← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إسلامية كبرى تصدر في هذا القطر منذ ست عشرة سنة - منتخبات سنة جريدته الأولى جمعها في كتاب وقع في زهاء خمسمائة صفحة وقد أتحفنا بنسخة منه فقرأنا فيه لباب تاريخ تلك السنة السياسي والإداري والعلمي وكل ما يتصرف على ذلك من الأوامر والمنشورات والحوادث المهمة الخاصة بمصر والسودان والدولة العلية فجاء سفراً حافلاً بما يلذ ويفيد نرجو له التوفيق إلى إنجاز سائر السنين في أقرب وقت فإن في بعض الصحف اليومية من الأبحاث التي تقع لها في الغالب ما يجدر بأربابها أن يحرصوا على تخليدها لتنقل خلفاً عن سلف وتكون في القماطر يرجع إليها عند اللزوم. وحبذا لو جرى على مثال صاحب المؤيد الأغر غيره من أرباب الجرائد اليومية ممن يكتبون اليوم ويفقد ما تعبوا بإنشائه غداً. وهذه المنتخبات جيدة الطبع وثمن الجزء عشرون قرشاً مصرياً فنحض كل محب للاطلاع على اقتناء نسخة منها. روح التسامح من القرآن هو كتاب وضعه بالفرنسية حضرات الأفاضل قيصر أفندي ابن العطار والهادي أفندي السبعي وصديقنا السيد عبد العزيز الثعالبي التونسي ترجموا فيه الآيات والأحاديث النبوية الآمرة بالتسامح واحترام المخالفين وأفاضوا في حرية الاعتقاد في الإسلام ورفع شأن المرأة وبينوا فيه أن الإسلام دين عام لا خاص جاء للعرب فقط وأنه يأمر بتعليم الرجل كما يأمر بتعليم المرأة ويقضي باحترام كل صالح من أي نخلة كان وبينوا فيه ما كان من شأن الإسلام في خدمة الحضارة والمدنية ونعوا على المسلمين إغفالهم أصول دينهم والتمسك بخرافات وأضاليل من مثل تقديس الأئمة ومشايخ الطرق وغير ذلك وهو كتاب إصلاحي مفيد قدموه إلى المسيو فالي أحد أعضاء مجلس الشيوخ في فرنسا وناظر حقانيتها سابقاً فشكرهم على غيرتهم ونشاطهم. والكتاب طبع في باريس أحسن طبع ويطلب من مؤلفيه في تونس. امالي الزجاجي لبعض العلماء في القديم طريقة كانوا يملون فيها مسائل من علمهم يسمونها الامالي وممن اشتهروا بذلك ابن الشجري إمام الأدب والشعر وأيام العرب ألف اماليه فكان أحسن كتبه ومنهم أبو العباس ثعلب النحوي له امالٍ ولأبي علي القالي كتاب في الامالي عرف به

стр. 492

ولأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري امالٍ ولأبي القاسم الزجاجي النحوي المتوفى سنة ٣٣٧هـ امالٍ أيضاً وقد طبعت هذه الأيام امالي الزجاجي بمصر وشرحها الفاضل الأديب الشيخ أحمد ابن الأمين الشنقيطي فجاءت في نحو ١٤٠ صفحة جيدة الورق والطبع فنثني على طابعيها الألباء أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي الكتبي وأخيه وهي تطلب من مكتبة أمين أفندي المومأ إليه بالحلوجي وفيها فوائد لغوية وأدبية وتاريخية لا يستغني عنها متعاطي هذه الصناعة فنشكرهم على هذه التحفة. سقوط نابليون الثالث قلما ينشر بيننا من الروايات المفيد التصحيح الأسلوب والتراكيب النابي عن طور الخلاعة والرقاعة ولكن رواية سقوط نابليون التاريخية الاجتماعية الأدبية الغرامية العصرية جاءت وافية ببعض الغرض فهي بلا مراء من أحسن ما عرب لنا. ألفها الكاتب الفرنسي اميل جابوريو وعربها الشاعر الكاتب المجيد نقولا أفندي رزق الله ولم يقع المعرب في مثل ما وقع فيه غيره من كتاب الروايات من التراكيب الإفرنجية والألفاظ المبتذلة العامية والتراكيب الركيكة بل أنها على طولها نسق واحد في جودة عبارتها وتعبيرها مع انطباقها على الأصل في الغالب بحيث جاءت في ثلاث مجلدات تقرب من ألف صفحة. ويقيننا أنه لو رجع المعرب الفاضل على ما كتب لحذف بعض ما جاء على رأس قلمه عفواً من التجاوزات وبعض الألفاظ التي لا يكاد يسلم منها كاتب عربي في هذا العصر على أن ما كتبه غاية ما يمكن لكتاب الروايات أن يجيدوا فيه الآن فنثني على همته وأدبه كما نثني على طابعها الأديب عزتلو خليل بك صادق صاحب مجلة مسامرات الشعب وصاحب مكتبة الشعب ومطبعتها بمصر وهي تطلب من مكتبته وثمنها ثلاثون قرشاً صحيحاً. ديوان الرافعي صدر الجزء الثالث من هذا الديوان لناظمه الفاضل الأديب مصطفى أفندي صادق الرافعي وهو تمام ديوانه وقد صدره بباب التهذيب فالحكمة فالنسائيات فالوصف فالغزل والنسيب فالمديح والتقريظ فالأغراض والمقاطيع فالمراثي ويدخل في كل باب ضروب من الحكمة والدب تدخل السرور على قلب الكئيب وتحمل النور إلى عقل الأديب الأريب من ذلك قوله:

стр. 493

قومي (ولا فخر) على حالة ... لا يعرف الإنسان إنسانا فكلهم مأربه واحدٌ ... فيما أرى شيباً وشبانا (وظيفة) تكتب تحت اسمه ... أو (رتبة) تذكر عنوانا وقال في الطبيعة والناس ضلت الناس لا الفقير ممنى ... بثراءٍ ولا الغني يبالي خفض الدهر ثم أعلى فأمسى ... بعضهم سادة وبعض موالي أخوة كالغصون ينبتها الجذ ... ع قصار تكون تحت طوال أيهذي النفوس ملت عن الفط ... رة حتى بليت بالإذلال الثرى ينبت الحبوب جزافاً ... والورى يقسمون بالمكيال والشاعر على ما يعرفه القراء مطبوع في شعره مجيد في نثره فله منا الشكر على همته ونشاطه وقد وقع هذا الجزء في ١٥٠ صفحة جيدة الطبع والورق وهو يطلب من المكتبة الأزهرية في السكة الجديدة وثمنه خمسة قروش وأجرة البريد قرش واحد فنحث المتأدبين على مقتناه. الرحلة الحجازية هو كتاب في ٢٢٨ صفحة من جمع الأديب الشيخ عبد الله القدومي فيه حوادث ومسائل علمية أثرت عن الشيخ عيسى القدومي النابلسي من علماء القرن الماضي وفيها مطالب دينية وبعضها مما لا يقره أهل التحقيق الراجعين إلى هدى الكتاب والسنة من أقوم طريق ممن ردوا مفتريات الحشوية وأهل التلفيق. وإنا إذا عذرنا المؤلف على ما وقع فيه لما عمت به البلوى من السخافات في عصره عصر التقهقر والجهالة فإنا لا نعذر الطابع اليوم وعصره عصر الارتقاء والعلم. روايتان جديدتان أهدانا الأديب إبراهيم أفندي فارس صاحب المكتبة الشرقية نسخة من رواية القبطان بول تعريب الأديب حبيب أفندي فهمي ونسخة من رواية حورية الفلك تعريب الأديبين توفيق أفندي حبيب وقسطنطين أفندي نوفل وهما تطلبان من مكتبته. مجلات جديدة

стр. 494

(الجامعة) هي المجلة التي اشتهرت بأبحاثها الأدبية والاجتماعية المعربة عن علماء الإفرنج وكتابهم وبعد أن صدرت أربع سنين في الثغر الإسكندري انتقلت منذ مدة إلى ثغر نيويورك فأصبحت تصدر هناك مرتين في الشهر وقد انتهت إلينا أعدادها الخمسة من سنتها الخامسة فألفيناها سارت سيرتها الماضية من التوسع في المطالب المشار إليها فنثني على منشئها الفاضل فرح أفندي أنطون ونحث الأدباء على مقتناها وقيمة الاشتراك بها ثلاثة ريالات في القطر المصري. (الحياة) هي المجلة الإسلامية العمرانية الفلسفية التي أصدرها الفاضل محمد فريد بك وجدي ثمانية عشر شهراً ثم انقطع عن إصدارها وقد بدا له هذه الآونة إعادتها فصدرت شهرية جاعلة مذهبها في الإصلاح مواجهة أنصار القديم وزعماء الجديد وطائفة المعتدلين والسعي في إحداث حركة فكرية بينهم في أبواب قسم عليها أبواب المجلة فنثني على نشاط منشئها الفاضل ونتمنى له التوفيق إلى ما يقصد إليه وقيمة اشتراك المجلة ٢٠ قرشاً في مصر وريال ونصف في البلاد العثمانية. (النبراس) مجلة علمية أدبية تاريخية فكاهية تصدر في كل شهر مرة لصاحبها الأديب أحمد أفندي شاكر وهي في ١٦ صفحة وقيمة اشتراكها ١٥ قرشاً أميرياً وخمسة فرنكات ونصف في الخارج فنتمنى لها الثبات والبقاء. (فتاة الشرق) صدر العدد الأول من هذه المجلة الأدبية التاريخية الروائية لصاحبتها الأديبة العقيلة لبيبة هاشم وهي مشهورة بإنشاء بعض الروايات والمقالات في الصحف سابقاً ولذلك يرجى أن تحسن الاضطلاع بأعباء هذا العمل ولا تتكل على أقلام الرجال في كتابة مجلة لربات الحجال وقيمة الاشتراك ٥٠ قرشاً في القطر و١٣ فرنكاً و٥٠ سنتيماً في الخارج. أهديت إلينا بعض كتب كبيرة لم نتمكن بعد من النظر فيها فمعذرة إلى مرسليها وموعدنا الأجزاء التالية.

