Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
قلب صفحات التاريخ لا تجد بلاداً اجتاحتها صروف الدهر ونابتها خطوب الزمان وكانت ميدان احتكاك المصالح فيها مثل بلاد الشرق. ولنضرب صفحاً عن العقد الكثيرة التي لم تحل فيها به كألبانيا ومكدونية والعربية ولننعم النظر فيما هو أقرب إلينا أي سورية وفلسطين ففيهما من مصالح الدول ما لا يوجد في غيرها من الولايات وبياناً لذلك نقول:
كان نفوذ الدول الأوربية في سورية قليل جداً قبل أواسط القرن الغابر. وأبرمت معاهدة لندن سنة ١٨٤٠ فانفتح باب واسع لذلك النفوذ وكانت الجمعيات الدينية في ذلك العهد تنقل إلى الشرق مدنية الغربيين فتحينت فرصة ملائمة وغمرت سورية وفلسطين بعمالها المتسترين برداء التبشير الديني. وكانت فرنسا السابقة في هذا المضمار فغمرت بلادنا بالمعاهد الخيرية والتهذيبية بمهمة جمعية أخوية المدارس المسيحية وجمعية راهبات المحبة ولا عجب فقد وثقت علائقها مع الشرق منذ القرن السادس عشر بحمايتها فيه كاثوليك أوربا جمعاء وزكان مبشروها ينزلون ربوع سورية بالرغم مما قام في سبيلهم من المصاعب والمشقات. ولم تغفل عن تأييد مصالحها في الشرق بكل الوسائل الفعالة عَلَى اختلاف الأحوال حتى في أيام حكومة الكونفاسيون والدريكتوار والاضطرابات الداخلية قائمة عَلَى قدم وساق ولم يحد نابليون عن سياسة فرنسا التقليدية في الشرق فأسرع بعد إبرام الصلح مع الدولة العلية سنة ١٨٠٢ إلى تجديد الامتيازات والمحالفات القديمة وأمر سفيره في الآستانة أن يبسط حمايته عَلَى كل كاثوليك سورية وفلسطين ولاسيما قوافل الزوار القاصدين إلى الأماكن المقدسة.
ولما كان يقتضي لهذا الأمر مبالغ وافرة من المال أخذت الحكومة الإفرنسية تمد عمالها بالمال المطلوب. ولا نعلم ما كان ينفق في سبيل ذلك قبل الإمبراطورية الثانية عَلَى أن الحكومة أدخلت في ميزانية وزارة خارجيتها كمية تنفق سنوياً عَلَى الأعمال الخيرية والتهذيبية تبلغ قيمتها ٣٠٠٠٠٠ فرنك فأصبحت سنة ١٨٨٣ خمسمائة ألف وسنة ١٨٩٢ سبعمائة ألف وسنة ١٩٠٠ ثمانمائة ألف.
عَلَى أن الحكومة لا تشتغل وحدها في إنشاء المدارس وتنظيمها فهناك جمعيات أخرى قامت للغاية نفسها. ففي سنة ١٨٥٦ أسست جمعية أعمال مدارس الشرق ' ' وأخذت تجمع مبالغ وافرة وتوزعها عَلَى المعاهد الخيرية ومدارس الرهبنات في الشرق تبلغ قيمتها
стр. 4902
٣٠٠٠٠٠ فرنك. ثم أخذ الميل ينمو في فرنسا لتوسيع نطاق أعمالها وتعزيز مكانتها فأسس إثر ذلك الاتحاد الإسرائيلي ' الذي يوزع عَلَى المدارس السورية عَلَى اختلاف أصبغتها أربعين ألف فرنك.
ولم يكن لفصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا أدنى تأثير في حال المدارس السورية لأن الأحرار والمحافظين لم يختلفوا في أمر الاحتفاظ بمعاهد فرنسا الخيرية والعلمية في الشرق بل رأينا الأحرار كثيراً ما يوجهون إلى الحكومة الإفرنسية قوارص الكلام في مجلس الأمة لتخلفها عن خصومها في الشرق أي ألمانيا وإيطاليا.
وفي سنة ١٩٠٠ تحسنت ميزانية هذه المدارس إذ جعلها مجلس النواب بأكثرية الأصوات ٨٥٠٠٠٠ فرنك ما عدا نفقات مدارس الرهبات الإفرنسية التي لا تزال في نظره تافهة لمصالح الدولة وقرر بذل المجهود لنشر التعليم المدني وتقويته في أملاك الدولة العلية.
عَلَى أن نجاح ألمانيا وإيطاليا الباهر في الشرق وسرعة انتشار نفوذهما حملا الحكومة الإفرنسية عَلَى انتهاج خطة أكثر حزماً وثباتاً مع توسيع ميزانية المدارس الشرقية بصورة قانونية بحيث لا تبقى عرضة للأخطار والتضعضع فحولت تلك الميزانية العرضية إلى بند خصوصي أدخلته في ميزانية نظارة خارجيتها لسنة ١٩١١ تحت نمرة ٢٢ بموجب هذا البند ينفق مليون فرنك عَلَى المعاهدة الإفرنسية في سورية وفلسطين ليوزع عَلَى الطريقة الآتية:
٤٥٠٠٠٠ فرنك لمدارس الرهبنات منها ٣٠٠٠٠ للمدارس العليا و٦٠٠٠٠ للمدارس الوسطى و٣٦٠٠٠٠ للمدارس الابتدائية.
و٣٨٣٠٠٠ فرنك للمدارس المدنية منها ١٥٧٠٠٠ للمدارس العليا و١٣١٠٠٠ للمدارس المتوسطة و٩٥٠٠٠ للمدارس الابتدائية.
و٤٥٠٠٠ فرنك تنفق عَلَى مدارس مختلفة و١٢٢٠٠٠ عَلَى المعاهد الطبية وتأخذ المعاهد المدنية علاوة عَلَى ذلك ١٧٠٠٠٠ فرنك مساعدة من جمعية البعثة اللادينية (العلمانية) التي أسست سنة ١٩٠٢.
فما ذكر يبدو للعيان أن فرنسا تسعى سعياً حثيثاً في تحسين مركزها في سورية ولا تبخل بالمال في سبيل ذلك. ونعتقد أنها قد لا تكتفي بمليون فرنك لازدياد نفوذ ألمانيا وإيطاليا
стр. 4903
اللتين تمدان يديهما إلى اقتلاع حماية الكاثوليك في الشرق الأدنى من يدها. ولا شك أنها لا تتوقف عن كل ما من شأنه المحافظة عَلَى اسم الجمهورية وشرفها.
أما إنكلترا فإنها قد رافقت فرنسا في عمل نقل المدنية الغربية إلى سورية وفلسطين. وكان المبشرون من الإنكليز ينشرون في المدن الكبرى وفي ربوع لبنان حتى أقصاها وينشئون المدارس والكنائس والمستشفيات للمرضى فعمت اللغة الإنكليزية وراجت تجارة إنكلترا وعظمت المنافسة بين النفوذ الإنكليزي والفرنساوي. عَلَى أنا لا ندري ما تنفقه الحكومة الإنكليزية عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية في سورية أما فلسطين فقد عرفنا من أوثق المصادر أنه ينفق عليها أربعمائة ألف فرنك ولإنكلترا في سورية أضعاف ما لها في فلسطين من المعاهد الخيرية وغيرها.
ودخلت النمسا سورية بعد إنكلترا وفرنسا لاشتغالها عنها بالبلقان حيث كانت تسعى جهدها بتعزيز مركزها والبلقان مركز نفوذها دينياً وسياسياً. غير أنه لما رأت ما أحرزته إنكلترا وفرنسا من النجاح الباهر في سورية نوت من مناوأتهما لتفتح لتجارتها سوقاً جديدة وفازت بذلك بهمة جمعية الفرنسيسكان الغنية التي تنشر النفوذ النمساوي بهمة لا تبارى فتنشئ المدارس والمستشفيات للمرضى وبيوت العجزة وتجري الحفريات الأثرية وتبتاع الأماكن الثمينة بالنظر إلى تاريخها المقدس.
ولم نتمكن من الوقوف عَلَى كمية المبالغ التي تنفقها الحكومة النمساوية في سورية وفلسطين عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية لإبقائها ذلك في طي الكتمان إنما نترك للقارئ تقدير ذلك متى علم أن النمسا تنفق عَلَى دار الغرباء وحدها في القدس ١٢٠٠٠ كرون وذلك بموجب ميزانية وزارة خارجيتها وأضف إلى ذلك الإعانات العديدة التي يمد بها الأهالي جمعية الفرنسيسكان وما يدفعه الإمبراطور فرنسيس يوسف من ماله الخاص. وهذا ما لا يمكن معرفة حقيقته.
أما إيطاليا فإنها بعد اتحادها سنة ١٨٦١ فقد وجهت أنظارها إلى الشرق أسوة بغيرها من الدول الأوربية. وكانت الحكومة إذ ذاك فقيرة فخصصت في ميزانيتها اعتماداً زهيداً لا يتجاوز أربعين ألف فرنك إعانة لكل المدارس الإيطالية في الشرق.
وفي سنة ١٨٧٠ تضعضعت فرنسا في حربها مع بروسيا فطلبت إيطاليا أن تأخذ عَلَى
стр. 4904
عاتقها حماية الكاثوليك فلم تقبل فرنسا أن تتنازل عن حقوقها. وبلغت المنافسة من هذا الوجه معظمها سنة ١٨٨٣ فكانت إيطاليا تلج بطلب حماية المبشرين الإيطاليين وفرنسا تعارضها لاعتقاد الاثنتين أن في هذه الحماية ما يجعل لهما شأناً عظيماً في هذه البلاد.
ولما كانت إيطاليا تبغي إيصال نفوذها إلى أقصى درجاته فتحت اعتماداً في ميزانيتها للدارس الشرقية لسنة ١٨٨٣ - ١٨٨٤ قدره ثمانون ألف ليرة. وما كان هذا المبلغ ليحسب عظيماً لو لم تكن ماليتها إذ ذاك في حالة يرثى لها. لكنها لم يتسنى لها مع ذلك حماية المبشرين الإيطاليين فقررت إنشاء عدد كبير من المدارس المدنية وخصصت لهذه الغاية سنة ١٨٨٧ إعانة سنوية قدرها مليون ونصف من الفرنكات. غير أنها لم تفلح في هذا المسعى لما يقتضيه التعليم المدني من النفقات الباهظة ولعدم تمكنها من إيجاد معلمين لهم خبرة كافية للقيام بمثل هذا العمل. فعادت تحاول سلب حقوق فرنسا بحماية الكاثوليك وأَسست لهذه الغاية في فلورنسا جمعية جنسية لحماية المبشرين الطليان فاضطرت فرنسا أن تتنازل عن بعض حقوقها واتفقت مع إيطاليا في سنة ١٩٠٥ عَلَى أن المعاهد وكان لهذا الفوز السياسي الباهر تأثير سيء في فرنسا اضطرب له الرأي العام أيما اضطراب.
ولم تكن إيطاليا بعد فوزها عَلَى فرنسا لتكتفي بالمليون والنصف من الفرنكات لأجل مدارسها فجعلت كل سنة تخصص مبالغ أخرى لمدارس الحكومة ومدارس الرهبنات التي أنشأها الإكليريكيون المطرودون من إيطاليا بأمر الحكومة. وفي الخامس من تموز سنة ١٩٠٥ صادق مجلس النواب عَلَى زيادة ميزانية المدارس السورية أربعمائة ألف فرنك فأصبحت نحو مليونين ادخل منها في ميزانية نظارة الخارجية ١٣٥٠٠٠٠ فرنك وفي ميزانية لجنة الاستعمار ٥٥٠٠٠٠ وتقرر توزيع المبلغ من قبل نظارة الخارجية بمعرفة نظارة المعارف.
ولما التفتت ألمانيا إلى الشرق كانت الدول قد رسخت أقدامها في سورية وفلسطين. عَلَى أن ذلك لم يمنعها من بسط نفوذها ونشر لغتها بسرعة لا توصف شأنها في كل حالاتها مع الدولة العلية. وجعلت تخطو إلى الأمام بقدم ثابتة زاعمة أنها مدعوة للقيام بعمل حيوي لأن الحياة والتاريخ يدعوانها لتكون صلة التواصل بين الشرق والغرب ومرشدة روحية للشرقيين. وما من ينكر عليها أنها تقوم بهذا العمل أحسن قيام فما برحت تنقل إلى الشرق
стр. 4905
ما اكتسبته من الغرب ومن المدنية بواسطة عمال ملكيين وعسكريين وعلماء وأساتذة ومعلمين ومهذبين الخ.
ولم يفتها أن حماية الكاثوليك في الشرق كانت أعظم الأسباب الآيلة إلى تعزيز مركز فرنسا فأخذت تسعى للحصول عَلَى حقوق حماية الكاثوليك الألمانيين وأول عمل قامت به لنيل مآربها تأسيس جمعية فلسطين وعهدت إليها بإدارة المعاهد الألمانية الشرقية. وكانت بعد ذلك سياحة الإمبراطور في بلاد الشرق فقال وزير خارجية ألمانيا في مجلي الأمة نحن بعيدون عن فكرة حماية كل المسيحيين في الشرق لكن حماية الكاثوليك الألمان من حقوق الإمبراطور دون منازع. ولم تعارض فرنسا بل تنازلت عن حقوقها لألمانيا. . .
وفي هذه السنين الخيرة نمت أعمال ألمانيا نمواً غريباً إذ أَسست كيراً من المدارس الابتدائية وعدة مدارس عالية ومدرسة إكليريكية في القدس وغيرها من صناعية ومستشفيات وهياكل معتمدة في كل ذلك عَلَى الجمعيات الكاثوليكية والإنجيلية الألمانية وعَلَى اللجان الجنسية التي تستمد قوتها من الاتحاد النمساوي العام. وحذت الحكومة حذو إمبراطورها الحكيم فقدمت الإعانات للجمعية عَلَى اختلاف المذهب لتبعد عنها روح المنافسة المضرة بالمصالح الوطنية. وما عدا ذلك فقد فتحت اعتماداً في ميزانيتها قدره ٨٥٠٠٠٠ مارك ينفق عَلَى معاهدها في سورية وفلسطين بمعرفة وزارة خارجيتها.
