Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
خيولهم. فقد خربت مدن كثيرة ولم تقم لها قائمة وبعضها تراجع عمرانه حتى غدا بمثابة دساكر حصينة فخربت دور التمثيل والحمامات والمدارس وجميع المصانع الرومانية شيئاً فشيئاً واتخذ السكان في كثير من المدن أحجارها ليبنوا به أسواراً وهلك أرباب الصناعات النفيسة فلم يبق سوى صناع قليل عددهم لا يستطيعون أن يبنوا إلا مباني ليس عليها مسحة من الذوق والجمال. واضمحل كل ما يقال له مشاهد ومدارس وأدب وغدا سكان الإمبراطورية يشبهون البربر. قال أحد القسيسين ممن كتبوا تاريخ ملوك الميرفيجيين والسف آخذ منه كل مأخذ: لقد هرم العالم وانثلمت فينا حاسة النكات البديعة فما من امرئ لعهدنا تحدث نفسه أن يبلغ مستوى خطباء الزمن الماضي.
شعوب جديدة - قضى البربر في أوربا عَلَى نظام الإمبراطورية الرومانية فجاءت سنة ٤٧٦ وليس في رومية إمبراطور وكل ملك من ملوك البربر سيد في الأرض التي نزلها قومه فانقسمت الإمبراطورية إلى عدة ممالك بربرية فنشأت في غاليا ممالك الفرنك والبورغوند وفي بريطانيا العظمى السبع ممالك من الإنكل والسكسون وفي إسبانيا مملكة ألويزغوت وفي أفريقية مملكة الواندال وفي إيطاليا مملكة الأوستروغوت ثم مملكة اللومبارديين وكثير من الممالك اضمحلت ودخلت في مملكة مجاورة ولكنه نشأت في كل أمة مستقلة عَلَى الأقل لها حكومتها وصناعتها وآدابها.
أخلاق جديدة - انتهت أيام المدنية القديمة بدخول الجرمانيين إلى الإمبراطورية وليس ذلك أن الجرمانيين حملوا مدنية جديدة كالرومان إلى غاليا ولا أنهم اتخذوا العادات القديمة كما اتخذ الفرس عادات آسيا بل إنهم أتوا ولهم عادات في الحياة والحومة تخالف ما ألفه الرومان فيما انخفض من بلاد الإمبراطورية.
فكزان أرباب الأملاك من الرومان يعيشون في المدن عزلاً من الأسلحة خاضعين لنظام الإمبراطور أما الجرمانيون فقد ظلوا يحملون أسلحتهم ونزلوا القرى وكان كل واحد في حلته جند من الخدمة المخلصين وكل امرئ سيد في أرضه لا يخضع البتة للحكومة وهم محتفظون بعاداتهم الجرمانية من عدم أداء الضرائب وبذلك قضوا عَلَى نظام بيت المال وعَلَى الاستبداد الإمبراطوري ومن هؤلاء المحاربين القرويين خرج فيما بعد الفرسان الأشراف.
стр. 4937
وكان أصحاب الملاك من الرومانيين يحرثون أراضيهم بواسطة جماعة من العبيد أما الجرمانيون فكانوا يعتمدون في استثمار أراضيهم عَلَى أناس من المستعمرين أي عَلَى مزارعين تناوبون حراثتها بالإرث. فلم يبطلوا العبودية من الإمبراطورية بل تركوا العبيد يصبحون بالتدريج خدمة ثم مزارعين يملكون الأرض التي يتوفرون عَلَى زراعتها.
وعليه لم يأت البربر بعقائد ولا باختراعات جديدة بل جاؤوا بدلت حالة أرباب أملاك الأراضي والفلاحين وغيرت جميع قواعد الحكومة. فغارة البربر حادث عظيم في تاريخ المدنية لأنه جدد المجتمع والحكومة في أوربا لكنه كما يحدث في التغييرات الكلية قضت الحال بمرور عدة قرون لإدراك نتائج ذاك التغيير.
كيف دان الجرمانيون بالنصرانية
الأرباب الجرمانيون - كان الجرمانيون كاليونان والرومان يعبدون أرباباً كثيرين يمثلونها في صورة بشرية فالأرباب الجرمانيون يؤلفون أسرة بأسرها وعندهم أن وتان والد الجميع ورب الحروب محارب أعور يتقلد رمحاً يخرق الهواء ولا يرى بل يركب عَلَى حصان أبيض وكان دونار أحد أبنائه ذا لحية حمراء وهو رب الرعد والعواصف ويسير في مركبة ويقذف المطرقة المخربة التي تعود إلى يده من تلقاء نفسها. وكان الرب تير أو ساكسنوت رب السيف والمغازي وفرير عَلَى العكس هو الرب الجميل المسالم اللطيف ينضج المزروعات ويشفي الأمراض وبالدير رب الحكمة والعدل والصلاح يتولى نصح سائر الأرباب. وهناك ربات مثل الربة مريغا امرأة الرب وتان وهي قاسية محترمة تترأس حفلات الزواج والربة فريا وهي فتاة بارعة الجمال لطيفة الشكل يسر مرآها الأرباب.
وكانت هذه الأسرة السماوية تسكن قاعة علوية اسمها ألوالهالا حوائطها ذهب وسقوفها فضة ويربط تلك العلية بالأرض التي يسكنها البشر جسر وهو قوس قزح الذي يجتاز عليه الأرباب ويجلس الرب وتان في هذه القاعة عَلَى منصة من ذهب يحف به من الأرباب ذكورهم وإناثهم أولوالكلور وهن مرسلات سماويات وبنات الحروب والغارات مسلحات بالتروس والرماح راكبات عَلَى خيول مطهمة قاصدات إلى ساحة الوغى يلتقطوا من قضوا فيها وهم يحاربون ويأتين بهن إلى قاعة ألوالهالا حيث ينالون مكافأة عن شجاعتهم وهناك يعيشون بالقرب من الأرباب في المآدب التي يأدبها الربات المعروفات باسم والكلور
стр. 4938
يسقينهم شراب العسل والجعة.
ونحو الشمال من أعماق الأرض جهنم مظلمة يكثر زمهريرها اسمها نيفلهيم أي مسكن الضباب وفيها ينزل رب الشر ويدعى لوكي مع ولديه فنريس الذب المفرتس وهولا ربة الموت التي يمثلونها بان نصفها أسود تأكل في صفحة الجوع ولا تترك ما تتناوله بتة. وإلى هذا المسكن الهائل يذهب المحاربون الأشرار الذين تساهلوا بأن تجرعوا كأس الحمام بسبب مرض أو شيخوخة. وغلب الرب وتان الرب لوكي وربطه إلى ثلاث صخرات ذات زوايا مع حية تقطر سمها عَلَى رأسه ولكنه يرجى له الخلاص ذات يوم ويأتي مع الجن والشياطين الشريرة عَلَى سفينة بنيت بأظافر الموتى يهاجم الأرباب الساكنين في أوالهالا وبذلك تسقط الشجرة الكبرى التي تمسك العالم من السقوط ويحترق قصر الوالهالا ويغلب الأرباب عَلَى أمرهم وهذا ما يسمونه عندهم شفق الأرباب ثم تتجلى أرض أحسن من تلك تخرج من البحر المحيط مع أرباب جدد.
العبادة - لم يكن للجرمانيين أصنام ولا شادوا لهم معابد لهم بل كانوا يعبدون أربابهم عَلَى الجبال أو في الغابات بالقرب من شجرة أو عين مقدسة وكان رأس كل أسرة يقيم باسمه الصلوات ويقدم القرابين ولم يكن عندهم كهنة جرمانيون في جرمانيا نفسها الماندرا حتى أن العصابات التي دخلت منهم إلى الإمبراطورية الرومانية لم تصحب معها أحداً منهم. ودين مبهم إلى هذا النحو لا يهتم أحد للدفاع عنه فلم يكن من شأنه أن يقاوم طويلاً ولذا كان الجرمانيون عندما داهموا الإمبراطورية ومستعدين لأن يدينوا بالنصرانية.
البرابرة الآريون - لما نزل برابرة الشمال الأرض الرومانية دانوا إلا قليلاً بالكثلكة بل بشيعة الآريوسية فد كان الوزيغوتيون في إسبانيا والسترغوتيون في إيطاليا والبورغونديون في غاليا والوانداليون في أفريقية بل واللومبارديون الذين أتوا في القرن السادس كلهم من المذهب الآريوسي. والظاهر أن الجرمانيين صعب عليهم أن يقبلوا بالرمز الذي جرى التواطؤ عليه في مجمع نيقية وربما كرهوا التصديق بان الابن مساوٍ للب. وكان رعاياهم الرومان أرثوذكسيين في مذهبهم وقد أدى هذا الاختلاف في الدين مدة تزيد عن قرون إلى حروب واضطهادات وكثيراً ما كان أحد ملوك البرابرة يأبى تعيين الأساقفة الأرثوذكس وقد بقي كرسي قرطاجنة خالياً مدة أربع وعشرين سنة لم يكتف جنزيك ملك الواندال بنفي
стр. 4939
الأساقفة بل رأى أن ينفذ عَلَى رعاياه الكاثوليك الأوامر التي كان طبقها الإمبراطرة عَلَى الملاحدة ومع هذا كتبت الكثرة للكثلكة عَلَى المذاهب النصرانية الأخرى ودان بها بالتدريج الملوك الآريوسيون وتمذهب بها شعوبهم فانتحل البورغونديون هذا المذهب في أوائل القرن السادس وانتحله ألوزيغوتيون الإسبانيون في سنة ٥٨٩ واللومبارديون في أواسط القرن السابع أما سائر الممالك فقد خربتها جيوش الإمبراطور يوستنيانوس.
انتحال الفرنك (الإفرنج أو الفرنك أو الإفرنسيس) للنصرانية - بقي الفرنك الذين نزلوا غاليا من الشمال عَلَى وثنيتهم. وقد فضل الأساقفة الأرثوذكسيون هؤلاء الوثنيين الذين كانوا يؤملون تنصيرهم بدلاً من البرابرة المسيحيين الذين ظلوا عَلَى أريوسيتهم ورضي أحد زعماء العصابات الفرنكية واسمه كلوفيس أن يتعمد عَلَى يد أسقف ريمس القديس ريمي فحذا حذوه ثلاثة آلاف رجل ولم يلبث زعيم العصبة هذا وقد عضده رجال الكهنوت الكاثوليكي أن أصبح وحده ملك غاليا كلها ومنذ ذلك العهد أصبح جميع ملوك الفرنك من نسل كلوفيس مسيحيين وعضدوا الكنيسة الأرثوذكسية وكان ذلك من جملة الأسباب في نجاحهم أما أمة الفرنك فقد أبطات في انتحالها هذا الدين فظل كثير من المحاربين زمناً طويلاً نعَلَى وثنيتهم ومنهم من كان من حاشية الملك. وفي أواسط القرن السادس صادفت الملكة رادغوند وهي مسيحية غيورة عَلَى الطرق العامة جنائز وثنية فأمرت المحاربين من أهل موكبها أن يأتوا عليها فقام الفرنك بسيوفهم وعصيهم. ومضى زهاء قرنين أي من القرن السادس إلى السابع حتى غدا الفرنك كلهم مسيحيين.
قاعدة القديس بنوا - أنشئت في إيطاليا وإسبانيا وغاليا أخويات قسيسين ولكت العيشة التي يعيشونها في هذه الديار من بلاد الغرب لم تشبه عيشة النساك في ثيبة وفي أواخر القرن الخامس انقطع أحد أشراف الإيطاليين واسمه بنوا (٤٨٠ - ٥٤٣) إلى جبل كاسين في بلاد نابولي وذلك بعد أن عاش بضع سنين متنسكاً في غار وسط الصخور وكان ثمة معبد وغابة عَلَى اسم أبولون فنصر بنوا فلاحي ذاك الجوار وأمرهم بأن يخربوا ذاك المعبد وأقام بدلاً منه كنيستين وديراً عظيماً وغدا بنوا رئيس أخوية كبرى وانشأ نظاماً طويلاً لقسيسه قاضياً عليهم أن يتخلوا عن الدنيا وعن الأسرة والملك وأن لا يملكوا شيئاً لأنفسهم حتى ولو الصفائح (السفورات) والمناقش التي يكتبون بها وأن يلبسوا كساءً من الصوف الخشن أو
стр. 4940
مسوحاً ذات قبعات (أسكيم) كان يلبسها الفلاحون وأن يخضعوا بدون تردد كل ما يصدر عن الرئيس من الأوامر قال القديس بنوا في المدخل: اسمعوا أيها الأبناء أوامر الرب ولا تخافوا من الائتمار بأمر أب صالح والعمل به وذلك حتى يقودكم الخضوع التام إلى ما أبعدكم عنه العقوق والكسل. وقد سمى الدير مدرسة العبودية الإلهية وفي ذلك لم يأت القديس بنوا شيئاً سوى الجري عَلَى مثال رهبان المشرق ولكنه يختلف عنهم في كيفية استعمال الوقت فبدلاً من التأمل وأعمال النسك أمر بالعمل قائلاً أن الكسل عدو الروح وعَلَى الجملة فإن حياة الراهب داخلة تحت القاعدة ساعة فساعة فعليه أن يعمل كل يوم بيديه سبع ساعات ويقرأ ساعتين وينقسم اليوم إلى سبعة قداديس يبدأ الأول منها في الساعة الثانية ليلاً. وإذا أراد رجل أن يدخل في هذه الطائفة يدخل فيها عَلَى سبيل التجربة مبتدئاً وبعد شهرين تتلى عَلَى مسامعه قاعدة: هذا هو القانون الذي يجب عليك أن تقاتل تحت لوائه فإن كنت في مكنة من الاحتفاظ به فادخل وغلا فأنت حر أن تذهب من هنا بسلام. وبعد سنة يوقع عَلَى عهد يضعه عَلَى المذبح بحضور جميع القسيسين ثم يركع أمام كل واحد منهم عَلَى حدته ومنذ ذاك اليوم يوقن بأنه لم يعد يملك شيئاً حتى ولا جسمه. ولم تلبث أن أصبحت قاعدة القديس بنوا قاعدة عامة عَلَى رهبان الغرب اتخذتها جميع الأديار القديمة وعليها أنشئت جميع الأديار الجديدة وأصبح بعد حين عامة رهبان الغرب من البندكتيين.