стр. 495

سير العلم صحافة مصر يؤخذ من تقرير البريد المصري عن سنة ١٩٠٥ أنه يصدر في القطر المصري ٣٣ جريدة سياسية وتجارية عربية و٨ جرائد شرقية غير عربية و٥٣ إفرنجية وجريدتان عربيتان هزليتان وثلاث جرائد إفرنجية وعشرون مجلة أدبية وعلمية وصناعية عربية ومجلة واحدة شرقية ومجلتان إفرنجيتان و١١ مجلة عربية ومجلتان دينيتان عربيتان و٤ مجلات طبية عربية ومجلة واحدة نسائية إفرنجية ومجلة عربية ماسونية. فمجموع ما يصدر في القطر بين صحف ومجلات عربية وإفرنجية ١٤٦ منها ٦١ إفرنجية و٩ شرقية غير عربية و٧٦ عربية. تطهير الهواء هواء المدن في العادة فاسد مضر رديء فالأبخرة والغازات والغبار المتراكم والدخان والروائح القذرة العفنة التي تتكاثف في الجو بلا انقطاع تفسد المناخ ولاسيما إذا زاد سكان المدينة عن المليون يحيط بهم مليارات من الأمتار المكعبة من الهواء الذي تنمو فيه الجراثيم القتالة. وقد عرض طبيبان من أطباء غلوستر في مقاطعة الماساشوست في أميركا الشمالية طريقة ادعيا أنهما وفقا إليها وأنها تطهر الأهوية وذلك بأن تقام مئات من الآلات المفرغات تنقي كل منها عشرة آلاف متر مكعب من الهواء كل دقيقة. واقترحا أن تجرب طريقتهما تحت القبة الأرضية من السكة الحديدية الجديدة التي أنشئت منذ بضعة أشهر تحت مدينة نيويورك. ويكلف إقامة مائة آلة مفرغة مليون جنيه فتتجمع المواد الحيوانية والنباتية والمعدنية المعلقة في الفضاء بعد إجراء التطهير في حفر ذات بواليع (مجارير) فيستخدم ما يجمع في بعض الأعمال الزراعية والصناعية فيكون من ذلك أرباح توفي النفقات وتزيد. نفق المانش أقيم منذ أشهر نفق (تونيل) بين إيطاليا وسويسرا واليوم يراد إقامة نفق ثان تحت بحر المانش بين إنكلترا وفرنسا ويكون طول هذا النفق ثلاثين ميلاً أو ثمانية وأربعين كيلومتراً على عمق ٤٥ متراً عن قاع البحر فتستفيد الأمتان من اتصال بلادهما مباشرة بدون ركوب

стр. 496

اليم ويصبح ثغر دوفر أعظم الثغور فينافس ثغر همبورغ وانفرس وتتصل لندن بباريس ومجريط مدريد ولشبونة وبروسل وفينا ورومية والأستانة وأثينا وبطرسبرج. القهوة (البن) الخالصة تصعب معرفة جيد القهوة الناعمة من رديئها وقد نشر مكتب الزراعة في الولايات المتحدة كراسة لإحاطة القوم علماً بالقهوة الرديئة جاء فيها إذا كانت القهوة المسحوقة ذات شكل واحد تفحص بالعين المجردة أو بالعدسية وإذا لم تكن على شكل واحد فتكون القهوة مخلوطة بفول أو حمص أو هندباء أو غيرها من المواد وللوقوف على سلامة القهوة ضع قليلاً من مسحوقها في زجاجة مليء نصفها ماءً وحركها حتى يبتل كل جزءٍ من أجوائها فيكون في القهوة الخالصة بعض مادة زيتية وبها تطفو على وجه الماء أما ما كان من غير مادة البن فيرسب في أسفل الزجاجة. أما الهندباء فتترك عندما تذاب في الماء أثراً مائلاً إلى السمرة تخدع النظر. الفقراء والأغنياء ارتأى بعض الأمريكيين أن اختلاف كثير من فتيان الأغنياء إلى المدارس الكلية يجلب على فكر الشبيبة ضرراً وخطراً. وقد وافق رئيس كلية يال على هذا التغيير ومن رأيه أن معايب الطلبة الأغنياء كمعايب الطلبة الفقراء ولكلا الفريقين صفات يمتاز بها وفي العادة أن يكون الفقراء أصحاب أنانية وأن يكون الأغنياء ضعافاً في الغالب قال وليس الفقر منقذاً من الأهواء والنزغات. اللغة الجديدة قيل لما رأى تيمورلنك التتري في القرن الثامن لهجرة جيشه مزيجاً من أجناس مختلفة ذات السنة متبلبلة أوعز إلى بعض خاصته بإنشاء لغة يتفاهمون بها على تباين لهجاتهم فأنشؤوا لغة اردو أي الجيش فانتشرت حتى أصبحت الآن لغة الهند الرسمية يتكلم فيها الهنود على اختلاف ولاياتهم ومناحيهم. وأن هذه اللغة الاردية أو الهندستانية كانت من جملة الأمور التي حملت في العهد الأخير أحد أهل العلم في روسيا فأنشأ لغة سماها الاسبرانتو ألفها من لغات أوربا وسهل مفرداتها وتراكيبها ونحوها وبيانها حتى شاعت في مدة قصيرة بين الإفرنج على تنوع لغاتهم وأخذت تصدر فيها الكتب والصحف ويتعرف بها الإيطالي إلى

стр. 497

الروسي والألماني إلى الإسباني والصربي إلى الإنكليزي والبلغاري إلى الفرنسي. وقام في أذهان العلماء أن يسعوا لجعل هذه اللغة لغة دولية كما كانت الفرنسية من قبل فأخذت بعض الجمعيات الساعية في نشر ألوية السلام بين الأنام تبذل الجهد لتكون هذه اللغة التي ألفها البشر عمدة لكل المتمدنين وإنقاذهم من عناء تعلم لغات جمة ليتآلفوا مع بقية الأمم. ويؤخذ من لهجة الصحف الغربية أن عدد المتكلمين بهذه اللغة يزيد كل يوم مئات وأن مجموعهم أربى على مئات الألوف. فلز جديد يتألف هذا الفلز (برونز) اللدن السهل التطريق من النحاس المعروف والقصدير وغيرهما من المعادن الصلبة دعاه مخترعه فورميتال (المعدن القوي) وأنه للينه الخاص به ليصنع كما يصنع الحديد والفولاذ والنحاس فيتأتى سبكه صفائح متجانسة ويصنع على نحو ما تصنع هذه المعادن فيدق محمىً وبارداً ويطرق ويصفح ويطبع ويحدب ويجعل أسلاكاً وقطعاً. وهذا المعدن لا يصدأ ويقاوم فعل ماء البحر فلا يتآكل كما يتآكل الحديد وغيره ويصبر على رطوبة الأرض والحوامض المحلولة. وكل هذا مزايا خاصة به يفضل بها الحديد والفولاذ وليس هو أغلى قيمة من أجود أنواع النحاس ويستعمل للمضخات والاسطوانات المائية والكراسي الميكانيكية واللوالب التي تقذف المواد المدمرة وعدادات توزيع المياه والدواليب المسننة وغيرها. المشي على الماء اخترع ضابط في أميركا قبقاباً إذا وضع الإنسان فيه رجله يسير به على سطح الماء فيعوم ولا يغرق وسمى هذا القبقاب أيضاً زورق الرجل أو حذاء الماء وهو من خشب على شكل زورق صغير تدخل فيه الرجل بسهولة وينحني اللابس إلى الأمام على نحو ما يفعل من يريد التزحلق على الجليد ثم يحرك الرجل اليسرى فيسير الماشي على النحو الذي يسير به الهندي من السهولة إذا ركب زورقه المعمول من القش. وليس هذا الحذاء ثقيلاً وقد كانت الأحذية التي جرب بها الضابط اختراعه بادئ بدء طويلة ثم صغر مقياسها فأصبح الماشي يلبسها ويسير بالسرعة التي يتطلبها ويتجه به حيثما شاء. ويحتاج لبس القبقاب المائي إلى قليل من المعرفة ليتوازن جسمه معها ومتى تعلمها يسير بها كما يسير راكب الدراجة

стр. 498

(بسيكلت) ومتى مشى هذه المشية ثلاث مرات يمهر فيها مهارة تبعده عن الخطر. وإذا حدث أن سير القبقاب انكسر فلا يغرق لابسه لأن القبقاب المائي يستعمل عند الحاجة كما تستعمل الأطواف (الكلخات المشدودة) وهذا السير يكون على وجه الترع والأنهار لا في تيار البحار. قالت المجلة الإفرنجية التي نقلت عنها هذا النبأ ولقد كان بعضهم حاول اختراع شيء يماثل هذا الحذاء الغريب في القرن الماضي وجربه في نهر السين في باريس فلم يفلح أما اختراع الضابط الأميركي اليوم فواف بالغرض المقصود. قلنا وقريباً نرى السائرين على سطح الماء يعبرون النيل والفرات ودجلة وبردى والأعوج والعاصي ونهر إبراهيم ونهر أبي علي وسيحان وجيحان وغيرها من الأنهار والترع ويصدق ما كان يزعمه بعضهم من أنهم كانوا يمشون على الماء ولكن دعواهم كانت بلا علم ولم يقم برهان واحد على صحتها تقبله العقول السلمية ودعوى المخترع الجديد يدعمها العلم والبرهان. الري الشائع أن الأراضي التي تروى على نظام واحد تأتي ثلاثة أضعاف الغلات والثمرات التي تأتي من أرض من مثلها بالتعهد بالسقيا وقد بحث عالمان من علماء الفلاحة من الإفرنج في هذا الأمر فأثبتا أن عدة أسباب تدعو إلى عدم كفاية الري وأن حاجة الأرض إلى الماء ليست على معدل واحد في كل مكان على أنك تجد أكثر الفلاحين في معظم الأقطار يسقون زروعهم على طريقة واحدة وبكمية واحدة ويشحون بالماء على الأرض التي تتطلب مزيد ري على حين كان عليهم أن ينظروا في كل أرض إلى حالة رشحها ويعطوها من الماء ما تقتضيه طبيعتها. وذلك بأن لا تسقى التربة القليلة الرشح سوى كميات كثيرة فيكون ما ينفق على الري متعادلاً مع الغلات التي تأتي منها. ويعنى هذا العالمان بوضع رسم على ما يقتضي لكل أرض صرفه من الماء يتوازى مع غلاتها وعلى حسب طبيعة كل تربة. مستقبل الشمس قال كثيرون من علماء الفلك أن الشمس آخذة بالهبوط وأنها ستظلم بعد أن كانت ضياء العالمين وتوشك أن تنطفئ شعلتها وتبطل حرارتها. وقد أثبت اللورد كيفن ونوكمب وبل من رجال هذا الفن أنه سيكون لعمل الشمس حداً وأنه انقضى زهاء نصف عمرها ولم يبق لها إلا أقله. وخالفهم الأستاذ سي من المرصد البحري في كاليفورنيا بأميركا قائلاً أن

стр. 499

الشمس لم تبلغ حتى الآن سوى ربع عمرها وأن المستقبل كفيل بما سيكون من حالها بعد بانياً حكمه هذا على أعمال رياضية قام بها قيام الأبطال وصبر حتى تناول النتيجة صبر المتخاصمين يوم النزال فبان له أن ما مضى من ملايين السنين على ما ارتآه داروين في النظام الشمسي هو من الاستقراء الناقص في حالتها لأن الجاذبية هي التي تشعل في الشمس وأن حظ معظم السيارات الثابتة كحظ الشمس أي أنه مازال فيها نصف حرارتها وزيادة. وقد اهتم بعض أرباب هذا الشأن باستقراء الأستاذ سي وأخذوا يبحثون في أمره وعلى كل فإن كلامه يبعث على الاطمئنان من ناحية الشمس وأنها ستبقى أيضاً بضعة ملايين من السنين. مركبات القطارات كل من ركب القطارات يعلم ما ينالها من الغبار خصوصاً عندما تصل إلى آخر الخط بعد أن تسير ساعات متواليات وأن السكك الحديدية تستعمل في الغالب المكانس لإزالة الأوساخ التي تعلق في المركبات وقد استعملت بعض البلاد مؤخراً أداة ميكانيكية لكنها لم تأت بنتيجة نافعة لأن الغبار كان يزول عن ظاهر المقاعد ويعلق في الثنايا والطيات التي لا تصل إليها تلك الآلة وجربت الشركات الفرنسية منظفات متحركة ذات مضخات فارغة من المواد تدار بمحرك كهربائي وتنقلها عجلات فأسفرت عن نتيجة حسنة وسرعة مطلوبة. وجربت بعض الخطوط الألمانية هذا الاختراع في ضاحية برلين فظهر لها نفعه. الطماطم البندورة كان يحظر على المصابين بداء المفاصل وآلام العضلات أن يتناولوا الطماطم لما فيها من حامض ملح الحماض الذي يزيد في ألم المصابين بهذين الداءين وقد أقام العالم الفرنسي ارمند غوتيه الحجة على هذا الخطر إذ استبان له أن في الطماطم كمية وافرة من الحامض الليموني وحامض الماليك مما يصفه الأطباء للمصابين بآلام العضلات. كتاب فرنسا قدرت إحدى المجلات أن لفرنسا في هذا القرن مائة ألف كاتب أو دعي في الكتابة منهم ٦٤. ٧٥٠ لا صفة لهم أي ليس لهم حسنات ولا سيئات و٣١. ١٠٠ كاتب هم وما تخطه أناملهم سخرية وهزوءٌ و١٣٥ رجلاً يكتبون أموراً مهمة بإنشاء وسط و٢٨ هم كتاب