ولم تغفل روسيا عن مساعي الدول الأوربية في سورية وفلسطين ونجاح الجمعيات التبشيرية. ومكان الشرق الأرثوذكسي قد اعتاد من القديم أن يعتبر روسيا حامية له في أيام المحن. واعترفت لها الدول بذلك بواسطة معاهدات دولية كانت نتيجة حروب كثيرة سالت فيها الدماء أنهاراً. فلم يسعها إلا الإقدام عَلَى مباراة الدول الأوربية بتأييدها مركزها في الشرق. فأسست لهذه الغاية سفارة روحية في القدس ما لبثت أن باشرت سنة ١٨٤٧ بفتح المدارس وإنشاء المعاهد الخيرية وفي سنة ١٨٥٨ بعد انتباه حرب القريم أقامت في المدينة نفسها أقامت في المدينة نفسها قنصلاً لها.
عَلَى أن السفارتين لم يكن في وسعهما مباراة الجمعيات الأجنبية بالنظر لحرج المركز الذي لا يسمح لممثلي الحكومة أن يتوسعوا في العمل وأدت الحاجة إلى تأسيس جمعية خصوصية غير مقيدة بمركز رسمي نظير الإرساليات الأوربية تطلق يدها في العمل بدون
стр. 4906
خوف وهكذا كان.
ففي سنة ١٨٨٢ وضع الأساس لجمعية فلسطين الأرثوذكسية التي أُطلق عليها سنة ١٨٨٩ إمبراطورية ليتسنى لها جمع الإحسان من الشعب الروسي الذي يعتقد أن الإمبراطور لا يهب اسمه إلا لما فيه المنفعة للوطن. وباشرت الجمعية بإنشاء المدارس وصادفت صعوبات شتى لم تلق مثلها الجمعيات الأوربية لأن المعاكسات بدت من حيث لم ينتظرها أحد أي من الإكليروس اليوناني الذي يكره الروسيين فسهلت لهم سبل الوصول إلى الأراضي المقدسة وأقامت لهم الأبنية في القدس الشريف وغيرها وأنشأت عدة مستوصفات لهم ولتلاميذ مدارسها كل ذلك والخزينة الروسية لم تنفق بارة واحدة بل كان الشعب الروسي الساذج مصدر هذه النفقات الوحيد.
وفي سنة ١٨٩٢ فحصت كل أعمال الجمعية وما أنتجته خلال العشر سنوات التي مضت عَلَى تأسيسها فثبت أنها نجحت وأفادت الزوار كثيراً وآوت بعض اولاد الأرثوذكسيين وأمدتهم بالمساعدات الطبية وحق لها أن تكسب ثقة الحكومة الروسية ولما كان عدد الزوار يزداد من سنة إلى سنة والمدارس لم تسد كل الحاجة والإحسانات لا تقوم بكل ما تطلبه التحسينات الحيوية من النفقات طلبت الجمعية من الحكومة إعانة قدرها ٦٠٠٠٠٠ روبل أي ٨٠٠٠٠ ليرة وأيد طلبها رئيسها الغرندوق سرجيون وقد للحكومة ضمانة لهذا الدين كل ما تملكه الجمعية من عقار وغيره ما تبلغ قيمته مليوني روبل. فرفض وزير المالية (فيت) طلبه لتضعضع المالية في ذلك الحين. ولم يبق للجمعية إلا أن تتابع عملها متكيفة بالإحسان من الشعب الروسي ولكنها عادت سنة ١٨٩٥ فطلبت من الحكومة أن تقرضها أربعة آلاف ليرة لتنفقها عَلَى المدارس السورية التي أنشأتها بطلب من البطريرك الأنطاكي سبيريدون ففتحت لها الحكومة اعتماداً بالقيمة المذكورة وأدخلته في ميزانية المجمع المقدس عَلَى أن تنفقه عَلَى السفارة الروحية في القدس.
ولما لم يكن في الإمكان متابعة العمل حسبما تقتضيه الأحوال بدون مساعدة كبيرة طلبت من الحكومة ثمانين ألف ليرة تقبضها دفعة واحدة لتحسن أمورها وتستوفي من الاعتماد المذكور أعلاه في مدة عشرين سنة. فقبلت الحكومة بذلك وتكون الجمعية لم يحصل عَلَى مطلوبها إلا بعد سعي عشر سنوات وبشرط إيفاء المبلغ أقساطاً سنوية.
стр. 4907
والأمر الغريب أن الحومة لم تنقدها المبلغ من مال الخزينة بل من ريع ملاك بسرابيا التي تديرها الحكومة ووفت الجمعية بوعدها. لكن الحرب اليابانية قللت من مداخيل الإحسان فلم تعد تستطيع وفاء دينها فاجلته إلى سنتين ثم إلى ثلاث واخيراً اضطرت إلى عدم الاحتفاظ بكل المعاهد التهذيبية والخيرية التي أنشأتها وصرحت للحكومة بأنها تضطر والحالة هذه إلى حصر أعمالها في دائرة ضيقة فتهدم ما بنته في سنين عديدة. فارسلت الحكومة مفتشين إلى سورية وفلسطين فحصواأعمال الجمعية وشهدوا بما تؤديه من المنافع الجمة للزوار الروسيين وللمدارس الأرثوذكسية فتقرر إيجاد مبلغ يدخل بصورة قانونية إلى نظارة الخارجية فتنفقه الجمعية عَلَى تحسين المدارس في سورية وفلسطين بحيث تفي باحتياجات الأهلين نظير المدارس الأوربية في هذه البلاد. ومن هنا نستنتج أن الجمعية الفلسطينية الروسية أنشأت معاهدها في هذه البلاد دون أن تساعدها الحكومة بشيءٍ بعكس ما رأيناه في أمر المدارس الأوربية الأخرى. وأنها لم تحصل عَلَى الوعد بالمساعدة المنظمة القانونية إلا بعد مضي ٣٩ سنة عَلَى تأسيسها.
هذا شيءٌ عن حالة أوربا في سورية بسطته للقارئ وله أن يستنتج ما عسى أن يكون مستقبل هذا الوطن المحبوب إذا لم تبادر الحكومة إلى إزالة كل ما من شأنه حمل الدول الأوربية عَلَى التدخل في شؤوننا. وما هي إلا فاعلة ذلك عن شاء المولى الكريم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وطني
стр. 4908
اليمن وسكانها
٣
خيرات اليمن
أجمع جغرافيو العرب أن اليمن الخضراء من أخصب القطار وأكثرها مرافق وخيرات حتى قال القرماني أن أهلها يزرعون أربع مرات في السنة ويحصد كل زرع في ستين يوماً. وقال بعضهم:
اليمن ثلثة وثلاثون منبراً قديمة وأربعة محدثة وصنعاء أطيب البلدان وهي طيبة الهواء كثيرة الماء يشتون مرتين ويصيفون مرتين وأهل الحجاز واليمن يمطرون الصيف كله ويخصبون في الشتاء فيمطر صنعاء وما والاها في حزيران وتموز وآب وبعض أيلول من الزوال إلى المغرب يلقى الرجل الآخر منهم فيكلمه فيقول عجل قبل الغيث لأنه لا بد من المطر في هذه الأيام.
قال ابن الفقيه: وباليمن من أنواع الخصب وغرائب الثمر وظرائف الشجر ما يستصغر ما ينبت في بلاد الأكاسرة والقياصرة وقد تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست فيه فعجزوا عن مثل غمدان ومأرب وحضر موت وقصر المسعود وسد لقمان وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهندة وهنيدة وفلثوم بريدة.
قال الأصمعي أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن الورس والكندر والعطر والعصب فأما المعرق من الجزع فإنه يتخذ منه الأواني لكبره وعظمه ولهم الحلل اليمانية والثياب السعدية والعدنية والشب اليماني وهو ماء ينبع من قلة جبل فيسيل عَلَى جانبه قبل أن يصل إلى الأرض فيجمد فيصير هذا الشب اليماني الأبيض ولهم الورس وهو شيء يسقط عَلَى الشجر كالترنجين ولهم البُنك ويقال أنه من خشب أم غيلان. قال الأصفهاني وكانت جمال عمان تحمل الورس من اليمن إلى عمان فتصفر.
وذكروا من خصائص تهامة أديم زبيد ونيلها الذي لا نظير له كانه لازورد شروب عدن تفضل عَلَى القصب ومسد المهجرة يسمى ليفاً وبرود سحولاً والجريب وأنطاع صعدة وركاؤها وسعيدي صنعاء وعقيقها وقفاع عثر وورس عدن ومغلق قرح. ومن أراد العقيق اشترى قطعة أرض بموضع صنعاء ثم حفر فربما خرج له شبه صخرة واقل وربما لم
стр. 4909
يخرج شيء منه. والعنبر يقع عَلَى حافة البحر من عدن إلى مخا.
قال المقدسي اليمن معدن العصائب والعقيق والأدم الرقيق فإلى عمان يخرج آلات الصيادلة والعطر كله حتى المسك والزعفران والساج والتاسم والعاج واللؤلؤ والديباج والجزع واليواقيت والأَبنوس والنارجيل والقند والاسكندروس (لعله السندروس) والصبر والحديد والرصاص والخيزران والغضار والصندل والبلور والفلفل وغير ذلك وتزيد عدن بالعنبر والشروب والدرق والحبش والخدم وجلود النمور.
مذاهب اليمن
كان عند ظهور الإسلام في اليمن من الديانة النصرانية واليهودية والمجوسية عَلَى رواية البلاذي وقد كتب الرسول ﵊ إلى ملوك حمير وهم الحارث ابن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال وشرح بن عبد كلال وإلى النعمان قيل ذي رعين ومعامر وهمدان. وكان المجوس في هجر واليمن. ودخل عامل اليمن في الدعوة الإسلامية قال ابن خلدون وهو باذان عامل كسرى واسلم معه أهل اليمن فأمر النبي ﷺ عَلَى جميع مخاليفها وكان منزله صنعاء كرسي التبابعة ولمامات بعد حجة الوداع قسم النبي اليمن عَلَى عمال من قبله وجعل صنعاء لابنه شهربان بن باذان وقام الأسود العنسي فاخرج عمال النبي من اليمن وزحف عَلَى صنعاء واستولى عَلَى أكثر اليمن وارتد أكثر أهله ثم رجع عمال المسلمين إلى أعمالهم وقاتل أبو بكر الصديق المرتدين من أهل اليمن وولى اليمن عمال بني أمية ثم عمال بني العباس لأول أمرهم ثم تعاقبت الولاة عَلَى اليمن وكانوا ينزلون صنعاء حتى انتهت الخلافة إلى المأمون وظهرت دعاة الطالبين بالنواحي وظهر باليمن إبراهيم بن موسى الكاظم سنة مائتين ولم يتم أمره وكان يعرف بالجزار لسفكه الدم وبعث المأمون عساكره إلى اليمن فدوخوا حبه وحملوا كثيراً من وجوه الناس فاستقام أمر اليمن فولي محمد زياد عَلَى اليمن ضامناً له حياطتهم من العلويين فقدمها سنة ثلاث ومائتين وفتح تهامة اليمن وهي البلدة التي عَلَى ساحل البحر الغربي واختط بها مدينة زبيد ونزلاه وأصابها كرسياً لتلك المملكة وولى عَلَى الجبال مولاه جعفراً وفتح تهامة بعد حروب واشترط عَلَى عرب تهامة أن لا يركبوا الخيل واستولى عَلَى اليمن أجمع وأدخل في طاعته أعمال حضر موت والشحر وديار كندة وصار في مرتبة التبابعة.
стр. 4910
وكان في صنعاء قاعدة اليمن بنو جعفر من حمير بقية الملوك التبابعة استبدوا بها مقيمين بالدعوة العباسية ولهم من صنعاء سحان ونجران وجرش ولما بلغ عاملها أبا الجيش اسحق ابن إبراهيم قتل المتوكل وخلع المستعين واستبداد الموالي عَلَى الخلفاء مع ارتفاع اليمن ارتفع بالمظلة شان سلاطين العجم المستبدين وفي أيامه خرج باليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم بن طباطبا بدعوة الزيدية جاء بها من السند وكان جده القاسم قد فر إلى السند بعد خروج أخيه محمد مع أبي السرايا فلحق القاسم بالسند وأعقب بها الحسين ثم ابنه يحيى باليمن سنة ثمان وثمانين (ومائتين) ونزل صعدة وأظهر دعوة الزيدية وزحف إلى صنعاء فملكها من يد اسعد بن يعفر ثم استردها منه بنو أسعد ورجع إلى صعدة وكان شيعته يسمونه الإمام.
وفي أيام أبي الجيش بن زياد أيضاً ظهرت دعوة العبيديين (الفاطميين) باليمن فأقام بها محمد بن الفضل بعده لاعة وجبال اليمن إلى جبال المذيخرة سنة أربعين وثلثمائة ويقي له باليمن من الشرجة إلى عدن عشرون مرحلة ومن مخلافه إلى صنعاء خمس مراحل وهلك أبو الجيش سنة لإحدى وسبعين وثلثمائة بعد أن اتسعت جبايته وعظم ملكه قال ابن سعيد رأيت مبلغ جبايته وهو ألف ألف مكررة مرتين وثلثمائة وستة وستون ألفاً من الدنانير العثرية ما عدا ضرائبه عَلَى مركب السند وعَلَى العنبر الواصل بباي المندب وعدناَبين وعَلَى مغائص اللؤلؤ وعَلَى جزيرة دهلك ومن بعضها وصائف وكانت ملوك الحبشة من وراء البحر يهادنوه ويخطبون مواصلته وانقرضت دولته سنة سبع وأربعمائة.
ثم ملك نجاح وقيس من موالي مرجان مولى الحسن بن سلامة وتغلب نجاح بعد أن قتل أخاه في خمسة آلاف من عسكره وضرب السكة باسمه وكاتب ديوان الخلافة ببغداد فعقد له عَلَى اليمن ولم يزل مالكاً تهامة وقاعدته زبيد قاهراً لأهل الجبال وانتزع الجبال كلها من مولاه الحسن بن سلامة ولم تزل الملوك تتقي صولته إلى أن قتله الصليحي القائم بدعوة العبيديين سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فقام الأمر بعده بزبيد مولاه كهلان.
