Полный текст (6 802 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
على ما نشاهد في كثير من مدارسنا مما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن وإثارة الأشجان بتعداده - كل هذا أساس فساد الأخلاق في المدارس.
راقبت مرة طلبة إحدى المدارس في وقت الراحة فرابني أمر تلميذ منهم كان كمن يبحث عن ضائع وعرفت بعد البحث أن يحمل (السنيال) وقد رأيته يأتي من ضروب الرياء والتجسس ما أحزنني على مستقبله ومستقبل أبناء مدارس من مثل هذه تدرب بنيها على عادات سيئة وأعمال دنيئة. وهل أسوأ وأدنى من جاسوس يغتاب الناس وينم بهم. ولو اعترض أحد على مثل هذه الأمور لاحتجت المدارس على إتيانها بحجج وبراهين لا تخرج عن حد (الغاية تبرر الواسطة) وعندي أن شرف الأخلاق وإباء النفس مع العلم القليل خير من الصغار والدناءة مع إتقان التكلم بعدة لغات.
من المسؤول عن فساد أخلاق شبان العصر وسوء أحوالهم الأدبية يا ترى غير البيوت والمدارس؟ وإذا كان الوالدون على ما يعهدهم الجميع لا يعرفون من شؤون التربية غير اسمها ولا من الأخلاق إلا ما شبوا عليه ولا من العادات سوى ما تأصل فيهم أفلا يجدر بالمعلمين المتعلمين المهذبين أن يعوضوا عن هذا النقص جهدهم ويسدوا من الخلل ما يستطيعون؟ نعم لا أنكر أن المعلمين اليوم هم أبناء هذه المدارس أيضاً وما يتقاضونه من الرواتب لا يرغب في المهنة المهرة البارعين ولا يدني منها غير الكسالى العاجزين في أغلب الأحوال ولكن أين تأثير الإدارة والرئاسة ورواتب المديرين والرؤساء لا تحول دون انتخاب المستعدين والمستعدون على ازدياد؟
يقولون اكثروا من المدارس واستكثروا. ولا نجاح لنا بلا مدارس ولا ارتقاء. ولكن فاتهم أن ما عندنا منها لو عرفت كيف تربي أخلاق بنيها على ما يعوزنا لكان الأغنياء منهم ينشئون المدارس من تلقاء أنفسهم دون أن يحوجونا إلى النداء والمطالبة والحكماء يديرونها حسب الأصول دون استبداد بالأولاد وتلاعب بالحاسات والمعلمون يهذبون النفوس ويكفوننا مؤونة الكلام في هذا الموضوع الخطير. وقد كثرت مدارسنا وحسبنا من أنواعها ما عندنا وخير من زيادتها أيضاً العناية بتحسين طرق تربية الأخلاق فيها وهذا الركن العظيم الذي يتوقف عليه نجاح الأمة.
لا ريب أن المدارس تكيف الأمم وبواسطتها تستطيع كل أمة تغيير ما تريد من عاداتها
стр. 527
ومبادئها وأخلاقها إذا توحدت فيها غاية التربية والتعليم ووافق كلاهما حاجات الأمة لاسيما وأبناء المدارس وبناتها سيصبحون يوماً آباء وأمهات يتولون تربية الأولاد الأولى الأساسية التي تدوم آثارها بدوام العمر ولا يلاشيها إلا القبر. فعلى المدارس فقط يمكننا أن نعتمد الآن في تهذيب الأخلاق وإصلاحها هذا إذا عرفت كيف تتوصل إلى ذلك بالتربية الصحيحة والتعليم القويم. وقد أكثر العلماء والفلاسفة الغابرون والحاضرون من إيضاح أصول التربية والتعليم وما على من يتعاطى صناعة التدريس ويتولى شيئاً من أمور المدارس إلا مراجعة ذلك في أماكنه ودرسه حق دراسته وانتخاب ما يلائم حالة السكان ويوافق حاجاتهم وإتقانه تمام الإتقان وإلا فسدت أعمالهم وساءت نتائجها كما هو الواقع لعهدنا.
وبعد فكيف نرجو إيجاد أمهات مدركات وأباء عاقلين نعتمد عليهم في تنشئة أبناء الغد على المبادئ السامية والإهابة بهم إلى أسمى قمم الاجتماع وإدراك مراتب التمدن الرفيع ومدارسنا الحاضرة لا عناية لها بالأخلاق كما ينبغي؟ كيف نتمنى بلوغ المجد والأخذ بحظ وافر من الإنسانية وحفظ الثروة وإحسان التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات وأخلاقنا على ما هي من الفساد والالتواء؟
الأخلاق الأخلاق خير ما تطالب به المدارس وإصلاحها من الأوليات الضروريات التي يجب أن تنحوها مقاصدها وتسدد إليها خطى المسعى. وعلى كل معلم أن يضع هذه الغاية الشريفة نصب عينيه ويلهج بذكرها في الليل والنهار كيفما حل وسار. ولا يغني المرء عن شريف الخصال مال ولا جاه ولا عز ولا بنون ولا ينيله حب الناس واحترامهم ونفعهم له إلا ما فطر عليه من كريم السجايا وما اعتاده من حميد العادات. وما الأخلاق في عرف الناس إلا مجموع عادات والعادة نتيجة ممارسة.
فإذا قام الوالدون والمعلمون بالوسائل الفعالة على منع الأولاد من ممارسة كل ما لا يحسن بهم أن يعتادوا عليه يحفظوا لهم مستقبلهم من ثقل وطأة تلك العادات ويخلصوهم من شرها وإذا فات ذلك الآباء والأمهات لجهل وغباوة لا يجب أن يفوت الأساتذة الذين يدعون العلم والمعرفة ويتنصلون من وصمة الجهل والغباوة.
بيروت
стр. 528
جرجي نقولا باز
стр. 529
ميت الأحياء وحي الأموات
تيقظ فما أنت بالخالد ... ولا صرف دهرك بالراقد
فخلد بسعيك مجداً يدوم ... دوام النجوم بلا جاحد
وابق لك الذكر بالصالحات ... وخل النزوع إلى الفاسد
ورد ما يناديك عنه الصدور ... إلا در درك من وارد
وسر بين قومك في سيرة ... تميت الحقود من الحاقد
فإن فتى الدهر من يدعي ... فتأتي أعاديه بالشاهد
ولا تك مرمى بداء السكون ... فتصبح كالحجر الجامد
وكن رجلاً في العلى حولاً ... تفنن في سيرة الراشد
إذا اطردت حركات الحياة ... وجاءت علي نسق واحد
ولم تتنوع أفانينها ... ودامت بوجه لها بارد
ولم تتجدد لها شملة ... من السعي للشرف الخالد
فما هي إلا حياة السوام ... تجول من العيش في ناقد
وما يرتجى من حياة امرء ... كماءٍ على سبخة راكد
وليس له في غضون الحياة ... سوى النفس النازل الصاعد
يغض على الجهل أجفانه ... ويرضى من العيش بالكاسد
كأكل الطعام ولبس الثياب ... وامرار وقت بلا عائد
فذاك هو الميت في قومه ... وإن كان في المجلس الحاشد
وما المرء إلا فتى يفتدى ... إلى العلم في شرك صائد
سعى للمعارف فاحتازها ... وصاد الأنيس مع الآبد
وطالع أوجه أقمارها ... بعين بصير لها ناقد
فأبدى الحقائق من طيها ... وألقى القيود على الشارد
إذا هو أصبح نادى البدار ... وشمر للسعي عن ساعد
فكان المجلي في شأوه ... بعزم يشق على الحاسد
وإن بات بات على يقظة ... بطرف لنجم العلى راصد
وأحدث مجداً طريفاً له ... واضرب عن مجده التالد
стр. 530
وما الحمق إلا هو الاتكال ... على شرف جاء من والد
فذاك هو الحي حي الفخار ... وإن لحدته يد اللاحد
بغداد
معروف الرصافي
стр. 531
تاريخ علم الهندسة وكبار المهندسين
انتهينا بكلامنا في الجزء السابق إلى آخر ما جاء به أفلاطون من الأبحاث الهندسية وها نحن الآن نسرد أسماء الكبراء في هذا الفن الذين قاموا بعده إلى هذا العهد.
في أواخر عصر أفلاطون اشتهر اخيتاس الذي أصاف شيئاً مذكوراً إلى المعلوم من خواص المنحنيات والقضايا المتعلقة بها واستغل كثيراً في قضية تضعيف المكعب التي فصلناها في مقالتنا السابقة ووضع أساساً للمكتشفات التي قام بها أرخميدس في الميكانيكيات واصطناعها على الأصول الهندسية.
ثم قام دينوكراط خريج أفلاطون وقسم الزاوية إلى ثلث زوايا متساوية مستعيناً عليها بالقوس التي سماها الرباعية. وجاء برسيوس فبحث في خواص اللولبيات وهو أول من اشتغل بالخطوط والسطوح اللولبية ووضع لها معادلات لاستخراج نصف قطرها ومعرفة زاوية الهبوط فيها.
وفي هذا العهد طلع كوكب الهندسة الشارق وبدرها الآفق نعني به المهندس إقليدس الشهير (٣١٥_٢٥٥ ق. م) ولعله أعظم من اشتغل بفن الهندسة منذ ظهورها إلى هذا اليوم. وليس هو منشئها أو مكتشف مبادئها كما يزعم الكثيرون من غير العارفين لأن أكثر قضاياها الخطيرة كانت معروفة قبل عهده ولا اشتغل بمسائلها الصعبة ولا أضاع زمانه للتوصل إلى حل قضية غير ممكنة ولا كشف كثيراً من خفاياها ولكنه خدمها أكثر من جميع العلماء الذين سبقوه أو تأخروا عنه فهو جمع كل القضايا التي كانت معروفة إلى عهده والتي حلها كبراء الفن قبله ورتبها في سلسلة محكمة الوضع مرتبة الحلقات جاعلاً برهان كل قضية مستنداً إلى ما قبلها وأدخل البرهان الخلفي في إثبات كثير من القضايا الهندسية وذلك عبارة عن رد الوجوه المطلوب نفيها إلى عدم الإمكان فلا يبقى إلا وجه واحد ممكن كقولهم إذا فرض تفاوت زاويتي مثلث وجب تفاوت وتريهما والزاوية الكبرى يقابلها الضلع الأطول فهو يثبت هذه الدعوى بأن الضلعين لا يمكن أن يكونا متساويين لأن ذلك يقضي بكون المثلث متساوي الساقين ويفضي إلى تساوي الزاويتين وهذا مخالف للغرض القائل بتفاوتهما ولا يمكن أن يكون الضلع المقابل للزاوية الصغرى هو الأطول لأن ذلك يقضي لزاويته بالزيادة وهو مخالف للغرض أيضاً فلم يبق إذن إلا أن يكون وتر الزاوية الكبرى أطول من وتر الزاوية الصغرى وهذا هو المطلوب إثباته. وقد استخدم إقليدس هذا
стр. 532
الأسلوب من البرهان في إثبات كثير من القضايا التي لم يجد لها مخرجاً غيره. وجعل جملة القضايا التي تمكن من جمعها واستخراجها في ثلاثة عشر كتاباً وقف الستة الأولى منها هندسة الخطوط والزوايا والسطوح البسيطة والأربعة التي بعدها على الهندسة الحسابية من خواص الأعداد ونسبتها لبعضها وعلاقتها بالأشكال الهندسية والثلاثة الأخيرة على المستويات المتقاطعة والمجسمات وإلى هذه الثلاثة أضاف هيبسكل مهندس الإسكندرية الذي ظهر بعد إقليدس بنحو قرن ونصف قرن كتابين أكمل بهما الناقص من كتب إقليدس في تلك الأبواب. ومازالت الستة الأولى مع الحادي عشر والثاني عشر من كتب إقليدس معولاً عليها في أكثر المدارس لتلقين فن الهندسة وإلى اليوم لم يستطع المشتغلون بهذا العلم أن يأتوا بتبويب يفضل تبويب إقليدس ويختار عليه لسهولة التحصيل. وينقل أيضاً أنه وضع كتاباً في المقاريض وبعض مقالات في قطوع المخروط وثلاثة كتب في قضايا المسائل السيالة التي يفضي حلها إلى نتائج متعددة غير أنه لم يحفظ للخلف شيءٌ من هذه الكتب. وبعد إقليدس أصبح علم الهندسة سهل المأخذ قريب التحصيل وصار لابد للراغبين فيه من درس كتبه قبل كل شيءٍ. ولم يعد يحسب من فطاحل الفن والمكتشفين فيه إلا من زاد شيئاً خطيراً على ما في تلك الكتب أو أدخل أسلوباً جديداً أو اكتشف قضايا مجهولة لها شأن يذكر وهذا راجع إلى أن علم الهندسة مثل غيره من العلوم الرياضية لا تخلق جدته ولا تنقصه الأيام بمرورها أو العصور بكرورها. وكان بطليموس ملك مصر يقرأ الهندسة على إقليدس فوجد صعوبة في حفظها وتعاصى عليه فهمها لأنه كان يتوقع أنها تهون لديه كما هانت عقبات الملك وصعوبات السلطان ويكره أن يعنت فكره وينهك قواه في إدراكها فالتفت إلى معلمه وقال له ألا يوجد إلى الهندسة طريق أسهل من هذه؟ فأجابه إقليدس بقوله ليس إلى العلم سكة سلطانية وعنى بها أن السلاطين والعامة سواءٌ في اعتبار العلم وتحصيله فذهب قوله مثلاً عند اليونان وأخذه عنهم الغربيون في هذا الزمان وجروا عليه بالعمل فوضع الملوك أولادهم في المدارس الكبرى والصغرى يتلقون العلوم مع رعاياهم ويأخذون الفنون عن الأساتذة كما يأخذها غيرهم ويحتملون القصاص ويأخذون الجوائز التي يستحقونها بجدهم ونشاطهم وآدابهم بدون أقل مزية على الفقراء الخاملين من الطلبة.
