي الصرف والنحو والبلاغة والبيان والنقد البياني والإنشاء والمراسلات التجارية. والترجمة وتاريخ علم الأدب الإفرنسي.
إن ما سبق ذكره من اللغات هي إجبارية في المدرسة واللغة الاختيارية هي الإنكليزية أو الألمانية فتعلم منها الصرف والنحو والترجمة والإنشاء والمراسلات.
وعلوم الكلية (١) العلوم الدينية. القرآن الشريف. التوحيد. الفقه. عملاً وعلماً من عبادات وفرائض ومعاملات (مجلة الأحكام الشرعية) وعلم أصول الفقه. والفلسفة الأدبية من القرآن الكريم والحديث الشريف.
(٢) التاريخ من قديم وأجيال متوسطة وحديث وحاضر. والسيرة النبوية. وتاريخ العرب.
стр. 4785
(٣) الجغرافيا. الرسم الجغرافي. الجغرافيا التجارية. والجغرافيا الاقتصادية سيما كل ما يتعلق بالمملكة العثمانية والدول الشرقية.
(٤) الرياضيات. الحساب. الجبر. الهندسة. علم الفلك. المثلثات. مسك الدفاتر.
(٥) العلوم الطبيعية من مواليد ثلاثة (حيوان نبات جماد) علم خواص الطبيعة. الكيمياء. حفظ الصحة.
(٦) الرسم. حسن الخط. الموسيقى.
(٧) المنطق. الفلسفة. الاقتصاد السياسي. علم الأخلاق.
(٨) تاريخ الأدب العربي. خطب في روح الاجتماع والعمران. فن الخطابة والإلقاء.
أما دار العلوم فلها الآن أربعُ مدارس: (١) المدرسة التأسيسية (٢) المدرسة الابتدائية (٣) المدرسة الاستعدادية (٤) المدرسة الصيفية.
(١) المدرسة التأسيسية - يراجع الرئيس بشأن هذه المدرسة.
(٢) المدرسة الابتدائية - هذه تؤهل طلبتها للمدرسة الاستعدادية.
فهي تعلمهم الدروس الأولية في الموضوعات الآتية: - (١) القرآن الكريم والتعليم الديني (٢) اللغات - العربية والتركية والإنكليزية والإفرنسية مع علم آدابها وفن الخطابة (٣) الرياضيات - الحساب وأشكال هندسية بسيطة (٤) الجغرافيا الوطنية والطبيعية (٥) التاريخ - حياة النبي ﷺ وقصص وتاريخ حياة بعض عظماء الرجال والنساء. (٦) علوم عصرية - مبادئ في معرفة المحيط القريب. إشارات في الموضوعات الأساسية من علم الحيوان والنبات وطبقات الأرض والأتربة والمعادن والكيمياء والحكمة الطبيعية والفلك ومنافع أعضاء الإنسان وحفظ الصحة والهيئة الاجتماعية الخ. (٧) الرسم (٨) التمرين العسكري العثماني وألعاب رياضية. وهذه المدرسة تستغرق أربع سنين مدرسية ولغة التعليم فيها هي العربية فقط.
(٣) المدرسة الاستعدادية - يقصد بها تهيئة طلبتها لدخول المدارس العالية والكليات في الوطن وفي الخارج فهي تتقن الدروس الابتدائية في الموضوعات المشروع بها في المدرسة الابتدائية مع زيادة تفصيل ودقة وترتيب وتزيد عليها كما هو مبين أدناه: (١) التفسير والحديث وعلم الأديان وعلم الأخلاق ومبادئ أساسية من حكمة الإسلام. (٢)
стр. 4786
دروس أعَلَى في اللغات وعلم آدابها وممارسة أكثر في الإنشاء والخطابة (٣) مراجعة الحساب ودروس في مبادئ الجبر والهندسة (٤) جغرافيا المملكة العثمانية المفصلة والجغرافيا السياسية العامة. (٥) تاريخ حياة النبي ﷺ وتاريخ الإسلام والخلفاء الأربعة ﵃ وتاريخ المملكة العثمانية ومختصر تاريخ أوروبا القديم والحديث. علوم عصرية - حث عَلَى إمعان النظر في الطبيعة والمحيط القريب وإيضاحات في الموضوعات الأساسية من علم الحيوان والنبات وطبقات الأرض والأتربة والمعادن والكيمياء (٦) والحكمة الطبيعية والفلك ومنافع أعضاء الإنسان وحفظ الصحة والهيئة الاجتماعية البسيطة (٧) الرسم بالألوان (٨) إتقان التمرين والتهذيب العسكري العثماني وبالاختصار يربى الطالب من كل الوجوه.
وهذه المدرسة تستغرق سنتين مدرسية. أما لغة التعليم فتكون غالباً اللغة العربية إلا في العلوم العصرية وغيرها من الموضوعات التي لم تترق بعد في العربية والتركية.
(٤) المدرسة الصيفية - هذه أنشئت خصوصاً للطلبة المقصرين الذين يرغبون في تعويض ما نقصهم والتخلص من جزاء لتقصيرهم ليرتقوا صفوفاً أعَلَى وأيضاً للطلبة الذين ليس لهم عند أهلهم أشغال نافعة ويرغبون في تقوية أنفسهم لدروس السنة الآتية.
العربية في الكلية
كان المأمول من الكلية السورية الإنجيلية الأميركية أن تكون في مقدمة معاهد التعليم في هذه الديار في العناية بآداب العربية وإحياء مدنية البلاد وإدخال المدنية الحديثة إليها بحيث يأتي من تعليم المدنية العربية ممزوجة بالمدنية الغربية نوع من هذه المدنية النافعة. هكذا بدأَت تلك الدار ولكن عمدتها رأَوا أن يجعلوا سنين التقدم للغة الإنكليزية بدعوى أن العربية يضيق صدرها عن الإفصاح عن العلوم الحديثة ولا يتيسر لها أن تسير مع المستحدثات العصرية جنباً إلى جنب.