الرهبان البندكتيون - عاد قسم من بلاد غاليا وإيطاليا في القرن السادس فأصبح خراباً يباباً وغشت الغابات العظيمة البلاد فدخل الرهبان الذين يحبون العزلة تلك القفار وبين العوسج والشوك يقيمون لهم معبداً وبعض الأكواخ ثم يأخذون بإحياء موات الأراضي المجاورة وكثيراً ما يعطيهم أحد الملوك أو الكونتية أو أرباب الأملاك بقعة واسعة (إذ كانت قيمة الأرض رخيصة إذ ذاك) فيؤسسون ديراً جديداً. ولقد كان الرهبان ينشئون الأهراء وفرناً ومطحنةً ومخبزاً ويحرثون الأرض ويصنعون الألبسة ويعملون حجار الطاحون والصناعات النفيسة وينسخون المخطوطات فكانت أديارهم حقولاً أنموذجية كما هي معمل وخزانة كتب ومدرسة وتتألف من العبيد والمزارعين في أصقاعهم قرية كبرى هكذا نشأت في فرنسا مئات من المدن حول الأديار وكثير من المدن سميت باسم القديس رئيس ديرها الأول (سان أويمر سان كلود رسيمرون) وأنشئت ألوف من الكنائس الخورنية عَلَى يد
стр. 4941
بعض أديار البندكتيين.
تنصر الإنكليز السكسونيين - يروى أن القديس غريغوريوس رأي قبل أن يصبح بابا وهو في سوق العبيد في رومية أولاداً شقراً بيض البشرة يباعون فسأل من أين أتى بهم فأجيب بأنهم آنكل فقال: لقد دعوا بأجمل السماء فهم حقاً ملائكة فهل هم مسيحيون؟ فقيل له أنهم وثنيون بعد. فأجاب هل من الممكن أن تحتوي هذه الجبهات الجميلة ذكاءٍ محروماً من نعمة المولى. ومنذ ذاك الحين رأى أن ينصر الإنكليز فلما غدا بابا بعث أربعين قسيساً يقودهم أغسطينوس إلى أحد ملوك بلادهم فوصل المرسلون يحملون لوحة رسم عليها المسيح فجمع الملك مجلس العظماء وسألهم فيما إذا كان يقتضي قبول الدين الجديد فوقف أحد الزعماء في المجلس فقال: ربما ذكرت شيئاً أيها الملك يحدث أحياناً في نهار الشتاء عندما تكون جالساً إلى منضدة مع مقاتلتك ونارك موقدة وغرفتك دافئة والسماء تمطر وتثلج والريح زعزع في الخارج وبينا أنت كذلك يطير طائر صغير فيجتاز الغرفة داخلاً من باب وخارجاً من آخر وهذه اللحظة التي يقضيها الطائر وهو داخل الغرفة تحلو له فلا يشعر قط بالمطر ولا ببرد الشتاء ولكن هذه اللحظة قصيرة لأن الطائر لا يلبت أن يهرب ويعود إلى الشتاء الذي كان فيه وعلى هذه المثال أرى حياة الناس في الأرض بالنسبة للوقت غير المؤكد الذي يمر في الآخرة فظاهر أن الحياة قصيرة ولكن أي وقت يجيء بعدها وأي وقت مضى قبلها هذا أمر نجهله فإذا كان هذا الدين الجديد يفيدنا في ذلك أموراً آكد فهي جديرة بأن تنتحل ويدان بها وكانت النصرانية تروق هؤلاء البرابرة الجديين لأنها تحدثهم عن اليوم الآخر. وقد نصح البابا المرسلين المسيحيين أن لا يناقضوا المعتقدات القديمة قائلاً يجب الاحتراز من تخريب معابد الأوثان بل الواجب تطهيرها وتخصيصها بعبادة الإله الحقيقي لن الأمة كلما رأت أماكن عبادتها القديمة باقية تكون أكثر استعداداً إلى الاختلاف إليها للألف والعادة فقد اعتاد رجال هذه الأمة أن يذبحوا البقر ضحايا فالواجب أن يبدلوا هذه العبادة بزياح مسيحي دعوهم ينشئون أكواخاً من أوراق الشجر حول معابدهم المحولة كنائس يجتمعون فيها ويقودون إليها حيواناتهم التي يذبحونها لا عَلَى سبيل ضحايا للشياطين بل عَلَى سبيل الله تعالى. ولم يضطهد الإنكليز السكسونيين المرسلين المسيحيين عَلَى أنهم لم يتنصروا إلا ببطء فهناك كان الملوك ولاسيما الملكات تحمي الديانة الجديدة
стр. 4942
كما هي الحال في غاليا ولكن المحاربين لم يهتموا لقبولها.
المرسلون الأيرلنديون - دانت إيرلاندة بالنصرانية منذ القرن الخامس وكانت إذ ذاك مشهورة بأديارها العديدة وحمية كنائسها الدينية فكانت تلقب بجزيرة القديسين فسافر مرسلون من أديار إيرلندا ونصروا جميع برابرة بريطانيا العظمى فالتقوا إذ ذاك بالمرسلين القادمين من رومية. وكان لكنيسة إيرلندا ومؤسسوها مسيحيون من أهل آسيا بعض عادات شرقية فتحتفل بعيد الفصح مثلاً في غير الوقت الذي تحتفل فيه كنيسة رومية واصطلحت عَلَى وضع إكليل الإكليروس عَلَى مقدم الرأس بدلاً من الإكليل عَلَى صورة تاج. وهذه الاختلافات في الصورة دعت إلى اشتداد الاعتراك بين المرسلين الايرلنديين والمرسلين الرومانيين فيحضر البرابرة نزاعهم بحسب ما لكنائسهم من المكانة وإليك ما ذكره أحد الكتاب الأرثوذكس من نزاع عظيم وقع في وتبي سنة ٦٤٤ بحضور جميع مجلس الشعب. صرح كولمان الأيرلندي بان مواطنيه لا يستطيعون أن يغيروا طريقتهم احتفالهم بعيد الفصح لأن ذلك مما ألفه آباؤهم فأجابه ويلفريد السكسوني: إننا نحتفل بعيد الفصح كما رأيناه يحتفل به في رومية حيث عاش الرسولان بولس وبطرس وكذلك في غاليا وجميع الإمبراطورية والبروتون فقط يعاندون في مشاكسة بقية العالم وبعد فهل في المكنة أن يفضل أبوك كولومبا عَلَى قدسية فيه عَلَى السعيد أمير الحواريين الذي قال وله سيدنا يسوع: إنك بطرس (ومعنى بطرس الحجر) وبك يا حجر أبني كنيستي وأدفع إليك مفاتيح ملكوت السماوات - فسأل الملك حينئذ ذاك الأيرلندي قائلاً: أمحقق أن هذه الكلمات قالها سيدنا المسيح للقديس بطرس؟ - نعم صحيح ذلك - هل في وسعك أن تبرز لي حجة في مثل حجة كولومبا؟ - لا أستطيع - أنتم عَلَى وفاق بأن مفاتيح السموات أعطيت لبطرس - نعم - إذن هو بواب السماء ولا أريد أن أنازعه في قوله بل احجب أن أخضع له في كل أمر مخافة ألا أجد أحداً يفتح لي أبواب ملكوت السموات عندما أصل إليها.
وهذه الحجة كانت بحسب درجة ذكاء البربري فاستحسن المجلس الخطاب وعزم أن يقبل في المملكة بأسرها العادات الرومانية وانتهت الحال بغلبة الرومانيين (في أوائل القرن الثامن) ومنذ ذاك الحين خضعت للبابا كنيسة بريطانيا العظمى بأجمعها.
تنصر الجرمانيين في ألمانيا - كان يتألف من الجرمانيين الذين تخلفوا في ألمانيا عدة أمم
стр. 4943
كلها وثنية في القرن السادس وبدأ قسيسون إيرلنديون بتنصرهم فسكن القس غال بين السواب بالقرب من بحيرة كوستانس في المكان الذي أنشئت فيه البيعة التي نسبت إليه. ونصر كيليان الفرنكونيين في بلاد مين ثم استشهد وتمكن القديس ولفران من عزم دون دي فريزون رادبود عَلَى تعميده وبينا كان الدوق يدخل إلى القبو سأل أين بقي أجداده فقيل له أنهم في جهنم فقال أنا أريد أن أصبح مسيحياً حتى لا أنفصل عن أجدادي. واستحق وينفريد من الإنكليز السكسونيين الملقب ببونيفاس الملقب برسول الجرمان إذ أرسله البابا إلى إنكلترا كما أرسل أوغستيتنيس يحمل هذه الرسالة: رغبنا في أن تتمتعوا معنا بالأبدية فبعثنا إليكم بونيفاساً يعمدكم ويعلمكم إيمان الرب فأطيعوه في كل ما يأمر ووقروه كما توقروا أباً واسمعوا مواعظه ثم أن بونيفاساً أوصى به شارل مارتن زعيم الفرك زعماء الجرمانيين وبفضل هذه المعاضدة تمكن من الدخول في قلب ألمانيا وعقد اجتماعات وفوض الأشجار المقدسة ومنع عبادة الأصنام وبذلك تيسر له أن ينصر شطراً من الزعماء والشعب في بافيرا وتورينغ وهس ثم سكون في المايانز ملقباً برئيس الأساقفة.
وقد بقي السكسون شعباً وثنياً في بلاد ويزر (فيستفاليا وهانوفر) وبعد حروب دموية اضطر شارلمان زعماءه أن يتعمدوا ثم أسكن أساقفة وقسيسين في جميع البلاد ثم أفضل عليهم بما يمنع عنهم الحاجة وقضى بأن يقتل كل سكسوني يعبد أربابه القديمين أو يعمل القيام بالصيام الذي شرعته الكنيسة فمن ثم أصبحت ألمانيا كلها مسيحية وغدت كإنكلترا متعلقة برومية وخاضعة للبابا وأرسلت ألمانيا أيضاً مرسلين ذهبوا فنصروا الوثنيين في بلاد اسكاندنافيا ومقاتلين راحوا لتبديد شمل الوثنيين من السلافيين أيضاً.
الإسلام
دين العرب الأول - انتهت تخوم المملكة الرومانية في الشرق عند رمال بلاد العرب فظل هذا الشعب مستقلاً بربرياً منقسماً إلى عدة قبائل وكان لسكان الساحل من العرب بعض مدن صغرى تعرف بالزراعة وتبعث بقوافلها إلى الغرب تحمل إليهم البن والبخور والتمر ويطوف سكان الداخلية القفر بمواشيهم مسلحين راكبين صهوات خيولهم نصفهم رعاة والنصف الآخر قطاع طريق (كما هي عيشة البدو إلى اليوم) ويقتتل العرب فتقاتل القبيلة ولكن يعتبرون أنفسهم بأجمعهم من عنصر واحد وهو كالإسرائيليين من العنصر الذي
стр. 4944
نسميه العنصر السامي ويمتاز عن آريي الهند وأوربة امتيازاً ظاهراً بلغته ودينه. ولقد كانت الغرب كلها تعبد إلهاً قادراً خارقاً وهو الله تعالى ولكنها تتعبد للجن خاصة وهي أرواح لا ترى وكان لكل قبيلة إله خاص تعبده في صورة نجم أو حجر أو صنم ولكنهم كلهم يرجعون في عبادتهم إلى الكعبة في مكة وهي البيت المتفق عَلَى تعظيمه عندهم والكعبة معبد عَلَى صورة الكعب أو زهر النرد حوائطها من حجر غير نحيت مغشاة بأقمشة من الصوف ويحفظون فيها الحجر الأسود المشهور المحترم عند العرب اجمع (وهو قطعة من حجر بركاني تحتت اليوم إلى اثنتي عشرة قطعة (كذا)) وقد وضعت كل قبيلة في الكعبة صنماً هاصاً بها ويقال أنه كان تفيه ٣٦٠ صنماً ومنها صنم لإبراهيم وصورة العذراء مع ابنها يسوع وأنشئت قريش مدينة مكة الصغرى حوالي القرن الخامس في الوادي الضيق الذي تحيط به الصخور القاحلة محيطة بالكعبة ويقام بها كل سنة سوق وأعياد يتنافس بها الشعراء وتبطل في خلال ذلك الحروب فمكة كانت هي المدينة المقدسة التي يحج إليها الناس من أقطار بلاد العرب كافة.
محمد ﵊ - ولد محمد في قبيلة قريش المقدسة وهم سادة مكة وسادة الكعبة المقدسة بين سنتي (٥٦٩ - ٥٧١) وعاش وهو اليتيم الفقير إلى سن الأربعين لا شأن له. وكان رجلاً جباناً سوداوياً تنتابه عوارض من الحمى ونوبات عصبية وكان حنفياً أي كافراً بعبادات العرب ويسمون بهذا الاسم من لا يعبد الأصنام بل يبعد إلهاً واحداً رب إبراهيم والد العنصر العربي. وكزان رجال قبيلة محمد تنظر إليه بغير عين الرضى فسكن بين الصخور الجرداء المحرقة وفي سنة ٦١١ بحسب الرواية العربية حلم محمد بأنه صاحب دين وظهرت له روح فائقة في قوتها سماها محمد بعد ذلك الملك جبرائيل قالت له: اقرأ فقال محمد: ما أنا بقارئ. فقال له اقرأ. ومنذ ذاك لعهد رأى محمد نفسه بأن الله عهد إليه مباشرة بنشر الدين الحقيقي فبدأ يدعو زوجته وبناته فوراً ثم أصحابه ورجال مكة فقاومه زعماء القبيلة أجمع فاضطر إلى الهجرة إلى المدين (سنة ٦٢٢) وإذ كان أهل المدينة أعداء لأهل مكة اعترفوا بنبوته وأخلصوا له الطاعة وأحاط المدنيون بالرسول في ثمانين من أصحابه هاجروا من مكة يتبعونه فبدأ إذ ذاك يناوش قوافل مكة القتال ويغزوها مما انتهى بخضوع مكة ثم حمل جميعاً لعرب عَلَى قبول دينه.
стр. 4945
ولم يقم محمد بمعجزات ولم يدع أنه روح إلهي بل كان يرى نفسه فقط رجلاً ملهماً يتكلم ويعمل باسم الله تعالى ويظهر في مظهر الرسول والمصلح قائلاً أن الدين الحق كان منذ عهد آدم وهو أن يعتقد بواحد أحد وأن يخضع لأوامره التي تبلغها للبشر عَلَى لسان أنبيائه فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى كانوا رسلاً. وما اليهودية والنصرانية إلا أوهام مطلقة بل أشكال محرفة من دين الله الحق وهذا الدين الأبدي هو الذي جاء محمد يدعو إليه لخلوه من التحريف فهو خاتم النبيين وأعظمهم وباسم النبي عظمه أتباعه. وقد أخذ جانباً من تعاليمه عن التوراة والإنجيل ولذا ساغ أن يقال أن محمداً مبتدع مسيحي والإسلام بدعة من البدع النصرانية عَلَى اصطلاح العرب.