стр. 533
بعد انصراف إقليدس برز أرخميدس الصقلي وهو يعد من أكبر الرياضيين القدماء إن لم يكن أكبرهم (٢٨٧_٢١٢ ق. م) فقد أضاف إلى الفن قضايا كثيرة جديدة لم تكن معروفة قبله وتعمق في مباحث المجسمات إلى أن كشف حقائق جمة وأعد لعلماء المتأخرين قواعد نفيسة جعلوها أساساً لطرائقهم في قياس السطوح المنحنية والمجسمات. نعم إن إقليدس وضع في كتبه شيئاً من الأبحاث في الأشكال المنحنية غير أنه اقتصر منها على القليل ولم يتعرض لتمثيلها وقياسها بالآحاد المربعة من السطوح المستوية والمكعبة من الحجوم أما أرخميدس فقد وضع القواعد التي يقتضيها هذا التمثيل في مقالاته النفيسة التي ألفها في الكرة والاسطوانة وفي المقاطيع الكروية والمخروطة وفي قياس الدائرة وقضيته التي أثبتها في أن مساحة قطعة من سطح ثلجي تساوي ثلثي مساحة شكل متوازي الأضلاع محيط بها هي بالحقيقة أول القضايا التي وضعت في تربيع سطح محاط بخط منحنٍ. ومباحثه في اللولبيات بالغة من التدقيق والتعمق درجة عالية بحيث يعسر فهمها حتى على العلماء الراسخين في هذا الزمان. وتوسع في تفصيل الأشكال الإهليلجية المعروفة بالقطع الناقص وهو الذي أثبت النسبة بين محيط الدائرة وقطرها وأحسن استخدام الحقائق التي اتصلت إليه ممن قبله كما أنه أجاد في بسط أفكاره وآرائه وصبها في أسلوب قريب المنال على من بعده. واستخدم الهندسة في الميكانيكيات وكشف كثيراً من القواعد الأساسية اللازمة لهذا الاستخدام واكتشف ناموس الثقل النوعي واستعان به على ترويض القوى الطبيعية وهكذا صرف عمره في العلم والعمل إلى أن قتل وهو لاهٍ في الأشكال الهندسية التي رسمها على الرمل المنبسط أمامه في غرفته قتله الرومان يوم فتحهم مدينة سرقوسة في جملة من قتلوا غيره من العلماء والفلاسفة والخطباء في كل فتح فتحوه وبلادٍ دوخوها.
قلت عندما وصلت إلى هذا الموضع من مقالتي وذكرت مقتل أرخميدس على يد الجند الروماني ألقيت القلم من يدي ووقفت برهة أجيل في خاطري تاريخ الدولة الرومانية التي يطنب الإفرنج بها ويفخرون بعرض جاهها وسعة سلطانها فما مررت للرومان على عمل جليل خدموا به الإنسانية ومهدوا فيه سبيل العلم. نقول عملاً جليلاً ونريد به عملاً يليق بمثل دولتهم ويذكر معهم فيعرف الإنسان حقهم عليه مادام ودامت الأرض بسكانها. ولم أعثر لهم إلا على جيوش متألبة وقوادٍ متنازعة وسيوف مخضبة بالدماء ومدن تركوها
стр. 534
خراباً ودول اسكتوا نأمتها آخر الدهر وعلم أجهزوا على بقية القائمين فيه بدون أن يرثوه عنهم. فهم محقوا التمدن الفينيقي في قرطجنة وقوضوا عمران البطالسة في مصر واستأصلوا جرثومة العبرانيين من فلسطين وأجهزوا على الدولة السلوقية في سورية والعراق وحالوا دون ترقي العمران الساساني في بلاد فارس وأخمدوا شرارة التمدن الذي بدأ يظهر في آسيا الصغرى ونقضوا معاهد العلم والفلسفة والصناعة والسياسة في بلاد اليونان وما تفرع عنها في جزائر البحر المتوسط وبسطوا ظلهم الكثيف على أنقاض هذه الأمم والدول وملؤوها بملاعبهم ومراقصهم وساحاتهم التي شغلوها بصراع الأسود والثيران ومواقف الجنود والفرسان. ولولا أن قام العرب في أواخر دولتهم وأخذوا العلم اليونان واحتفظوا به إلى الخلف في العصور المتأخرة لما كان وصل إلينا من علوم المتقدمين شيءٌ ينقع الغلة. وأغرب من هذا أن كتاب الإفرنج في هذا العصر يغضون الطرف عن الأضرار التي ألحقها الرومان بالتمدن الإنساني ولا يعدونهم من المخربين الأشرار ولو كان الرومان دولة شرقية لأسرع كل كاتب فيهم إلى نعتها بالتخريب والتدمير والإضرار والفساد كما ينعتون دولة التتر التي رفعها جنكيزخان وتيمورلنك هذه جملة معترضة مرت في خاطري وأنا أكتب هذه المقالة فأثبتها وأنا أعلم أن ليس هذا موضعها ولكنه خاطرٌ عنَّ فأثبتناه وفكرٌ ألم فقيدناه.
وبعد أرخميدس اشتهر أبولونيوس المولود حوالي سنة ٢٤٠ قبل الميلاد بما كشفه من أعمال الهندسة الوضعية وهي تعيين محال النقط والخطوط المجهولة وله مقالات في قطع المخروط جاءت في ثمانية كتب انتهى إلينا سبعة منها واستخرج الثامن هالي الفلكي في القرن السابع عشر للميلاد مستعيناً على استخراجه بما نقله بابوس من مكتشفات أبولونيوس منثوراً في فقر شتى. وهذه المقالات كان لها شأن باهر بين علماء الهندسة بعده حتى لقبوه بالمهندس الأكبر فقد أوضح فيها خصائص البؤر والمحترقات ووضع مبادئ المباحث في القطبيات والناميات والحدين الأعظم والأقل. والذي بقي إلى هذا العصر من مؤلفاته كان أكثره محفوظاً في الكتب اليونانية وكان قسم منه منقولاً إلى العربية فأخذ عنها.
بعد ما تركه أرخميدس وأبولونيوس من الآثار في الهندسة صار يصعب على من يأتي بعدهما أن ينال نصيباً من الشهرة في هذا الفن فإنهما لم يتركا للخلف باباً مغلقاً إلا ما كان
стр. 535
بالغاً حد الإعجاز فمر أكثر من قرن قبل أن ظهر نيفوميدس في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد واشتهر بأبحاثه في المنحنيات وقياسها مستعيناً عليها بالطرق الميكانيكية وفي قضايا النسبة ذات الوسط المشترك وفي تثليث الزاوية.
وظهر معه هبار كوس الذي هو أول علماء الفلك المعروفين ومخترع الإسطرلاب ومكتشف الاعتدالين وواضع التقاويم للنجوم بأطوالها وعروضها السماوية والذي هو مرجع بطليموس في علم الهيئة. أما في الهندسة فقد اكتشف عدة حقائق في المثلث الكروي والمرتسمات والأظلال وغيرها مما له تعلق في علم الهيئة وهو آخر من بقي له ذكر من علماء الهندسة قبل الميلاد.
وفي آخر القرن الأول بعد الميلاد ظهر منالاوس فوضع مؤلفاً في الكرويات كشف فيه كثيراً من خواص المثلث الكروي وهو أقام القضية الأساسية في أبحاث القاطع وصفاته.
وفي أوائل القرن الثاني بعد الميلاد قام بطليموس الذائع الصيت في فني الهيئة والجغرافيا ووضع عدة تآليف أهمها كتابه الذي سماه العرب المجسطي وعنوا بها الأعظم وعنهم أخذ الإفرنج الكتاب واسمه وفي النقول التي عثرت عليها رأيتهم يقولون أن العرب وضعوا له هذا الاسم ولعلهم أخذوه من اليونانية ثم أدخلوا عليه أداة التعريف. وهذا الكتاب يبحث في علم الفلك إنما فيه كثير من مباحث المثلثات المستوية والكروية وفيه حقائق كثيرة في خواص الكرة منها ما هو من مكشوفات بطليموس ومنها ما هو مأخوذ عن هبار كوس الفلكي.
بعد بطليموس لم يشتهر أحد في فن الهندسة حتى أواخر القرن الرابع للميلاد حين ظهر بابوس ونشر كتابه الذي سماه المجموعة الرياضية وأثبت فيه كل القضايا والاكتشافات التي كانت في أيامه منقولة عن أشهر الرياضيين ونسب كل واحدة إلى صاحبها وأضاف إليها كثيراً من الحواشي تسهيلاً لفهمها وهو أول من ذكر التناسب غير الموسيقي. وفي القرن الماضي عثروا له على عدة قضايا في مسح السطح المتعرج الممتد الواقع بين خطين متعرجين مؤلفين من أقواس كثيرة مثل مجاري الأنهار والطرق غير المستقيمة وكان الأب غولدن اليسوعي قد نشر هذه القضايا في أوائل القرن السابع عشر وادعاها لنفسه وعبرت دعواه هذه على العلماء نحو قرنين حتى ظهرت الحقيقة عند العثور على
стр. 536
كتب بابوس ووجود قضايا غولدن فيها قبل أن يولد هذا الأب اليسوعي بأكثر من اثني عشر قرناً.
البقية تأتي
فارس الخوري
стр. 537
النهضة الأميركية
معربة من مبحث لأحد علماء فرنسا
يقول بعض الباحثين أنه لم يعهد أن تحسنت الصلات السياسية بين الإسبانيين والأمريكيين في دور من أدوار التاريخ وأنه ما كانت صداقة بين الأمتين قط. حالة متسلسلة من عهد خريستوف كولمبس فاتح أميركا الأول فإنه اعتبر هذه القارة أرضاً مفتوحة فراح الاسبانيول من سهول قشتالة الوعرة والعجب أخذ من نفوسهم ينقضون على تلك الأراضي البكر ويسخرونها لأمرهم. فلم يحترموا معابد الشمس في بلاد الانكاس وربطوا خيولهم في قاعات القصور في المكسيك وراحوا يسفكون الدماء ويملؤون جيوبهم بالمال نهمين إلى أخذه وبذلك أصبحوا ملوكاً في العالم الجديد وأخضعوا أميركا الجنوبية إلا أقلها لسلطان قهرهم بالسيف والنار وأطاعتهم جزائر الأرخبيل الانتيل وجزءٌ عظيم من أميركا الشمالية حتى ساغ لشارلكان ملك إسبانيا أن يقول أن الشمس لا تغرب عن ممالكي ولكن لكل فجر شفق ولكل علو نزول. فقد تألفت في حجر البلاد المفتوحة على توالي القرون أجناس جديدة تنبه فيها فكر الاستقلال.