وهذا الخلاف هو الذي حمل فقيدي العلم والآداب الدكتورين كرنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات عَلَى مغادرة منابر التدريس في صفوف الكلية وكانا من أعظم عمدتها العاملين لأنهما أيقنا أن التعليم بالإنكليزية مؤخر لنشر العلم في هذه البلاد وداع إلى تراجع الكلية عَلَى ما هو المشاهد اليوم وإذا قل النافعون النابغون في المتخرجين من هذا المعهد العلمي
стр. 4787
العظيم وانصرفت وجهة نظر المعلمين إلى الاستخدام في مصر والسودان وأميركا فهاجر إليها خيار أبنائنا كانت الكلية معهم أشبه بمحطة توضع فيها البضائع أياماً تنقل إلى قطر آخر فليس لبيروت بل لسورية من هذه الكلية إلا أنها موطن لتعليم أولادنا عَلَى الطريقة التي تريدها تلك الكلية ثم الرحلة بهم إلى حيث تروج بضائعهم رحلة أبدية ووقتية.
فإذا كان لهذه الكلية التي ما دخلناها مرة إلا ورأينا فيها مثال العظمة الأميركية وقوة المتحمسين الأميركان لبث دعوتهم الدينية ثم المدنية - هذا الامتياز وتلك القوة العلمية والمادية أليست حرية بأن تنفع البلاد التي أُسست فيها وعاهدت النفس عَلَى خدمتها أكثر مما نفعتها: وذلك بعنايتها بتدريس اللغة العربية تدريساً يحمد أثره ويطيب خبره ومخبره. وهذا لا يكون إلا بانتقاء خيرة الأساتذة لتدريسها كما يختار للإنكليزية عَلَى الأقل ونشر الأسفار في العلوم الحديثة والقديمة وإلقاء المحاضرات والخطب عَلَى الدوام بالعربية كما تلقى بالإنكليزية.
ربما شق هذا القول عَلَى غير المنصفين من تلامذة الكلية وأساتذتها ولاسيما من رأَوا نيل شهادة البكلوريا منها هي غاية علم الأولين والآخرين وأن شهادة الطب أو الصيدلة أو التجارة منها هي جماع المعرفة والنجاح العالمي وأن من لم يسعده الحظ بالدخول إلى أبواب الكلية والجلوس عَلَى دكات صفوفها يستحيل عليه أن يتعلم تعليماً نافعاً إلى غير ذلك من الدعاوي التي طالما تجلت في أقوال كثرة من المتخرجين في الكلية وأفعالهم أو في نفوس من وقفوا أنفسهم عَلَى خدمة الكلية بما تريد ليعدوا في جملة معلميها وإن كانت عمدة الكلية لا تحسب أبناء العرب بل أرقاهم كعباً بمثابة أصغر معلم أميركي فيها مهما صانعوا أو تلطفوا مع الأميركان.
ومن الغريب أن بعضهم كان يشكو من سلب إرادة المرؤوسين من الرهبان الباباويين وفناء إراداتهم في إرادة رؤسائهم فلما رأينا أساتذة العربية في الكلية الأميركية ثبت لنا أن مرسلي البرتستانت ليسوا أقل سطوة عَلَى نفوس مرؤوسيهم من أولئك الرهابين وما نظن أن معلمي العربية متى أيقنوا أن المدرسة محتاجة إليهم أكثر من احتياجهم إليها تعاكسهم في إصلاح طريق تعليم العربية وإحكام ملكتها بالصحف والكتب والخطب والدروس.
ومن الأسف أن تكون الكتب المخطوطة والمطبوعات العربية في مكتبة الكلية أقل من
стр. 4788
عشر المطبوعات الإنكليزية بل لا تكاد تبلغ بمكانتها جزءاً من عشرين جزءاً من مكانة الكتب الإفرنجية وإن ما في مكتبة الكلية من قمطر الكتب أدنى إلى أن يكون مكتبة فرد صغيرة منه إلى أن يكون مكتبة جمعية كبرى لها في المصارف المالية نحو أربعمائة ألف ليرة تتقاضى يعها السنوي.
نعم إن مكتبة الكلية لا تفي بحاجة مشتغل واحد بالعلم فكيف تكفي في سد حاجة مئات المشتغلين وكذلك الحال في مجلة الكلية التي تصدرها عمدة المدرسة باللغة الإنكليزية والعربية وتجعل موضوعاتها الإنكليزية أمتع وأوسع والعربية تافهة عَلَى الأغلب.
هذه الملاحظة التي نلاحظها عَلَى كلية الأميركان نلاحظها أيضاً عَلَى كلية القديس يوسف الكاثوليكية في بيروت فإن القول الفصل للغة الإفرنسية فيها يتضلع منها المتخرجون فيها أكثر من تضلعهم من الآداب العربية وما رأينا نابغة بالإنشاء العربي مثلاً تخرج عَلَى أساتذتها عَلَى كثرة من يعد القائمون بأعبائها من أسماء المؤلفين والمترجمين والتجار الذين درسوا في الكلية اليسوعية اللهم إلا إذا كان ممن لم نعرفهم ولكن ما يشفع لهذه الدار أن عمدتها جمعوا لهم مكتبة شرقية منقطعة القرين في هذه الديار وسمحوا للمنقطعين للتأليف والبحث من قسيسهم المتعلمين أن ينشروا ما طاب لهم من الأسفار العربية خصوصاً ما وافق غرضهم الديني وخدم أفكارهم ولو بالواسطة فكان من أثر ذلك أن نشرت المطبعة الكاثوليكية الملاصقة لهذه الكلية الكاثوليكية نحو مئة كتاب عربي وبعضه خلا من المسخ والحذف وإن نشروا في مجلة المشرق عدة رسائل نافعة في جنب ما ينشرونه من المقالات الدينية.