أما الصليحي فكان مبدأُ أمره مثل السيد أحمد بن إدريس الذي كان قائماً في عسير في السنة الماضي عرف بالصلاح فالتف الناس حوله وأظهر الدعوة العبيدية فاستولى أولاً عَلَى حصن بذورة جبل الحمام محصن ذلك الحصن ثم ملك اليمن كله ونزل صنعاء واختلط بها
стр. 4911
القصور واسكن عنده ملوك اليمن الذين غلب عليهم وهزم بني طرف ملوك عثر وتهامة ومازال الأمر كذلك حتى استولى بنو أبي بركات عَلَى بني المظفر في شيح وحصونه ثم باع حصن ذي جبلة من الداعي الزريعي صاحب عدن بمائة ألف دينار ولم يزل يبيع معاقله حصناً حصناً حتى لم يبق له غير معقل تعز أخذه منه علي بن مهدي وبقي ملوك زبيد يخطبون للعباسيين والصليحيون يخطبون للعبيديين إلى أواخر المئة الخامسة والبلاد يتجاذبها ملوك حتى انقرض أمر آل نجاح سنة ٥٥٤ وخلفهم غيرهم وبقي أمر اليمن في تقلقل والجبال لرجل وتهامة لآخر وعدن لغيرهم حتى جاء عبد النبي بن مهدي الخارجي من زبيد واستولى عَلَى اليمن أجمع وبه يومئذ خمس وعشرون دولة فاستولى عَلَى جميعها ولم يبق له سوى عدن ففرض عليها الجزية ولما دخل شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين سنة ٥٦٦ واستولى عَلَى الدولة التي كانت باليمن ونزل زبيد واتخذها كرسياً لملكه ثم استوخمها وسار في الجبال ومعه الأطباء يتخير مكاناً صحيح الهواء يتخذ فيه سكناه فوقع اختيارهم عَلَى مكان تعز فاختلط به المدينة كما اختلط الصليحي سنة ٤٥٨ حصن ذي جبلة ونزلها وبقيت كرسياً لملكه وبنيه ومواليهم بني رسول.
وذكر ابن سعيد أن اليمن تشتمل عَلَى سبعة كراسي للملك تهامة والجبال وفي تهامة مملكتان مملكة زبيد ومملكة عدن ومعنى تهامة ما انخفض من بلاد اليمن مع ساحل البحر من البرين من جهة الحجاز إلى آخر أعمال عدن دورة البحر الهندي واليمن أخصب من الحجاز وأكثر أهلها القحطانية وفيها من عرب وائل ودامت دولة بني رسول باليمن عَلَى رواية ابن إياس نحو مائتين وثلاثين سنة وكان سبب تسمية جدهم برسول أن الخلفاء كانت تبعثه رسولاً إلى البلاد الشامية وغيرها من البلاد فسمي رسولاً وما زال يرتقي حتى ملك بلاد اليمن.
ذكر المقدسي أن المذاهب المستعملة لعهده في الإسلام التي لها خاص وعام دعاة وجمع ثمانية وعشرون مذهباً أربعة في الفقه وأربعة في الكلام وأربعة في الحكم فيها وأربعة مندرسة وأربعة في الحديث وأربعة غلب عليها أربعة وأربعة رستاقية فأما الفقهيات فالحنفية والمالكية والنفعوية والداودية وأما الكلاميات فالمعتزلة والنجارية والكلابية والسالمية وأما الذين لهم فقه وكلام فالشيعة والخوارج والكرامية والباطنية وأما أصحاب
стр. 4912
الحديث فالحنبلية والراهوية والأوزاعية والمنذرية وأما المندرسة فالعطائية والثورية والإباضية والطاقية وأما التي في الرساتيق فالزعفرانية والخرمدينية والأبيضية والسرخسية وأما التي غلب عليها أربعة من شكلها فالأشعرية عَلَى الكلابية والباطنية عَلَى القرمطية والمعتزلة عَلَى القدرية والشيعة عَلَى الزيدية والجهمية عَلَى النجارية.
فهذه جملة المذاهب المستعملة اليوم (في عهد المؤلف) ثم تتشعب إلى فرق لا تحصى ولما ذكرنا ألقاب واسماء تتكرر ولا تزيد عَلَى ما ذكرنا يعرف ذلك العلماء وهن أربعة ممتدحة وأربعة منكورة وأربعة مختلف فيها وأربعة لقب بها أهل الحديث وأربعة معناهن واحد وأربعة يميزهن النحارير فأما الملقبة بالروافض والمحبرة والمرجئة والشكاك أو الممتدحة فأهل السنة والجماعة واهل العدل والتوحيد والمؤمنون واصحاب الهدى وأما المنكورة فالكلابية ينكرون الجبر والحنبلية ينكرون النصب ومنكرو الصفات ينكرون التشبيه ومثبتوها ينكرون التعطيل وأما المختلف فيها فعند الكرامية الجبر جعل الاستطاعة مع الفعل وعند المعتزلة جعل الشر بقدر الله تعالى وأن يقال أفعال العباد مخلوقة لله والمرجئة عند أهل الحديث من أخر العمل عن الإيمان وعند الكرامية من نفى فرض الأعمال وعند المأمونية من وقف في الإيمان وعند أصحاب الكلام من وقف في أصحاب الكبائر ولم يجعل منزلة بين منزلتين والشكاك عند أصحاب الكلام من وقف في القرآن وعند الكرامية من استثنى في الإيمان والروافض عند الشيعة من أخر خلافة علي وعند غيرهم من نفى خلافة العمرين وأما أربعة معناهن واحد فالزعفرانية والواقفية والشكاك والرستاقية وأما أربعة لقب بها أهل الحديث فالحشوبة والشكاك والنواصب والمجبرة وأما التي يميزهن كل نحرير فأهل الحديث من الشفقوية والثورية من الحنفية والنجارية من الجهمية والقدرية من المعتزلة.
قال واعلم أن أصل مذاهب المسلمين كلها متشعبة من أربع الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وأصل افتراقهم قتل عثمان ثم تشعبوا ولا يزالون متفرقين ولم أر السواد العظم إلا من أربعة مذاهب أصحاب أبي حنيفة بالمشرق وأصحاب مالك بالمغرب وأصحاب الشافعي بالشاش وخزائن ونيسابور وأصحاب الحديث بالشام وأقور والرحاب وبقية الأقاليم ممتزجون.
стр. 4913
وقال أيضاً أن اليمن قليل الفقهاء والمذكرين والقراء كما هو قليل النخيل والمياه الغزيرة والبحيرات واليهود به أكثر من النصارى ولا ذمة غيرهم وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية وبقية الحجاز واهلب الرأي بعمان وهجر وصعدة شيعة وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة إلا عمان والغالب عَلَى صنعاء وصعدة أصحاب أبي حنيفة والجوامع بأيديهم وبالمعافر مذهب أبي المنذر وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان والأذان بتهامة ومكة يرجع إذا تدبرت العمل عَلَى مذهب مالك ويكبر بزبيد في العيدين عَلَى قول أبي مسعود أحدثه القاضي أبو عبد الله الصعواني وقت كوني ثم العمل بهجر عَلَى مذهب القرامطة وبعمان وأودية لهم مجلس.
ويؤخذ مما قاله الهمداني أن أهل عدن فيما يقال لم يدخل عليهم من الروم حد ولكن أهل الرهابنة ثم فنوا سكانها مهرة وقوم من الشراة وظهرت فيها دعوة الإسلام ثم كثر بها الشراة فعدوا عَلَى من بها من المسلمين فقتلوهم غير عشرة أناسية.
الزيدية
والزيدية هم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵇ ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵍ ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين اللذين وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسين اللذين خرجا في أيام المنصور وقتلا عَلَى ذلك وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال ويبكون كل واحد منهما واجب الطاعة واقتبس زيد بن علي مذهب الاعتزال فصار أصحابه كلهم معتزلة وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الفضل فقال كوان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة تطييب قلوب العامة فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً وسيف أمير المؤمنين علي ﵇ عن دماء المشركين من قريش لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كم هي فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد وكانت المصلحة أن يقوم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد والتقدم
стр. 4914
بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله ﷺ ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر ابن الخطاب ﵁ زعق الناس وقالوا لقد وليت علينا فظاً غليظاً فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في الدين وفظاظة عَلَى العداء حتى سكنهم أبو بكر ﵁ وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماماً والفضل قائماً فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا.
ولما قتل زيد بن علي وصلب قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد ومضى إلى خرسان واجتمعت عليه جماعة كثيرة وخرج محمد وإبراهيم بالمدينة والبصرة واجتمع عليهما الناس فقتلا ثم رأوا أنه لا يجوز خروج واحد من أهل البيت حتى يأذن الله تعالى بزوال ملك بني أمية الذين يتطاولون عَلَى الناس حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا عليها وهم يستشعرون بغض أهل البيت فقتل زيد بن علي بكناسة الكوفة قتله هشام بن عبد الملك ويحيى بن زيد قتل بجوزجان خراسان قتله أميرها ومحمد الإمام قتله بالمدينة عيسى بن هامان وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة أمر يقتلهما المنصور.
ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش فطلب مكانه ليقتل فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل لم يتحلوا بدين الإسلام بعد فدعها الناس دعوة إلى الإسلام عَلَى مذهب زيد بن علي فدانوا بذلك ونشأوا عليه وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول وطعنت في الصحابة طعن الإمامية وهم اصناف ثلاث جارودية وسليمانية وبترية والصالحية منهم والبترية عَلَى مذهب واحد.
وقال صاحب الفرق بين الفرق أن الزيدية ثلاث فرق وهي الجارودية والسليمانية وقد يقال الحرورية أيضاً والبترية وهذه الفرق الثلاث طيجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه وكان ذلك في أيام هشام بن عبد الملك ويذهب الجارودية أولاً إلى أتباع المعروف بأبي الجارود وقد زعموا أن النبي ﷺ نص عَلَى إمامة علي بالوصف دون الاسم وزعموا أيضاً أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي وقالوا أيضاً أن الحسن بن علي هو الإمام من بعد علي ثم أخوه الحسين
стр. 4915
كان إماماً بعد الحسن. وافترقت الجارودية في هذا الترتيب فرقتين فرقة قالت أن علياً نص عَلَى إمامة ابنه الحسن ثم نص الحسن عَلَى إمامة أخيه الحسين بعده ثم صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في ولدي الحسن والحسين فمن خرج منهم شاهراً سيفه داعياً إلى دينه وكان عالماً ورعاً فهو الإمام وزعمت الفرقة الثانية منهم أن النبي ﷺ الذي نص عَلَى إمامة الحسن بعد علي وإمامة الحسين بعد الحسن ثم افترقت الجارودية بعد هذا في الإمام المنتظر فرقاً منهم لم يعين واحداً بالانتظار وقال كل من شهر سيفه ودعا إلى دينه ولد الحسن والحسين فهو الإمام ومنهم من ينتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدق بقتله ولا بموته ويزعم أنه هو المهدي المنتظر الذي يخرج فيملك الأرض وقول هؤلاء فيه كقول المحمدية من الإمامية في انتظارها محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي ومنهم من ينتظر محمد بن عمر الذي خرج بالكوفة ولا يصدق بقتله ولا بموته فهذا قول الجارودية وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله ﵇.
ذكر السلمانية أو الجريرية منهم هؤلاء أتباع سليمان بن جرير الزيدي الذي قال أن الإمامة شورى وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة وأجاز إمامة المفضول واثبت غمامة أبي بكر وعمر وزعم أن الأمة تركت الصلح في البيعة لهما لأن علياً كان أولى بالإمامة منهما إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يتوجب كفراً ولا فسقاً وكفر سليمان بن جرير عثمان بالأحداث التي نقمها الناقمون منه وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أن كفر عثمان ﵁.
وذكر البترية منهم فقال هؤلاء أتباع رجلين أحدهما الحسن بن صالح بن حي والآخر كثير المغوا الملقب بالأبتر وقولهم كقول سليمان بن جرير في هذا الباب غير أنهم توقفوا في عثمان ولم يقدموا عَلَى ذمه ولا عَلَى مدحه وهؤلاء أحسن حالاً عند أهل السنة من أصحاب سليمان بن جرير وقد اخرج مسلم بن الحجاج حديث الحسن بن صالح ابن حي في مسنده الصحيح ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري حديث في الصحيح ولكنه قال في كتاب التاريخ الكبير الحسن بن صالح بن حي الكوفي سمع سماك ابن حرب ومات سنة سبع وستين ومائة وهو من ثغور همذان وكنيته أبو عبد الله.
قال عبد القاهر: هؤلاء البترية والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية
стр. 4916
لإقرار الجارودية عَلَى تكفير أبي بكر وعمر والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر وحكي شيخنا أبو الحسن الشعري في مقالته عن قوم الزيدية يقال لهم اليعقوبية أتباع رجل اسمه يعقوب أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر ولكنهم لا يتبرؤون ممن تبرأ منهم.
قال عبد القاهر اجتمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية عَلَى القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار فهم من هذا الوجه كالخوارج الذين ايأسوا أُسراء المذنبين من رحمة الله تعالى ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
إنما قيل لهذه الفرق الثلاث واتباعها زيدية لقولهم بغمامة يد بن علي بن الحسن ابن علي بن أبي طالب في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد. وكان زيد بن علي قد بايعه عَلَى غمامته خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم عَلَى والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي قالوا له إننا ننصرك عَلَى أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب فقال زيد إني لا أقول فيهما إلا خيراً وما سمعت أبي يقول فيها إلا خيراً وإنما خرجت عَلَى بني أمية الذين قتلوا جدي الحسين واغاروا عَلَى المدينة يوم الحرة ثم رموا بيتاً لله بحجر المنجنيق والنار ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم رفضتموني ومن يومئذ رافضة وثبت معه نصر بن حريمة العنسي ومعاوية ابن اسحق بن يزيد بن حارثة في مقدار مائتي رجل وقاتلوا جند يوسف بن عمر الثقفي حتى قتلوا عن آخرهم وقتل زيد ثم نبش قبره وصلب ثم أحرق بعد ذلك وهرب ابنه يحيى ابن زيد إلى خراسان وخرج بناحية الجوزجان عَلَى نصر بن بشار والي خرسان فبعث نصر ابن بشار إليه مسلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجل فقتلوا يحيى بن زيد ومشهده بجوزجان معروف.