وبينما كان ملوك إسبانيا في قصر الأسكوريال غارقين في فسادهم (كما كان أسلافهم ملوك الأندلس لما طردهم الإسبانيون منها) غافلين عما يدبر في تلك الأصقاع النائية من بلاد أميركا كانت حركة الأفكار على أتمها في هذه البلاد. ولم يكد يجتاز نابليون جبال البرينيه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا حتى قامت بلاد أميركا الجنوبية على ساق وقدم وحذت المكسيك حذوها فانسلخت عن إسبانيا تلك الزهرات واحدة بعد أخرى. وفي غضون ذلك كانت تنمو مملكة الشمال من أميركا قد تجسد فيها فكر التبسط والتوسع داعية إسبانيا عدوتها القديمة للقتال مستندة إلى طالع قوتها وكان نجماً ساطعاً على حين كان نجم إسبانيا قد خوى وهوى.
وكان غير مذهب مونرو كيان تلك البلاد كما حرر سيف بوليفار أرض الجنوب من رق العبودية للدول الغربية. ولم يبق للإسبانيين من تلك الأصقاع المتنائية الأطراف بأسرها غير جزيرة كوبا فكانت لهم بمثابة جوهرة بديعة من بين تلك الحلي التي أضاعتها. فكوبا لؤلؤة الأرخبيل بلاد الأحلام والخيالات التي يمتد فيها سماط من الذهب الأخضر من حقول
стр. 538
قصب السكر وتختلط بنجوم الأرض وسهوبها المعشبة وبحقول التبغ التي يعبث بهال النسيم وترنحها نسمات الغدو والآصال وبالغابات الغلباء الغبياء حيث يدوي الجراد الوردي الحاد ويطير وهناك بحيرات صافية تضطجع فيها التماسيح مستلقاة على فرش من النيلوفر المزهر.
ظل العلم الأوربي خافقاً على تلك الجزيرة التي طالما تسكعت في العبودية ولم تبد نواجذ الشر وسكان الولايات المتحدة من وراء ذلك يحرقون الأرم غيظاً من ذلك. وما فتئ سكان الشمال منذ انتشر مذهب مونرو إلى أن انتشرت مذكرة ماكنلي سنة ١٨٩٨ يتربصون الدوائر بالاسبانيول ولا يكتمونهم العداء وقد دارت سياستهم في تلك الجزيرة على منع أية دولة أوربية مهما كانت قوتها من الاستيلاء على كوبا. واغتنمت الولايات المتحدة فرصة ضعف إسبانيا لتأخذ منها كوبا بالمال مباشرة أو بمعاضدة الثوار أو إشهار الحرب بالواسطة ودامت إسبانيا سنين طويلة ترقب وقوع هذه القنيصة في كفها. وما أشبه أميركا في مراقبتها إسبانيا إلا بنسر بالغ أشده ممتع بقواه ينقض على باز هرم لا منقار له ولا مخلب.
وفي غضون ذلك تبايع الماسونيون في تلك الجزيرة على الموت أو الاستقلال وقامت من بعد ومن قبل ثورات طفيفة كان القائمون بأمرها يخافون لأول أمكرهم البوادر حتى إذا كان عام ١٨٦٠ قام ثلاثة رجال ممن أشربت قلوبهم حب الحرية الحقيقية يحاولون استقلال بلادهم وقد خص كل منهم بمزية لا يشاركه فيها صاحبه وكان ثالثهم قائد جموع الزنوج وهم ثلث سكان الجزيرة فاشتعلت بهم جذوة الفتنة وكانوا النافخين في ضرامها من أقصى البلاد إلى أدناها. وبيعت الأسلحة للثائرين ودامت الحرب بين الثائرين والإسبانيين والولايات المتحدة ترقب من طرف خفي ما يحل بالجزيرة وتشهد إسبانيا تنفق أموالها وتمزق رجالها. ثم فسدت أحوال الموظفين والإسبانيين في كوبا وصاروا ينالون وظائفهم بالرشى والمحاباة فضج السكان وراحوا يتألفون عصابات تحت راية القائم هناك وأتتهم النجدات من كل الجهات. واتفق أن أرسلت إسبانيا عليهم أحد قوادها فأجرى من الفظائع والفضائح ما أسود له وجه إسبانيا أمام العالم المتمدن فزادت نفوس الكوبيين شموساً واشمئزازاً وقويت شكيمتهم على دفع صائل الإسبانيين وخلع نير سلطتهم.
وفي ١٢ أبريل (نيسان) سنة ١٨٩٨ أصدر رئيس جمهورية الولايات المتحدة بلاغاً أخيراً
стр. 539
إلى إسبانيا أعلن فيه الحرب عليها وحجته أن انتشار الفوضى في الجزيرة وطول أمدها وحب الإنسانية والأضرار التي لحقت بمصالح حكومته التجارية دعته أن يضع حداً لهذه الفتن لئلا يكدر صفاء الجزيرة. وقد عرف الكوبيون ما انطوت عليه صدور الأمريكان من الرغائب فخاطبهم أحد رجال السياسة بقوله: أنتم الدولة التي فسحت للأيرلنديين والبولونيين مجال الرجاء في الاستقلال وظهرت هذه المرة حكومة أميركا بمظهر العظمة وأن القول قولها فيما تريد لا تنازعها دولة أوربية فيما تنويه من حماية حقوقها. وكانت حرب الأمريكان مع الاسبانيول ذات بال وهي في الحقيقة لا خطر فيها عليهم ولم تمض أيام حتى حطم أسطولهم أسطول الإسبانيين في سانتياغو وعقدت عهدة الصلح في باريس فتخلت إسبانيا عن جزائر الفليبين لقاء عشرين مليون دولار وعن بورتوريكو وكوبا بدون أن تتعهد الولايات المتحدة بدين كوبا.
دخلت كوبا تحت حكم الولايات المتحدة سنة ١٨٩٨ وخرجت منها سنة ١٩٠٢ على وجه قل في الدول من يروقه العلم به. ذلك أنها لم ترغب في أن تحيد عن سنن الإنسانية فعملت بالحكمة المأثورة عن واشنطون مؤسسها الأول من أن المستقبل مضمون لأحسن الناس أخلاقاً فرأت أميركا أن ليس من الإنصاف أن يقاتل الأمريكان عن جزيرة تريد نزع السلطة الأجنبية ويأخذوها غنيمة باردة وهم أنصار الحرية الأقدمون ورجال السياسة المحنكون ولمستقبلهم باسمون وبعظمته مستبشرون. فمن ثم حافظوا على مصالحهم في الجزيرة وجعلوا لها حكومة جمهورية. ورفع تمثال إيزابيلا الكاثوليكية من المتنزه العام وكان قائماً فيه منذ مائتي سنة ونصب تمثال الحرية وغادر الحاكم الأميركي أرض الجزيرة بين الهتاف والدعاء لدولته بالنصر ولكوبا باشتداد الأزر (في الشهر الماضي اضطرت الولايات المتحدة أن تعود فتجهز جيشاً على كوبا لقمع ثائرة الثائرين).
دخلت الولايات المتحدة في مسألة فنزويلا سنة ١٨٨١ رغم إنكلترا ولم ترهب أساطيل هذه وعظمتها البحرية بل دفعها إلى ما تريد آمالها في النهضة الأميركية وما ترى لنفسها الحق فيه والاحتفاظ به من مثل مبدأ مونرو عدم مداخلة الأوربيين في أميركا تلك القارة التي لها حق التصدر فيها وأفضلية الحكم على سائر أقطارها وأهلها وأنها هي هي المرجع في كل المسائل الاجتماعية التي تعرض لأميركا والأمريكان يهددون إنكلترا ضمناً في المفاوضات
стр. 540
السياسية الطويلة حتى ساغ لهم بها أن يجروا ما أرادوا في فنزويلا مشيعين أن المخترع أديسون الشهير قد اكتشف مدافع تطلق قنابل من الديناميت وسلاسل مهلكة وأدوات كهربائية تبيد جيوشاً. بمعنى أن أميركا إذا أعلنت حرباً على أية دولة من دول أوربا لابد أن ترجع مكللة بأكاليل النصر وتكون إنكلترا أو غيرها مثلاً في يد الولايات المتحدة كما كانت إسبانيا في يدها كالفارة بيد القط. ثم فضت المسائل وانتهت بدوي مدافع الأمريكان في كوبا على ما أرادت الولايات المتحدة وتخلصت إنكلترا من هذه الورطة أحسن تخلص خائفة أن يصيب مستعمرتها كندا ما أصاب مستعمرات غيرها في أميركا من قبل.
ثم قامت الفتن بين الأحرار والمحافظين في كولومبيا دامت إلى سنة ١٩٠٠ فتداخلت الولايات المتحدة بواسطة أحد رجالها وكفت عوادي الشر فصار لها بذلك نفوذ أدبي متزايد وعلت مصلحتها فوق المصالح وكان لها الفضل في حقن الدماء وإغماد سيف الفتنة والعداء. وبينما كان الأمن يعود إلى نصابه في كولومبيا كانت حكومة فنزويلا تسيل دماً نجيعاً لاختلاف الكلمة على رئيسين لها يتنازعان السلطة. حرب قتل فيها نحو ثلاثين ألف رجل ومع هذا هونت بعض الجرائد أمر هذه الفتنة ودعتها بحرب الرواية الهزلية. وقد ساعدت الولايات المتحدة كولومبيا على فنزويلا في الباطن في مسألة التخوم بين تينك المملكتين وقامت أميركا الشمالية تدفع عادية من يريد كولومبيا بسوءٍ وحجتها أنها لا ترضى إلا باستتباب أسباب التجارة في برزخ باناما وأنها ما لجأت إلى القوة في هذا المعنى إلا لما عجزت كولومبيا عن ذلك.
قضت الفتن الأهلية وتجييش الجيوش والتعويضات والنهب أن تكون خزانة حكومة فنزويلا أفرغ من فؤاد أم موسى وماليتها أضعف من جسم العليل بعلة قديمة حتى تضرر من ذلك أرباب الأموال من الأجانب النازلين فيها ولاسيما الإنكليز والألمان والطليان بل تضررت ثروة الغرباء من الأوربيين كلهم ورعايا الولايات المتحدة أيضاً وأنذرت ألمانيا حكومة الولايات المتحدة بسوء المصير. وسنة ١٩٠١ أعلن سفير جرمانيا الولايات المتحدة أن دولته تضطر إلى استعمال القوة في فنزويلا إذا لم تجب هذه مطالب الماليين الأجانب ثم عادت تلك الدول الثلاث والغضب آخذ منها مأخذه لسلب حقوق رعاياها حتى اضطرت السفن الألمانية أن تغرق سفينتين فنزويليتين وعندها قامت الولايات المتحدة تقول أنها
стр. 541
ترضى بتحصيل المطاليب من فنزويلا ولكنها لا ترضى بأن تضم دولة أوربية إلى حكمها أرضاً أميركية تغنمها في حرب تشهرها على فنزويلا. وأصبحت هذا البلاغ وعززته بثلاث وخمسين بارجة حربية وأربعة عشر ألف جندي لإيقانها بأن غاية تلك الدول وألمانيا في المقدمة أن يحصرن مرافئ فنزويلا ويحكمن فيها بعد بما أردن. ثم قر رأي كل من ألمانيا وإنكلترا وإيطاليا على أن يحكمن المستر روزفلت رئيس الولايات المتحدة في هذه المهمة فأبى إباء تلطف ثم عهد إلى أحد رجاله فحل الأشكال سنة ١٩٠٣ وأرضى دول أوربا الثلاث الكبرى حتى اعترفن للولايات المتحدة بأنها صاحبة الشمال كما هي المسيطرة على الجنوب وأن بيدها تطبيق مفاصل مبدأ مونرو في كل ناحية من أنحاء القارة الأمريكية وأنها وإن كان منها الغيم والمطر في هذه الزعازع فقد أوردت الأشكال وجرى على يدها حله فحق لمونرو وأشياعه من بعده أن يهتزوا في قبورهم طرباً بهذا الظفر وبنجاح مبدأهم رغم أنف المعاند والحسود.