هذا ما نراه في الكليتين العظيمتين القديمتين الأميركية والإفرنسية ولغة التعليم فيهما وما نشأّ لهما من الآثار وما يرجى لهما منها إذا عنيا أكثر من الآن بلغة البلاد فعسى أن يحل من نفوس القائمين عليهما المحل المطلوب وينزل منزلته من الإخلاص وإرادة الخير حتى يكون في سلبهما أبناءَنا بتعليمهم لغات الأجانب بعض التعزية في تعلميهم لغة أمهاتهم وآبائهم ليقووا عَلَى بث الفكر المقصود بين أهل جيلهم وقبيلهم.
معامل السيوفي
كما تأَمل الناظر في الأعمال الكبرى التي قامت بهمم الأفراد في هذه البلاد لا يراها تخرج
стр. 4789
عن القاعدة التي جرت عليها عند أهل الحضارة الحديثة والقديمة فينجح في العادة من تمرنوا سنين عَلَى العمل الذي يريدون أن يتمحضوا له وعرفوه بدقيقه وجليله وفروعه وأصوله. فالناجح في أرباب المطابع هو الذي سبق له وتعلم في صباه صناعة تنضيد الحروف واستعمال الأدوات والكتابة عَلَى الحجر. والناجح في زراعته هو الذي يحسن معرفة الحرث والكرث بيده ويجيد البذر والتسميد والتشذيب والعزق والسقي والتعشيب وأنواع البذار وما يجود منه وأجناس التربة وما يصلحها وتربية الأشجار والنباتات والقيام عَلَى المواشي والناجح بعمل الأقمشة هو الذي يلم إلماماً مهماً بكيفية نسجها وحياكتها وضروب الحرير والكتان والغزل والصوف. بل والناجح ففي كل فروع الأعمال الاقتصادية والصناعية والتجارية هو الذي مشى في عمله عَلَى سنة الكون فبدأ صغيراً ونمت معارفه بتقدمه في السن فينال من النجاح بقدر جهاده وملاءمة الأحوال له وحالة محبطة وأسبابه ورأس ماله المادي والمعنوي.
هذه المقدمة تنطبق كل الانطباق عَلَى إلياس أفندي جرجي السيوفي صاحب المعامل المشهورة به للتجارة والفرش في بيروت. كتبت لي زيارتها هذه المرة فرأيت صورة مصغرة من صور الغرب في بلاد الشرق وتمثل لي فضل الذكاء العربي وأنه وإن لم يفق الغربي فليس دون وإن يد أبنائنا صناع في الأعمال لا يفوقها ابن فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا إلا بأن الإفرنج يرجعون إلى أساليب في العمل تنقصنا أو تكاد في أكثر البلاد لا تجد لها أثراً بيننا وهي ترجع إلى أسباب رئيسية مهمة أولها الصبر عَلَى العمل وثانيها تجويد العمل وثالثها القدر اللازم للعمل من المال والمعرفة ورابعها الاقتصاد في الوقت والأيدي العاملة وخامسها تنشيبط الآهلين والحكومات للمصنوعات الوطنية وحماية التجارة الداخلية بقوانين تنفذ عَلَى الصادر والوارد وسادسها وجود المواد الأولية التي يمكن بها الاستغناء عن البلاد الخارجية في الجملة.
دلت معامل السيوفي أن الشرقي بمفرده أمة وأن الأمة بمجموعها ضعيفة بمعنى أن الشرقي يعمل مفرداً أحسن من عمله مجتمعاً وذلك لفقد التربية المشتركة بين المشارقة يرجعون إليها وتضم عراهم. فلو كان معمل الغزل في دمشق لفرد واحد منذ إنشائه له خيره وعليه شره لما اضمحل هذا الاضمحلال الذي نراه عليه اليوم ولو كانت معامل السيوفي في
стр. 4790
بيروت لشركة لما رأينا فيها هذا النظام والنجاح وبذلك صح لنا إثبات ما قدمناه من أن الشرقي أمة بمفرده والأمة ضعيفة بمجموعها وأن لا سبيل إلى قيام الأعمال الكبرى في بلادنا وإن نقدر لها النجح المطلوب إلا إذا اتحدت مناحينا وتعلمنا تعليماً وطنياً اقتصادياً واحداً.
وأي دليل عَلَى ذلك أفضل من أن نقول بأن صاحب هذا المعمل بدأ منذ ٢٤ سنة وهو في الثالثة عشرة من عمره لا يملك غير ثمانمائة قرش ومعلومات جزئية في التجارة تعلمها في الممارسة ومنها ما أحرزه بقانون الوراثة لأن والده كان يعمل بالحرير وجده دمشقي يجلو السيوف في دمشق إن صح أن تؤثر الوراثة في الميل إلى الصناعة. ولا شك أن هذا الميل نما فيه مع الزمن وزيارة أوربا وما فيها من آثار العاملين والمفنيين فكان يتوسع في معمله بحسب سنة النمو التدريجي حتى بلغ اليوم مبلغاً يعد به مفخراً من مفاخر سورية الصناعية ونموذجاً من أنموذجات الذكاء الشرقي الذي يبدع ويجيد إذا تهيأت له الأسباب وحملته الدواعي عَلَى العمل.