هذا منشأ مذهب الزيدية باليمن وغيرها قال ابن فضل الله: إمام الزيدية باليمن وهو من بقايا الحسينيين القائمين بآمل الشط من بلاد طبرستان وقد كان سلفهم جاذب الدولة العباسية حتى كاد يطيح رداءها ويشمت بها أعدائها. وهذه البقية الآن بصنعاء وبلاد حضر موت وما والاها من بلاد اليمن وأمراء مكة تسر طاعته ولا تفارق جماعته والأمانة الآن فيهم من بني المطهر واسم الإمام القائم في وقتنا حمزة ويكون بينه وبين الملك الرسولي باليمن
стр. 4917
مهادنات ومفاسخات تارة وتارة وهذا الإمام وكل من كان قبله عَلَى طريقة ما عداها وهي إمارة عربية لا كبر في صدروها ولا شمم في عرانينها وهم عَلَى مسكة من التقوى وترد بشعار الزهد يجلس في ندي قومه كواحد منهم ويتحدث فيهم ويحكم بينهم سواء عنده المشرف والشريف والقوي والضعيف وربما اشترى سلعة بيده ومشى في أسواق بلده لا يغلط الحجاب ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجاب يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسع ولا تكثر غير مشبع هكذا هو وكل من سلف قبله مع عدل شامل وفضل كامل اهـ.
نعم جاذب القوم الدولة العباسية كما قال العمري حتى كادوا يطيحون رداءها وكذلك فعلوا من بعد إلى عهدنا هذا وذلك شيء ناشئٌ ولا جرم من جودة هواء الجبال لأن الشدة تغرس في العادة نفوس الجبليين وما سكان الجبال من اليمانيين إلا أشبه بالإفريديين عَلَى حدود الهند وأفغانستان ولقد أوى الزيدية إلى الجبال كما أوى معظم أصحاب الدعوات إليها هكذا فعل الإسماعيلية والنصيرية فأووا إلى جبل اللكام والدروز إلى جبل الشوف والجبل الأعَلَى وجبال صفد وجبال حوران والشيعة المتاولة إلى جبل عامل وجبال بعلبك ولبنان من أرض الشام.
قال بعضهم صعدة مملكتها تلو مملكة صنعاء وهي في شرقيها وفي هذه المملكة ثلاث قواعد صعدة وجبل قطابة وحصن تلا وحصون أخرى وتعرف كلها ببني الرس وأما حصن تلا فمنه كان ظهور الموطئِ الذي أعاد إمامة الزيدية لبني الرضا بعد أن استولى عليها بنو سليمان فأوى إلى جبل قطابة ثم بايعوا لأحمد الموطئ سنة خمس وأربعين وستمائة.
وقال ابن فضل الله أيضاً في الزيدية: وأما الزيدية فهم أقرب القوم إلى القصد الأمم وقولهم أن أبا بكر وعمر ﵄ أئمة عدل وأن ولايتهما كانت لما اقتضته المصلحة مع أن علياً ﵁ أفضل منهما ويرون جواز ولاية المفضول عَلَى الفاضل في بعض الأحيان لما تقتضيه المصلحة أو لخوف الفتنة ولهذه الطائفة إمام باق إلى الآن باليمن وصنعاء داره وأمراء مكة المعظمة منهم وحدثني الشريف مبارك بن الأمير عطيفة بن أبي نمي أنهم لا يدينون إلا بطاعة ذلك الإمام ولا يرون إلا أنهم نوابه وغنما يتوقون صاحب مصر لخوفهم منه والإقطاع (؟) وصاحب اليمن لمداراته لواصل المكارم ورسوم وكانت
стр. 4918
لهؤلاء دولة قديمة بطبرستان فزالت إلا هذه البقية.
وقال ابن خلدون فأما الزيدية فساقوا الإمامة عَلَى مذهبهم فيها وإنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه علي زين العابدين ثم ابنه زيد بن علي وهو صاحب هذا المذهب وخرج بالكوفة داعياً إلى الإمامة فقتل وصلب بالكناسة وقال الزيدية بإمامة ابنه يحي من بعده فمضى إلى خرسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين السبط ويقال له النفس الزكية فخرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وجاءته عساكر المنصور فقتل وعهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصور عساكره فهزم وقتل إبراهيم وعيسى وكان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كله وهي معدودة في كراماته وذهب آخرون منهم إلى أن الإمام بعد محمد بن عبد الله النفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن عمرو هو أخو زيد بن علي فخرج محمد بن القاسم بالطالقان فقبض عليه وسيق إلى المعتصم فحبسه ومات في حبسه وقال آخرون من الزيدية أن الإمام يحيى بن زيد هو أخوه عيسى الذي حضر مع إبراهيم بن عبد الله في قتاله مع منصور ونقلوا الإمامة في عقبه وإليه انتسب دعي الزنج وقال آخرون من الزيدية أن الإمام بعد محمد ابن عبد الله أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك وقام بأمره ابنه إدريس واختط مدينة فاس وكان من بعده عقبة ملوكاً بالمغرب إلى أن انقرضوا وبقي أمر الزيدية بعد ذلك أمر غير منتظم وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان وهو الحسين بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي لن الحسين السبط أخوه محمد ابن زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الطروش منهم وأسلموا عَلَى يده وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمرو وعمرو أخو زيد بن علي فكانت لبنيه بطبرستان دولة وتوصل الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد عَلَى الخلفاء ببغداد.
ذوكر ابن ساعد من جملة فرق الشيعة الزيدية القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين وغمامة من اجتمع فيه العلم والزهد والشجاعة ظاهراً وهو من ولد فاطمة ﵂ ويخرج لطلب الإمامة ومنهم من زاد صباحة الوجه وأن لا يكون مؤوفاً ويجوزون قيام إمامين معاً بمكانين ومن رفض زيداً هذا أطلق عليهم اسم الرافضة أولاً وهؤلاء الثلاث
стр. 4919
طوائف من الشيعة أعني الإمامية والإسماعيلية والزيدية هم رؤوس فرقهم.
قال ابن حزم اتفقت الأمة كلها عَلَى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم لقول الله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم اختلفوا ثم اختلفوا في كيفيته فذهب بعض أهل السنة من القدماء من الصحابة ﵃ فمن بعدهم إلى أن الغرض من ذلك إنما هو في القلب فقط أو باللسان إن قدر عَلَى ذلك ولا يكون باليد ولا بسل السيوف ووضع السلاح أصلاً وبهذا قالت الروافض كلهم ولو قتلوا كلهم إلا أنها لم تر ذلك ما لم يخرج الناطق فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ معه وإلا فلا واقتدى أهل السنة بعثمان وغيره من الصحابة وبمن رأى لقعود منهم إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأو ذلك ما لم يكن عدلاً فإن كان عدلاً وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العادل. وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك قالوا فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا يبأسون من الظفر ففرض عليهم.
وبعد فإن شيعة علي رضي الله تعالى عنه زيدي ورافضي وبقيتهم بدد لا نظام لهم قالت علماء الزيدية وجدنا الفضل في الفعل دون غيره ووجدنا الفعل كله في أربعة أقسام أولها القدم في الإسلام حين لا رغبة ولا رهبة إلا من الله تعالى وإليه ثم الزهد في الدنيا فإن أزهد الناس في الناس أرغبهم في الآخرة وآمنهم عَلَى نفائس الأموال وعقائل النساء وإراقة الدماء ثم الفقه الذي يعرف به الناس مصالح دنياهم ومراشد دينهم ثم المشي في السيف كفاحاً في الذب عن الإسلام وتأسيس الدين وقتل عدوه وإحياء وليه فليس فوق بذل المهجة واستغراق القوة غاية يطلبها طالب أو يرتجيها راغب ولم نجد قولاً خامساً فتذكره فلما رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون الناس كلهم وجب علينا تفضيله عليهم وتقديمه دونهم. وذاك إنا سألنا العلماء والفقهاء وأصحاب الأخبار وحمال الاثار عن أول الناس إسلاماً فقال فريق منهم من هذه علي وقال قوم زيد بن حارثة وقال قوم خباب ولم نجد قول كل واحد منهم من هذه الفرق قاطعاً لعذر صاحبه ولا ناقلاً عن مذهبه وإن كانت الرواية في تقديم علي أشهر واللفظ به أكثر وكذلك إذا سألناهم عن الذابين في الإسلام والماشي إلى الأقران
стр. 4920
في بسيوفهم وجدناهم مختلفين فمن قائل يقول علي رضي الله تعالى عنه ومن قائل يقول ابن عفراء ومن قائل يقول محمد بن مسلمة ومن قائل يقول طلحة ومن وقائل يقول البراء بن مالك عَلَى أن لعلي من قتل الأقران ما ليس فيهم فلا اقل من أن يكون علي في طبقتهم وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء رأيناهم يعدون علياً ممن كان أفقههم لأنه كان يُسأل ولا يسأل ويفتي ولا يستفتي ويُحتاج إليه ولا يحتاج إليهم ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف والمعروفين برفض الدنيا وخلعها والزهد فيها قالوا علي وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ذر وعمار وبلال وعثمان بن مظعون عَلَى أن علياً أزهدهم لأنه شاركهم في خشونة الملبس وخشونة المأكل والرضا باليسر والتبلغ بالحقير وظلف النفس ومخالفة الشهوات وفارقهم بان ملك بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم فكان ينضج بيوت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ورقع سراويله ما فضل من ردائه عن أطراف أصابعه بالشفرة في أمور كثيرة مع أن زهده أفضل من زهدهم لأنه أعلم منهم وعبادة العالم ليست كعبادة غيره كما أن زلته ليست كزلة غيره فلا اقل من أن نعده في طبقتهم ولا نجدهم ذكروا لأبي الدرداء وأبي ذر وبلال مثل الذي ذكروا له في باب الغناء والذب وبذل النفس ولم نجدهم ذكروا للزبير وابن عفراء وأبي دجانة والبراء بن مالك مثل الذي ذكروا له من التقدم في الإسلام والزهد والفقه ولم نجدهم ذكروا لبي بكر وزيد وخباب مثل الذي ذكروا له من بذل النفس الغناء والذب بالسيف ولا ذكروهم في طبقة الفقهاء والزهاد فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه متفرقة في غيره من أصحاب هذه المراتب وهذه الطبقات علمنا أن أفضلهم وإن كان كل رجل منهم قد اخذ من كل خير بنصيب فإنه لم يبلغ ذلك مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه. قال الحافظ بعد كلام عَلَى هذا النحو وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم لأنه أحسن سيء رأيته لهم وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لن فيه دلالة عَلَى غيره وغنى عما سواه.
الخاتمة
تبين للقارئ من هذا البحث كيف كانت اليمن وكيف كان سكانها وما هي مذاهبهم وما نخال أن الداعي إلى كل ما وقمعن الفتن سوى المظالم التي دكت العمران أذعر بها السكان وهذا
стр. 4921
واقع بهم منذ القرون الوسطى إلى اليوم وقد أصابهم منه في عهد الدولة العلية ما لم يصب معظم الولايات لبعد ديارهم في القاصية ولأنه لم يكن يقدم عَلَى الخدمة هناك من جيش الدولة وعمالها إلا من جعل الاغتناء بأي طريقة أول همه وهمامة نفسه.
قال المقبلي اليماني: ولقد حكي عن باشا من أمراء الروم يسمى سناناً في صنعاء حين وطأتهم اليمن وخبره أشهره واكبر قد أنسى أهل اليمن ضرب المثل بالحجاج وصار علماً للظلم والفتك كأنه مولع بسفك الدماء والتفتن فيه بالسلخ والصلب والخنق والكرباج فبينا هو في خاصته يتأوه ويبتهل إلى الله في طلب المخرج من نفس مسلم قتله في الروم إذ قيل له هؤلاء الجماعة الذين أرسلت لهم فأشار أن اقتلوهم من دون اكتراث ولا نظر ولا استثبات في شأنهم فقال له بعض الحاضرين في ذلك فقال إنما أتأوه من قتل مسلم محترم وهؤلاء زيدية يحل دماؤهم إلى أن قال وكنت أن هذا شيء نادر في سنان المشؤم وجماعة قليلين وإذا هو مطبق عليه في من هو في دولة الأروام كان هذا شيء يتبع الدولة وكأنها نسخت الشريعة اهـ. كذا قال وهو عَلَى غلو فيه لا يخلو من حقيقة تاريخية فقد أثر عن الولاة المتأخرين أعمال كهذه يتناقلها اليمانيون بينهم ويدونونها في أخبارهم ولذلك قلما رأينا يمانياً ثاب إلى سكونه فعسى أن تعرف حكومتنا الحاضرة كيف تؤكل الكتف تسكن نأمة تلك الشرور المستطيرة قروناً في مملكو التبابعة وحمير.
стр. 4922
تاريخ الحضارة
في القرون الوسطى والقرون الحديثة
أصول الحضارة
الآثار قبل التاريخ - تجد في الأرض أحياناً دفائن من سلاح وأدوات وعظام بشرية وبقايا من كل نوع تركها البشر ولا يعلم عنها شيء ويستخرج منها ألوف من الأنواع في جميع ولايات فرنسا وسويسرا وإنكلترا بل في أوربا كلها بل يستخرج مثلها من آسيا وأفريقية ولا شك أن لها مثالاً في العالم كله. وتسمى هذه البقايا آثار ما قبل التاريخ لأنها أقدم من التاريخ ومنذ نحو أربعين سنة أخذ العلماء يجمعونها أو يدرسونها. ولمعظم المتاحف اليوم قاعة أو عَلَى الأقل بعض بيوت من الزجاج مملوء من هذه البقايا. وعَلَى مقربة من باريز في (سان جرمان إن لاي) متحف من قبل عهد التاريخ. وقد جمعت الدانيمرك زهاء ثلاثين ألف قطعة من الآثار. وفي كل يوم يعثر عَلَى تحف أثناء الحفر وعند بناء بيت وحفر حفيرة لسكة حديدية.