стр. 542
التفاسير والمفسرون
من كتاب التعليم والإرشاد
التفسير من العلوم التي قارنت ظهور الإسلام ونزول القرآن على النبي (ص) إذ كان ما من آية تنزل على النبي (ص) إلا ويفسرها لأصحابه إلا أنه تأخر تدوينه إلى عصر تابعي التابعين استغناءً بالحفظ عن الكتابة ولندرة الكتاب فيهم مع اشتغالهم كافة بالحروب لنشر الدعوة الإسلامية ثم دون على ما ستراه بعد هذا.
فالمفسرون من الصحابة الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وأكثر من نروي عنه في التفسير من الخلفاء الأربعة علي ﵁ لتأخر وفاته وابن مسعود روي عنه أكثر مما روي عن علي لاشتغال علي بالخلافة ومحاربة الخوارج وغير ذلك وأما ابن عباس حبر الأمة وعالمها وترجمان القرآن فقد روي عنه في تفسير كتاب الله ما لا يحصى كثرة وأحسن الطرق عنه طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة وعليها اعتمد البخاري في صحيحه وطريق قيس بن مسلم الكوفي المتوفى سنة عشرين ومائة عن عطاء بن السائب وطريق اسحق صاحب السيرة وأوهى طرقة طريقة الكلبي عن أبي صالح والكلبي هو أبو النصر محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ست وأربعين ومائة فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير فذلك سلسلة الكذب. ومن الطرق الواهية عنه طريق مقاتل بن سليمان الأزدي المتوفى سنة خمسين ومائة إلا أن الكلبي يفضله لما في مقاتل من المذاهب الرديئة وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة فإن الضحاك لم يلقه فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة فضعيفة لضعف بشر وإن أخرج له ابن جرير وابن أبي حاتم وإن كان من رواية جرير عن الضحاك فأشد ضعفاً لأن جريراً شديد الضعف متروك الحديث ولذلك لم يخرج له ابن جرير في تفسيره.
هذه طرق تفسير ابن عباس جيدها ورديئها نقلناها برمتها وميزنا غثها من ثمينها لئلا يغتر كل أحد بنسبتها إلى ابن عباس فإن لابن عباس منزلة في تفسير القرآن لا تضارع وليس
стр. 543
كل من روى عنه شيئاً محقاً في روايته بل فيهم الضعيف والكذاب فينبغي لمن نقل له شيءٌ عن ابن عباس في التفسير أن يتبين الطريق التي روي له منها فإن كانت من الطرق الجيدة اعتمدها وإلا ردها.
وأما أبي بن كعب المتوفى سنة عشرين فعنه في التفسير نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه وهذا الإسناد صحيح ولا أعلم لها وجود إلى يومنا هذا. وأما مفسرو التابعين فمنهم مجاهد بن جبر المكي المتوفى سنة ثلاث ومائة قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وعلى تفسيره اعتمد الشافعي والبخاري ومنهم سعيد بن جبير المتوفى سنة أربع وتسعين وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة خمس ومائة وعطاء بن أبي رباح المتوفى سنة أربع عشرة ومائة وطاوس بن كيسان المتوفى سنة خمس ومائة وهؤلاء كلهم أصحاب ابن عباس والآخذون عنه.
ومنهم علقمة بن قيس المتوفى سنة اثنتين ومائة والأسود بن يزيد المتوفى سنة خمس وسبعين وإبراهيم النخعي المتوفى سنة خمس وتسعين والشعبي المتوفى سنة خمس ومائة وهؤلاء أصحاب ابن مسعود ومنهم عبد الرحمن بن يزيد ومالك بن أنس والحسن البصري وعطاء الخرساني ومحمد بن كعب القرظي المتوفى سنة سبعة عشر ومائة وأبو العالية رفيع بن مهران المتوفى سنة تسعين والضحاك بن مزاحم وعطية بن سعيد المتوفى سنة إحدى عشرة ومائة وقتادة والسري الكبير والربيع بن أنس.
ثم جاء بعد هؤلاء طبقة دونوا التفاسير وجمعوا فيها بين أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة ووكيع ابن الجراح وشعبة ابن الحجاج ويزيد بن هرون وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس واسحق بن راهوبه وروح بن عبادة وعبد الله بن مجيد وأبو بكر بن أبي شيبة.
ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى حذت حذو التي قبلها إلا أنها اتسعت في الرواية والطرق التي جاءت الرواية منها كابن جرير وعلي بن أبي طلحة وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وابن المنذر وغيرهم.
ثم انتصب من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى فألفوا تفاسير مشحونة بالفوائد وأقاويل الصحابة والتابعين إلا أنها محذوفة الأسانيد كأبي اسحق الزجاج وأبي علي الفارسي وعلي بن أبي طلحة وأبي العباس المهدوي وحذا حذوهم أبو جعفر النحاس وأبو بكر النقاش إلا أنهما
стр. 544
اقتصرا فاستدرك الناس عليهما.
ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين عن هؤلاء فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراً فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل ثم صار كل من نسخ له قول يورده ومن خطر بباله شيءٌ يعتمده ثم تناقل المؤلفون ذلك خلفاً عن سلف واعتمدها الناس واندرست كتب الأئمة لعدم الباحث عنها فاندرست كتب التفسير وعلم التفسير ولم يبق في أيدي الناس شيءٌ مما يصح الوقوف به والاعتماد عليه. قال السيوطي رأيت في تفسير قوله تعالى غير المغضوب عليهم نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي (ص) والصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم لذلك خلافاً لأحد.
ثم نبغ بعد هؤلاء قوم نبغوا في بعض العلوم فكل واحد منهم ملأ تفسيره بما غلب على طبعه من الفنون واقتصر على ما تمهر فيه كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم فقط فالنحوي ليس له إلا تكثير وجوه الإعراب وإن كان بعضها بعيداً ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر والأخباري ليس له إلا القصص والأخبار عمن سلف من الأمم حقاً كان ذلك أو باطلاً كالخازن والبقلي. والفقيه يورد الأحكام الفقهية وربما استطرد إلى ذكر أدلتها ورد كلام المخالفين فيها إلى غير مما لا ارتباط له بعلم التفسير بوجه من الوجوه كما فعل القرطبي في تفسيره وصاحب العلوم العقلية يشحن كتابه بأقوال العلماء والفلاسفة ومناظراتهم والرد عليهم كما فعل فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير.
وصاحب البدعة من أهل كل مذهب يملأ كتابه ببدعه ويؤول كل ما يمكنه تأويله من آي القرآن للاستدلال به على بدعته فإن عرض له من الآيات ما يخالف بدعته عمد لصرفها عن ظاهرها واختلق لها معنى لا يعارض بدعته ولا يبطلها وإن لم يكن بيده حجة على تأويل القرآن وصرفه عن ظاهره الذي كلف الناس بالعمل به غير مخالفته لبدعته التي يرى أنها الحق الصراح وأن نصوص الشرع وإن خالفتها يجب أن ترد بالتأويل إليها.
وهذه طريقة عامة المفسرين من أهل الكلام كل واحد منهم يستدل بالآية على ضد ما يستدل بها مخالفه عليه ومن قرأ تفاسيرهم رأى كيف يغلب حب النفس على الإنسان فيخرج به إلى نقض أساس دينه وتشويه محاسنه ويرحم الله أبا العلاء حيث يقول
стр. 545
وكم من فقيه خابط في ضلالة ... وحجته فيها الكتاب النزل
والملحد يشحن كتابه بالكفر والخرافات وأنواع الإلحاد ويجعل القرآن حجة على كفره ويؤول النصوص القرآنية للوصول إلى هذا الغرض كما فعل أهل التفسير من المتصوفة ومن قرأ تفاسيرهم لم يصدق أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين. وأكثر الناس يقرؤون كل ما يبصرون ويعتقدون كل ما يقرؤون لا يفرقون في الأقوال بين حق وباطل ولا في الرجال بين مسلم ومبتدع وملحد والأمر لله العلي الكبير.
ومجمل القول في علم التفسير أنه مهجور بين الطلاب طلاب العلوم الشرعية في الممالك الإسلامية كلها وأن من نظر منهم في كتاب من كتبه نظرة من غير قصد أو بقصد لا يصحبه شيء من الاعتناء والاهتمام وعنايتهم بالدواوين الشعرية على أنهم لا يتعاطون نظمه ولا يحسنون لو تكلفوه فوق اعتنائهم بعلم التفسير أضعافاً مضاعفة. والذي يقرؤون شيئاً من كتب التفسير يشتغلون بكل شيءٍ سوى التفسير فيضيع المقصود من الفن فيما بين تلك المباحث التي لها أول وليس لها آخر.
والذي ينظر فيما طبع من نحو قرن في مصر وهي محط رجال العلوم الدينية وكعبة العلوم التي يفد إليها الحجاج من جميع الآفاق والقدوة لجميع أهل الأمصار يرى العجب العجاب. يرى أن الذي طبع منها إلى الآن تفسير الجلالين بحاشية الصاوي وبحاشية الجمل. البيضاوي بحاشية الشهاب. الكشاف بقطعة من حاشية السيد. تفسير فخر الدين الرازي. تفسير أبي السعود. النسفي. تاج التفاسير. ابن جرير الطبري طبع من نحو سنتين فقط. الدر المنثور للسيوطي. تفسير ابن عباس وبعض تفاسير ضئيلة.
هذه هي كتب التفاسير التي تتداولها أيدي الناس اليوم وهي التي يعتمد عليها طلاب العلوم الشرعية في تفسير كتاب الله جل شأنه والوقوف على المراد منه.
فأما تفسير الخازن وهو أكثر كتب التفاسير تداولاً وأعظمها انتشاراً بين عامة المسلمين وطلبة العلوم الشرعية فهو الكتاب الذي يقف القلم حائراً عند وصفه لا يدري ما يقول فيه وما الذي يحذر به المسلمين منه وخير ما يقال فيه أنه مجموعة الأكاذيب ولا أرى إلا أن الإنسان لو جرد ما فيه من الأكاذيب الموضوعة على لسان رسول الله (ص) والأقاصيص الكاذبة التي وضعها اليهود كقصة بابل والغرانيق وارم ذات العماد وغيرها لكانت فوق
стр. 546
نصف الكتاب وبعد ذلك فأشياءٌ إن لم تضر لم تنفع.
وهو على اشتماله على هذين الوصفين اللذين هما من أقبح أوصاف المؤلفات فهو العمدة لعامة المسلمين وأكثر طلبة العلوم الشرعية وأكثر انتشاراً بينهم. ولقد أرى أن نسخه التي نشرت في مصر لا تقل عن مائة ألف نسخة فسد بواسطتها عشرة أضعاف هذا العدد من المسلمين ودخل عليهم في دينهم ما ليس منه من حديث موضوع وتفسير مفترى. ومن العجيب أنه لا يوجد في علماء الإسلام من ينهى الناس عن نشر مثل هذه الكتب المفيدة للعلوم والشرائع المضرة بالأخلاق والعقائد وقد لا يخلو بلد من بلاد الإسلام عن قوم من أهل العلم ولو قليلين يعرفون ما في هذه الكتب من المفاسد ولا يحظرون على الناس استعمال هذه الكتب لاتقاء شرها بل ربما سئلوا عنها فأثنوا عليها خيراً مسايرة لأميال الناس عامة ومصانعة لهم فيما هو من أهم مهمات الدين.