القرآن - كان محمد أمياً فإذا أوحي إليه ودعا إلى دينه كانت تنقل كلماته فكتبت عَلَى الحجارة وورق النخيل وعظام الجمل. والقرآن (الكتاب) هو مجموع هذه القطع ضمت بعضها إلى بعض لا عَلَى الترتيب الذي أملاه محمد بل بدءاً بأطولها ولم تجمع إلا بعد وفاة محمد عَلَى يد أمين سره زيد وبعد حين دونه الخليفة عثمان تدويناً رسمياً وهذا هو الذي نراه بين أيدينا وفي القرآن مواعظ وقصص وقواعد وأحكام وبعثرة متفرقة فهو في آن واحد كلام متنزل في الدين والأخلاق والنظام والدستور.
الإسلام - يسمى الدين الذي دعا إليه محمد دين الإسلام أي الاستسلام لإرادة الله تعالى والذين يدينون به يسمون المسلمين (أي المستسلمين) والإسلام عبارة عن هذه الكلمات: لا إله إلا الله محمد رسول الله فالواجب إذن الاعتقاد بالله الذي خلق العالم ويدبره وهو عَلَى عرشه والملائكة حافون به يجب الخضوع لإرادته التي أبلغه الناس عَلَى لسان أبيائه وقد جاء القرآن بأوامره الكتاب الذي يحوي الحقيقة ومن يعتقد بالقرآن ويأتمر بأوامره الإلهية ينال الزلفى من المولى تعالى ويكافأ عَلَى عمله ومن يختل إيمانه لوم يخضع لسلطانه فهو مذنب مع الله يعاقبه ويجازيه.
وسيأتي يوم القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازنه في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ماهية، نار حامية. . . وسيق اللذين كفروا إلى جهنم زوراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات
стр. 4946
ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب عَلَى الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق اللذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبابها وقال تلهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. . . أولئك المقربون في جنات النعيم. . . متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون بأكوابٍ وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون. . . وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم.
أما العبادات فهي فسهلة للغاية فليس المؤمن أن يصلي خمس مرات كل يوم في أوقات معينة وفي كل مدينة إسلامية يدعو المؤذن إلى الصلاة من أعلى المسجد بوقت معين وعلى المؤمن أن يتوضأ للصلاة وإذا لم يكن له ماء أن يتيمم بالتراب وأن يصوم شهر رمضان لا يتناول الطعام فيه إلا من الليل في الوقت الذي لا يتبين فيه الخيط البيض من الخيط الأسود من الفجر وأن يخرج من الزكاة عشر مال (؟) عَلَى الأقل وزأن يحج إلى مكة إن استطاع للحج سبيلا.
وأدب الدين الإسلامي هو ألا يرتكب المرء عملاً دنيئاً ولا يشرب الخمر ولا يرابي أن يتلقى إرادة المولى راضياً لأن كل امرئٍ لا يخرج عما كتب له في الأزل ولا سبيل له إلى التخلص من المقدور فالإسلام هو دين القضاء والقدر.
انتشار الإسلام - دعا محمد سنة ٦١١ إلى دينه وكان العرب عامة يوم وفاته سنة (٦٣٢) مسلمين أسلم نصفهم عن اعتقاد والنصف الآخر بالقوة وذلك مثل أهل قبيلة التاكيفيت (كذا) فقد بعثوا يقولون لمحمد أنهم يدينون بالدين الجديد إذا رضي أن يعفيهم من الصلاة وأن يترك لهم صنمهم اللات ثلاث سنين. فقال محمد أن ثلاث سنين في الوثنية يطول أمرها فعرض التاكفيون أن يمهلوا عَلَى عبادة الأصنام سنة فوافق محمد ولما أخذ يملي عهد الصلح ندم عَلَى هذا الامتياز وقال لا أريد أن أسمع بهذه العهدة فليس عليكم إلا أن تخضعوا أو نقاتلكم فطلبوا لأن يمهلوا عَلَى عبادة اللات ستة أشهر فأبى عليهم ثم اكتفوا بإمهالهم شهراً فلم يرض أن يمهلهم ساعة فأسلم بنو التاكيفيت ودخل المحاربون المسلمون المدينة وحطموا الأصنام.
стр. 4947
وبعد وفاة محمد أخذ العرب ينشرون الإسلام بمثل هذه الطرق ولم يبعثوا لدعوة الشعوب الأخرى إلى الإسلام رسلاً كما فعل المسيحيون بل جيوشاً فقد قال الرسول وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وحرب المشركين جهاد مقدس والله مع المجاهدين ومن قتل منهم فجزاؤه الجنة.
وقد عني الخلفاء بعد الرسول بهذا الجهاد فكانوا يبعثون إلى جميع الشعوب المجاورة رسولاً يعهدون إليه أن يخيرهم بين ثلاثة أمور: القرآن أو الجزية أو السيف ومن يسلم يكون كمن سبقوه بالإيمان ومن يخضعون ويؤدون الجزية يصبحون رعايا وذمة ومن يقاومون يقتلون ولم يستطع أحد أن يقف في وجه هذه الجيوش المتعصبة فغلب المسلمون في الشرق عَلَى سورية وفلسطين وجميع مملكة فارس وأرمينية وتركستان وجزء من بلاد الهند وفي الغرب عَلَى مصر وطرابلس وأفريقية وإسبانيا وخضع جميع المغلوبين عَلَى أمرهم إلا قليلاً ولم يبق مسيحيون إلا في ولايات الإمبراطورية القديمة وفي أقل من قرن (٦٢٢ - ٧١٧) انتشر الدين الجديد من بحر الظلمات إلى نهر السند وما من دين انتشر بهذه السرعة ولم تلبث مملكة الخلفاء أن انهارت عَلَى الأثر ولكن ظلت جميع البلدان التي أسلم أهلها عَلَى إسلامهم.
وما قط أضاع الإسلام أرضاً دخل فيها إلا إسبانيا وكثيراً ما ربح بعد أراضي جديدة فإن الأتراك حملوا هذا الدين إلى القسطنطينية ولا يزال لعهدنا يدخل أمم في هذا الدين في بلاد الهند والصين وماليزيا ولاسيما بين زنوج أفريقية. والإسلام دين سهل عَلَى مستوى ذكاء الشرقيين ويبلغ عدد المسلمين اليوم نحو مائتي مليون فإذا كانت النصرانية دين أمم الشمال فلإسلام دين شعوب الجنوب.
المملكة البيزنطية
المملكة البيزنطية - كاد البربر الذين أغاروا عَلَى بلاد الإمبراطورية الرومانية يوجهون وجهتهم إلا قليلاً قبل المغرب ولذا بقي في القسطنطينية إمبراطور يحكم الشرق كله. ويقي قرنان (الخامس والسادس) والإمبراطورية الرومانية محتفظة بعد بنصف مملكتها القديمة عَلَى الأقل وحكمها نافذ في آسيا الصغرى وسورية ومصر وفي جميع البلاد الواقعة شرق البحر الإدرياتيكي حتى لقد خضعت لها إيطاليا وافريقية وشطر من إسبانيا بضع سنين ثم
стр. 4948
هاجمها المهاجمون فاغتصب منها السلافيون إيبيريا وجنوب بلاد البلقان واقتطع منها العرب جميع أفريقية وسورية وجزءاً من آسيا ولم يبق لها سوى قطعتين عَلَى جانبي مدينة القسطنطينية في الغرب تراسيا (روم إيلي) وفي الشرق آسيا الصغرى. بيد أن العاصمة أيضاًَ قاومت هجمات المهاجمين العرب وفي ذاك الحمى الأمين احتفظت الإمبراطورية الشرقية بألقابها الضخمة وحكومته المطلقة وإدارتها المعتادة. وظلت عَلَى هذا النحو إلى أن استولى العثمانيون عَلَى القسطنطينية (١٤٥٣) وهذه الإمبراطورية التي أصبحت قرى بيزنطية هي التي نسميها الإمبراطورية البيزنطية.
يوستينيانوس - لأن كان منصب الإمبراطور وراثياً فإنه لم يبق في الإمبراطورية الشرقية أسرة مالكة فإن دسائس القصر وثرات عامة القسطنطينية لم تكد تمكن الإمبراطور إلا في الندر من نقل سلطته إلى أسلافه فكان معظم الأباطرة مغتصبين للمك. وأشهرهم يوستينيانوس (٥٢٧ - ٥٦٥) وهو ابن فلاح في ولايات الدانوب كان يرعى الغنم في طفولته دخل خاله يوستن بعد رعاية الغنم في الجندية ومازال يتنقل من رتبة إلى أخرى حتى غدى تؤثورن (قائد حرس القيصر) ثم إمبراطوراً واستدعى إلى القسطنطينية يوستنيانوس الذي اشتهر ببذله المال للجند وتمثيله الملاعب أمام العامة فنودي به إمبراطوراً عقب وفاة خاله.
ومن شأن يوستينينوس أن يبحث عن كل ما يزيد في إعجابه فتوفر عَلَى الشهرة بفتح البلاد وإنشاء المعاهد والمصانع وتقنين القوانين فأراد أن يكون فاتحاً عمرانياً مشرعاً. وإذ كان غير صالح للحرب عهد إلى صديقه بليزير أن يفتح البلاد باسمه وكان للإمبراطورية إذ ذاك عدوان أحدهما من الشرق وهي مملكة فارس الحربية والآخر من الغرب وهي الممالك التي أسسها البرابرة الجرمانيون في ولايات الإمبراطورية القديمة وكان ملك الفرس صاحب حول وطول جيشه قوي نظامه موطد الأركان وملوك البربر ضعفاء أخمد البذخ مقاتلتهم يمقتهم الشعب الكاثوليكي لا نظام لهم ولا ترتيب. فكان يوستينيانوس من جهة الشرق يغلب ولم يستطع بليزير غير الدفاع عن آسيا الصغرى وأن يعقد الصلح عَلَى شرط أن يدفع الجزية (٥٣٣) وفي آخر مدته (٥٦٢) وقع عَلَى عهد صلح جديدة متعهداً عَلَى أن يؤدي كل سنة ٣٠٠٠ ذهب وقد وفق بليزير من جهة ممالك البربر كل التوفيق فافتتح
стр. 4949
مملكة الوانداليين في أفريقية (٥٣٤) بحملة واحدة ومملكة الأوستروغوت في إيطاليا بعد حرب ثمانية عشر سنة (٥٢٥ - ٥٣٣) وتغلب عَلَى جنوب إسبانيا أخذها من صاحبها أحد ملوك ألويزغوت. فحق ليوستينيانوس أن يفاخر أنه وطد شطراً من الإمبراطورية الرومانية القديمة ولكن استيلاءه عليها لم يكن له من القوة ما يدفع به ما افتتحه من البلاد فلم يحم إيطاليا من غارة اللومبارديين ولا أفريقية من العرب.
وتوفر يوستينيانوس وهو البناء العمراني عَلَى أن يدافع عن الإمبراطورية بحصون أقامها ويزين القسطنطينية بمصانع ومشاهد وحتى لا ينسى الأعقاب ما قام به من جلائل الأعمال كتب يصف كل ما بناه فكان ما بناه عَلَى شاطئ الدانوب ٨٠ قلعة وفي ولايات أوربا ٦٠٠ وأشأ السد الذي يحول الخليج الذي قامت عليه مدينة القسطنطينية وخطاً من الحصون عَلَى طول الفرات. وأهم هذه المصانع الكنيسة الكاتدرائية في القسطنطينية المعروفة بآيا صوفيا أجمل أعمال الهندسة البيزنطية (وهي باقية إلى اليوم جعلها العثمانيون جامعاً).
وقد عهد يوستينيانوس إلى الفقيه تريبونين أن يجمع في مجموعتين جميع الشرائع والقوانين الفقهية فوفق يوستينيانوس بفتوحه ومصانعه وقوانينه عَلَى ما يحب أن ينال شهرة ما زالت متأثقة إلى اليوم ولن ينسى عهده وكانت أيام حكمه تعسة تزوج امرأة وضيعة اسمها تيودورا كانت تدبر أمره حسب رغبته وهام جداً بألعاب الفروسية وبالشعر حتى نسي الحكم فثار الرق ونهبوا عاصمته خمسة أيام وأوشكوا يذبحونه فاضطهد أعداءه أيما اضطهاد وأغلق مدرسة الفلسفة في أثينا واشتط عَلَى الشعب في تقاضي الضرائب وغضب عَلَى القائد بليزير الذي افتتح باسمه كل هذه الفتوحات.
الأعمال التشريعية - إذا كان الأباطرة لم تبذل لهم الطاعة إلا في البلاد التي كان يتكلم فيها في اللغة اليونانية فقد ظلوا يكتبون عقودهم الرسمية باللاتينية وبقيت محاكم الإمبراطورية تحكم بالقانون الروماني ولكن لم يبقى في الإمبراطورية منذ القرن الثالث فقهاء قادرون أن يكملوا الحقوق كأتن يتفننوا بالزيادة عليها فكانوا يكتفون بتكرار تعاليم فقهاء القرن الثاني والقرن الثالث كايوس وأولبين وبول وبابنين ومودستين. وقرر الأباطرة أيضاً أن يجري عمل القضاة في المستقبل في كل المسائل التي لم يسبق للقانون أن قدر وقوعها فيتبع رأي هؤلاء الفقهاء العظام وإذا كان بينهم خلاف يجري عَلَى رأي الأكثرية وظلوا ينشرون
стр. 4950
الأوامر ويبعثون إلى حكام الولايات أجوبة عَلَى مسائل في الحقوق تكون بمثابة قانون وله نفوذه وأحكامه. وقد ألفوا في القرن الخامس مجموعة من هذه الأوامر الإمبراطورية سموها القانون التيودوزي.
وصحت عزيمة يوستينيانوس عَلَى أن يجمع القانون الروماني برمته فعهد إلى تريبوتين أن يقتطف من أقوال جميع فقهاء الرومان ومن أعمال الأباطرة ما يتألف منه هذا العمل الذي عنيت به لجنة من الفقهاء اشتغلت نحو عشرين سنة فألفت ثلاثة تآليف وهي (١ً) مجموعة الفتاوي (بندكيت) مستخرجة من أفواه زهاء خمسمائة فقيه روماني من عصور مختلفة وتقسم إلى خمسين كتاباً (٢ً) قانون يوستينيانوس وهو مجموع الأوامر والتقاليد الصادرة عن الأباطرة منذ عهد قسطنطين (٣ً) كتاب الأحكام وهو سفر في الحقوق ألف للطلبة.