عَلَى هضبة من هضاب بيروت الجميلة في حي الأشرفية في مكان بعيد عن مركز حركة هذا الثغر يطل عَلَى سفوح لبنان وبيروت من جهة وإلى البحر الرومي من أخرى قامت هذه المعامل البديعة في بقعة فسيحة من الأرض تدخلها فتخل نفسك في إحدى معامل الغرب الكبرى وأول ما يبدأوك بعد الدخول من الرتاج ساعتان عن اليمين والشمال بجانبهما صندوقان معلقان مقسومان إلى بيوت صغيرة وفي كل بيت مقواة كتب عليها اسم أحد العملة وطبع عليها ساعات الغدو والغداء والرواح فمتى وصل العامل بعد الفجر وقبل الإشراق في الشتاء مثلاً يضع مقواته في بيتها فلا تلبث أن تكتب عليها ساعة مجيئه والدقيقة التي جاءَ فيها بحروف عربية وفي آخر اليوم أو الأسبوع يرجع إليها مدير العمل ويحسب المتأخر من المتقدم ويحسبون ذلك بموجب نظام خاص لم جروا فيه عَلَى مثال نظام العمال في سويسرا والبلجيك والنمسا وألمانيا ومن قوانين العملة في هذه الممالك اختار مؤسس المعمل أحسن ما يلاءم هذه البلاد وينفع في نجاح عملته ويعود عليه وعليهم بالربح واقتصاد الوقت.
وهذه الساعة من أنفع ما يجب استخدامه في معاملنا ومطابعنا ودواوين أعمالنا وبيوتنا
стр. 4791
التجارية والمالية ودوائرنا العسكرية والملكة ليتعلم قومنا مراعاة الوقت والتدقيق في حسابه حتى يبارك لهم بساعات العمل وأيام الحياة ويتعلموا أن التدقيق في المواعيد أحد دعائم التنظيم في فروع الأعمال ومن أهم أساليب النجاح الذي غفل عنه معظم سكان هذه الديار وعدوا من ينظم أوقاته ويدقق في وعوده واستقبال خاصته ومن لهم علاقة به في ساعات محددة متكبراً أو مهوساً.
يباكر العملة في معامل السيوفي في الصيف والشتاء والخريف والربيع عَلَى السواء وينقطعون ساعات وقت الظهر ثم يعاودون العمل الي قبيل الغروب أو إلى بعده بقليل بحيث لا يتجاوز معدل ساعات العمل في اليوم تسعاً بخلاف عملة أوربا فإنهم يعملون في بعض البلاد كبلجيكا مثلاً زهاء اثنتي عشر ساعة ولكن للمحيط وكثرة الأيدي العاملة والعادة والإقليم دخلاً كبيراً في هذا الاصطلاح ولو لم تكثر هجرة المسيحيين بعد الدستور لوجوب الخدمة في الجندية عليهم وجوباً عَلَى إخوانهم المسلمين فانسل معظم من هم في سن العسكرية إلى أميركا أو غيرها من أبناء الطبقة الدنيا خصوصاً لما قلَّ بذلك عدد العملة في معامل السيوفي فليس فيها اليوم في حي الشرفية وداخل المدينة أكثر من ٢٨٠ عاملاً مع أن الأدوات والأعمال التي اقتناها صاحبنا تشغل ضعفي هذا العدد فيستفيدون ويفيدون.
أكثر ما يعمل في هذه المعامل منجورات الدور الخشبية وأنواع الفرش وأثاث البيوت ففيها تعمل كما تعمل في الغرب فتتأنق الأيدي والعيون في تجويدها وتساعدها الأدوات التي تدار بالفحم الحجري وتبلغ نحو الستين آلة ومناه لقطع الخشب وصقله وحفره وتقويره وتنشيفه فترى في خشب الجوز والزان من واردات الروم - (أناضول) والأكاجو من كوبا وشوح النمسا وسنديان أميركا والخشب البياسي من قيلقية (أطنة) تعمل في تلك الأدوات الحجرية وتحركها تلك المحركات والآلات كأنها العجين في يد خبازه أو الملاط بيد البناء الحاذق.
قال لنا صاحب المعمل أن الآلة الكبرى المحركة في معمله هي بقوة مئة حصان تنفق في النهار ١٣ فرنكاً من الفحم وكانت الآلات التي هي أصغر منها تصرف من قبل أكثر منذ ذلك وبهذا يستدل أيضاً أن نفقات المعامل الكبيرة أدنى إلى الاقتصاد وأعمالها أقرب إلى الجودة من مصنوعات المعامل الصغيرة لاسيما والمعامل الكبرى تتجلى فيها قاعدة تقسيم الأعمال فنجد العملة في معامل السيوفي مقسومين إلى عدة أقسام قسم الأدوات وله وكيلان
стр. 4792
وقسم النجارة وله وكيلان وقسم الحفر وله وكيل وقسم البرداخ وله وكيل وفي هذا القسم نحو أربعين ابنة تعمل فيه وللمحل رسام خاص وكلهم من أبناء العرب ليس بينهم إفرنجي حتى الأدوات قد جعلت في مواضعها بمعرفة صاحب المعمل دون الاستعانة بأحد من غير أبناء وطنه.
تختلف أجرة العامل في اليوم من ستين بارة إلى ستين قرشاً ويحاسب عن أجرته كل يوم سبت من كل أسبوعين في الشتاء ويحاسب في الصيف كل سبت قبل الظهر ليتيسر له الخروج إن أحب إلى الجبل يصرف ليل الأحد وليل الاثنين فيه للنزهة ويقضي عَلَى كل عامل أن يعمل ستة أشهر تحت التجربة. أولاً ثم تحسم من مياومته أجرة أسبوعين تجعل في صندوق المحل حتى لا تحدثه نفسه بالخروج من المعمل كل يوم أو كل أسبوع كما يفعل بعض العملة في المعامل ويتركون أصاحبها معطلين.