وأما تفسير الجلالين بحاشيتيه الجمل والصاوي فهما يساويان تفسير الخازن انتشاراً وكثرة تداول إلا أن انتشار الخازن بين العوام أكثر وانتشار هذين بين الخاصة نعني طلاب العلوم الشرعية أكثر. فأما الشرح فهو غاية في الاختصار لا يمكن الاستقلال به في فهم كتاب الله تعالى مع علل فيه أخر يعلمها من جمع بينه وبين بعض تفاسير المتقدمين الموثوق بها وبمؤلفيها وأما حاشيتاه الضخمتان فهما من مؤلفات متأخري أهل العلم بمصر وحسبك هذا في معرفة منزلتيهما بين المؤلفات. . .
وأما الكشاف ومختصره للقاضي البيضاوي فهما المشكلة التي لا تحل إجمالاً وإغلاقاً وغموضاً ولشدة عراقتهما في ذلك أكثر المتأخرون من تعليق الحواشي والشروح عليهما لبيان عباراتهما وتوضيح مقاصدهما حتى لو جمعت الحواشي والشروح التي عليهما لا ربت على ألف مجلدة وما ذكره صاحب كشف الظنون مما كتب عليهما قليل من كثير ولولا أنهما بحيث يخفيان إلا على من ألف حل الرموز والطلاسم واستخراج المخبآت لم يعتن من جاء بعدهما بالتوسع في الكتابة عليهما والمبالغة في توضيح غوامضهما. وفوق هذا كله اشتمالها على مسائل كثيرة خارجة عن التفسير بالمرة لا ترتبط فيه بوجه من الوجوه كالمسائل الكلامية التي حشيا به كتابيهما وهي ليست من فن التفسير ولا من متعلقاته وإنما كان الغرض من ذكرها بيان معتقديهما والاستشهاد له بكتاب الله.
стр. 547
ويلحق تفسير أبي السعود بهذين التفسيرين فإنه صورة أخرى لهما مع بعض تغييرات قليلة جداً ويلحق تاج التفاسير بتفسير الجلالين ونسبته إليه كنسبة تفسير أبي السعود إلى تفسيري الكشاف والبيضاوي وإن اختلف عنه فيسيراً.
وأما تفسير فخر الدين الرازي وهو كتاب العامة والخاصة وعمدة الناس في هذا الموضوع فأبو حيان المفسر يقول في تفسيره تفسير الإمام فخر الدين فيه كل شيءٍ إلا التفسير. وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير بل البحر العميق ولقد يفتح الإنسان جزءاً من أجزاء هذا التفسير للمراجعة والكشف فيه عن آية من آي كتاب الله فلا يشعر إلا وقد توسط بحراً لجياً لا يخلص الإنسان منه إلى ساحل. ويظهر مما كتبه الإمام فخر الدين في مقدمة كتابه أنه قد أودع كتابه كثيراً مما لا تعلق له بعلم تفسير كتاب الله ولا ارتباط له.
ولقد رأينا لمتأخر من متأخري المصريين يدعى السحيمي حاشية على شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد تقع في أربع مجلدات ضخام على أن الأمير وهو أطول باعاً منه في علم الكلام وأدق نظراً استوعب الكلام على شرح عبد السلام في مجلد صغير وكان في قدرة السحيمي أن يضيف إلى مجلداته الأربع أربعة أخر ولكن رأى أن الاقتصار على هذا المقدار كاف في البلاغ إلى ما قصده من البرهان على سعة اطلاعه.
وجاء الألوسي من متأخري أهل العراق فأخذ تفسيره من تفسير الإمام فخر الدين إلا أنه حذف منه كثيراً من الزوائد وأضاف إليه وأحسن غاية الإحسان شيئاً من أقوال سلف المفسرين ومتقدميهم وإن لم يميز بين ما قوي سنده من هذه الأقاويل وما وهي فبقي في الأمر بعض لبس وإشكال وأضاف إليه أيضاً جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة.
وأما تفسير الدر المنثور للجلال السيوطي فقد زعم أنه اختصر به على حسب عادته تفسير ابن جرير الذي جمع فيه صحاح الأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله تعالى وبيان أسباب النزول وأضاف السيوطي في مختصره أحاديث واهية الإسناد في هذا الموضوع نفسه ومزجها بتلك الأحاديث أحاديث الأصل فاختلطت بها حتى لا يمكن التمييز بينها وقلت الثقة في الجميع.
وأما تفسير محيي الدين فهو مسخ للقرآن ونقض للدين من أساسه ويرى بعض الباحثين أنه ليس من مؤلفات محيي الدين وإنما هو من مؤلفات القاشاني أحد الملاحدة الباطنية نسبه
стр. 548
لمحيي الدين لبروجه بين عوام المسلمين ومن يستميتون إلى ما يقوله محيي الدين مهما كان حاله. والظن بمحيي الدين أنه لا يضع مثل هذا الكتاب ولا يذهب هذه المذاهب الفاسدة في تفسير كتاب الله تعالى. وسواءٌ كان من مؤلفات محيي الدين أو غيره فإن انتشاره بين المسلمين بحت ضرر سيما ولا موقف يوقف الناس على الصحيح والفاسد من هذه الكتب.
وأما تفسير ابن عباس فهو من مؤلفات مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس جمع فيه رواية محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس وقد علمت مما ذكرناه في المقدمة حال ابن السائب الكلبي وضعفه وقلة ثقة العلماء بمروياته.
هذه كتب التفسير التي نقرأها اليوم وإن كان قد فاتنا ذكر شيءٍ منها فإنه لا يخرج عن مضارعة واحد من هذه الكتب التي ذكرناها فلم يبق بيدنا ما يصح الاعتماد عليه والثقة به غير تفسير ابن جرير وهو الحسنة الوحيدة للمطابع الإسلامية بعد قرن وأكثر من ظهور المطابع في الممالك الإسلامية ولوال أن بعض أمراء الأعراب من سكان الجزيرة العربية راسل بعض تجار الكتب بمصر في شأنه وأعانه على ذلك بمساعدات جليلة لم يظهر له ظل في عالم المطبوعات اكتفاءً عنه بالخازن والجمل.
стр. 549
الاستشفاء بالموسيقى
ملخصة من مقالة في المجلة الباريسية
قال أفلاطون: لم يبعث الأرباب فن الموسيقى لإدخال السرور على البشر واللذة على حواسهم بل لتسطين اضطرابات نفوسهم وتهدئة تلك الحركات المشوشة التي لا مندوحة لجسد مليء بالنقص عن الشعور بها. فجعل الأطباء قديماً وحديثاً هذه الكلمات نصب أعينهم عرف ذلك من ثباتهم على المحاولة في شفاء مرضاهم بالأنغام فاستعملوا الموسيقى لشفاء أو تخفيف الصرع والسويداء والإب (النزاع إلى الوطن) والخبل وضيق الصدر والهوس والجنون والبلادة والسير والتكلم في حال النوم والخدر والنقطة والهستريا والسكتة والفالج والسرسام وداء الأعصاب والحميات والنقرس وعرق النسا والرثية روماتيزم والطاعون والحميراء والكلب وغيرها كما استعملوها لشفاء الجروح والقرصات السامة ولتقوية الهضم والتنفس وترشيح الأخلاط فللموسيقى أهمية في الطب وتستخدم للتمريض.
كانت تتم في القديم معرفة فنون الشعر والموسيقى والطب لشخص واحد. يقول ألين (الكاتب اليوناني من أهل القرن الثالث) أن ترباندر وتاليت وترتي كانوا أطباء موسيقيين وأوصى كسينوكرات وأبقراط واسكلبيادس وكاليين وأرتي وسليوس اورليانوس وتيوفراست باستخدام الموسيقى في عدة أمراض عندما تنقطع الحيلة من العلاج في بعض الأدواء. وكان الأحياء والأموات يسمعون أدوات الطرب. قال مونارك أن القدماء كانوا يسمعون المحتضرين بعض الألحان وربما اسمعوها من قضوا نحبهم لعلهم تعود الحياة إليهم. وقال سليوس اورليانوس أن فيثاغورس كان أول من استعمل الموسيقى في شفاء الأمراض وأنه جرب ذلك في بلاد اليونان. وقال بورهاف (١٦٦٨_١٧٣٨) لا بأس بنسبة جميع الخوارق التي رويت عن الرقيات والأشعار في شفاء الأمراض إلى الموسيقى التي كان قدماء الأطباء يجيدونها.
استعملت الموسيقى في عصرنا لمعالجة عامة الأمراض فأصدر بونابرت أمره إلى أجواق موسيقى كتائب جيش الشرق أن تصدح كل يوم تحت نوافذ المستشفيات ولا تزال أجواق الموسيقى العسكرية إلى اليوم في كثير من الحاميات في الولايات تذهب مرة أو مرتين في الأسبوع لتنغم بأبواقها أما مرضى الجند.
стр. 550
ولقد عزمت إحدى جمعيات الإحسان في إنكلترا على تحقق تأثير الموسيقى في تسكين الآلام الطبيعية والأدبية في كثير من الأسقام فألفت من مرضى الموسيقيين عصابة تقوم في مكان خاص بها تتناوب العمل فيه ليل نهار لنقل الأنغام الموسيقية بواسطة أسلاك التلفون إلى قاعات مخصوصة من كل مستشفى كبير في لندرا. فأسفر ما جرى من التجارب في هذا الشأن حتى الآن عن نتائج مهمة. وأقل ما نجم من الفوائد أن أخذ المضطربون من المرضى ينامون ملء جفونهم واستراحوا من التشويش والتبلبل.
وتألفت في سهالنبورغ جمعية من النساء المريضات لتصدح كل يوم بالقرب ممن أجريت لهم العمليات بالأنغام الموسيقية صوتية كانت أو آلية فثبت أن درجة حرارتهم كانت تنزل وأن آلامهم تخف. ومثل ذلك جرب في مستشفى بلتون بإنكلترا. والكمنجة هي الآلة المستعملة في الأكثر. وأحسن الآلات استعمالاً في حال الأرق علبة موسيقية بسيطة تدور بحركة ساعة دقاق أو بمحرك كهربائي. بيد أن تأثير الموسيقى في المرضى يحتاج إلى درس طويل إذا أخذ بمجموعه لا على التعيين.
نشر أحد أطباء الألمان كراسة في فعل الموسيقى في النفوس فقال أنها إذا أضعفت الأصحاء فهي تسكن حواس المرضى وأنها لتنفع في أوجاع الرأس والدوار والإغماء واستشهد على ذلك بامرأة كان صوت الأرغن يضيع رشدها فيعروها جذب وكانت تلك الآلة بعينها تحدث نفس التأثير في فتى طلياني كان مصاباً بالدودة الوحيدة. ذكر روسو الفيلسوف أن كاهناً كان إذا سمع صوت الأرغن يتأثر حتى ليضطر إلى مغادرة الهيكل وعلى العكس في رجل من قومه كان يستولي عليه وهو في حالة السماع ضحك عصبي يستلزم إخراجه من الكنسية.
لاحظ الطبيب المشار إليه أن الموسيقى تعدل سير الدم وتحسن حالة التنفس فإذا كانت الأنغام الموسيقية حادة بهجة تبرق العين وتزيد حمرة الوجه ويسرع النبض وتنمو حرارة الجسد ويضرب القلب ويسعل الهضم وإذا كانت الأنغام الموسيقية كئيبة وبطيئة تحدث للعين غشاوة ويصفر الوجه وتقل رطوبة الجلد ويزداد تواتر الدم إلى القلب ويضعف ضرب النبض ويقل التنفس ويطول.
قال وتفعل الموسيقى في المجموع العضلي فبها يتحمل الجنود الشدائد والمتاعب فتتضاعف
стр. 551
قوتهم عندما يباشرون القتال وتؤثر أيضاً في التهييج العضلي فإنك ترى أناساً يرقصون من الليل ويطيلون الرقص وما كانوا ليقوموا بهذه الرياضة لولا سماع الأنغام. فالمرأة مهما بلغ من لطف مزاجها وتأثرها من أقل تعب ينالها يهون عليها الرقص ساعات على صوت آلات الطرب. ثم أن الملاح والمعدن والبحري يتغنون عندما يقومون بأعمالهم الصعبة.