стр. 500

حقيقيون مما دل على أن المجيدين قلائل في كل أمة. الصنائع العربية قال أحد الباحثين في المجلة التونسية أن جودة الصناعة العربية تتمثل لك في التحف منها وفي المصنوعات العادية وأن العرب أخذوا عن الروم والفرس أولاً كيفية إقامة دورهم وأن صناعة تطريق المعادن ارتقت عندهم كما فاقوا غيرهم في صنع الفسيفساء ويقال أن الفينيقيين أخذوا صناعة الزجاج عن زجاجي العرب. مدرسة الكتاب في ميلان إحدى المدن الإيطالية مدرسة أسست سنة ١٨٨٨ على يد جمعيات الطباعة في تلك المدينة دعوها مدرسة الكتاب أي صنع الكتاب وما يتوقف عليه من طبع ووضع وقد كانت الحكومة الإيطالية تساعدها مسانهة بألف وخمسمائة فرنك وظلت حقيرة حتى سنة ١٩٠٠ وهي السنة التي وهبها بعضهم ملايين من الفرنكات وقفها عليها وقفاً شرعياً تنتفع تلك المدرسة بمغله مادامت الأرض والسماء. فعندها أقامت عمدة المدرسة لها بناءً فخيماً كلف ثلاثمائة ألف فرنك وجعلت فيها صفوفاً لتعليم تنضيد الحروف وصفها باليد وعلى الأداة وصفوفاً للطبع والتصحيح والقطع والحفر على الخشب وطبع الحجر والتذهيب والتنحيس وصفوفاً لدرس طريقة التصوير الميكانيكي والتجليد والرسم وتعلم اللغة الإيطالية وغيرها ومدرسة لتعليم المستخدمين في حوانيت الكتبية. ويتعلم التلاميذ في هذه المدرسة ما يروقهم من هذه الصناعات مجاناً لا يدفعون شيئاً. بحيرة زئبق اكتشفت في الجبال المجاورة لفراكروز في المكسيك بحيرة من الزئبق سطحها نحو ١٢٥ فداناً وعمقها خمسة أمتار ويساوي الزئبق الذي فيها عدة ملايين من الفرنكات وكانت هذه البحيرة معروفة عند أهل الجوار منذ أجيال ولكن يصعب الوصول إليها لما في طريقها من الصخور والتلعات حتى إذا فعلت الحوادث البركانية فعلها سهلت السبيل إليها وسيقام نفق في الجبل ليصل إليها الناس آمنين. هواء المدن والأرياف

стр. 501

ثبت لأحد الباحثين في هواء المدن العظمى أن ميزان الحرارة الترمومتر يعلو علواً متوسطاً في المحال التي تجتمع فيها البنايات بكثرة وقد أخذ معدل الحرارة في لندن وبرلين وباريس وقاسه بحرارة ضواحي تلك المدن فكانت في الغالب أنقص في الأرياف منها في المدن درجتين أو ثلاث درجات. وأكد الشيوخ من الإنكليز أن البرد في إنكلترا لا يقرس الآن كما كان يقرس منذ خمسين سنة وعلل ذلك أصحاب الشأن بأنه كان هناك مستنقعات جففت فانقطعت الرطوبة وكان الشتاء قديماً يبدأ في إنكلترا في شهر ديسمبر (كانون الأول) بل وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أما الآن فتصل إلى يناير (شباط) وقد خلصت من البرد. إذا عرفت هذا فإنه يسوغ لك أن تقول بأن هواء سيبيريا الجليدي سينقلب عما قريب. ومعلوم أن درجة الحرارة في فرخويانسك وهو أبرد مكان في الأرض من ولاية اياكوستك يبلغ معدل الحرارة فيه في الشتاء ٦١. ٩ تحت الصفر ثم أن لقطع الغابات دخلاً في تغيير الهواء فإن قطع الأشجار من الغابات التي لم تقطع منها من قبل شجرة قد أحدث في أميركا أسوأ التأثير في الزراعة التي كانت تلك الأشجار في الحقيقة بمثابة واق لها من بوائق الجو. قوى الأمم كتب أحدهم في المجلة الاستعمارية النيابية مقالاً جاء فيه أن ما يتنبأ به العالم من ظفر أمة على أمة يكون تخرصاً فلا يصدق فأل المتفائل ولا حدس الحادس من ذلك أن اليابان وكانت سنة ١٨٩٤ أربعين مليوناً قد دحرت جيش ابن السماء وكان عدد الصينيين إذ ذاك ٣٦٠ مليوناً وها أن جمهوريتي الأورانج والترانسفال ولم يكن فيهما أربعمائة ألف نسمة ولا جيش دائم قد تغلبا على الجيش الإنكليزي وقهرا إنكلترا ذات الحول والطول وضخامة الملك والسلطان وكان من اليابان أن غلبت الجيش الروسي وهو جيش القياصرة الجرار. قال الكاتب وإنا لنجهل مع هذا تقدير قوى الممالك الجندية على وجه التقريب وكل أمة لا تكون قوية بدون تنمية الشهامة الطبيعية وتعويد أفرادها النظام في العمل واقباسها قبس التهذيب والتعليم والتثقيف هيهات أن تعد من القوة في شيءٍ فقد كان لروسيا مورد عظيم للرجال ولكن كان ينقصها التمدن ويكفي أن العمل بين سكانها كان غير مكرم على الجملة وأن الأمة في روسيا لتضطر أن تنقطع عن العمل في السنة ١٣٥ يوماً في أعياد بطالة.

стр. 502

قانون الوراثة نشرت مجلة أميركا الشمالية بحثاً في كيفية انتقال الصفات والعيوب الطبيعية والعقلية بالوراثة من الآباء للأبناء ومن جيل إلى آخر ظهر منه كيف خلطت الوراثة بغيرها من المؤثرات الكسبية أو الناشئة من المولد والموطن فاستنتج الباحث بأن الأمراض الظاهرة أو الكسبية لا تنتقل أصلاً وأن الاستعداد للأمراض هو الذي ينتقل لا المرض نفسه. مثال ذلك السل فقد تبين اليوم أن المسلول لا تنتقل إليه من آبائه جراثيم العلة بل ينتقل إليه الاستعداد لهذا الداء ولولا ذلك ما تيسر الشفاء منه. واستنتج بأن عيوب التراكيب الظاهرة لا تنتقل في العادة وأنه من الممكن أن ينتقل الخلل الباثولوجي في الحواس الداخلية. وقع خطأ في ص٤٢٥ س٨ وأبي بكر بن زهير والصواب وأبا بكر وس ١٠ أبو القاسم والصواب أبا القاسم وفي ص٤٥٩ س٥ فما اجاني والصواب فما الجاني.

стр. 503

العدد ١٠ - بتاريخ: ١٧ - ١١ - ١٩٠٦

стр. 504

صدور المشارقة والمغاربة ياقوت الحموي ٥٥٤_٦٢٦هـ لا يستقر بأرض أو يسير إلى ... أخرى كشخص قريب عزمه نائي يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق ويو ... ماً بالعزيب ويوماً بالخليصاءِ وتارة ينتحي نجداً وآونة ... شعب الحزون وحيناً قصر تيماءِ هذا ما استشهد به ياقوت على تنقله في الرباع والبقاع وما كان تنقله سوى تنقل عاقل يرحل في اقتناص شوارد العلم ولقاء الرجال واستنفاض البلاد فهو أشبه بعالم غربي لهذا العهد يقطع المساوف ويركب البحار ويجوب القفار متنقلاً من قارة إلى قارة يدرس ويشاهد ويعتبر. ولكن شتان بين عالم اليوم وعالم الأمس. فالأول يقله البخار والكهرباء والثاني يركب الخيل والبغال والجمال. الأول يضرب في مناكب الأرض ووراءه دولة تحميه وأمة يعتز بها وجمعيات تنفق عليه وناس. . . . . . عمله قدره والثاني يخذله سلطانه وتسلمه أمته يعيش بكده ويعتمد في كل شأن على إرادته. وغايته من دنياه في عمله الشاق أن يخلص مما تنتج قريحته رأساً برأس غير متوقع خيراً من مستحسن ولا شراً من مستهجن. وبهذا ساغ لنا أن نقول أن السائح العالم في القرون الوسطى أعظم من السائح العالم في القرون الحديثة وأن الناظر في التاريخ ليستعظم أكثر ما يأثره من نور المعرفة للقدماء وقلما يستكثر ما يتم على أيدي طبقات المحدثين فما وفق إليه الجغرافي الفرنسي الشهير اليزه ركلو مثلاً في القرن التاسع عشر من التآليف والإجادة بعد صفاء الزمن وانتظام الحال لا يستعظم كما يستعظم صنيع ياقوت الحموي الجغرافي العربي في القرون الوسطى. نشأ ياقوت أسيراً ذليلاً أسر من الروم فقيل له الرومي وبيع في بغداد فاشتراه تاجر يعرف بعسكر الحموي وإليه نسب فقيل له ياقوت الحموي ولما صار ملكه جعله في الكتاب ليتعلم ما يستفيد هو منه في ضبط متاجره (تجائره) وكان مولاه أقرب إلى الأمية لا معرفة له بغير الكسب. ويؤخذ مما قاله صاحب وفيات الأعيان أن ياقوتاً قرأ شيئاً من النحو واللغة وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه وذلك في سنة ست وتسعين