ومن جملة ما شهدته من النظام داخل المعمل قاعة كبرى وموائد يتناول عليها العملة طعام الظهر وآلة تضغط النشارة عندما توضع فيها وهي من اختراع أحد العمال هنا وتلقي بها إلى مكان بعيد خارج بناية العمل ومن هناك يبتاعها أرباب القمامين ومما رايته خارج المعمل من النظام رصف الطريق الموصلة إليه عَلَى نفقة صاحب المعمل وغرس بعض الأشجار عَلَى جانبيها ويبلغ طولها نحو كيلومترين.
هذا ما رأيته في معامل السيوفي من النظام الذي لا أبالغ بأني قلما رأيته في معمل يرأسه شرقي ولذلك بصفق لصاحبه لأنه بدأ به صغيراً سنة ١٨٨٨ في مدينة بيروت وكبره سنة ١٩٠٨ في حي الأشرفية عَلَى الصورة التي رأيناها اليوم ونفقة عمارته وأرضه وأدواته تساوي خمسة وعشرين ألف ليرة ولكن لا يتيسر لمن معه مئة ألف ليرة أن يقيم مثله بأدواته ونظامه إذا لم تسبق له معرفة كمعرفة السيوفي ولم يقض سنين مثله في النجارة ويحيط بما جل وقل من أساليب العمل وتجويده فليت كل أعمالنا تجري عَلَى هذا المثال من النظام البليغ والنجاح الأكيد.
стр. 4793
جنون الاستعمار
إذا قيل أن السياسة لا قلب لها فيقال أن جنون الاستعمار فنون فقد ساق الغرور دولة إيطاليا إلى أن تخرق العهود وقوانين الدول وتبعث إلى طرابلس الغرب وبرقة بمدرعاتها وجيوشها للاستيلاء بدون مسوغ قانوني عَلَى بلاد طرابلس وبرقة من يد صاحبتها الشرعية دولتنا العثمانية ولو أتت دولة شرقية مع دولة غربية ما أتته إيطاليا مع العثمانية لقامت الدول الكبرى يداً واحدة والله أعلم أي تعريض كن يقضين عَلَى المعتدية به ولكن السياسة لا قلب لها وجنون الاستعمار فنون.
قال الرحالة روهلفس الألماني وقد زار صحراء أفريقية مرة ثانية سنة ١٨٧٧: إن طرابلس الغرب مفتاح أفريقية فمن يملكها يملك السودان كله وفي الواقع أن البحر المتوسط يكاد يمس الصحراء من طرابلس وإليها تنتهي ثلاثة أو أربعة طرق من الطرق المهمة في الصحراء فمن طريق غدامس يوصل إلى السودان الغربي ماراً ببلاد توات وتومبكتو ومن طريق مرزوق وغات ينتهي الطريق إلى بحيرة تشاد وطريق بنغازي (برقة) يؤدي إلى النيل ودارفور ولكن هذه الطرق لا أمن فيها وخصوصاً في جهات فزان من الجنوب حيث ال + + ة والجياع من الطوارق قد يمدون أيديهم بالأذى إلى أبناء السبيل ولاسيما أيام المجاعات وما أكثرها في طرابلس وبرقة.
وهذا ما منع فرنسا وغيرها من دول الاستعمار من قطع المطامع من طرابلس لأنها متنائية الأطراف وعمران الصحراء هو والعدم سواء وبلاد هذا حالها من الفقر الطبيعي يستحيل عَلَى شركة عاقلة في الغرب أن تقد عَلَى إنشاء خط حديدي يرابط أدناها بأقصاها عَلَى الأقل ولذلك كانت نقاط اتصال الصحراء بالبحر من البحر الأتلانتيكي وخليج غينية والبحر الأحمر يفضلها التجار وأكثر طرقها لا ماء فيه أربعة أو خمسة أيام عَلَى الوصول إلى البحر المتوسط من إحدى موانئ هذا الإقليم طرابلس ودرنة وبرقة وطبروق والسلوم.
بيد أن إيطاليا تحلم بالاستيلاء عَلَى طرابلس قبل أن تؤلف وحدتها لتكون لها مركزاً تعتمد عليه بين جزيرة كورس الفرنسوية وثغر برزت التونسي وجزيرة مالطة الإنكليزية وثغر تريسته النمسوي فتجعل طبروق من إقليم برقة مرفأً حربياً في نقطة وسطى بين تلك الجزائر والثغور. ويقول أنصار إيطاليا أنهم إذا تم لهم ما تريد فإنها تنتفع من الوجهة الاقتصادية من برقة عَلَى الخصوص لأنها تشبه تونس بعمرانها وقد غرس اليونان الكرم
стр. 4794
والزيتون في أرضها وفيها من غلات الإسفنج شيء كثير فتصرف فيها وفي غيرها مصنوعات معامل بيمون ولومبارديا وبالنظر لقرب طرابلس وبرقة من جزيرة صقلية الإيطالية ولكثرة سكان هذه الجزيرة يجيء بعض أهلها يستنبتون الحقول ويستثمرون المعادن في طرابلس.
ولكن فات أولئك الباعثين أن ذاك الحلم عَلَى فرض تحقيقه والرجاء أن يخيب أن إيطاليا كانت تستطيع الوصول إلى هذا الغرض من إفادة بعض أبنائها من خيرات هذا الإقليم العثماني بأن تبذر في مشروعاته النافعة جانباً من أموالها فتنال ما تريد بحكم المنافسة بين أرباب الأموال والأعمال ولاسيما الأوربيين منهم كما هو الحال في معظم أصقاع المملكة العثمانية.