ثم أن يوستينيانوس جمع في كتاب سماء السنن عامة الأوامر الصادرة في عصره وحظر أن يذكر اسم أحد من فقهاء الرومان بعد ذلك وبهذا بطل استعمال الكتب القديمة في الفقه الروماني في المحاكم فضاعت إلا قليلاً ونحن اليوم قلما نعرف شيئاً في الحقوق الرومانية إلا ما كان من قطع في مجلة يوستينيانوس ومن أجل هذا طارت شهرة هذه المصنفات.
القياصرة والشعب - أصبحت المملكة البيزنطية مع الزمن أشبه بحكومة مطلقة شرقية والإمبراطور سيدها يأمر بقتل كل من ينالهم غضبه ويصادر الأموال كما شاء هواه وله السلطة الدينية ينصب الأساقفة ويعزلهم ويتحكم في المعتقدات ويضطهد المخالفين.
ويحف به كبار الضباط والموظفون والخدم فيتألف منهم بلاط ذو أبهة ويكون لكل من الداخلين فيه رتبة شرف ويقدر كل شيء فيه برسوم دقيقة والقصر يستغرق جميع الأموال التي تجيء من البلاد ولا يذكر في الإمبراطورية غير الإمبراطور وتنقضي الحياة في القصر عَلَى معالجة دسائس النساء وبطائن الإمبراطور وفي المؤامرات. فمن ١٠٩ أباطرة تعاقبوا الحكم من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر ٣٤ فقط ماتوا حتف أنوفهم عَلَى سرورهم و٢ تنازلوا و١٨ ماتوا في السجن و١٨ جدعت أنوفهم وقطعت أيديهم و٢٠ خنقوا أو سموا. وندر أن خلف الإمبراطور ابنه وكل إنسان حتى الخادم والعسيف تحدثه نفسه في الوصول إلى العرش فقد كان الإمبراطور ناستازا رئيس الحجب وجوستين رعى الخنازير وفوكاس جندياً بالعرض وكثيراً ما كان يحدث لبعض المتشردين أن يتنبأ له بعض العجائز
стр. 4951
فتصح عزائمهم عَلَى تدبير المؤامرات ليصبحوا أباطرة. ويروى أن باردانوس بينما كان عَلَى وشك الانتقاض دله أحد الكهنة عَلَى خدمته الثلاثة الذين كانوا يأتونه بفرسه قائلاً له إن هذين الاثنين يبايعان بالملك وهذا يبايع ثم يقتل. وهؤلاء الخدم الثلاثة هم ليون الخامس وميشيل الثاني وتوماس الغاصب ولذا كان سلاح الإمبراطور في الدفاع عن نفسه التجسس والتعذيب الليم فقد قطع فوكاس (٦٠٣ - ٦٨٠) ألسن أنصار سلفه وفقأ عيونهم وقطع أيديهم وأرجلهم وكان الإمبراطور يضربهم بالسهام أو يحرقهم بالنار وكثيراً ما كانت تجري هذه العقوبات الشديدة عَلَى رؤوس الأشهاد. وقد شهد الإمبراطور يوستينيانوس الثاني وهو مجدع الأنف مشهد الألعاب ورجلاه عَلَى رأس منافسيه في العرش ثم أمر بهما فأعدما. ووضع باسيل أعداءه المجذومين المصلوبين في الساحة العامة قابضاً بيده مبخرة فيها كبريت كان يبخر بها بعضهم بعضاً ثم اضطرهم ثلاثة أيام أن يشحذوا وعيونهم مفقوءة ويد كل منهم مقطوعة.
الجيش - لم تبق في الولايات سلطة غير سلطة الجيوش يجندون من المتشردين من أهل كل بلد يدرها عليهم الإمبراطور وفيهم الأروام والفرس والعرب والأرمن والصقالبة بل والفرنج والنورمانديون وكان معظمهم فرساناً لا يؤدون الضرائب ويملكون أراضي وقد دعاهم الصليبيون الفرنسويون في القرن الثالث عشر الفرسان والشرفاء وبطلت طريقة الحكام المدنيين في الولايات وسط الحروب فكل قائد جيش يحكم عَلَى منطقة ولايته وبعضهم ينقطعون عن كل صلة عن العاصمة فيدفعون عن أنفسهم بحسب ما يتراءى لهم فكانت مناطق كالإبرا وصقلية مثلاً مستقلة حقيقة.
المجاميع - حفظت القسطنطينية خزائن كتب مملوءة بنفائس قديمة وكان فيها مدارس يتخرج فيها كل من يطمعون في تولي المناصب ويقضى عَلَى الموظفين في الدولة البيزنطية أن يكونوا أدباء كما هو شان حكام الصين ويدرس الأساتذة من الكهنة إلا قليلاً علوم الدين والشريعة والرياضيات والنحو وكان بعضهم ملماً بجميع علوم عصره ولم يكن علماء بيزنطة يحاولون أن يأتوا بأعمال مبتكرة بل كانوا يسقطون عَلَى التآليف القديمة فيقبسون منها ما يجمعونه في مصنفاتهم. فقد ألف فوتيوس في القرن التاسع كتاباً سماه عشرة آلاف مصنف ووضع سيمون المترجم وهو قائد سياسي من أهل القرن العاشر
стр. 4952
مجموعة واسعة في حياة القديسين وجمع الإمبراطور قسطنطين البورفيروجنتي مجموعاً عظيماً. وكان البيزنطيون يرجون أن يضموا في بضعة مصنفات شتات عامة علوم القدماء وهو عمل متكبرين لا عمل عالمين ولكن عملهم حفظ شذوراً من أسفار ضائعة قديمة.
الصنائع البيزنطية - ظلت الإمبراطورية البيزنطية خلال القرون الوسطى بأسرها تنشئ كنائس وقصوراً وتزينها فكان المتفننون بالصناعات كثيراً عددهم ولاسيما في بلاط بيزنطة وفي الأديار بين الكهنة والقسيسين. وأعظم الصناعات البيزنطية الهندسة وأهم مصانعها كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية أنشئت عَلَى عهد يوستينيانوس وحافظ عليها العثمانيون فحولوها جامعاً.
وتتألف الكنيسة البيزنطية من قبة كبيرة وسطى فيها قباب صغرى يدخل منها النور ويحيط بالقبة الكبرى عدة قباب أو نصف أقباب صغيرة وجميع هذه القباب مذهبة من الخارج تتألق أنوارها إلى بعيد وفي الداخل ترى السواري من الرخام الثمين كاليصب والسماقي وكلها ذات خطوط حمر وخضر وأرضها مبلطة بالفسيفساء المتألقة والحوائط مزدانة بصور مرصعة من ذهب. يريدون من هذا التفنن إظهار الغنى. وغدت هذه الكنائس ذات القباب المستديرة والمذهبة أنموذجا للمهندسين منذ القرن السادس إلى القرن الحادي عشر لا في الإمبراطورية البيزنطية بل عند جميع البرابرة المسيحيين في الشرق. وبقيت هذه البيع في الشرق مثال الهندسة النصرانية وجماع الكنائس الروسية كنائس بيزنطة.
وما النقش والتصوير عَلَى ما كان قديماً في مصر وآشور سوى صناعات ثانوية من شأنها تزيين أعمال الهندسة وتمثل صور الجدران صفوفاً طويلة من القديسين أو احتفالات كهنوتية والأشخاص منفصلة عن التهذيب فيها جفاء وهي عَلَى نسق واحد وعيونها واسعة الأحداق وأجسامها مقرنة لا معنى لها ولا حياة فيها وكذلك تماثيل القديسين ينتقد عليها ما ينتقد عَلَى صور الأشخاص وقد انقطع أرباب الصنائع عن صنع النقوش والتصوير والطبيعة واكتفوا بنقل نموذجات مقررة مبتعدين عن الحقيقة كلما أكثر النقل والاحتذاء.
حفظت في المملكة البيزنطية أيضاً جميع أعمال الزينة كالنقش عَلَى الخشب أو العاج وصناعة الحلي والزمرد وتذهيب المخطوطات. ودام أرباب الصناعة من البيزنطيين مدة خمسة قرون من القرن السادس إلى القرن الحادي عشر مستأثرين بصنع ما يحتاجه الملوك
стр. 4953
والأساقفة ورؤساء الأديار من البربر في غاليا وجرمانيا يعملون لهم زين البيع وبيوت الذخائر والكؤوس والعروش والتيجان والمخطوطات الثمينة وكان إذ تخرج أناس في الصناعة ببلاد الغرب يبدءون باحتذاء مثال الكنائس البيزنطية.
كنيسة الشرق - لم تشأ الكنائس النصرانية في الشرق أن تخضع للبابا في رومية بل كانت ترجع إلى أساقفة المدن الكبرى (القسطنطينية والقدس وأنطاكية والإسكندرية) يدعونهم بطاركة وفوقهم الإمبراطور رئيس الكنيسة وهو ملك عَلَى الأجسام كما هو ملك عَلَى الأرواح عَلَى نحو ما هو حال قيصر روسيا إلى اليوم بل هو المرجع في حسم المسائل الاعتقادية.
وقد أصدر زينون سنة ٤٨٢ في الجدال الذي ثار بشأن طبيعتي المسيح أمراً قاضياً عَلَى الفريقين أن يقبلا بقانون عام وبعد مئة وخمسين سنة من هذا التاريخ والمسيحيون يتناقشون فيما إذا كانت للمسيح طبيعة واحدة أو طبيعتان اصدر هيراكلوس سنة ٦٣٩ أمراً يقضي بأن للمسيح طبيعتين ولكن له إرادة واحدة فنشأت من ذلك بدعة جديدة وانقسمت كنيسة الشرق إلى عدة شيع فكان النساطرة يقولون بأن في المسيح طبيعتين الأولى إلهية والثانية بشرية وأن العذراء ليست أم الله بل أم المسيح وأسسوا الكنيسة الكلدانية نصبوا زعيمها في بابل. وقال القائلون بطبيعة واحدة في المسيح أن ليس فيه من الطبائع إلا الطبيعة الإلهية وهؤلاء أسسوا كنائس مصر وأرمينية وسورية (تحت اسم اليعاقبة) والقائلون بطبيعة وحيدة في المسيح اعتقدوا بأن له طبيعتين وإرادة واحدة ولا يزال الموارنة في جبال لبنان يعتقدون اعتقادهم.
فلم تحتفظ الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية بغير روم آسيا الصغرى وأوربا ولم يتيسر لها أن تظل بكنيسة الغرب والكنائس مختلفة في عدة مسائل فالغربيون لم يقبلوا بزواج القسيس ولا بعبادة الصور وزادوا إلى هذه الجملة التي قيلت في مجمع نيقية الروح القدس منبثق من الأب قولهم ومن الابن أيضاً ولم يرض أحد الفريقين أن يتنازل عن دعواه ومنذ ذهاب الإمبراطور من رومية كان يعترف البابا وأساقفة إيطاليا بإمبراطور القسطنطينية عاهلاً عليهم ولكن لم يقبلوا بأن تحكم الإمبراطورية في الكنيسة وأن نفض مسائل الإيمان والقوانين. وأصبحت الصلاة نادرة ومتعذرة بين البابا والمشارقة ثم جاء إمبراطور من
стр. 4954
القائلين بتحطيم الصور فأمر سنة ٧٢٨ بأن لا يكون في البيع أقل تمثيل من تماثيل المسيح بل ولا العذراء ولا القديسين وأن تحطم التماثيل وتعفى آثار الصور فحرض البابا جماعته المؤمنين أن يقاوموا هذا الفكر وشجب القائلين بحطم الصور ولما غدا أحد ملوك الإفرنج (شارلمان) إمبراطور عَلَى الغرب انقطعت كل صلة بين رومية والشرقيين.
ولم تبق الكنيسة الرومية محصورة في الإمبراطورية البيزنطية بل بعثت رسلاً لتنصير البربر الصقالبة في أوربا الشرقية كما نصر مراسلو رومية برابرة الجرمان وفي أوربا الغربية فكما غدا الجرمان في ألمانيا وإنكلترا كاثوليكيا رومانيين أصبح السلافيون (الصقالبة) في بلغارياً وبلغاريا كاثوليكيا روميين ومازال هؤلاء كذلك وتسمى الكنيسة الرومية (وهي تسمي نفسها الأرثوذكسية) وعدد الخاضعين لها نحو ٨٠ إلى ٩٠ مليوناً.
مكانة الإمبراطورية البيزنطية - جرت عادة المؤرخين عند كلامهم عَلَى البيزنطيين أن يطلقوا عليهم عبارات الاحتقار. نعم إن روايات مؤرخيهم تشعر أن هناك شعباً ظالماً نذلاً فاسداً ولكن لم يبق غيرهم باقين عَلَى شيءٍ من مدنية بجانب الغرب الذي عاد فأصبح بربرياً فهم الذين حفظوا الحضارة القديمة ونقلوها إلى اسم أوربا الحديثة وبذلك شغلوا مكانة عالية في تاريخ العالم الممدن وإليك ما أنوه من الأعمال عَلَى سبيل الإيجاز:
١ً - حفظوا من التشذيب القوانين الرومانية التي لا تزال في كثير من الموضوعات القاعدة التي تجري عليها الشعوب الممدنة.
٢ً - أنقذوا صناعات القديمة وكانت تضيع آثار كتاب اليونان لولا المخطوطات التي حفظها أدباء القسطنطينية وكهنتها فالبيزنطيون كانوا خزنة كتب الجنس البشري.
٣ً - أنشئوا صورة عظمى من صور الصناعة وعلى الأقل في الهندسة ونعني بذلك الصناعة البيزنطية.
٤ً - أسسوا كنيسة نصرانية نصرت العالم السلافي كله تقريباً.
٥ً - قدمت الشعوب البربرية في أوربا الشرقية مثالاً من أمثلة المدنية ولاسيما الروس فإنهم طالما أعجبوا بالبيزنطية واحتذوا مثالها وما البيع الروسية إلا كنائس بيزنطية وألف باء اللغة الروسية مؤلفة من حروف يونانية والدين الروسي هو الكثلكة الرومية حتى أن أسماء العماد يونانية (اسكندر. ميخائيل. باسيل. حنة) وأخذ الشعب الروسي (وهو اليوم
стр. 4955
يناهز المئة مليون نفس) دع عنك الصربيين والبلغاريين عن بيزنطية كتابه وديانته وصنائعه. وعلى الجملة فقد كان البيزنطيون معلمي الصقالبة كما كان الرومان معلمي الجرمان.