стр. 505

وخمسمائة فاشتغل بالنسخ بالأجرة وحصل بالمطالعة فوائد ثم أن مولاه ألوى عليه وأعطاه شيئاً وسفره إلى كيش ولما عاد كان مولاه قد مات فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً. وبهذا سهل على ياقوت أن يطوف الشام والعراق والجزيرة وخراسان واستوطن مرو ثم دخل خوارزم وغيرها ولقي من الشدائد والمصائب ما يلقاه في العادة أرباب الأفكار. منها أنه ذاكر يوماً أحدهم في بعض أسواق دمشق وذكر له رأيه في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكان منحرفاً عنه بما علق في ذهنه من مطالعة كتب الخوارج فثار الناس عليه وكادوا يقتلونه وبلغ أمره الوالي فطلبه فلم ير بداً من الفرار ولسان حاله ينشد قول الوزير ابن زيدون وقد فرَّ من قرطبة فررت فإن قالوا الفرار أرابه ... فقد فرَّ موسى حين همّ به القبط غادر دمشق سنة ٦١٣ كما غادر خوارزم يوم أتاها التتر لا سبد له ولا لبد متخلياً عن كل ما ملكت يمينه. خرج من بلد ذكر فيه رأيه وربما كان إيراده له بالاعتدال لأنا لم نر ما قاله هو أو بعض المنصفين في هذه الكائنة. فاعجب لأمة يلعن على منبرها الخليفة الرابع نحو ألف شهر من دون حرج ولا نكبر ويجيء بعد قرون من يذكره بالأدب من الوجهة التاريخية في تلك العاصمة نفسها فتقوم عليه القيامة فما أسرع تبدل الأخلاق والأحوال في القرون والأجيال. من النصب إلى التشيع ومنه إلى غيره من المنازع والنحل. كان الأدب والتاريخ وتقويم البلدان أو الجغرافيا هي العلوم الغالبة على ياقوت وفي الجغرافيا برّز وبذَّ لأنها تتوقف على كثرة الاطلاع والرحلة وهما كانا ديدنه ودينه وما ألفه من الكتب هو من أرقى ما جادت به القرائح في عصره وبعده وإن جاء عرضاً في بعضها ما يعده علماء العصر من قبيل الخرافات مثلاً فإنه كان من لوازم عصره. والعلم والمعتقدات في عهدنا لا تشبه العلم والمعتقدات في عهده. على أن ما صنفه لا يزال إلى اليوم معتمداً ومعدوداً من الأمهات الطيبات وكتابه الذي اشتهر به لعهدنا خصوصاً معجم البلدان كما أن له كتاب معجم الشعراء ومعجم الأدباء - وهذا يطبع الآن في مصر كما طبع معجم البلدان فيها ثانية - وله كتاب المشترك وضعاً والمختلف صقعاً وكتاب المبدأ والمآل

стр. 506

في التاريخ وإرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء وكتاب الدول ومجموع كلام أبي علي الفارسي وعنوان كتاب الأغاني والمقتضب في النسب وأخبار المتنبي وغيره. هذا هو الرجل الذي رباه عاميٌ من عامة التجار فبلغ بحدة ذهنه وتوفره على الدرس مبالغ الأعاظم الكبار وكانت حياته حياة جهد وعمل لاقى من الدهر الألاقي واضطهده قومه وحسده معاصروه إلا أنه عرف قدره في علمه على ما كان هناك من الصعوبة في معرفة الرجل في تلك القرون في حياته. قال ابن خلكان وكان الناس عقيب موته يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. وياقوت الرومي في ولوعه بالعلم والرحلة كمعاصره ابن سعيد المغربي ذاك كان في الشرق وهذا في الغرب فحيا الله زماناً ينبغ فيه أمثالهما.

стр. 507

العلم الصحيح نشرتها بجريدة الظاهر أولاً قالوا العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان أو دنيوي وديني فالدنيوي علم ما فيه صلاح المعاش وحفظ النظام في عالم الكون والفساد والديني كل ما له مساس بالمعاد وتهذيب النفس والابتعاد عن المنكرات في هذه الفانية للظفر بالباقيات الصالحات في تلك الدار الباقية. كان العلم الديني لأول أمره موجزاً مندمجاً لم يتعد قواعد مقررة وأصولاً نافعة فكان العربي يقصد الرسول ﵇ يعلمه الدين في ساعة ثم يحيله على القرآن ويقول له اذهب راشداً وبشر عشيرتك وأهلك فقد عرفت من الدين جوهره وسره وما ينبغي له. فمن ثم دام الإسلام إلى السذاجة حتى قامت قائمة العصبيات من أجل التنازع على الملك وتجاذب حبل السلطة فمزج الدين بالسياسة ودخل في الإسلام من لا يهمه منه غير المغانم وراح بعضهم يدسون ما لم يقل فيما قيل وكثر المنافقون ممن سعوا بالدين في سرهم وهم من اتباعه في جهرهم وأنشؤوا يلبسوا ثياب الأصدقاء وهم له أعداء ماكرون. دسوا عوامل إفسادهم وفي القوم يومئذٍ صفوة من الأخيار توفروا على محاربة البدع والموضوعات بكل لسان وبنان بل بكل سيف وسنان وكانوا على إخلاصهم وتأثيرهم كلما استأصلوا شأفة فاسد نبض من الأفسد نابض ورجال السياسة وأكثرهم لا يرجع في الغالب إلى رأي ومذهب يدهنون من وراء ذلك لحملة الدين ويبذلون لهم ما يستغوونهم به لينطقوا بألسنتهم ولا يفسدوا عليهم أمرهم إذا رفعوا أصواتهم ونعوا عليهم تبديلهم لما أنزل وإلصاقهم به ما ليس منه. ولما رأى العقلاء عائث الفساد يدب دبيبه في علوم المعاد خافوا أن يتدرج من العبث بالأعراض إلى العبث بالجواهر فلم يروا بداً من التدوين والتقييد والدلالة على مواضع الضعف والسخف ليبدو السليم لا شائبة فيه. وأنت خبير بما يقتضي ذلك من التطويل دع عنك ما يتخلله بالطبع لأن في القائمين به العالم العامل وفيهم صاحب البدعة والمقالة. مضى على هذه الحال ردح من الزمن وعلوم الدين لم تمتزج بشيءٍ من علوم الدنيا إلى أن دخلت علوم الحضارة في الملة وسموها علوم الأوائل ورأت من بعض خلفائنا من أخذ

стр. 508

بيدها وهيأ لها أسباب انتشارها فعندها كثرت المذاهب والآراء ونشأ العراك الأول بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية أي بين الدين القائم بالتسليم وبين الفلسفة المبنية على البرهان. وظلت حال العلم الديني تابعة لمجرى السياسة إن جاء عاقل من الأمراء والملوك يكل أمره لجهابذة من المحققين ينظرون فيه وهم مؤتمنون مأمونون وإذا ولي رقاب الناس جاهل ينزل نفسه في كل المنازل فيتولى من الخلق أمور دنياهم ودينهم ويقرب إليه كل من يتابعه على أهوائه ولا ينكر عليه فعلاته والعقلاء بمعزل لا ينطقون إلا كارهين وربما تدرعوا الخمول وآثروا الانقطاع على الدخول في المجتمع لامحاضه النصح وتخليصه من المفاسد الطارئة عليه. نعم أن التاريخ لم يخل من وجود عقلاء في كل دور من أدواره ولكن قوتهم ضئيلة لا تنفع وصوتهم خريد لا يسمع إذا نسبتهم لأولئك المنافقين في خدمة الآمرين والناهين وقد قل عددهم كثيراً في هذه الديار خصوصاً بعد الدولتين النورية والصلاحية وصار العلم أشبه بتقاليد ورسوم منه بعلم وعمل ومناطق ومفاهيم. وما فتئت العادات يتخيلها بعضهم من الدين ويدسونها فيه وللجهل الكلمة النافذة في الهيئة الاجتماعية إلى أن كان القرن التاسع والعاشر وما يليهما من قرون الهجرة وهي من العصور المظلمة في تاريخ الإسلام حقيقة فعندئذ قل المميز والمفكر وبطلت علوم الحكمة جملة واحدة وصار من يتعاطاها في نفسه وبين خاصته كمن يأتي أمراً إداً ويخون دينه وأمته وبطل النظر في الأصول وتحتم على كل عقل أن لا ينظر في غير الفروع مما أملته خواطر المتأخرين. فأصبح بذلك يعد العالم كل العالم من يحفظ من هذه الفروع أكثر. اعتبر ذلك بما تتلوه في تراجم أعيان العلماء في هذه القرون فإنك لا تراها تتعدى الأقوال والآراء وأهل كل جيل يقدسون قول من سلفهم ولو ببضع سنين نعم إنك لو أنصفت لا تكاد ترى لهم تأليفاً تقرأ فيه نور العقل والخلاص من التقليد البحت ولقد أتت أيام في معظم الأصقاع الإسلامية حرم النظر فيها حتى في الكتاب والسنة وعد الناظر فيهما محاولاً للخروج عن سنن الجماعة فإذا خالف فرد ما ألفوه أهانوه ومن قاوم بفكره سجنوه أو نفوه وشردوه وذا خافوا بأسه قتلوه وجعلوه عبرة ومثلاً للآخرين. تأصلت الأوهام فعدت من أقدس القربات وسار الناس مع تيار الجهل وتقديس أقوال أدعياء

стр. 509

العلم والتقوى وصدرت الأحكام بعوامل الأوهام وغدت هذه البلاد كبرج بابل في التبلبل والتشويش اتخذت كل منها لها أئمة وأولياء وأنشأت تكبر أمرهم وتدعي لهم مقاماً ما ادعوه لأنفسهم وراح الفقيه يكفر الصوفي والصوفي ينقم على الحديثي والأصولي يحمل على الفروعي واشتغل أهل كل قطر بل أهل كل مصر بتقديس من تواطؤوا على تقديسهم والطعن فيمن عداهم ممن لم يصوروا لهم بالصورة المناسبة لما وقر في نفوسهم وركز في طبائعهم وعشش في مخيلاتهم. وهكذا امتزجت علوم الدين بالمشاغبات والمماحكات لو بعث الشارع وأصحابه لرأوا الاختلاف بين ما ورد وما صار إليه مستحكماً بعيد الأطراف يصعب الجمع بينهما كما يصعب الجمع بين النقيضين. ماذا أصف من تسرب الجهل إلى العبث بالعقول في تلك القرون وأنك لترى أثراً من آثاره لهذا العهد عند بعض من فطموا أنفسهم عن النظر في المعقولات منا فترى كلمات التضليل والتكفير والتبديع والتفسيق أسرع إلى أفواههم من الماء إلى الحدور وتشهد الغر الغمر يتحكم بالجنة فيعطيها لمن يشاء ويحرمها من يشاء فوا رحمتاه على أناس أضاعوا فضل عقولهم في الجدل ولكم كان الخير يأتي من جهتها لو اشتغلت بالمفيد ونبذت الأهواء ظهرياً ولكن إذا أراد الله بقوم سوءً رزقهم الجدل ومنعهم العمل. قلت فيما سلف أن علوم الدنيا دخلت في الملة لما رأت من يعضدها من رجال السياسة وكان ذلك في القرن الثاني. بيد أنها لم تنتشر الانتشار المطلوب إلا في القرن الثالث. شاعت قرنين ثم أخذت تضعف إلى أواخر القرن السابع أيام قل المشتغلون بها ولو على طريقة نظرية بعلوم العقل التي لا قائمة لأمة بدونها مهما أخلصت في دينها. وإذا استفتيت تواريخهم تجد المتلبسين بشعار العلماء لا يعدون في جملتهم ذاك الرياضي والجغرافي وربما فضلوا عليهما المعمار والثرثار. من أجل هذا نرى المدارس على تفنن القوم في إنشائها بعد القرون الوسطى فنازلاً خاصة بالفقيه والمحدث والقارئ والرباطات للمجذومين والمعدمين والكسالى ولم نجد مدرسة اللهم إلا بعض مدارس الطب موقوفة على الرياضيين والطبيعيين والفلكيين والمؤرخين كأن علومهم هذه أباطيل لا تصح الإعانة عليها وحسب الرياضي أن يغضي الفقيه عنه مادامت الحال بين هبوط وصعود والأجدر بها أن تدعى سقوطاً إلى منتصف القرن الماضي أيام أخذ السلطان عبد المجيد في البلاد العثمانية ومحمد