يحب صاحب المزاج الدموي من الموسيقى ما أفرح وجاز على السمع وكان طبيعياً في الوضع. ويفضل السوداوي من الموسيقى الشديد القاسي العالي. ولا يحب البلغمي شيئاً من أنواع الموسيقى. أما أهل الدعة والسكون والعلماء فلا يجيدون الشعر ولا يحسنون صنعة الغناء. على أن في هذا القول نظراً لأن القول بأن المزاج الفلاني لا يقبل النغم الفلاني هو ناشئ لا من المزاج فقط بل من الوراثة والمحيط والتربية ولقد عرف علماء لا يرتاحون للموسيقى ورأيت من لا يفضلون شيئاً عليها وشهدت من يتوفرون عليها ويعتدلون في سماعها.
وضع الطبيب المنوه به ست قواعد لاستعمال الموسيقى في شفاء الأمراض أولها أنه كلما كانت الموسيقى طبيعية وأعربت عن اللغة الطبيعية في الفكر تؤثر في النفوس كثيراً ولاسيما في نفوس من لم يتعلموا التعليم الكافي. ثانيها لما كان لكل بلاد أنغامها الخاصة بها فإن الموسيقى تؤثر في الروح كلما قربت من هذه الأنغام. ثالثها ينبغي أن تكون الموسيقى متناسبة مع درجة تأثير الموضوع. رابعها ينبغي أن يحدث تأثير الموسيقى ببطءٍ فيبدأ مع السوداويين باستعمال ألحان يتدرج فيها من الخفيف إلى القوي ويستعمل من الألحان الشديد أمام أصحاب النفوس الغضبية. خامسها اختيار الآلات المستعلمة للغاية التي تطلب فصاحب المزاج السوداوي يرتاح لسماع الطبل والبوق ذي الأنبوبتين وكذلك المزمار والعود يناسبان مزاجه. سادسها تطرب الموسيقى الطبقات العالية أكثر مما تؤثر في الطبقات النازلة.
ومن رأي هذا الطبيب أن الموسيقى تشفي صاحب السويداء كما تزول بها الكآبة والحزن وتبعد الخوف. ولقد أجمع الفلاسفة على أن شيئين إذا عادلا ثالثاً يكونان هما متعادلين فإذا كانت الموسيقى نافعة في إزالة الكدر والسويداء هما في الحقيقة شيءٌ واحد. فإن أبقراط حدد السويداء بأنها الكدر والخوف.
стр. 552
وهنا أورد صاحب المقالة حوادث من التاريخ في أوربا ولاسيما في فرنسا تدل على ما نفع من الأنغام في مداواة بعض الأسقام ولاسيما الجنون والاختلال وداء النقطة مما دل على أنه أحاط بالموضوع من جميع أطرافه وقتله درساً واطلاعاً. ثم قال أن الإسلام انتفع من تأثير الموسيقى لتحريض أشياع الحسين الشهيد على الجذب والتهيج وذلك بقرع الطبول المتواتر على إيقاع متساوق سريع فيردد الشيعة على نغم الطنبور ألحاناً مقفاة حتى ينتهي الحضور بأن لا يعودوا يتأثرون للضرب ولا للجرح. وكذلك الحال في دراويش الهند فإنهم يستعملون كلمة واحدة ويكثرون من ترديدها فتؤدي بهم إلى الجذب مصحوباً بقلة التأثر.
وبعد أن أفاض في إيراد حوادث القدماء وأخبار عنايتهم بالموسيقى في شفاء بعض الأمراض قال أن مراد الرابع (١٦٢٣) أثرت فيه الموسيقى فعقد النية على أن يبقي على أخوته الذين كان ينوي اهراق دمهم وأن فرنسيس الأول بعث إلى سليمان الثاني بجوق من الموسيقى فلاحظ هذا أن شراسة خلقه لطفت بسماع ألحانهم فأسف من جراء ذلك كثيراً ولم يلبث أن طرد للحال جميع الموسيقيين من حضرته.
وجملة القول أن الموسيقى تؤثر في الدورة الدموية في الإنسان والحيوان ويزيد بها ضغط الدم وينقص وتتبع هذه التقلبات تأثير تهييج الأعصاب السمعية. وأن آلات الطرب والصفير ليظهر فعلها بتحسن في تشنج القلب خاصة. وتغيير الدم الناتج من تأثير الموسيقى يناسب تحول التنفس وإن كان يتجلى ذلك مستقلاً عن تحول التنفس. يزيد الستركنين في تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية والكورار على العكس يضعفه.
والكلورال (نوع من المخدرات) والكحول والأفيون تضعف أيضاً تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية وتغيير الدورة الدموية تابع لارتفاع الصوت وشدته بل لارتفاع الجرس ونزوله. ولتغير الدورة الدموية دخل كبير في ذاتية الحيوان والإنسان ولاسيما في جنسية الإنسان وتابعيته.
وعلى من أراد الوقوف على تأثير الموسيقى في أحد أعضاء الجسم سليماً كان أو سقيماً أن يفرق بين العناصر التي ينبعث منها ذاك التأثير. فالهزج واللحن والإيقاع تؤثر تأثيرات مختلفة بحسب تركيبها وتلحينها. وفي الختام نقول أن الاستشفاء بالموسيقى قديم العهد وقد ظل محتفظاً بأهميته العلمية والعملية على حالة واحدة رغم اختلاف العصور.
стр. 553
مطبوعات ومخطوطات
كتاب التعليم والإرشاد
ينقضي الشهر والشهران بل السنة والسنتان ومصر لا يكاد يصدر فيها كتاب ترجح حسناته على سيئاته ونفعه على ضره ولذلك ترانا عند نشر كتاب نافع في موضوع جدي نهلل له كثيراً ونبتهج به أيما ابتهاج. والكتاب الذي أمامنا لمؤلفه الكاتب الفاضل السيد محمد بدر الدين الحلبي هو من الكتب النافعة في الإصلاح الإسلامي. وأي إصلاح أجدى على مجتمعنا من إصلاح طرق التعليم بعد أن أجمع عقلاؤنا منذ قرون أنه مختل معتل ولا نهوض للأمة إلا برده إلى أصوله والسلوك به في مبيع السداد.
تصفحنا الكتاب برمته فرأيناه يدور على ثلاثة أقطاب الأول في العلوم التي يشتغل طلاب العلوم الشرعية اليوم بها وبيان ما تمس حاجة المسلمين إلى الاشتغال به وما لا تمس وفي الإسلام غنية عنه لأنه دون لا لخدمة الدين بل لمصلحة دينية وقد مضى زمن تلك المصلحة ولم يبق من حاجة إلى النظر فيه. الثاني بيان حقيقة المؤلفات التي يشتغل بها طلاب العلوم الشرعية وذكر النافع منها من غيره والإشارة إلى ما يجب الاشتغال به من الكتب الجيدة النافعة والكتاب أحد الأستاذين. الثالث النظر في طرق التعليم وكيفيته في المدارس الإسلامية عامة في مصر والغرب والشام والهند وغيرها وبيان جيدها من رديئها وذكر طرق التعليم النافعة التي كان يجري عليها التعليم في القرون الأولى ليعمل به في أيامنا هذه.
ولقد رأينا المؤلف تلطف في ما كتبه وغلب على ذهنه صحته فوصف عقم طريقة التعليم التي هي أحرى أن تسمى أزهرية لأنها منه نشأت وصف من ذاق فعرف ومما قاله في قلة الناجحين فيها: ولو أردنا أن نحصي عدد الناجحين من أولئك المستعدين لتعلم العلوم الدينية نجاحاً نسبياً لم يكونوا أكثر من واحد في كل مائة ولو طلبنا الناجحين حقيقة الذين يمكنهم القيام بوظيفة التعليم لم يكونوا أكثر من واحد في الألف إن كثر عددهم. وجاء في مكان آخر وأثبت بالإحصاء أنه لم ينجح في امتحان الفقه الحنفي سوى اثنين في المائة أو في المائتين.
تكلم المصنف بدون مصانعة على فساد الكتب التي تدرس والطريقة المتبعة في التدريس
стр. 554
وذكر علم المنطق وأبطل قول القائلين وجوب الاشتغال به وبين أنه لا جدوى منه في المطالب العقلية وتكلم على علم الأصول والفقه والتوحيد ومن رأيه في الاجتهاد أنه ليس بمحظور على أحد من الناس وليس بضربة لازب على كل إنسان بل أن من رأى منه ما يؤهله للقيام بأعباء هذه الخطة العظيمة فله أن يجتهد ويعمل بما أداه إليه اجتهاده قال وإنا لا نجيز لأحد يرى في نفسه صلاحية للاجتهاد أن يدعو الناس إلى العمل بقوله والأخذ بما أداه إليه اجتهاده لا لشيء سوى أننا نرى أن في ذلك توسيعاً لباب الخلاف بين المسلمين ونحن في حاجة إلى تضييقه إلى أن يقول وخير من الاشتغال بهذا وأجدى للمسلمين اختيار ما يوافق أهل كل عصر ومصر من أقوال الأئمة المجتهدين والعمل بها وترك التقيد بمذهب أمام واحد من الأئمة وفي هذا من التوسيع على المسلمين والنظر إليهم ما لا ينكر وقعه. وأطال في علم الكلام وسماه العلم المشئوم ودعا إلى وجوب تركه على نحو ما دعا إلى ذلك كبار رجال الإسلام في القديم قائلاً أن ليس من فائدة فيه سوى زعزعة أركان الدين ونقض أساسه. وتكلم على علوم البلاغة وأثبت أن لا حظ لأرباب المدارس الدينية منها وأفاض في أنه لا عذر للناس اليوم في استعمال كتب المتأخرين مع وجود كتب المتقدمين وقال أنه من أقبح آثار هذه الكتب أنها تضعف الفكر.
وختم كتابه وهو في ٢٩٠ صفحة بالكلام على الأزهر وسوء حالته متعلقاً بأهداب الأدب الذي يشكر عليه وقد اقتبسنا منه في غير هذا الوضع فصلاً في التفسير والمفسرين دلالة على أسلوب المؤلف في الانتقاد وأخذنا عليه أنحاءه على المدارس النظامية وطرق تعليمها وإنكاره إدخال بعض العلوم كالتاريخ والجغرافيا إلى الأزهر مع أنه لا يتم علم العالم إلا بمعرفة تاريخ أمته وتقويم بلادها على الأقل كما رأيناه لم يصب المرمى في كلامه على علم الأصول ومهما يكن فإن الكتاب من جيد المصنفات النافعة وعساه يوفق إلى نشر الجزء الثاني المتعلق بالإرشاد في أقرب وقت جزاه الله عن العلم خير الجزاء.
المدونة الكبرى
انتهى طبع الجزأين الخامس عشر والسادس عشر من هذا الكتاب الذي نوهنا به في بعض الأجزاء السالفة وبطبعهما تم طبع المدونة لإمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي وقد أورد طابعها الفاضل الحاج محمد الساسي المغربي في آخر الجزء سماع هذه المدونة عن
стр. 555
أعلام من العلماء آخرهم عبد العزيز بن عامر وذلك في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من الهجرة بالقيروان وقد كان على النسخة الأصلية النفيسة تقارير وفوائد لأكابر علماء المالكية كالقاضي عياض وابن رشد وغيرهما وهي مكتوبة بقلم عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي في أجزاءٍ كثيرة جداً وتاريخ كتابتها سنة ٤٧٦. فنهنئ الطابع الذي ربح من هذا الكتاب مادة ومعنى ونأمل أن يطبع غيره من الأمهات النافعة ليستفيد بذلك ويفيد.
الأخلاق والسير
هو كتاب مداواة النفوس لابن حزم الأندلسي عني بطبعه الفاضل الأديب الشيخ أحمد عمر المحمصاني الأزهري طبعه على نسخة قديمة ظفر بها فجاء به بعض زيادات عن الطبعة الأولى التي طبعت منه منها قوله كانت في عيوب فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها حتى أعان الله على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه. وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله. فمنها كنف في الرضاء وإفراط في الغضب فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلاً شديداً وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤمٍ ومنها دعابة غالبة فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر بل كلفت احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء فقصرت نفسي على تركها فذهبت ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة الخ وهو في زهاء مائة صفحة صغيرة ويطلب من المكاتب الشهيرة في مصر والشام. وحبذا لو اعتمدته نظارة المعارف المصرية لتدريس الأخلاق.