مملكة العرب
الخلافة
الخلفاء - فتح المحاربون العرب في أقل من قرن (٦٣٠ - ٧١٣) بلاد آسيا حتى بلغوا نهر السند وجميع أفريقية الشمالية وأسبانيا وخضعت البلاد التي فتحت للخليفة زعيمهم أمير المؤمنين خليفة الرسول وأقام الخليفة أولاً في المدينة المنورة مدينة الرسول (٦٣٠ - ٦٦٠) ثم في دمشق (٦٦٠ - ٧٥٠) ثم في بغداد عَلَى عهد العباسيين وعند ذلك تجزأت المملكة فصار الخلفاء ثلاثة في ثلاث عواصم: بغداد في أسيا والقاهرة في أفريقية وقرطبة في إسبانيا دع عنك الولايات المنتفضة (مثل خراسان ومراكش) التي لم تكن نخضع لخليفة قط.
والقاعدة أن ينتخب المؤمنون خليفة بإلهام من الله. قال يزيد للناس عندما بويع له: أيها الناس إني أعاهدكم أن لا أقيم قصراً ولا أجمع من حطام الدنيا فإذا قمت بوعدي فعليكم أن تبذلوا لي طاعتكم وتدافعوا عني بأنفسكم وإلا فأنتم في حل من بيعتي ولكن عليكم أن تذكروني أولاً فإذا صلحت فاقبلوا معاذيري وإذا عرفتم برجل خبرتم أخلاقه بقوم لكم بما أقوم فاختاروه وأنا خاضع له. وفي الواقع فإن انتخاب الخليفة كان حراً خالصاً فتختار الأمة الخلف الذي يعينه الخليفة السابق أو رؤساء القواد في قصر الخليفة.
الحكومة - كانت الحكومة ساذجة للغاية. متوارثة خلفاً عن سلف وعلى الخليفة كل جمعة أن يصعد المنبر ويخطب الناس ويعظهم ثم تركت هذه العادة وكان عليه أن يستقبل القوم جالساً عَلَى عرش يحف به ذوو قرباه وأعاظم دولته ولكن خليفة بغداد جعل له وزيراً يكون له خادماً ووزيراً أول يسليه بحديثه ويغنيه ويلاعبه بالنرد وينوب عنه في الحكم. وهو أيضاً يقضي وقته في قصوره أو حدائقه بين نسائه يحف به حرس من الجند المأجور من الأجانب (ويدعونهم الخرس لأنهم لا يتكلمون العربية).
وكان لكل ولاية قائد لجيشها يحكمها وكثيراً ما ينتفض الخليفة وفي كل حاضرة قاض
стр. 4956
يقضي بين المسلمين عَلَى أسرع وجه بدون كتابة ولا معاملة وذلك بمراعاة أحكام القرآن والعدل. ويقال عدل قاض يريدون به العدل الموجز. وكانت العرب كالرومان يتركون الشعوب الخاضعة لهم متمتعين بحقوقهم ومحاكمهم بل أساقفتهم (وكان في خلافة بغداد وحدها ٢٥ أسقفاً مطراناً) ويتركون المسيحيين يقومون كما يشاءون بشعائرهم الدينية مكتفين منهم بتأدية الجزية فقط وأن يحترموا المسلمين وأن لا يحملوا السيف ولا يبيعوا الخمر ولا يقرعوا نواقيسهم كثيراً ولا يتلون أناجيلهم بصوت جهوري.
المذاهب - لما كان بين الشعوب المختلفة التي دانت بالإسلام كثير من الاختلاف في الأخلاق لا يتأتى معه أن يقوموا بواجباتهم عَلَى مثال واحد انقسموا إلى عدة مذاهب فقدماء المؤمنين في العادة ولاسيما العرب منهم يؤمنون مع القرآن بأحاديث الرسول وما أُثر عن أصحابه وآله فيعززون الكتاب بالسنة ومنهم اشتق اسمهم أهل السنة. لا جرم أن هذه الأحاديث التي قبلت بسائق سرعة التصديق المعهودة في الشرقيين لا يرد عهدها إلى محمد (فقد أقر أحد الوضاعين الذي قتل سنة ٧٧٢ بأنه وضع ٤٠٠٠ حديث) ولكنها مع ذلك من أصل عربي. إما المذهب المناقض لهذا فقد تالف بعد مقتل علي فأبى أهله الاعتراف بخلفاء الأمويين في سورية ونبذوا الحديث وزعموا أنهم يتمسكون بالقرآن فدعا العريقون في الإيمان هؤلاء المخالفين شيعة أو رافضة وكان معظمهم قد أسلوا حديثاً وأكثرهم من الفرس فمزجوا الإسلام ببقايا دين زردشت القديم وادخلوا فيه حكايات واحتفالات ومعتقدات تكرهها العرب وجعل أكثرهم استنارة بكثرة تفسير القرآن وفلسفة مجازية من الدين مثل صوفية الفرس حتى لقد شبهوا هؤلاء بالإباحيين وكان من أمر السواد الأعظم كرهاً بالأمويين أن اتخذ من أخلاف علي ختن الرسول آل بيت إلهي وقالوا أن الخليفة غاصب وأن الزعيم الحقيقي من آل بيت علي وفيه السر الإلهي وهكذا جاء اثنا عشر إماماً عاشوا خاملين في المدينة ثم انقرض آل البيت فكانوا يتوقعون زمناً خروج الثاني عشر وهو محمد من مغارة بالقرب من بغداد حيث كان مختبئاً عَلَى ما يقولون ومنذ ذاك العهد أخذوا ينتظرون إماماً يأتي ذات يوم لمقاومة الشر بمعونة عيسى ويلقي السلام عَلَى الأرض وفي كل مساء يضرعون إليه أن يظهر قائلين تمثل لنا أيها الإمام فإن الإنسانية في انتظارك لأن الحق والعدل هلكا والأرض ملئت جوراً وظلماً. وهذا المسيح يسمونه المهدي (أي الرجل
стр. 4957
الذي يسوقه الله) وقد ظهر كثير من المهديين منذ القرن العاشر ولاسيما بين مسلمي أفريقية وأنشأ أحدهم خلافة في القاهرة وأسس آخر دولة الموحدين في مراكش وقام لعهدنا مهدي جديد آخر في السودان (١٨٨٤).
المدنية العربية
منشأ المدنية العربية - كان الإسلام كالنصرانية مباحاً الدخول فيه لكل إنسان فإذا اسلم المغلوب يدخل في زمرة المؤمنين وكانت العرب الخلص في الصدر الأول التي تدعو أنفسها السود تحتقر هؤلاء الداخلين في الإسلام المدعوين بالحمر السبال ولكن الخلفاء وضعوا مبدأ المساواة قال عمر من الظلم أن يحتقر المرء أخاه المسلم. وقد أخذ الروم والفرس ممن دخلوا في الإسلام لو ظلوا عَلَى دينهم وهم أعراق في المدينة يتكلمون بالعربية ومزجوا عاداتهم بعادات الفاتحين وخرج العرب متوحشين من قفارهم فتحضروا كما كان شان الرومان قديماً وراحوا يمدنون الشعوب البربر التي مازالت عَلَى توحشها في أفريقية كما مدنت رومية بربر إسبانيا وغاليا.
بغداد وقرطبة - هذه المدنية العربية التي نشأت في الشام وفارس هي شرقية محضة فقد اقتدى خلفاء دمشق بملوك فارس فكانوا يأوون إلى قصورهم المبلطة بالمرمر الأخضر وفي وسط الفناء حوض عظيم يفيض فيسقي حديقة غاصة بالطيار وحوله عبيده يغنون فيشرب شراباً بماء الورد وكانت العاصمتان اللتان أسسهما الخلفاء وهما بغداد وقرطبة أحسن حالة فإن بغداد مدينة العجائب أنشئت في بضع سنين وكان لها أربعة أبواب من حديد تحيط بها قبة مذهبة وكان عَلَى الداخل للوصول إلى القصر أن يجتاز ثلاثة ميادين وثلاثة أبواب وكان القصر مدينة مغلقة وسط المدينة. وفي ردهة الاستقبال شجرة ذهب أغصانها الحجار الثمينة واسود مقيدة وأحواض ومياه منبجة ترطب الهواء وكان لخلفاء القاهرة حديقة أشجارها من ذهب وأزهارها من الجوهر وبلاطها من الزمرد. قالوا أنه كان في قرطبة في القرن العاشر مئة ألف دار وستمائة جامع وثمانون مدرسة وثلثمائة حمام وثمانية وعشرون ربضاً. وقد سميت الراهبة هروسويسا الألمانية مدينة قرطبة بجوهرة العالم وكان الخليفة في قرطبة كما في بغداد يستدعي الشعراء والمغنين ويعيدهم مملوءة حقائبهم من الذهب. ولأغنياء التجار أيضاً حدائق مملوءة بالزهور والشجار العطرة والبسط الفاخرة وأقمشة
стр. 4958
الحرير وآنية الفضة وطيوب بلاد العرب التي يحرقونها في مجامر ذهب. وهكذا بذخ الشرقي يرغب في الثمين الفاخر أكثر من رغبته في الموافق السهل.
الزراعة - من أول واجبات الحكومة أن تفتح الترع اللازمة لزراعة الأرض. وهذه كانت قاعدة أمراء العرب التي جروا عليها وحفروا الآبار وجازوا من عثروا عَلَى الينابيع بالمال ووضعوا المصطلحات لتوزيع الماء بين الجيران فإن مصر والشام وبابل هي من البلاد الحارة التي تخصب وأي خصب عندما يسقونها قد علمت العرب قيمة الماء وطريقة الانتفاع منه فنقلوا إلى إسبانيا أسلوب النواعير التي تمتح الماء والسواقي التي توزعه. وإن الهورتا (؟) في ضواحي بلنسية وهو سهل مزروع كما تزرع الحديقة هو من بقايا حومة العرب وديوان المياه الذي كان يفض مسائل السقيا نظمته العرب.
وقد استعملت العرب جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم وحملت كثيراً من النباتات إلى صقلية وإسبانيا وربوها في أوربا فأحسنوا تربيتها حتى لتظنها وطنية وذلك مثل الأرز والزعفران والقنب والمشمش والبرتقال والكباد والنخل والهليون والبطيخ الصفر والعنب العطر والورد الزرق والصفر والياسمين بل والقطن والقصب وقد دخل هذان الصنفان منذ اكتشاف أميركا.
الصناعة - وجدت العرب في الشام وفارس صناعات قديمة نقلت إلى جميع البلاد الإسلامية فتكملت ومنها نشئت صناعة أوربا الحديثة. وكانوا يعملون في معامل الزجاج في بغداد والشام زجاجاً معمولاً بالياقوت والصدف وتخرج من معامل الأسلحة العربية الفولاذ العجمي واليطقانات المنحنية في البصرة والسيوف في اليمن ثم أخذت سورية تصنع النصال الدمشقية المشهورة وإسبانيا السيوف المسقية في طليطلة. ويحوكون في جبال آسيا الصغرى السجاد من صوف ذي وبر. وفي دمشق قماش الدمسكو وأقمشة القصب وأقمشة الحرير والصوف الدقيقة ويصنع الشاش في الموصل. وقد انتقلت الرسوم العجمية التي كانت تزدان بها هذه الأقمشة من طيور وأسود وفيلة وحيوانات ونباتات يتخيلونها (ويرد عهد بعضها إلى الآشوريين) إلى تزييناتنا الحديثة وكان يعمل الورق في سمرقند وبغداد منذ القرن العاشر وربما قلدوا في صنعه الصينيين ومن هاتين العاصمتين انتقلت صناعة الورق إلى صقلية وكساتيفا (؟) في إسبانيا. وكانت في الغرب معامل الجلد الشهيرة وهي
стр. 4959
مثال الجلد القرطبي (الكوردواني) نسبة لقرطبة (ومن هنا اشتق بالإفرنجية اسم كوردونية أي صانع الأحذية) كما يصنع السختيان (الماروكين) نسبة إلى مراكش. ويعمل في بغداد السكر الذي كان اخترع في بلاد الفرس وكانت العرب تحسن عمل المربيات والشربة والخمور الناشفة وروح الورد.
التجارة - عاش الشعوب في بلاد العرب الواسعة كما كانت الحال عَلَى عهد الرومان من أقصى المملكة إلى أقصاها بسلام وراحة يتقاضون حاصلات أرضهم ومصنوعات معاملهم ويرحلون إلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها إلى الشعوب البربرية في أوربا وكانت الصنائع تنقل في البحار عَلَى مراكب وفي البر عَلَى ظهور الجمال وللعرب مرفآن تجاريان عظيمان متصلان بالعاصمتين أحدهما البصرة عَلَى خليج فارس كان يفتح للعرب بحر الهند وهناك تفرغ مراكب العرب وهي قادمة من الهند تحمل العطور والأباريز والعاج وتجيء الجنوك الصينية تحمل جميع صمغ اللك والحرير وتعود بالزجاج والسكر وماء الورد والقطن. والإسكندرية هي المرفأ الثاني فتحت عَلَى العرب طريق البحر الرومي وإليه كانت تصل مراكب إيطاليا فالبصرة مرفأ بغداد والإسكندرية مرفأ القاهرة.
وتسير القوافل من بغداد إلى كل ناحية فمن الجنوب الغربي تقصد إلى دمشق وسورية وإلى الشرق نحو البصرة والهند ومن الشمال إلى طربزون عَلَى البحر الأسود حيث كانت تحمل بضائع المملكة البيزنطية وإلى الشمال الشرقي إلى سمرقند وبحر الخزر حيث كان يذهب التجار ليأخذوا جلود روسيا وشمعها وعسلها. وكانت القوافل من القاهرة تسير إلى الغرب في الطريق العظيم الذي يحاذي البحر عَلَى طوله ماراً بطرابلس والقيروان لينفذ من طنجة التي كانت تصل إليها تجارة إسبانيا ومن الجنوب طريق يصعد منها إلى النيل حتى بلاد السودان وآخر يسير عَلَى الشاطئ الشرقي من أفريقية حيث أنشأت العرب مقدشو وكلوة وسفالة. ومن هذه الجهة كان يجيء التبر والعاج والعبيد. وكان في جميع المدن العظمى كبغداد والقاهرة ودمشق والقيروان وطنجة وقرطبة وسمرقند حي للتجارة (البازار) يعرض فيه التجار أمتعتهم ويتفقون عَلَى الأسعار.