وهذه التحف لا ترى عَلَى سطح الأرض بل هي مدفونة في الأعماق وفي أماكن لم تنبش تربتها وهي مغشاة بطبقة من الحصباء والطين الندي تراكمت شيئاً فشيئاً فوقتها وجعلتها بمأمن من الهواء وهو ما يؤكد كل التأكيد بان تلك الدفائن هتاك منذ زمن بعيد.
علم ما قبل التاريخ - فحص العلماء هذه الآثار فتساءلوا عمن خلفها لنا وحاولوا أن يعرفوا من عظامها وأدواتها كيف بقيت وكيف كانت تعيش فأثبتوا أن هذه الأدوات تشبه ما يستعمله بعض المتوحشين إلى اليوم. ومن درس هذه التحف نشأ علم جديد سموه علم الآثار قبل زمن التاريخ.
العصور الأربعة - حدثت بقايا قبل زمن التاريخ من أجناس من البشر منوعة كثيراً فبقيت في الأرض أدواراً متطاولة جداً من الزمن كان يعيش فيه في بلادنا الماموت وهو نوع من الفيل العظيم له جلد كثير الوبر وأنياب محددة. وتقسم هذه السلسلة من القرون إلى أربعة أزمان تسمى عصوراً.
فالأول عصر الحجر النحيت والثاني عصر الحجر الصقيل والثالث عصر النحاس والرابع عصر الحديد. سمت كذلك بسبب الأدوات التي كانوا يعملونها من الحجر والنحاس أو
стр. 4923
الحديد. عَلَى أن هذه الزمان تختلف طولاً وقصراً وربما دام عصر الحجر النحيت مئة ضعف عصر الحديد.
عصر الحجر
بقايا الحصباء - أقدم الأطلال التي عثر عليها كانت مدفونة في الحصباء. وقد ظفر أحد علماء فرنسا المسيو بوشه دي برت (منذ سنة ١٨٤١ إلى سنة ١٨٥٣) في وادي لاسوم بأدوات قاطعة من الصوان وكانت مطمورة عَلَى عمق ستة أمتار فالحصباء عَلَى ثلاث طبقات من أرض خزف وحصباءٍ وكلس صلصالية لم تحركها يد. كما عثروا في نفس تلك الأماكن عَلَى عظام بقر وأيائل وفيلة. وظل الناس يهزؤن زمناً بهذه الاكتشافات فكانوا يقولون أن هذا الصوان قد نجت صدفة بلا تعمل حتى إذا كانت سنة ١٨٦٠ جاء عدة علماء بالقصد إلى وادي لاسوم واعترفوا أن هذا الصوان قد نحته يد بشر بلا مراءٍ. ومنذ ذاك العهد عثروا عَلَى زهاء خمسة آلاف قطعة تشبه تلك في طبقات من هذا الجنس نفسه وذلك في وادي السين وفي إنكلترا وكن بجانب بعض تلك الآثار بقايا عظام بشرية. ولا يختلف اثنان اليوم في أنه كان بشر في العالم في الزمن الذي تألفت فيه عَلَى تربتنا طبقات الحصباء. فإذا كانت الطبقات التي تغشى هذه الأطلال تقد تألفت بالبطء الذي تتألف به لعهدنا هذا فإن البشر الذي وجدت عظامهم وأدواتهم قد عاشوا قبل زهاء مئتي ألف سنة.
رجال الغيران - ولطالما عثر الباحثون عَلَى أطلال في الغيران محفورة في الصخر تكون أحياناًَ قائمة فوق نهر وأشهرها مغارات شواطئ الفزير (أحد أنهار فرنسا) ويكثر أمثالها في كثير من الأماكن اتخذت قدماً مساكن للناس وأحياناً قبواً لهم. فتجد فيها هياكل عظامهم وأسلحتهم وأدواتهم وهي عبارة عن فؤوس وسكاكين وأزاميل أسنة رماح من الصوان وسهام وشفار كلاليب وإبر من العظام مثل ما كان يستعملها بعض المتوحشين وقد نثرت عَلَى التربة عظام الحيوانات فكان أولئك الناس القذرون كسائر المتوحشين بلقون بها في زاوية بعد أن يأكلوا الحيوانات وقد يشقون عظامه ليستخرجوا منه النخاع عَلَى ما يفعل اليوم المتوحشون. ولست ترى بين تلك الوحوش الأرنب والأيل والبقر والحصان وحوت سليمان بل تجد بينها أيضاً الكركدن ودب الكهوف والماموت والوعل وبقر السهل وجميع ضروب الوحوش المنقرض نسلها من فرنسا منذ زمن طويل. ولزقد عثر أيضاً عَلَى بعض
стр. 4924
المنقوشة عَلَى عظام الوعل أو عَلَى أسنان الماموت تمثل إحداها قتال وعول والثانية حيوان الماموت أي فيلاً هائلاً إذ جلد له وبر كالصوف وأنياب معقفة.
لا جرم في أن هؤلاء الناس كانوا معاصرين لذاك الفيل والوعل فكانوا كجنس الأسكيمو (سكان القطب في أميركا) في عهدنا هذا قوم دأبهم الصيد والقنص يحسنون صنع الصوان وإيقاد النيران.
المساكن - انخفضت المياه في بحيرة زوريخ (سويسرا) سنة ١٨٥٤ عقب ما حدث من الجفاف في صيف تلك السنة فاكتشف سكان الشواطئ أوتاداً غرزت للبناء وهي بالية جداً وماعوناً غليظاً غير محكم وكانت هذه بقايا قرية قديمة بنيت عَلَى الماء. ثم عثر عَلَى زهاء مائتي قرية تشبهها في بحيرات سويسرا ويدعونها القرى أو المدن المبنية عَلَى أوتاد في شواطئ البحيرات. أما الأوتاد التي قامت عليها تلك المساكن فقد جعلت من جذوع الأشجار غرزت من أطرافها في البحيرة عَلَى عمق عدة أمتار واقتضى لإنشاء كل قرية من ثلاثين إلى أربعين ألف جزع تحمل سطحاً من الخشب أقيمت عليه بيوت من خشب مغشى بالطين. ويستدل مما عثر عليه من مئات من الأمتعة في وسط تلك الأوتاد عَلَى العيشة التي كان السكان يعشونها فقد كانوا يأكلون من الحيوانات التي يصيبونها الأيل والوعل والخنزير البري عَلَى حين كانوا يعرفون من قبل الحيوانات الأهلية كالبقر والعنز والحمل والكلب ويحسنون زرع الأرض وحصاد الغلة وطح الحب لأنه وجد في أطلال قراهم حب الحنطة بل الخز (وبعبارة أخرى معجنات بدون خمير) وكانوا ينسجون الأقمشة الغليظة من القنب ويخيطون الثياب وقد عثر عَلَى إبر من عظام وكانوا يعملون الفخار عَلَى صورة ليس فيها شيء من المهارة وترى آنيتهم لا أثر للدقة فيها بل هي معمولة باليد مزدانة ببعض خطوط فقط وكانوا يستعملون السهام والسكاكين من حجر الصوان مثل سكان الغيران ولكنهم يعملون فؤوسهم من حجر صلب للغاية تعلموا صقله. ولذلك دعي عصرهم بعصر الحجر الصقيل وهؤلاء السكان أحدق عهداً من سكان الغيران لأنهم لم يعرفوا فيل الماموت ولا الكركدن وإن كانوا عرفوا الوعل والأيل في أرض فرنسا.
المصانع أو البنية - تسمى البنية المصنوعة من ضخم الشقيف من الأحجار غير المصقولة البنية الميكاليتية أي الأحجار الضخمة ويكون الحجر فيها تارة عَلَى حاله وأخرى مغشى
стр. 4925
بالطين. والمصانع التي يبقى فيها الصخر مكشوفاً هي عَلَى أنواع فمنها الدولمانوهو منضدة منالحجر مؤلفة من حجر مستطيل مركوز عَلَى عدة أحجار مغروزة في الأرض والكروماش وهي دائرة من الحجر يتألف من صخور كبيرة مصفوفة عَلَى صورة إطار ومنها المانهير وهي حجر طويل مؤلف من شقيفة جعلت عَلَى طرفها وكثيراً ما تكون عدة من المانهير مصفوفة صفاً واحداً. ولا تزال في الكرنك من إقليم برتانيا أربعة آلاف من هذا البناء قائمة عَلَى أحد عشر صفاً. ويذهبون إلى أنه كان قديماً عشرة آلاف واحد من نوعها جعلت عَلَى صف واحد في ذاك المكان. وإنك لتشاهد البنية الميكاليتية في فرنسا بالمئات في ولايات الغرب ولاسيما في إقليم برتانيا وتجد في إنكلترا منها عَلَى معظم الآكام ومنها زهاء ألفي بناية فقط في جزائر أوركاد.
وتسمى المصانع المدفونة التومولوس وهي تشبه أكمة عن بعد وإذا فتحت يجد المرء في داخلها غرفة من الحجر وكثيراً ما تكون مبلطة بألواح من الصخر. وترى منها في بلاد الدانيمرك وألمانيا الشمالية مصانع منثورة ويسمي أهالي تلك البلاد تلك المصانع المدفونة قبور الجبارين.
والمصانع الميكاليتية كثيرة خارج أوربا وفي الهند وعَلَى شاطئ أفريقية. ولا نعلم أي الشعوب استطاعت إخراج مثل هذا الشقيف ونقله ولقد جاء زمن طويل كانوا يظنون فيه أن قدماء الغاليين والسلتيين هم الذين عنوا باستخراجها ونقلها ومن هنا جاء اسم المصانع السلتية ولكن ذلك مردود إلى أن ثبت وجود مثل هذه المصانع في أفريقية والهند.
وإذا فتحت بعض هذه المصانع المدفونة غير الممسوسة تجد فيها كل حين هياكل عظام وكثيراً ما يكون عدة هياكل وهي إما جالسة أو مضطجعة فهذه المصانع عبارة عن قبور فتجد بالقرب من الميت أسلحة وآنية ونقوشاً. وفي أقدم هذه القبور ترى الأسلحة عبارة عن فؤوس من الحجر الصقيل والنقوش هي أصداف ولآلئ وعقود من عظم أو من عاج والآنية بسيطة للغاية بدون عروة ولا عنق بل هي مزدانة فقط بخطوط أو بنقط وترى فيها عظام حيوانات ملقاة عَلَى الأرض مكلسة وهي بقايا طعام قدم في جنازة اتلميت قدمه احبابه إلى قبره. وليس بين هذه العظام أثر ولعظم الوعل وهذا ما يستدل منه عَلَى أن هذه المصانع بنيت عندما اندثر جنس الوعل ومن أقطارنا إلى بعد زمن القرى المبنية في
стр. 4926
البحيرات.
قرى المعادن
القلز (النحاس الذي لا يعمل فيه الحديد) استعمل البشر المعادن منذ عرفوا إذابتها ليصنعوا منها أسلحتهم مفضلين لها عَلَى الحجر. فأول معدن شاع بالاستعمال هو النحاس لسهولة استخراجه لأن منه الصافي السهل عَلَى التطريق إذ يمكن تطريقه بارداً ولكن لم يستعمل النحاس الخالص ومنه تصنع أسلحة سريعة العطب قابلة للتقليد. ولذلك مزجوه بـ ١٠/ ١ من القصدير ليزيد صلابته وهذا المزيج من النحس والشبه هو الذي يسمونه القلز.
أدوات البرونز - صنعوا من القلز أدو ات العمل (كالمدى والمطارق والمناشير والإبر والصنانير) وأدوات للزينة (أساور وسفافيد وقراط) وصنعوا منها أسلحة بوجه مخصوص (مثل الخناجر وزج الرماح والفؤوس والسيوف) ويوجد من هذه المصنوعات في قارة أوربا عامة في المصانع المدفونة وفي نضائد الرخام الحديثة وفي معادن الحمر المشتعل ببلاد الدانيمرك وفي مدافن الحجر وكثيراًَ ما يكتشف بالقرب من هذه المصنوعات من البرونز أدوات الزينة من ذهب وأحيانا بقايا ثوب من الصوف. ولا يتأتى أن تكون جميع أدوات البرونز متشابهة بالعرض ومعمولة من مزيج معين. لا جرم أن تاريخها يرد إلى عهد واحد وهو مقدم عَلَى وصول الرومان إلى غاليا إذ لم يظفر بها قط في جانب الآثار الرومانية وإلى اليوم لم يعرف من كان يستعملها.
قرن الحديد - لما كان الحديد أصعب عَلَى التطريق وأقسى عَلَى العمل من البرونز لم يعرف استعماله إلا مؤخراً. وإذا كان أكثر صلابة لم يستعمل غيره للسلاح منذ عرف. وكان الحديد عَلَى عهد هوميروس لبلاد اليونان معدناً ثميناً يدخرونه لصنع السيوف ويبقون القلز لسائر الاستعمالات ولذلك ترى كثيراً من القبور تحوي أشياء من القلز وأسلحة من الحديد كيفما اتفق.
وهذه السلحة هي فؤوس وسيوف واقواس ودروع ويوجد منها في العادة بالقرب من هيكل عظام وفي قبر حجر أو خشب لأن المحاربين كانوا يدفنون مع أسلحتهم ويعثر منها في ساحة الحروب متفرقة أو ضائعة في قعر حوض من الحجر وقد اكتشف في أحد هذه الأحواض في شلزويك ١٠٠ سيف و٥٠٠ رمح و٣٠ فأساً و٤٦٠ سهماً و٨٠ مدية و٤٠
стр. 4927
منقشاً وكلها من الحديد وعَلَى مقربة من ذاك المكان في مجرى بحيرة قديمة رأوا مركباً عظيماً طوله ٢٠ متراً محملاً كله من المحاز والسيوف والنصال والمدى فالأشياء المعمولة من الحديد التي يعثر عَلَى هذه الصورة لا تحصى وزهي أقل بهاء من مصنوعات البرونز لأن الصدأ يأكل الحديد بسرعة فتراها لأول وهلة أكثر قدماً ولكنها في الحقيقة أكثر جدة.