стр. 510

علي باشا في هذا القطر يسهلان السبل لهذه العلوم ويعد أن أهلها في مصاف العلماء وأنشئت المدارس لتعليمها وغدا المشتغلون بالعلوم الدنيوية حزباً والمتوفرون على تعليم العلوم الدينية حزباً آخر على أنه لم تحمد عودة تلك العلوم الدنيوية التي سماها بعضهم عصرية وبعضهم دعاها حديثة لما نتج عنها من حركة كانت أشبه برد فعل ماثلت الأمة معها صائماً أخذ منه الجوع فلم يجد ما يطعمه حتى ساقته الأقدار إلى مائدة مترف موسر وقد حوت ما طاب وحلا من صنوف الأطعمة والحلواء فأخذ يلتهم ما وصلت يده إليه بدون ترو ويزدرده بلا مضغ ويمزج بارده بحاره وحلوه بحامضه ويؤخر ما يقتضي تقديمه ويقدم ما يحسن تأخيره. ونشأت ناشئة لم تدر من العلم الحقيقي غير قشوره شربت مصة من مورده ظنتها غاية ما يرتوي به المرتوون وراحت تعد المروق غاية النور والإزراء على النبوات من آيات الحكماء والطعن بالشرائع من عمل الجهابذة النحارير وإنكار القديم مهما كان نفعه والتعلق بالحديث مهما ضؤل قائله من دواعي النهوض والاستنارة. وعلى الجملة ينبذون كل ما ليس لهم به علم من تراث أجدادهم حاسبين الصحيح منه والسقيم في مقام واحد مما حكين ولو بان لهم الراجح من المرجوح. يقول فتية اليوم أنه لا نجاح للأمة إلا بنبذ ذاك القديم مباشرة والأخذ بهذا الحديث على علاته وفاتهم أن ما يسوغ في الغرب لا يتم في الشرق وأن لكل أمة طبيعة ومنازع لا مناص من مراعاتها وأن إقامة مدينة جديدة في بادية أسهل من إصلاح مدينة قديمة لا غنية عن البناء فيها وأن من العقل أن لا ينبذ ذاك القديم بل يرجع فيه إلى الأصل القليل ويؤخذ النافع منه ويترك ما عدا ذلك من تخريف المخرفين وضلالات المبتدعين والأخذ من هذا الحديث بالعلم الصحيح الذي تمس إليه الحاجة وإطلاق الحكم للعقل يعمل معمله في طريقه. العلم الصحيح هو الذي يبعث صاحبه على عمل النافع ولو كان في ذلك ضياع مصلحته الشخصية فلا يبالي حامله بغضب الرؤساء والزعماء ولا يستغويه رضى الغوغاء والدهماء. يتجشم المخاطر في نشر خاطر. ويركب كل صعب وذلول لإنارة مظلمات العقول. العلم الصحيح هو الذي خلص من ضغط الأهواء السياسية والمذهبية وسلم من التأثيرات والغايات فلقنه صاحبه بريئاً من شوائب النزعات والنزغات وأثر في نفسه تأثيراً مجرداً

стр. 511

فإذا نطق بعده فلا ينطق إلا بما يوحي إليه هاتف الفهم السليم والعقل الحكيم فلا يتعصب للآباء والجدود ومألوفات المحيط وعادات الأهل والإقليم ويتحزب لشيخه وأستاذه ولو تجلى له أنهما عن طريق الحق ناكبون. العلم الصحيح هو الذي يحترم صاحبه به آراء غيره ولو كانت مباينة لأفكاره كل المباينة ولا يعدها سخافات وترهات فينكر كل ما لا يعلم ويستكثر ما وعى. ولا يعد حطة عليه أن يتسقط الحكمة إن وجدها وفي أي المظاهر ظهرت فيأخذ نفسه بالتعلم ولو شاب وجاوز الثمانين. العلم الصحيح هو الذي تكون نتائجه أكثر من مقدماته وفروعه خيراً من أصوله يأخذ له حامله من نفسه فلا يتكبر عن إفادة ولا يستنكف من استفادة ويسعى إلى بث ما يعرف في كل أفق ويعد البشر أخوة فلا يقصر في تعليمهم مما علم يقين أن إصلاح الأفراد سلم للوصول إلى إصلاح الجماعة والمصلحة العامة هي أبداً موضوع نظر من رزق حظاً من هذا العلم. العلم الصحيح هو الذي يربي الملكات ويهذب النفوس فلا يستخدم صاحبه علمه أداة للغلبة بالباطل والإدلال على الأقران والذهاب بفضل الشهرة والمحمدة الزائلة والتبجح والتنطس فامنح اللهم بفضلك هذه الديار شيئاً من هذا العلم وكثر فيها سواد أهله بمنك وحسن تسديدك.

стр. 512

صفحة من تاريخ مصر معربة عن مجلة الاكونومبست أوربيين الفرنسية للمسيو ادمون تيري يبتدئ تاريخ مصر الحديث من عهد محمد علي مؤسس الإمارة الخديوية الحاضرة ومحمد علي هذا ولد في الروم أيلي وهو رجل شجاعة وفرط ذكاءٍ سعى فوفق إلى أن ينصب والياً على القاهرة وحاكماً على القطر المصري سنة ١٨٠٥ وذلك بمساعدة المماليك الذين أبادهم بعد ست سنين من استلامه أزمة الحكم عندما طمح هؤلاء النبلاء بعد أن كانوا عبيداً وأجناداً موصوفين بحب السلب والنزوع إلى الفتنة في تهديد قوته. بلغت مصر على عهد قدماء ملوك المماليك التركمان والجراكسة (١٢٥٤_١٥١٧) أرقى درجات الحضارة الشرقية ولكن كان الشعب يؤدي المغارم بطريقة وحشية قاسية ولم يكن حكمهم الذي دام ٢٦٣ سنة سوى سلسلة طويلة من الحروب الأهلية والمؤامرات وانقلاب في أحوال القصور وجرائم وجنايات يباع فيها الدم بيع السماح. حتى أن السلطان سليم الأول العثماني لما استولى على مصر سنة ١٥١٧ رآها وقد استحكمت فيها الفوضى المطلقة فجعلتها خراباً يباباً. ولم تكن البلاد على عهد الفتح العثماني (١٧٩٨_١٥١٧) أسعد منها على عهد المماليك الذين عادوا بعد قليل واسترجعوا نفوذهم القديم وإليك ما قاله نابليون الأول في وصف هذا الدور الذي دام ٢٨١ سنة وذلك نقلاً عن مفكراته على الحملة المصرية: أبقى السلطان سليم أربعين ألف جندي حامية تحفظ البلاد التي افتتحها وقسمهم إلى سبعة فيالق وكان الستة منها مؤلفة من العثمانيين والسابعة مؤلفة من المماليك. وجمع لذلك كل من سلم من أيدي هؤلاء. وعهد بإدارة البلاد لباشا وأربعة وعشرين بيكاً ولجماعة من الأفندية وإلى ديوانين وكان أحد هؤلاء البكوات الأربع والعشرين قائم مقام الباشا ونائبه ولقد كثر عدد فيلق المماليك وهو مؤلف من أجمل الرجال وأشجعهم وأخذت الفيالق الستة بالضعف ونزل عددهم بعد قليل إلى سبعة آلاف جندي على حين بلغ المماليك وحدهم زهاء ستة آلاف. وفي سنة ١٦٦٦ أخذت الفوضى يدب دبيبها في كل رجا وزحزح العثمانيون عن القلاع والمعاقل فاستولى المماليك على كل شيء ودعي رئيسهم شيخ البلد. ثم أخذ القوم ينفرون من الباشا ويحتقرونه فنادى علي بك شيخ البلد سنة ١٧٦٧ بالاستقلال والاستئثار

стр. 513

بالسلطة وضرب السكة باسمه واستولى على مكة وحارب سورية واتحد مع الروس وغدا البكوات كلهم عندئذٍ من المماليك. وفي سنة ١٧٩٨ أصبح لكل بك من هؤلاء البكوات الأربع والعشرين قصره الخاص به وفيه من الحاشية والغاشية ما يختلف قلة وكثرة وكان عند أضعفهم بأساً مائتا مملوك وكان لمراد بك ألف ومائتا مملوك بحيث كان هؤلاء الأربع والعشرون بيكاً يؤلفون جمهورية تخضع لأعظمهم نفوذاً فيهم ويتقاسمون بينهم الأموال ويتوزعون المعاقل. وقد قدر عدد المماليك نساءً ورجالاً وأطفالاً سنة ١٧٩٨ بخمسين ألف نسمة يخرجون منهم اثني عشر ألف فارس. أهلك الجيش الفرنسي في حرب الأهرام في يوليو سنة ١٧٩٨ سبعة آلاف مملوك وأباد محمد علي سنة ١٨١١ ما بقي منهم. ثم أن الباب العالي صدق على ولاية محمد علي على مصر لقاء سبعة ملايين من الفرنكات يدفعها خراجاً في السنة فحاول أن يعيد إلى القطر ما فقد من بهائه القديم فوطد أسباب الأمن في البلاد ونظم له جيشاً قوي الشكيمة. وبينما كان ولدا محمد علي طوسون وإبراهيم يستأصلان شاقة الوهابيين سنة ١٨١٨ ويستوليان على النوبة وسنار وكردوفان التي كانت أضيفت إلى إمارة مصر باسم السودان المصري وخرطوم عاصمتها سنتي ١٨٢١ و١٨٢٢ وينجدان السلطان محمود العثماني في قتال اليونان المتمردين سنتي ١٨٢٤ و١٨٢٩ ثم يغيران بعد ذلك بسنتين على سورية والأناضول انتقاماً من السلطان على عدم اعترافه بالجميل بينما كان أبناء محمد علي يقومان بهذه الأعمال كان محمد علي والدهما يتقدم إلى فرنسا وكان يحبها كثيراً أن تبعث إليه بمهندسين وكيماويين ومعماريين وميكانيكيين وغيرهم يحفرون له الترع ويصلحون سدود النيل القديمة ويقيمون قناطر حديثة ويعمرون الأطيان القابلة للزراعة في الدلتا والصعيد ويدخل إليها المزروعات الجديدة وينشئ المعامل لينجح في توفير الغلات والتجارة الوطنية. ولكن محمد علي لم يحسب حساب العمل وما يقتضي له في هذا التبديل الاقتصادي الذي كان يرغب فيه فأباد الفلاحين على نحو ما صنع المماليك بما حملهم إياه من السخرة والضرائب وسبهم أراضيهم التي جعلها إلا قليلاً ملكاً خاصاً له وترك للخزانة الاستئثار بالتجارة الخارجية.