العلوم - يقول المثل العربي من سار في طلب العلم سهل الله له طريق الجنة وكثير من
стр. 4960
الرجال من ساحوا أشهراً في طلب حديث روي عن الرسول وبالحقيقة أن المسلم يعنى عناية خاصة بعلم الكتاب وفي البلاد الإسلامية كما في المسيحية يفضلون تعلم الفقه. فقد كان الطالب في مدارس قرطبة يقضي أربع سنين في تعلم قراءة القرآن وثمان سنين في حفظه ثم يتعلمون الكتابة وهكذا كان يتخرج العلماء وهم علماء في الفقه والكلام إذ ليس القرآن قانوناً دينياً فقط بل هو قانون مدني. ومن دراسة تراكيب القرآن نشأ علم النحو وما برح المسلمون يبرحون من العلوم الكلام والفقه والنحو وكان في الحواضر مدارس يجتمع إليها من يرغبون في التعلم أو التعليم وهؤلاء الأساتذة المرتجلون كانوا يلقون دروسهم علناً بدون مقابل أو لقاء رواتب يدفعها عليهم الحضور. وأنشئت في القرن العاشر في بغداد ودمشق وسمرقند مدارس كلية حقيقية تدفع الحكومة رواتبهن.
وحفظت في مدارس الروم في دمشق والإسكندرية علوم الروم من فلك وجغرافيا ورياضيات وطب فجمع علماء الإمبراطورية البيزنطية رومهم وعربهم وفرسهم هذه العلوم وأكملوها ونشروها وقد كتب أحد علماء العرب أول كتاب في الجبر ترجم إلى اللاتينية ووصف جغرافيو العرب البلاد البعيدة التي كانت القوافل تختلف إليها. واستخرجت العرب من كتب الطب اليوناني الطب التجريبي الذي كان المعول عليه في القرون الوسطى وهو طب العقاقير والحبوب وكانوا كاليونان يبحثون عن داء يشفي من كل الأوصاب ولكن أهم ما غلب عَلَى العرب من علوم علم الكيمياء وكان يحببه إليهم أمران مرغبان لعقل الشرقي وهما العثور عَلَى حجر الفلاسفة الذي يحول جميع المعادن إلى ذهب والإكسير الذي يعطي الحياة ويعيد الشباب وكانوا يحاولون إخراجها بمزج كل مادة وإغلائها وتقطيرها فوقع الكيماويون في أنابيقهم وأدوات استخراجهم ما لم يكونوا يبحثون عنه فبدلاً من الإكسير حصل معهم الألكحول (١٦٦٩) ثم بعد زمن بينا كانوا يبحثون عن حجر الفلاسفة وجدوا في ألمانيا الفوسفور. وظلت الكيمياء وهماً ولكن نشأت منها الكيمياء الحديثة كما نشأ قديماً في بلاد الكلدان علم الفلك من علم التنجيم.
فنون العرب - لم يكن للعرب كما للرومان صناعات وطنية خاصة بهم فكانوا إذا احتاجوا إلى قصور أو جوامع يعمرونها أولاً عَلَى الطراز الفارسي أو البيزنطي مثل جامع دمشق ولكن لم تلبث الصناعات الفارسية والبيزنطية أن اختلطت ونشأ منها صناعة جديدة هي
стр. 4961
الصناعة العربية وأجمل هذه الصناعات الجوامع والقصور والجامع عبارة عن قاعة كبرى يجتمع فيها المؤمنون وفي الفناء حوض ماء يتوضئون منه ومأذنة تنتهي بسطح ومنه ينادي المؤذن المؤمنين للصلاة وكانت القاعة العظمى في قرطبة تنقسم إلى أحد عشر صفاً من السواري والقصر العربي هو بيت نزهة يكون بحسب عادة البلاد الحارة ولا يبدو منه إلى الخارج إلا حوائط عارية. والقاعات كما في الدور القديمة متجهة نحو فناء (صحن) داخلي معروس بالأشجار ويرطب هواءه حوض ماء وفي صحن الأسود في قصر الحمراء في غرناطة ينبجس الماء من كأس عظيمة من الرخام الأبيض يحملها اثنا عشر أسداً من الرخام الأسود والفناء يحيط به من الشواطئ سوار يتألف منها رواق والسواري العربية رقيقة عالية عَلَى مثال الهندسة الفارسية فلا تحمل إلا حوائط رقيقة خفيفة من الجبس أو الملاط والقناطر التي تجمع بين السواري هي عَلَى شكل رسم البيكارين أو هلال أو قرن فهي هندسة جميلة خفيفة سريعة العطب كأنها أصحاف كتاب بالمقوى. وليس للعرب نقش ولا تصوير لأن القرآن حرم عليهم تمثيل الأشخاص فبدلاً من التماثيل والصور تصوروا أن يصوروا الحوائط بألوان زاهية وأكاليل من الزهر والورق وآيات من القرآن وأشكال هندسية مشتبكة وهذه الزين التي أصبحت عَلَى الدهر مختلطة مرتبكة لا أصل لها إلا في خيال رساميها قد حفظت أسماء مخترعيها فقالوا عنها أرابسك أي النقوش عَلَى هيئة النباتات والأوراق.
стр. 4962
مخطوطات ومطبوعات
المجموع المشتمل عَلَى الدرر
كما قيض الله سبحانه رجالاً في الهند لنشر مذهب السلف بطبع كتب الحديث وسننه ومسانيده وأجزاءه وكتب عقيدتهم الصحيحة كذلك أتاح لذلك رجالا من البحرين ومصر وجدة لا يألون جهداً في السعي وراء إحياء آثار السلف وبعثها من مراقد الإهمال الذي قضى عليها ضعف العلم في العصور الأخيرة.
ومنهم الشيخ عبد القادر التلمساني الصل نزيل مصر فقد طبع في مصر الصارم المنكي، والكافية الشافية، وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجزء رفع اليدين، وجزء القراءة خلف الإمام، وغاية الأماني وآخر ما نشره مجموعة كتب من ألطف الكتب وأنفسها يودكل نهم بالعلم لان يقف عليها ويتمتع بفوائدها.
اشتمل هذا المجموع - الذي طبع بمطبعة كردستان بأجمل ورق وألطف حرف - عَلَى تسعة مؤلفات (الأول) كتاب الرد الوافر عَلَى من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر للإمام حافظ الشام ناصر السنة محمد بن أبي بكر المعروف بابن ناصر الدين الشافعي المتوفى عام (٨٤٦) جاء كتابه هذا في (١٣٦ ص) بالقطع الكامل افتتح خطبة كتابه بما ورد إتباع السنة واجتناب البدعة ثم نعى عَلَى المكفرين والمضللين وإن كل هؤلاء ركب هواه، فابتدع ما أحب وارتضاه وناظر أهل الحق عليهن ودعاهم بجهله إليه، وزخرف لهم القول بالباطل فتزين به وصار ذلك عندهم ديناً يكفر من خالفهن ويلعن من باينه، وساعد عَلَى ذلك من لا علم له من العوام، ويوقع به الظنة والإيهام، ووجد عَلَى ذلك من الجهال أعواناً، ومن أعداء العلم أخدناً، إتباع كل ناعق لا يرجعون فيه إلى دين، ولا يعتمدون عَلَى يقين، وقد رجوا به الرئاسة، وتزينوا به للعامة.
وما ألطف قوله بعد ذلك عن الناطق بالتكفير، عن هذا القول الشنيع قد أبان قدر قائله في الفهم، وإن فصح عن مبلغه من العلم، وكشف عن محله من الهوى، ووصف كيف إتباعه سبيل الهوى، ولا يرد بعد روايته عنه ونسبته إليه كلام الإنسان عنوان عقله يدل عليه.
وقد استقرأ من ترجم شيخ الإسلام ابن تيمية من مشاهير الأعلام ما يقرب تسعين إماماً مشهوراً وقد ذيل الكتاب بتقاريط أقران المؤلف ومعاصريه كالحافظ شهاب الدين ابنة حجر
стр. 4963
شارح الصحيح وأَضرابه.
ولمؤلفه الإمام ابن ناصر الدين شهرة كبيرة لقب بخاتمة حفاظ الشام وكان من أعلام القرن التاسع.
(الكتاب الثاني) القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي لصفي الدين البخاري الحنفي ذكر فيه كلام الأئمة الأخيار في الثناء عَلَى الشيخ، ثم عقيدة الشيخ السلفية ثم ما وافق كلامه كلام من تقدمه من السلف والخلف، ثم الجواب عما أنكروه عَلَى الشيخ، ثم ما اختاروه الحنابلة من تسمية أنفسهم أهل الأثر لا الأشاعرة ولا ماتريدية وتصويبهم في ذلك، ثم ذكروا وفاة الشيخ وبعض ما قيل في رثائه وهذا الكتاب كان طبع عَلَى حاشية المحاكمة بين الأحمدين.
(الكتاب الثالث) الكواكب الدرية في مناقب الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ مرعي الحنبلي أورد فيه ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية مسهبة، وسرد وقائعه مع الجامدين في عصره وتواريخ سعايتهم به إلى السلاطين والنواب، ثم من انتصر للشيخ من علماء البلاد ثم ما رثي به بعد وفاته من القصائد وعدتها خمسة عشرة والكتاب من أجمل الكتب التي جمعت سيرة الشيخ ومناقبه وقد طبع عن نسخة بخط السيد محمود شكري الآلوسي الحسيني أحد علماء العراق.
(الكتاب الرابع) كتاب تنبيه النبيه والغبي في الرد عَلَى المدارسي والحلبي لأحمدين إبراهيم بن عيسى النجدي وكان رأى كتاباً لشخص يلقب بالمدراسي من أهل مدارس استمد ما جمعه مما كتبه الحلبي في رده عَلَى شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى شمس الدين الحافظ الذهبي في متاب العرش وكتاب العلو وحاول تأييد مذهب الجهمية عَلَى مذهب السلف وحذا حذو أولئك المؤولين الجامدين فأوسع من التأويل والحشو المعروف لهم فكر عليه هذا العالم النجدي ودحر شهادته أجمع وتبلغ صفحاته قريباً من مائتين وتسعين بالقطع الكامل ويجد فيه مجادل الحشوية في المسائل السلفية مادة كبرى.
(الخامس) رسالة في زيارة القبور تأليف الحجة محي الدين البركوي أحد أولياء علماء الأتراك الشهيرين وصاحب لطريقة المحمدية وغيرها من المؤلفات ثم رسالته هذه في زيارة القبور وجمع من النقول في ذلك عن السلف والخلف وعن فقهاء المذاهب في آداب
стр. 4964
الزيارة ومحظوراتها ما لا يوجد في كتاب غيره وهذه الرسالة كانت طبعت في الأستانة مرتين طبعاً محرفاً فطبعت في هذه المجموعة عَلَى نسخة مصححة غاية التصحيح وحقها أن تكون أماً يعارض بها كل مطبوع قبلها.
(الخامس) عقيدة الشيخ الإمام موفق الدين ابن قدامة وهي من أنفس المختصرات في بيان عقيدة السلف.
(السادس) كتاب ذم التأويل للإمام موفق الدين المنوه به قبل أورد فيه مذهب السلف من الصحابة والتابعين في أسماء الله وصفاته ليسلك سبيلهم من أحب لاقتداء بهم.
وقد تخلل هذه المجموعة البديعة منظومة للحجاوي الحنبلي في تعداد الكبائر ومنظومة في عقيدة أهل الأثر لأبي خطاب الحنبلي، وكلها نفائس وغرر، جديرة أن تلقب بما لقب به بالمجموعة المشتملة عَلَى الدرر. دمشق
(أبو الضياء).
الاعتبار
تأليف مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد الكناني الشيزري بالمعروف بأبي منقذ طبع بمطبعة بريل في ليدن سنة ١٨٨٤.
لمطبعة بريل في ليدن من بلاد القاع (هولاندة) يد طولى عَلَى اللغات الشرقية عامة واللغة العربية خاصة فقد طبعت جزءاً كبيراً من كتبنا في مطبعتها ولا تزال إلى اليوم تطبع كل ما يبيض وجه الآداب والعلم. وبآخر ما اطلعنا عليه من مطبوعاتها كتاب نشره هرتويغ درنبورغ أحد علماء المشرقيات من الفرنسيس لهذا المؤلف الأمير وكانت أسرته صاحبة شيزر ولها تاريخ مجيد عَلَى عهد دخول الصليبيين إلى هذه الديار أما أسامة فكان في القرن الأول من تلك الحروب وطاف مصر والشام ورأى أهاويل وقص في هذا الكتاب - الذي ظفر ناشره بنسخة منه في مكتبة الأسكوريال ببلاد الأندلس - حكايات مهمة في شجاعة أهل تلك الأيام ونالوا من صروف الأقدار ما كانوا يألفونه من العادات والأحوال بحي أسدى الناشر إلى التاريخ ولاسيما تاريخ مصر والشام بدءاً محمودة فجاء القسم الثاني منه في ١٦٨ صفحة عدا الفهارس وأسماء الرجال والنساء والحيوان والأمم والأماكن والقبائل والأنساب التي لا يكاد كتاب من كتب علماء المشرقيات يخلو منها.
стр. 4965
ذكر ابن منقذ فرقة العرب الذين رآهم عَلَى حدود مصر قال ورأيت بهم من الضر أمراً عظيماً وقد يبست جلودهم عَلَى عظامهم قلت: إي أنتم قالوا: نحن من بني أبي. وبنو أبي فرقة من العرب من طيءٍ لا يأكلون إلا الميتة ويقولون نحن خير العرب ما فينا مجذوم ولا أبرص ولا زمن ولا أعمى وإذا نزل بهم الضيف ذبحوا له وأطعموه من غير طعامهم قلت: ما جاء بكم إلى ها هنا قالوا: لنا بحسمى كثول ذرة مطمورة جئنا نأخذها قلت: وكم لكم هنا قالوا: من عيد رمضان إنا ها هنا ما رأينا الزاد بأعيننا قلت: فمن أين تعيشون قالوا من الرمة يعنون العظام البالية الملقاة ندقها ونعمل عليها الماء وورق القطف شجر بتلك الأرض ونتقوت به قلت: فكلابكم وحمركم قالوا الكلاب نطعمهم من عيشنا والحمير من الحشيش قلت: فلم لا دخلتم إلى دمشق قالوا: خفنا الوباء ولا وباء أعظم مما كانوا فيه وكان ذلك بعد عيد الأضحى فوقفت حتى جاءت الجمال وأعطيتهم من الزاد الذي كان معنا وقطعت فوطة كانت عَلَى رأسي أعطيتها للمرأتين فكادت عقولهم تزول من فرحهم بالزاد وقلت: لا تقيموا ها هنا يسبوكم الإفرنج.