فقد رأينا فرنسا وضعت ملايين من أموالها في شركات السكك الحديدية في المملكة العثمانية فحفظت بذلك نفوذها ونفعت تجارتها ومعالمها فكان عَلَى إيطاليا لو أحبت الانتفاع بسلام أن تجرى عَلَى آثار الفرنسيس جيرانها وبذبك يتوفر لها من النفقة كل يوم عَلَى بريتها وبحريتها منذ نحو ثلاثة أشهر بمئة ألف جنيه وهذا مبلغ جسيم بالنسبة لمملكة تطبق مفاصل ميزانيتها بضرب الضرائب الفادحة عَلَى رعاياها حتى هاجر منهم إلى أقطار الأرض حتى الآن زهاء ستة ملايين رجل.
قضت إيطاليا بنظامها الجائر في التملك أن يترك الناس بلادهم تنعي من بناها وكان أهل صقلية أقاليم جنوب إيطاليا أكثر البلاد هجرة حتى أن بعض القرى خلت من السكان جملة وأكثرها هجرة ثلثا ساكنيه وأصبحت الحال هناك في شقاء ليس بعده شقاء وفقر وعهر لا يدرك غورهما فكر وناهيك ببلاد يهجرها رجالها ولا يبقى فيها إلا البنون والبنات والعاجزون والعاجزات.
لمثل هؤلاء القوم يستعد الخاصة من الطليان كما تقول إحدى مجلاتهم منذ الزمن الأطول للسياسة الاستعمارية ومعظم الشعب الإيطالي لا يهتم بتاتاً بمستقبل المستعمرات الإيطالية كأرتيرة والصومال بل يتجشمون البحار إلى أميركا الشمالية والجنوبية هناك يعملون ويرتزقون. فقد بدأ الخاصة سنة ١٩٠٥ يلقون محاضرات عَلَى الاستعمار وبعد سنتين أنشئ ديوان الزراعة الاستعمارية الإيطالي وغايته أن يوجه الإيطاليون وجهتهم إلى
стр. 4795
المستعمرات الإيطالية ويتخلون عن قصد أميركا وغيرها من ديار الأجانب فأُنشئت لذلك حدائق للنبات الاستعماري في مدينتي رومية وبلرمة وهذا الديوان يتلقى من المصادر المختلفة معلومات عن زراعة البلاد التي يراد استعمارها وحيواناتها وموادها ومناخها ومقدار المطار التي تهطل فيها ويقوم بأبحاث جيولوجية من حيث مساحة الأراضي وخصائص شعوبها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية وفيه تلقى محاضرات في زراعة المستعمرات وحفظ الصحة في الاستعمارية وهو يؤسس مدارس إعدادية للاستعمار وينشر مجلات وكتباً في هذه الموضوعات.
وهذه النظريات لم تستطع إيطاليا حتى اليوم أن تطبقها عَلَى العمل إلا في بلادها الأصلية العامرة بطبيعتها مثل الولايات الشمالية وعَلَى كثرة ما يؤلفون من الشركات والجمعيات لإنهاض شأن المهاجرين الإيطاليين في أميركا فإن الإسرائيليين هناك كما أكد محققوهم أنفسهم أقدر منهم عَلَى الأعمال فإن قسماً مهماً من التجارة الصغيرة والعظيمة بأيدي الإسرائيليين وكذلك المصارف الكبرى والحكومة والوظائف العامة وعَلَى قلة عددهم لهم مكانة دونها مكانة الإيطاليين الذين يدعون أنهم من نسل غاريبالدي ومازيني وميكل آنجل وليونارد دي فنسي ورافاييل سانتريو وأمثالهم من أرباب الصناعات النفسية ورجال الإدارة والسياسة.
نحن نعلم أن الطليان كثير نسلهم يباكرون إلى الزوج رجالاً ونساءً وإن نسبة السكان منهم إلى كل كيلومتر مربع أكثر من نسبتها في ألمانية ففي الكيلو متر المربع في إيطاليا ١١٧ ساكناً وفي ألمانيا ١٠٤ أشخاص وقد ارتقت التجارة الإيطالية ارتقاء مهماً ولاسيما بعد أن توطدت أركان الوحدة الإيطالية وتألفت من تلك الممالك الصغرى البندقية وطوسكانيا وجنوة وغيرها هذه المملكة الكبيرة وإن دين إيطاليا قليل بالنسبة لسائر الممالك الممدنة ولكن كل هذه الصفات لا تبرر عملها عند العقلاء وسوف تعلم أنها لو صرفت نصف ما صرفته حتى الآن من المال والرجال في الأعمال العمرانية سواءٌ كان في بلادها أو خارجها لكان أحسن لها وأبقى.
وما نظن أن إيطاليا تستطيعان تنزع من أرباب الأملاك أملاكهم في طرابلس مهما نوعت أساليب الحيل ففرنسا بعد استعمار الجزائر منذ سنة ١٨٣٠ عَلَى شدتها في استعمارها لم
стр. 4796
تتمكن من الاستيلاء عَلَى ما تحب من الأراضي كما يفعل الرومانيون في البلاد التي يفتحونها وينزعون من المالكين ويستعمرونها بأبنائهم غالباً والرومانيون أجداد الإيطاليون الأول وإلى اليوم لم تربح حكومة فرنسا من الجزائر بل هي تخسر عليها.