تذكار ديوان راغب وصبري
стр. 556
هو آخر ما طبع الشاعر الأديب الشيخ رشيد مصوبع اللبناني من شعره اللطيف أهداه لعطوفة إدريس بك راغب وسعادة إسماعيل باشا صبري من أعيان مصر ومن شعره في وصف غني كبير توفي عن امرأة حسناء ولم يأت حسنة في عمره.
ليس بدعاً إن لم يشيعك قوم ... في الحمى من خيارهم والعيون
من يعش في الحياة غير ثمين ... يتولى للقبر غير ثمين
لا تلم حاملي اليراع إذا ما ... فزت منهم بالندب والتأبين
ليس بدع بأن يلاقى ضنين ... من أكف الكرام كف ضنين
وقال في انقلاب الزمان:
يعبس الدهر ثم يبسم حينا ... هكذا هكذا نقضي السنينا
وتمر الخطوب تعدو غنيَّ النا ... س لكن ما فاتت المسكينا
ويعيش الغني دوماً بشوشاً ... ويعيش الفقير دوماً حزينا
كل دار يحلها المرءُ إن كا ... ن غنياً إنساً يرى وحدينا
لا جمال ولا جلال ولا علم ... سوى درهم يرن رنينا
وقال:
وتأوي إلى أوكارها طير أيكةٍ ... وجنب فقير لا يلامس مرقدا
ترى في وجوه البائسين تضاؤلاً ... وفي وجنات الموسرين توردا
وهذا الجزء ٩٦ صفحة جيدة الطبع فنثني على همة الناظم الأديب ونحث الأدباء على اقتناء شعره.
مجموع رسائل في أصول الفقه
الأولى من أصول الشافعية للإمام ابن فورك الأصبهاني المتوفى سنة ٤٠٦هـ والثانية من أصول الظاهرية للشيخ محيي الدين بن عربي الأندلسي المتوفى سنة ٦٣٨ والثالثة من أصول المالكية لنجم الدين الطوفي البغدادي المتوفى سنة ٧١٦ والرابعة للجلال الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١ جمعها الأستاذ الفاضل الدراكة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي وعلق على بعضها شروحاً نافعة لطلابها في بابها وطبعت طبعاً جيداً فوقعت في ٨٠ صفحة منصفة القطع فنحث على اقتنائها.
стр. 557
تاريخ أساس الشريعة الإنكليزية
أو سنة الارتقاء في نظام الحكومة الإنكليزية ومصدر القوانين الأساسية للحكومات الدستور كلها تأليف دافد وطسن وتعريب الكاتب البارع نقولا أفندي حداد وهو كتاب أجاد مؤلفه في وضعه ومعربه في نقله وطابعه في طبعه جاء فيه من الفوائد التاريخية الاجتماعية الموجزة ما لا يستغني عن الاطلاع عليه كل محب للاطلاع على تاريخ هذه الأمة العظيمة وقد وقع في ١٩٠ صفحة متوسطة فنحث الأدباء على مقتناه وهو يطلب من طابعه حضرة إبراهيم أفندي فارس صاحب المكتبة الشرقية بمصر وثمنه عشرة قروش أميرية.
كتاب معجم البلدان
كادت تعد كتب الأسلاف التي طبعها الأوربيون في مطابعهم وصححوها بمعرفتهم على المواد التي لديهم في مقام المخطوطات النادرة لغلاء أسعارها وقلة الظفر بها ولذلك يشكر من أعاد طبعها وأجاده منا كالذي أحيا كتاباً مخطوطاً لم يكن معروفاً من قبل إلا عند الخاصة. ومعجم البلدان هو من أمهات الكتب الممتعة في الجغرافيا القديمة بل من أهم الكتب الأدبية والتاريخية وهو أشبه بقاموس بوليه الفرنسي في الجغرافيا والتاريخ إلا أن هذا كتاب حديث ومعجم البلدان قديم يمتاز على بوليه بالآداب والأشعار وذكر أبناء هذه البلاد الشرقية وأصقاعهم خاصة.
طبع أحد علماء ألمانيا منذ عهد طويل هذا الكتاب فكادت تنفد نسخه وعز الظفر بها حتى على الغني وجعله في أربعة أجزاءٍ ضخمة ما خلا الفهرس البديع الذي كان ألحقه به وقد عني هذه السنة حضرة الأديب محمد أمين أفندي الخانجي بطبعه في القاهرة فأنجز منه حتى الآن سبعة أجزاءٍ ولم يبق سوى جزءٍ ثامن من الكتاب الأصلي وهو تحت الطبع وسيجعل له ذيلاً في مجلدين آخرين سماه منجم العمران فيما فات ياقوت من أسماء البلدان فيتم بذلك عشرة مجلدات في نحو خمسة آلاف صفحة لا يستغني عنه أديب ولا مؤرخ ولا جغرافي وفي يقيني أن هذا المعجم تنفد نسخه عما قريب بالنظر لما اشتهر عن ياقوت الحموي من العلم الزاخر والتحقيق الباهر بالنسبة لعصره. وقد تولى تصحيح الكتاب الأستاذ الفاضل الأديب الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي فنثني على مصححه وطابعه أطيب ثناءٍ والكتاب يطلب من هذا في القاهرة بثمانين قرشاً مصرياً قبل تمام الطبع وبمائة
стр. 558
قرش بعده وعساه يوفق إلى طبع غيره من الكتب النافعة المهمة.
رواية موريس
أو ابن الغريب عربها عن الإنكليزية بتصرف الأديب كامل أفندي بطرس وأهداها لصديقه الشاعر الكاتب البليغ محمد أفندي أمام العبد قال المعرب: فارتاحت نفسي إلى ترجمتها ترجمة لا تغضب اللغة ولا تسيء إلى الأسلوب العربي بقلم كالمرآة لا يخدع الناظر إليه وما أقدمت على ما أقدمت عليه إلا بعد ما ألفيتها كالبكر في خدرها لا تعيب ولا تعاب فكانت في معزل عن كثير من الروايات التي كتبت فكادت تغير من أخلاق البشر بقدر ما غيرته من الحقائق.
النهضة الشرقية
وهي مقالات نشرها سعادة الوجيه عطا بك حسني من أعيان القاهرة في بعض الجرائد السيارة وعني بجمعها الكاتب الأديب ذي المعزة عبد المسيح بك انطاكي صاحب جريدة العمران الغراء فجاءت في زهاء ٢٨٠ صفحة صغيرة ووصف فيها رحلته إلى الأستانة وذكر أراءً له خصوصية بشأن حكومات الإسلام وثمن النسخة الواحدة عشرة قروش وهي تطلب من طابعها وجامعها في القاهرة.
وقائع الحرب
عرف فارس أفندي الخوري في مصر بأنه عالم كاتب باحث ولم يشتهر عنه ما اشتهر به في الشام بأنه شاعر مجيد أيضاً وقد طبع له هذه الآونة صديقه الدكتور الفاضل حسين أفندي حيدر أربع قصائد في تاريخ حرب الروس اليابانية التي نشبت في ٨ فبراير (شباط) ووضعت أوزارها في ٥ سبتمبر (أيلول) ١٩٠٥ كان نظمها على ذاك العهد وألم فيها بالأسباب التي دعت إلى إشهار الحرب وذكر المعارك البحرية والبرية المهمة التي دارت بين الصفر والبيض وأتى على أسماء القواد والوزراء فصبها في قالب الشعر مع المحافظة على كيفية التلفظ بها في لغاتها الأصلية بدون تكلف وفسح للانفعالات النفسانية والتخيلات في الوصف مجالاً رحباً في تضاعيف الأبيات ومزج التقرير التاريخي مع الخيالات الشعرية بحيث لم تعد منظوماته تاريخاً مجرداً ولا وصفاً شعرياً مفرداً بل جمعت بين الاثنين ولقد كان من المتواتر على ألسن الناس في وصف الشعر بأن أعذبه أكذبه فلما تأملنا
стр. 559
ملياً ما نظمه الناظم المشار إليه قلنا إن أعذب الشعر أصدقه لأنه لم يخرج عن الصدق فيما قال عن الحرب أو روى. وهذه المنظومات أجمل تاريخ يحفظ لأعظم حرب نشبت منذ عرف التاريخ إلى الآن.