وذكر أنه سار مع أخيه من دمشق يقصد هو وأصحابه إلى عسقلان يريدون الغارة عَلَى بيت جبريل وقتالها فاجتمع الإفرنج من تلك الحصون وقال: وهي كلها متقاربة وفيها خيل كثير للإفرنج لمغادرة عسقلان ومراوحتها. وذكر من جملة كلام له في مسيره من مصر إلى الشام أنه وصل جبال بني فهيد في وادي موسى وطلع في طرقات ضيقة وعرة إلى أرض فسيحة ورجال وشياطين رجيمة من ظفروا به منفرداً قتلوه وتلك الناحية لا تخلو من بعض بني ربيعة الأمراء الظائيين فسألت من ها هنا من الأمراء من بني ربيعة قالوا منصور بن غدفل. وذكر أنه أخذ أماناً من الإفرنج وأرسل عياله وأشغاله من دمياط إلى عكا في بسطة من بسط الإفرنج فهب هؤلاء ما مع عياله وكان نحو ثلاثين ألف دينار قال وهو مما يدل أنه كان من غلاة الكتب: وحرمنا ذهاب ما ذهب من الملل إلا ما ذهب لي من الكتب فإنها كانت أربعة ألف (آلاف) مجلد من الكتب الفاخرة فإن ذهابها حزازة في قلبي ما عشت.
وقال فهذه نكبات تزعزع الجبال تفني الأموال والله سبحانه يعود برحمته ويختم بلطفه ومغفرته وتلك وقعات كبار شهدتها مضافة إلى نكبات نكبتها سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال وأجحفت بهلاك المال وكان لبين هذه الوقعات فترات شهدت فيها من الحروب مع
стр. 4966
الكفار والمسلمين مالا أحصيها سأورد من عجائب ما شاهدته ومارسته في الحروب ما يحضرني ذكره وما النسيان بمستنكر لمن طال عليه ممر الأعوام وهو وارثة ابن آدم من أبيهم ﵊.
وذكر ما وقع عَلَى أفامية مما دل عَلَى أنها غير حماة وذكر بالقرب منها وادي أبي ميمون وذكر رفنية وكان أتابك حاصرها ومما قاله في أفامية فلقينا فارسهم وراجلهم في الخراب الذي لها وهو مكان لا يتصرف فيه الخيل من الحجارة والأعمدة وأصول الحيطان والخراب.
وشهد للإفرنج الصليبيين بالشجاعة ومما قاله بالحرف: والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان ولا عندهم ناس إلا الفرسان فهم أصحاب الرأي وهم القضاء والحكم. وقال في وصفهم في مكان آخر: سبحان الخالق الباري إذ خبر الإنسان أمور الإفرنج سبح الله وقدسه ورأى بهائمك فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير في البهائم فضيلة القوة والحمل وقال: إن الإفرنج قوم تبلدوا وعاشروا المسلمين فهم من أصلح القريبي العهد ببلادهم ولكنهم شاذ لا يقاس عليه فمن ذلك أنني أنفذت صباحاً إلى أنطاكية في شغل وكان بها الرئيس تادرس بن الصفي وبيني وبينه صداقة وهو نافذ الحكم في أنطاكية فقال لصاحبي يوماً قد دعاني صديق لي من الإفرنج قد تجيء معي حتى ترى زيهم قال فمضيت معه فجئنا إلى دار فارس من الفرسان العتق الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج وقد أعفى من الديون والخدمة وله بأنطاكية ملك يعيش منه فاحضر مائدة حسنة وطعاماً في غاية النظافة والجودة ورآني متوقفاً عن الأكل فقال: كل طيب النفس فأنا ما آكل من طعام الإفرنج ولي طباخات مصريات ما آكل إلا من طبيخهن ولا يدخل داري لحم خنزير فأكلت وأنا محترز وانصرفنا.
وذكر قضية له معهم وهو أنهم سرقوا خرافاً من قطعان المسلمين ووصف كيف تشاور الفرسان بأمر الملك منهم وحكموا بالغرامة عَلَى صاحب بانياس وهو منهم فأخذ منه أربعمائة دينار. ومما ذكره أن الطور كانت ولاية لمصر بعيدة كان الحافظ لدين الله ﵀ أن أراد إبعاد بعض الأمراء ولاه الطور وهو قريب من بلاد الإفرنج. ومما رواه أن
стр. 4967
حصن مصياف كان لابن منقذ عم صاحب كتاب الاعتبار وكانوا يقاتلون الأتراك أو الإفرنج مما دل عَلَى أنه كزان في البلاد أتراك ولعلهم سكان مرعش وغيرها من أعمال ولاية حلب اليوم.
هذه نموذجات من الكتاب وهو يصور الصليبيين ومبلغ انحطاطهم إذ ذاك في سلم المدنية حتى أنه ذكر أن أحد رجال الصليبيين دخل الحمام في المعرة فاستعمل له ما يستعمله الرجال لتنظيف الشعر فأتى بالغد بابنته الشابة يريد الحمام أن يعمل لها ما عمل له وذكر أموراً من مثل هذه غريبة ووصف قومه وصفاً دل عَلَى أن الفروسية هي جماع فضائل المشارقة والمغاربة في القرون الوسطى ولا يمتازون الأولون عن الآخرين إلا ببعض العادات الحسنة والمدنية التي تعد شيئاً بالنسبة لتلك الأعصر.
ذيل تاريخ دمشق
لأبي يعلى حمزة بن القلانسي المعروف بذيل تاريخ دمشق طبع في بيروت سنة ١٩٠٨
لعلماء المشرقيات فضل كبير عَلَى العلم والتاريخ والآداب العربية لا ينكره عليهم إلا مكابر أو جاهل ومما أحيوه بالطبع هذا الكتاب أحياء الأستاذ أميدروس الإنكليزي طبعه في بيروت في مجلد لطيف وأخذ إلى الغرب جميع نسخه ووقعت له بعض أغلاط وتحريفات لا يكاد يخلو منها كتاب نشر حديثاً ولكن الفوائد والحسنات أكثر من غيرها يستفاد منه أمور كثيرة لم نقع عليه في تاريخ قبله وهو مرتب عَلَى السنين وأهم فصوله ما كان متعلقاً منها بأمور الدولة الفاطمية في الشام ومصر والقسم الأخير من الكتاب متعلق بأخبار الحروب الصليبية وربما كان فيها تفصيل بعض الوقائع التي ألم بها صاحب الروضتين وأخبار الدولتين وصاحب الفتح القدسي إلماماً خفيفاً لأن المؤلف كان قبلهما ووصف كيف انهال الصليبيون الأول عَلَى هذه الديار من أوربا قاصدين إلى آسيا الصغرى فبلاد الشام. وتوفي ابن القلانسي سنة ٥٥٥ هـ بدمشق وكان تولى رئاستها مرتين وهو من بيت وجاهة وفضل نقل عنه كثير من ثقات المؤرخين أمثال الذهبي وابن الأثير وله شعر رائق ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ودفن في سفح قاسيون. وكتابه هذا وصل به ما قاله هلال الصائبي في تاريخه واختصر عباراته واخذ منها ما يتعلق بتاريخ الشام عامة ودمشق خاصة.
стр. 4968
وقد توسع المؤلف في الكلام عَلَى عادات أهل هذه البلاد وأصولهم وحكامهم وأحكامهم ودرجة عمرانهم وما أصاب البلاد من الأحداث الجوية والأرضية ولاسيما في زمنه وما نال هذه المدينة من عيث المغاربة والمصامدة وهم جيش الفاطميين كما نالها في عهد العثمانيين من مظالم اليكي جرية (الإنكشارية).
ويستفاد من هذا التاريخ أن ولاية الفاطميين عَلَى دمشق كانت إلى الشقاء وكثرت فيها المصادرات وتغيير الولاة التي تبعث بهم مصر فلا يلبثوا أن يصلوا حتى يصدر إليهم الأمر بالعودة وقد زاد الناشر بالكتاب فوائد مهمة بأن حلاه بحواشٍ نقلها عن كتب تاريخية مخطوطة مثل تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي وتاريخ الأزرقي وتاريخ سبط ابن الجوزي ومما نقله عن تاريخ سبط ابن الجوزي فو حوادث سنة ٤٦٧ أن أتسز (ابن أوق مقدم الأتراك في دمشق الذي أبطل الأذان بحي عَلَى خير العمل من هذه الحاضرة) عاد إلى دمشق ولم يبق بها من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الفقر والغلاء والجلاء وكان بها مائتان وأربعون خبازاً فصار بها خبازان والأسواق خالية والدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها عشرة دنانير فلا يشتريها أحد والدكان الذي يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار وكان الضعفاء يأتون للدار الجليلة ذات الأثمان الثقيلة فيضرمون بها النار فتحرق ويجعلون أخشابها فحماً يصطلون به وأكلت الكلاب والسنانير وكان الناس يقفون في الأزقة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم ويشوونهم ويأكلونهم ولامرأة داران قد أعطيت قديماً في كل دار ثلاثمائة دينار أو أربعمائة ولما ارتفعت الشدة عن الناس ظهر الفأر فاحتاجت إلى سنور فباعت أحد الدارين بأربعة عشر قيراطاً واشترت بها سنوراً اهـ.
وهذا الوصف العجيب المتعلق بتاريخ عمران هذه القاعدة لم يذكره فيما أطلعنا عليه أحد المؤرخين وقد اكتفى ابن الأثير فو حوادث سنة ٤٦٨ بقوله أنه غلت في دمشق الأسعار حتى أكل الناس بعضهم بعضاً وعدمت الأقوات فبيعت الغرارة (ثمانون مداً من القمح) إذا وجدت بأكثر من عشرين ديناراً.
وإنشاء ابن القلانسي جيد وفكره خال من خرافات عصره ولا غرو فالمؤرخين ملقحة بالسداد وأفكارهم مهما انحطت عصورهم يكونون أرقى منها بمراحل خصوصا من كان
стр. 4969
منهم قريباً من الاختلاط بالناس وأرباب الرحلات وسبق له أن تولى أمور الناس ولم يكتف بالدرس في المدارس أمثال أبي شامة وأبي الفدا والعماد الكاتب والقاضي الفاضل وابن خلدون وابن منقذ والصابي.
تاريخ آداب العرب
لأبي السامي مصطفى صادق أفندي الرافعي طبع بمطبعة الأخبار في مصر سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ الجزء الأول صفحة ٤٤٣
مؤلف هذا الكتاب من كبار شعراء هذا العصر اشتهر بالأدب منظومه ومنثوره وقد نشر حتى الآن ديوانه في الشعر في ثلاثة أجزاء وديوان النظرات وأكثره نثر دع عنك ما أودعه بالصحف والمجلات من مقالاته وقصائده وهذا الجزء يحتوي الكلام في تاريخ اللغة العربية وتاريخ روايتها وما يداخل هذين البابين وقد بقي من التاريخ عشرة أبواب تقع في أربعة أجزاءٍ أخرى. وإذ كان للمؤلف ذوق عالٍ عال في الأدب كان إلى الإجادة في موضوعه الصعب أكثر من معظم من طرقوا هذا الباب نعم إنه لم يأت فيه بمادة جديدة ولكنه صاغ من الموجود عقداً لا بأس به وقد عرض المؤلف في من سبقوه إلى ورود حياض هذا العلم فقال أنه علم كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه الأقلام واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عَلَى عجلة الرأي ولجاجة الإقدام وقد أخصب في الأوهام حتى تفشت في واديه كل جرباء وامتزج أمره بالأحلام فلم يمس علمائه كتاب حتى أصبح قراءه أدباء عَلَى أنهم تجاذبوه انتهاباً فحاء واهياً في وثيقته وتتناكروه اهتياباً فجاء ضعيف الشبه بين ظاهره وحقيقته وما منهم إلا من يحسب أنه أمال بالقلم يده فمضى مرخى العنان مخلى له عن طريق السبق إلى الرهام إلى آخر ما ذكره في المقدمة وكله تعريض بمن خاضوا هذا البحر عَلَى حين كانت فيهم جهابذة من أدباء أهل هذا العصر أمثال حفني بك ناصف والشيخ محمد المهدي فمدح المؤلف كتابه لا يرفع من قدر الكتاب والمؤلفون كلهم طلاب حقيقة فمن داناها منهم يشكره الناس.
وقد جعل المؤلف كتابه اثني عشر باباً تنطوي عَلَى جملة المأثور ويدو عليها التاريخ كما تدور السنة عَلَى عدة شهور وهذه سياقتها بعد فصلين من التمهيد في تاريخ الأدب وأصل العرب. الباب الأول في تاريخ اللغة ونشأتها وتفريعها وما يتصل بذلك. الباب الثاني في
стр. 4970
تاريخ الرواية ومشاهير الرواة وما تقلب من ذلك عَلَى الشعر واللغة الباب الثالث في منزلة القرآن من اللغة وإعجازه وتاريخه في البلاغة النبوية ونسق الإعجاز فيها الباب الرابع في تاريخ الخطابة والأمثال جاهليةً وإسلاماً الباب الخامس في تاريخ الشعر العربي ومذاهبه والفنون المستحدثة منه وما يلحق بذلك الباب السادس في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها الباب السابع في أطوار الأدب العربي وتقلب العصور به وتاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها ومصرع العربية فيها الباب الثامن في تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب وما يجري هذا المجرى الباب التاسع في حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهليةً وإسلاماً بالإيجاز التاريخي الباب العاشر في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية الباب الحادي عشر في الصناعات اللفظية التي أُولع بها كالمتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها الباب الثاني عشر في الطبقات وشيء من الموازنات.
والكتاب منسق مرتب سلس العبارة لطيف المأتى علق عليه واضعه بعض الهوامش واقل فيه من العزو للمصادر التي أخذ عنها عَلَى أن معظمها من الكتب المتداولة بالطبع وكان يرجى أن يقتبس المؤلف من المخطوطات الكثيرة في مكاتب مصر ولاسيما في دار الكتب المصرية الخديوية وبعض الكتب العربية المطبوعة في الغرب. وقد وقعت للمؤلف بعض هفوات دعا إليها عدم الرجوع إلى الأصول منذ ذلك ما جاء في ص٧٦ في الحاشية من قوله: كان أهل الشام وحوران في ذلك العهد يؤرخون من دخول بصرى عاصمة حوران في حوزة الروم. فتراءى للقارئ أن حوران ليست من الشام وما هي إلا جزء منها فكان الأولى أن يقال كان أهل حوران بل أهل الشام الخ وفي ص٣١٩: كانت بلاد قرامان - لعلها القريم - مدرسة مشهورة بمدرسة السلسلة. وبلاد قرامان في بلاد الأناضول معروفة في تاريخ العثمانيين ولها ذكر كثير فيه.