فهل يعقل أن تتحقق أماني إيطاليا في طرابلس والخصب فيها في أماكن معينة وعي ملك لأهلها ولطالما دافعوا عنها دفاعهم اليوم من اعتداء الفاتحين وطردوهم من عقر دارهم. فإذا كانت إيطاليا تقصد الإثراء ونفع أبنائها فهذه الطريقة من أعقم ما لجأت إليه دولة مستعمرة من دول المدنية الحديثة فإن ثروة الناس لا تزيد باتساع ممالكهم فالصيني ليس أغنى من الفرنسوي مع أن سكان الصين عشرة أضعاف سكان فرنسا والألماني ليس أغنى من البلجيكي من أن سكان ألمانيا عشرة أضعاف سكان بلجكا وقد تضيق أرض بسكانها حتى يقل الرزق عليهم فيها فتضطر حكوماتهم أن تمتلك بلاداً أخرى كثيرة الخيرات قليلة السكان حتى تسهل عَلَى الفاضل من أهاليها المهاجرة إلى تلك البلاد والارتزاق فيها كما فعلت إنكلترا وهولاندا وجرت فرنسا وألمانيا مجراهما. ولكن إيطاليا لم تعمر كل بلادها حتى الآن فليس بها حاجة إلى فتح بلدان أخرى وتعميرها للارتزاق منها فإن عندها جزيرة سردينيا مساحتها أكثر من ٩٣٠٠ ميل مربع وليس فيها من السكان سوى ٨١٠٠٠٠ نفس مع أن صقليا تماثلها مساحة وسكانها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف وعندها مستعمرة ارتريا في أفريقية عَلَى حدود السودان ومساحتها ٤٥٨٠٠ ميل مربع أي نحو نصف مساحة إيطاليا كلها وهي من أغنى بلاد الدنيا بالمناجم والحراج وليس فيها من السكان نصف مليون نفس وعندها بلاد الصومال ومساحتها نحو ١٤٠٠٠٠ ميل مربع أي أكثر من مساحة إيطاليا بنحو ثلاثين في المئة وسكانها نحو ٤٠٠٠٠٠ نفس وهي بلاد زراعية كثيرة الخيرات فعَلَى م لا يهاجر الإيطاليون إلى هذين البلادين ويعمرونها إن كانت بلادهم قد ضاقت عليهم.
وهب أن إيطاليا اهتمت بإصلاح طرابلس الغرب واستثمار خيراتها فهي إما أن تستأثر بذلك لتنحصر الفائدة فيها وفي سكان طرابلس فتكون قد جرت مجرى إسبانيا والبرتغال في استعمارهما فتفشل فشلهما لأنهما فشلتا فشلاً تاماً في كل البلدان التي امتلكتاها وحاولتا استعمارها ومنعتا غيرهما من مشاركتهما في النفع وأما أن تجري مجرى إنكلترا وهو فتح
стр. 4797
أبواب مستعمراتها لتجارات كل الأمم وحينئذ لا يكون السبق للإيطاليين بل للإنكليز والألمان لأن السبق في المناظرة التجارية للأغنى مالاً والأوفر علماً والأمهر صناعة. وهيهات أن تعيش إيطاليا في طرابلس الغرب بتعب غيرها وإعنات أهلها فإذا فعلت يحل بها الخراب كما حل برومية في أيامها الخالية.
يحل بها الخراب لأن فكرة العظمة الرومانية يضيق عَلَى إيطاليا الحديثة خناقها ويحرج صدرها فهي تريد أن ترجع إلى أصولها البعيدة وتطمع في غير مطمع ولا تتنازل عن عجبها. تريد بالتهور في الاستعمار أن تغتني وتعيد إلى رومية الثالثة مجداً أضاعته الأيام وفساد الأخلاق والنظام بل تطمع بأن تجعل ممالك أوربا حافات من حول عرشها تسبح بحمدها وتفاخر بمجدها كما طمع نابليون الأول فكان في ذلك إضعاف أمته بأسرها فأهرق دماءها ودماء غيرها وأفقرها وأفقر جيرانها وكان مصيره أسوأ حال.
تحاول إيطاليا اليوم الدعوة إلى إعادة مجد الرومان بجميع أساليب الدعوة من نشر الصحف وإلقاء الخطب وإنشاء المدارس حتى أن الكتب المدرسية التي تعلمها للأولاد تعد فيها نيس وكورس وترانتن من بلادها مع أنها للفرنسيس تسير في ذلك عَلَى سيرة إحياء الشعور الوطني كما كانت تفعل الحكومة عندنا في كتب الجغرافيا التركية فتذكر فيها من أملاكنا ما فقدناه من نحو مئة سنة ولم يبق لنا حق من الحقوق الدولية والشرعية فيه.
تظن إيطاليا أنها تحمل المهاجرين من أبنائها بمئات الألوف إلى طرابلس وفاتها أن هذه البلاد حتى اليوم عَلَى قربها من أوربا ليس فيها سوى ٢٢٠٠ مالطي و١٠٠٠ إيطالي و٧٠٠ فرنسوي و٦٠٠ إنكليزي و١٥٠ إسبانيولياً وبعض الهولانديين والنمساويين واليونان والألمان والأميركان لا يبلغ مجموعهم كلهم خمسة آلاف نسمة وإن أكفأ الناس في التجارة والصناعة والزراعة واقدر الأمم بالملل والرجال هم يستثمرون الأرض فأين هم من الألمان فقد بلغ من حذقهم أن استولوا عَلَى كثير من أعمال التجارة في لندن ونيويورك بل في باريز نفسها وناهيك بكره الفرنسيس لأعدائهم الألمان ولقد قدروا مؤخراً عدد الألمان في باريز وضاحيتها بمئة وأربعين ألفا يتجرون في نفس عاصمة الفرنسيس بجميع أنواع التجارة وينافسون الفرنسويين في أرباحهم فتجد منهم الكتبيين والخياطين والجوهريين والفرائين وشركات الضمان والصيارف وغير ذلك من فروع العمل فلو تدبرت إيطاليا أو
стр. 4798
خاصتها المفكرة لعلمت أنها قادمة عَلَى معترك شديد في طرابلس وبرقة ولو سلم لها ما تنويه من الغوائل الأهلية ولو سلم من كل ذلك لكانت العاقبة في الاستعمار لأرقى الأمم في مذاهب المعاش وأعرفها بطرق الانتفاع والنفع ولكن هو فساد الإدارة وجنون الاستعمار تركب الأمم في سبيلهما العار وتهوي في مهاوي الدمار والبوار.