عرف سكان شمةالي أوربا الحديد قبل دخول الرومان أي في القرن الأول ب. م. وقد اكتشف في مقبرة قديمة بالقرب من مناجم الملح في هالستاد في بلاد النمسا ٩٨٠ قبراً تحتوي عَلَى أدوات من الحديد والبرونز ولم يظفروا معها بقطعة من النقود الرومانية وقد دام قرن الحديد إلى عهد الرومانيين. وإن المصنوعات الحديدية ليعثر عليها مع أدوات الزينة الذهبية والفضية والأواني الخزفية الرومانية ونواويس وكتابات ونقود رومانية عَلَى مثال صور الإمبراطور والمحاربون الذين نراهم مضطجعين بالقرب من سيوفهم ودروعهم كانوا في الأكثر إلى عهد قريب منا وكان كثير منهم عَلَى عهد الميروفنجيين وبعضهم أيضاً عَلَى عهد شارلمان. فليس قرن الحديد إذاً من القرون التي تعد قبل زمن التاريخ.
الخلاصة
ماذا يراد من القرون الأربعة - استعمل سكان البلد الواحد الأحجار المنحوتة فالأحجار المصقولة فالقلز فالحديد ولكن البلاد كلها لم تكن تستعمل في القرن الواحد المعدن الواحد فالمصريون استخدموا الحديد في حين كان اليونان يستعملون القلز وبرابرة الدانيمرك مازالوا عَلَى استعمال الحجر ولم ينته عصر الحجر المصقول في أميركا إلا عندما وصل إليها الأوربيون وظل المتوحشون من أهل أستراليا إلى أيامنا هذه في عصر الحجر النحيت ولا يوجد في منازل عسكرهم سوى أدوات من العظام وقداحات تشبه ما كان يستعمله سكان الغيران فليس للعصور الأربعة إذن أدوار في حياة الإنسانية بل في حياة كل مملكة عَلَى حدتها فقط.
شكوك - ما برح علم الآثار قبل التاريخ من العلوم الحديثة النشأة وما نعرفه عن البشر الأصليين تعلمنها من بقايا حفظت بالعرض ووجدت كذلك وعَلَى ذلك وقد تؤدي صدمة جديدة وحفيرة أو خندق وانهيار أرض وجفاف مطر إلى اكتشاف جديد. ومن يعرف ما هو مدفون في بطن الأرض حتى الآن فإن ما عثر عليه اليوم من المدفونات حتى اليوم من
стр. 4928
الأشياء لا يقع تحت الحصر ولكن قلما تفيدنا فيما نريد أن نعرفه. فكم من زمن دام كل عصر من العصور الأربعة؟ ومتى بدأ وانتهى في البلدان المختلفة؟ ومن أي الشعوب أتت صوب الغيران والكهوف والقرى في وسط البحيرات والمصانع المدفونة في النضائد الحجرية؟ وعندما تنقل مملكة من عصر الحجر المصقول إلى القلز هل يكون الشعب نفسه قد غير أدواته أو خلفه شعب آخر؟ وعندما يتعقد بعضهم أنهم ظفروا بجواب عَلَى ذلك يحدث اكتشاف جديد يكذب علماء الآثار فقد كان يظن أن النضائد الحجرية جاءت من السلتيين فوجدوا منها في محال لم يستطع السلتيون أن يجتازوها.
مسائل محلولة - ومع هذا فإن ثلاث مسائل يظهر أنها محلولة (١ً) الإنسان هو قديم عَلَى الأرض لأنه عرف الماموت ودب الكهوف فكان يعيش عَلَى الأقل خلال العصر الذي يقال له العصر الرباعي (٢ً) انتقل الإنسان من حالة الهمجية حتى وصل إلى المدنية وحسن بالتدريج آلاته وأدوات زينته من الفأس الحقير المعمول من الصوان والعقد المؤلف من أسنان الدببة إلى سيوف الحديد وحلي الذهب وذلك لأن الأدوات الغليظة كثيراً هي أيضاً عريقة في القدم (٣ً) تقدم الإنسان تقدماً سريعاً ومكان كل عصر أقصر مما سبقه.
غاليا
شعوب غاليا المستقلة - كانت البلاد التي يسكنها (الفرنسويون) تدعى قديماً بلاد غاليا ويريدون بهذا الاسم جميع الصقع الممتد من جبال البيرينية إلى الألب والرين فالبحر هذه البلاد الواسعة لم تكن مملكة واحدة بل كانت تنوقسم بين مئة من الشعوب الصغيرة عَلَى الأقل ولكل منها حكومته وجيشه يحارب بعضها بعضاً.
وهذه الشعوب مؤلفة من ثلاثة عناصر مختلفة
(١ً) كان الإيبريون وهم من نفس عنصر سكان إسبانيا يتكلمون في الجنوب في البلاد الواقعة بين جبال البرنيه ونهر الغارون بلغة لا تسبه بوجه من الوجوه اللغات التي يتكلم في أوربا وما زال يتكلم بها إلى الآن الباسك في البرنيه.
(٢ً) كان السلتيون في الوسط أي من نهر الغارون إلى نهر المارن من عنصر سكان إيرلاندا نفسه ولغتهم تشبه اللغة التي يتكلم بها في إيرلاندا وفي بلاد الغال وبريطانيا.
(٣ً) في الشمال منة نهر المارن إلى نهر الرين الشعب البلجيكي الذي كان بعضه من
стр. 4929
السلتيين والآخر من الجرمانيين أي من نفس الشعوب التي تسكن ألمانيا.
فلم يكن في غاليا من ثم وحدة في الجنس ولا وحدة في اللغة.
ديانة الغاليين - كانت ديانة الشعوب الغالية اشبه بديانة اليونان والرومان فيعبدون عدة أرباب تمثلها أصنام. ونحن لا نعرف أيضاً أسماء هذه الأرباب ولكننا نعرف أهمها. وهي رب الشمس (بلن) وربة القمر (بلزانا) ورب الفصاحة ويمثلونه في سلاسل ذهب خارجة من فمه لتقيد الحضور ورب مكلف بأن يقود إلى جهنم أرواح الموتى (توتاتس) ورب الرعد ورب يدعى المفزع كان يسكن الغابات المظلمة. وكانوا يقدمون لهذه الأرباب إكراماً لها وكثيراً ما يذبحون لها ذبائح بشرية يختارونها إما من الجناة المحكوم عليهم بالإعدام أو من أسرى الحرب وكان في غاليا طبقة من الناس وقفت نفسها عَلَى خدمة الدين وهم الدوروديون يجتمعون خاصة من شبان الأسر الشريفة وهم في العادة ينوون التبتل فلا يتزوجون وكان للدوريديين مذاهب دينية تخالف دين الشعب ولم ينته إلينا ما يعرفنا بهذين المذهبين ولا نعلم أنهم كانوا يعتقدون بخلود الروح. وكانوا يلبسون فسطاناً أبيض ونعالاً ويقبضون بأيديهم قضباناً بيضاء يستعملونها في الأعمال السحرية لنهم كانوا كهنة وأطباء وسحرة وقضاة في آن واحد. وكانوا يرون أن لبعض النباتات فضيلة ذاتية ولاسيما دبق (عنم) البلوط وهو النبات الذي يشفي بزعمهم من دعامة الأمراض فكانوا يجنونه باحتفال حافل بمناجل من ذهب في اليوم السادس من آخر شهر في الشتاء.
أخلاق الغاليين وعاداتهم - كانت الشعوب الغالية إلى القرن الأول من التاريخ المسيحي برابرة متوحشين يعيشون إلا قليلاً كما يعيش اليونان قبل هوميروس أو الرومان في أوائل أمرهم وكانت البلاد مغشاة بغابات واسعة يسكنها الذئاب والأيائل والنعام والدببة وفيها بطائح مؤلفة من انهار ولم يكن فيها من طرق سوى الضيق المعوج ولم تمكن البيوت سوى أكواخ صغيرة من خشب أو من لبن مغطاة بقش لا نوافذ لها ولا مداخن ولها في السقف خرق يصعد منه الدخان حتى أنه لم يكن الأغنياء الغاليين أثاث ولا فرش بل كانوا ينامون عَلَى القش أو عَلَى جلود ويأكلون بأيديهم ولم يكن لهم مدن يصح إطلاق لفظ مدينة عليها بل لهم أسوار من الحجر يسكن داخلها القوم ويتحصنون أيام الحروب وهناك كانت تقام الأسواق وتعقد مجتمعات المحاربين والأشراف.
стр. 4930
ولكم يكن سكان البلاد متساويين فيما بينهم فكان الفلاحون طبقة دنيئة والمحاربون الذين يقاتلون عَلَى خيولهم هم طبقة الأشراف وهؤلاء وحدهم هم الحكام وكان لبعض الشعوب زعيم سام أي ملك (ولفظ ريكس) الغالية التي توجد في عدة من أسماء رؤسائهم مثل أمبيوريكس بوايوريكس فرسينوجيتوريكس وغير ذلك هي نفس اللفظ اللاتيني ريكس.
وكان المحاربون يتسلحون برمح لها سنان من القلز وبسيف ثقيل من الحديد ويلبسون خوذة وترساً من الخشب ولم يكونوا يلبسون الدروع. ويفوق الغاليون اليونان والرومان من جهة واحدة فقط هو أن ثيابهم كانت أكثر ملائمة وأحسن صنعاً للتوقي من البرد. فبدلاً من أن يلبسوا مثلهم ثياباً طويلة تربك صاحبها وتترك ساقيه عريانتين ونعليه تكشفان رجليه كانوا يلبسون نوعاً من السراويل (البري) ومشلحاً وضرباً من ضروب الأردية (السي) أشبه بما يلبسه الجيليون من أهل إيكوسيا وأحذية تسمى كاليكا الغالية ومنها جاءت لفظة كالوش الفرنسية واقتبس الرومانيون تلك السراويل الغالية.
غالية الرومانية
كيف أصبحت غاليا رومانية - استوطن الرومان بادئ بدءٍ الشطر الجنوبي من غاليما في جوار إيطاليا حيث طاب لهم الهواء وأطلق عَلَى البلاد جبال البيرنيه إلى جبال الألب اسم بروفانس أي ولاية (وبقي اسم بروزفانس يطلق عَلَى القسم الشرقي من شرقي نهر الرون) فلم يمض زمن طويل حتى اشبهت بلاد إيطاليا ولما افتتح قيصر بقية بلاد غاليا خف سكانها إلى التخلي عن عاداتهم واقتباس عادات الرومان فغادروا القرى ونزلوا المدن حيث انشئوا المعابد ودور تمثيل وحمامات وبيوت من رخام مفروشة بالفسيفساء عَلَى نحو ما اعتاد أغنياء الرومان.
وحذا السكان حذوا الأشراف فتركوا بالتدريج حتى لغتهم واخذوا يتكلمون باللاتينية ومن اللاتينية التي تكلم بها العامة في المملكة الرومانية نشأت اللغات الرومانية كالفرنسوية والإيطالية والإسبانية ويكاد لم يبق في الإفرنسية سوى كلمات طفيفة من اللغات الغالية (مثل بك منقار كوك ديك ألويت قنبرة مارن تراب كلسي ممزوج بصلصال دون كثيب ليو فرسخ).
نظام غاليا - لم تدثر الشعوب الصغرى التي كانت تتقاسم غاليا بل تألفت من كل واحد
стр. 4931
منها مدينة سميت باسم سكانها (مثل سواسون تريف ليوج باريز) وكلما أنشئت مدن جديدة تضاف إلى ما أنشئ من نوعها قبلاً. وانضمت عدة مدن متألفت منها ولاية وكان لكل ولاية حاكم ينوب عن الإمبراطور وله سلطة مطلقة نافذة فهو يقضي بين الناس ويبيت المسائل ويبلغ المدن أوامر الإمبراطور وكان الواي في كالولايات الواقعة عَلَى الحدود حيث يرابط فيلق من الجيش هو القائد.
وما قط كان لسكان غاليا غاية في تاليف أمة خارجة عن بقية المملكة حتى أمسوا عَلَى التوالي يعتبرون أنفسهم رومانيين فيطيعون الإمبراطور وحكامه عن رضى ولذلك لم يكن الإمبراطور في حاجة أن يضم شملهم تحت رايته بالقوة كما يجمع شمل الشعب المغلوب عَلَى أمره. وكان له جيش ولكن عَلَى التخوم فقط للدفاع عن الغاليين من غزوات برابرة الجرمانيين لا لإكراههم عَلَى الخضوع. ولم يكن في تلك البلاد الواسعة التي هي أكبر من فرنسا الحديثة من الجنود إلا حرس الولاة يبلغ عددهم عَلَى الجملة ثلاثة آلاف رجل.
أصول المجالس البلدية في غاليا - ظل صغار الشعوب في غاليا يديرون أمور أنفسهم بأنفسهم وكان للإمبراطور التدخل في مسائلهم الداخلية ولكنه لا يسئ في العادة استعمال حقوقه بل يطلب إليهم فقط ألا يحارب بعضهم بعضاً وأن يؤدوا المطلوب منهم للحكومة في أوقاته وأن يحضروا أمام المحكمة الوالي وكان في كل ولاية عدة حكومات صغرى وتدعى كما كانت قديماً في المملكة الرومانية مداً أو بلديات. فالمدينة عَلَى عهد الإمبراطورية الرومانية كانت عَلَى مثال المدينة الرومانية نفسها فيها مجالس لعامتها وعمال ينتخبون كل سنة وينقسمون أقساماً كل قسم مؤلف من عنصرين ومجلسة الشيوخ يتألف من كبار أرباب الأملاك أي من الأشراف والأسرات القديمة وكان حال مجلس العامة أو الأمة كما هو الحال في رومية صورياً وفي مجلس الشيوخ أي الأشراف هم الحكام حقيقة أنا وسط المدينة فهو مدينة صرفة عَلَى الدوام أي رومية مصغرة ولها معابدها وأقواس نصرها وحماماتها العامة وعيونها ومسارحها وميادين لقتالها والحياة فيها صو رة من حياة رومية مصغرة من حيث توزيع الحنطة والدراهم والمآدب العامة والحفلات الدينية الكبرى والألعاب الدموية. إلا أن دراهم الولايات في رومية هي التي تؤدي النفقات أما في المدن فإن الأشراف أنفسهم يقومون بالنفقات اللازمة للحكومة والأعياد.