وبالإجمال فإنا نثني الثناء الأطيب عَلَى صديقنا صاحب هذا التاريخ ونرجو له التوفيق إلى إنجازه عَلَى ما يحب ويحب له عشاق الأدب.
стр. 4971
أخبار وأفكار
فن الأكل
دعا غلاء الحاجيات أحد الأطباء أن كتب في المجلة جاء فيها أن المرء إذا دقق في ميزانية طعامه يستطيع أن يقتصد منها اقتصاداً محموداً بدون أدنى ضرر يلحق صحته فيتمكن بذلك من النجاة من مخالب المضاربين بالأطعمة ممن يغنمون مثل هذه الفرص في الصعود فيغالون في مضاعفة أسعارهم ويقال عَلَى الجملة أن المرء يأكل أكثر مما تقتضيه حاجته الحقيقية وإن فيه مكيلاً إلى أن يكثر من الأطعمة الغالية ثم أن فقدان التربية البيتية تدعو إلى الإسراف حيث لا يحب.
وبينا نرى الوقاد يهتم قبل كل شيء بان يعرف حق المعرفة قوة آلته المحركة وما يجب من المواد لإدارتها وما تعطيه من العمل ونرى مربي الحيوانات لا يقتصر عن درس طبيعة دوابه وما ينبغي لها من العلف وينفع أكثر في تنمية الحيوانات التي يتجربها نرى الإنسان لا يهتم بتة بوظائف أعضائه وما يجب لجسمه.
ومن الأوهام الرئيسة في التغذية أن الإنسان يقوى كلما أكثر من الطعام ولذلك ترانا نحاول الإكثار ما أمكن من الأطعمة ونحمل أبناءنا عَلَى أن يقضموا ويخضموا من الطعام زيادة عَلَى رغباتهم ونشاهد الأمهات يحتلن أنواع الحيل ليجعلن من أولادهن شرهين يتناولون كميات كثيرة من الأغذية ولا يفاخرون بهم إلا إذا تناولوا كمية من الحساء بدعوى أن هذا يكبرهن.
ومن الغريب أننا إذا التقينا برجل متعب في صحته وكثيراً ما يكون الإفراط في التغذية السبب في ذلك لا نلبث أن ننصح له أن يتناول أغذية مقوية وإنا إذا يحثنا في هذه المسألة عن أمم بنور التجربة والنظر الصحيح نرى أن الإقلاق من التغذية بكمية تقرب من الحد الوسط اللازم للأعضاء نتيقن أن من يعمل ذلك لا يضعف بل عَلَى العكس يقوى.
فد جرب أحد أطباء الدانيمرك مدة شهرين الاقتصار من الطعام عَلَى ما رخص ثمنه وكثرت تغذيته فأصبح بعد ضعفه قوياً يستطيع التصعيد في النجاد وكان من قبل عاجزاً عن ذاك فكان يتناول في الصباح جريش الشعير مطبوخاً بالماء مضافاً إليه شيءٌ من اللبن والسكر والعنب وفي المساء يأكل في العادة قطعة بالخبز بالزبدة وسلطة من البطاطة أو
стр. 4972
البقول وكان طعام الظهر أهم الوجبات وكلها تدور عَلَى الحبوب والبقول بين سوائل وموائع وهي بكميتها أقل مما يتناوله الفرد في العادة. وحذا حذوه كثير من زبنه سائرين في ذلك عَلَى خطة اليابانيين والهنود في الإقلال من كمية طعامه فجادت صحته وقويت أعصابه وكثر نشاطه عَلَى العمل ولكنه لم يحذف اللحوم والأسمال من وجبات أكله ثم جربوها في ١١ جندياً مدة ستة أشهر فثبت منافعها بالتجارب والفحص الدقيق وكان الوقت شتاء والبرد قارساً فلم يشعروا ببرد ولم تنقص قوتهم بل زادت حتى أنهم ظلوا بعد هذه المدة سائرين عَلَى هذا النحو ثم جربها الأستاذ في جماعة من المصارعين فتبين أن قوتهم زادت كثيراً مما أدهش القائمين عَلَى هذه التجارب.
وجربوا في فرنسا هذه الطريقة في رجل كان يصاب بوجع الشقيقة فلم يعتم أن شفي كل الشفاء فدام عَلَى إقلاله واقتصر عَلَى البقول والخضر وعلى القهوة والمربيات واللبن ولم يتناول شيئاً من المشروبات غير الماء الصافي وفي خلال هذه التجربة كان يرتاض بركوب الدراجة فيقطع من ٦٠ إلى ٨٥ كيلومتراً كل يوم بدون أن يشعر بتعب وقلت ساعات نومه وقويت نفسه عَلَى المشاق وسكنت أخلاقه من دون بلاهة. ويفهم من قائمة طعام الطبيب الدانيماركي الموما إليه أن اللحم قليل جداً في وجباته ثم أن الأستاذ شتيدن وصف الإقلال منه وأن الآخر كان حذف من طعامه اللبن والبيض واقتصر فقط عَلَى البقول.
الجزر الطافية
رأيت بارجة في صيف سنة ١٨٩٢ في عرض البحر قرب نيويورك جزيرة طافية تقدر مساحتها بألف هكتار مغشاة بالأشجار عَلَى طول الواحدة منها عشرة أمتار وبعد شهرين شاهدت هذه الجزيرة باخرة أخرى قرب ترنوف فتكون قد قطعت في مدة شهرين نحو ألف ميل بحري أي ١٨٥٢ كيلومتراً ولم يعد يراها أحد بعد. ومن المحتمل أن هذه الجزيرة قطعة من أرض ثابتة مفصولة من الشاطئ الشرقي من أميركا حملتها المياه إلى بعيد ثم غمرتها وتركيب هذه الجزر قد يحدث من ثقل المياه التي ترتفع فجاءت بتأثير المياه الغزيرة أو بسبب آخر. وتكون هذه الجزيرة في العادة ولكن منها ما هو معروف مثل الجزيرة القريبة من ويتنغام أحد بلاد ولاية ورمون. وتنشأ هذه الجزر بطبيعتها بدون يد
стр. 4973
البشر وأحياناً تكون في حر الشمال من الجليد الذي يتكسر. ومنها الصناعي ينشأ كما هو الحال في أميركا من عمارة السدود والسكور التي تحدث تغييراً غير منتظر في معدل المياه. ففي بعض البحيرات ترى جزر عَلَى سطحها ثم تغيب في أوقات معينة فإن كتلة من الحشائش قد تغمر بحيرة برمتها إلا قليلاً فإذا ارتفعت المياه تنفصل هذه الكتلة عن البحيرة ويكون منها جزيرة طافية ثم تعود المياه فتغمرها وهكذا لا ترى الجزيرة إلا إذا انحسر الماء أو يحدث سبب سابق يرفع الجزيرة فتراها العيون.
الخبز
عهدت الحكومة الإنكليزية إلى الدكتور هاميل أن يقدم تقريراً عن الخبز فأثبت أن الطرق الحديثة المستعملة في طحن الدقيق في مطاحن اسطوانية ليست أحسن من الطريقة القديمة في طحن الطحين بين حجرين ولكن هذه الطريقة القديمة لا تصلح لطحن حنطة أميركا الصلبة وأقام الحجة عَلَى من يدعي أن الخبز الأسمر أنفع للصحة من الأبيض وقال بتفضيل الأخير عَلَى الأول في التغذية ورأي أن يعطى الأطفال خبزاً أبيض وشيئاً من الخبز الذي لم يقطع وفيه شيء من السمرة الأصلية وذلك للأولاد الذين يجعلون الخبز أهم غذائهم لا لمن يتناول اللحم والبقول.
نقل الدم
كان بعض الأطباء ينقل الدم من جسم الصحيح إلى جسم العليل بواسطة أدوات لهم معروفة عندهم ولكن كان الدم المنقول لا يخلو من كدورات مضرة وقد اخترع الآن أحد الأطباء في نيويورك آلة غريبة تنقي الدم المنقول الذي يحقن به بإضافة شيء من الأوكسجين ومحلول قلوي والحديد في الماء فجرب ذلك في الضفادع والكلاب أولاً ثم جرب في المستشفيات في الآدميين فأسفر عن نتائج حسنة جداً.
دين مجهول
اكتشفوا في جبال هندوراس مجموعة أشياء من قبل التاريخ تدل عَلَى وجود عبادة غير معروفة اليوم وذلك في مكان ظنوه أولاً معدن نحاس مهجور فرأوا مغارة مقدسة تدل عَلَى وجود ديانة كانت موجودة منذ ألوف من السنين أن بها الماياس وهم شعب قديم جداً كان يعبد الخفاش وهذه الأشياء هي أجراس صغيرة تبلغ عشرة آلاف جرس ذات حجم مختلف
стр. 4974
وأشكال كثيرة وهذه الأجراس يشبه الصغير منها أزراراً عادية والكبير منها الأجراس أو سقاطة الباب ومن الغريب أن أصوات كل جرس يختلف بعضها عن بعض وفي المغارة صور أيضاً يظن أنها كانت من متممات العبادة وعرض مدخل المغارة نحو عشرة أمتار وعمقه ١٨ متراً إلى ٢٠ والأجراس مدورة هنا وهناك ومنها ما وضع في بعض الثقوب والجحور وأكبرها لا يكون حجة عدة سنتيمترات من الديامتر ومن هذه الأجراس ما يشبه الحيوانات الغليظة ومنها ما يشبه السلاحف ذات العنق الطويل ومنها ما هو عَلَى صورة التنين الزحاف ومخلوقات غريبة ومنها ما يشبه الخفاش ذات القرون والعيون المفترسة وغيرها من الحيوان ومن هذه الأجراس ما هو معمول من المعدن المطروق ومنها من المعدن المطرق مما دل أن المغارة كانت ملجأ لرهبان كان يدينون لرب اسمه زوتياشيمكان ورد ذكره في التقاليد وكان له عَلَى أمة الماياس سلطة غريبة ولعل علماء الآثار يهتدون إلى سر هذه الموجودات لقرب عاصمة ناكو القديمة من بلاد هندوراس لأنه ورد ذكر تلك العاصمة في تاريخها.
البصل
استعمل بعض الأطباء البصل مؤخراً لمريض أصيب بضعف الكبد المشوش في الاستسقاء فأبان عن أحسن النتائج وسهل البول بحيث لا يتأتى ذلك بالأدوية المعتادة وهذا ما يدل عَلَى بعد نظر القدماء في القديم في تعويلهم تعلى البصل فقد كان أطباء المصريين والعبرانيين واليونانيين والرومانيين يحلون استعماله المحل الأرفع وكان جند قيصر يمتانه في سيره أثناء قتاله للغلو وشاع استعماله في أوربا في أواخر القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر في مداواة وجع المفاصل والرثية وأمراض الصلب أما في الطب الحديث فقد ترك استعماله بتاتاً وها هم قد عادوا إليه.
الحكم عَلَى فرنسا
طاف المستر أديسون المخترع الأميركي الشهير بلاد أوربا فسئل رأيه عن فرنسا فاصدر الحكم الآتي: إن مساكنها قبيحة لا راحة فيها ولا رفاهية وهي متأخرة عن بيوت الأميركان قروناً وفرنسا فائقة بطرقها البديعة التي تربط قراها وبلاد الأقاليم فيها بالحواضر والمدن وعلى مهندسي الممالك الأخرى أن يأتوا إلى فرنسا ليتعلموا عَلَى مهندسيها أحسن دروس
стр. 4975
في صناعتهم أما طبخ الفرنسيس فقد حوى الذوق وجودة الطعم وحسن الأسلوب بحيث جاء مطبخهم أفضل مطابخ الأمم الممدنة وهذا ما دعا إلى علو كعب الفرنسيس فبجودة الطعام ضمنوا لبلادهم الصحة وحسن الخلق والنجاح.
التلغراف اللاسلكي
أفاد هذا التلغراف في مواطن كثيرة وثبت غناؤه في الدول والأفراد فعزمت إنكلترا أن تمد منه خطين الأول بين مالطة وقبرص وعدن وبومباي وسنغافورة وادلايدا إلى زيلاندة الجديدة واثنان آخران يسيران عَلَى شاطئ أفريقية من الشرق ومن الغرب فتتصل الهند بأفريقية الجنوبية واستراليا بجزيرة موريس وجزيرة نيلسون ومونترال تفاوض الهند الغربية تواً فيكون لها ٢٥ محطةً تحتاج إلى ٣٧ مليون ونصف مليون من الفرنكات يتخابر بها الناس كل كلمة بعشرة سنتيمات وتربح منها الحكومة ١٥ مليون فرنك مسانهة ولا تنفق سوى ٥ ملايين.
الألكحول في أفريقية
يحاول عقلاء الإنكليز أن يحظروا استعمال المشروبات الروحية في بلاد خط الاستواء وجنوبي أفريقية وذلك بوضع العقبات في سبيله لأنه ثبت أنها آذت الوطنيين بصحتهم وقرض أو كاد جنسهم وكانوا قبل دخولهم عليهم سالمين أقوياء وما كانوا من قبل يسكرون إلا بالمشروبات المخمرة المستخرجة من ماء النخل وجوز الكاكاو والذرة وهي مشروبات يقل ضررها بالنسبة لخمور أوربا ولذا أخذ زعماء الوطنيين يدعون إلى الإسلام لأنه يحظر استعمال المكيفات إذ قد وقع في نفوسهم أن عنصرهم آخذ من هذا الكحول بالانحطاط. ويقول المقترح أن هذا الخطر واقع عَلَى الحكومة الإنكليزية لأن تلك الأقاليم الاستوائية تكتفي من المنبهات بالقهوة وجوز الكولا فهي أقل ضرراً من الجين والويسكي. وإذا منعت الحكومة الإنكليزية المسكرات من تلك الأقاليم الأفريقية تخسر ثمانمائة ألف جنيه كل سنة من جنوبي نيجيريا فقط وستعتاض عن هذه الرسوم التي تنقص ميزانيتهم بضرب ضرائب عَلَى الأنفس.
الصحافة الصفراء
يسمون بهذا الاسم الحديث تلك الصحف الأميركية التي تنشر أخباراً مزعجة ملفقة تقيم
следующие страницы →