قال في وعيد الروس لليابانيين
وعيد جله صوت جهور ... ومن ذا يرهب الصوت الجهورا
ذوات الناب ليس تضر شيئاً ... إذا صخبت وأكثرت الهريرا
وقال عند غرق الأميرال مكروف على الدارعة بتروبالسك
مضى يجتاز فوق فخاخ طوغو ... كملاح يحاذر أن يجورا
إلى أن شقت الغمرات فاها ... وأصعدت البلايا والسعيرا
فشاهد تحت أخمصه جحيما ... وقد فتحت قذائفه حفيرا
كأن جهنماً وجدت سبيلاً ... ومطوياتها لقيت نشورا
كأن هناك بركاناً تلظى ... وأطلق في الفضا ناراً ونورا
كأن البحر غضبان عليهم ... لما جروا على الدنيا شرورا
طوى بضميره حنقاً فلما ... دنا مكروف كاشفه الضميرا
هوت فيه السفينة في خليج ... وكانت قبل تخترق البحورا
ومن وصفه اليابانيين في وقعة يالو
أقام الروس في يالو قلاعاً ... على تحصينها صرفوا شهورا
مسيل النهر دونهم فظنوا ال ... سعدى لا يستطيعون العبورا
ومن خاض البحور إلى الأعادي ... أيأبى أن يخوض لهم نهورا
مشى اليابان لا يخشون بؤساً ... وماء النهر يكتنف الصدورا
بجيش كل من فيه جريءٌ ... تمنى للأعادي أن يطيرا
إلى أن يقول
ولا عجب لمختال مدل ... إذا أخلى الحواضر والثغورا
إذا غفل الرعاة عن المواشي ... فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا
وأن الخاشع اليقظان يكوي ... بحد حسامه البطل الفخورا
стр. 560
كذلك من توخي البغي متناً ... تراه بدون معثرة عثورا
وقال في إعجاب الروس بقوتهم واحتقارهم خصومهم لقماءتهم
لقد شمخوا على اليابان لما ... رأوا جنديهم قزماً زميرا
وقالوا سوف نطحنهم فتغدو ... قبورهم الضواري والنسورا
ولكنا على يالو وكنشو ... وجدنا القول بهتاناً وزورا
فعرض الجسم لا يغني فتيلاً ... وطول القد لا يجدي نقيرا
الست ترى الوليد وفيه حزمٌ ... يسوم الفيل خسفاً والبعيرا
رهام الطير تنخلع ارتياعاً ... إذا رأت البواشق والصقورا
وقال في انتصار اليابان في معركة شاهو
ترى للعين من حنق شرارا ... وللأسنان من ألم صريرا
وللأرواح من جزع غياباً ... وللأشلاء من عجز حضورا
تمنى الجيش لو كانوا خشاشاً ... إذن ولجوا المخافر والوكورا
ولو كان الخيار لهم بمتن ... ضمين للنجا اختاروا الطيورا
تمنى الروس لو خلقوا إناثاً ... وسبوا اليوم إذ ولدوا ذكورا
إذن ولي الرجال النضج عنهم ... وهم لزموا المنازل والخدورا
وقد حسدوا الشيوخ على مشيب ... كما حسدوا المشوه والصغيرا
وقد لعنوا الحروب وخائضيها ... ومن أضحى لجمرتها مثيرا
وقالوا ليتنا كنا اتحدنا ... وقاتلنا المسبب والمشيرا
إلا رحم امرؤٌ حر شجاع ... يجاهد ملكه أو يستشيرا
وقدس سر سلطان تنحى ... تفرده وقال الأمر شورى
ومما قاله في وصف وقعة مكدن
ملائكة السلام خلت وأضحى ... شياطين الشرور مشمرينا
كأن رذائل القتل استحالت ... فضائل فاعلوها يفخرونا
كأن قذائف النيران رسل ... أتت توحي التهور والجنونا
تجيء من السماء بمعجزات ... تؤيد ما ادعتهُ فيؤمنونا
стр. 561
فما صعقات موسى فوق هذا ال ... هزيم يضعضع الجبل المتينا
على ورع تمجس آل عيسى ... كأن النار نار جبال سينا
كأن الهم فيها تجلى ... إذا ما استقبلوها يسجدونا
وقال في هزيمة الروس
عجب الأنام لشدة الغلب الذي ... ذاقوا ولو غلبوا فذلك أعجب
فتغلب اليابان فيه غرابة ... لكن جهل الروس أمر غريب
هجموا ولا علم لهم بخصومهم ... ماذا أعدوا للدفاع وألبوا
من ذا يغول الليث وسط عرينه ... إلا الشقي الغمر من لا يحسب
نصبوا حبائلهم وقد وقعوا بها ... إن الظلوم يصاد في ما ينصب
إلى أن يقول
ركبوا من البغي الوخيم حقائباً ... فرس البغاة حقيقة لا تنجب
ما كان في الأسطول إلا غرة ... وخيانة وظلامة وتعصب
فهوى والاستبداد كان رفيقه ... وفساد روسيا كذلك يصحب
عرفوا بأن الظلم ليس بغالب ... عدلا ول اصدع التعسف يشعب
والمستبد المستجيش عبيده ... إن نازل الأحرار لا يتغلب
أيفوز مهضوم الحقوق بمن لهم ... حرية بصدورهم تتلهب
ظفر الذي اعتاده جهل بمن ... اعتاده علم رجاءٌ مجدب
فالعلم منصور اللواء مؤيد ... والجهل مشقوق الجبين مخيب
والعدل ليث عاصم لجواره ... والظلم خصم أن تعرض ثعلب
وقال في هذا المعنى
كثرت شكاويهم وقالوا خانهم ... قدرٌ وغالبهم قضاءٌ أغلب
ذو الحزم يتخذ النتائج راضياً ... والغمر يتهم الزمان ويعتب
وقال في مولد ولي عهد روسيا أثناء الحرب مخاطباً أهل البلاط الروسي:
طمحت إلى أرض السوى أبصارهم ... ولسلبها حشدوا الجيوش وجندوا
أمروا بقتل النفس وهي بريئة ... وعصوا وصايا ربهم وتمردوا
стр. 562
إلى أن يقول مخاطباً الطفل
ها أنت تنمو في عناية والد ... حانٍ يذود السوء عنك ويطرد
والبعض من أبناء جيلك لا ابٌ ... يحنو عليهم إن بكوا وتنهدوا
آباؤهم سقطوا بساحات الوغى ... ليوسعوا لك دولة ويمهدوا
فإذا نموا وملكت فارفق ذاكراً ... حق الذين على ولاك استشهدوا
وعساك تنشأ عادلاً لا تدعي ... إن الجميع لأجل عرشك أوجدوا
فالملك جسم والعدالة درعه ... درع بمجبوك الحديد مسرد
والملك بستان أعز سياجه ... عدل به ريح المخاوف تركد
يتوقع الإصلاح منك وليتنا ... نحيا لنعرف ما يجيء به الغد
وقد ألحق الطابع بهذه القصائد كتاباً كان بعث به الفيلسوف تولستوي الروسي إلى القيصر الحالي يعظه وينصح له ويذكره بحال رعيته معربة بقلم الناظم أيضاً فجاءت هذه الرسالة حاوية من النثر والنظم وأرقه وأنفعه فنثني على الناظم والطابع بما هما أهله والرسالة تطلب من المكاتب الشهيرة في مصر وثمنها ثلاثة قروش صحيحة وهي جيدة الطبع والورق في ٦٨ صفحة منصفة القطع.
стр. 563
سير العلم
آثار مصرية
اكتشفت بالقرب من أهرام أونياس ضريح يرد عهده إلى خمسمائة سنة قبل الميلاد وعثر فيه على جثة الكاهن هو كمنساف وعليه آثار كثيرة من الآنية الخزفية وغيرها وعثر في تل بالزقازيق على حلي أكثرها مرصع بالأحجار الكريمة مثل اسورة وأقراط وعقود وكؤوس ومشربيات من الفضة والذهب وكلها حسنة في صنعها ووضعها فنقلت إلى المتحف المصري.
طلاب الشريعة
يؤخذ من إحصاءٍ وضعه العالم ذي المعزة أمين بك سامي ناظر مدرسة الناصرية والمعلمين أنه كان عدد طلبة العلم في الأزهر هذه السنة ٩٧٥٨ وعدد المدرسين ٣١٧ وعدد طلبة الإسكندرية ٤٤٠ و٣٩ مدرساً وعدد طلبة الجامع الأحمدي ٥١٦١ ومدرسيهم ٧٠ وأن مجموع طلاب الشريعة في القطر ٢١٣٥٢ والعلماء المدرسين ١٠٢٥ وأن في الأزهر ٦٦١ من الطلبة غير المصريين.
الخدام
يشكو أهل أوربا من تناقص عدد الخدام سنة بعد أخرى على توفر أسباب الرفاهية وما تقتضيه من الحاشية والغاشية وقد أفاض أحد الباحثين في هذا الموضوع فظهر له أنه كان في فرنسا ٨٩٢٧٥٩ خادماً و١٣١١٤٧١ خادمة سنة ١٨٦٦ فنزل عددهم سنة ١٨٩٦ إلى ١٦٠١٨٣ رجلاً و٧٠٣١٤٨ امرأة وإذا دامت الحال على ذلك تضطر أكثر حكومات الغرب إلى تأسيس مدارس للخدمة بعد قليل من السنين.
الخطوط الحديدية في أميركا
ذكرت مجلة المجلات النيويوركية بحثاً في الخطوط الحديدية التي أنشئت وتنشأ في خلال هذه السنة في الولايات المتحدة وكندا فكان مجموع طولها ٣٥ ألف كيلومتر تقتضي من ثلاثة إلى أربعة مليارات فرنك ومن جملة تلك الخطوط خط طوله ١٦٠٠ كيلومتر يجتاز غابات يستخدم خشبها للبناء ولصنع ورق الكتابة ومن جملة ما يستفيد بهذا الخط صقع مضيق هودسون فإنه لم يكن يسلكه قبل عشر سنين إلا بعض تجار يعطون الدراهم
стр. 564
فيبتاعوا بها فراء. وبالسكة اليوم تفتح أبواب هذا المضيق للتجارة العامة.
التربية العملية
رأى أحد علماء الطليان أن بني قومه مقصرون في تربية أطفالهم ولاسيما الطبقة الوسطى منهم فارتأى أن يغرب الأطفال عن إيطاليا ويبعث بهم إلى إنكلترا أو ألمانيا أو أميركا ليتمكنوا من تغيير محيطهم وبيئتهم ويكون لهم من التنقل ما يساعدهم على تعلم الصناعات والتجارة بين تلك الشعوب الراقية. وكانت فرنسا منذ نحو أربعين سنة جرت مع أبنائها على هذه الطريقة لأجل تعليمهم اللغات الأجنبية فكانت تغر بهم لهذا الغرض إلا أنها عادت فضعفت عندها هذه الطريقة في التعليم وأصبحت عندها نظرية على حين أصبحت عند أميركا عملية. ويرى الأمريكان من متممات العلم والعمل أن يبعثوا بأولادهم إلى أشهر عواصم العالم ليطلعوا عليها ويصرفوا فيها زمناً لتطبيق العلم على العمل.
شلالات نروج
نروج من أكثر بلاد أوربا شلالات فقد قدروا قوتها بمليون وربع حصان بيع منها إلى شركات ونقابات أجنبية بما قوته نصف مليون وخمسون ألف حصان واقتضى للإنفاق على جر هذه القوة خمسمائة مليون كورون.
المهندسون في ألمانيا وفرنسا
أورد رئيس جمعية مهندسي الملكية في فرنسا إحصاءً مهماً بخصوص تأسيس مدرسة جديدة في باريس للصنائع والفنون فقال أن في فرنسا ١٦٠٠٠ مهندس تخرجوا في مدارس مختلفة و١٣٨٠٠٠ محل في حاجة إلى مهندسين وعلى العكس في ألمانيا فإنك تجد فيها ٧٦٠٠٠ مهندس ولا تجد فيها غير ٥٥٠٠٠ مركز لهم ولذلك رأى أن تعنى فرنسا بإحداث مدارس عملية ينتدب للتدريس فيها أساتذة تمكنت الصنائع العملية من نفوسهم.
التصعيد في حملايا
جبال حملايا سلسلة من الجبال في آسيا تفصل بين بلاد الهند وتبت وقممها أعلى قمم في العالم فيبلغ ارتفاعها في كاوريزانكار ٨٨٣٩ متراً وفي كنشنجا ٨٥٨١ متراً وطولها ٢٢٥٠ كيلومتراً. وقد نشر لونكستاف سياحة سماها نزهة ستة أشهر في حملايا قام بها في
стр. 565
العام الفارط فقال أنه توصل إلى صعود ٧٣٠٠ متر في صخور ناندا ديفي في غربي نبال فلفت بسياحته أنظار العالم إلى دعوى السائح غراهام الذي ادعى أنه بلغ في تصعيده سنة ١٨٨٣، ٦٨٦٣ متراً في جبل مونال و٧٣٠٠ متر في كابروا وقد قضى السائح لونكستاف ليلة بطولها مع دليله وارتفع ٧٠١٩ متراً عن سطح البحر أي ٢٣ ألف قدم بعد أن سقط نحو ألف متر في الثلج ونجا بقضاءٍ وقدر من الموت. ثم قاسى من ألوان العذاب لقلة الطعام والمنام ما جرأه من الغد على اقتحام المصاعب والتصعيد إلى ٧٣٠٠ متر وبالجملة فقد أثبت هذا السائح ما كان ادعاه غراهام وكان العلماء في شك من دعواه بأنه بلغ ٧٧٢٦ متراً في هذا الجبل الشاهق.
السلك البحري
أنشأت أعظم شركة للأسلاك البحرية في العام الماضي أكبر سلك بحري بين أوربا وأميركا أنفقت عليه ٧٠٠ ألف كيلو من النحاس و٣٥٠ ألف كيلو من الطبرخى الغوتابرشا و٧٠٠ ألف كيلو من أسلاك الحديد والنحاس والقنب والمواد الواقية واقتصدت الشركة ١٥ في المائة من السرعة بالنسبة لبقية الأسلاك الأخرى فتمت به الأسلاك البحرية التي تربط أميركا بأوربا إلى خمسة خطوط وهي اليوم تنشئ خطين آخرين أحدهما من جزيرة مانيلا إلى الصين والآخر من غوام إلى اليابان ويتمان هذه السنة.
مدارس التجارة في أوربا
دهش أحد الأمريكان ممن زاروا أوربا مؤخراً من كثرة ما شاهد من المدارس التجارية في سويسرا قال أن مدنها الحقيرة لا تخلو من مدارس تجارية فإن لمدينة نوشاتل وسكانها ثمانية عشر ألف نسمة مدرسة تجارية يتعلم فيها سبعمائة صبي بينهم خمسة وعشرون من أبناء الأمريكان. وفي مدينة فينا ١٩ مدرسة للتجارة ولألمانيا المقام الأول في هذه المدارس والمدارس التجارية قليلة في إنكلترا ولذلك ترى الأجانب منهالين عليها من كل صوب يتقلدون الأعمال الحسابية في الغالب.
البيض والسود
أفاضت إحدى المجلات الإنكليزية في أفضلية الجنس الأبيض على الجنس الأسود وقالت أن هذه الفكرة المغلطة هي نتيجة كراهية طالما أثرت تأثيراً سيئاً في تاريخ الإنسانية وأن
следующие страницы →