стр. 4932
وكان الخراج الذي يجبى لحساب الإمبراطور يذهب إليه برمته لذلك اقتضى أن يقوم الأغنياء عَلَى نفقتهم بالاحتفال بالألعاب وإحماء الحمامات وتبليط الشوارع وإنشاء الجسور والمجاري والملاعب. قاموا بكل ذلك مدة قرنين وبذلوا عن سعة في إقامة المصانع المنبثة في أرض المملكة وألوف من الكتابات المزبورة عَلَى الأحجار شاهدة بذلك ابد الدهر.
كان بين جبال البيرنيه ونهر الرين نحو مئة وعشرين مدائن ولم تكن كور ساذجة عَلَى نحو ما يوهمه نظام المجالس البلدية فيها بل إنه كان لمعظمها أرض مساوية لولاية أوابرشيه وهكذا كنت تجد بين نهري اللوار والسوم مدن سانس وسوسوان وأورليان وكانت باريز ونويون وساتليس وبوفي ولاون وسوسوان وامين فقط حواضر مدن وكانت المدن في إقليم البروفانس حيث نزل الرومان منذ عهد متطاول أكثر ازدحاماً وكنت ترى في إقليمي فوكلوس ودروم فقط مدن أفينون وكاربتراس واورانج وكافليون وفيزون وسان بونس ودي وفالانس. وفي ذاك الصقع حفظت أجمل المصانع ففي مدينة ليم ترى الملاعب والمعبد المسمى البيت المربع والقناة المسماة جسر الحرس ومفي مدينة آرلس الملاعب وفي مدينة أورانج المسرح وقوس النصر ولكن جميع المدن كان لها مصانع من هذا النوع. وقد عثروا في باريز أصغر مدن الغاليين عَلَى حمامات حارة وحمامات معدنية بالقرب من نزل كلوني وعَلَى ملاعب في شارع مونج. وما من متحف إلا وترى فيه محفوظاً إلى اليوم بعض بقايا المعابد والمجاري والفسيفساء أو قبوراص رومانية.
أسباب الغارة
الجرمان - كان يسكن وراء نهري الرين والدانوب (الطونة) في البلاد التي تتألف منها اليوم ألمانيا شعوب غير ممدنة كان الرومان يدعونهم الجرمانيين وكانوا كالهنود والفرس والرومان واليونان شعوب من عنصر آري نزحت في القديم من قارة آسيا وهم شعوب من الرعاة أصبحوا حراثين وشعوباً محاربين وكانوا ينقسمون إلى عدة قبائل (نحو أربعين) تحكم كل واحدة نفسها منفصلة عن الأخرى وكثيراً ما كانوا يناوشون بعضهم بعضاً الحرب.
وكان معظم المقاتلين من الجرمانيين لا يعتبرون إلا الحرب ويقول تاسيت أنهم كانوا كلما انقطعت شأفة الحروب من بينهم يقضون أوقاتهم في الصيد ويتخلون عن كل عمل إلا النوم
стр. 4933
والأكل. وكان أشجعهم وأشدهم شدة في القتال لا يتعاطون عملاً يتركون العناية ببيوتهم وحقولهم للنساء والشيوخ والضعفاء وهم يعيشون كالمخدرين. وكان في كل شعب كثير من الناس جعلوا الحرب والغارة صناعتهم فيجتمعون حول محارب شريف أو مشهور ويحلفوا بأن يخلصوا له الخدمة وعَلَى هذه الصورة تتألف عصابة من الصحاب مخلصة لزعيم يعيشون في داره ويأكلون عَلَى مائدته يحفون به أيام الحرب ويفادون بأرواحهم في سبيل الدفاع عنه. وكانت تشتد حاجة هاته العصابة إلى الحرب فالرفاق ليتسلوا عن هذه الحياة المقصورة عَلَى الأكل والبطالة والرئيس ليقوم بأود رجاله. وعندما يسود السلام في الشعب تنصرف عصابات المحاربين تقاتل مع زعمائها في جيش أحد الشعوب أو يحاربون عَلَى حسابهم وكانت الإمبراطورية الرومانية تستميلهم للقيام بهذه العمال فبعضهم ينهالون عَلَى ولايات الحدود ينهبونها وآخرون يدخلون في خدمة الرومانيين يقاتلون المهاجمين من البرابرة وكثيراً ما يعودون مستمتعين برواتبهم أو غنائمهم ولكن لذت لكثير منهم عيشة التشرد فلا يكادون يرجعون إلى مساقط رؤوسهم. وقد أدى هذا النظام إلى فناء جميع القبائل النازلة في التخوم فلم تمض ثلاثة قرون إلا وقد زالت العصابات الرحالة ولم يبق حثالة من حثالات الشعوب حتى إذا جاء القرن الثالث ظهرت معاهدات تحت أسماء جديدة ليست أسماء شعوب وهي ثلاثة الألمان في الذراع الذي يتألف من نهر الرين والدانوب العَلَى والفرنك عَلَى المجرى الأسفل من نهر الرين والسكسون معَلَى طول بحر الشمال وكان لكل جماعة من تلك الجماعات الصغرى التي تكون منها تلك المعاهدات زعيم يسمى ملكاً ويحارب في العادة عَلَى نفقته.
إبذعرار السكان في الإمبراطورية الرومانية - جرى إذ ذاك في الإمبراطور الرومانية مثل ما جرى في جميع المجتمعات القديمة كإسبارطة ويونان وإيطاليا أي أنه قل عدد السكان واضمحل الأحرار وخلفهم العبيد ولم يكن لهذا الشعب من العبيد حظ من النمو بل كان إذ حدث كائن من الكوائن التي يكثر حدوثها في ذلك العهد من وباء وحرب وغارة يفنى زراع ذاك الصقع فتظل الأرض غير مأهولة ولم تلبث القرى عَلَى التدريج ولاسيما جهات التخوم أن فرغت من الرجال ولم يبق سكان إلا في المدن وأصبحت عدة أصقاع أشبه بالقفار منها بالأرياف.
стр. 4934
وبعد أن اجتازت بالبلاد جيوش المخربين العظمى في القرن الخامس (أمثال راداكليز وأتيلا) حدث في البلاد فراغ استحال عَلَى الإمبراطور أن يملؤه ففي بلاد الغال وإسبانيا وإيطاليا بل في بلاد الغرب أجمع بار شطر كبير من الأراضي لقلة اليد العاملة وأصبحت الولايات الواقعة عَلَى التخوم مقفرة ولم يبق في كل البلاد التي يسبقها نهر الدانوب من سويسرا إلى البلقان ولا مدينة رومانية واحدة واضمحل السكان حتى أنه منذ القرن الرابع لم يبق في جميع هذه البلاد إلا شعوب جرمانية أو سلافية وهكذا الحال في البلجيك ولم يجد الفرنك فيها غير القفر.
انحطاط الجيش الروماني - دعت هذه البلاد المقفرة الناس إلى سكناها فكان البرابرة يحاولون عَلَى الدوام أن يدخلوها وكان من السهل عَلَى الحكومة الرومانية أن تدفعهم عن البلاد كلما كان لها جيش في الجملة ولكن آلت الحال في قلة الجند كما صارت في قلة المال بحيث كان من الصعب أبداً تجنيد العدد اللازم فاعتاد السكان عيش الدعة ولم يعودوا يهتمون أن يفادوا أنفسهم في الجيش فاضطرت الحكومة أن تطلب جنوداً من كبار أرباب الأملاك وهؤلاء يسوقون بعض المزارعين (المستعمرين) في أراضيهم فيأخذونهم بالقوة من وراء سكتهم ومحراثهم فلا يكون منهم إلا جندي سيء النظام فقد أصبح المجندون في القرن الرابع من الضعف بحيث لا يستطيعون لبس الدرع واخذوا يعتاضون عن الخوذة بالقبعة.
ولذا كان القواد يؤثرون أن يستخدموا محاربين من البرابرة لنهم يقاتلون في ساحة الوغى مستميتين وكان في الإمبراطور منذ عهد طويل جنود من الجرمان في خدمة الإمبراطور وفي آخر القرن الرابع اخذ الرومان يجندون عصابات برمتها يجعلونهم مع نسائهم وأولادهم في خدمتهم في أراض يعطونهم إياها ليأخذوا منها أرزاقهم وعلوفاتهم وهؤلاء المحاربون الذين نزلوا في البلاد الرومانية كانوا يحتفظون بلسانهم وعاداتهم وأصول حروبهم وزعمائهم ولكنهم يحاربون في الجيش الروماني ويدعونهم الأجراء أو المحالفين وجاء القرن الخامس فلم يكن منهم عصابات فقط بل شعوب يرأسها الويز غوت والبورغوندا فاجتازوا الحدود بالقوة أحياناً فبدلاً من أن يقاتلوا الإمبراطور آثروا أن يكونوا في خدمته. فتألفت إذ ذاك جيوش رومانية من شعوب بربرية يقودها قواد منهم فقد رأينا الجيش الروماني الذي رد غارات أتيلا سنة ٤٥١ مؤالفاً من ألويزغوت والفرنك
стр. 4935
والبورغوند وأتيوس القائد الروماني هو في الأصل كأتيلا نفسه.
أخلاق الغارة - كان في الإمبراطورية الرومانية أراض كثيرة وجند قليل وإذ كان البرابرة كلهم رجال حرب ويريدون أن يتملكوا أراضٍ اخذوا يتملكون تارة بالقوة والعداء وأخرى مقابل خدمة وفي صورة محالفين ودخول البرابرة إلى الإمبراطورية هو الذي نسميه غارة البرابرة (ويطلق الألمان عليه هجرة الشعوب) وهذه الغارة لم تحدث دفعة واحدة بل وصل الجرمانيون عصابة إثر عصابة وتاريخ العصابة الأولى سنة ٣٧٦ والعصابة الخيرة وقعت سنة ٥٦٨ فدامت الحركة إذاً في الغرب زهاء قرنين وظلت من جهة الشرق خلال القرون الوسطى كلها فلم يكن بذلك حرب ولا فتح ولم يؤلف الجرمانيون فيلقاً بل كانوا عَلَى العكس يثيرون السكان بعضهم عَلَى بعض بحيث استحقوا إعجاب كتبة الرومان بعملهم. قال بول اوروز إننا نرى كل يوم أمة من هذه الأمم البربرية تبيد أمة أخرى ولقد شاهدنا جيشين من الغوت يفني أحدهما الآخر ولكن هذه الشعوب تتقاتل لتموت وتهلك. والظاهر أن الجرمانيين لم يمقتوا الرومانيين بل كانوا يحاربون من أجلهم عن رضى دافعين غارات غيرهم من الجرمانيين أيضاً ولم يكن لهم مأرب في القضاء عَلَى الإمبراطورية بل كانوا يؤثرون أن يكونوا في خدمتها. قال أتولف أحد ملوك الغوت أنه كان يطمع أولاً في إبادة الاسم الروماني وأن يؤسس من طول الراضي الرومانية وعرضها إمبراطورية يدعونها الغوتية يكون شأنه فيها شأن القيصر أغسطس وإذ وقع في نفسه أن الغوت لا يعرفون النظام والترتيب ليخضعوا للقوانين عقد العزم أن يفادي بقوى الغوت لتوطيد سلطة الرومان وزيادة نفوذهم فكان يطمع أن يكون مصلح الإمبراطورية بدون أن يكون لهم منزع سياسي بل لمجرد أنهم كانوا يرجون أن تكون حالهم فيها أحسن من جرمانيا ولكن نشأت من نزولهم البلاد نتائج لم يتحدث بها أحد إذ ذاك.
البربرية - كان من أقرب النتائج أن تصبح الإمبراطورية إلى التوحش أقرب منها إلى المدنية فمضى زهاء قرن وعصابات مسلحة تطوف البلاد أنواع التطواف تحرق المدن وتخرب المصانع وتقتل الحراثين أو تسوقهم أمامها ولقد أبقى الوانداليون أخوف ذكرى حتى غدت لفظة وانداليسم تطلق للدلالة عَلَى التكالب في التخريب. وكان يقول الهونس وهم شعب من فرسان التتار أن العشب لا ينبت البتة في التربة التي وطأتها حوافر
стр. 4936
خيولهم. فقد خربت مدن كثيرة ولم تقم لها قائمة وبعضها تراجع عمرانه حتى غدا بمثابة دساكر حصينة فخربت دور التمثيل والحمامات والمدارس وجميع المصانع الرومانية شيئاً فشيئاً واتخذ السكان في كثير من المدن أحجارها ليبنوا به أسواراً وهلك أرباب الصناعات النفيسة فلم يبق سوى صناع قليل عددهم لا يستطيعون أن يبنوا إلا مباني ليس عليها مسحة من الذوق والجمال. واضمحل كل ما يقال له مشاهد ومدارس وأدب وغدا سكان الإمبراطورية يشبهون البربر. قال أحد القسيسين ممن كتبوا تاريخ ملوك الميرفيجيين والسف آخذ منه كل مأخذ: لقد هرم العالم وانثلمت فينا حاسة النكات البديعة فما من امرئ لعهدنا تحدث نفسه أن يبلغ مستوى خطباء الزمن الماضي.
شعوب جديدة - قضى البربر في أوربا عَلَى نظام الإمبراطورية الرومانية فجاءت سنة ٤٧٦ وليس في رومية إمبراطور وكل ملك من ملوك البربر سيد في الأرض التي نزلها قومه فانقسمت الإمبراطورية إلى عدة ممالك بربرية فنشأت في غاليا ممالك الفرنك والبورغوند وفي بريطانيا العظمى السبع ممالك من الإنكل والسكسون وفي إسبانيا مملكة ألويزغوت وفي أفريقية مملكة الواندال وفي إيطاليا مملكة الأوستروغوت ثم مملكة اللومبارديين وكثير من الممالك اضمحلت ودخلت في مملكة مجاورة ولكنه نشأت في كل أمة مستقلة عَلَى الأقل لها حكومتها وصناعتها وآدابها.