стр. 514

على أن ما بذله هذا الوالي لم يكن متناسباً مع قوة البلاد المساعدة ولم يحدث عنها لسوء الطالع النتائج التي كان يتوقعها فلم تلبث تلك المصانع ومعامل القطن والسكر التي أنشئت بالأموال الطائلة في جميع أمهات مدن القطر أن تداعت أركانها عقيب ما قام بنيانها وذلك لسوء إدارتها ولقلة استكمالها أسباب الجودة بحيث أن محمد علي لما أصيب بمرض في عقله وتخلى عن الإدارة لبكر أولاده إبراهيم (١٨٤٨) كان الشعب المصري في بؤسه وشقائه على نحو ما كان في آخر حكم المماليك. خلف إبراهيم أباه بموجب وفاق تم عقده بين محمد علي والباب العالي وصادقت عليه الدول العظمى (١٨٤١) اللائي ضمن لعزيز مصر أن تكون له ولأحفاده الذكور من بعده ملكاً أبدياً يتوارثها بكر الأولاد مع حفظ سيادة الباب العالي على القطر. ولكن لم تطل مدة حكم إبراهيم أكثر من بضعة أشهر وخلفه ابن أخيه عباس باشا (١٠ نوفمبر سنة ١٨٤٨) وكانت إدارته للبلاد إلى الضعف. تولى عباس باشا سنة ١٨٥٤ فخلفه سعيد باشا رابع أولاد محمد علي. يقول المسيو رافيس في بحث له جليل في مصر أنه كان ذا حظ من الذكاء الباعث على العمل والحامل على حمل أسباب الحضارة على نحو ما كان لوالده مع ما امتاز به من التهذيب الأوربي الذي لقنه أحسن تلقين فاتسعت مداركه ولذلك أتم إصلاحات والده وتوسع فيها. فألغى بعد سنتين النخاسة والجمارك الداخلية والاحتكار وأطلق للفلاح حريته الشخصية وحرية التملك ووفى ديون القطر القديمة وهو الذي أنجز قناطر النيل ورخص للمسيو دي لسبس صديق صباه أن يخرق ترعة السويس وهو أول من جعل للأمير راتباً وأقام خزينة خاصة. مات سعيد باشا سنة ١٨٦٣ وخلفه إسماعيل بن إبراهيم فنال هذا من الباب العالي (١٨٦٦) حق الإرث في الإمارة لأولاده وإلغاء حق بكر الأولاد فيها في فروع القرابة غير الفرعية ونال لقب خديوي فجاء ذكره في مجموعة القوانين العثمانية بعد ذكر اسم السلطان مباشرة. ولقد حرص إسماعيل على إدخال التنظيمات الجديدة ولكنه كان منفاقاً متلافاً للمال فساق البلاد المصرية بإدارته المحزنة إلى الإفلاس وإضعاف الاستقلال الوطني الذي كان حلم باسترجاعه. قال ادمون أبو في كتابه العجيب المسمى الفلاح الذي نشره قبيل الاحتفال بافتتاح ترعة

стр. 515

السويس بعد أن وصف جمال الصنعة في مساجد القاهرة ووصف عجائب الهندسة الدقيقة التي دعوها بدون مسوغ قبور الخلفاء وقام القوم بصنعها بحيث تعجز جميع الأيدي العاملة في مصر عن مضاهاتها ما نصه: عهد جميع هذه المصانع الصالحة الجميلة كعهد أمثالها عندنا تقرأ فيه الكآبة والتشويش ولعمري كيف تأتى لأولئك القدماء أن ينشئوا أعاجيب من المصانع والمعاهد يتعذر على مصر الحديثة إصلاحها؟ يتداعى كل شيء ويبيد فيذهب غير مأسوف عليه هباءً منثوراً ولا يحاول الأحياء اليوم أن يدعموا ما وهى من تلك الخرائب الفخيمة. هم أهل إخلاص في أعمالهم لم تضعف نفوسهم كما ضعفت نفوسنا منذ أقمنا بناء بيعنا الكبرى على الطرز الغوطي. ولعمري كيف جوز أولئك المؤمنون أن يتركوا تلك المصانع الدينية تتداعى أركانها على حين نحن بذلنا كل مرتخص وغال لصيانتها على الحادفينا. أنشئت المصانع العامة في جميع الممالك بفضل المعاونة الحقيقية والشخصية وقامت بفضلات ما تنفقه الأمة في سبيل حاجياتها. نرى المصريين الماثلين أمامنا يصرفون أقل ما يمكن صرفه ويقومون على ما يظهر لي بأعظم الأعمال الجسدية وإن لم يكادوا يقومون بالإنفاق على أنفسهم وتأدية الخراج للحكومة. ليت شعري هل فسدت الأرض أم سكانها أم حكومتها أم يتحتم علينا أن نعتقد بأن استبداد المماليك فتح هوة يتعذر ردمها. كتبت هذه السطور منذ زهاء نصف قرن بعد إبادة المماليك المتأخرين فثبت بها أن محمداً علياً وأخلافه قلما عنوا بتحسين حالة هذا الشعب الخاضع العامل الذي لم يعمل قط إلا للغرباء ولم ينله نفع من كده وإليك ما قاله الآن اليزه ركلو بعد ادمون أبو بعشرين سنة: إن النقوش الناتئة في المصانع المصرية تمثل هذا الشعب بأنه كان منذ ثلاثة آلاف سنة كما هو اليوم يحني رأسه تحت ضربات السياط. ولقد كان الفلاح المصري أبداً مظلوماً مرهقاً لا قدرة له على الانتقال كما ينتقل البدوي الرحالة وليس في سهل الدلتا العظيم المنبسط ولا في وادي النيل الضيق المضطرب مكان يسعه أن يحاول الالتجاء إليه ليكون فيه بمأمن ولذلك كان عرضة للشقاء لا مستقبل له ولا أمل يرجو نيله ومع هذا تراه يحب مسقط رأسه حباً جماً وإذا طرحته النوى مطارحها وأبعدته عن ضفاف نهره المحبوب تعروه الكآبة ويموت معذباً بالإب أي مرض فرقة الأوطان.

стр. 516

عود إلى موضوعنا - فقد فتحت ترعة السويس في نوفمبر سنة ١٨٦٧ ثم اتخذ إسماعيل سياسة التغلب التي افلح فيها جده ووسع حدود مصر إلى البحيرات العظمى في إفريقية الوسطى سنتي ١٨٧٠ و١٨٧٦ وصادق له السلطان على نصف استقلال الخديوية فيما يتعلق بالباب العالي ولكن إسماعيل أنشأ في خلال عشر سنين من حكمه يسرف ويتلف فعد عهده عهد إسراف مالي شرع يستدين من فرنسا وإنكلترا حتى اقترض ٢٥٠٠ مليون فرنك بشروط كانت من الفداحة بحيث أصبح الإفلاس لا مناص من الوقوع فيه. نعم حدث ذلك بالفعل فرضي إسماعيل سنة ١٨٧٦ بقبول المراقبة الأجنبية على المالية المصرية وبعد انقضاء ثلاث سنين على هذا ومحاولة إعادة النظام الإداري إلى نصابه الأول عين في الوزارة المصرية اثنان من المراقبين أحدهما إنكليزي المستر ريفرس ويلسون والآخر فرنسي المسيو دي بلنيير سنة ١٨٧٩ وعندها نشأ عن ذلك ما هو معلوم من المشاكل بين الإدارة المصرية ووكلاء الدائنين وإن وقع الاستحسان على المراقبة الإنكليزية الفرنسية في جميع ما يختص بالمالية المصرية. جاء في كتاب المسألة المصرية الذي نشر حديثاً كلام للمسيو فريسنيه (أحد وزراء فرنسا) حكم فيه الحكم التالي على عزل إسماعيل وحلل مؤلف هذا الكتاب الممتع التقلبات المنوعة في السياسة الفرنسية بمصر منذ حملة بونابرت إلى أيامنا قال الوزير: وهكذا انتهت أيام أمير كان في مكنته أن يكون حظه غير ما تم له فقد كانت له على نقائصه الكبيرة صفات محمودة فلئن كان محتالاً موسوساً مهووساً مفرطاً في العجب مسرفاً محباً للعظمة فقد كان أيضاً صاحب سلطة وذكاء في تعاطي الأعمال يحسن التمييز بين مصالحه المختلفة وتظهر كفاءته في حسن خدمتها. وقد دل إصلاحه القضائي وما بذله من مد يد المعونة في مشروع ترعة السويس وما توفر عليه من القيام بكثير من الأعمال النافعة على أنه أهل للعمل بالأفكار السامية. ولو كان لفرنسا في مصر إذ ذاك معتمد حازم حاذق وثابت لنالت بواسطته نفوذاً كبيراً وكان يتأتى بمعونة الدول وفي الأحوال الحرجة التي وقعت البلاد فيها أن يؤخذ بيد إسماعيل في طريق يكون إلى السلامة أكثر من الطريق الذي سلكه. فقام على عرش الإمارة المصرية بقيام توفيق أمير مهذب سليم الطوية تام الأخلاق مقتصد

стр. 517

ولكنه ضعيف الرأي لا نفوذ له متوسط الذكاء تتقاذفه التأثيرات المتناقضة بحيث يعجز عن التغلب على مركز حرج. ولذلك رأيت مصر في خلال ذلك عرضة للاضطراب وعدم التماسك ثم للاختلال وانتشار الحوادث. وعلى الجملة فقد كان من أثر الحوادث التي تلت إعادة المراقبة المالية أن راح أشياع إسماعيل يستثمرون المغانم منها فنشأ عن ذلك اضطراب شديد بين المسلمين من المصريين انتهى بثورة السودان وقيام المهدي محمد أحمد يدعو إلى الجهاد (أغسطس ١٨٨١) وأدى إلى الفتنة المشهورة في القاهرة (٩ سبتمبر ١٨٨١) التي أثار ثائرها الحزب الذي سمى نفسه الحزب الوطني وكان الأميرالاي عرابي زعيمه المعروف.

стр. 518

شيءٌ من تاريخ الكائنات والإنسان خلق الله النور ثم الجلد ثم النبات والأشجار والأعشاب والمياه. ثم الشمس والقمر والكواكب ثم الأسماك والطيور ثم الدبابات والبهائم ثم الإنسان. لا يعلم العلماء مقدار المدة التي كانت بين خلق النور وبين الجلد وبين سائر المخلوقات المتقدم ذكرها. فقد يمكن أن المراد في الأيام التي ذكرها موسى أول مؤرخ ظهر على وجه الأرض عصر أو مدة طويلة. فإنه لا يوجد كلمات في اللغة العبرانية التي كتب فيها موسى تاريخه أو الأسفار الخمسة في التوراة تدل كل منها على يوم ومدة وعصر على حدتها. ولقد دل كل من علم طبقات الأرض وعلم الفلك على أن المراد بتلك الأعصر ألوف عديدة من الأعوام. بيد أن قسماً كبيراً من البشر يعلم حق العلم بأن الله ﷻ سلط الإنسان على الكائنات وعلى هذه الطبيعة العجيبة أو أنه أقامه سيداً على كل ما نراه أمامنا ووراءنا وفوقنا وتحتنا وحولنا من جمال هذا الكيان وبدائع هذه الخليقة التي حار في فهم أسرارها القدماء والمحدثون. آدم جد الأسرة البشرية كلمة عبرانية معناها التراب الأحمر. وحواء جدة الجنس البشري كلمة معناها أم كل حي. ولقد دلت الآثار القديمة في جميع قارات العالم - في آسيا وفي إفريقية وفي أوربا وفي أميركا على خلق آدم وحواء. فوجدت صور منقوشة على الصخور تدل على رجل وامرأة وبيد هذه ثمر. أما موقع الفردوس الأرضي الذي وجد فيه الأبوان الأولان فقد اختلف فيه الأثريون ورجال البحث. فقال فريق أنه كان في ما بين النهرين أو في أرمينية بدليل ذكر موسى الكليم للنهرين دجلة والفرات. وقال آخر أنه كان في بابل أو في بلاد الكلدانيين. كانت كل أمة في هذا الوجود تنسب خلق الأبوين الأولين إلى وطنها أو بلادها فجاء العلم يفسد هذه الدعوى حتى صار من المرجح في هذا العصر أن خلق آدم وحواء كان في جهات أرمينية أو فيما بين النهرين. على أن هذا الاختلاف في هذه المسائل التاريخية والمشاكل العلمية لم يكن باعثاً على الاختلاف في أن الأبوين الأولين قد سقطا حسب مذهب أهل الإيمان وأن الله طردهما من جنة عدن وأنه قال لهما: بعرق وجهكما تأكلان خبزكما.