стр. 4799
مخطوطات ومطبوعات
طبقات الأمم
عرف الأب لويس شيخو اليسوعي مدير مجلة المشرق بما نشره من كتب العرب في اللغة والتاريخ والأدب دع عنك ما خدم به طائفته وجمعيته وآخر ما أظهر إلى الوجود كتاب طبقات المم لأبي القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ظفر بنسخة منه عند أحد الوراقين بدمشق والتحريف غالب عليها لأن ناسخها الأصلي منذ نحو مائتي سنة عامي لا يحسن النقل فعارض الناشر أكثر فصولها وردها إلى أصولها عَلَى كتب عربية من مطبوعات علماء المشرقيات مثل الفهرست لابن نديم وتاريخ الحكماء لابن القفطي وطبقات الحكماء لابن أبي أُصبعة ووعد في آخر جزء من المشرق أن ينشر الكتاب عَلَى حدة مع الفهارس اللازمة له.
وقد رأينا أن نلفت نظر الناشر الباحث إلى أغلاط وقعت له أو للناسخ الأصلي ولم يعمل الناشر في نظره فيها فجاءت مشوهة لطلعة هذا الكتاب النفيس عله يتداركها فيلحق بها جدولاً في آخر الكتاب فيستحق شكر المعارف والآداب.
فقد ضبط (ص ٥٦٧ - ٨٦٢) المرية بكسر الميم وسكون الراء وفتح الياء والصواب بفتح الميم ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها وهي مدينة كبيرة من كورة البيرة من أعمال الأندلس وكانت كما قال ياقوت هي وبجانة بأبي الشرق منها يركب التجار وفيها تحل مراكبهم قال القسطلي:
متى تلحظوا قصر المرية تظفروا ... لبحر ندى ميناه در مرجان
وتستبدلوا من موج بحر شجاكم ... ببحر لكم منه لجين وعقيان
وقال ابن الحداد:
أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف ... عَلَى المرية والأنفاس تظهره
والمرية بالكسر (والضم أيضاً) الشك والجدال.
وفي (ص ٥٦٨) الشابران وقد وضع عليها علامة استفهام إشارة إلى أنه هكذا وجدها وهي من مدن أرمينية والران وأذربيجان ذكرها الاصطخري في المسالك والممالك (طبعة ليدن) ونيشابور والصواب نيسابور. (ص ٥٦٩) يتجستان والصواب سجستان كما قال في
стр. 4800
الحاشية وقعت ألفاظ من مثل هذه في هذا السفر أثبت الناشر الرواية الضعيفة في المتن وترك الرواية الصحيحة للحاشية وكان الأولى أن يعكس ليصب.
(٥٧٠) خ بحر أقيابس ص أقيانس خ ولا رؤيت بها ص رؤيت لها.
(٥٧١) خ يدور فيها مناجم الأمم ص مماجد أو محامد (٥٧٢) خ وخلقه إلى نهاية المعمورة ص وخلفه خ السمت (بضم السين) ص فتح السين وهو الطريق خ لأنهم أجمعين مشتركون لأنهم أجمعون. ولا معنى لجملة: هذا التأليف الأليف العقل.
(٥٧٣) خ السباع التي تغاضي الإنسان أقدامها ص تقاضي خ وكذلك قالت العرب ص ولذلك (٥٨٤) خ ولأنها حازت عَلَى الملوك وسط ص ولأنها فازت عَلَى. خ وأشدهم أسرا ص وأشدهم أشراً والأَشر البطر والنشاط.
(٥٧٥) ليستحبوا بذلك قواها ص ليستجلبوا أو ليسحبوا (٥٧٦) في الفرقتين الأولتين (كذا) ص الأوليين وكان عليه أن يثبت الصواب وقد تكرر رسم الأولتين في مكان آخر (٦٧٠) خفي المقالتين الأولتين ص الأوليين خ في المقالتين الآخرتين ص الآخريين.
(٥٧٧) خ أوجز حساب واحضره ص وأخصره خ ي حسن التواليد ص حسن التوليد خ في تقدمة المعرفة ص تقدم المعرفة (٥٧٨) خ وتحملهم (بتشديد الميم) من الأمور ص وتحملهم بكسر الميم بدن تمديد خ وأحسن التئام ص حسن التئام خ أول ملوك بني إسرائيل ص أول ملوك بني سامان أو ساسان (٥٧٩) خ يزدجرو بن شهريار ص يزدجرد بن شهريار خ وجود التدبير ص وجودة التدبير (٥٨١) خ وكان عرضه ألف وخمسمائة ذراع ص وكان عرضه ألفاً خ وكان بعد الطوفان عدة منهم عدة ذوو معرفة ص وكان بعد الطوفان (٦٦٥) خ الثغور الخزروية ص الثغور الخزرية (٦٦٨) خ طيماوش الروحاني ص طيماوس ومثلها نيقوماخوش والصواب نيقوماخوس (٦٦٩) خ وجعها آلة ص وجعلها آلة.
(٦٧١) خ مثبتة أساسها مزمومة قواعدها وثيق بنيانها ص مدعومة قواعدها خ اليد الحليلة ص اليد الجليلة.
(٦٧٢) خ ومنها رسالته جاوبه بها ص ومنها رسالته التي جاوبه بها خ الذي كان فيه البدرة (وقال في الحاشية لعله أراد البودة) والبودة متعين خ أقصدهم بكتب الفلسفة ص
следующие страницы →