أخلاق جديدة - انتهت أيام المدنية القديمة بدخول الجرمانيين إلى الإمبراطورية وليس ذلك أن الجرمانيين حملوا مدنية جديدة كالرومان إلى غاليا ولا أنهم اتخذوا العادات القديمة كما اتخذ الفرس عادات آسيا بل إنهم أتوا ولهم عادات في الحياة والحومة تخالف ما ألفه الرومان فيما انخفض من بلاد الإمبراطورية.
فكزان أرباب الأملاك من الرومان يعيشون في المدن عزلاً من الأسلحة خاضعين لنظام الإمبراطور أما الجرمانيون فقد ظلوا يحملون أسلحتهم ونزلوا القرى وكان كل واحد في حلته جند من الخدمة المخلصين وكل امرئ سيد في أرضه لا يخضع البتة للحكومة وهم محتفظون بعاداتهم الجرمانية من عدم أداء الضرائب وبذلك قضوا عَلَى نظام بيت المال وعَلَى الاستبداد الإمبراطوري ومن هؤلاء المحاربين القرويين خرج فيما بعد الفرسان الأشراف.
стр. 4937
وكان أصحاب الملاك من الرومانيين يحرثون أراضيهم بواسطة جماعة من العبيد أما الجرمانيون فكانوا يعتمدون في استثمار أراضيهم عَلَى أناس من المستعمرين أي عَلَى مزارعين تناوبون حراثتها بالإرث. فلم يبطلوا العبودية من الإمبراطورية بل تركوا العبيد يصبحون بالتدريج خدمة ثم مزارعين يملكون الأرض التي يتوفرون عَلَى زراعتها.
وعليه لم يأت البربر بعقائد ولا باختراعات جديدة بل جاؤوا بدلت حالة أرباب أملاك الأراضي والفلاحين وغيرت جميع قواعد الحكومة. فغارة البربر حادث عظيم في تاريخ المدنية لأنه جدد المجتمع والحكومة في أوربا لكنه كما يحدث في التغييرات الكلية قضت الحال بمرور عدة قرون لإدراك نتائج ذاك التغيير.
كيف دان الجرمانيون بالنصرانية
الأرباب الجرمانيون - كان الجرمانيون كاليونان والرومان يعبدون أرباباً كثيرين يمثلونها في صورة بشرية فالأرباب الجرمانيون يؤلفون أسرة بأسرها وعندهم أن وتان والد الجميع ورب الحروب محارب أعور يتقلد رمحاً يخرق الهواء ولا يرى بل يركب عَلَى حصان أبيض وكان دونار أحد أبنائه ذا لحية حمراء وهو رب الرعد والعواصف ويسير في مركبة ويقذف المطرقة المخربة التي تعود إلى يده من تلقاء نفسها. وكان الرب تير أو ساكسنوت رب السيف والمغازي وفرير عَلَى العكس هو الرب الجميل المسالم اللطيف ينضج المزروعات ويشفي الأمراض وبالدير رب الحكمة والعدل والصلاح يتولى نصح سائر الأرباب. وهناك ربات مثل الربة مريغا امرأة الرب وتان وهي قاسية محترمة تترأس حفلات الزواج والربة فريا وهي فتاة بارعة الجمال لطيفة الشكل يسر مرآها الأرباب.
وكانت هذه الأسرة السماوية تسكن قاعة علوية اسمها ألوالهالا حوائطها ذهب وسقوفها فضة ويربط تلك العلية بالأرض التي يسكنها البشر جسر وهو قوس قزح الذي يجتاز عليه الأرباب ويجلس الرب وتان في هذه القاعة عَلَى منصة من ذهب يحف به من الأرباب ذكورهم وإناثهم أولوالكلور وهن مرسلات سماويات وبنات الحروب والغارات مسلحات بالتروس والرماح راكبات عَلَى خيول مطهمة قاصدات إلى ساحة الوغى يلتقطوا من قضوا فيها وهم يحاربون ويأتين بهن إلى قاعة ألوالهالا حيث ينالون مكافأة عن شجاعتهم وهناك يعيشون بالقرب من الأرباب في المآدب التي يأدبها الربات المعروفات باسم والكلور
стр. 4938
يسقينهم شراب العسل والجعة.
ونحو الشمال من أعماق الأرض جهنم مظلمة يكثر زمهريرها اسمها نيفلهيم أي مسكن الضباب وفيها ينزل رب الشر ويدعى لوكي مع ولديه فنريس الذب المفرتس وهولا ربة الموت التي يمثلونها بان نصفها أسود تأكل في صفحة الجوع ولا تترك ما تتناوله بتة. وإلى هذا المسكن الهائل يذهب المحاربون الأشرار الذين تساهلوا بأن تجرعوا كأس الحمام بسبب مرض أو شيخوخة. وغلب الرب وتان الرب لوكي وربطه إلى ثلاث صخرات ذات زوايا مع حية تقطر سمها عَلَى رأسه ولكنه يرجى له الخلاص ذات يوم ويأتي مع الجن والشياطين الشريرة عَلَى سفينة بنيت بأظافر الموتى يهاجم الأرباب الساكنين في أوالهالا وبذلك تسقط الشجرة الكبرى التي تمسك العالم من السقوط ويحترق قصر الوالهالا ويغلب الأرباب عَلَى أمرهم وهذا ما يسمونه عندهم شفق الأرباب ثم تتجلى أرض أحسن من تلك تخرج من البحر المحيط مع أرباب جدد.
العبادة - لم يكن للجرمانيين أصنام ولا شادوا لهم معابد لهم بل كانوا يعبدون أربابهم عَلَى الجبال أو في الغابات بالقرب من شجرة أو عين مقدسة وكان رأس كل أسرة يقيم باسمه الصلوات ويقدم القرابين ولم يكن عندهم كهنة جرمانيون في جرمانيا نفسها الماندرا حتى أن العصابات التي دخلت منهم إلى الإمبراطورية الرومانية لم تصحب معها أحداً منهم. ودين مبهم إلى هذا النحو لا يهتم أحد للدفاع عنه فلم يكن من شأنه أن يقاوم طويلاً ولذا كان الجرمانيون عندما داهموا الإمبراطورية ومستعدين لأن يدينوا بالنصرانية.
البرابرة الآريون - لما نزل برابرة الشمال الأرض الرومانية دانوا إلا قليلاً بالكثلكة بل بشيعة الآريوسية فد كان الوزيغوتيون في إسبانيا والسترغوتيون في إيطاليا والبورغونديون في غاليا والوانداليون في أفريقية بل واللومبارديون الذين أتوا في القرن السادس كلهم من المذهب الآريوسي. والظاهر أن الجرمانيين صعب عليهم أن يقبلوا بالرمز الذي جرى التواطؤ عليه في مجمع نيقية وربما كرهوا التصديق بان الابن مساوٍ للب. وكان رعاياهم الرومان أرثوذكسيين في مذهبهم وقد أدى هذا الاختلاف في الدين مدة تزيد عن قرون إلى حروب واضطهادات وكثيراً ما كان أحد ملوك البرابرة يأبى تعيين الأساقفة الأرثوذكس وقد بقي كرسي قرطاجنة خالياً مدة أربع وعشرين سنة لم يكتف جنزيك ملك الواندال بنفي
стр. 4939
الأساقفة بل رأى أن ينفذ عَلَى رعاياه الكاثوليك الأوامر التي كان طبقها الإمبراطرة عَلَى الملاحدة ومع هذا كتبت الكثرة للكثلكة عَلَى المذاهب النصرانية الأخرى ودان بها بالتدريج الملوك الآريوسيون وتمذهب بها شعوبهم فانتحل البورغونديون هذا المذهب في أوائل القرن السادس وانتحله ألوزيغوتيون الإسبانيون في سنة ٥٨٩ واللومبارديون في أواسط القرن السابع أما سائر الممالك فقد خربتها جيوش الإمبراطور يوستنيانوس.
انتحال الفرنك (الإفرنج أو الفرنك أو الإفرنسيس) للنصرانية - بقي الفرنك الذين نزلوا غاليا من الشمال عَلَى وثنيتهم. وقد فضل الأساقفة الأرثوذكسيون هؤلاء الوثنيين الذين كانوا يؤملون تنصيرهم بدلاً من البرابرة المسيحيين الذين ظلوا عَلَى أريوسيتهم ورضي أحد زعماء العصابات الفرنكية واسمه كلوفيس أن يتعمد عَلَى يد أسقف ريمس القديس ريمي فحذا حذوه ثلاثة آلاف رجل ولم يلبث زعيم العصبة هذا وقد عضده رجال الكهنوت الكاثوليكي أن أصبح وحده ملك غاليا كلها ومنذ ذلك العهد أصبح جميع ملوك الفرنك من نسل كلوفيس مسيحيين وعضدوا الكنيسة الأرثوذكسية وكان ذلك من جملة الأسباب في نجاحهم أما أمة الفرنك فقد أبطات في انتحالها هذا الدين فظل كثير من المحاربين زمناً طويلاً نعَلَى وثنيتهم ومنهم من كان من حاشية الملك. وفي أواسط القرن السادس صادفت الملكة رادغوند وهي مسيحية غيورة عَلَى الطرق العامة جنائز وثنية فأمرت المحاربين من أهل موكبها أن يأتوا عليها فقام الفرنك بسيوفهم وعصيهم. ومضى زهاء قرنين أي من القرن السادس إلى السابع حتى غدا الفرنك كلهم مسيحيين.
قاعدة القديس بنوا - أنشئت في إيطاليا وإسبانيا وغاليا أخويات قسيسين ولكت العيشة التي يعيشونها في هذه الديار من بلاد الغرب لم تشبه عيشة النساك في ثيبة وفي أواخر القرن الخامس انقطع أحد أشراف الإيطاليين واسمه بنوا (٤٨٠ - ٥٤٣) إلى جبل كاسين في بلاد نابولي وذلك بعد أن عاش بضع سنين متنسكاً في غار وسط الصخور وكان ثمة معبد وغابة عَلَى اسم أبولون فنصر بنوا فلاحي ذاك الجوار وأمرهم بأن يخربوا ذاك المعبد وأقام بدلاً منه كنيستين وديراً عظيماً وغدا بنوا رئيس أخوية كبرى وانشأ نظاماً طويلاً لقسيسه قاضياً عليهم أن يتخلوا عن الدنيا وعن الأسرة والملك وأن لا يملكوا شيئاً لأنفسهم حتى ولو الصفائح (السفورات) والمناقش التي يكتبون بها وأن يلبسوا كساءً من الصوف الخشن أو
стр. 4940
مسوحاً ذات قبعات (أسكيم) كان يلبسها الفلاحون وأن يخضعوا بدون تردد كل ما يصدر عن الرئيس من الأوامر قال القديس بنوا في المدخل: اسمعوا أيها الأبناء أوامر الرب ولا تخافوا من الائتمار بأمر أب صالح والعمل به وذلك حتى يقودكم الخضوع التام إلى ما أبعدكم عنه العقوق والكسل. وقد سمى الدير مدرسة العبودية الإلهية وفي ذلك لم يأت القديس بنوا شيئاً سوى الجري عَلَى مثال رهبان المشرق ولكنه يختلف عنهم في كيفية استعمال الوقت فبدلاً من التأمل وأعمال النسك أمر بالعمل قائلاً أن الكسل عدو الروح وعَلَى الجملة فإن حياة الراهب داخلة تحت القاعدة ساعة فساعة فعليه أن يعمل كل يوم بيديه سبع ساعات ويقرأ ساعتين وينقسم اليوم إلى سبعة قداديس يبدأ الأول منها في الساعة الثانية ليلاً. وإذا أراد رجل أن يدخل في هذه الطائفة يدخل فيها عَلَى سبيل التجربة مبتدئاً وبعد شهرين تتلى عَلَى مسامعه قاعدة: هذا هو القانون الذي يجب عليك أن تقاتل تحت لوائه فإن كنت في مكنة من الاحتفاظ به فادخل وغلا فأنت حر أن تذهب من هنا بسلام. وبعد سنة يوقع عَلَى عهد يضعه عَلَى المذبح بحضور جميع القسيسين ثم يركع أمام كل واحد منهم عَلَى حدته ومنذ ذاك اليوم يوقن بأنه لم يعد يملك شيئاً حتى ولا جسمه. ولم تلبث أن أصبحت قاعدة القديس بنوا قاعدة عامة عَلَى رهبان الغرب اتخذتها جميع الأديار القديمة وعليها أنشئت جميع الأديار الجديدة وأصبح بعد حين عامة رهبان الغرب من البندكتيين.
الرهبان البندكتيون - عاد قسم من بلاد غاليا وإيطاليا في القرن السادس فأصبح خراباً يباباً وغشت الغابات العظيمة البلاد فدخل الرهبان الذين يحبون العزلة تلك القفار وبين العوسج والشوك يقيمون لهم معبداً وبعض الأكواخ ثم يأخذون بإحياء موات الأراضي المجاورة وكثيراً ما يعطيهم أحد الملوك أو الكونتية أو أرباب الأملاك بقعة واسعة (إذ كانت قيمة الأرض رخيصة إذ ذاك) فيؤسسون ديراً جديداً. ولقد كان الرهبان ينشئون الأهراء وفرناً ومطحنةً ومخبزاً ويحرثون الأرض ويصنعون الألبسة ويعملون حجار الطاحون والصناعات النفيسة وينسخون المخطوطات فكانت أديارهم حقولاً أنموذجية كما هي معمل وخزانة كتب ومدرسة وتتألف من العبيد والمزارعين في أصقاعهم قرية كبرى هكذا نشأت في فرنسا مئات من المدن حول الأديار وكثير من المدن سميت باسم القديس رئيس ديرها الأول (سان أويمر سان كلود رسيمرون) وأنشئت ألوف من الكنائس الخورنية عَلَى يد
следующие страницы →