стр. 519

ولد للأبوين الأولين قابيل وهابيل إلا أن الأول قام على الثاني فقتله حسداً. فكان قابيل أول من حسد وأول من أوجد المطامع البشرية التي لا تزال تئن منها البشرية والإنسانية. ثم ولد سائر الآباء الأولين فكان عددهم كلهم عشرة. وهم آدم وشيث وانوش وقينان ومهللئيل ويارد واخنوخ ومتوشالح ولامك ونوح. ولقد أطال الله حياة كل منهم فبلغ بعضهم من العمر نيفاً وتسعمائة سنة لمقاصد جليلة منها إنماء النوع الإنساني. قال موسى الكليم ما ملخصه: لما كثر الجنس البشري على وجه البسيطة وكثرت شرور الإنسان أهلكه الله بالطوفان. واختلف العلماء فيما إذا كان الطوفان عاماً أم خاصاً وأخذ كل من الفريقين المختلفين يؤيد مدعاه. فمن براهين علماء الدين أن الطوفان كان عاماً لا خاصاً لأن التوراة صرحت بأن المياه غطت جميع الجبال التي تحت السماء وإنها أهلكت كل جسد يدب على وجه الأرض وأن آثار الأمم القديمة تدل على كونه كان عاماً لا خاصاً. ومن براهين الفريق الثاني من علماء الآثار وعلماء الجيولوجيا أن قبائل المغول في الصين وبلاد الأحباش والسودان من أصل قبل الطوفان. وقد أثبت علم طبقات الأرض أن الطبقة الثالثة من الأرض طبقة طوفانية. على أن علماء هذا الفن يقولون بأن تلك الطبقة ناشئة من طوفانات عديدة فطوفان سنة واحدة كطوفان نوح لا يمكن أن يكونها. اختلف العلماء فيما إذا كان الطوفان عاماً أم خاصاً كما اختلفوا في مستقر السفينة النوحية ومهد الجنس البشري بعد الطوفان فقد ذهب جماعة من أهل البحث والتنقيب والعلم إلى أن الفلك النوحية استقرت على جهة من سلسلة جبال الهند وبلاد كوش بدليل أن تقليدات الفرس والهنود تدل على ذلك. وذهب غيرهم من الباحثين إلى أن مهد البشر ومقر سفينة نوح كانا في أرمينية ويقول موسى الكليم أن فلك نوح استقر على جبال اراراط وهو أصح قول إذا اعتقدنا بصحة ما كتبه موسى. وكيف لا نعتقد بصحة الأسفار الخمسة وقد برهنت على صحتها الخطوط الهيروغليفية المصرية والمسمارية والكلدانية التي كان أول من اكتشف أسرارها فقيد العلم يوحنا فرنسيس شامبوليون المتوفى سنة ١٨٣٢م. قال الكتاب الشريف أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بالطوفان ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض وقال وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض وقال وكانوا بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساماً وحاماً ويافث تكوين ص٩

стр. 520

عدد ١١ و١٣ و١٨ و١٩. إذا لم نتبع مذهب الذاهبين إلى أن أهل الصين والسودان وهنود أميركا من أصل قبل الطوفان فيكون سام وحام ويافث أصولاً لجميع الجنس البشري بعد الطوفان. فقد أقام سام في آسيا وأقام حام في إفريقية وأقام يافث في أوربا فالآسيويون القدماء من ذرية سام والإفريقيون الأصليون من أصل حام والأوربيون من أصل يافث. وأما نوح فهو جد الآسيويون والإفريقيون والأوربيون بعد الطوفان. ذهب عدد كبير من العلماء إلى أن موسى الكليم اقتصر على ذكر أنساب النوع الأبيض من البشر. وأما أنساب النوع الأصفر والنوع الأسود والنوع الأحمر فلم يتعرض لها. ولعله أراد بهذا التخصيص أو الاقتصار ذكر الشعوب التي كان يعرفها العبرانيون في أيامه. غير أن العلماء اهتدوا إلى حل هذه المسألة فقالوا أن نوحاً عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فلا يبعد أن يكون ولد له أبناء أو أولاد في أثناء تلك المدة فكانوا أصولاً لشعوب أخرى. فالشعوب القديمة التي ظهرت بعد الطوفان وذكرها موسى الكليم والمؤرخون القدماء كالآشوريين والعبرانيين والعيلاميين والعرب والآراميين هم من أصل سام. والإيرانيون والتتر والجومريون والأتراك واليونان والسلافيون والايبارييون من أصل يافث. والمصريون والغوطيون والكنعانيون والكوشيون من أصل حام. واختلف أهل البحث في لغة الإنسان الأولى اختلافهم في غيرها من المسائل الغامضة فمنهم من قال بأنها كانت عبرانية ومنهم من قال بأنها كانت إحدى اللغات السامية كالسريانية والكلدانية والعربية. وقد تكون اللغة الأولى نوعاً من اللغات السامية ثم طرأ عليها تغييرات وإصلاحات وتحسينات. على أن هذه جميعها لم تغير شيئاً من جوهرها الأصلي. ولما كان نوح وذووه هم الذين بقوا بعد الطوفان كانوا بلا مراء يستعملون أو يتكلمون لغة الإنسان الأولى. ظل نسل نوح يتكلم هذه اللغة مدة أربعة قرون حسب الترجمة السبعينية. أما الذين اخترعوا الحروف الهجائية فهم الفينيقيون الذين فضلوا على العالم بأسره بمصنوعاتهم وآدابهم التي منها اختراع الحروف الهجائية. ثم كثرت اللغات وتنوعت إلى أن بلغت ما بلغته في هذا العصر.

стр. 521

ذهب عدد كبير من علماء الدين إلى أن المدة التي كانت بين الخليقة والطوفان بحسب النسخة العبرانية هي ١٦٥٦ سنة وبحسب الترجمة السبعينية ٢٢٤٢ سنة فإذا صح هذا المذهب فهذه الأعوام العديدة تكفي لإكثار نسل آدم وجعل سورية والعراق مأهولة بالسكان في تلك الحقبة التي بين الخليقة والطوفان. قال المطران يوسف الدبس في تاريخ سورية إن الحجة القاطعة على أن سورية كانت مأهولة بولد آدم قبل الطوفان هي موقع سورية الطبيعي وحيث أن المرجح عند العلماء أن مهد الجنس البشري كان أولاً فيما بين النهرين أو في أرمينية وكانت هذه البلاد متاخمة لسورية وكان لا يوجد بين البلادين جبال وبحار يستعصي مسلكها بل سهول خصيبة طيبة الهواء جيدة المرعى فقد كانت سورية بلا مشاحة مأهولة بالسكان. هذه خلاصة ما قال المطران العلامة بهذا الشأن. أما أحوال البشر قبل الطوفان من زراعية وصناعية وتجارية واجتماعية ومدنية فلم يتوصل إليها الباحثون بعد. وكل ما ذكره موسى بهذا الصدد هو أن يابال كان أباً لساكني الخيام ورعاة المواشي وأن يوبال كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار وأن قوبال قايين كان الضارب كل آلة من نحاس وحديد. إن أشهر الشعوب التي قامت قائمتها في سورية بعد الطوفان إلى عهد إسكندر الأول هم الآراميون والكنعانيون والعبرانيون والمؤابيون والإسماعيليون والمدنيون والعمونيون والأدوميون والفلسطينيون والسامريون والعناقيون. وأشهر هذه الأمم جميعها الحثيون والفينيقيون والعبرانيون. هذا ولي سلسلة كتابات في هذا الموضوع سأقتبسها من مباحث أشهر علماء الشرق والغرب كما اقتبست هذه المقالة خدمة لمجلة أجلها ولأمة أحبها. اوماهانبراسكا - الولايات المتحدة يوسف جرجس زخم

стр. 522

إحدى نقائص الاجتماع واقعة حال وقفت بأشيبين إلى ... مرام لي اصاديه يديران الحديث على ... زمان ربيا فيه فقلت مضى زمانكما ... فما تذكار ماضيه فقالا يا له زمناً ... وتذكاراً نواليه رأينا قبلكم ما لم ... تروا شيئاً يحاكيه فقلت نعم وسوف نرى ... من الآتي وخافيه أموراً لن يراها الش ... يخ فالموت ملاقيه فنابهما لذكر الموت ... غيظ خيف باديه وقالا هل رأيت الغي ... ب لا لست برائيه لعلك أن تلاقي المو ... ت تعدونا عواديه فقلت لعل تمر كما ... يقر العين غاليه فقالا لا غلاء ولن ... ترى ثمراً يضاهيه فلم أبخل به ثمناً ... يهيج البخل رابيه ورحت يكاد يفضحني ... لعاب لج جاريه فلما أن أتيت البي ... ت في جهد أعانيه إذا بالتمر قد أربت ... فما تحصى مساويه العظة عجبت لمن دعاه إلى ... لقاءِ الله داعيه فتاق إلى الحياة ولم ... تحل عنها أمانيه وحارب ربه شرهاً ... إلى فلس يواتيه أما للشيخ مزدجر ... فينزع عن معاصيه أما يوقن أن المو ... ت قد شمر حاديه وإن قد أوشك المنز ... ل أن يبلغ قاصيه

стр. 523

أحمد محرم

стр. 524

المدارس والأخلاق لا تقوم واجبات المدارس بتعليم العلوم فقط بل إن بث روح الفضيلة والإقدام من أخص واجباتها. جول سيمون تنبه الناس حديثاً لإنشاء المدارس في الشرق ورغب بعضهم فيها بعد أن ذاقوا لذة العلم ورأوا عظم تأثيره في الغرب فعملوا على تأسيسها جهدهم ولم يمض زمن حتى كثرت معاهد العلم وتعددت لاسيما في اليابان مملكة الشمس المشرقة مدهشة العالم بسرعة ترقيها. أتى على بلادنا أزمان عفت فيها آثار المدارس أو كادت إلا ما كان هناك من كتاتيب قليلة ضئيلة فعادت تنفض عنها غبار الإهمال وتزهو بما أنشئ فيها من بيوت العلم حتى أوشكت تضاهي بعض بلاد الإفرنج العامل أهلها على توطيد أركان العمران فيها وإخلاص من مستو بل المفاسد بالتهافت على العلم والرغبة في التهذيب توصلاً إلى بلوغ الكمالات الإنسانية والتمتع بما يجعل الحياة على الأرض هنيئة صافية لا شر فيها ولا شقاء وهو مما يسر ولا جرم المحبين المنصفين ويحقق آمال العاملين المخلصين وينبئ بمستقبل باهر وارتقاء أكيد ينهض بالشرق من كبوته ويعيده إلى سابق عظمته. ولقد مرت على مدارسنا أعوام وهي إلى يومنا هذا لم تعن بتحسين الأخلاق وإصلاح الملكات والعادات اعتناءها بقواعد اللغات والرياضيات والطبيعيات على حين نرى الحاجة ماسة إلى تقويم أود الأخلاق وعجن النفوس في مركن الوطنية وحب الخير والإحسان وتنظيفها من أقذار ما توالى على البلاد من النوائب والإحن وعوامل الجهل والانحطاط وتنشئتها على الجرأة والعزم والحزم والإقدام والتساهل والمسالمة والتعاضد والاتفاق وتدريبها على الصدق والإخاء والاجتهاد والترتيب والاقتصاد وتقويتها على احتمال أثقال الحياة ومتاعب العمر وتذليل العقبات ومقاومة التجارب بالعفة والنزاهة والمكاره بالصبر والترفع عن الصغائر والتمسك بأهداب الفضائل والنهوض إلى معالي المجد والجهر بالحق وعدم الاعتداد بالقيل والقال والتشبث بأهداب المحال وتربيتها على احترام حق الضعيف وإكرام المستحق ومعاونة القاصر وتنشيط المستعد وطلب النافع ونبذ المضر إلى غير ذلك مما يؤهل المرء ليحسن القيام بواجباته والتمتع بحقوقه ويؤدي به إلى ما يتمناه له

стр. 525

المصلحون. وهذه كما رأيت أمور أولية ينبغي إيثارها على كل شيء. وقلما نظرت مدارسنا مع ما فيها من العلماء والأدباء وما لها من الفضل في إنارة الأذهان وترقية العقول وتوسيع المدارك إلى تلك المقومات نظر حكيم مخلص يعرف كيف يداوي الإعلاء وتقاوم أدواء الأمم ولم تقصر جل اهتمامها إلا على حشو الأدمغة بقواعد اللغات والرياضيات والطبيعيات على ما مر بنا آنفاً غير مفسحة للأدبيات والاجتماعيات إلا القليل من أوقات الدراسة فيها كأنها تجهل قيمة النفس وتأثير الأخلاق في الوجود. والأنكى أن ما تعلمه الواحدة وتذهب إليه تشجيه الأخرى وتبعد عنه وما تحض عليه هذه تقاومه تلك إذ ندر وجود مدرسة عندنا لا غاية لها في العلم ولا مأرب خاص على أن العالم لا مشرب له ولا دين كما قال المقتبس الأغر في عدد أسبق. ولا تنحصر واجبات المدارس فيما تجري عليه مدارسنا الحاضرة التي تفقد الأولاد كثيراً من الأمور الطاهرة الآتية معهم إليها وتضعف فيهم أميالاً سامية فطروا عليها مذ تكونوا في أحشاء أمهاتهم وتلاشي منهم نزعات شريفة ورغائب عظيمة مقدسة وتبث فيهم مبادئ تافهة ونعودهم عادات سيئة وتمكن منهم أخلاقاً فاسدة وتنشئهم على التعصب والإدعاء والكبرياء والضعف والجبن والكذب والرياء وما أشبه ذلك من النقائص التي أكلت من لحومنا وشربت من دمائنا مئين من السنين حرمنا فيها الهناء والارتقاء. ولولا إعداد المدارس طلبتها للاستنارة بنفوسهم لنفوسهم وتأهيلها لهم بالعلم لدرس الآداب والعمل على تحسين الأخلاق لما بالغنا إذا قلنا أن مدارسنا أضرت قدر ما نفعت. ومن راقبها بنزاهة وإخلاص وبحث في طرائق التربية فيها بحثاً دقيقاً إذا جاز لنا أن نقول أن فيها تربية تتضح له الحقيقة بأجلى بيان. . . وإصلاح المدارس خير أساس يجب أن يقوم عليه الإصلاح. الضغط على العقول وإرهاق الوجدانات وخنق الأفكار ومعاكسة النوابغ ومعاملة التلاميذ بالقسوة والجور والشراسة والاستبداد والشتم والضرب وقلة الأدب على نحو ما بينت ذلك في فصل من كتابي الإنسان ابن التربية وإيثار أهواء المعلمين على القوانين ومآرب الوالدين على مصالح البنين وعدم الاعتداد بالغرائز وعدم تنشيط العزائم وتعزيز الصدق والجرأة والإقدام وعدم جعل المعلمين أنفسهم قدوة حسنة للتلاميذ وتطبيق أفعالهم الخاصة والعامة على أقوالهم وما شاكل ذلك مما يأتي به كل معلم غير مؤهل للتعليم بأخلاقه وآدابه

стр. 526

على ما نشاهد في كثير من مدارسنا مما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن وإثارة الأشجان بتعداده - كل هذا أساس فساد الأخلاق في المدارس. راقبت مرة طلبة إحدى المدارس في وقت الراحة فرابني أمر تلميذ منهم كان كمن يبحث عن ضائع وعرفت بعد البحث أن يحمل (السنيال) وقد رأيته يأتي من ضروب الرياء والتجسس ما أحزنني على مستقبله ومستقبل أبناء مدارس من مثل هذه تدرب بنيها على عادات سيئة وأعمال دنيئة. وهل أسوأ وأدنى من جاسوس يغتاب الناس وينم بهم. ولو اعترض أحد على مثل هذه الأمور لاحتجت المدارس على إتيانها بحجج وبراهين لا تخرج عن حد (الغاية تبرر الواسطة) وعندي أن شرف الأخلاق وإباء النفس مع العلم القليل خير من الصغار والدناءة مع إتقان التكلم بعدة لغات. من المسؤول عن فساد أخلاق شبان العصر وسوء أحوالهم الأدبية يا ترى غير البيوت والمدارس؟ وإذا كان الوالدون على ما يعهدهم الجميع لا يعرفون من شؤون التربية غير اسمها ولا من الأخلاق إلا ما شبوا عليه ولا من العادات سوى ما تأصل فيهم أفلا يجدر بالمعلمين المتعلمين المهذبين أن يعوضوا عن هذا النقص جهدهم ويسدوا من الخلل ما يستطيعون؟ نعم لا أنكر أن المعلمين اليوم هم أبناء هذه المدارس أيضاً وما يتقاضونه من الرواتب لا يرغب في المهنة المهرة البارعين ولا يدني منها غير الكسالى العاجزين في أغلب الأحوال ولكن أين تأثير الإدارة والرئاسة ورواتب المديرين والرؤساء لا تحول دون انتخاب المستعدين والمستعدون على ازدياد؟ يقولون اكثروا من المدارس واستكثروا. ولا نجاح لنا بلا مدارس ولا ارتقاء. ولكن فاتهم أن ما عندنا منها لو عرفت كيف تربي أخلاق بنيها على ما يعوزنا لكان الأغنياء منهم ينشئون المدارس من تلقاء أنفسهم دون أن يحوجونا إلى النداء والمطالبة والحكماء يديرونها حسب الأصول دون استبداد بالأولاد وتلاعب بالحاسات والمعلمون يهذبون النفوس ويكفوننا مؤونة الكلام في هذا الموضوع الخطير. وقد كثرت مدارسنا وحسبنا من أنواعها ما عندنا وخير من زيادتها أيضاً العناية بتحسين طرق تربية الأخلاق فيها وهذا الركن العظيم الذي يتوقف عليه نجاح الأمة. لا ريب أن المدارس تكيف الأمم وبواسطتها تستطيع كل أمة تغيير ما تريد من عاداتها

стр. 527

ومبادئها وأخلاقها إذا توحدت فيها غاية التربية والتعليم ووافق كلاهما حاجات الأمة لاسيما وأبناء المدارس وبناتها سيصبحون يوماً آباء وأمهات يتولون تربية الأولاد الأولى الأساسية التي تدوم آثارها بدوام العمر ولا يلاشيها إلا القبر. فعلى المدارس فقط يمكننا أن نعتمد الآن في تهذيب الأخلاق وإصلاحها هذا إذا عرفت كيف تتوصل إلى ذلك بالتربية الصحيحة والتعليم القويم. وقد أكثر العلماء والفلاسفة الغابرون والحاضرون من إيضاح أصول التربية والتعليم وما على من يتعاطى صناعة التدريس ويتولى شيئاً من أمور المدارس إلا مراجعة ذلك في أماكنه ودرسه حق دراسته وانتخاب ما يلائم حالة السكان ويوافق حاجاتهم وإتقانه تمام الإتقان وإلا فسدت أعمالهم وساءت نتائجها كما هو الواقع لعهدنا. وبعد فكيف نرجو إيجاد أمهات مدركات وأباء عاقلين نعتمد عليهم في تنشئة أبناء الغد على المبادئ السامية والإهابة بهم إلى أسمى قمم الاجتماع وإدراك مراتب التمدن الرفيع ومدارسنا الحاضرة لا عناية لها بالأخلاق كما ينبغي؟ كيف نتمنى بلوغ المجد والأخذ بحظ وافر من الإنسانية وحفظ الثروة وإحسان التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات وأخلاقنا على ما هي من الفساد والالتواء؟ الأخلاق الأخلاق خير ما تطالب به المدارس وإصلاحها من الأوليات الضروريات التي يجب أن تنحوها مقاصدها وتسدد إليها خطى المسعى. وعلى كل معلم أن يضع هذه الغاية الشريفة نصب عينيه ويلهج بذكرها في الليل والنهار كيفما حل وسار. ولا يغني المرء عن شريف الخصال مال ولا جاه ولا عز ولا بنون ولا ينيله حب الناس واحترامهم ونفعهم له إلا ما فطر عليه من كريم السجايا وما اعتاده من حميد العادات. وما الأخلاق في عرف الناس إلا مجموع عادات والعادة نتيجة ممارسة. فإذا قام الوالدون والمعلمون بالوسائل الفعالة على منع الأولاد من ممارسة كل ما لا يحسن بهم أن يعتادوا عليه يحفظوا لهم مستقبلهم من ثقل وطأة تلك العادات ويخلصوهم من شرها وإذا فات ذلك الآباء والأمهات لجهل وغباوة لا يجب أن يفوت الأساتذة الذين يدعون العلم والمعرفة ويتنصلون من وصمة الجهل والغباوة. بيروت

стр. 528

جرجي نقولا باز

стр. 529

ميت الأحياء وحي الأموات تيقظ فما أنت بالخالد ... ولا صرف دهرك بالراقد فخلد بسعيك مجداً يدوم ... دوام النجوم بلا جاحد وابق لك الذكر بالصالحات ... وخل النزوع إلى الفاسد ورد ما يناديك عنه الصدور ... إلا در درك من وارد وسر بين قومك في سيرة ... تميت الحقود من الحاقد فإن فتى الدهر من يدعي ... فتأتي أعاديه بالشاهد ولا تك مرمى بداء السكون ... فتصبح كالحجر الجامد وكن رجلاً في العلى حولاً ... تفنن في سيرة الراشد إذا اطردت حركات الحياة ... وجاءت علي نسق واحد ولم تتنوع أفانينها ... ودامت بوجه لها بارد ولم تتجدد لها شملة ... من السعي للشرف الخالد فما هي إلا حياة السوام ... تجول من العيش في ناقد وما يرتجى من حياة امرء ... كماءٍ على سبخة راكد وليس له في غضون الحياة ... سوى النفس النازل الصاعد يغض على الجهل أجفانه ... ويرضى من العيش بالكاسد كأكل الطعام ولبس الثياب ... وامرار وقت بلا عائد فذاك هو الميت في قومه ... وإن كان في المجلس الحاشد وما المرء إلا فتى يفتدى ... إلى العلم في شرك صائد سعى للمعارف فاحتازها ... وصاد الأنيس مع الآبد وطالع أوجه أقمارها ... بعين بصير لها ناقد فأبدى الحقائق من طيها ... وألقى القيود على الشارد إذا هو أصبح نادى البدار ... وشمر للسعي عن ساعد فكان المجلي في شأوه ... بعزم يشق على الحاسد وإن بات بات على يقظة ... بطرف لنجم العلى راصد وأحدث مجداً طريفاً له ... واضرب عن مجده التالد

стр. 530

وما الحمق إلا هو الاتكال ... على شرف جاء من والد فذاك هو الحي حي الفخار ... وإن لحدته يد اللاحد بغداد معروف الرصافي
следующие страницы →